كما تظهر جهوده النحوية وآراؤه الشخصية فى قضايا الإعراب بجواز أقوال رجال هذه المدارس، ومن أمثلة ذلك، ما ذكره ابن عاشور فى تفسير الآية التالية: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (سورة الفاتحة: الآية ٧).
«كلمة" غير" مجرورة باتفاق القراء العشرة، وهى صفة" للذين أنعمت عليهم" أو بدل منه، والوصف والبدلية سواء فى المقصود، وإنما قدم فى الكشاف بيان وجه البدلية لاختصار الكلام عليها ليفضى إلى الكلام على الوصفية، فيورد عليها كيفية صحة توصيف المعرفة بكلمة" غير" التى لا تتصرف، وإلا فإن جعل غير المغضوب صفة للذين هو الوجه، وكذلك أعربه سيبويه فيما نقل عنه أبو حيان، ووجهه بأن البدل بالوصف ضعيف، إذ الشأن أن البدل هو عين المبدل منه، أى اسم ذات له، يريد أن معنى التوصيف فى- غير- أغلب من معنى ذات أخرى ليست السابقة، وهو وقوف عند حدود العبارات الاصطلاحية، حتى احتاج صاحب الكشاف إلى تأويل- غير المغضوب- بالذين سلموا من الغضب، وأنا لا أظن الزمخشرى أراد تأويل غير، بل أراد بيان المعنى» (١).
وابن عاشور فيما ذكره هنا عن الزمخشرى صاحب الكشاف" مدرسة بغداد" فى تقديمه بيان وجه البدلية، وإيراده صحة توصيف المعرفة بكلمة" غير" التى لا تتعرف، وفيما نقله أبو حيان" مدرسة الأندلس" عن سيبويه" مدرسة البصرة" وما أراده الزمخشرى من بيان معنى" غير" لا تأويلها، لم يكن ناقلا فحسب، وإنما تظهر فعاليته ودرايته التامة بهذا الفن، وقد ذهب يذكر وجوه أخرى ل" غير" من مدارس نحوية مختلفة ... قال بعد الفقرة السابقة:
стр. 177
«فالتوصيف إما باعتبار كون الذين أنعمت عليهم ليس مرادا به فريق معين، فكان وزان تعريفه بالصلة وزان المعرف بأل الجنسية المسماة عند علماء المعانى بلام العهد الذهنى، فكان فى المعنى كالنكرة، وإن كان لفظه لفظ المعرفة لإضافته لمعرفة وهو فى المعنى كالنكرة لعدم إرادة شىء معين، وإما باعتبار تعريف غير فى مثل هذا لأن غير إذا أريد بها نفى ضد الموصوف أى مساوى نقيضه صارت معرفة، لأن الشيء يتعرف بنفى ضده نحو عليك بالحركة غير السكون، فلما كان من أنعم عليه لا يعاقب كان المعاقب هو المغضوب عليه، هكذا نقل ابن هشام عن ابن السراج والسيرافى وهو الذى اختاره ابن الحاجب فى أماليه على قوله تعالى: غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ (١)، ونقل عن سيبويه أن غيرا إنما لم تتعرف لأنها بمعنى المغاير فهى كاسم الفاعل وألحق بها مثلا وسوى وحسب وقال إنها تتعرف إذا قصد بإضافتها الثبوت. وكأن مآل المذهبين واحد لأن غيرا إذا أضيفت إلى ضد موصوفها وهو ضد واحد أى إلى مساوى نقيضه تعينت له الغيرية فصارت صفة ثابتة له غير منتقلة، إذ غيرية الشيء لنقيضه ثابتة له أبدا فقولك عليك بالحركة غير السكون هو غير قولك مررت بزيد غير عمرو وقوله غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ من النوع الأول».
وقد ذكر ما نقله ابن هشام (المدرسة المصرية) عن ابن السراج السيرافى (المدرسة البصرية) وما اختاره ابن الحاجب (المدرسة المصرية) فى أماليه، كما ذكر ابن عاشور ما نقل عن سيبويه، وبعد استعراضه لوجوه الخلاف بين هؤلاء فى (غير) ينتهى إلى (وكأن مآل المذهبين واحد) وتعليله فى ذلك أن (غير) إذا أضيفت إلى ضد موصوفها، أى ضد واحد يتساوى فى
стр. 178
نقيضه تعينت له الغيرية، فصارت صفة ثابتة له غير منتقلة، ويوضح ذلك بهذين المثالين: فقولك (عليك بالحركة غير السكون)، هو غير قولك (مررت بزيد غير عمرو)، فالحركة ضد السكون، أو هى غير السكون، أو نقيضها تماما، وله صفة الثبات ولا تنتقل إلى غير هذه الصفة.
أما فى المثال الثانى: فعمرو فى هذا المثال لا تتحقق له الصفة الثابتة اللازمة للنقيض التام، وعلى ذلك فإن قوله تعالى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ من النوع الأول، لأنه مع قوله تعالى: الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ يتناقض تماما فى المعنى المقصود.
وكان ابن عاشور فى تتبعه لأقوال النحاة والمفسرين خصوصا الزمخشرى لا ينى أبدا عن إبداء رأيه فى هذه الأقوال مهما كان الإجماع عليها من رجال المدرسة الواحدة،
أو مع غيرها من المدارس النحوية الأخرى، مقيما الدليل على ما يذهب إليه من القرآن أو الشعر العربى القديم أو ما ذكره العلماء، ولم يعتمد ابن عاشور كثيرا على أقوال النحاة ولا المفسرين فى" الإعراب"، وما أتى به من هذه الأقوال كانت تجد منه معارضة فى أحايين كثيرة مع تقديم الدليل على صحة ما يذهب إليه، وكان يذكر دائما: «والرأى عندى، وعندى، والذى أراه».
أما اعتماده الأكبر فى" الإعراب" فكان على ثقافته الواسعة وعمق درايته بهذا الفن.
ومن المشكلات الإعرابية التى تعرض لها فى الإعراب ما جاء فى تفسير قوله تعالى: لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ
стр. 179
وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً (سورة النساء: الآية ١٦٢).
«وعطف" المقيمين" بالنصب ثبت فى المصحف الإمام، وقرأه المسلمون فى الأقطار دون نكير، فعلمنا أنه طريقة عربية فى عطف الأسماء الدالة على صفات المحامد على أمثالها، فيجوز فى بعض المعطوفات النصب على التخصيص بالمدح، والرفع على الاستئناف للاهتمام، كما فعلوا ذلك فى النعوت المتتابعة سواء كانت بدون عطف أم بعطف، كقوله تعالى: وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ إلى قوله وَالصَّابِرِينَ (١)، قال سيبويه فى كتابه" باب ما ينتظم فى التعظيم والمدح": وإن شئت جعلته صفة فجرى على الأول، وإن شئت قطعته فابتدأته، وذكر من قبيل ما نحن بصدده هذه الآية، فقال: «فلو كان كله رفعا كان جيدا، ومثله: «والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين فى البأساء والضراء» ونظيره قول الخرنق:
لا يبعدن قومى الذين همو ... سمّ العداة وآفة الجزر
النازلون بكل معترك ... والطيبيين معاقد الأزر
وفى رواية يونس عن العرب، يرفع" النازلون" ونصب" الطيبين" لتكون نظير هذه الآية، والظاهر أن هذا ما يجرى وقوعه فى القرآن فى معطوفات متتابعات كما فى سورة البقرة، وفى هذه الآية، وفى قوله فى" الصائبون فى سورة المائدة" (٢).
стр. 180
وابن عاشور- فى هذا المثال- فى دفاعه عن الرسم العثمانى وقراءة المسلمين لأمثال هذه الآية دون نكير يأتى بآيات أخرى تدل على اضطراد هذه القراءات فى القرآن الكريم على أن ذلك كان معروفا عند العرب حيث يمكن عطف الأسماء الدالة على صفات المحامد على أمثالها، فيجوز فى بعض المعطوفات النصب على التخصيص بالمدح" أخص أو أمدح"" المقيمين"، كما يجوز أيضا الرفع على الاستئناف" المقيمون" وذكر ما قاله سيبويه فى هذا الشأن، وما استدل عليه من بيتى الخرنق السابقين، وما رواه يونس بن حبيب بشأنهما، وما جرى وقوعه فى القرآن على هذا النحو.
وفى قوله تعالى:
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (سورة المائدة: الآية ٦٩).
ذكر ابن عاشور:
«موقع هذه الآية دقيق، ومعناها أدق، وإعرابها تابع لدقة الأمرين، وإعرابها يتعقد إشكاله بوقوع قوله" الصائبون" بحالة رفع بالواو فى حين أنه معطوف على اسم- إنّ- فى ظاهر الكلام.
واعلم أن هذه الجملة يجوز أن تكون استئنافا بيانيا ناشئا على تقدير سؤال يخطر فى نفس السامع لقوله: يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ (١)، فيسأل سائل عن حال من انقرضوا من أهل الكتاب قبل مجىء الإسلام، هل هم على شىء، أو ليسوا على شىء، وهل نفعهم اتباع دينهم
стр. 181
أيامئذ، فوقع قوله «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا» والآية جوابا لهذا السؤال المقدر» (١).
ويجوز أن تكون هذه الجملة مؤكدة لجملة وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا (٢) ... إلخ، فبعد أن اتبعت تلك الجملة بما اتبعت به من الجمل عاد الكلام بما يفيد معنى تلك الجملة تأكيد للوعد، ووصلا لربط الكلام، وليلحق بأهل الكتاب الصابئون، وليظهر الاهتمام يذكر حال المسلمين فى جنات النعيم» (٣).
«فالذى أراه أن يجعل خبر" إن" محذوفا، وحذف خبر" إن" وارد فى الكلام الفصيح غير قليل، كما ذكر سيبويه فى كتابه، وقد دل على الخبر ما ذكره بعده من قوله فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ .. إلخ ويكون قوله وَالَّذِينَ هادُوا عطف جملة على جملة، فيجعل الَّذِينَ هادُوا مبتدأ، ولذلك حق رفع ما عطف عليه، وهو" والصابئون" وهذا أولى
من جعل" والصابئون" مبتدأ الجملة وتقدير خبر له، أى والصابئون كذلك، كما ذهب إليه الأكثرون لأن ذلك يقضى إلى اختلاف المتعاطفات فى الحكم مع أقحاف التقصى عن ذلك، ويكون قوله مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ مبتدأ ثانيا، وتكون" من" موصولة، والرابطة للجملة بالتى قبلها محذوفا، أى من آمن منهم، وجملة فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ خبرا عن" من" الموصولة، واقترانها بالفاء لأن الموصول شبيه بالشرط، وذلك كثير فى
стр. 182
الكلام كقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ (١) الآية، ووجود الفاء فيه يعيّن كونه خبرا عن" من" الموصولة، وليس خبر" إنّ" (٢).
وما وقع فى صدر تفسير هذه الآية هو حرص على المعنى أولا، ثم تأتى بعد ذلك وجوه الإعراب، ويبدو ذلك فيما ذكره ابن عاشور أن تكون الجملة استئنافا بيانيا على تقدير سؤال عن حال من انقرضوا من أهل الكتاب قبل مجىء الإسلام، أو أن تكون هذه الجملة مؤكدة للآية السابقة لها وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا ... على النحو الذى ذكره.
وبعد عرضه لهذين الوجهين يدلى برأيه فى جعل خبر" إن" محذوفا وهو كما يقول: «وارد فى الكلام الفصيح غير قليل كما ذكر سيبويه فى كتابه»، وعلى الرغم مما يفضله النحاة فى الإعراب الذى لا يميل إلى تقدير محذوف فإن ما قدمه ابن عاشور فى هذا التقدير يجعل المعنى واضحا مستقيما، وكان شاهده فى ذلك قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ .... الآية.
نخلص من ذلك إلى أن الإعراب كان عند ابن عاشور على الوجه التالى:
- فى مسائل الإعراب لم تكن استعانته بأقوال رجال المدارس النحوية المختلفة فحسب، وإنما ظهرت جهوده النحوية وآراؤه الشخصية كذلك أيضا، وما أتى به من هذه الأقوال وجدت منه معارضة فى أحايين كثيرة مع تقديم الدليل على صحة ما يذهب إليه.
стр. 183
- فى جهوده هذه كان القرآن الكريم أبرز الشواهد التى قدمها.
- لم يكن الحديث النبوى من شواهده فى الإعراب.
- المعنى عنده مقدم عن الإعراب.
- كان ينسب القول إلى صاحبه، ولم يلجأ إلى قول مجهول ولا الروايات المتناقضة.
- دفاعه عن الرسم القرآنى- فى المشكلات الإعرابية- كان ردا للقراءات الشاذة التى خالفت هذا الرسم، ودفعا للروايات الموضوعة للتشكيك فيه.
ثالثا: الاستعانة بعلوم البلاغة:
كتب ابن عاشور فى المقدمة العاشرة من المقدمات التى تصدرت تفسيره تحت عنوان" فى إعجاز القرآن" ما يزيد عن ثمانى عشر صفحة تدور حول هذا الإعجاز وموقف المفسرين منه، وجهود البلغاء السابقين، وما استخلصه هو من آراء ونظرات، ويصعب على الدارس لهذه المقدمة أن يختار منها فقرات يمثل بها اتجاه ابن عاشور وطريقة تناوله للإعجاز القرآنى، ويصعب على الدارس بعد اختياره هذا أن يترك فقرات أو يهمل ذكرها، فالمقدمة كلها بحث متكامل وبناء قائم ونتائج منسجمة مع مقدماتها، ولا يجنى القارئ ثمار ذلك كله إلا بعد قراءة متأنية ومحاولات متكررة مستمرة فى الدرس والفهم.
وقد يشفع للدارس بعد اختياره لفقرات من هذه المقدمة أياما كانت صعوبة الاختيار أن ذكر أمثلة من تفسير الآيات الذى قام به ابن عاشور لبيان هذا الإعجاز فيه بعض ما يغنى ولو من بعيد.
قال بعد أن بين طبيعة الخوض فى وجوه الإعجاز القرآنى وتفوق القرآن على كل كلام بليغ بما توفر له من خصائص حتى عجز السابقون واللاحقون منهم عن الإتيان بمثله، وكون القرآن المعجزة الكبرى للنبى ﷺ ، وكونه المعجزة الباقية والتى تحدى بها الرسول معانديه تحديا صريحا.
стр. 184
«وقد اختلف العلماء فى تعليل عجرهم عن ذلك، فذهبت طائفة قليلة إلى تعليله بأن الله صرفهم عن معارضة القرآن فسلبهم المقدرة، أو سلبهم الداعى، لتقوم الحجة عليهم بمرأى ومسمع من جميع العرب، ويعرف هذا القول بالصرفة، كما فى المواقف للعضد، والمقاصد للتفتازانى، ولم ينسبوا هذا القول إلا إلى الأشعرى فيما حكاه أبو الفضل عياض فى الشفاء إلى النظّام والشريف المرتضى وأبى إسحاق الأسفرايين فيما حكاه عنهم عضد الدين فى المواقف، وهو قول ابن حزم، صرح به فى كتاب الفصل، وقد
عزاه صاحب المقاصد فى شرحه إلى كثير من المعتزلة» (١).
وابن عاشور يرفض مبدأ الصرفة هذا، إذ أن تقرير هذا المبدأ يعنى عدم جواز التحدى بالقرآن الكريم لكون إعجازه ليس من داخله، أو من خصائصه التى انفرد بها، وعجائبه التى تفوق بها عن سائر كلام البشر ... ويقول:
«وأما الذى عليه جمهرة أهل العلم والتحقيق واقتصر أئمة الأشعرية عليه، وإمام الحرمين وعليه الجاحظ وأهل العربية كما فى المواقف، فالتعليل لعجز المتحدثين به بأنه بلوغ القرآن فى درجات البلاغة، والفصاحة مبلغا تعجز قدرة بلغاء العرب عن الإتيان بمثله، وهو الذى نعتمده ونسير عليه فى هذه المقدمة العاشرة» (٢).
стр. 185
«وقد بدا لى دليل قوى على هذا وهو إبقاء الآيات التى نسخ حكمها وبقيت متلوة من القرآن ومكتوبة فى المصاحف، فإنها لما نسخ حكمها لم يبق وجه لبقاء تلاوتها وكتبها فى المصاحف إلا ما فى مقدار مجموعها من البلاغة بحيث يلتئم منها مقدار ثلاث آيات متحدى بالإتيان بمثلها، مثال ذلك آية الوصية من سورة العقود» (١).
ويرى ابن عاشور ملاك وجوه الإعجاز راجعا إلى ثلاث جهات أولها بلوغه الغاية القصوى مما يمكن أن يبلغه الكلام العربى البليغ من حصول كيفيات فى نظمه، مفيدة معانى دقيقة ونكتا من أغراض الخاصة من بلغاء العرب مما لا يفيده أصل وضع اللغة، وثانيها: ما أبدعه القرآن من أفانين التصرف فى نظم الكلام مما لم يكن معهودا فى أساليب العرب، ولكنه غير خارج عما تسمح به اللغة، وثالثها: ما أودع فيه من المعانى الحكمية والإشارات إلى الحقائق العلمية والعقلية بما لم تبلغ إليه عقول البشر فى عصر نزول القرآن وفى عصور بعده متفاوتة.
ومما قدمه ابن عاشور من تلك الوجوه التى جاءت فى القرآن الكريم وما فيه من ألوان الخطاب المعجز وأفانين البلاغة.
«وفيه التنبيه على محسن المطابقة كقوله فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ (٢).
والتنبيه على ما فيه من تمثيل كقوله تعالى: وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ
стр. 186
وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ (١)، وقوله: وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢).
ولذلك فنحن نحاول تفصيل شىء مما أحاط به علمنا من وجوه الإعجاز، نرى من أفانين الكلام الالتفات وهو نقل الكلام من أحد طرق التكلم أو الخطاب أو الغيبة إلى طريق آخر منها، وهو بمجرده معدود من الفصاحة، وسماه ابن جنى شجاعة العربية لأن ذلك التغيير يجدد نشاط السامع، فإذا انضم إليه اعتبار لطيف يناسب الانتقال إلى ما انتقل إليه صار من أفانين البلاغة، وكان معدودا عند بلغاء العرب من النفائس، وقد جاء منه فى القرآن ما لا يحصى كثرة مع دقة المناسبة فى الانتقال.
وكان للتشبيه والاستعارة عند القوم المكان القصى والقدر العلى فى باب البلاغة، وبه فاق امرؤ القيس ونبهت سمعته، وقد جاء فى القرآن من التشبيه والاستعارة ما أعجز العرب كقوله: وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً (٣)، وقوله:
وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ (٤)، وقوله: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ (٥)،
стр. 187
وقوله: يا أَرْضُ ابْلَعِي (١)، وقوله: صِبْغَةَ اللَّهِ (٢) إلى غير ذلك من وجوه البديع. ورأيت من محاسن التشبيه عندهم كمال الشبه، ورأيت وسيلة ذلك الاحتراس، وأحسنه ما وقع فى القرآن كقوله تعالى: فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٣).
احتراس عن كراهة الطعام: وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى (٤) احتراس عن أن تتخلله أقذاء من بقايا نحلة.
والحديث هنا عن بعض وجوه البلاغة مثل حسن المطابقة، والالتفات، والاستعارة، ومحاسن التشبيه، ومدى اهتمام العرب بهما، وامتياز امرئ القيس فيهما، وما جاء فى القرآن منهما على وجوه بديعة غير مسبوقة أسكتت الفصحاء.
ويمثل التقديم والتأخير وصياغتهما فى جمل القرآن عند ابن عاشور لونا من ألوان الإعجاز، ويأتى بمثل فى هذه المقدمة، ويفصل القول فيه:
«وإن للتقديم والتأخير فى وضع الجمل وأجزائها فى القرآن دقائق عجيبة كثيرة لا يحاط بها وسننبّه على ما يلوح منها فى مواضعه إن شاء الله.
وإليك مثلا من ذلك يكون لك عونا على استجلاء أمثاله. قال تعالى:
стр. 188
إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً* لِلطَّاغِينَ مَآباً إلى قوله: إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً* حَدائِقَ وَأَعْناباً إلى قوله: وَكَأْساً دِهاقاً* لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً (١)، فكان للابتداء بذكر جهنم ما يفسر المفاز فى قوله: إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً أنه الجنة لأن الجنة مكان فوز. ثم كان قوله: لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً ما يحتمل لضمير (فيها) من قوله لا يَسْمَعُونَ فِيها أن يعود إلى وَكَأْساً دِهاقاً وتكون (فى) للظرفية المجازية أى الملابسة أو السببية أى لا يسمعون فى ملابسة شرب الكأس ما يعترى شاربيها فى الدنيا من اللغو واللجاج، وأن يعود إلى (مفازا) بتأويله باسم مؤنث وهو الجنة وتكون (فى) للظرفية الحقيقية أى لا يسمعون فى الجنة كلاما لا فائدة فيه ولا كلاما مؤذيا.
وهذه المعانى لا يتأتى جميعها إلا بجمل كثيرة لو لم يقدم ذكر جهنم ولم يعقب بكلمة (مفازا).
ولم يؤخر (وكأسا دهاقا) ولم يعقب بجملة لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً ... إلخ (٢).
فالتقديم والتأخير فى هذه الآية قد أغنى عن كثير من الكلام اللذان لولاهما لطال، واحتاج الأمر إلى كثير من التفاصيل لبلوغ المعنى المقصود، وقد كان الإيجاز فن العرب الأول، والتمكن منه والقدرة عليه معيار أساسى من معايير التصرف فى الكلام على وجه بليغ (٣).
стр. 189
ويقول عن لهجات العرب ولسان قريش ومن حولها من القبائل، ومجىء القرآن بأصفى اللهجات العربية، وصراحة كلماته، ومناسبة كل كلمة لموقعها فى السياق والدلالة الذاتية الكامنة فيها بحيث لا تقوم مقامها كلمة أخرى.
«وأما ما يعرض للهجات العرب فذلك شىء تفاوتت فى مضماره جياد ألسنتهم، وكان المجلى فيها لسان قريش ومن حولها من القبائل المذكورة فى المقدمة السادسة، وهو مما فسر به حديث: أنزل القرآن على سبعة أحرف، ولذلك جاء القرآن بأحسن اللهجات وأخفها وتجنب المكروه من اللهجات، وهذا من أسباب تيسير تلقى الأسماع له ورسوخه فيها. قال تعالى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١).
ومما أعده فى هذه الناحية صراحة كلماته باستعمال أقرب الكلمات فى لغة العرب دلالة على المعانى المقصودة، وأشملها لمعان عديدة مقصودة بحيث لا يوجد فى كلمات القرآن كلمة تقصر دلالتها عن جميع المقصود منها فى حالة تركيبها، ولا تجدها مستعملة: لا فى حقائقها مثل إيثار كلمة" حرد" فى قوله تعالى: وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ (٢)، إذ كان جميع معانى الحرد صالحة للإرادة فى ذلك الغرض، أو مجازات أو استعارات أو نحوها مما تنصب عليه القرائن فى الكلام، فإن اقتضى الحال تصرفا فى معنى اللفظ كان التصرف بطريق التضمين وهو كثير فى القرآن مثل قوله تعالى: وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي
стр. 190
أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ (١) فجاء فعل" أتوا" مضمنا معنى مرّوا فعدى بحرف على؛ لأن الإتيان تعدى إلى اسم القرية والمقصود فيه الاعتبار بمآل أهلها، فإنه يقال أتى أرض بنى فلان، ومر على حى كذا، وهذه الوجوه كلها لا تخالف أساليب الكلام البليغ، بل هى معدودة فى دقائقه ونفائسه التى تقل نظائرها فى كلام بلغائهم لعجز فطنة الأذهان البشرية عن الوفاء بجميعها (٢).
وعن نظم القرآن وجمعه بين الموعظة والتشريع (٣) على خلاف ما جاء من أساليب العرب ... يقول:
«نرى من أعظم الأساليب التى خالف بها القرآن أساليب العرب أنه جاء فى نظمه بأسلوب جامع بين مقصديه وهما: مقصد الموعظة. ومقصد التشريع، فكان نظمه يمنح بظاهرة السامعين ما يحتاجون أن يعلموه وهو فى هذا النوع يشبه خطبهم، وكان فى مطاوى معانيه ما يستخرج منه العالم الخبير أحكاما كثيرة فى التشريع والآداب وغيرها، وقد قال فى الكلام على بعضه وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ (٤)، هذا من حيث ما لمعانيه من العموم والإيماء إلى الحلل والمقاصد وغيرها» (٥).
стр. 191
وعن ألفاظ القرآن وائتلافها، ونظام فواصله الذى لم يعرفه العرب قبل نزوله، وتميزه عن فنون القول السابقة له، وانتشاره بين القبائل لخفته على الأسماع والقلوب والألسن وتأثيره الروحانى ... يقول:
«وكان لفصاحة ألفاظه وتناسبها فى تراكيبه وترتيبه على ابتكار أسلوب الفواصل العجيبة المتماثلة فى الأسماع، وإن لم تكن متماثلة الحروف فى الأسجاع، كان لذلك سريع العلوق بالحوافظ خفيف الانتقال والسير فى القبائل، مع كون مادته ولحمته هى الحقيقة دون المبالغات الكاذبة والمفاخرات المزعومة، فكان بذلك له صولة الحق وروعة لسامعيه، وذلك تأثير روحانى وليس بلفظى ولا معنوى.
وقد رأيت المحسنات فى البديع جاءت فى القرآن أكثر مما جاءت فى شعر العرب، وخاصة الجناس كقوله: وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (١)، والطباق كقوله: كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ (٢)، وقد ألف ابن أبى الإصبع كتابا فى بديع القرآن. وصار- لمجيئته نثرا- أدبا جديدا غضا ومتناولا لكل الطبقات، وكان لبلاغته وتناسقه نافذ الوصول إلى القلوب حتى وصفوه بالسحر وبالشعر أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣).
стр. 192
هذا بعض ما جاء فى هذه المقدمة.
وشأن المعجزة القرآنية ووجوه الإعجاز فيها تتعدد أسبابه ولا تنتهى عند حد، وأياما كان الكلام حولها، والدراسات التى قامت بشأنها، والجهود التى بذلها العلماء المتخصصون من أهل البلاغة كالباقلانى والرمانى وعبد القاهر وعياض والسكاكى والقزوينى وابن الأثير وغيرهم، أو من أهل التفسير كالزمخشرى والفخر الرازى والطبرسى والألوسي وغيرهم، ومحاولاتهم الاقتراب من كشف أسرار بدائع نظم القرآن وتراكيبه المميزة عن سائر الكلام، والحقائق التى تضمنها والشرائع التى اشتمل عليها، وتأثيره فى النفوس والقلوب والأسماع والأرواح.
كل ذلك وغيره يمكن اعتباره بحثا متجددا عن سر عظمة القرآن، حتى يمكن القول أن لكل عصر كشوفا تضاف إلى جهود السابقين، وتهدى من بعدهم لإضافة الجديد من
هذه الكشوفات.
ودليلنا على ذلك ما قدم به ابن عاشور المعجزة الخالدة فى مقدمته المذكورة، حيث تناول بعض وجوه الإعجاز فى الكتاب الكريم فى اللفظ والمعنى والصياغة والتركيب وألوان البديع ... إلخ، ثم راح فى ثنايا كتابه يذكر أقوال السابقين من أهل البلاغة والتفسير يقبل بعضها ويناقش ويرفض بعضها الآخر، ويسجل ما غفل عنه هؤلاء، ويأتى بالجديد من وجوه الإعجاز الكامنة فى القرآن رافضا مبدأ الصرفة التى قال به بعض المعتزلة وعلى رأسهم النظام الاعتزالى. وبعض الأعلام الآخرين الذين سبق ذكرهم.
وقد قرأنا فى الباب الأول من هذه الدراسة بعض مصادر البلاغة فى التحرير والتنوير، وقد جاء ذكر أصحاب هذه المصادر على درجات متفاوتة، وأكثر الأقوال ذكرا فى هذا التفسير كانت للجاحظ والباقلانى وعبد القاهر
стр. 193
الجرجانى والزمخشرى، وكان للأخير نصيبا وافرا، يتعقب ابن عاشور أقواله، إن وافقه حينا فهو يعارضه فى أحايين كثيرة كأنه ينتظر منه الذلة الواحدة ليفتح عليه بابا من النقد الشديد والسخرية الخاطفة.
ومما ذكره من أقوال عبد القاهر ما جاء فى تفسير قوله تعالى: قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (سورة البقرة: الآية ٣٢).
«قال الشيخ فى دلائل الإعجاز ومن شأن إن إذا جاءت على هذا الوجه (أى أن نفع إثر كلام وتكون لمجرد اهتمام) أن تفنى غناء الفاء العاطفة (مثلا) وأن تفيد من ربط الجملة بما قبلها أمرا عجيبا، فأنت ترى الكلام بها مقطوعا موصولا وأنشد قول بشار:
بكرا صاحبى قبل الهجير ... إن ذاك النجاح فى التبكير
وقول بعض العرب:
فغنها وهى لك الفداء ... إن غناء الإبل الحداء
فإنهما استغنيا بذكر إن عن الفاء، وإن خلفا الأحمر لما سأل بشارا لماذا لم يقل" بكرا فالنجاح فى التكبير" أجابه بشار بأنه أتى بها عربية بدوية ولو قال" فالنجاح" لصارت من كلام المولدين (أى أجابه جوابا أحاله فيه على الذوق) وقد بين الشيخ عبد القاهر سببه، وقال الشيخ فى موضوع آخر ألا ترى أن الفرض من قوله" إن ذاك النجاح فى التكبير" أن يبين المعنى فى قوله لصاحبيه" بكرا" وأن يحتج لنفسه فى الأمر بالتكبير ويبين وجه الفائدة منه أه» (١).
ومفاد هذا الكلام الذى ذكره عبد القاهر أن" إن" إذا جاءت كذلك
стр. 194
" إنك أنت العليم الحكيم" وهى واقعة إثر كلام سابق فإنها تغنى- على سبيل المثال- عن الفاء العاطفة، ومجيئها على هذا النحو بعد أمرا عجيبا حيث يكون الكلام بها مقطوعا" وموصولا فى آن واحد، وعلى ذلك جاء قول بشار السابق، وإجابته لخلف الأحمر توضيح وجه الذرة فى هذا الاستعمال العربى الخالص، وما ذكره عبد القاهر فى آخر الفقرة يقاس عليه قوله تعالى حكاية عن الملائكة" إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ" فبيان وجه الفائدة من قولهم هذا على هذه الشاكلة هو إقرار بأن علمهم مما علّمهم الله ولا علم لهم سواه.
ومما عارضه من أقوال البلاغيين ما ذكره فى تفسير قوله تعالى: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ (سورة فاطر الآية ٤٣).
«واعلم أن قوله تعالى: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ قد جعل فى علم المعانى مثالا للكلام الجارى على أسلوب المساواة دون إيجاز ولا إطناب.
وأول من رأيته مثّل بهذه الآية للمساواة هو الخطيب القزوينى فى الإيضاح وفى تلخيص المفتاح، وهو مما زاده على ما فى المفتاح ولم يمثل صاحب المفتاح للمساواة بشيء، ولم أدر من أين أخذه القزوينى، فإن الشيخ عبد القاهر لم يذكر الإيجاز والإطناب فى كتابه.
وإذا قد صرّح صاحب المفتاح «إن المساواة هى متعارف الأوساط وأنه لا يحمد فى باب البلاغة ولا يذم» فقد وجب القطع بأن المساواة لا تقع فى الكلام البليغ بله المعجز، ومن العجيب إقرار العلامة التفتازاني كلام صاحب تلخيص المفتاح وكيف يكون هذا من المساواة وفيه جملة ذات قصر والقصر من الإيجاز لأنه قائم مقام جملتين: جملة إثبات للمقصود، وجملة نفيه عما سواه،
стр. 195
فالمساواة أن يقال: يحيق المكر السيئ بالماكرين دون غيرهم، فما عدل عن ذلك إلى صيغة القصر فقد سلك طريقة الإيجاز.
وفيه أيضا حذف مضاف إذ التقدير: ولا يحيق ضر بالمكر السيئ إلا بأهله، على أن فى قوله" بأهله" إيجازا لأنه عوض عن أن يقال: بالذين تقلدوه، والوجه أن المساواة لم تقع فى القرآن وإنما مواقعها فى محادثات الناس التى لا يعبأ فيها بمراعاة آداب اللغة» (١).
ومعارضته هنا تتمثل فى جعل قوله تعالى فى علم المعانى مثالا للكلام الجارى على أسلوب المساواة دون إيجاز ولا إطناب، وأول من مثّل بهذه الآية على المساواة هو الخطيب ... ، ويتساءل ابن عاشور من أين أخذه القزوينى على الرغم من عدم ذكر عبد القاهر له، وأما عن تعريف صاحب المفتاح للمساواة" وإنه لا يحمد ولا يذم" يقول
عن مضمونه ابن عاشور: لا يقع فى الكلام البليغ فا بالك لو كان معجزا، ومن ثم يتعجب عن موافقة التفتازاني على ذلك، وراح صاحب التحرير والتنوير ينفى أن تكون فى الآية مساواة فهى ذات قصر" لا- إلا" وهو من الإيجاز لأنه يقوم مقام جملتين" إثبات ونفى"، وفيها أيضا حذف مضاف" ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله، فضلا عما يعود إليه الضمير فى" بأهله".
وبلاغة القرآن تبعا لهذا لم تشمل المساواة، فمكانها فى المحادثات التى تقع بين الناس حيث لا تراعى فيها آداب اللغة.
وفى قوله تعالى:
سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (سورة القلم: الآية ١٦).
стр. 196
«ذكر" والْخُرْطُومِ" أريد به الأنف. والظاهر أن حقيقة الخرطوم الأنف المستطيل كأنف الفيل والخنزير ونحوهما من كل أنف مستطيل، وقد خلط أصحاب اللغة فى ذكر معانيه خلطا لم تتبين منه حقيقته من مجازه.
وذكر الزمخشرى فى الأساس معانيه المجازية ولم يذكر معناه الحقيقى، وانبهم كلامه فى الكشاف إلا أن قوله فيه: وفى لفظ الخرطوم استخفاف وإهانة، تقتضى أن إطلاقه على أنف الإنسان مجاز مرسل. وجزم ابن عطية أن حقيقة الخرطوم مخطم السبع، أى أنف مثل الأسد، فإطلاق الخرطوم على أنف الإنسان هنا استعارة كإطلاق المشفر وهو شفة البعير على شفة الإنسان، فى قول الفرزدق:
فلو كنت ضبيا عرفت قرابتي ... ولكن زنجى غليظ المشافر» (١)
وينتقد ابن عاشور هنا أصحاب اللغة لخلطهم فى ذكر معنى" الخرطوم" حتى لم تتبين الحقيقة أو المجاز من كلامهم، كما أنه يحمل على الزمخشرى أنه ذكر معانيه المجازية فقط، وما أورده من هذه المعانى كان مبهما، وقوله فى هذه المعانى ومنها معنى" الْخُرْطُومِ" فيه استخفاف وإهانة، ويدل فى نهاية الأمر أنه مجاز مرسل، وما جزم به ابن عطية أنه أنف مثل أنف الأسد، وعلى ذلك حين يطلق على أنف الإنسان هنا فهو استعارة كما يطلق المشفر" شفة البعير" على شفة الإنسان حين يسخر منه أو يذم، وذهب ابن عاشور فى تأييد ذلك بقول الفرزدق.
وذكر فى تفسير قوله تعالى:
قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ* قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (سورة الشعراء: الآية ٢٣، ٢٤).
стр. 197
«وأشار صاحب الكشاف وصرح صاحب المفتاح بأن جواب موسى بما يبين حقيقة" رب العالمين" تضمن تنبيها على أن الاستدلال على إثبات الخالق الواحد يحصل بالنظر فى السماوات والأرض وما بينهما نظرا يؤدى إلى العلم بحقيقة الرب الواحد الممتاز عن حقائق المخلوقات.
ولهذا أتبع بيانه بقوله إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ أى إن كنتم مستعدين للإيقان طالبين لمعرفة الحقائق غير مكابرين، وسمى العلم بذلك إيقانا لأن شأن اليقين بأن خالق السموات والأرض وما بينهما هو الإله لا يشاركه غيره» (١).
وهو هنا يؤيد- على غير عادته- ما قال به كل من صاحب الكشاف وصاحب المفتاح فيما ذكراه عن جواب موسى ﵇ حين سأله فرعون عن" رب العالمين" وما جاء من معنى قوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ.
وذكر فى قوله تعالى: مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (سورة النساء: الآية ٤٦).
«قال الجاحظ فى كتاب البيان عند قول عوف بن عبد الله بن عتبة ابن مسعود يصف أرض نصيبك" كثيرة العقارب قليلة الأقارب" يضعون (قليلا) فى موضع (ليس)، كقولهم: فلان قليل الحياء. ليس مرادهم أن هناك حياء وإن قل:" قلت، ومنه قول العرب: قلّ رجل يقول ذلك، يريدون أنه غير موجود.
стр. 198
وقال صاحب الكشاف عند قوله تعالى: أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ (١)، والمعنى تفى التذكير والقلة مستعمل فى معنى النفى"، وإنما استعملت العرب القلة عوضا عن النفى لضرب من الاحتراز والاقتصاد، فكأن المتكلم يخشى أن يتلقى عموم نفيه بالإنكار فيتنازل عنه إلى إثبات قليل وهو يريد النفى» (٢).
وعلى الرغم مما يستعين به ابن عاشور من أقوال البلاغيين فيما لا يعارضهم فيه فليس هو ناقل فحسب، وإنما هو يستخلص رأيا يضيف شيئا، وقد لجأ هنا إلى قول
الجاحظ فى وضع العرب" قليلا" مكان" ليس" ويأتى هو بمثل آخر" قلّ رجل يقول ذلك" ويتناوله بالشرح، ثم يذكر قول صاحب الكشاف ويتناوله بالتعليق والتوضيح مبينا علة هذا الاستعمال، بينما وقف الجاحظ والزمخشرى عند ذكر السبب.
ومما تهكم به الزمخشرى فى الكشاف من تأويلات الروافض ينقل عنه ابن عاشور فى تفسير قوله تعالى: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ* ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (سورة النحل: ٦٨ - ٦٩).
«ومن لطيف النوادر ما فى الكشاف، أن من تأويلات الروافض أن المراد بالنحل فى الآية على وآله وعن بعضهم أنه قال عند المهدى: إنما النحل
стр. 199
بنو هاشم يخرج من بطونهم العلم، فقال له رجل: جعل الله طعامك وشرابك مما يخرج من بطون بنى هاشم، فضحك المهدى وحدث به المنصور فاتخذوه أضحوكة من أضاحيكهم» (١).
واستقل ابن عاشور كثيرا فى بيان وجوه إعجاز القرآن سواء فى الحرف الواحد، أم اللفظة الواحدة، أم الجملة الواحدة، يبين موضع كل منهم ودوره فى مقصد الآية على طريقة العرب فى كلامهم المصفى الذى تراعى فيه آداب اللغة ومحاسنها وخلوصها من أى شوب متفوقا عليها متحديا لأصحابها، فيه ما فيه من حقائق وصفاء وتأثير ونقاء، ولم يطلق أحكامه دون تعريف أو تحديد، وإنما كان فى أحكامه هذه محددا للأسباب، كاشفا عن العلات، خبيرا يفسر- قدر طاقته- كتاب الله وإيحاءاته النبيلة.
ومن ذلك ما ذكره فى تفسير قوله تعالى: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ .... (سورة البقرة:
الآية ٢٥٥).
«وجملة" لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ" تقرير لانفراده بالإلهية إذ جميع الموجودات مخلوقاته، وتعليل لاتصافه بالقيومية، لأن من كانت جميع الموجودات ملكا له فهو حقيق بأن يكون قيومها وألا يهملها، ولذلك فصلت الجملة عن التى قبلها.
واللام للملك، والمواد بالسماوات والأرض استغراق أمكنة الموجودات، فقد دلت الجملة على عموم الموجودات بالموصول وصلته، وإذا ثبت ملكه لعموم ثبت أنه لا يشذ عن ملكه موجود فحصل معنى الحصر،
стр. 200
ولكنه زاده توكيدا بتقديم المسند- أى لا غيره- لإفادة الرد على أصناف المشركين، من الصابئة عبدة الكواكب كالسريان واليونان، ومن مشركى العرب، لأن مجرد حصول معنى الحصر بالعموم لا يكفى فى الدلالة على إبطال العقائد الضالة، فهذه الجملة أفادت تعليم التوحيد بعمومها، وأفادت إبطال عقائد أهل الشرك بخصوصية القصر، وهذه بلاغة معجزة» (١).
والحديث هنا عن دور الحرف واللفظة والجملة.
الحرف: اللام لام الملك.
اللفظة: السماوات والأرض، واسم الموصول" ما" وصلته.
الجملة: الله لا إله إلا هو، له ما فى السموات والأرض.
وتفصيل ذلك:
الحرف: قد عرفنا الغرض منه.
اللفظة: السماوات والأرض استغراق أمكنة الموجودات.
اسم الموصول" ما" وصلته
- دلالة العموم به حيث ترتب على هذه الدلالة عدم شذوذ موجود عن ملك الله تعالى ومن ثم حصول معنى الحصر.
- زيادة هذا الحصر بالتوكيد ويتمثل ذلك بتقديم المسند" أى لا غير" وما يفيده من الرد على أصناف المشركين المذكورين، وما أفادته الجملة من تعليم التوحيد بعمومها، وإبطال عقائد أهل الشرك بخصوصية القصر.
وجملة" له ما فى السموات وما فى الأرض" تحمل تقرير وتعليل وتوحى بالعلاقة الوثيقة بينها وبين الجملة السابقة" لا إله إلا هو" على الرغم من أنها مفصولة عنها.
стр. 201
وابن عاشور هنا فى هذا المثال- فى حديثه عن الإعجاز القرآنى- يرصد وضع الحرف واللفظة والجملة دون أن يفصل طبيعة اللغة عن دلالتها، وتوظيف اللغة على هذا النحو توظيفا يكشف عن بعض أبعاد الآية حيث يلتئم المعنى اللغوى مع المعنى البلاغى دون استطراد أو تفريع.
ويتضح دور اللغة عنده كذلك فيما ذكره فى تفسير قوله تعالى:
الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ (سورة النساء: الآية ٣٤).
«ومن بديع الإعجاز صوغ قوله بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فى قالب صحيح للمصدرية وللموصولية، فالمصدرية مشعرة بأن القيامية سببها تفضيل من الله وإنفاق، والموصولية مشعرة بأن سببها ما يعلمه الناس من فضل الرجال ومن إنفاقهم ليصلح الخطاب للفريقين، عالمهم وجاهلهم، كقول السموأل أو الحارثى:
مثلى إن جهلت الناس عنّا وعنهم ... فليس سواء عالم وجهول
ولأن فى الإتيان ب (ما) مع الفعل على تقدير احتمال المصدرية جزالة لا توجد فى قولنا: بتفضيل الله وبالإنفاق، لأن العرب يرجحون الأفعال على الأسماء فى طرق التعبير» (١).
واللغة هنا هى التى تقوم ببيان وجه الإعجاز فى الآية، فقوله تعالى فيها صالح لخطاب الفريقين المذكورين.
الجاهل: الخطاب فيه بالمصدرية التى تشعر أن سبب قوامية الرجال على النساء هو تفضيل من الله تعالى، وبما ينفقون من أموال عليهن.
стр. 202
العالم: الخطاب فيه بالموصولية التى تشعر أن سبب التفضيل بما يعلمه الناس من فضل الرجال وإنفاقهم.
كما أن إتيان (ما) مع الفعل" بما فضّل الله" إذا كان هناك تقدير للمصدرية فيه جزالة لا توجد كما لو كان القول" تفضيل الله" وبالإنفاق حيث يرجح العرب الأفعال على الأسماء فى كلامهم.
ويتضح لنا مما سبق- سواء مما ذكره ابن عاشور فى المقدمة العاشرة، أو من الأمثلة التى جاءت فى ثنايا تفسيره- أن الإعجاز القرآنى يقوم أولا على رفض مبدأ الصرفة، وأن هذا الإعجاز كامن فى القرآن ذاته، وما جاء به من أساليب تجرى على سنن العرب فى كلامهم إلا أنها أعجزت الفصحاء منهم على أن يأتوا ولو بآية من مثله فى مجال التحدى والتوكيد لنبوة رسول الله ﷺ والتأييد له، وقد تتضافر عوامل كثيرة فى بيان وجوه الإعجاز القرآنى التى تتكشف لكل عصر سابق ولا حق والتى لا تنتهى عند حد، ولكن اللغة هى أبرز هذه العوامل، فهى التى برع فيها القوم، وهى مجال التحدى، لذا لعبت الدور الأمثل عند ابن عاشور فى بيان الإعجاز حيث يقوم كل من الحرف واللفظة والجملة بدوره فى الأداء المعجز، ولا ينفصل أى منهم فى دلالته عن الدلالات الأخرى لما تسعى إليه الآية من بيان، وكان الشعر الجاهلى عنده من المصادر الأصيلة التى أعانته على ذلك.
وابن عاشور من هذا المنطلق يمثل بحق الاتجاه العربى فى بيان الإعجاز القرآنى الذى يقوم على أصول عربية خالصة بعيدا عن اتجاه المناطقة الواقع تحت تأثير المنطق أو الفلسفة.
وأيا ما كانت وجوه الفائدة عنده من الاستعانة بثمرة جهود البلاغيين الذين ذكرهم خصوصا عبد القاهر الجرجانى ونظرية النظم عنده إلا أن استقلاله وجهوده وذوقه كانوا من أنشط العوامل فى هذا الميدان.
стр. 203
رابعا: الاستعانة بأقوال فقهاء الأمصار فى تفسير آيات الأحكام:
استعرض ابن عاشور فى تفسير هذه الآيات كثيرا من أقوال أئمة المذاهب الفقهية وأصحابهم فضلا عن الأحاديث والآثار عن الصحابة والتابعين، وكان تفسيره للآية الواحدة زاخرا بكثير من أقوال العلماء والفقهاء حتى كأنه لم يترك قولا واحدا لما ذكروه فى الآية المطروحة أمامه، سواء ما أجمع عليه هؤلاء أو اختلفوا فيه.
واتخذ هذا الاستعراض أشكالا مختلفة عند مناقشة الآراء الفقهية، فحينا يجمع بين ما ذهب إليه أبو حنيفة ومالك والشافعى، أو أبو حنيفة وبعض فقهاء الأمصار كالليث بن سعد، وحينا بين ما ذهب إليه مالك والشافعى دون غيرهما، أو مالك والشافعى وبعض التابعين، أو ما روى أحمد بن حنبل فى مسنده وغيره من أصحاب الأئمة، وقد أخذ مالك فى هذا الاستعراض نصيبا أكثر من غيره من الفقهاء أصحاب المذاهب وأكثر مروياته عنه كان من الموطأ، ثم يليه أبو حنيفة والشافعى، وأخذ الإمام أحمد بن حنبل نصيبا دون هؤلاء، وكان ابن عاشور غالبا ما يعزو كل قول إلى صاحبه، أو يذكر مصدره إذا كان حديثا أو كتابا من كتب الفقه أو التفسير.
ومن ذلك ما ذكره فى قوله تعالى:
وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا (سورة البقرة: الآية ٤١).
«ومن هنا فرضت مسألة جعلها المفسرون متعلقة بهاته الآية، وإن كان تعلقها بها ضعيفا وهى مسألة أخذ الأجرة على تعليم القرآن والدين، ويتفرع عنها أخذ الأجرة على
تعليم العلم، وعلى بعض ما فيه عبادة كالأذان والإمامة، وحاصل القول فيها أن الجمهور من العلماء أجازوا أخذ الأجر على تعليم
стр. 204
القرآن فضلا عن الفقه والعلم، فقال بجواز ذلك الحسن وعطاء والشعبى وابن سيرين ومالك والشافعى وأحمد وأبو ثور والجمهور، وحجتهم فى ذلك الحديث الصحيح عن ابن عباس أن النبى ﷺ قال «إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله» وعليه فلا محل لهاته الآية على هذا المعنى عندهم بحال؛ لأن المراد بالاشتراء فيها معناه المجازى وليس فى التعليم استبدال ولا عدول ولا إضاعة. وقد نقل ابن رشد إجماع أهل المدينة على الجواز ولعله يريد إجماع جمهور فقهائهم. وفى المدونة: لا بأس بالإجارة على تعليم القرآن، ومنع ذلك ابن شهاب من التابعين من فقهاء المدينة وأبو حنيفة وإسحاق ابن راهويه وتمسكوا بالآية، وبأن التعليم لذلك طاعة وعبادة كالصلاة والصوم فلا يؤخذ عليها أجر، كذلك وبما روى عن أبى هريرة أن النبى ﷺ قال" دراهم المعلمين حرام" وعن عبادة بن الصامت أنه قال" علّمت ناسا من أهل الصفة القرآن والكتابة فأهدى إلى رجل منهم قوسا فسألت النبى ﷺ فقال إن تسرك أن تطوق بها طوقا من نار فاقبلها، وأجاب عن ذلك القرطبى بأن الآية محملها فيمن تعين عليه التعليم فأبى إلا بالأجر، ولا دليل على ما أجاب به القرطبى، فالوجه أن ذلك كان فى صدر الإسلام وبث الدعوة فلو رخص فى الأجر فيه لتعطل تعليم كثير لقلة من ينفق فى ذلك لأن أكثرهم لا يستطيعه، ومحمل حديث ابن عباس على ما بعد ذلك حين شاع الإسلام وكثر حفاظ القرآن، وأقول لا حاجة إلى هذا كله لأن الآية بعيدة عن هذا الغرض كما علمت، وأجاب القرطبى عن القياس بأن الصلاة والصوم عبادتان قاصرتان، وأما التعليم فعبادة متعدية، فيجوز أخذ الأجر على ذلك الفعل وهذا الفارق مؤثر، وأما حديث أبى هريرة وحديث عبادة ففيهما ضعف من جهة إسناديهما كما بينه القرطبى، قلت: ولا أحسب الزهرى يستند
стр. 205
لمثلهما، ولا للآية ولا لذلك القياس ولكنه رآه واجبا فلا تؤخذ عليه أجرة، وقد أفتى متأخروا والحنفية بجواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن والفقه، قال فى الدرر وشرحه «ويفتى اليوم بصحتها أى الإجارة لتعليم القرآن والفقه، والأصل أن الإجارة لا تجوز عندنا على الطاعات والمعاصى، لكن لما وقع الفتور فى الأمور الدينية جوّزها المتأخرون» أهـ (١).
لم ير ابن عاشور فى هذه الآية علاقة بينها وبين المسألة التى جعلها المفسرون متعلقة بها، وهى مسألة أخذ الأجر على تعليم القرآن والعلم وبعض ما فيه عبادة كالآذان وإمامة الصلاة. وعلى الرغم من ذلك يتناول هذه المسألة فيذكر من قال بجواز ذلك وهم الحسن وعطاء والشعبى وابن سيرين ومالك والشافعى وأحمد وأبو ثور والجمهور، وحجتهم فى ذلك الحديث المذكور، وهؤلاء لا يرون أن هذه الآية لا علاقة لها بهذه المسألة المتقدمة، فالمقصود بالاشتراء معناه المجازى لا الحقيقى حيث لا استبدال ولا عدول ولا إضاعة.
وقد شغلت هذه المسألة أذهان الفقهاء والعلماء كما جاء فيما نقله ابن رشد، وما ذكره ابن عاشور من" المدونة" فى جواز أخذ هذا الأجر، ومنهم من منع ذلك كابن شهاب وأبو حنيفة وإسحاق بن راهويه، وبما روى عن أبى هريرة وعبادة بن الصامت.
وبعد أن ذكر ابن عاشور إنه لا دليل على ما أجاب به القرطبى وإن هذه المسألة شغلت الناس فى صدر الإسلام، وقد منع أخذ الأجر هذا لظروف الدعوة وأحوال الناس إبّان ذلك، واستبعد أن تكون الآية المذكورة متعلقة بهذا الغرض.
стр. 206
ثم يعود إلى ذكر ما أجاب به القرطبى عن القياس ويؤيده، وينتقد حديث أبى هريرة وعبادة كما بينه القرطبى، ويرفض أن يستند الزهرى لمثلهما ولا للآية ولا لهذا القياس.
ويعود إلى ما أفتى به متأخرو الحنيفة ... وينتهى إلى جواز أخذ الأجر على تعليم القرآن والفقه.
ولا حاجة بنا إلى التذكير أن حاجة الناس وظروفهم، وطبيعة ما يلم بهم من عوامل تسمح بمضمون هذه الفتوى خصوصا ما نعلمه عن كثير من البلاد الإسلامية، أو التى يقيم فيها مسلمون غير الناطقة بلغة القرآن فى حاجة إلى دعاة متخصصين متفرغين لرسالتهم ليستطيعوا مواجهة الدعاوى التبشيرية، أو النظريات الإلحادية، فضلا عن المراحل التعليمية المختلفة فى بلاد الإسلام حيث يحتاج فيها النشئ والشباب إلى رعاية دينية وثقافة إسلامية لا يمكن تركهما لجهود متطوعة بلا ضوابط لا بدّ منها، كما أن المساجد بما فيها المساجد التى تقام بالجهود الذاتية للجماعات أو الأفراد لا بدّ أن يتولى الإمامة والخطابة فيها من هم على دراية كافية بالعلم الدينى الذى يجعلهم أهلا لهذه الوظيفة يرتبطون بها دون أن تشغلهم المطالب اليومية.
ومما ذكره فى تفسير قوله تعالى: وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (سورة البقرة: الآية ١٢٤).
«وفى الآية أن المتصف بالكبيرة ليس مستحقا لإسناد الإمامة إليه أعنى سائر ولايات المسلمين: الخلافة والإمارة والقضاء والفتوى ورواية العلم وإمامة الصلاة ونحو ذلك. قال فخر الدين قال الجمهور من الفقهاء والمتكلمين
стр. 207
الفاسق حال فسقه لا يجوز عقد الإمامة له، وفى تفسير ابن عرفة تسليم ذلك، ونقل ابن عرفة عن المازرى والقرطبى عن الجمهور إذا عقد للإمام على وجه صحيح ثم فسق
وجار فإن كان فسقه بكفر وجب خلعه وأما بغيره من المعاصرى فقال الخوارج والمعتزلة وبعض أهل السنة يخلع وقال جمهور أهل السنة لا يخلع بالفسق والظلم وتعطيل الحدود ويجب وعظه وترك طاعته فيما لا تجب فيه طاعة وهذا مع القدرة على خلعه فإن لم يقدر عليه إلا بفتنة وحرب فاتفقوا على منع القيام عليه وأن الصبر على جوره أولى من استبدال الأمن بالخوف وإراقة الدماء وانطلاق أيدى السفهاء والفساق فى الأرض وهذا حكم كل ولاية فى قول علماء السنة وما نقل عن أبى حنيفة من جوار كون الفاسق خليفة وعدم جواز كونه قاضيا قال أبو بكر الرازى الجصاص هو خطأ فى النقل» (١).
وأمر هذه" الولايات" قد شغل صفحات طويلة فى تاريخ الإسلام بعد وفاة الرسول ﷺ ، واختلف الناس حولها خصوصا" الخلافة" ووقفت الفرق الإسلامية مواقف شتى أمامها كالشيعة والمعتزلة والخوارج وسلف الأمة وغيرهم، وقد رأينا ابن عاشور فى تفسيره لهذه الآية يذكر كثيرا من الأقوال، ويستعرض بعض الآراء فيما ذكره المفسرون والفقهاء والمتكلمون وأصحاب المذاهب، ثم ينتهى إلى قول علماء السنة فى أمر الخلافة موضحا سبب ما قال به هؤلاء، وذلك- كما قلنا- كان دأب ابن عاشور فى تفسير كل آية من آيات الأحكام، يجمع فى تفسير كل آية منها الآراء المتفقة والمختلفة، ويستخلص منها رأيا أو موقفا، أو يقول برأى مستقل عن ذلك
стр. 208
جميعا، وقد رأيناه فى المثال السابق يذهب إلى تأييد ما أجمع عليه الفقهاء من أهل السنة دون تعصب أو هجوم على من خالفهم.
ذكر فى تفسير قوله تعالى:
وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلًا (سورة النساء: الآية ٢٢).
«وقد اختلف الفقهاء فيمن زنى بامرأة هل تحرم على ابنه أو على أبيه، فالذى ذهب إليه مالك فى الموطأ والشافعى: أن الزنى لا ينشر الحرمة، وهذا الذى حكاه الشيخ أبو محمد بن أبى زيد فى الرسالة، ويروى ذلك عن عكرمة عن ابن عباس، وهو قول الزهرى وربيعة، والليث. وقال أبو حنيفة، وابن الماجشون من أصحاب مالك: الزنى ينشر الحرمة. قال ابن الماجشون: مات مالك على هذا. وهو قول الأوزاعى والثورى، وقال ابن المواز: هو مكروه، ووقع فى المدونة (يفارقها) فحمله الأكثر على الوجوب، وتأوله بعضهم على الكراهة، وهذه المسألة جرت فيها مناظرة بين الشافعى ومحمد بن الحسن أشار إليها الجصاص فى أحكامه، والفخر فى مفاتيح الغيب وهى طويلة» (١).
ووجوه الخلاف هنا حول" الزنى والحرمة" فيما ذهب إليه مالك والشافعى، ما جاء فى" الرسالة" وما يروى عن عكرمة عن ابن عباس، وقول الزهرى وربيعة والليث فى أن الزنا" ينشر الحرمة"، وما قال به أبو حنيفة وابن ماجشون وقوله مات مالك على" الزنا ينشر الحرمة" فضلا عن قول ابن المواز" هو مكروه" وما وقع فى المدونة، والأكثر على الوجوب، وما تأوله بعضهم على الكراهة، وابن عاشور بعد عرضه لكل ذلك يقول:
стр. 209
«والظاهر أن قوله" إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ، قصد منه بيان صحة ما سلف من ذلك فى عهد الجاهلية، وتعذر تداركه الآن، لموت الزوجين، من حيث إنه يترتب عليه ثبوت أنساب، وحقوق مهور ومواريث، وأيضا بيان تصحيح أنساب الذين ولدوا من ذلك النكاح، وأن المسلمين انتدبوا للإقلاع عن ذلك اختيارا منهم، وقد تأول سائر المفسرين قوله تعالى إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ بوجوه ترجع إلى التجوز فى معنى الاستثناء أو فى معنى" ما نكح" حملهم عليها أن نكاح زوج الأب لم يقرره الإسلام بعد نزول الآية، لأنه قال إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلًا أى ومثل هذا لا يقرر لأنه فاسد بالذات» (١).
وهو فضلا عما ذكره المفسرون من تأويل فى معنى الاستثناء أو حملهم فيما لم يقرره الإسلام فى عدم صحة نكاح زوجة الأب بعد وفاته يبدى ما ظهر له من قوله تعالى إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ فالحكم كان واقعا على ما ترتب من تقاليد فى عصر الجاهلية، ومن ثم يتعذر تداركه للأسباب التى ذكرها.
وذكر فى قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ (سورة الأنعام: الآية ٩٠).
«والمذاهب فى هذه المسألة أربعة: المذهب الأول مذهب مالك: إن شرائع من قبلنا تكون أحكاما لنا، لأن الله أبلغها إلينا. والحجة على ذلك ما ثبت فى الصحاح من أمر رسول الله- ﷺ فى قضية الربيع بنت النضر حين كسرت ثنية جارية عمدا أن تكسر ثنتيها فراجعته أمها وقالت
стр. 210
: والله لا تكسر ثنية الربيع، فقال لها رسول الله- ﷺ " كتاب الله القصاص"، وليس فى كتاب الله حكم القصاص فى السن إلا ما حكاه عن شرع التوراة بقوله وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ إلى قوله:
وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ (١).
وما فى الموطأ أن رسول الله- ﷺ قال: من نسى الصلاة فليصلها إذا ذكرها فإن الله تعالى يقول فى كتابه وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (٢)، وإنما قال الله حكاية عن خطابه لموسى- ﵇ وبظاهر هذه الآية لأن الهدى مصدر مضاف مظاهره العموم- ولا يسلم كون السياق مخصصا له كما ذهب إليه الغزالى، ونقل علماء المالكية عن أصحاب أبى حنيفة مثل هذا. وكذلك نقل عنهم ابن حزم فى كتابه الإعراب فى الحيرة والالتباس الواقعين فى مذاهب أهل الرأى والقياس. وفى توضيح صدر الشريعة حكايته عن جماعة من أصحابهم ولم يعينه. ونقله القرطبى عن كثير من أصحاب الشافعى. وهو منقول فى كتب الحنيفة عن عامة أصحاب الشافعى.
المذهب الثانى: ذهب أكثر الشافعية والظاهرية: أن شرع من قبلنا ليس شرعا لنا. واحتجوا بقوله تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً (٣).
ونسب القرطبى هذا القول لكثير من أصحاب مالك وأصحاب الشافعى.
стр. 211
الثالث: إنما يلزم الاقتداء بشرع إبراهيم- ﵇ لقوله تعالى:
ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً (١) ولم أقف على تعيين من نسب إليه هذا القول.
الرابع: لا يلزم إلا اتباع شريعة عيسى لأنها آخر الشرائع نسخت ما قبلها ولم أقف على تعيين صاحب هذا القول. قال ابن رشد فى المقدمات:
وهذا أضعف الأقوال» (٢).
وهو هنا يعرض مسألة" شرائع من قبلنا تكون أحكاما لنا" من خلال أربعة مذاهب:
الأول: عن مالك وأصحابه، والثانى: عن أكثر الشافعية والظاهرية، والثالث والرابع: لم يقف ابن عاشور على تعيين صاحبيهما، وعلى الرغم من ذلك فقد أتى بهما ليحيط الآية- على عادته- بأغلب ما قيل فيها من تفسير.
ونقول فيما جاء عن هذه المذاهب:
إن ما ثبت فى الصحاح من أمر رسول الله ﷺ فى قضية الربيع بنت النضر، وقوله ﷺ " كتاب الله القصاص" وكتاب الله هنا هو القرآن، والمعنى العام لهذا الحديث هو العدل، وما حكاه القرآن عن شرع التوراة فى قوله تعالى: وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها .... الآية.
فالضمير فى" عليهم" يعود على أتباع التوراة، وقوله ﵇: «من نسى الصلاة فليصلها إذ ذكرها». فالصلاة هنا هى الصلاة التى تعلمها المسلمون منه حيث يقرءون فيها بعض آى القرآن الذى نزل بعد موسى ﵇.
стр. 212
والمذاهب الثانى: وهو عن أكثر الشافعية والظاهرية أن «شرع من قبلنا ليس شرعا لنا» وحجتهم فى ذلك قوله تعالى: شِرْعَةً وَمِنْهاجاً نص صريح فى تخصيص شريعة الإسلام لمن آمن وعمل بها، وهى حجة المسلمين.
والثالث فقوله تعالى: ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فالمقصود العام هنا هو التوحيد.
والرابع: فى اتباع شريعة عيسى ﵇ لأنها آخر الشرائع نسخت ما قبلها، كذلك الإسلام نسخ ما قبله، فضلا عن عدم نسبة هذين المذهبين لأحد بعينه، وتضعيف ابن رشد للمذهب الرابع.
وذكر فى تفسير قوله تعالى:
إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ* إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (سورة المائدة: ٣٣ - ٣٤).
«والنفى من الأرض: الإبعاد من المكان الذى هو وطنه لأن النفى معناه عدم الوجود والمراد الإبعاد، لأنه إبعاد عن القوم الذين حاربوهم. يقال:
نفوا فلانا، أى أخرجوه من بينهم، وهو الخليع وقال النابغة:
ليهن لكم أن قد نفيتم بيوتنا
أى أقصيتمونا عن دياركم. ولا يعرف فى كلام العرب معنى للنفى غير هذا، وقال أبو حنيفة وبعض العلماء: النفى هو السجن. وحملهم على هذا التأويل
стр. 213
البعيد التفادى من دفع أضرار المحارب عن قوم كان فيهم بتسليط ضره على قوم آخرين وهو نظر يحمل على التأويل، ولكن قد بين العلماء أن النفى يحصل به دفع الضر لأن العرب كانوا إذا أخرج أحد من وطنه ذل وحصدت شوكته، قال امرؤ القيس:
به ذئب يعوى كالخليج المعبل
وذلك حال غير مختص بالعرب فإن للمرء فى بلده وقومه من الإقدام ما ليس له فى غير بلدة.
على أن من العلماء من قال: ينفون إلى بلد بعيد منحاز إلى جهة بحيث يكون فيه كالمحصور. قال أبو الزناد: كأن النفى قديما إلى (دهلك) وإلى (باضع) وهما جزيرتان فى بحر اليمن» (١).
واللغة هنا كانت عونا له فى استنباط معنى النفى، وهو عدم الوجود، والمراد: الإبعاد جزاء لمن يحاربون الله ورسوله، وما قال به أبو حنيفة وبعض العلماء إنه السجن دفعا للضر الذى يسببونه هؤلاء إذا نفوا إلى ديار قوم آخرين، وذلك ما حملهم على هذا التأويل، ومن ثم ذهب ابن عاشور يذكر أقوالا أخرى على لسان فقهاء آخرين، والنفى يحصل به دفع الضر على عادة العرب، وإن ذلك أمر غير مختص بالعرب، فالنفى أو المستبعد إلى غير دياره لا يملك الفعل أو القول الحر، أما ما ذكره عن بعض العلماء" ينفون إلى بلد بعيد"، وقول أبى الزناء" كان النفى قديما إلى دهلك" فهو إصرار من المفسر على المعنى اللغوى للنفى كما عرفه العرب من كلامهم، وتقريره لما ذهب إليه أبو حنيفة وبعض العلماء كان تقديرا للبواعث فحسب.
стр. 214
وابن عاشور المالكى المذهب لم يقف تفسيره لآيات الأحكام على أقوال رجال هذا المذهب، وإنما كان يستعين بكل قول من المذاهب الفقهية الأخرى فيما يناسب الآية، ولا يمنع ذلك من نصرته للمذهب المالكى مع ذكر من قال بذلك الحكم من الصحابة والتابعين على طريقة مالك فى استنباط الأحكام وقواعده ومنها" عمل أهل المدينة".
خامسا: الاستعانة بأقوال الفلاسفة وعلماء الهيئة:
وهى من الوسائل التى استخدمها ابن عاشور فى التفسير بالرأى، يستعين بها أحيانا فى الحدود التى ذكرها فى المقدمة الرابعة ... قال:
«الحكمة وإن كانت علما اصطلاحيا وليس هو تمام المعنى للآية إلا أن معنى الآية الأصلى لا يفوت، وتفاريع الحكمة تعين عليه، وكذلك أن تأخذ من قوله تعالى: كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ (١) تفاصيل من علم الاقتصاد السياسى، وتوزيع الثروة العامة، وتعلل ذلك مشروعية الزكاة والمواريث والمعاملات المركبة من رأس المال وعمل على أن ذلك تومئ إليه الآية إيماء» (٢).
أى أن هذه الأقوال، لا تعنى وحدها المقصود من الآية، وإنما هى تعين على فهمه، أو تشير إليه على نحو من الأنحاء، كما فى الآية المذكورة فى الفقرة السابقة، ولكن يبقى المعنى الأصلى من عمل المفسرين، ويقول عن بعض العلوم الأخرى: «وإن بعض مسائل العلوم قد تكون أشد تعلقا بتفسير آى القرآن كما تفرض مسألة كلامية لتقرير دليل قرآنى مثل برهان التمانع لتقرير معنى قوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا (٣)، وكتقرير مسألة المتشابه
стр. 215
تحقيق معنى، نحو قوله تعالى: وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ (١) فهذا كونه من آيات التفسير واضح، وكذا قوله تعالى: أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ (٢). فإن القصد منه الاعتبار بالحالة المشاهدة، فلو زاد المفسر ففصّل تلك الحالة وبيّن أسرارها بما هو مبيّن فى علم الهيأة كان قد زاد المقصد خدمة، وإما على وجه التوفيق بين المعنى القرآنى وبين المسائل الصحيحة من العلم، حيث يمكن الجمع، وإما على وجه الاسترواح من الآية كما يؤخذ من قوله تعالى: وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ (٣) أن فناء العالم يكون بالزلازل، ومن قوله: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (٤) الآية أن نظام الجاذبية يختل عند فناء العالم» (٥).
ويعنى ذلك أن هناك صنف من العلوم يمكن الاستفادة منه فى تفسير بعض الآيات خصوصا المتصلة بمسائل الكلام أو علم الهيئة، فإذا لجأ المفسر إلى ذلك زاد من الأضواء التى تكشف عن قصد الآية، أو قد يكون غرض المفسر التوفيق بين المعنى القرآنى وما صح من مسائل العلوم التى تتصل بمظاهر الكون، أو يكون للاسترواح أى اطمئنان القلب أن يكون ذلك من المعانى التى تحتملها الآية، ومن ثم يضع ابن عاشور شرطا أساسيا لاستعانة المفسر بمثل هذه العلوم.