والطبيعة نجدهم من ناحية أخرى يخضعون القدرة الإلهية لموازين المنطق العقلى الإنسانى ويتصورون أن ثمت حتمية عقلية يخضع لها الفعل الإلهى، فكيف يمكن للعقل الإنسانى بمنطقة المحدود أن يدرك المنطق الإلهى وأقضيته، ونحن عاجزون عن تتبع الأسباب الحقيقية لأفعالنا الإنسانية المحدودة؟!
وعلى أية حال فإن المعتزلة كما حكّموا العقل فى مسألة التوحيد نراهم يفعلون نفس الشيء فى مسألة العدل الإلهى، فهم يرون أن العدل من صفات الله أما الظلم والجوار فهما منفيان عنه تعالى، وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١).
٣ - الوعد والوعيد:
وأساسه ما وعد الله به حق نافذ، وما توعد به حق نازل، ويقول الشيخ الذهبى عن هذا الأصل:
«مضمونه، أن الله يجازى من أحسن بالإحسان، ومن أساء بالسوء، ولا يغفر لمرتكب الكبيرة ما لم يتب، ولا يقبل فى أهل الكبائر شفاعة، ولا يخرج أحد منهم من النار. وأوضح من هذا أنهم يقولون: إنه يجب على الرب أن يثيب المطيع ويعاقب مرتكب الكبيرة، فصاحب الكبيرة إذا مات ولم يتب لا يجوز أن يعفو الله عنه، لأنه أوعد بالعقاب على الكبائر، وأخبر به.
فلو لم يعاقب لزم الخلف فى وعيده، وهم يعنون بذلك أن الثواب على الطاعات، والعقاب على المعاصى قانون حتمى التزم الله به، كما قالوا: إن
стр. 247
مرتكب الكبيرة مخلد فى النار، ولو صدّق بوحدانية الله وآمن برسله، لقوله تعالى فى الآية (٨١) من سورة البقرة.
بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١)
٤ - المنزلة بين المنزلتين:
عن هذا الأصل يقول ابن حزم الظاهرى:" عرف المعتزلة بأنهم أصحاب القول بالمنزلة بين المنزلتين، وربما كان هذا القول سبب اعتزالهم، وقد عرّفوا الإيمان بأنه معرفة
بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح، وأن كل عمل- فرضا كان أو نفلا- إنما يدخل تحت الإيمان، كلما ازداد الإنسان خيرا ازداد إيمانا، وكلما عصى نقص إيمانه (٢).
ومن الروايات التى ذكرت فى سبب ظهور المعتزلة وتسميتهم بهذا الاسم ما ذكره واصل بن عطاء فى حلقة الحسن البصرى حين دخل أحد السائلين فقال:
«يا إمام الدين، لقد ظهرت فى زماننا جماعة يكفّرون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم كفر يخرج به عن الملة، وهم وعيدية الخوارج، وجماعة يرجئون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم لا تضر مع الإيمان، بل العمل على مذهبهم ليس ركنا من الإيمان، ولا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وهم مرجئة الأمة، فكيف تحكم لنا فى ذلك اعتقادا؟ فتفكر
стр. 248
الحسن فى ذلك، وقبل أن يجيب قال واصل بن عطاء: أنا لا أقول مؤمن مطلقا، ولا كافرا مطلقا، بل هو فى منزلة بين المنزلتين، لا مؤمن ولا كافر، ثم قام واعتزل إلى أسطوانة من أسطوانات المسجد يقرر ما أجاب فأجاب به على جماعة من أصحاب الحسن، فقال الحسن: اعتزل عنا واصل. فسمى هو وأصحابه معتزلة» (١).
٥ - الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر:
وهو الأصل الذى حاول بعض المعتزلة من خلال تطبيقه فرض معتقداتهم على جمهور المسلمين على الرغم مما يقول به المعتزلة من إعلاء دور العقل وحرية الفكر و «يقضى هذا المبدأ بمجاهدة كل من خالف حكم الله وأوامره ونواهيه تحقيقا للآية الكريمة: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» (٢).
وقد رأى جمهور المعتزلة أن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر يجب أن يبدأ بالقلب، ثم يدرج إلى استخدام اللسان أولا، ثم استعمال اليد ثانية أى استخدام القوة. وقد طبقوا هذا المبدأ إبان محنة خلق القرآن، واعتبروه فرض عين لا فرض كفاية، لكن فريقا منهم لم يتشدد فى تطبيقه مخافة أن يزجوا بأنفسهم فى غمار حلبة الصراع السياسى. وقالوا: لا يصلح له إلا من علم المعروف ونهى عن المنكر وعلم كيف يرتب الأمر فى إقامته وكيف يباشره (٣).
стр. 249
هذه هى بعض الأضواء على تلك الأصول، وقد تفرع منها الكثير من القضايا التى أثيرت فى مجال العقيدة، أو السياسة، أو الفكر، أو الخصومة مع المذاهب الأخرى، مثل خلق القرآن، ورؤية الله تعالى، وأفعال العباد، والحسن والقبيح العقليين، والكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل فى وجوه التاويل للزمخشرى يعد عمدة كتب التفسير الاعتزالى وأشهرها، وأعجب به كثيرون، وقام بشرحه علماء من الشرق والغرب، واختصره بعضهم، ونقل منه بعضهم الآخر (١)، وكتبت فيه أبحاث مطولة تظهر قيمته العلمية ومناحيه البلاغية، وسخط عليه كثيرون وحذروا منه لما يوحيه من نصرة المذهب الاعتزالى والطعن فى أولياء الله تعالى، وفيما أطلقه صاحبه من أسماء وصفات على أهل السنة والجماعة على سبيل التعريض (٢).
ونقول ابن عاشور من هذا التفسير كثيرة متنوعة خصوصا فيما يتصل بالتفسير وعلومه، أو بالبلاغة وفنونها، أو النحو ومساءلة، أو اللغة ودلالات ألفاظها إذا كان هناك اتفاق أو تطابق فى الآراء.
وتبرز معارضة ابن عاشور للمذهب الاعتزالى بعامة وللزمخشرى بخاصة إذا لم يكن هناك تطابق فى الآراء وتباعدت وجوه الاختلاف.
стр. 250
ومن أمثلة هذه النقول التى تعبر عن الاتفاق او التطابق ما ذكره فى المقدمة الأولى من المقدمات العشر التى تصدرت تفسيره:
" قال العلامة الزمخشرى فى خطبة الكشاف" الحمد لله الذى أنزل القرآن كلاما مؤلفا منظما، ونزّله على حسب المصالح منجما، فقال المحققون فى شراحه، جمع بين أنزل
ونزّل لما فى نزّل من الدلالة على التكثير، والذى يناسب ما أراده العلامة فى التدريج والتنجيم، وأنا أرى أن استفادة معنى التكثير فى حال استعمال التضعيف للتعدية أمر من مستتبعات الكلام حاصل من قرينة عدول المتكلم البليغ عن المهموز الذى هو خفيف إلى المضعف الذى هو ثقيل، فذلك العدول قرينة على المراد وكذلك الجمع بينهما فى مثل كلام الكشاف قرينة على إرادة التكثير» (١).
ونقل عن الزمخشرى ما ذكره فى شروط المتصدى لتفسير كتاب الله، ودور علم المعانى وعلم البيان فى هذا الميدان، فضلا على العلوم الأخرى:
" قال فى الكشاف: علم التفسير الذى لا يتم تعاطيه وإجالة النظر فيه لكل ذى علم، فالفقيه وإن برز على الأقران فى علم الفتاوى والأحكام، والمتكلم وإن بزّ أهل الدنيا فى صناعة الكلام، وحافظ القصص والأخبار وإن كان من ابن القرية أحفظ، والواعظ وإن كان من الحسن البصرى أوعظ، والنحوى وإن كان أنحى من سيبويه، واللغوى وإن علل اللغات بقوة لحييه، لا يتعدى منهم أحد لسلوك تلك الطرائق، ولا يغوص على شىء من تلك الحقائق، إلا رجل قد برع فى علمين مختصين بالقرآن وهما علمى البيان والمعانى أهـ" (٢).
стр. 251
ومما نقله ابن عاشور من تفسير الزمخشرى لبعض الآيات مثل ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (١).
«قال فى اكشاف قوله ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ليس ببيان لتساؤل عنهم وإنما هو حكاية قول المؤولين، أى أن المسئولين يقولون للسائلين قلنا لهم ما سلككم فى سقر قالوا لم نك من المصلين» أهـ (٢).
وقوله تعالى: يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٣).
«الثانى ما ذكره صاحب الكشاف أن" يُخادِعُونَ" استعارة تمثيلية تشبيها للهيئة الحاصلة من معاملتهم للمؤمنين ولدين الله، ومن معاملة الله إياهم فى الإملاء لهم والإلقاء عليهم، ومعاملة المؤمنين إياهم فى إجراء أحكام المسلمين عليهم، بهيئة فعل المتخادعين» (٤).
وقوله تعالى:
وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ (٥).
«قال فى الكشاف:" لا يجوز أن يكون هذا التشبيه فى المركب والمفرق بأن صور حال المشرك بصورة حال من خرّ من السماء فاختطفته
стр. 252
الطير فتفرق فرعا فى حواصلها، أو عصفت به الريح التى هوت به فى بعض المطاوح البعيدة، وإن كان مفرقا فقد شبه الإيمان فى علوه بالسماء، والذى ترك الإيمان، وأشرك بالله بالساقط من السماء، والأهواء التى تتوزع أفكاره بالطير المختطفة، والشيطان الذى يطوح به فى وادى الضلالة بالريح التى تهوى بما عصفت به فى وادى الضلالة بالريح التى تهوى بما عصفت به فى بعض المهاوى المتلفة» أهـ.
يعنى أن المشرك لما عدل عن الإيمان الفطرى وكان فى مكنته فكأنه كان فى السماء فسقط منها، فتوزعته أنواع المهالك.
ولا يخفى عليك أن فى مطاوى هذا التمثيل تشبيهات كثيرة لا يعوزك استخراجها» (١).
وقوله تعالى: أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٢).
قال صاحب الكشاف: ألزمهم الله الحجة فى هذه الآيات أى قوله:
(أفلم يدبروا القول) (٣).
وقوله تعالى: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً (٤).
والظهير: المظاهر، أى المعين، وتقدم فى قوله تعالى:
وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً فى سورة الإسراء وهو فعيل بمعنى مفاعل، أى مظاهر مثل حكيم بمعنى محكم وعوين بمعنى معاون.
стр. 253
وقوله عمر بن معد يكرب:
أمن ريحانة الداعى السميع
أى المسمع: قال فى الكشاف" ومجىء فعيل بمعنى فاعل غير عزيز" (١)
وقوله تعالى: وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٢).
" وجعل صاحب الكشاف جملة" وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ" معترضة، وعليه فالواو اعتراضية غير عاطفة وأن ضمير" لِتَكُونَ" عائد إلى المرة من فعل كفا أى الكفة (٣).
وقوله تعالى: هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ (٤).
«وقال الزمخشرى: الواو الأولى معناها الدلالة على أنه الجامع بين مجموع الصفتين الأولية والآخرية. والثالثة على أنه الجامع بين الظهور والخفاء، وأما الوسطى فعلى أنه الجامع بين مجموع الصفتين الأوليين ومجموع الصفتين الأخريين» أهـ (٥).
وقوله تعالى: إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً* وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً (٦).
«وفى الكشاف: وفعال فعل كله فاشى فى الكلام فصحاء من العرب لا يقولون غيره» (٧).
стр. 254
وهذه النقول وأمثالها لا تخرج عن كونها نقاط اتفاق بعيدة عن التأويل الاعتزالى ومراميه.
ففي قوله تعالى: ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ...... الآية توضيح لمعنى السؤال وإجابته، وفى قوله تعالى: يُخادِعُونَ اللَّهَ ...... الآية توضيح لمعنى" يخادعون" وتصوير حال المخالفين ومعاملة المؤمنين لهم، وفى قوله تعالى:
وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ ..... تفسير لما ذكرته الآية من أحوال المشرك بالله وتوزع أنواع المهالك له.
والنقول الأخرى لا تتعدى كونها توضيحا لمعنى قول أو كلمة أو جملة أو دلالة لفظة ووزنها واعتبار فصاحتها.
وأياما كان الأمر فإن هذه النقول التى اعتبرت من نقاط الالتقاء أو الاتفاق تتصل بنحو أو بآخر بعلوم اللغة والأعراب والبيان والمعانى، وهى من العلوم التى برع فيها صاحب الكشاف، ولفتت أنظار العلماء إليه، وزادوا فى إعجابهم به، وابن عاشور حين استعان بأقوال الكشاف فيما يتصل بعلوم التفسير كان من هؤلاء العلماء الذين أعجبوا به، ولكنه إعجاب منوط بشروط لا يتجاوزها.
ففي قوله تعالى:
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ* إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ* وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ* تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ (١).
стр. 255
ذكر ابن عاشور:
«وأخبر عنها خبرا ثابتا بقوله" إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ، وظاهر لفظ" ناظِرَةٌ" أنه من نظر بمعنى، عاين ببصره إعلانا بتشريف تلك الوجوه أنها تنظر إلى جانب الله تعالى نظرا خاصا لا يشاركها فيه من يكون دون رتبهم، فهذا معنى الآية بإجماله ثابت بظاهر القرآن وقد أيدتها الأخبار الصحيحة عن النبى ﷺ .
فقد روى البخارى ومسلم عن أبى سعيد الخدرى وأبى هريرة" أن أناسا قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: هل تضارون فى رؤية الشمس والقمر إذا كان صحوا؟ قلنا: لا: قال: فإنكم لا تضارون فى رؤية ربكم يومئذ إلا كما تضارون فى رؤيتهما" وفى رواية" فإنكم ترونه كذلك" وساق الحديث فى الشفاعة.
وروى البخارى عن جرير بن عبد الله قال:" كنا جلوسا عند النبى ﷺ إذ نظر إلى القمر ليلة البدر قال: أنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون فى رؤيته" وبما قال" سترون ربكم عيانا".
" روى مسلم عن صهيب بن سنان عن النبى ﷺ قال:" إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله تعالى: تريدون شيئا أزيدكم؟
فيقولون: ألم تبين وجوهنا ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار، وقال: فيكشف الحجاب فما يعطون شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم" فدلالة الآية على أن المؤمنين يرون بأبصارهم رؤية متعلقة بذات الله على الإجمال دلالة ظنية لاحتمالها تأويلات تأولها المعتزلة بأن المقصود رؤية جلاله، وبهمة قدسه التى لا تخول رؤيتها لغير أهل السعادة. ويلحق هذا بمتشابه الصفات، وإن كان مقتضاه ليس إثبات صفة، ولكنه يؤول إلى الصفة ويستلزمها لأنه آيل إلى
стр. 256
اقتضاء جهة الذات، ومقدار يحاط بجميعه أو ببعضه إذا كانت الرؤية بصرية، فلا جرم أن يعد الوعد برؤية أهل الجنة ربهم تعالى من قبيل المتشابه».
" ولعلماء الإسلام فى ذلك أفهام مختلفة، فأما صدر الأمة وسلفها فإنهم جروا على طريقتهم التى تخلقوا بها من سيرة النبى ﷺ من الإيمان بما ورد من هذا القبيل على إجماله، وصرف أنظارهم عن التعمق فى تشخيص حقيقته وأدرجه تحت أحد أقسام الحكم العقلى، فقد سمعوا هذا ونظائره كلها أو بعضها أو قليلا منها، فما شغلوا أنفسهم به ولا طلبوا تفصيله، ولكنهم انصرفوا إلى ما هو أحق بالعناية وهو التهمم بإقامة الشريعة وبثها وتقرير سلطانها، مع الجزم بتنزيه الله تعالى عن اللوازم العارضة لظواهر تلك الصفات، جاعلين إمامهم المرجوع إليه فى كل هذا قوله تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (١).
أو ما يقارب هذا من دلائل التنزيه الخاصة بالتنزيه عن بعض ما ورد الوصف به مثل قوله لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ (٢) بالنسبة إلى مقامنا هذا مع اتفاقهم على عدم العلم بتفصيل ذلك لا يقدح فى عقيدة الإيمان، فلما نبع فى علماء الإسلام تطلب معرفة حقائق الأشياء وألجأهم البحث العلمى إلى التعمق فى معانى القرآن ودقائق عباراته وخصوصيات بلاغته، لم يروا طريقة السلف مقنعة لأفهام أهل العلم من الخلف لأن طريقتهم فى العلم طريقة تمحيص وهى اللائقة بعصرهم، وقارن ذلك ما حدث فى فرق الأمة الإسلامية من النحل الاعتقادية، والقاء شبه الملاحدة على المنتمين إلى الإسلام وغيرهم، وحدا بهم ذلك إلى
стр. 257
الغوص والتعمق لإقامة المعارف على أعمدة لا تقبل التزلزل، ولدفع شبه المتشككين ورد مطاعن الملحدين، فسلكوا مسالك الجمع بين المتعارضات من أقوال ومعان وإقرار كل حقيقة فى نصابها، وذلك بالتأويل الذى يقتضيه المقتضى ويعضده الدليل، فسلكت جماعات مسالك التأويل الإجمالى بأن يعتقدوا تلك المتشابهات على إجمالها، ويوقنوا بالتنزيه عن ظواهرها ولكنهم لا يفصلون صرفها عن ظواهرها، بل يجملون التأويل، وهذه الطائفة تدعى السلفية تقرب طريقتها من طريقة السلف فى المتشابهات، وهذه الجماعات متفاوتة فى مقدار تأصيل أصولها تفاوتا جعلها فرقا فمنهم الحنابلة، والظاهرية والخوارج الأقدمون غير الذين التزموا طريقة المعتزلة» (١).
وما يلفتنا فيما ذكره ابن عاشور فى تفسير هذه الآية أن" ناظرة" من نظر بمعنى عاين ببصره إعلانا بتشريف تلك الوجوه أنها تنظر إلى جانب الله تعالى نظرا خاصا لا يشاركها فيه من يكون دون رتبتهم.
وراح يؤيد [الرؤية] بأخبار واردة عن الرسول ﷺ فما رواه البخارى ومسلم فى صحيحهما، ولكنها أخبار تعنى أن الرؤية رؤية عين، خصوصا ما رواه البخارى عن جرير بن عبد الله:" إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون فى رؤيته وربما قال: سترون ربكم عيانا".
وما أبهم علينا فيما ذكره ابن عاشور فى تفسيره لهذه الآية قوله:" فهذا معنى الآية بإجماله بظاهر القرآن"، ثم قوله بعد ذلك:" فدلالة الآية على الإجمال دلالة ظنية لاحتمالها تأويلات تأولها المعتزلة".
فثبوت المعنى بظاهر القرآن- كما يقول- هو دلالة قطعية لا ظنية خصوصا إذا أيدته الأخبار الواردة عن أعلى مراتب الحجية والتوثيق.
стр. 258
أما قول المعتزلة: «فلا جرم أن بعد الوعد برؤية أهل الجنة ربهم تعالى من قبيل المتشابه» (١) فقول مردود تفنده روايات البخارى ومسلم، كما أن" الرؤية" مرتبة
تشريف وجزاء للمؤمنين الذين ابيضت وجوههم، ولا شىء أحب إليهم من النظر إلى ربهم، ولا يعقل أن يكون هذا الجزاء الكريم مما يغمض على الأذهان أو القلوب التى تسعى إلى هذه الرتبة.
أما قوله عن علماء الإسلام الذين لم يروا طريقة السلف مقنعة لأفهام أهل العلم من الخلف:
" فسلكوا مسالك الجمع بين المتعارضات من أقوال ومعان وإقرار كل حقيقة فى نصابها، وذلك بالتأويل الذى يقتضيه المقتضى يعضده الدليل ....
ولكنهم لا يفصلون صرفها عن ظواهرها بل يجملون التأويل".
فهى مسالك قد وضعوا لها معايير لتفسير أمثال هذه الآية وتبعد بها عن التأويلات التى تخرجها عن معناها المقصود الذى يخاطب الله به عباده.
... ومما أورده ابن عاشور من معان وروايات وأقوال مما يصح اعتباره أنه من نقاط الخلاف بينه وبين المذهب الاعتزالى.
جاء فى الكشاف فى تفسير هذه الآية:" إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ" أن المؤمنين نظارة ذلك اليوم لأنهم الآمنون الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون،
стр. 259
فاختصاصه بنظرهم إليه لو كان منظور إليه محال، فوجب حمله على معنى الاختصاص، والذى يصح معه أن يكون من قول الناس: أنا إلى فلان ناظر ما يصنع بى، يريد معنى التوقع والرجاء» (١).
والزمخشرى ينفى الرؤية، ويصرف المعنى إلى الاختصاص الذى يتضمن التوقع والرجاء، وهو على النقيض مما ذهب إليه ابن عاشور نفسه حين قال فى صدر تفسير هذه الآية" لأنه من نظر بمعنى عاين ببصره"
والآية السابقة، والأحاديث التى ساقها ابن عاشور فى تفسيره لها تذهب إلى أن" الرؤية" رؤية معاينة، ولكنها لم تذهب إلى" كيف" والإيمان بها- والله أعلم- على هذا النحو واجب، وهو ما قصده علماء الإسلام الذين تحدث عنهم ابن عاشور فيما سبق أنهم" يجملون التأويل".
وفى معنى" اليمين" ذكر ابن عاشور فى تفسير قوله تعالى:
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢).
والباء فى" بِيَمِينِهِ" للآلة والسببية. واليمين: وصف لليد ولا يد هنا وإنما هى كناية عن القدرة لأن العمل يكون باليد اليمين، قال الشاعر أنشده الفراء والمبرد، وقال القرطبى:
ولما رأيت الشمس أشرق نورها ... تناولت منها حاجتى بيمين
أى بقدرة. وضمير (منها) يعود على مذكور فى أبيات قبله.
والمقصود من هاتين الجملتين تمثيل عظمة الله تعالى بحال من أخذ
стр. 260
الأرض فى قبضته ومن كانت السماوات مطويّة أفلاكها وآفاقها بيده تشبيه المعقول بالمتخيل، وهى تمثيلية تنحلّ أجزاؤها إلى استعارتين، فيها دلالة على أن الأرض والسماوات باقية غير مضمحلة، ولكن نظامها المعهود اعتراه تعطيل، وفى الصحيح عن أبى هريرة قال: سمعت رسول الله عليه وسلم يقول:
«يقبض الله الأرض ويطوى السماوات بيمينه ثم يقول أنا الملك، أين ملوك الأرض».
وعن عبد الله بن مسعود قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد إنّا نجد أن الله يجعل السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع. فيقول أنا الملك، فضحك رسول الله حتى بدت نواجذه تصديقا لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله ﷺ «وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ» (١).
ويقول فى آخر تفسيره لهذه الآية:
«إنما كان ضحك النبى- ﷺ استهزاء بالحبر فى ظنه أن الله يفعل ذلك حقيقة وأن له يدا وأصابع حسب اعتقاد اليهود التجسيم، ولذلك أعقبه بقراءة" وما قدروا الله حق قدره" لأن افتتاحها يشتمل على إبطال ما توهمه الحبر ونظراؤه فى الجسمية، وذلك معروف من اعقادهم، وقد ردّه القرآن عليهم غير مرة مما هو معلوم، فلم يحتج النبى- ص- إلى التصريح بإبطاله، واكتفى بالإشارة التى يفهمها المؤمنون، ثم أشار إلى ما توهمه اليهودى توزيعا على الأصابع إنما هو مجاز عن الأخذ والتصرف» (٢).
стр. 261
والزمخشرى فى تفسيره:
«والغرض من هذا الكلام إذا أخذته بجملته ومجموعه تصوير عظمته، والتوقيف على كنه جلاله لا غير، من غير ذهاب بالقبضة ولا باليمين إلى جهة حقيقية، أو جهة مجاز» (١).
وفحوى كلام ابن عاشور فى تفسير هذه الآية أن معنى" اليمين" وصف لليد، ولا يد هنا. وإنما هى كناية عن القدرة، واستشهد على هذا المعنى بما أنشده الفراء والمبرد وما ذكره القرطبى:
ومقصود هاتين الجلتين تمثيل لعظمة الله تعالى. وفيما أورده من حديث أبى هريرة" يطوى السموات بيمينه"، وما ذكره فى آخر تفسيره للآية، واستهزاء الرسول ﷺ بالحبر اليهودى حين ظن أن الله يفعل ذلك حقيقة، وأن له يدا وأصابع حسب اعتقاد اليهود التجسيم، وما توهمه اليهودى توزيعا على الأصابع إنما هو مجاز عن الأخذ والتصرف.
وأياما كان الأمر فإن ابن عاشور قد ذهب إلى صرف معنى" اليد" إلى معنى مجازى، ودرا فهمه لحديث الرسول" ﷺ " الذى رواه ابن مسعود على هذا النحو.
ومهما يكن من شىء، فإن الزمخشرى وابن عاشور يهدفان إلى تنزيه الله تعالى عن أن يشابه المخلوقين، ف" اليد" التى نعلمها بالضرورة، ولا نعلم كيفيتها، هى عند ابن عاشور القدرة، وعند الزمخشرى إذا أخذنا الكلام بجملته ومجموعة تصوير عظمة الله تعالى والتوفيق على كنه جلاله ... يقصد صرف اللفظ، أو تأويل المعنى إلى ما يتفق مع مذهبه (٢).
стр. 262
يقول الشيخ القطان عن مثل هذا التأويل:
«إنما لجأ إليه كثير من المتأخرين مبالغة منهم فى تنزيه الله تعالى عن مماثلته للمخلوقين كما يزعمون، وهذا زعم باطل أوقفهم فى مثل ما هربوا منه وأشد، فهم حين يؤلون اليد بالقدرة مثلا إنما قصدوا الفرار من أن يثبتوا للخالق يدا لأن للمخلوقين يدا، فاشتبه عليهم لفظ اليد فأولوها بالقدرة، وذلك تناقض منهم، لأنهم يلزمهم فى المعنى الذى نفوه، لأن العباد لهم قدرة أيضا، فإن كان ما أثبتوه من القدرة حقا ممكنا كان إثبات اليد لله حقا ممكنا أيضا، وأن كان إثبات اليد باطلا ممتنعا لما يلزمه من التشبيه فى زعمهم كان إثبات القدرة باطلا ممتنعا أيضا، وما جاء عن أئمة السلف وغيرهم من ذم للمتأولين إنما هو لمثل هؤلاء الذين تأولوا ما يشتبه عليهم معناه على غير تأويله وإن كان لا يشتبه على غيرهم» (١).
وفى قوله تعالى: وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٢).
ذكر ابن عاشور:
«والمعنى أن مصير من على الأرض إلى الفناء، وهذا تذكير بالموت وما بعده من الجزاء.
و" وجه ربك" ذاته، فذكر الوجه هنا جار على عرف كلام العرب، قال فى الكشاف: والوجه يعبر به عن الجملة والذات» أهـ.
стр. 263
وقد أضيف إلى اسمه تعالى لفظ الوجه بمعان مختلفة منها ما هنا، ومنها قوله: فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ (١) وقوله: إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ (٢).
وقد علم السامعون أن الله تعالى يستحيل أن يكون له وجه بالمعنى الحقيقى، وهو الجزء الذى فى الرأس.
واصطلح علماء العقائد على تسمية مثل هذا" المتشابه" وكان السلف يحجمون عن الخوض فى ذلك مع اليقين باستحالة ظاهرة على الله تعالى، ثم تناوله علماء التابعين ومن بعدهم بالتأويل تدريجا إلى أن اتضح وجه التأويل بالجرى على قواعد علم المعانى فزال الخفاء، واندفع الجفاء.
وضمير المخاطب فى قوله" وجه ربك" خطاب للنبى ﷺ ، والمقصود تبليغه إلى الذين يتلى عليهم القرآن ليتذكروا ويعتبروا. ويجوز أن يكون خطابا لغير معين ليعم كل مخاطب.
ولما كان الوجه هنا بمعنى الذات وصف ب" ذُو الْجَلالِ"، أى العظمة" وَالْإِكْرامِ" أى المنعم على عبادة، وإلا فإن الوجه الحقيقى لا يضاف للإكرام فى عرف اللغة، وإنما يضاف للإكرام اليد، أى فهو لا يفقد عبيده جلاله وإكرامه، وقد دخل فى الجلال جميع الصفات الراجعة إلى التنزيه عن النقص وفى الإكرام جميع صفات الكمال الوجودية وصفات الجمال كالإحسان (٣).
وذكر الكشاف فى تفسيره هذه الآية:
" وَجْهُ رَبِّكَ" ذاته، والوجه يعبر به عن الجملة والذات، ومساكين مكة يقولون:" أين وجه عربى كريم ينقذنى من الهوان"
стр. 264
وهذا على نحو أو آخر يعد تطابقا فيما ذهب إليه ابن عاشور والزمخشرى، حيث انتهى كل منهما إلى أن" الوجه" تعبير عن الذات.
وقد جرى ابن عاشور فى تفسيره لمثل هذه الآيات على هذا النحو (١)، ولا خلاف بينه وبين الزمخشرى، قد يسهب صاحب التحرير والتنوير، وقد يوجز صاحب الكشاف، ولكنهما فى نهاية الأمر يتفقان على عدم الأخذ بظاهر القرآن فى تفسير آيات الصفات.
وهذا التطابق ينحصر فى هذه الدائرة، ومن المؤكد أن هناك اختلاف بين الإمامين وقع فى مسائل عديدة، منها ما ذكره ابن عاشور فى تفسير قوله تعالى: إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ (٢).
«وأما الذين رأوا الاتحاد بين معانى الإرادة والمشيئة والرضى وهو قول كثير من أصحاب الأشعرى وجميع الماتريدية فسلكوا فى تأويل الآية محل لفظ" لعباده" على العام المخصوص، أى لعبادة المؤمنين واستأنسوا لهذا المحمل بأنه الجارى على غالب استعمال القرآن فى لفظة" العباد" لاسم الله، أو ضمير قوله عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ (٣). قالوا: فمن كفر فقد أراد الله كفره ومن آمن فقد أراد الله إيمانه، والتزم كلا الفريقين" الأشاعرة والماتريدية" أصله فى تعلق إرادة الله وقدرته بأفعال العباد الاختيارية المسمى بالكسب ولم يختلف إلا فى نسبة الأفعال للعباد أهي حقيقة أم مجازية، وقد عد الخلاف فى تشبيه الأفعال بين الفريفين لفظيا.
стр. 265
ومن العجيب تهويل الزمخشرى بهذا القول إذ يقول: «ولقد تمحل بعض الغواة ليثبت لله ما نفاه عن ذاته من الرضى بالكفر فقال: هذا من العام الذى أريد به الخاص ... إلخ.
فكان آخر كلامه ردا لأوله وهل يعد التأويل تضليلا، أم هل يعد العام المخصوص بالدليل من النادر القليل» (١).
وذكر الشهرستانى وهو يتحدث عن" الأشعرية" هم أصحاب أبى الحسن على بن إسماعيل المنتسب إلى أبى موسى الأشعرى رضى الله عنهما، وسمعت من عجيب الاتفاقات أن أبا مرسى الأشعرى كان يقرر عين ما يقرر الأشعرى أبو الحسن فى مذهبه، وقد جرت مناظرة بين عمرو بن العاص وبينه، فقال عمرو: أين أجد أحدا أحاكم إليه ربى؟ فقال أبو موسى: أنا ذلك المتحاكم إليه، فقال عمرو: أو يقدّر علىّ شيئا ثم يعذبنى عليه؟ قال: نعم، قال عمرو: ولم؟ قال: لأنه لا يظلمك، فسكت عمرو ولم يجد جوابا" (٢).
والإرادة الإلهية من المسائل التى يكثر فيها الجدل بين الفرق الإسلامية، أو بين الفلاسفة من أصحاب الأديان، ولعل مرجع اختلافهم إلى وعورة هذا النوع من المسائل، وصعوبة الاتفاق بينهم على تعريف محدد للإرادة الإلهية فضلا على أسباب الاختلاف الأخرى.
وعلى سبيل الاختصار يمكن القول بأن الأشاعرة يقولون بالإرادة الإلهية الكاملة، وأنه خالق لكل شىء الخير والشر على السواء، أما المعتزلة
стр. 266
فكانوا ينظرون إلى الإرادة الإلهية على أنها محددة بخلق الخير دون الشر، وهذا فى حد ذاته تحديد للإرادة الإلهية" (١).
وقد أوضح ابن عاشور فى تفسيره لهذه الآية موقف الأشاعرة من هذه الإرادة بقوله:
قالوا: فمن كفر فقد أراد الله كفره، ومن آمن فقد أراد الله إيمانه"
ومن ثم يظهر تعجب ابن عاشور من تهويل الزمخشرى فيما ذهب إليه الأشاعرة فى فهمهم للإرادة الإلهية، «إذ يقول: ولقد تحمل بعض الغواة ليثبت لله وما نفاه عن ذاته من الرضى والكفر، فقال هذا من العام الذى أريد به الخاص ... ».
ويسارع ابن عاشور باتهام الزمخشرى بالتناقض" فكان آخر كلامه ردا لأوله"، ثم تساءل مفندا مزاعم صاحب الكشاف:" وهل يعد التأويل تضليلا، أم هل يعد العام المخصوص بالدليل من النادر القليل".
نخلص من ذلك كله إلى أن أثر تفسير الكشاف عند ابن عاشور كان فيما اتفقت فيه الآراء أو تطابقت وجوه النظر، وقد يمثل ذلك تأثرا أو إعجابا خصوصا فى ميادين البلاغة واللغة والنحو والمعانى والبيان، كما كان هناك أيضا بعض وجوه الاتفاق فى عدم الأخذ بظاهر القرآن فى آيات الصفات، وكان لكل منهما وسائله وأدواته وطريقته فى بيان اعتقاده.
كذلك كان هناك اختلاف بين المفسرين حيث مال ابن عاشور إلى موقف الأشاعرة فى فهمهم للإرادة الإلهية الذى ناهضة الزمخشرى، ومن ثم انبرى ابن عاشور مدافعا عن هذا المفهوم، وراح يفند مزاعم المفسر الاعتزالى.
стр. 267
ثالثا: الجبرية:
وعن اعتقاد أصحاب هذا المذهب وأقوال بعض رجاله وصداها عند الأمويين يقول أبو ريان:
«أساس هذا المذهب الاعتقاد بأن الإنسان مجبور على أفعاله، وأن الله تعالى مقدر هذه الأفعال، فلا قدرة للإنسان ولا اختيار، والجهم بن صفوان أول من قال بذلك، وقد استغل الحكام الأمويون مقالته هذه فى توطيد حكمهم وقبول مظالمهم.
ومن آراء الجهم الكلامية: «نفى الصفات الإلهية التى تؤدى إلى تشبيهه تعالى بمخلوقاته، وإثبات صفتى الفعل والخلق لله وحده، إذ لا يصح وصف المخلوقات بها، ومن ثم فهى مجبورة على أفعالها، وكذلك فقد نفى الجهم أن يكون الله متكلما أو أن يكون مرئيا، وقال بخلق القرآن وفناء الخالدين» (١).
وذكر عبد القاهر البغدادى:
«الجهمية أتباع جهم بن صفوان الذى قال بالإجبار والاضطرار إلى الأعمال، وأنكر الاستطاعات كلها، وزعم أن الجنة والنار تبيدان وتفنيان، وزعم أيضا أن الإيمان هو المعرفة بالله تعالى فقط، وأن الكفر هو الجهل به، وقال: لا فعل ولا عمل لأحد غير الله تعالى، وإنما تنسب الأعمال إلى المخلوقين على المجاز، كما يقال على المجاز، زالت الشمس، ودارت الرحى من غير أن يكونا فاعلين أو مستطلعين لما وصفتا به، وزعم أن الله تعالى حادث، وامتنع عن وصف الله بأنه شىء، أو حىّ، أو عالم مريد، وقال بحدوث كلام الله تعالى كما قالته القدرية ... وأكفره أصحابنا فى جميع ضلالاته،
стр. 268
وأكفرته القدرية فى قوله: (إن الله تعالى خالق أعمال العباد) فاتفق أحناف الأمة على تكفيره" (١).
وتتلاقى معظم هذه الأقوال مع الأقوال الجعد بن درهم الذى قال بالقدر وخلق القرآن والتعطيل.
وذكر ابن عاشور فى تفسير قوله تعالى: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (٢).
وسبب هذه الضلالة العارضة لأهل الضلال من الأمم التى تلوح فى عقول بعض عوام المسلمين فى معاذيرهم للمعاصى والجرائم أن يقولوا: أمر الله أو مكتوب عند الله أو نحو ذلك. هو جهل بأن حكمة الله تعالى فى وضع نظام هذا العالم اقتضت أن يجعل حجابا بين تصرفه تعالى فى أحوال المخلوقات، وبين تصرفاتهم فى أحوالهم بمقتضى إرادتهم، وذلك الحجاب هو ناموس ارتباط المسببات بأسبابها، وارتباط أحوال الموجودات فى هذا العالم بعضها بعض، ومنه ما يسمى بالكسب والاستطاعة عند جمهور الأشاعرة، ويسمى بالقدرة عند المعتزلة وبعض الأشاعرة، وذلك هو مورد التكليف الدال على ما يرضاه الله وما يرضى به، وأن الله وضع نظام هذا العالم بحكمة، فجعل
قوامه هو تدبير الأشياء أمورها من ذواتها بحسب قوى أودعها فى الموجودات لتسعى لما
стр. 269
خلقت لأجله، وزاد الإنسان مزية بأن وضع له عقلا يمكنه من تغيير أحواله على حسب احتياجه، ووضع له فى عقله وسائل الاهتداء إلى الخير والشر، كما قيض له دعاة إلى الخير تنبهه إليه إن ضلّه عقله، أو حجبته شهوة، فإن هو لم يرعو عن غيه، فقد خان نفسه وبهذا ظهر تخليط أهل الضلالة بين مشيئة العباد ومشيئة الله، فلذلك رد الله عليهم هنا قولهم:" لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا" لانهم جعلوا ما هو مشيئة لهم مشيئة الله تعالى، ومع ذلك فهو قد أثبت مشيئة فى قوله:" ولو شاء الله ما أشركوا" فهى مشيئة تكوين نظام الجماعة.
فهذه المشيئة التى اعتلوا بها مشيئة لا تتوصل إلى الاطلاع على كنهها عقول البشر، فلذلك نفى الله عليهم استنادهم إليها على جهلهم بكنهها فقال:
" كذلك كذب الذين من قبلهم" فشبه بتكذيبهم تكذيب المكذبين الذين من قبلهم، فكنى بذلك عن كون مقصد المشركين من هذه الحجة تكذيب النبى- ﷺ وليس فى هذه الآية ما ينهض حجة لنا على المعتزلة، ولا للمعتزلة علينا، وأن حاول كلا الفريقين ذلك لأن الفريقين متفقان على بطلان حجة المشركين وفى الآية حجة على الجبرية (١).
ومفاد هذا الكلام أن ابن عاشور قد ذهب فى تفسيره لهذه الآية إلى أن الله سبحانه قد وضع نظاما للعالم اقتضت حكمته تعالى أن يجعل حجابا بين تصرفه فى أحوال المخلوقات وبين تصرفاتهم وفق مشيئتهم، أو بمقتضى إرادتهم وفق ناموس ارتباط المسببات والموجودات، وقد يطلق على ذلك (الكسب والاستطاعة) عند الأشاعرة، أو (القدرة) عند المعتزلة.
والإنسان فى حساب هذا الناموس الإلهى مسئول عن أفعاله ليصح التكليف، ويرفض ابن عاشور هذه المعاذير التى يتذرع بها بعض عوام المسلمين
стр. 270
فى ارتكاب الجرائم والمعاصى تنصلا من المسئولية، وهى معاذير تسللت من أعطاف الجبرية التى تقول أن الإنسان مجبور على أفعاله، ولا حرية له ولا اختيار، وقد خلط معتقدوها بين مشيئة الله ومشيئة العباد.
ونفى ابن عاشور أن تكون هذه الآية حجة لمذهبه السنى على المعتزلة، ولا للمعتزلة على هذا المذهب، والحجة فى هذه الآية قائمة على الجبرية، فقول المشركين باطل لأنهم عللوا شركهم وجرائمهم وشرك آبائهم بمشيئة الله، وهذا كذب سبقهم إليه الذين قبلهم، وقد أزاقهم الله بأسه، وقوله تعالى:
هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا استهزاء بقولهم السابق لتطاولهم على ما لا يستطيعون من فهم النظام الإلهى، وأن هؤلاء المشركين لا يتبعون إلا ظنونهم أو تخيلاتهم ساعين إلى تكذيب رسول الله ﷺ ، وما الكاذبون إلا هم.
رابعا: الشيعة:
يقول صاحب (مجمع البيان فى تفسير القرآن):
(والشيع الفرق، ولكل فرقة شيعة على حدة، وشيعت فلانا اتبعته، والتشيع هو الاتباع على وجه التدين والولاء للمتبوع، والشيعة صارت فى العرف اسما لمتبعى أمير المؤمنين ﵇ على سبيل الاعتقاد بإمامته بعد النبى ﷺ وآله) فلا فصل فى الإمامية والزيدية وغيرهم، ولا يقع إطلاق هذه اللفظة على غيرهم من المتبعين سواء كان متبوعا محقا أم باطلا إلا أن تسقط عنه لام التعريف، ويضاف بلفظ (بنى) للتبعيض، فيقال هؤلاء شيعة بنى العباس أو شيعة بنى فلان) (١).
стр. 271
وذكر محمد حسين الزين: (إن المعانى الحقيقية التى قدمناها للتشيع الحق لا تخول لأحد أن يطلق. اسم الشيعة على غير الاثنى عشرية، وأكثر الزيدية اليوم ومثلهم الإسماعيلية لا يعرفون إلا بهذين الانتسابين، وربما أن العظمية والواقفية لا وجود لهم فى هذا العصر انحصر اسم الشيعة بالشيعة الإمامية الاثنى عشرية واختص بهم) (١).
ويلاحظ أن الطبرسى فى تعريفه جعل (الشيعة) لقبا عاما لكل الذين اعتقدوا بإمامة على بن أبى طالب (رضى الله عنه) بعد النبى ﷺ بلا فصل، حيث يطلق هذا اللقب على غيرهم بالمعنى الذى ذهب إليه، وانتهى التعريف عند محمد حسين الزين إلى انحصار هذا اللقب فى الشيعة الإمامية للاثنى عشرية للأسباب التى ذكرها.
وأيا ما كان الأمر فإن الإمامية الاثنى عشرية" تعتقد أن الإمامة أصل من أصول الدين لا يتم الإيمان إلا بالاعتقاد بها، ولا يجوز فيها تقليد الآباء والأهل والمربين مهما
عظموا وكبروا، بل يجب النظر فيها كما يجب النظر فى التوحيد والعدل) (٢).
стр. 272
وترجع أهمية الإمامة ووجود إمام عند الاثنى عشرية لكيلا تخلو الأرض من حجة يهدى الناس إلى الجادة، ذكر الكلينى رواية (عن على بن إبراهيم عن أبيه، عن محمد بن أبى عمير بن منصور بن يونس وسعدان بن مسلم عن إسحاق بن عمار عن أبى عبد الله ﵇ قال سمعته يقول:
إن الأرض لا تخلو إلا وفيها إمام، كيما أن زاد المؤمنون شيئا ردهم، وإن نقصوا شيئا أتمه لهم) (١).
وهم يؤمنون بأنه لو لم يبق فى الأرض إلا رجلان لكان أحدهما الحجة، ذكر الكلينى، أحمد بن إدريس، ومحمد بن يحيى جميعا، عن أحمد بن محمد بن عيسى بن عبيد عن محمد بن سنان، عن حمزة بن الطيار، عن أبى عبد الله ﵇.
قال: لو بقى اثنان لكان أحدهما الحجة على صاحبه) (٢) وفضلا عن ذلك فإن أهمية الولاية، أو الإمامة ترجع إلى أسباب كثيرة تؤكد ضرورتها عند هؤلاء (فإن امتداد الرسالة السماوية كان يقتضى إيجاد حفظه لها، يصونونها ويحفظونها بعد النبى، ويطبقونها ويوضحونها، ويفسرون ما التبس منها، ويدافعون عنها ويبلغونها، امتدادا لسيرة الرسول ﷺ أنهم يصدرون عنها، وينهلون منها) (٣).
стр. 273
ويقول صاحب الفقرة السابقة عن آل البيت: (أنهم درسوا على رسول الله- ﷺ وتربوا فى حجره، ونهلوا الوحى من شفتيه، وقلبه، وعقله، وضميره صافيا مضيئا سليما، حتى خلق فيهم الحصانة الروحية، والكفاءة العلمية التشريعية، والمناعة الأخلاقية العالية مما لم يتيسر لغيرهم، فتحولوا فى مدرسة الرسول إلى قرآن ناطق وإسلام حى) (١).
ومجمل عقائد الشيعة الاثنى عشرية فى الأصول: التوحيد، والنبوة، والمعاد الجسمانى، والعدل، والإمامة، والإمامة أميز نقاط الخلاف بين الإمامية وبين الفرق الإسلامية الأخرى كأهل السنة، والمعتزلة، والخوارج من حيث إنها نص أو شورى، وبين فرق الإمامية ذاتها كالاثنى عشرية، والزيدية، والإسماعيلية من حيث شروط الإمام وانتقال الإمامة من إمام إلى آخر.
ومن الروايات التى يذكرها الطوسى فى أماليه، وهو عند الاثنى عشرية ملقب بشيخ الطائفة، وهذه الرواية تحدد بعض مواقفهم من خلافة الصديق والفاروق (رضى الله عنهما) قال: حدثنا أبو منصور السكرنى قال:
حدثنا على بن عمر قال: حدثنا أبو الفضل عبد الله بن أحمد بن العباس قال:
حدثنا مهنأ بن يحيى قال: حدثنا عبد الرازق عن أبيه عن مسافر بن مسعود قال ليلة الجن:
قال لى رسول الله ﷺ وآله) يا ابن مسعود نعيت إلىّ نفسى، فقلت: استخلف يا رسول الله، قال: من؟ قلت: أبا بكر، فأعرض
стр. 274
عنى، ثم قال يا ابن مسعود نعيت إلىّ نفسى، قلت استخلف، قال منّ؟ قلت عمر، فأعرض عنى، ثم قال يا ابن مسعود نعيت إلىّ نفسى، قلت: استخلف:
قال: من؟ قلت: عليا قال: أما إنهم إن أطاعوه دخلوا الجنة أجمعون أكتعون) (١).
وقد أوّل الإمامية الاثنا عشرية الكثير من الآيات لصالح مذهبهم، منها قوله تعالى: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (٢)
جاء فى الصفوة لمناقب آل بيت النبوة:
«قال أبو بكر النقاش: أجمع جمهور المفسرين أن هذه الآية نزلت فى علىّ وفاطمة وابنيهما، لا فى أزواجه لتذكير الضمير فى" يذهب عنكم، ويطهركم» (٣).
وفى تفسير الصافى:
«عن زيد بن على بن الحسين ﵈ أن جهّالا من الناس يزعمون أنه إنما أراد الله بهذه الآية أزواج النبى- ﷺ وآله- وقد كذبوا وأثموا وأيمن الله، ولو عنى أزواج النبى- ﷺ وآله- لقال: ليذهب عنكن الرجس ويطهركن تطهيرا، وكان الكلام مؤنثا كما قال: اذكرن ما يتلى فى بيوتكم ولا تبرجن، ولستن كأحد من النساء» (٤).
стр. 275
وذكر ابن عاشور فى تفسير الآية الكريمة السابقة" التعريف فى البيت" تعريف العهد هو بيت النبى ﷺ وبيوت النبى ﵊ كثيرة، فالمراد بالبيت هنا بيت كل واحدة من أزواج النبى ﷺ ، وكل بيت من تلك البيوت اهله النبى ﷺ وزوجته صاحبة ذلك ولذلك جاء بعده قوله وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ (١) وضميرا الخطاب موجهان إلى نساء النبى ﷺ على سنن الضمائر التى تقدمت. وإنما جىء بالضميرين بصيغة جمع المذكر على طريقة التغليب لاعتبار النبى ﷺ فى هذا الخطاب لأنه رب كل بيت من بيوتهن، وهو حاضر هذا الخطاب إذ هو مبلغه. وفى هذا التغليب إيماء إلى أن هذا التطهير لهن لأجل مقام النبى ﷺ لتكون قريناته مشابهات له فى الذكاء والكمال، كما قال الله تعالى وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ (٢) يعنى أزواج النبى ﷺ ، وهو نظير قوله فى قصة إبراهيم رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت (٣) والمخاطب زوج إبراهيم وهو معها (٤).
وذكر أيضا:
«وأهل البيت: أزواج النبى ﷺ ، والخطاب موجه إليهن وكذلك ما قبله وما بعده لا يخالط أحدا شك فى ذلك ولم يفهم منها
стр. 276
أصحاب النبى ﷺ والتابعون إلا أن أزواج النبى ﵇ هن المراد بذلك وأن النزول فى شأنهن» (١).
ويقول عن حديث الكساء:
«وأما ما رواه الترمذى عن عطاء بن أبى رباح عن عمر بن أبى سلمة قال: لما نزلت على النبى" إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا" فى بيت أم سلمة دعا فاطمة وحسنا وحسينا فجللهم بكساء وعلىّ خلف ظهره، ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتى فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا».
قال: هو حديث غريب من حديث عطاء عن عمر عن أبى سلمة ولم يسمه الترمذى بصحة ولا حسن ووسمه بالغرابة.
وفى صحيح مسلم عن عائشة خرج رسول الله غداة وعليه مرط مرهل، فجاء الحسن فأدخله، ثم جاء الحسين فأدخله، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء على فأدخله ثم قال: «إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً». وهذا أصرح من حديث الترمذى فمحمله أن النبى ﷺ ألحق أهل الكساء بحكم هذه الآية وجعلهم أهل بيته كما ألحق المدينة بمكة فى حكم الحرمية بقوله «إن إبراهيم حرم مكة وإنى أحرم ما بين لابتيها" وتأويل البيت على معنييه الحقيقى والمجازى يصدق ببيت النسب كما يقولون: فيهم" البيت" والعدد، ويكون هذا من حمل القرآن على جميع محامله غير المتعارضة، وكأن حكمة تجليلهم معه بالكساء تقوي استعارة البيت
بالنسبة إليهم تقريبا لصورة البيت بقدر الإمكان فى ذلك الوقت ليكون الكساء
стр. 277
بمنزلة البيت، ووجود النبى ﷺ معهم فى الكساء كما هو فى حديث مسلم تحقيق لكون ذلك الكساء منسوبا إليه، وبهذا يتضح أن أزواج النبى ﷺ هن آل بيته بصريح الآية، وأن فاطمة وابنيها وزوجها مجعولون أهل بيته بدعائه أو بتأويل الآية على محاملها» (١).
والشيعة الإمامية يرمون من تفسير هذه الآية كما جاء عند الصافى وغيره من مفسرى المذهب إلى القول بعصمة الأئمة الاثني عشرية.
وهناك أسباب كثيرة ذكرها الاثنا عشرية استوجبت فى نظرهم- عصمة الإمام (فالعصمة فى الإمامة شرط لازم عقلا للاستقامة وحفظ النظام، ومنصب الإمام لطف، وتمكنه من التصرف لطف آخر، فلا يتوقف على كونه مبسوط اليد كالنبى- صلى الله عليه وآله- من غير فرق بينهما (٢).
والاثنا عشرية لهم أبحاث مطولة فى عصمة الأئمة، وقد ارتبطت عندهم بعصمة الأنبياء (فالإمام كالنبى يجب أن يكون معصوما من جميع الرذائل والفواحش، ما ظهر منها وما بطن، من سن الطفولة إلى الموت، عمدا وسهوا، كما يجب أن يكون معصوما من السهو والخطأ والنسيان، لأن الأئمة حفظة الشرع والقوامون عليه، حالهم فى ذلك حال النبى، والدليل الذى اقتضانا أن نعتقد بعصمة الأنبياء هو نفسه يقتضينا أن نعتقد بعصمة الأئمة بلا فرق) (٣).
ويجمل هاشم معروف الحسنى القول فى مفهوم العصمة بقوله: (إن العصمة ليس لها مفهوم يتخطى إمكانات الإنسان، بنحو يكون هذا المخلوق
стр. 278
البشرى إنسانا آخر له طبيعة غير طبائع الناس، إن المعصوم فى رأى هشام بن الحكم، ورأى جميع الشيعة إنسان يغضب ويرضى، ويحزن ويفرح، ويتلذذ ويتألم، ويجب ويكره إلى غير ذلك من صفات الإنسان، وهذه الحالات وإن كانت من شأنها أن تسيطر على الإنسان، وتسوقه إلى المعاصى والمنكرات واتباع الشهوات واللذات، إلا أنها فى الأنبياء والأئمة (ع) تكون مغلوبة للقوة الخيرة التى تصرفهم إلى الطاعة، وتسيطر على الدواعى التى تحرك إلى المعصية بنحو تصبح تلك الدعاوى معدومة التأثير وكانها لم تكن (١).
وعصمة الأئمة ظهرت بعد وفاة جعفر الصادق على يد هشام ابن الحكم (ت ١٩٩ هـ- ٨١٥ م) وهو فى أغلب الأقوال أول من تبناها، ودعا لها (وقد رأى بعد إيمانه بالإمامة، وكونها وارثة النبوة أن الإمام أحوج إلى العناية الإلهية من النبى بحكم اتصال الأنبياء بالله عن طريق الوحى وامتناع ذلك على الإمام، فتبنى هشام" العصمة"، وأضافها إلى الأئمة فجعلهم فى مقام يستطيعون منه الصدور عن الحق والصواب دون حاجة إلى الوحى (٢).
وذكر عبد القاهر البغدادى (وكان هشام يجيز على الأنبياء العصيان مع قوله بعصمة الأئمة من الذنوب، ورغم أن نبيه ﷺ عصى ربه فى أخذ الفداء من أسارى بدر غير أن الله عفا عنه، وتأول على ذلك قوله تعالى لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ (٣).
وفرق فى ذلك بين النبى والإمام بأن النبى إذا عصى آتاه الوحى بالتنبيه على خطاياه، والإمام لا ينزل عليه الوحى، فيجب أن يكون معصوما عن المعصية (٤).
стр. 279
فالعصمة قوة تمنع الإمام من ارتكاب الذنوب مع قدرته على القيام بها حتى يكون هناك معنى للثواب، وتمنعه أيضا من السهو والنسيان والخطأ لأن الإمام حافظ للشرع القوّام عليه، وقد بلغ من العلم والتقوى مرتبة لا يصدر منه ما يجافى الحق لتحكّم قوى الخير فيما يصدر عنه من قول أو فعل.
ومن المواطن التى خالفهم فيها ابن عاشور ما ذكره فى تفسير قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً (١).
«وأما الشيعة فإنهم يذكرون التسليم على علىّ وفاطمة وآلهما، وهو مخالف لعمل السلف فلا ينبغى اتباعهم فيه لأنهم قصدوا به الغض من الخلفاء والصحابة» (٢).
ونكاح المتعة من القضايا المشهورة فى الفقه الإمامى، وذكر ابن عاشور فى تفسير الآية: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (٣).
روايات عدة، منها:
«وذهب جمع: منهم ابن عباس، وأبى بن كعب، وابن جبير أنها، نزلت فى نكاح المتعة لما وقع فيها من قوله فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ ونكاح المتعة: هو
стр. 280
الذى تعاقد الزوجان على أن تكون العصمة بينهما مؤجلة بزمان أو بحالة، فإذا انقضى ذلك الأجل ارتفعت العصمة، وهو نكاح قد أبيح فى الإسلام لا محالة، ووقع النهى عنه يوم خيبر، أو يوم حنين على الأصح. والذين قالوا حرام يوم خيبر قالوا: ثم أبيح فى غزوة الفتح، ثم نهى عنه فى اليوم الثالث من يوم الفتح، أو قيل: نهى عنه فى حجة الوداع، قال أبو داود: وهو أصح: والذى استخلصناه أن الروايات فيها مضطربة اضطرابا كبيرا (١).
ويقول" وقد اختلف العلماء فى الأخير من شأنه: فذهب الجمهور إلى أن الأمر استقر على تحريمه: فمنهم من قال: نسخته آية المواريث لأن فيها وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ (٢). فجعل للأزواج حق الميراث، وقد كانت المتعة لا ميراث فيها، وقيل: نسخها ما رواه مسلم عن سبرة الجهنى، أنه رأى رسول الله- ﷺ مسندا ظهره إلى الكعبة ثالث يوم من الفتح يقول: أيها الناس إنى كنت أذنت لكم فى الاستمتاع من هذه النساء إلا أن الله حرم ذلك إلى يوم القيامة (٣).
«وانفراد سبرة به مثل ذلك اليوم مغمز فى روايته على أنه ثبت أن الناس استمتعوا. وعن على بن أبى طالب، وعمران بن حصين، وابن عباس، وجماعة من التابعين والصحابة أنهم قالوا بجوازه. قيل: مطلقا وهو قول الإمامية، وقيل: فى حال الضرورة عند أصحاب ابن عباس من أهل مكة
стр. 281
واليمن، وروى عن ابن عباس أنه قال: لولا أن عمر نهى عن المتعة ما زنى إلا شقى» (١).
وعن عمران بن حصين فى الصحيح أنه قال: أنزلت آية المتعة فى كتاب الله ولم ينزل بعدها آية تنسخها، وأمرنا بها رسول الله ﷺ ثم قال رجل برأيه ما شاء، يعنى عمر بن الخطاب حين نهى عنها فى زمن من خلافته، وكان ابن عباس يفتى بها، فلما قال له سعيد بن جبير:
أتدري ما صنعت بفتواك فقد سارت بها الركبان حتى قال القائل:
قلت للركب إذ طال الثواء بنا ... يا صاح هل لك فى فتوى ابن عباس
فى بضة رخصة الأطراف ناعمة ... تكون مثواك حتى مرجع الناس
والذى يستخلص من مختلف الأخبار أن المتعة أذن فيها رسول الله- ﷺ مرتين، ونهى عنها مرتين. والذى يفهم من ذلك أن ليس ذلك بنسخ مكرر، ولكنه إناطة، وإباحتها بحال الاضطرار، فاشتبه على الرواة تحقيق عذر الرخصة بأنه نسخ.
وقد ثبت أن الناس استمتعوا فى زمن أبى بكر، وعمر، ثم نهى عنها عمر فى آخر خلافته. والذى استخلصناه فى حكم نكاح المتعة أنه جائز عند الضرورة الداعية إلى تأجيل مدة العصمة، مثل الغربة فى سفر أو غزو إذا لم تكن مع الرجل زوجته، ويشترط منه ما يشترط فى النكاح من صداق وإشهار وولى حيث يشترط، وأنها تبين منه عند انتهاء الأجل، وأنها لا ميراث فيها بين
стр. 282
الرجل والمرأة، إذا مات أحدهما فى مدة الاستمتاع، وأن عدتها حيضة واحدة، وأن الأولاد لاحقون بأبيهم المستمتع.
وشذ النحاس فزعم أنه لا يلحق الولد بأبيه فى نكاح المتعة. ونحن نرى أن هذه الآية بمعزل عن أن تكون نازلة فى نكاح المتعة، وليس سياقها سامحا بذلك، ولكنها صالحة لاندراج المتعة فى عموم" ما استمتعتم" فيرجع فى مشروعيته نكاح المتعة إلى ما سمعت آنفا (١).
وما انتهى إليه ابن عاشور فى تفسيره لهذه الآية بمعزل عن أن تكون نازلة فى نكاح المتعة، ولكنها صالحة لاندراج المتعة فى عموم" ما استمتعتم" ويذهب إلى مشروعية هذا النوع من الزواج عند الضرورة بالشروط التى ذكرها.
ومن الروايات التى ذكرها الطبرى فى تفسيره لهذه الآية الكريمة:
حدثنا يونس قال: أخبرنى ابن وهب قال ابن زيد فى قوله (فما استمتعتم به منهن .... ) الآية قال: هذا النكاح، وما فى القرآن إلا النكاح، إذا أخذتها واستمتعت بها فأعطها أجرها، والصداق، فإن وضعت لك منه شيئا فهو لك سائغ.
فرض الله عليها العدة، وفرض الله لها الميراث، قال: الاستمتاع هو النكاح، هاهنا إذا دخل بها) (٢)، وقد ساق عدة روايات تدور حول هذا المعنى، وأن المقصود من هذه الآية هو الزواج الصحيح، ثم يذكر عدة روايات أخرى مخالفة للمعنى السابق منها: (حدثنا أبو كريب قال: حدثنا يحيى بن عيسى قال:
حدثنا نصير بن أبى الأشعث، قال: حدثنا ابن حبيب بن أبى ثابت عن أبيه قال: أعطانى ابن عباس مصحفا فقال: هذا على قراءة أبى، .... ، ....
стр. 283
قال أبو كريب، قال يحيى، فرأيت المصحف عند بصير فيه: (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى) (١).
وبعد الفراغ من ذكر هذه الروايات يختم الطبرى القول فى تفسير هذه الآية:" أولى التأويلين فى ذلك بالصواب، تأويل من تأوله، فى نكحتموه منهن فجامعتموه فأتوهن أجورهن لقيام الحجة بتحريم الله متعة النساء على وجه النكاح الصحيح، أو الملك الصحيح على لسان رسوله ﷺ (٢).
وإلى هذا التحريم ذهب ابن كثير ويقرر: (والعمدة ما ثبت فى الصحيحين عن أمير المؤمنين على بن أبى طالب قال: نهى رسول الله ﷺ عن نكاح المتعة، وعن لحوم الحمر الوحشية يوم خيبر) (٣).
وفى تحريمه أيضا قال أبو بكر الحازمى: (قرأت على أبى المظفر عيد الصمد بن الحسين بن عبد الغفار أخبرنى زاهر بن ظاهر، أنا أبو سعيد بن محمد بن عبد الرحمن أنا أبو عمر ومحمد بن أحمد ثنا أبو يعلى، ثنا أبو خيثمة عن حسن وعبد الله ابن محمد بن على عن أبيهما عن علىّ رضى الله عنه أن النبى ﷺ نهى عن نكاح المتعة يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الأهلية (٤).
стр. 284
وفى كتاب الناسخ والمنسوخ عن قتادة لم يذكر هذه الآية فيما وقع فيه النسخ من سورة النساء (١) وكذلك ابن الجوزى (٢) وذكر ابن حزم: قوله تعالى (فما استمتعتم به منهن ..... ) الآية نسخت بقوله ﷺ (إنى قد أحللت هذه المتعة، ألا وإن الله ورسوله قد حرّماها، ألا فيبلغ الشاهد الغائب، ووقع ناسخها من القرآن موضع ذكر ميراث الزوجة الثمن والربع، فلم يكن لها نصيب، وقال محمد بن إدريس الشافعى: (موضع تحريمها فى سورة المؤمنون، ونسخها قوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ* إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ (٣). وأجمعوا أنها ليست بزوجة، ولا ملك اليمين، فنسخها الله بهذه الآية (٤)، وإلى ذلك ذهب هبة الله بن سلامة فى كتابه الناسخ والمنسوخ (٥).
والمقصود منها النكاح الصحيح الذى يتوفر له الولى، والمهر، والشهود، كما ذهب الطبرى، وأن رسول الله ﷺ قد نهى عن المتعة كما جاء فى الصحيحين وكتب السنة الأخرى، أو أن تكون منسوخة بقوله تعالى وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ ...... الآية (٦).
стр. 285
وعن تحريم المتعة ذكر البغوى: «وإلى هذا ذهب عامة أهل العلم أن نكاح المتعة حرام، والآية منسوخة، وكان ابن عباس رضى الله عنهما يذهب إلى أن الآية محكمة.
وموضع ذكر ميراث الزوجة الثمن والرابع (١) كما فى قول ابن حزم، وما ذكره عن الشافعى رضى الله عنه، وما ذهب إليه ابن سلامة فى كتابه، والبغوى فى تفسيره، ومن الملحوظ أن النهى عن المتعة فى الصحيحين وعند أبى بكر الحازمى، وغير ذلك من كتب السنة جاء عن على بن أبى طالب رضى الله عنه، والإمامية على خلاف ذلك، يقول محمد صادق الصدر: (ولو صح ذلك فى رأى الإمام، لعرف ذلك أهل بيته ﵈ الذين أجمعوا على حلية المتعة على مر الأيام) (٢).
خامسا: الخوارج:
نظريتهم فى الخلافة أبرز ما ينادون به من آراء، وليس من شروطهم فيمن يصلح لها أن يكون عربيا قرشيا. وأشهر فرقهم: الأزارقة أصحاب نافع بن الأزرق الذى كفّر كل المسلمين، وأصحاب نجدة بن عامر الذين عرفوا بالنجدية، والأباضية أتباع عبد الله بن أباضى التميمى، وهم مسالمون، لم يبالغوا فى الحكم على من خالفهم، كغيرهم من فرق الخوارج الأخرى.
يقول الشيخ محمد أبو زهرة عن الخوارج:
«كانت فيهم رغبة شديدة للمنافسة والمجادلة ومساجلة الآراء والمذاهب حتى أنهم فى القتال كانوا يتوقفون أحيانا كثيرة، ويتناقشون مع مقاتليهم فى الأمور والولاة، وينشدونهم بعض الأشعار» (٣).