الثالث: إنما يلزم الاقتداء بشرع إبراهيم- ﵇ لقوله تعالى:
ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً (١) ولم أقف على تعيين من نسب إليه هذا القول.
الرابع: لا يلزم إلا اتباع شريعة عيسى لأنها آخر الشرائع نسخت ما قبلها ولم أقف على تعيين صاحب هذا القول. قال ابن رشد فى المقدمات:
وهذا أضعف الأقوال» (٢).
وهو هنا يعرض مسألة" شرائع من قبلنا تكون أحكاما لنا" من خلال أربعة مذاهب:
الأول: عن مالك وأصحابه، والثانى: عن أكثر الشافعية والظاهرية، والثالث والرابع: لم يقف ابن عاشور على تعيين صاحبيهما، وعلى الرغم من ذلك فقد أتى بهما ليحيط الآية- على عادته- بأغلب ما قيل فيها من تفسير.
ونقول فيما جاء عن هذه المذاهب:
إن ما ثبت فى الصحاح من أمر رسول الله ﷺ فى قضية الربيع بنت النضر، وقوله ﷺ " كتاب الله القصاص" وكتاب الله هنا هو القرآن، والمعنى العام لهذا الحديث هو العدل، وما حكاه القرآن عن شرع التوراة فى قوله تعالى: وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها .... الآية.
فالضمير فى" عليهم" يعود على أتباع التوراة، وقوله ﵇: «من نسى الصلاة فليصلها إذ ذكرها». فالصلاة هنا هى الصلاة التى تعلمها المسلمون منه حيث يقرءون فيها بعض آى القرآن الذى نزل بعد موسى ﵇.
стр. 212
والمذاهب الثانى: وهو عن أكثر الشافعية والظاهرية أن «شرع من قبلنا ليس شرعا لنا» وحجتهم فى ذلك قوله تعالى: شِرْعَةً وَمِنْهاجاً نص صريح فى تخصيص شريعة الإسلام لمن آمن وعمل بها، وهى حجة المسلمين.
والثالث فقوله تعالى: ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فالمقصود العام هنا هو التوحيد.
والرابع: فى اتباع شريعة عيسى ﵇ لأنها آخر الشرائع نسخت ما قبلها، كذلك الإسلام نسخ ما قبله، فضلا عن عدم نسبة هذين المذهبين لأحد بعينه، وتضعيف ابن رشد للمذهب الرابع.
وذكر فى تفسير قوله تعالى:
إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ* إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (سورة المائدة: ٣٣ - ٣٤).
«والنفى من الأرض: الإبعاد من المكان الذى هو وطنه لأن النفى معناه عدم الوجود والمراد الإبعاد، لأنه إبعاد عن القوم الذين حاربوهم. يقال:
نفوا فلانا، أى أخرجوه من بينهم، وهو الخليع وقال النابغة:
ليهن لكم أن قد نفيتم بيوتنا
أى أقصيتمونا عن دياركم. ولا يعرف فى كلام العرب معنى للنفى غير هذا، وقال أبو حنيفة وبعض العلماء: النفى هو السجن. وحملهم على هذا التأويل
стр. 213
البعيد التفادى من دفع أضرار المحارب عن قوم كان فيهم بتسليط ضره على قوم آخرين وهو نظر يحمل على التأويل، ولكن قد بين العلماء أن النفى يحصل به دفع الضر لأن العرب كانوا إذا أخرج أحد من وطنه ذل وحصدت شوكته، قال امرؤ القيس:
به ذئب يعوى كالخليج المعبل
وذلك حال غير مختص بالعرب فإن للمرء فى بلده وقومه من الإقدام ما ليس له فى غير بلدة.
على أن من العلماء من قال: ينفون إلى بلد بعيد منحاز إلى جهة بحيث يكون فيه كالمحصور. قال أبو الزناد: كأن النفى قديما إلى (دهلك) وإلى (باضع) وهما جزيرتان فى بحر اليمن» (١).
واللغة هنا كانت عونا له فى استنباط معنى النفى، وهو عدم الوجود، والمراد: الإبعاد جزاء لمن يحاربون الله ورسوله، وما قال به أبو حنيفة وبعض العلماء إنه السجن دفعا للضر الذى يسببونه هؤلاء إذا نفوا إلى ديار قوم آخرين، وذلك ما حملهم على هذا التأويل، ومن ثم ذهب ابن عاشور يذكر أقوالا أخرى على لسان فقهاء آخرين، والنفى يحصل به دفع الضر على عادة العرب، وإن ذلك أمر غير مختص بالعرب، فالنفى أو المستبعد إلى غير دياره لا يملك الفعل أو القول الحر، أما ما ذكره عن بعض العلماء" ينفون إلى بلد بعيد"، وقول أبى الزناء" كان النفى قديما إلى دهلك" فهو إصرار من المفسر على المعنى اللغوى للنفى كما عرفه العرب من كلامهم، وتقريره لما ذهب إليه أبو حنيفة وبعض العلماء كان تقديرا للبواعث فحسب.
стр. 214
وابن عاشور المالكى المذهب لم يقف تفسيره لآيات الأحكام على أقوال رجال هذا المذهب، وإنما كان يستعين بكل قول من المذاهب الفقهية الأخرى فيما يناسب الآية، ولا يمنع ذلك من نصرته للمذهب المالكى مع ذكر من قال بذلك الحكم من الصحابة والتابعين على طريقة مالك فى استنباط الأحكام وقواعده ومنها" عمل أهل المدينة".
خامسا: الاستعانة بأقوال الفلاسفة وعلماء الهيئة:
وهى من الوسائل التى استخدمها ابن عاشور فى التفسير بالرأى، يستعين بها أحيانا فى الحدود التى ذكرها فى المقدمة الرابعة ... قال:
«الحكمة وإن كانت علما اصطلاحيا وليس هو تمام المعنى للآية إلا أن معنى الآية الأصلى لا يفوت، وتفاريع الحكمة تعين عليه، وكذلك أن تأخذ من قوله تعالى: كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ (١) تفاصيل من علم الاقتصاد السياسى، وتوزيع الثروة العامة، وتعلل ذلك مشروعية الزكاة والمواريث والمعاملات المركبة من رأس المال وعمل على أن ذلك تومئ إليه الآية إيماء» (٢).
أى أن هذه الأقوال، لا تعنى وحدها المقصود من الآية، وإنما هى تعين على فهمه، أو تشير إليه على نحو من الأنحاء، كما فى الآية المذكورة فى الفقرة السابقة، ولكن يبقى المعنى الأصلى من عمل المفسرين، ويقول عن بعض العلوم الأخرى: «وإن بعض مسائل العلوم قد تكون أشد تعلقا بتفسير آى القرآن كما تفرض مسألة كلامية لتقرير دليل قرآنى مثل برهان التمانع لتقرير معنى قوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا (٣)، وكتقرير مسألة المتشابه
стр. 215
تحقيق معنى، نحو قوله تعالى: وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ (١) فهذا كونه من آيات التفسير واضح، وكذا قوله تعالى: أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ (٢). فإن القصد منه الاعتبار بالحالة المشاهدة، فلو زاد المفسر ففصّل تلك الحالة وبيّن أسرارها بما هو مبيّن فى علم الهيأة كان قد زاد المقصد خدمة، وإما على وجه التوفيق بين المعنى القرآنى وبين المسائل الصحيحة من العلم، حيث يمكن الجمع، وإما على وجه الاسترواح من الآية كما يؤخذ من قوله تعالى: وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ (٣) أن فناء العالم يكون بالزلازل، ومن قوله: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (٤) الآية أن نظام الجاذبية يختل عند فناء العالم» (٥).
ويعنى ذلك أن هناك صنف من العلوم يمكن الاستفادة منه فى تفسير بعض الآيات خصوصا المتصلة بمسائل الكلام أو علم الهيئة، فإذا لجأ المفسر إلى ذلك زاد من الأضواء التى تكشف عن قصد الآية، أو قد يكون غرض المفسر التوفيق بين المعنى القرآنى وما صح من مسائل العلوم التى تتصل بمظاهر الكون، أو يكون للاسترواح أى اطمئنان القلب أن يكون ذلك من المعانى التى تحتملها الآية، ومن ثم يضع ابن عاشور شرطا أساسيا لاستعانة المفسر بمثل هذه العلوم.
стр. 216
«وشرط كون ذلك مقبولا أن يسلك فيه مسلك الإيجاز، فلا يجلب إلا الخلاصة من ذلك العلم، ولا يصير الاستطراد كالغرض المقصود له، لئلا يكون كقولهم السىّ بالسىّ يذكر» (١). أى يجلب المفسر خلاصة النافع المفيد من هذه العلوم، ولا يكون الاستطراد مسلكه لتبقى له صفته الأولى كمفسر.
ومن وجوه الخلاف التى وقعت بين جماعة من العلماء فى تفسير القرآن بعلوم الحكمة ذكر ابن عاشور:
«فأما جماعة منهم فيرون من الحسن التوفيق بين العلوم غير الدينية وآلاتها وبين المعانى القرآنية، ويرون القرآن مشيرا إلى كثير منها، قال ابن رشد الحفيد فى فصل المقال: «أجمع المسلمون على أن ليس يجب أن تحمل ألفاظ الشرع كلها على ظاهرها، ولا أن تخرج كلها عن ظاهرها بالتأويل، والسبب فى ورود الشرع بظاهر وباطن هو اختلاف نظر الناس، وتباين قرائحهم فى التصديق» (٢).
ويقول عن ابن عربى:
«وذهب ابن عربى فى العواصم إلى إنكار التوفيق بين العلوم الفلسفية والمعانى القرآنية، ولم يتكلم على غير هاته العلوم، وذلك على عادته فى تحقير الفلسفة لأجل ما خولطت به من الضلالات الاعتقادية، وهو فى ذلك مستخف بالحكماء» (٣).
ثم يفصل القول فى الحاجة إلى العلوم التى لها علاقة بالقرآن الكريم وحاجة المفسر إليها:
стр. 217
«وأنا أقول: إن علاقة العلوم بالقرآن على أربع مراتب:
الأولى: علوم تضمنها القرآن كأخبار الأنبياء والأمم، وتهذيب الأخلاق والفقه والتشريع والاعتقاد والأصول والعربية والبلاغة.
الثانية: علوم تزيد المفسر علما كالحكمة، والهيأة وخواص المخلوقات.
الثالثة: علوم أشار إليها أو جاءت مؤيدة له كعلم طبقات الأرض والطب والمنطق.
الرابعة: علوم لا علاقة لها به إما لبطلانها كالزجر والعيافة والميثولوجيا، وإما لأنها لا تعين على خدمته كعلم العروض والقوافى (١).
وهو فى هذه الأطر التى حددها فى قوله هذا قد استعان بما تضمنه القرآن من علوم وذهب يفسر آياته ويبين مقاصدها، وقد رأينا ذلك فيما مر بنا من صفحات، ومن علوم الحكمة والهيأة وخواص المخلوقات راح يستعين ببعض مسائلها دون استطراد وفى الحدود التى رسمها، كما أن العلوم التى أشار إليها القرآن، أو جاءت مؤيدة له، فقد حوى تفسير التحرير والتنوير الكثير منها فى المواطن التى تناسبها دون حشر أو إقحام، أما العلوم التى ذكرها فى" المرتبة الرابعة" فلم يلجأ إليها، أو استعان بها فى تفسيره، فهى كما يقول إما باطلة، أو لا تعين على خدمة القرآن الكريم.
ومما ذكره ابن عاشور من أقوال فى معنى" العبادة ومراتبها" من كلام الإمام الفخر الرازى والشيخ الرئيس ابن سينا فى تفسير قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (سورة الفاتحة: الآية ٥).
«قال الفخر" مراتب العبادة ثلاث: الأولى أن يعبد الله طمعا فى
стр. 218
الثواب وخوفا من العقاب وهى العبادة، وهى درجة نازلة ساقطة لأنه جعل الحق وسيلة لنيل المطلوب، والثانية أن يعبد الله لأجل أن يتشرف بعبادته والانتساب إليه بقبول تكاليفه وهى أعلى من الأولى إلا أنها ليست كاملة لأن المقصود بالذات غير الله. الثالثة أن يعبد الله لكونه إلها خالقا مستحقا للعبادة وكونه هو عبد إله، وهذه أعلى المقامات وهو المسمى بالعبودية أه.
قلت ولم يسم الإمام المرتبة الثالثة باسم، والظاهر أنها ملحقة فى الاسم بالمرتبة الثالثة أعنى العبودية لأن الشيخ ابن سينا قال فى الإشارات «العارف يريد الحق لا لشىء غيره ولا يؤثر شيئا على عرفانه وتقيده له فقط ولأنه مستحق للعبادة ولأنها نسبة شريفة إليه لا لرغبة أو رهبة أه فجعلها حالة واحدة» (١).
وفى حقيقة" الفطرة" ذكر فى تفسير قوله تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (سورة الروم: الآية ٣٠).
«وقد بيّن أبو على ابن سينا حقيقة الفطرة فى كتابه" النجاة" فقال «ومعنى الفطرة أن يتوهم الإنسان نفسه حصل فى الدنيا دفعة وهو عاقل، لكنه لم يسمع رأيا، ولم يعتقد مذهبا، ولم يعاشر أمة ولم يعرف سياسة، ولكنه شاهد المحسوسات وأخذ منها الحالات، ثم يعرض على ذهنه شيئا ويتشكك فيه، فإن أمكنه الشك فالفطرة لا تشهد به، وإن لم يمكنه الشك فهو ما توجبه الفطرة، وليس كل ما توجبه فطرة الإنسان بصادق، إنما الصادق فطرة القوم
стр. 219
التى تسمى عقلا، وأما فطرة الذهن بالجملة، فربما كانت كاذبة، وإنما يكون هذا الكذب فى الأمور التى ليست محسوسة بالذات بل هى مبادئ للمحسوسات.
فالفطرة الصادقة هى مقدمات وآراء مشهورة محمودة أو جبت التصديق بها: إما شهادة الكل مثل: أن العدل جميل وإما شهادة الأكثر، وإما شهادة العلماء أو الأفاضل منهم، وليست الذائعات من جهة ما هى ذائعات مما يقع التصديق بها فى الفطرة، فما كان من الذائعات ليس بأوّلى عقلى ولا وهمى فإنها غير فطرية، ولكنها متقررة عند الأنفس لأن العادة مستمرة عليها منذ الصبى وربما دعا إليها محبة التسالم والاصطناع المضطر إليهما الإنسان» (١)، أو شىء من الأخلاق الإنسانية مثل الحياء والاستئناس (٢)، أو الاستقراء الكثير، أو كون القول فى نفسه ذا شرط دقيق لأن يكون حقا صرفا فلا يفطن لذلك الشرط ويؤخذ على الإطلاق أه» (٣).
وفى معنى الجمال والحب، ذكر فى قوله تعالى:
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (سورة آل عمران: الآية ٣١).
ولم يستطع الفلاسفة توضيح علة ملاءمة بعض ما يعبر عنه بالجمال للنفوس: ككون الذات جميلة أو قبيحة الشكل، وكون المربع أو الدائرة حسنا
стр. 220
لدى النفس، والشكل المختل قبيحا، ومع الاعتراف باختلاف الناس فى بعض ما يعبر عنه بالجمال والقبح كما قال أبو الطيب:
ضروب الناس عشاق ضروبا
وأن بعض الناس يستجيد من الملابس ما لا يرضى به الآخر، ويستحسن من الألوان ما يستقبحه الآخر، ومع ذلك كله فالمشاهد أن معظم الأحوال لا يختلف فيها الناس السالمو الأذواق.
فأما المتقدمون فقال سقراط: سبب الجمال حب النفع، وقال أفلاطون: «الجمال أمر إلهى أزلى موجود فى عالم غير قابل للتغير، قد تمتعت الأرواح به قبل هبوطها إلى الأجسام فلما نزلت إلى الأجسام صارت مهما رأت شيئا على مثال ما عهدته فى العوالم العقلية، وهى عالم المثال مالت إليه لأنه مألوفها من قبل هبوطها». وذهب الطبائعيون إلى أن الجمال شىء ينشأ عندنا عن الإحساس بالحواس، ورأيت فى كتاب جامع أسرار الطب للحكيم عبد الملك بن زهر القرطبى «العشق الحسى إنما هو ميل النفس إلى الشيء الذى تستحسنه وتستلذه، وذلك أن الروح النفسانى الذى مسكنه الدماغ قريب من النور البصرى الذى يحيط بالعين ومتصل بمؤخر الدماغ وهو الذكر، فإذا نظرت العين إلى الشيء المستحسن انضم النورى البصرى وارتعد فبذلك الانضمام والارتعاد يتصل بالروح النفسانى فيقبله قبولا حسنا ثم يودعه الذكر فيوجب ذلك المحبة، ويشترك أيضا بالروح الحيوانى الذى مسكنه القلب لاتصاله بأفعاله فى الجسد كله فحينئذ تكون الفكرة والهم والسهر» (١).
رأينا فى المثال الأول من الأمثلة السابقة عند تفسير قوله تعالى:
стр. 221
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ما ساقه ابن عاشور من قول الإمام الفخر الرازى فى مراتب العبادة، وما ذكره الشيخ الرئيس ابن سينا فى المرتبة الثالثة من هذه المراتب.
وفى المثال الثانى كان حول حقيقة الفطرة التى فطر الله الناس عليها كما ذكرها بشيخ الرئيس.
وفى المثال الأخير رأينا اختلاف الحكماء كسقراط وأفلاطون فى أمر الجمال ومذاهب الناس فى رد أسبابه إلى أصول متباينة عندهم، أو نشأته كما عند الطبائعيين، أو تعريف العشق الحسى كما جاء عند عبد الله بن زهر القرطبى فى كتابه جامع أسرار الطب.
وكل تلك الأقوال قد تلقى ضوءا على معنى اللفظة من الآية" العبودية، الفطر، الجمال، الحب أو العشق"، ومعانى تلك الألفاظ قد شغلت الحكماء طويلا، وذهب كل منهم
مذاهب مختلفة فى تحديد مراميها أو دلالاتها، وحين ينقل ابن عاشور هذه الأقوال كان ذلك فى دائرة الاستفادة منها، تعينه فى تعميق معنى اللفظة لا معنى الآية، حيث يبقى هذا المعنى للمفسر، يقترب منه بأدواته المختلفة، ويحيطه بما يستطيعه منها دون أن تنفرد أقوال الحكماء بمعنى الآية أو تطغى عليه.
ومن علوم الهيئة وخواص المخلوقات، وهى من علوم المرتبة الثانية التى صنفها ابن عاشور على هذا النحو، كذا من العلوم التى أشار إليها القرآن الكريم، أو جاءت مؤيدة له والمصنفة عند ابن عاشور فى المرتبة الثالثة ... ذكر فى تفسير قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (سورة البقرة: الآية ٢٩).
стр. 222
«وقد عد الله تعالى فى هذه الآية وغيرها السماوات سبعا، وهو أعلم بها والمراد منها، إلا أن الظاهر الذى دلت عليه القواعد العلمية أن المراد من السموات الأجرام العلوية العظيمة، وهى الكواكب السيارة المنتظمة مع الأرض فى النظام الشمسى، ويدل لذلك أمور، أحدهما: أن السموات ذكرت فى غالب مواضع القرآن مع ذكر الأرض، وذكر خلقها هنا مع ذكر خلق الأرض، فدل على أنها عوالم كالعالم الأرضى، وهذا ثابت للسيارات، ثانيها: أنها ذكرت مع الأرض من حيث إنها أدلة بديع صنع الله تعالى، فناسب أن يكون تفسيرها تلك الأجرام المشاهدة للناس المعروفة للاسم الدال نظام سيرها وباهر نورها على عظمة خالقها، ثالثها: أنها وصفت بالسبع، وقد كان علماء الهيئة يعرفون السيارات السبع من عهد الكلدان وتعاقب علماء الهيئة من ذلك العهد إلى العهد الذى نزل فيه القرآن فما اختلفوا فى أنها سبع، رابعها: أن هاته السيارات هى الكواكب المنضبط سيرها بنظام مرتبط مع نظام سير الشمس والأرض، ولذلك يعبر عنها علماء الهيئة المتأخرون بالنظام الشمسى، فناسب أن تكون هى التى قرن خلقها بخلق الأرض، وبعضهم يفسر السموات بالأفلاك، وهو تفسير لا يصح لأن الأفلاك هى الطرق التى تسلكها الكواكب السيارة فى الفضاء، وهى خطوط فرضية لا ذوات لها فى الخارج» (١).
وما ذكره ابن عاشور فى هذه الفقرة يعد مما أشار إليه القرآن الكريم أو يتفق معه، وابن عاشور يلجأ إلى توضيح ذلك من خلال صياغة القرآن لهذه الحقائق، أو ما وصفه بها، واتفاق العلماء إلى عصر نزوله حولهما، وقد رفض ابن عاشور تفسير بعض العلماء أن السموات هى الأفلاك، وتعليله فى هذا الرفض أن السموات غير الأفلاك، فهى الطرق التى تسلكها الكواكب السيارة
стр. 223
فى الفضاء، وذكر فى هامش الصفحة نفسها: «إن علماء الهيئة يقسمون الأجرام العلوية أقساما: الأول الشموس، وهى شمس عالمنا هذا، وهنالك شموس أخرى يعبّر عنها بالثوابت، وهى لبعدها الشاسع عنا لم يتيسر ضبط سيرها، ويعبر عن كل شمس بأنه الجرم المركزى، لأنه تتبعه سيارات تدور حوله، الثانى: السيارات وهى الكواكب التى تدور حول الشمس وتستمد نورها من نور الشمس وهى: نبتون، أورانوس، زحل، المشترى، المريخ، الأرض، الزهرة، عطارد. الثالث: نجميات وهى سيارات صغيرة واقعة بين فلكى المريخ والمشترى، الرابعة: الأقمار وهى توابع للسيارات تدور حول واحد من السيارات وهى واحد تابع للأرض وأربعة للمشترى وثمانية لزحل وأربعة لأورانوس وواحد لنبتون، ويعبر عن هذا المجموع بالنظام الشمسى لأن جميع حركاته مرتبطة بحركة الشمس» (١).
وقد وضع هذه الفقرة فى هامش الصفحة زيادة فى توضيح المقصود من الأجرام السماوية، ولكون أقوال العلماء فى ذلك التقسيم ليس مما تسعى إليه الآية ولا هو من تفسيرها، ويؤكد ابن عاشور بعد ذلك ما جاء به القرآن وما يؤيده العلماء.
«هذا وقد ذكر الله تعالى السموات سبعا هنا وفى غير آية، وقد ذكر العرش والكرسى مما يدل على أنهما محيطان بالسماوات، وجعل السموات كلها فى مقابلة الأرض، وذلك يؤيد ما ذهب إليه علماء الهيئة من عد الكواكب السيارة تسعة، وهذه أسماؤها على الترتيب فى بعدها عن الأرض: نبتون، أورانوس، زحل، المشترى، المريخ، الشمس، الزهرة، عطارد، بلكان» (٢).
стр. 224
ويقول أيضا:
«والأرض فى اصطلاحهم كوكب سيار، وفى اصطلاح القرآن لم تعد معها، لأنها التى منها تنظر الكواكب وعد عوضا عنها القمر، وهو من توابع الأرض فعدّه معها عوض عن عد الأرض تقريبا لأفهام السامعين، وأما الثوابت فهى عند علماء الهيئة شموس سابحة فى شاسع الأبعاد عن الأرض، ولعل الله لم يجعلها سماوات ذات نظام كنظام السيارات السبع، فلم يعدها فى السموات، أو أن الله إنما عدّلنا السموات التى هى مرتبطة بنظام أرضنا» (١).
وهو فى ذلك لم يسلم بكل ما قاله علماء الهيئة، فأسرار الكون البعيد ما زال أغلبها غامضا عن العقول، بعيدا عن أدوات العلم أو مناهجه، والأبعاد التى أشارت إليها الآية أكثرها لم يقترب منها العقل الإنسانى، وما قرّبه الله إلى أفهامنا إنما هو حث على التدبر والتصديق.
стр. 225
الباب الرابع موقف الطاهر بن عاشور من المذاهب الاعتقادية
стр. 226
تقديم:
لم يتعرض أحد من المفسرين- على الرغم من اختلاف منازعهم فى التفسير- إلى هذه الكثرة من المذاهب الاعتقادية المختلفة كما تعرض لها ابن عاشور فى تفسيره.
من هذه المذاهب التى تعرض لها: التصرف والاعتزال والجبرية والشيعة والخوارج، وكلها فرق تدور فى دائرة الإسلام، والبهائية وهى خارجة عنه.
وقد تناول فى هذا الاستعراض أبرز قضايا كل مذهب، وقد يتفق معه أحيانا، أو يختلف معه أحيانا أخرى، وهو فى اتفاقه معه يستعين ببعض أقوال رجاله، كما فعل مع المتصوفة والمعتزلة، غير أنه فى اختلافه لا يسعى إلى مناصرة مذهبه السنى فحسب، بل نجده يوفر جهدا واسعا من المعارف والتحليلات التى تهمد تمهيدا حرا للإقناع والإنصاف، أما البهائية فقد وقف منها موقف المعارضة التامة وأخرج متبعيها عن حوزة الإسلام.
وقد رأينا أن نقدم نبذة عند الحديث عن كل مذهب- إذا لزمت الضرورة- تبين أهم أسسه التى يقوم عليها واتجاهاته التى يسعى إليها دون إطالة لا يستفاد منها، ومن ثم إحالة القارئ- فى بعض المواضع- إلى المصادر المعتبرة عند أصحاب المذهب إذا شاء المزيد.
стр. 227
أولا: التصوف:
يقول الغزالى عن خواص الصوفية:
«إن أخص خواصهم ما لا يمكن الوصول إليه بالتعلم، بل بالذوق (١) والحال (٢) وتبدل الصفات، وكم من الفرق بين أن تعلم حد الصحة وحد الشبع وأسبابها وشروطها، وبين أن تكون صحيحا وشبعان» (٣)، ويقول عن هؤلاء المتصوفة وهو يتحدث عن سيرته وسبيله إليهم.
«علمت أنهم أرباب الأحوال، لا أصحاب الأقوال، وأن ما يمكن تحصيله بطريق العلم فقد حصلته، ولم يبق إلا ما لا سبيل إليه بالسماع والعلم، بل بالذوق والسلوك» (٤).
стр. 228
وفى رواية عن سهل التسترى" ت ٢٨٢ هـ" يذكر فيها أصول المتصوفة:" أصولنا سبعة أشياء: التمسك بكتاب الله، والاقتداء بسنة رسول الله ﷺ ".
وأكل الحلال، وكف الأذى، واجتناب الآثام، والتوبة وأداء الحقوق" (١).
وفى معنى قوله ﷺ :" اطلبوا العلم ولو بالصين، فإن طلب العلم فريضة على كل مسلم" (٢).
ذكر أبو طالب مكى:" طلب علم القلوب، ومعرفة الخواطر وتفصيلها فريضة لأنها رسل الله تعالى إلى العبد، ووسواس العدو والنفس، فيستجيب لله تعالى بتنفيذ ما سنه إليه، وفيها ابتلاء الله تعالى للعبد، واختيار تقتضيه مجاهدة النفس فى نفسها، ولأنها أول النية التى هى أول العمل، وعنها تظهر الأفعال، وعلى قدرها تضاعف الأعمال" (٣).
стр. 229
وهذا العلم يرتبط بمفاهيم عملية وأخلاقية «فالعلم حرف لا يعربه إلا العمل، والحرف لا يعبر به إلا الإخلاص، والإخلاص حرف لا يعربه إلا الصبر، والصبر لا يعربه إلا التسليم» (١).
وتلعب التجربة الذاتية عند المتصوف دورها المهم، وتنكشف له معانى القرآن- كما يقول أصحاب هذا المذهب- تبعا لعمق كل مرحلة من مراحل التجربة وما تتميز به كل مرحلة من جلد وصدق واستغناء، ويقول الحلاج:
" الحقيقة دقيقة، طرقها مضيقة، فيها نيران شهيقة، ودونها مفازة عميقة، الغريب سلكها يخبر عن قطع مقامات الأربعين، مثل مقام الذوب والرهب، والسلب والطلب، والعجب، والعطب، والطرب والشره، والترة، والصفاء، والصدق، والرفق والعتق، والصريح والتمنى، والعد والكد، والرد والامتداد والاعتداد والانفراد والانقياد والمراد، والشهود والحضور، والرياضة والحياطة .....
فهذه مقامات أهل الصفاء والصفوية، ولكل مقام علو مفهوم وغير مفهوم" (٢).
وكما تختلف هذه المقامات وتتدرج مستوياتها تختلف أيضا الحقيقة من صوفى إلى صوفى، ومن مقام إلى آخر، فيعيد تأويلها حسبما تتجلى له فى كل مقام" فلكل صوفى عالم روحى قائم بذاته، والطرق الصوفية المؤدية إلى الله هى بقدر عدد هذه العوالم الروحية، وإذا عرّف بعض علماء الصوفية بأنه- أى التصوف- إدراك الحقائق، فليس لهذا التعريف من معنى إلا أنه إدراك الحقائق
стр. 230
الإلهية كما يدركها كل صوفى على حدة، وبمقدار استعداده الروحى وتكوينه" (١).
ومحيى الدين بن عربى" ت ٦٣٨ هـ" من مفسرى هذا المذهب يقول فى مقدمة تفسيره عن التجربة الروحية التى مر بها «طالما تعهدت تلاوة القرآن وتدبرت معانيه بقوة الإيمان، وكنت مع المواظبة على الأوراد حرج الصدر قلق الفؤاد، لا ينشرح بها قلبى، ولا يصرفها عنى ربى، حتى استأنست بها فألفتها، وذقت حلاوة كأسها وشربتها، فإذا أنا بها نشيط النفس، ثلج الصدر، متسع البال، منبسط القلب، تتكشف لى تحت كل آية من المعانى ما يكل بوصفه لسانى، لا القدرة تفى بضبطها وإحصائها ولا القوة تصير على نشرها، فتذكرت خير من آتى ما ازدهانى، مما وراء المقاصد والأمانى، قول النبى الأمى الصادق عليه أفضل الصلوات من كل صامت وناطق،" ما نزل من القرآن آية إلا ولها ظهر وبطن، ولكل حرف حد، ولكل حد مطلع" (٢). وفهمت منه أن
стр. 231
الظهر هو التفسير، والبطن هو التأويل والحد ما يتناهى إليه المفهوم من معنى الكلام، والمطلع ما يصعد إليه منه، فيطلع على شهود الملك العلام" (١).
ويفهم من ذلك أن التفسير عند هؤلاء القوم لا يقوم على الظاهر وما يدل عليه من معان ترتبط بحقيقة الألفاظ أو مدلولاتها فحسب، وإنما يقوم أيضا على الباطن الذى لا تتوقف معانيه عند شاطئ معلوم، فهى تتمدد وتتزايد تبعا لنضج التجربة الروحية للمتصوف، يقول الدكتور السيد خليل:
«المتصوفة ينزعون فى تفسيرهم منزع الرمزيين من أهل الكتاب، فيجعلون كل شىء فى القرآن رمزا لمعنى آخر يتستر وراءه، ولا يحفلون بالمدلول اللغوى حفلهم بهذه الرموز، وتلك الإشارات، ولكنهم لا ينكرون ظاهر اللغة كما يفعل سواهم من الفرق الإسلامية» (٢).
ومن شروط هذا التفسير" وجوب الجمع بين الظاهر والباطن دون رفع أحدهما، أو بعبارة أخرى وجوب الجمع بين مدلول التعبير المباشر لبعض الآية، وبين مدلول التعبير الرمزى لها، وعدم جواز التفسير الباطنى إلا لأهل الكشف وبذلك لا تكون فكرة الباطن أو الدلالة الرمزية منفذا يحارب منه، الإسلام لأنها فكرة واسعة لا أدلّ على اتساعها من احتوائها لدوائر تنسب إلى الإسلام
стр. 232
مثل المشائية الإسلامية والشيعة بجميع فرقها وخاصة الإسماعيلية، وأن يكون للكشف شهود عليه من الكتاب والسنة" (١).
ويقول الدكتور سيد عبد التواب عبد الهادى: «لقد دارت باطنيات اللغة فى أشهر التفاسير الصوفية حول موضوعين رئيسيين هما: الحروف التى فى أوائل السور مثل: الم، طه، ص، ق ..... و البسملة» (٢).
البسملة:
ويطلق عليها ابن عربى" فاتحة الفاتحة" ويقول:
«أنه لما قد منا أن الأسماء الإلهية هى سبب وجود العالم، وانها المسلطة عليه والمؤثرة، لذلك كان" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" عندنا خبر ابتداء مضمر، وهو ابتداء العالم وظهوره، لأنه تعالى يقول: ظهور العالم هو" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ"، أى باسم الله الرحمن الرحيم ظهر العالم، واختصت (البسملة) بالثلاثة الأسماء الإلهية لأن الحقائق تعطى ذلك، فالله: هو الاسم الجامع للأسماء كلها، والرحمن: صفة عامة، رحمن الدنيا والآخرة، بها (أى بالرحمة العامة) رحم الله كل شىء من العالم فى الدنيا» (٣).
وكل كلمة، وكل حرف، وكل نقطة من البسملة رموز لمعنى خاص عند ابن عربى، يقول عن رمزية الباء:" بسم" بالباء ظهر الوجود، وبالنقطة تميز
стр. 233
العابد من المعبود، قيل للشبلى- رضى الله عنه- أنت الشبلى؟ فقال: أنا النقطة التى تحت الباء، وهو قولنا: النقطة للتمييز بين العابد والمعبود، وهو وجود العبد بما تقتضيه حقيقة العبودية، وكان الشيخ أبو مدين يقول: ما رأيت شيئا إلا ورأيت الباء عليه مكتوبة" (١).
وذكر عن رمزية السين:" ثم إنه سكن السين من" بسم" تحت ذل الافتقار والفاقة، كسكوننا تحت طاعة الرسول لما قال تعالى مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ (٢) فسكنت السين من" بسم" لتتلقى من الباء الحق اليقين، فلو تحركت" السين" قبل أن تسكن لاستبدت بنفسها، وضيف عليها من الدعوى وهى سين مقدسة، فسكنت، فلما تلقت من الباء الحقيقة المطوية أعطيت الحركة فلم تتحرك فى بعض المواطن إلا بعد ذهاب الباء .... " (٣).
ونقل الدلالة المباشرة للفظ إلى دلالة غير مباشرة على هذا النحو يعد عند الصوفية إشارة إلى معنى باطن مخزون تحت كلام ظاهر، ونوع من أنواع التجربة الذاتية عند المتصوف، ومرحلة من مراحل" الكشف" التى يمر بها.
الحروف المقطعة:
والحروف المقطعة، أو فواتح بعض السور يؤولها المتصوفة تأويلات مختلفة، وقد أخذ تأويلها عند ابن عربى فى" الفتوحات" حيزا كبيرا وعامة الحروف عنده ما لها اختصاص قرآنى، وما ليس لها هذا الاختصاص، وحروف
стр. 234
تختص بالبداية وحروف لم تختص لا بالبداية ولا بالختام، ولا ب" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ"، والحروف عند صاحب الفتوحات مقسمة إلى طبقات، وكل طبقة لها حروفها وخواصها، ويقول عن مصادره فى هذا التأويل: «كشف لنا عن ذلك كشف إلهام» (١). ويذكر فى تصنيفه لهذه الحروف وطبقاتها:
الطبقة الأولى من الخواص حروف السور المجهولة وهم الألف، واللام، والميم، والصاد، والراء، والكاف، والهاء، والياء، والعين، والطاء، والحاء، والقاف، والنون.
واعنى بهذا صورة اشتراكهم فى اللفظ والرقم، فاشتراكهما فى الرقم اشتراكها فى الصورة، والاشتراك اللفظى إطلاق اسم واحد عليها، مثل زيد وزيد آخر، فقد اشتركا فى الصورة والاسم، وأما المقرر عندنا والمعلوم فإن الصاد من" المص" (٢) وفى" كهيعص" (٣) و" أَحْرَصَ" (٤).
ليس كل واحد منهن عين الآخر منهن، ويختلف كل حرف باختلاف أحكام السورة، وأحوالها، ومنازلها، وهكذا جميع الحروف على هذه المرتبة، وهذه تعمها لفظا وخطا (٥).
ويذكر عن الطبقة الثانية:
" أما الطبقة الثانية من الخاصة وهم خاصة الخاصة، فكل حرف وقع فى أول سورة من القرآن، مجهولة وغير مجهولة، وهى: حرف الألف، والياء، والباء، والسين، والكاف، والقاف والتاء، والواو، والصاد، والنون، واللام والهاء، والعين (٦).
стр. 235
وعن الثالثة" وأما الطبقة الثالثة من الخواص وهم الخلاصة فهى الحروف الواقعة فى أواخر السور مثل: النون، والميم، والراء، والباء، والدال، والزاى، والألف، والطاء، والياء، والواو، والهاء، والظاء، والثاء، واللام، والفاء والسين (١).
ويستمر توزيع هذه الطبقات وتقسيم الحروف إلى الخاصة، وخاصة الخاصة، والخلاصة، وصفاء الخلاصة، وعين صفاء الخلاصة، وبالرغم مما سوّده من صفحات كثيرة فى هذا التوزيع والتقسيم يقول: «وربما نرغب فى نقص شىء منها مخافة التطويل» (٢).
وهذه هى أهم الأسس والاتجاهات التى يقوم عليها مذهب التصوف خصوصا فى ميدان التفسير ونظرة رجاله إلى النص القرآنى، وأهم ما يلفتنا فى هذا الشأن:
١ - إن الذوق والحال وتبدل الصفات يلعبون دورا أساسيا فى التجربة الصوفية لا يرتقى إليها التعليم أو الوسائل المحررة.
٢ - الأصول الأخلاقية للتصوف كما حددتها الرواية عن سهل التسترى:
التمسك بكتابة الله والاقتداء بسنة رسول الله ﷺ وأكل الحلال وكف الأذى واجتناب الآثام والتوبة وأداء الحقوق.
٣ - اختلاف المقامات من مقام إلى آخر عند الصوفى، ووفقا للتجربة الذاتية له يتبعه اختلاف" الحقيقة" حسبما تتجلى له فى كل مقام.
٤ - وجوب الجمع بين الظاهر والباطن دون رفع أحدهما فى مجال التفسير القرآنى وعدم جواز التفسير الباطنى إلا لأهل الكشف شريطة أن يكون لهذا الكشف شهود عليه من الكتاب والسنة.
стр. 236
وموقف ابن عاشور من هذا المذهب يتضح فيما ذكره من أقوال رجاله، جاء فى المقدمة الثالثة من التحرير والتنوير فى صحة التفسير بغير المأثور ومعنى التفسير بالرأى ونحوه.
«قال الغزالى فى الإحياء" التدبر فى قراءة القرآن إعادة النظر فى الآية، والتفهم أن يستوضح من كل آية ما يليق بها كى تتكشف له من الأسرار معان مكنونة لا تتكشف إلا للموفقين» (١).
وفى معنى الإخلاص نقل عن الغزالى فى تفسير قوله تعالى: أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ (٢).
«عرّف الغزلى الإخلاص بأنه تجريد بقصد التقرب إلى الله والابتعاد عن جميع الشوائب» (٣).
ومما نقله عنه أيضا فى تفسير قوله تعالى:
قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٤).
«وقال أبو حامد الغزالى فى المقصد الأسنى: الحكيم ذو الحكمة والحكمة عبارة عن المعرفة بأفضل الأشياء، فأفضل العلوم العلم بالله وأجل الأشياء هو الله، وقد سبق أنه لا يعرف كنه معرفته غيره، وجلالة العلم بقدر جلالة المعلوم فهو الحكيم الحق لأنه يعلم أجل الأشياء بأجل العلوم، إذ أجل العلوم هو العلم الأزلى القديم الذى لا يتصور زواله،
المطابق للمعلوم مطابقة لا يتطرق إليها خفاء، ولا شبهة ولا يتصور ذلك إلا فى علم الله أه" (٥).
стр. 237
وفى تفسير قوله تعالى:
وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ* إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ* يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (١).
نقل عن الحسن البصرى: (٢)
«وأعلم أن رواية رويت عن الحسن البصرى أنه قرأ" الحبك" بكسر الحاء وضم الباء وهى غير جارية على لغة من لغات العرب» (٣).
وذكر أيضا بعض ما نسب إليه من أقوال مثل:
«سورة النجم" وقيل: السورة كلها مدينة ونسب إلى الحسن البصرى:
أن السورة كلها مدينة، وهو شذوذ» (٤).
وقد قرأنا منذ قليل بعض ما ذكره محيى الدين بن عربى فى تفسير" البسملة" وما يعتقدوه فيها من إشارات باطنية أو رمزية، ونرى ابن عاشور، يفسرها بعيدا عن هذه الإشارات، وذكر فى تفسيرها:
стр. 238
«وقال الأستاذ الإمام محمد عبده: أن النصارى كانوا يبتدئون أدعيتهم ونحوها باسم الأب والابن والروح القدس إشارة إلى الأقانيم الثلاثة عندهم، فجاءت فاتحة كتاب الإسلام بالرد عليهم موقظة لهم بأن الإله الواحد وإن تعددت أسماؤه فإنما هو تعدد الأوصاف دون تعدد المسميات، يعنى فهو رد عليهم بتغليظ وتبليد. وإذا صح أن فواتح النصارى وأدعيتهم كانت تشتمل على ذلك- إذا الناقل أمين- فهى نكتة لطيفة.
وعندى أن البسملة كان ما يراد منها قد جرى على ألسنة الأنبياء من عهد إبراهيم ﵇ فهى من كلام الحنيفية، فقد حكى الله عن إبراهيم أنه قال لأبيه يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ (١) وقال سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا (٢) ومعنى الحفى قريب من معنى الرحيم.
وحكى عن قوله وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣)
وورد ذكر مرادفها من كتاب سليمان إلى ملكة سبأ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٤) والمظنون أن سليمان اقتدى فى افتتاح كتابه بالبسملة بالبسملة بسنة موروثة من عهد إبراهيم جعلها إبراهيم كلمة باقية فى وارثى نبوته، وأن الله أحيا هذه السنة فى الإسلام فى جملة ما أحيا له من الحنيفية.
كما قال تعالى: مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ (٥).
стр. 239
ومن المواطن التى وافقهم فيها ما ذكره فى تفسير قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (١).
«وقد فسّر الصوفية العبادة بأنها فعل ما يرضى الرب والعبودية بالرضا بما يفعل الرب، فهى أقوى، وقال بعضهم: العبودية الوفاء بالعهود، وحفظ الود، والرضا بالموجود، والصبر على المفقود، وهذه اصطلاحات لا مشاحة فيها» (٢).
الحروف المقطعة عند ابن عاشور:
كذلك قرأنا تأويل ابن عربى للحروف المقطعة وتصنيفه لهذه الحروف وطبقاتها وما ذكره عن مصادره فى هذا التأويل، ونرى ابن عاشور يذكر فى أول تفسير سورة البقرة:" الم".
«تحير المفسرون فى محل هاته الحروف الواقعة فى أول هاته السور، وفى فواتح سور أخرى عدة، جميعها تسع وعشرون سورة ومعظمها من السور المكية، وكان بعضها فى ثانى سورة نزلت وهى ن وَالْقَلَمِ (٣) وأخلق بها أن تكون مثار حيرة ومصدر أقوال متعددة وأبحاث كثيرة، ومجموع ما وقع من حروف الهجاء أوائل السور أربعة عشر حرفا وهى نصف حروف الهجاء وأكثر السور التى وقعت فيها هذه الحروف: السور المكية عدا البقرة وآل عمران، والحروف الواقعة فى السور هى- أ، ح، ر، س، ص، ط، ع، ق، ك، ل، م، ن، هـ، ى بعضها تكرر فى سور وبعضها لم يتكرر، وهى من القرآن لا محالة ومن المتشابه فى تأويلها.
стр. 240
ولا خلاف أن هاته الفواتح حين ينطق بها القارئ أسماء لحروف التهجى التى ينطق فى الكلام بمسمياتها، وأن مسمياتها الأصوات المكيفة بكيفيات خاصة تحصل فى مخارج الحروف، ولذلك إنما يقول القارئ (ألف لام ميم) مثلا ولا يقول (الم). وإنما كتبوها فى المصاحف بصور الحروف التى يتهجى بها فى الكلام، ولم يكتبوها بدوالّ ما يقرءونها به فى القرآن لأن المقصود التهجى بها، وحروف التهجى تكتب بصورها لا بأسمائها.
ومثل لأن رسم المصحف سنة لا يقاس عليه، وهذا أولى لأنه أشمل للأقوال المندرجة تحتها، وإلى هنا خلص أن الأرجح من تلك الأقوال الثلاثة وهى كونها تلك الحروف لتبكت المعاندين وتسجيلا لعجزهم عن المعارضة، أو كونها أسماء للسور الواقعة هى فيها، أو كونها أقساما أقسم بها لتشريف قدر الكتابة، وتنبيه العرب الأميين إلى فوائد الكتابة لإخراجهم من حالة الأمية، وأرجح هذه الأقوال الثلاثة هو أولها: فإن الأقوال الثانى والسابع والثامن والثانى عشر والخامس عشر والسادس عشر يبطلها أن هذه الحروف لو كانت مقتضية من أسماء أو كلمات لكان حق أن ينطق بمسمياتها لا بأسمائها، لأن رسم المصحف سنة لا يقاس عليها، وهذا أولى لأنه أشمل الأقوال، وعرفت اسميتها من دليلين: أحدهما اعتوار أحوال الأسماء عليها مثل التعرف حين تقول: الألف، والباء، ومثل الجمع حين تقول الجيمات، وحين الوصف حين تقول ألف ممدودة، والثانى ما حكاه سيبويه فى كتابه: قال الخليل يوما وسأل أصحابه كيف تلفظون بالكاف التى لك والباء التى فى ضرب، فقيل نقول كاف باء فقال: إنما جئتهم بالاسم ولم تلفظوا بالحرف، وقال أقوال كه وبه «يعنى بهاء وقعت فى آخر النطق به ليعتمد عليها اللسان عند النطق إذا بقيت على حرف واحد لا يظهر فى النطق به مفردا» (١).
стр. 241
وقد ذكر ابن عاشور فى تفسير هذه الحروف واحدا وعشرين قولا بعضها عن الخلفاء الأربعة فى روايات ضعيفة، أو عن ابن عباس، أو عن الشعبى وسفيان أو عن محمد بن القرظى والربيع بن أنس وغيرهم.
ومما يلفتنا من هذه الأقوال فيما يتصل بأقوال المتصوفة ما ذكره عن ابن عربى ....... قال: «جزم الشيخ محى الدين فى الباب الثامن والتسعين والمائة فى الفصل ٢٧ منه من كتابه الفتوحات أن هائه الحروف المقطعة فى أوائل السور أسماء للملائكة وأنها إذا تليت كانت كالنداء لملائكة، فتصغى أصحاب تلك الأسماء إلى ما يقوله التالى بعد النطق بها فيقولون صدقت إن كان ما بعدها خير، ويقولون هذا مؤمن حقا نطق حق وأخبر بحق فيستغفرون له، وهذا لم يقله غيره وهو دعوى» (١).
وتظهر معارضة ابن عاشور لأصول هذا المذهب فيما ذكره فى تفسير قوله تعالى:
قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً* أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ
غَصْباً* وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً* فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً* وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً (٢).
стр. 242
«واعلم أن قصة موسى والخضر قد اتخذتها طوائف من أهل النحل الإسلامية أصلا بنوا عليه قواعد موهومة.
فأول ما أسسوا منها أن الخضر لم يكن نبيا وإنما كان عبدا صالحا، وإن العلم الذى أوتيه ليس وحيا ولكنه إلهام، وأن تصرفه الذى تصرفه فى الموجودات أصل لإثبات العلوم الباطنية، وأن الخضر منحه الله البقاء إلى انتهاء مدة الدنيا ليكون مرجعا لتلقى العلوم الباطنية، وأنه يظهر لأهل المراتب العليا من الأولياء فيفيدهم من علمه ما هم أهل لتلقيه.
وبنوا على ذلك أن الإلهام ضرب من ضروب الوحى، وسموه الوحى الإلهامى، وأنه يجيء على لسان ملك الإلهام، وقد فصله الشيخ محى الدين بن العربى فى الباب الخامس والثمانين من كتابه" الفتوحات المكية" وبيّن الفرق بينه وبين وحى الأنبياء بفروق وعلامات ذكرها منثورة فى الأبواب الثالث والسبعين والثامن والستين بعد المائتين. والرابع والستين بعد ثلاثمائة، وجزم بأن هذا الوحى الإلهامى لا يكون مخالفا للشريعة، وأطال فى ذلك، ولا يخلو ما قاله من غموض ورموز.
وقد انتصب علماء الكلام وأصول الفقه لإبطال أن يكون ما يسمى بالإلهام حجة، وعرّفوه بأنه إيقاع شىء فى القلب يثلج له الصدر، وأبطلوا كونه حجة لعدم الثقة بخواطر من ليس معصوما، ولتفاوت مراتب الكشف عندهم، وقد تعرض لها النسفى فى عقائده، وكل ما قاله النسفى فى ذلك حق ولا يقام التشريع على أصول موهومة لا تنضبط» (١).
فكون الخضر ليس نبيا وأجله فى الدنيا محدود بزمن، وإنما هو عبد صالح منحه الله البقاء إلى انتهاء مدة الدنيا ليكون مرجعا لتلقى العلوم الباطنية،
стр. 243
ويظهر لأهل المراتب العلي فى الأولياء ..... فذلك من القواعد الموهومة التى أسسوها، ولا يخلو ما قاله ابن عربى فى" الفتوحات" عن الوحى الإلهامى من غموض ورموز، وقد أبطل العلماء ما يسمى" الإلهام حجة" لعدم الثقة بخواطر من ليس معصوما، ولتفاوت مراتب الكشف، أى أن" الحقيقة" التى تظهر للصوفى فى كل مرتبة يمر بها تختلف عن المراتب الأخرى، والشريعة لا تقوم إلا على أصول ثابتة ودلائل واضحة.
ثانيا: الاعتزال:
إذا كان المتصوفة قد أسسوا تفسيرهم للقرآن الكريم على أن لكل آية ظهر وبطن وحد ومطلع، ووجوب الجمع بين الظاهر والباطن، وعدم جواز التفسير الباطنى إلا لأهل الكشف، فإن المعتزلة أقاموا تفسيرهم على" التأويل" وأبرز مقومات هذا التأويل هو التوسع اللغوى.
يقول الدكتور مصطفى الصاوى الجوينى: «إن المعتزلة ترى أن اللغة مجاز فى الأغلب، وهم يدينون بالتوسع اللغوى فى التعبير ليلين لقولهم تأويل النصوص ويطّوع» (١).
ويذكر اجنتس جولد تسيهر أن المعتزلة: «أسسوا مذهبهم على نصوص القرآن من ناحية، وإضعاف الحجج المقامة عليهم من تلك النصوص عن طريق الحذق فى تأويلها واستخدامها فى تأييد مذهبهم الخاص» (٢).
ويقول فى موضع آخر: «سيكون من قبيل الافتراض الخاطئ أن نظن أن المعتزلة كان همهم فى تفسير القرآن التنصل عن قصد من النقل، والإقدام
стр. 244
على فهم النص باتجاه نقدى حر، ولا يجوز بنا أن نغفل الحقيقة الواقعة من أنهم لم يصدروا عن حرية الرأى، بل عن الورع والتقوى» (١).
وأصول هذا المذهب: العدل، والتوحيد، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وهم يفسرون العدل والتوحيد والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وما يتعلق بها تفسيرا يتفق مع مذهبهم، إذ أن ظاهر أصولهم فى هذه المسائل يتفق مع «أصول أهل الصلاة من أهل السنة والجماعة كما يقول الملطى، وهو يقصد بهذا القول أن لأهل السنة أيضا مواقف بصدد العدل والتوحيد والوعد والوعيد والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وأن هذه المواقف تتفق مع مذهبهم فى الأصول، ومعنى هذا أن أهل السنة والمعتزلة على السواء يسلمون بالأصول الأربعة الأولى، مع اختلاف أسلوب التفسير والفهم عند كل من الفريقين، وتبقى بعد هذا المنزلة بين المنزلتين كأصل يختص به المعتزلة وحدهم» (٢).
١ - التوحيد:
هو الأصل الأول من أصولهم، والذى أدّى بهم إلى" التأويل" بالمفهوم الاعتزالى، ويقول الدكتور أبو ريان:
" هو أهم هذه الأصول الخمسة وإليه ترجع سائر الأصول، وقد دافع المعتزلة عن وحدانية الله وردوا على المجوسية القائلين بإلهين، وأثبتوا وجود إله قديم واحد لا شريك له، كما ردوا على الدهرية الذين أنكروا وجود الصانع (الله).
стр. 245
كذلك فقد أثبتوا وحدة الذات الإلهية، فنفوا الصفات الزائدة عن الذات لأنها تؤدى إلى الشرك، ولهذا سموا بالمعطلة، وهم يقولون أن الله عالم بذاته لا بعلم زائد لا يعلم زائد على الذات، وكذلك فقد نزهوا الله عن التشبيه بصفات الإنسان، وبهذا أوّلوا جميع آيات التشبيه الواردة فى القرآن، وأنكروا رؤية الله فى الآخرة لأنها تؤدى إلى التشبيه إذ كيف ترى الباصرة روحا مطلقا. (١)
٢ - العدل:
هو الأصل الثانى عندهم، ويطلق عليهم حيانا أهل العدل والتوحيد، وإذا أريد تمييزهم عن غيرهم من المذاهب الأخرى يطلق عليهم" العدلية" ..
يقول أبو ريان:
«المعتزلة هم أهل العدل والتوحيد، وليس هناك مسلم أيا كانت دعواه لا يؤمن بالعدل الإلهى، ولكن الفضل يعزى إلى المعتزلة فى تعميق مفاهيم المسلمين عن العدالة الإلهية استجابة لدواعى العقل والمنطق، فهم فى هذه المسألة مثلهم فى مسألة التوحيد يتمسكون بدعوى العقل وبضرورة قضاياه، ويغفلون أمرا هاما طالما أوقعهم فى تناقص صريح مع أنفسهم، ذلك أنهم بينما يرفضون النظر إلى الذات الإلهية، على المستوى الإنسانى من حيث الجوهر
стр. 246
والطبيعة نجدهم من ناحية أخرى يخضعون القدرة الإلهية لموازين المنطق العقلى الإنسانى ويتصورون أن ثمت حتمية عقلية يخضع لها الفعل الإلهى، فكيف يمكن للعقل الإنسانى بمنطقة المحدود أن يدرك المنطق الإلهى وأقضيته، ونحن عاجزون عن تتبع الأسباب الحقيقية لأفعالنا الإنسانية المحدودة؟!
وعلى أية حال فإن المعتزلة كما حكّموا العقل فى مسألة التوحيد نراهم يفعلون نفس الشيء فى مسألة العدل الإلهى، فهم يرون أن العدل من صفات الله أما الظلم والجوار فهما منفيان عنه تعالى، وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١).
٣ - الوعد والوعيد:
وأساسه ما وعد الله به حق نافذ، وما توعد به حق نازل، ويقول الشيخ الذهبى عن هذا الأصل:
«مضمونه، أن الله يجازى من أحسن بالإحسان، ومن أساء بالسوء، ولا يغفر لمرتكب الكبيرة ما لم يتب، ولا يقبل فى أهل الكبائر شفاعة، ولا يخرج أحد منهم من النار. وأوضح من هذا أنهم يقولون: إنه يجب على الرب أن يثيب المطيع ويعاقب مرتكب الكبيرة، فصاحب الكبيرة إذا مات ولم يتب لا يجوز أن يعفو الله عنه، لأنه أوعد بالعقاب على الكبائر، وأخبر به.
فلو لم يعاقب لزم الخلف فى وعيده، وهم يعنون بذلك أن الثواب على الطاعات، والعقاب على المعاصى قانون حتمى التزم الله به، كما قالوا: إن
стр. 247
مرتكب الكبيرة مخلد فى النار، ولو صدّق بوحدانية الله وآمن برسله، لقوله تعالى فى الآية (٨١) من سورة البقرة.
بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١)
٤ - المنزلة بين المنزلتين:
عن هذا الأصل يقول ابن حزم الظاهرى:" عرف المعتزلة بأنهم أصحاب القول بالمنزلة بين المنزلتين، وربما كان هذا القول سبب اعتزالهم، وقد عرّفوا الإيمان بأنه معرفة
بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح، وأن كل عمل- فرضا كان أو نفلا- إنما يدخل تحت الإيمان، كلما ازداد الإنسان خيرا ازداد إيمانا، وكلما عصى نقص إيمانه (٢).
ومن الروايات التى ذكرت فى سبب ظهور المعتزلة وتسميتهم بهذا الاسم ما ذكره واصل بن عطاء فى حلقة الحسن البصرى حين دخل أحد السائلين فقال:
«يا إمام الدين، لقد ظهرت فى زماننا جماعة يكفّرون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم كفر يخرج به عن الملة، وهم وعيدية الخوارج، وجماعة يرجئون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم لا تضر مع الإيمان، بل العمل على مذهبهم ليس ركنا من الإيمان، ولا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وهم مرجئة الأمة، فكيف تحكم لنا فى ذلك اعتقادا؟ فتفكر
стр. 248
الحسن فى ذلك، وقبل أن يجيب قال واصل بن عطاء: أنا لا أقول مؤمن مطلقا، ولا كافرا مطلقا، بل هو فى منزلة بين المنزلتين، لا مؤمن ولا كافر، ثم قام واعتزل إلى أسطوانة من أسطوانات المسجد يقرر ما أجاب فأجاب به على جماعة من أصحاب الحسن، فقال الحسن: اعتزل عنا واصل. فسمى هو وأصحابه معتزلة» (١).
٥ - الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر:
وهو الأصل الذى حاول بعض المعتزلة من خلال تطبيقه فرض معتقداتهم على جمهور المسلمين على الرغم مما يقول به المعتزلة من إعلاء دور العقل وحرية الفكر و «يقضى هذا المبدأ بمجاهدة كل من خالف حكم الله وأوامره ونواهيه تحقيقا للآية الكريمة: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» (٢).
وقد رأى جمهور المعتزلة أن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر يجب أن يبدأ بالقلب، ثم يدرج إلى استخدام اللسان أولا، ثم استعمال اليد ثانية أى استخدام القوة. وقد طبقوا هذا المبدأ إبان محنة خلق القرآن، واعتبروه فرض عين لا فرض كفاية، لكن فريقا منهم لم يتشدد فى تطبيقه مخافة أن يزجوا بأنفسهم فى غمار حلبة الصراع السياسى. وقالوا: لا يصلح له إلا من علم المعروف ونهى عن المنكر وعلم كيف يرتب الأمر فى إقامته وكيف يباشره (٣).
стр. 249
هذه هى بعض الأضواء على تلك الأصول، وقد تفرع منها الكثير من القضايا التى أثيرت فى مجال العقيدة، أو السياسة، أو الفكر، أو الخصومة مع المذاهب الأخرى، مثل خلق القرآن، ورؤية الله تعالى، وأفعال العباد، والحسن والقبيح العقليين، والكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل فى وجوه التاويل للزمخشرى يعد عمدة كتب التفسير الاعتزالى وأشهرها، وأعجب به كثيرون، وقام بشرحه علماء من الشرق والغرب، واختصره بعضهم، ونقل منه بعضهم الآخر (١)، وكتبت فيه أبحاث مطولة تظهر قيمته العلمية ومناحيه البلاغية، وسخط عليه كثيرون وحذروا منه لما يوحيه من نصرة المذهب الاعتزالى والطعن فى أولياء الله تعالى، وفيما أطلقه صاحبه من أسماء وصفات على أهل السنة والجماعة على سبيل التعريض (٢).
ونقول ابن عاشور من هذا التفسير كثيرة متنوعة خصوصا فيما يتصل بالتفسير وعلومه، أو بالبلاغة وفنونها، أو النحو ومساءلة، أو اللغة ودلالات ألفاظها إذا كان هناك اتفاق أو تطابق فى الآراء.
وتبرز معارضة ابن عاشور للمذهب الاعتزالى بعامة وللزمخشرى بخاصة إذا لم يكن هناك تطابق فى الآراء وتباعدت وجوه الاختلاف.
стр. 250
ومن أمثلة هذه النقول التى تعبر عن الاتفاق او التطابق ما ذكره فى المقدمة الأولى من المقدمات العشر التى تصدرت تفسيره:
" قال العلامة الزمخشرى فى خطبة الكشاف" الحمد لله الذى أنزل القرآن كلاما مؤلفا منظما، ونزّله على حسب المصالح منجما، فقال المحققون فى شراحه، جمع بين أنزل
ونزّل لما فى نزّل من الدلالة على التكثير، والذى يناسب ما أراده العلامة فى التدريج والتنجيم، وأنا أرى أن استفادة معنى التكثير فى حال استعمال التضعيف للتعدية أمر من مستتبعات الكلام حاصل من قرينة عدول المتكلم البليغ عن المهموز الذى هو خفيف إلى المضعف الذى هو ثقيل، فذلك العدول قرينة على المراد وكذلك الجمع بينهما فى مثل كلام الكشاف قرينة على إرادة التكثير» (١).
ونقل عن الزمخشرى ما ذكره فى شروط المتصدى لتفسير كتاب الله، ودور علم المعانى وعلم البيان فى هذا الميدان، فضلا على العلوم الأخرى:
" قال فى الكشاف: علم التفسير الذى لا يتم تعاطيه وإجالة النظر فيه لكل ذى علم، فالفقيه وإن برز على الأقران فى علم الفتاوى والأحكام، والمتكلم وإن بزّ أهل الدنيا فى صناعة الكلام، وحافظ القصص والأخبار وإن كان من ابن القرية أحفظ، والواعظ وإن كان من الحسن البصرى أوعظ، والنحوى وإن كان أنحى من سيبويه، واللغوى وإن علل اللغات بقوة لحييه، لا يتعدى منهم أحد لسلوك تلك الطرائق، ولا يغوص على شىء من تلك الحقائق، إلا رجل قد برع فى علمين مختصين بالقرآن وهما علمى البيان والمعانى أهـ" (٢).