← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 38099

موسوعة التفسير قبل عهد التدوين

محمد عمر الحاجى

Полный текст (295 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

معرفة تفسير الآية دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها). وقال ابن دقيق العيد: (بيان سبب النزول طريق قوي في فهم معاني القرآن). وقال ابن تيمية: (معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبّب) (١). ومن الأدلة القوية على تفاوت الصحابة في معرفتهم بأدوات الاجتهاد ما يلي: استعمل عمر ﵁ قدامة بن مظعون على البحرين، فقدم الجارود على عمر فقال: إن قدامة شرب فسكر، فقال عمر: من يشهد على ما تقول؟ قال الجارود: أبو هريرة يشهد على ما أقول. فقال عمر: يا قدامة إني جالدك! قال: والله لو شربت كما يقول ما كان لك أن تجلدني. قال عمر: ولم؟ قال: لأن الله يقول: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (٢). فأنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ثم اتقوا وآمنوا، ثم اتقوا وأحسنوا، شهدت مع رسول الله ﷺ بدرا وأحدا والخندق والمشاهد. فقال عمر ﵁: ألا تردون عليه قوله؟ فقال ابن عباس ﵁: إن هذه الآيات أنزلت عذرا للماضين

стр. 177

وحجّة على الباقين، لأن الله يقول: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (١). فقال عمر: صدقت. ومثله ما أخرج البخاري من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: كان عمر ﵁ يدخلني مع أشياخ بدر فكأن بعضهم وجد في نفسه وقال: لم يدخل هذا معنا وإن لنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه من أعلمكم، فدعاهم ذات يوم فأدخلني معهم، فما رأيت أنه دعاني فيهم إلا ليريهم، فقال: ما تقولون في قوله تعالى: (إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ... ) (٢)، فقال بعضهم وبعضهم الآخر لم يقل شيئا. فقال لي: أكذلك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا. فقال: ما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله ﷺ له، قال: (إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) فذلك علامة أجلك: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً) (٣). فقال عمر ﵁: لا أعلم منها إلا ما تقول ... (٤). د- أهل الكتاب من اليهود والنصارى: (إن القرآن الكريم يتفق مع التوراة في بعض المسائل، وبالأخص في قصص الأنبياء، وما يتعلق بالأمم الغابرة، وكذلك يشتمل القرآن

стр. 178

على مواضع وردت في الإنجيل، كقصة ميلاد عيسى ابن مريم، ومعجزاته ﵇. غير أن القرآن الكريم اتخذ منهجا يخالف منهج التوراة والإنجيل، فلم يتعرّض لتفاصيل جزئيات المسائل، ولم يستوف القصة من جميع نواحيها، بل اقتصر من ذلك على موضع العبرة فقط. ولما كانت العقول دائما تميل إلى الاستيفاء والاستقصاء، جعل بعض الصحابة ﵃ أجمعين يرجعون في استيفاء هذه القصص التي لم يتعرّض لها القرآن من جميع نواحيها إلى من دخل في دينهم من أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام، وكعب الأحبار، وغيرهم من علماء اليهود والنصارى. وهذا بالضرورة كان بالنسبة إلى ما ليس عندهم فيه شيء عن رسول الله ﷺ ، لأنه لو ثبت شيء في ذلك ما كانوا يعدلون عنه إلى غيره مهما كان المأخوذ عنه). ***

стр. 179

الفصل الثالث أشهر المفسّرين في عهد الصحابة (اشتهر بالتفسير من الصحابة عشرة: الخلفاء الأربعة، وابن مسعود وابن عباس، وأبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن الزبير- ﵃ اجمعين-. أما الخلفاء فأكثر من روي عنه منهم عليّ ﵁، والرواية عن الثلاثة نزرة جدا، وكأن السبب في ذلك تقدّم وفاتهم، كما أن ذلك هو السبب في قلة رواية أبي بكر للحديث، ولا أحفظ عن أبي بكر في التفسير إلا آثارا قليلة جدا لا تكاد تجاوز العشرة، وأما عليّ فروي عنه الكثير. قال أبو الطفيل: شهدت عليا يخطب، وهو يقول: سلوني، فو الله لا تسألونني عن شيء إلا أخبرتكم، وسلوني عن كتاب الله، فو الله ما من آية إلا وأنا أعلم: أبليل نزلت أو بنهار، أم في سهل أم في جبل) (١). إذا: أشهر المفسّرين من الصحابة: ١ - عبد الله بن عباس ﵄: تضافرت عدة أسباب ساعدت على تكوين شخصيته العلمية، أهمها:

стр. 180

نشوءه في بيت النبوة، وذلك لأن خالته ميمونة كانت زوجة النبي ﷺ ، وذات ليلة ضمّه الرسول وقال: «اللهم علّمه الكتاب والحكمة» (١). وفي مرة أخرى قال الرسول ﷺ : «اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل» (٢). إضافة إلى حرصه الدائم على طلب العلم، واستعداده الفطري لتلقي العلوم، و ... كل ذلك جعله ذا مكانة مرموقة، خاصة في التفسير، لذلك لقّب (بحبر الأمة)، ومدحه عليّ بقوله: كأنما ينظر إلى الغيب من ستر رقيق. كان منهجه في التفسير يعتمد على: تفسير القرآن بالقرآن، ثم تفسير القرآن بالسنة النبوية، ثم تفسير القرآن بالاجتهاد، والاعتماد كثيرا على اللغة العربية، وما إلى هنا لك. ٢ - عبد الله بن مسعود ﵁: لازم النبي ﷺ في حلّه وترحاله، حتى بلغ مكانة عظيمة، ووهبه الله ذاكرة حافظة، لذلك قال النبي ﷺ : «إني لا أدري ما قدر بقائي فيكم، فاقتدوا باللذين من بعدي- أبي بكر وعمر-، واهتدوا بهدي عمار، وما حدّثكم ابن مسعود فصدّقوه» (٣). وقال صلوات الله عليه: «من أراد أن يسمع القرآن غضّا طريّا كما أنزل فليقرأه- فليسمعه- من ابن أم عبد» (٤).

стр. 181

ومنهجه التفسيري يشبه كثيرا منهج ابن عباس، فالقرآن يفسّره القرآن، ثم السنة تفسّر القرآن، ثم الاجتهاد. ٣ - أبيّ بن كعب ﵁: تكفيه شهادة الرسول ﷺ : «أرحم أمتي بها أبو بكر، وأقواهم في دين الله عمر، وأقرؤهم لكتاب الله أبيّ بن كعب». لذلك اتخذه الرسول كاتبا للوحي، وشارك- كمشرف- في جمع القرآن زمن أبي بكر و ... ، وانتهج في التفسير المنهج المعروف- والذي ذكرناه سابقا-. ٤ - علي بن أبي طالب ﵁: عاش في أحضان البيت النبوي، ونشأ وترعرع وهو يرى عبادة الرسول وجهاده، ولما أصبح شابا تزوّج فاطمة ﵂، ووهبه الله نعمة الذاكرة والحفظ. وأفضل طرق الرواية عنه، وأصحّها أيضا: رواية زين العابدين علي بن الحسين، عن أبيه الحسين عن أبيه علي رضي الله عن الجميع. ***

стр. 182

الفصل الرابع أهم أسباب الخلاف بين الصحابة في التفسير !! في كتب التفسير- خاصة كتب التفسير بالمأثور- آراء كثيرة للصحابة، وذلك في مجالات تفسير آيات القرآن. لكن الملاحظ أن هناك اختلافا في آرائهم، لكن هل هو خلاف تضادّ، أم هو خلاف تنوّع؟! الإمام ابن تيمية ﵀ تحدّث عن ذلك، وذكر طائفة من الأسباب التي تؤدّي إلى ذلك، فقال: (ولهذا كان النزاع بين الصحابة في تفسير القرآن قليلا جدا، وهو وإن كان في التابعين أكثر منه في الصحابة، فهو قليل بالنسبة إلى من بعدهم). ثم أكّد على فكرة أن الخلاف ليس إلا خلاف تنوّع، لا خلاف تضاد، وذلك بقوله: (إن الخلاف بين السلف في التفسير قليل، وخلافهم في الأحكام أكثر من خلافهم في التفسير، وغالب ما يصحّ عنهم من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوّع لا اختلاف تضاد). ثم وضع عدة أسباب أدّت إلى الخلاف بين الصحابة في التفسير، وأهمها: أ- أن يعبّر كل واحد منهم عن المراد بعبارة غير صاحبه تدلّ على معنى في المسمّى غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمّى، بمنزلة الأسماء المتكافئة التي بين المترادفة والمتباينة: (ومعلوم أن هذا ليس اختلاف

стр. 183

تضاد كما يظنه بعض الناس، مثال ذلك تفسيرهم للصراط المستقيم، فقال بعضهم: هو القرآن، أي اتباعه، لقول النبي ﷺ كما في سنن الترمذي-: «هو حبل الله المتين، والذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم». وقال بعضهم هو الإسلام، لقوله صلوات الله عليه: «ضرب الله مثلا صراطا مستقيما، وعلى جنبتي الصراط سوران، وفي السورين أبواب مفتحة» ... «رواه الترمذي». فهذان القولان متفقان، لأن دين الإسلام هو اتباع القرآن ولكن كل منهما نبّه على وصف غير الوصف الآخر، كما أن لفظ (الصراط) يشعر بوصف ثالث، وكذلك قول من قال: هو السنّة والجماعة، وقول من قال: هو طريق العبودية، وقول من قال: هو طاعة الله ورسوله، لكن وصفها كلّ بصفة من صفاتها). ب- أن يذكر كل منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل، وتنبيه المستمع على النوع لا على سبيل الحدّ المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه، مثال ذلك ما نقل في قوله تعالى: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ) (١). فمعلوم أن الظالم لنفسه يتناول المضيّع للواجبات والمنتهك للحرمات، والمقتصد يتناول فاعل الواجبات وتارك المحرمات، والسابق يدخل فيه من سبق فتقرب بالحسنات مع الواجبات، فالمقتصدون هم أصحاب اليمين، والسابقون أولئك المقربون. ج- أن يكون اللفظ فيه محتملا للأمرين: إما لكونه مشتركا في اللغة، كلفظ (قسورة) الذي يراد به الرمي، ويراد به الأسد ... ، وإما

стр. 184

لكونه متواطئا في الأصل، لكن المراد به أحد النوعين، أو أحد الشيئين كالضمائر في قوله تعالى: (ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى (٨) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى) (١). د- أن يعبّروا عن المعاني بألفاظ متقاربة لا مترادفة، فإن الترادف في اللغة قليل، وأما في ألفاظ القرآن فإما نادر وإما معدوم، وقلّ أن يعبّر عن لفظ واحد بلفظ واحد يؤدي جميع معناه، بل يكون فيه تقريب لمعناه، وهذا من أسباب إعجاز القرآن، مثاله: قال أحدهم: (أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ) (٢) أي: تحبس، وقال الآخر: ترتهن، ونحو ذلك، فهذا اختلاف تنوع، لا اختلاف تضاد، إذ قد يكون المحبوس مرتهنا، وقد لا يكون (٣). ...

стр. 185

الفصل الخامس أهم مميزات تفسير الصحابة يمتاز التفسير في عهد الصحابة بعدد من الميزات، أهمها: أولا: لم يفسّر القرآن جميعه، وإنما فسّر بعض منه، وهو ما غمض فهمه، وهذا الغموض كان يزداد كلما بعد الناس عن عصر النبي ﷺ والصحابة، فكان التفسير يتزايد تبعا لتزايد هذا الغموض، إلى أن تمّ تفسير آيات القرآن جميعها. ثانيا: قلّة الاختلاف بينهم في فهم معانيه. ثالثا: كانوا كثيرا ما يكتفون بالمعنى الإجمالي، ولا يلزمون أنفسهم بتفهّم معانيه تفصيلا، فيكفي أن يفهموا من مثل قوله تعالى: (وَفاكِهَةً وَأَبًّا) (١) أنه تعداد لنعم الله تعالى على عباده. رابعا: الاقتصار على توضيح المعنى اللغوي الذي فهموه بأخصر لفظ، مثل قولهم في قول الله تعالى: (غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ) (٢)، أي: غير متعرّض لمعصية، فإن زادوا على ذلك فمما عرفوه من أسباب النزول. خامسا: ندرة الاستنباط العلمي للأحكام الفقهية من الآيات القرآنية وعدم وجود الانتصار للمذاهب الدينية بما جاء في كتاب الله، نظرا

стр. 186

لاتحادهم في العقيدة، ولأن الاختلاف المذهبي لم يقم إلا بعد عصر الصحابة ﵃. سادسا: لم يدوّن شيء من التفسير في هذا العصر، لأن التدوين لم يكن إلا في القرن الثاني للهجرة، نعم أثبت بعض الصحابة بعض التفسير في مصاحفهم، فظنها بعض المتأخرين من وجوه القرآن التي نزل بها من عند الله تعالى. سابعا: اتخذ التفسير في هذه المرحلة شكل الحديث، بل كان جزءا منه وفرعا من فروعه، ولم يتخذ التفسير له شكلا منظما، بل كانت هذه التفسيرات تروى منثورة لآيات متفرقة، كما كان الشأن في رواية الحديث، فحديث صلاة بجانب حديث جهاد، بجانب حديث ميراث، بجانب حديث في تفسير آية ... وهكذا. وليس لمعترض أن يعترض علينا بتفسير ابن عباس، فإنه لا تصحّ نسبته إليه، بل جمعه الفيروزآبادي ونسبه إليه، معتمدا في ذلك على رواية واهية، هي رواية محمد بن مروان السدّي، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، وهذه هي سلسلة الكذب كما قيل (١). أجل! وهذه الميّزات التي امتاز بها تفسير الصحابة جعل من تفسيرهم حجّة يجب الأخذ بها، وفرّق العلماء بين أن يكون التفسير هو مجرّد آراء واجتهادات اجتهد بها بعض الصحابة، وبين أن يكون نقلا عن رسول الله ﷺ ودون اجتهادات منهم، وما إلى هنالك. فإذا كان تفسير الصحابة مما يرجع إلى أسباب النزول فحكمه حكم المرفوع، أما ما يكون للرأي فيه مجال ولم يسنده الصحابي إلى النبي صلوات الله عليه فحكمه حكم الموقوف، كما قال ابن الصلاح: (وأما

стр. 187

من قال: تفسير الصحابي مرفوع، فذاك في تفسير يتعلق بسبب نزول آية، كقول جابر ﵁: كانت اليهود تقول: من أتى امرأته من دبرها في قبلها جاء الولد أحول!! فأنزل الله تعالى: (نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ) (١) رواه مسلم، أو نحوه مما لا يمكن أن يؤخذ إلا عن النبي ﷺ ، ولا مدخل للرأي فيه، وغيره موقوف، وكذا يقال في التابعي إلا أن المرفوع من جهته مرسل) (٢). ...

стр. 188

الفصل السادس ما هي القيمة العلمية لتفسير الصحابة ؟ سئل الإمام ابن تيمية ﵀ عن أحسن طريق للتفسير؟ فأجاب: إن أصحّ الطرق في ذلك أن نفسّر القرآن بالقرآن، فما أجمل في مكان فإنه قد فسّر في موضع آخر، وما اختصر في مكان فقد بسط في موضع آخر، فإن أعياك ذلك فعليك بالسنّة فإنها شارحة للقرآن وموضّحة له، بل قد قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي: كل ما حكم به رسول الله ﷺ فهو مما فهمه من القرآن (١). لكن إذا لم نجد في القرآن وفي السنة جوابا، فما العمل؟ العمل: أن نعود إلى تلكم الطائفة التي نقلت لنا القرآن والسنة، بكل أمانة ودقّة، وهم الصحابة الأكارم. ونظرا لأهمية ذلك الجهد العظيم الذي قام به الصحابة ﵃، فقد نقل المفسّرون في تفسيراتهم كثيرا من آراء الصحابة واجتهاداتهم، مثال ذلك ما أورده الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسير قول الله تعالى: (اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) (٢). (اختلفت عبارات المفسرين من السلف والخلف في تفسير الصراط، وإن كان يرجع حاصلها إلى شيء واحد، وهو المتابعة لله

стр. 189

وللرسول، فروي أنه كتاب الله، قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة حدثني يحيى بن يمان عن حمزة الزيات عن سعيد، وهو ابن المختار الطائي عن ابن أخي الحارث الأعور عن الحارث الأعور عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) كتاب الله. وروى الإمام أحمد والترمذي من رواية الحارث الأعور عن عليّ مرفوعا: (هو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم). وقد روي موقوفا عن علي ﵁، وهو أشبه، والله أعلم. وقال الثوري عن منصور عن أبي وائل عن عبد الله قال: الصراط المستقيم: كتاب الله، وقيل: هو الإسلام. قال الضحّاك عن ابن عباس ﵄ قال: قال جبريل لمحمد ﵉: (قل يا محمد: اهدنا الصراط المستقيم). يقول: ألهمنا الطريق الهادي، وهو دين الله الذي لا اعوجاج فيه. وقال ميمون بن مهران عن ابن عباس في قوله تعالى: (اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) قال: ذاك الإسلام. وقال عبد الله بن عقيل عن جابر ﵁: (اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) قال: هو الإسلام أوسع مما بين السماء والأرض. وقال ابن الحنفية في قوله تعالى: (اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) قال: هو دين الله الذي لا يقبل من العباد غيره. قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: (اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) قال: هو الإسلام، وفي هذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده حيث قال: حدثنا الحسن بن سوار أو العلاء، حدثنا ليث- يعني ابن سعد- عن

стр. 190

معاوية بن صالح أن عبد الرحمن بن جبير بن نفير حدثه عن أبيه عن النواس بن سمعان عن رسول الله ﷺ قال: «ضرب الله مثلا صراطا مستقيما، وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس! ادخلوا الصراط ولا تعوجوا، وداع يدعو من فوق الصراط، فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئا من تلك الأبواب، قال: ويحك لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تلجه، فالصراط الإسلام، والسوران: حدود الله، والأبواب المفتحة: محارم الله، وذلك الداعي على رأس الصراط: كتاب الله، والداعي فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم». وهكذا رواه ابن أبي حاتم وابن جرير من حديث الليث بن سعد، ورواه الترمذي والنسائي جميعا عن علي بن حجر عن بقية بن بجير بن سعد عن خالد بن معدان عن جبير بن النواس بن سمعان به، وهو إسناد حسن صحيح، والله أعلم) (١). لكن هذا لا يعني أبدا أن نأخذ أقوالهم- أي: الصحابة- على الإطلاق دون أن نزنها بميزان القرآن والسنة!! لقد صرّح المفسرون بكل وضوح بأنه لا عبرة بقول الصحابي، وذلك إذا خالف قوله قول القرآن أو السنة، لأن الأساس والأصل هو: كتاب الله وسنة النبي ﷺ . مثال ذلك: في قوله تعالى: (حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى) (٢). ذكر كتّاب السنّة أحاديث صحيحة تدل على أن المقصود بها هو

стр. 191

صلاة العصر (١) لكن بعض الصحابة الكرام، نقل عنهم غير ذاك التفسير، مما جعل بعض المفسّرين يرفضون أقوالهم في ذلك، مبررين الرفض بأنه يخالف الأصول، ولا يلتفت إلى كل ما يخالف الأصول، حتى لو كان ذلك قول أحد كبار الصحابة!! (وأما ما روي عن علي وابن عباس ﵄ قالا: إن الصلاة الوسطى هي صلاة الصبح، كما أخرجه مالك في الموطأ عنهما (٢). وأخرجه ابن جرير عن ابن عباس، وكذلك غيره عن ابن عمرو وأبي أمامة، فكل ذلك من أقوالهم، وليس فيها شيء من المرفوع إلى النبي ﷺ ، ولا تقوم بمثل ذلك حجة لا سيما إذا عارض ما ثبت عن النبي ﷺ ثبوتا يمكن أن يدعى فيه التواتر، وإذا لم تقم الحجة بأقوال الصحابة لم تقم بأقوال من بعد، من التابعين وتابعيهم بالأولى. وهكذا لا اعتبار بما روي عن ابن عمر من قوله: إنها الظهر، وكذلك ما يروى عن عائشة وأبي سعيد الخدري وغيرهم، فلا حجّة في قول أحد مع قول رسول الله ﷺ (٣). قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: (والغرض أنك تطلب تفسير القرآن من القرآن، فإن لم تجده فمن السنّة، كما قال رسول الله ﷺ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: «فيم تحكم؟» قال: بكتاب الله، قال: «فإن لم تجد؟» قال: بسنة رسول الله، قال: «فإن لم تجد؟» قال: أجتهد رأيي، فضرب رسول الله ﷺ في صدره وقال: «الحمد لله الذي وفّق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله» وهذا الحديث في المسند والسنن بإسناد جيد كما هو مقرر في موضعه.

стр. 192

وحينئذ إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة، فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوا من القرائن والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام والعلم الصحيح والعمل الصالح لا سيما علماءهم وكبراءهم، كالأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين، والأئمة المهتدين المهديين، وعبد الله بن مسعود ﵃ (١). وما أكثر ما استشهد العلماء بأقوال الصحابة، خاصة في: معرفة المكي والمدني، وبيان معنى الآيات، ومعرفة القراءات والأحكام، ومعرفة أسباب النزول، ونحو ذلك (٢).

стр. 193

الفصل السابع هل يجوز أن تفسّر الآيات القرآنية بالشّعر ؟! سؤال يطرح نفسه: هل يجوز الاستعانة بالشّعر في تفسير كتاب الله؟! هناك خلاف في المسألة، قال أبو بكر الأنباري رحمه الله تعالى: (قد جاء عن الصحابة والتابعين كثيرا الاحتجاج على غريب القرآن ومشكله بالشّعر، وأنكر جماعة لا علم لهم على النحويين ذلك، وقالوا: إذا فعلتم ذلك جعلتم الشعر أصلا للقرآن، وقالوا: وكيف يجوز أن يحتجّ بالشعر على القرآن، وهو مذموم في القرآن والحديث؟ وللإجابة عن ذلك يقول: وليس الأمر كما زعموه من أنّا جعلنا الشعر أصلا للقرآن، بل أردنا تبيين الحرف الغريب من القرآن بالشعر، لأن الله تعالى يقول: (إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا) (١). ويقول: (بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) (٢). لكن هل يجوز الاستشهاد والاستعانة بأي نوع من أنواع الشعر لتفسير كتاب الله سبحانه؟ أبدا، فهناك طبقات للشعراء، فمنهم من يحتجّ بأقوالهم، ومنهم من لا يحتج.

стр. 194

كما قال البغدادي: (الكلام الذي يستشهد به نوعان: شعر وغيره، فقائل الأول، قد قسّمه العلماء على طبقات أربع: الطبقة الأولى: الشعراء الجاهليون، وهم من كانوا قبل الإسلام، كامرئ القيس والأعشى. الطبقة الثانية: المخضرمون، وهم الذين أدركوا الجاهلية والإسلام، كلبيد، وحسان. الطبقة الثالثة: المتقدمون، ويقال لهم الإسلاميون، وهم الذي كانوا في صدر الإسلام، كجرير والفرزدق. الطبقة الرابعة: المولّدون، ويقال لهم المحدثون، وهم من بعدهم إلى زماننا، كبشار بن برد وأبي نواس وغيرهم. فالطبقتان الأوليان يستشهد بشعرهما إجماعا، وأما الثالثة فالصحيح صحة الاستشهاد بكلامها. وأما الرابعة: فالصحيح أنه لا يستشهد بكلامها مطلقا، وقيل: يستشهد بكلام من يوثق به منهم، واختاره الزمخشري .. ) (١). وتدلّ كتب التفاسير على أن أكثر واحد من الصحابة قد اعتمد على الشّعر في حلّ غريب القرآن، ونذكر منهم ابن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن. وروى السيوطي وغيره قوله ﵁: (الشعر ديوان العرب، فإذا خفي علينا الحرف من القرآن الذي أنزله الله بلغة العرب، رجعنا إلى ديوانها فالتمسنا معرفة ذلك منه). ورحم الله الإمام السيوطي فقد جمع مسائل تتعلق باعتماد الصحابة على تفسير القرآن بالشّعر، وأطلق عليها (مسائل نافع ابن الأزرق) وهي

стр. 195

أسئلة قدّمت إلى ابن عباس، فأجاب عليها مستشهدا بشعر العرب، وتتجاوز (١٨٧) مسألة، منها: ١ - قال نافع لابن عباس: أخبرني عن قول الله تعالى: (أَلَدُّ الْخِصامِ) (١) فقال ابن عباس: الجدل: المخاصم في الباطل. فقال نافع: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال ابن عباس: أما سمعت قول مهلهل: إن تحت الأحجار حزما وجودا ... وخصيما ألدّ ذا مغلاق ٢ - قال نافع: أخبرني عن قوله تعالى: (وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً) (٢). قال ابن عباس: النقير: ما في شقّ النواة، ومنه تنبت النخل. قال نافع: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال ابن عباس: أما سمعت قول الشاعر: وليس الناس بعدك في نقير ... وليسوا غير أصداء وهام ٣ - قال نافع لابن عباس: أخبرني عن قوله تعالى: (وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ) (٣). قال ابن عباس: الوسيلة: الحاجة. قال نافع: وهل تعرف العرب ذلك. قال ابن عباس: نعم أما سمعت عنترة وهو يقول: إن الرجال لهم إليك وسيلة ... إن يأخذوك تكحّلي وتخضّبي ٤ - قال نافع: أخبرني عن قوله تعالى: (وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا) (٤).

стр. 196

قال ابن عباس: رحمة من عندنا. فقال نافع: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال ابن عباس: نعم، أما سمعت طرفة بن العبد يقول: أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشرّ أهون من بعض ٥ - قال نافع: أخبرني عن قوله تعالى: (أَمَرْنا مُتْرَفِيها) (١). قال ابن عباس: سلّطنا. قال نافع: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال ابن عباس: أما سمعت قول لبيد: إن يغبطوا يهبطوا وإن أمروا ... يوما يصيروا للهلك والنّفد ٦ - قال نافع: أخبرني عن قوله تعالى: (الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) (٢). قال ابن عباس: السفينة الموقورة. قال نافع: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال ابن عباس: نعم، أما سمعت قول عبيد بن الأبرص: شحنّا أرضهم بالخيل حتى ... تركناهم أذل من الصراط ٧ - قال نافع: أخبرني عن قوله تعالى: (وَدُسُرٍ) (٣). قال ابن عباس: الدسر: الذي تخرز به السفينة. قال نافع: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال ابن عباس: أما سمعت قول الشاعر: سفينة نوتيّ قد احكم صنعها ... منحّتة الألواح منسوجة الدسر

стр. 197

٨ - قال نافع: أخبرني عن قوله تعالى: (وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ) (١). قال ابن عباس: غير منقوص. قال نافع: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال ابن عباس: أما سمعت قول زهير: فضل الجواد على الخيل البطاء فلا ... يعطي بذلك ممنونا ولا نزقا إلى غير ذلك من بقية المسائل التي استشهد ابن عباس في إجاباته عنها بأبيات من الشعر (٢). ...

стр. 198

الباب الثالث تطبيقات عملية من تفسير الصحابة

стр. 199

الفصل الأول التفسير المأثور عن عمر بن الخطاب ﵁ قام أحد الباحثين بجمع ما ورد عن عمر ﵁ من كتب التفسير وكتب الأحاديث، فكان كتابا جامعا، عنوانه: (التفسير المأثور عن عمر بن الخطاب) للدكتور إبراهيم بن حسن، نأخذ منها ما يلي: ١ - في قول الله تعالى: (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ) (١). أخرج ابن أبي شيبة، والبيهقي، عن عمر ﵁ قال: ما بين المشرق والمغرب قبلة إذا توجّهت قبل البيت (٢). ٢ - في قول الله تعالى: (وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) (٣). أخرج ابن أبي شيبة، والبيهقي في شعب الإيمان، عن عمر ﵁ أنه قال: يا أهل مكة! اتقوا الله في حرمكم هذا، أتدرون من كان ساكن

стр. 200

حرمكم هذا من قبلكم؟ كان فيه بنو فلان، فأحلّوا حرمته، فهلكوا، وبنو فلان فأحلّوا حرمته فهلكوا، حتى عدّ ما شاء الله، ثم قال: والله لأن أعمل عشرة خطايا بغيره، أحبّ إليّ من أن أعمل واحدة بمكة (١). ٣ - في قول الله تعالى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) (٢). أخرج ابن أبي شيبة، ومسدّد بن مسرهد، في مسنده، عن عمر ﵁ قال: يغفر الله للحاج ولمن يستغفر له الحاج، بقية ذي الحجة ومحرم وصفر، وعشرا من ربيع الأول (٣). ٤ - في قول الله تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ) (٤). أخرج الدارمي في مسنده، ونصر المقدسي في الحجة، عن سليمان بن يسار أن رجلا يقال له (صبيغ) قدم المدينة، فجعل يسأل عن متشابه القرآن، فأرسل إليه عمر وقد أعدّ له عراجين النخل، فقال: من أنت؟ فقال: أنا عبد الله صبيغ، فقال: وأنا عبد الله عمر! فأخذ عمر عرجونا من تلك العراجين، فضربه حتى دمّى رأسه، فقال: يا أمير المؤمنين! حسبك قد ذهب الذي كنت أجد في رأسي!! (٥). ٥ - في قول الله تعالى: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) (٦).

стр. 201

أخرج ابن جرير عن عمر ﵁، أن رجلا سأله عن آية، فكره ذلك وضربه بالدرّة، فسأله آخر عن هذه الآية (وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً). فقال: عن مثل هذا فسلوا، ثم قال: هذه المرأة تكون عند الرجل، قد خلا من سنّها، فيتزوّج المرأة الثانية يلتمس ولدها، فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز (١). ٦ - في قول الله تعالى: (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ) (٢). أخرج ابن المنذر، عن مسروق قال: قلت لعمر بن الخطاب: أرأيت الرشوة في الحكم، أمن السحت هي؟ قال: لا، ولكن كفر، إنما السحت أن يكون للرجل عند السلطان جاه ومنزلة، ويكون إلى السلطان حاجة، فلا يقضي حاجته حتى يهدي إليه هدية (٣). ٧ - في قول الله تعالى: (وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) (٤). أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، عن عكرمة قال: لما تزوج عمر ﵁ أم كلثوم بنت عليّ ﵄، اجتمع عليه أصحابه، فباركوا له، ودعوا له، فقال: بنت عليّ تزوّجتها وما بي حاجة إلى النساء، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن كل نسب وسبب ينقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي».

стр. 202

فأحببت أن يكون بيني وبين رسول الله نسب (١). ٨ - وفي قوله تعالى: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ) (٢). أخرج سعيد بن منصور، والبيهقي، عن ابن عباس قال: خطبنا عمر فقال: أيها الناس! سيكون قوم من هذه الأمة يكذبون بالرجم، ويكذبون بالدجّال، ويكذبون بطلوع الشمس من مغربها، ويكذبون بعذاب القبر، ويكذبون بالشفاعة، ويكذبون بقوم يخرجون من النار بعد ما امتحشوا (٣).

стр. 203

الفصل الثاني تفسير أم المؤمنين عائشة ﵂ قام الدكتور عبد الله بدر بجمع ما ورد عن السيدة عائشة من تفسير آيات الكتاب العزيز، وذلك في كتاب عنوانه (تفسير أم المؤمنين عائشة ﵂، ومن ذلك: ٩ - في قول الله تعالى: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) (١). عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂، قالت له وهو يسألها عن قول الله تعالى: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ). قالت عائشة: كذّبوا. قلت: فقد استيقنوا أن قومهم كذّبوهم فما هو بالظن؟ قالت: أجل، لعمري لقد استيقنوا بذلك. فقلت لها: معاذ الله، لم تكن الرسل تظن ذلك بربها. قلت: فما هذه الآية؟ قالت: هم أتباع الرسل الذي آمنوا بربهم وصدّقوهم، فطال عليهم البلاء، واستأخر عنهم النصر، حتى إذا استيأس الرسل من كذبهم من

стр. 204

قومهم، وظنّت الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم، جاءهم نصر الله عند ذلك (١). ١٠ - في قوله تعالى: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) (٢). قال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن عبد الله بن نمير- واللفظ لأبي بكر- قالا: حدثنا محمد بن بشر، عن زكريا، عن مصعب بن شيبة، عن صفية قالت: قالت عائشة ﵂: خرج النبي ﷺ غداة وعليه مرط مرحل (٣) من شعر أسود، فجاء الحسن فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء عليّ فأدخله، ثم قال: (إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ ... ) الآية ... (٤). ١١ - في قول الله تعالى: (إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً) (٥). عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا صلّى قام حتى تفطر رجلاه، فقلت: يا رسول الله! أتصنع هذا وقد غفر لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخر؟! فقال: «يا عائشة! أفلا أكون عبدا شكورا» (٦).

стр. 205

١٢ - قال البخاري في قول الله تعالى: (إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ) (١) -: حدثنا خالد بن يزيد الكاهلي، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عائشة ﵂، قال: سألتها عن قوله تعالى: (إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ) فقالت: نهر أعطيه نبيّكم ﷺ ، شاطئاه عليه درّ مجوّف، آنيته كعدد النجوم (٢). ...

стр. 206

الفصل الثالث تفسير حبر الأمّة عبد الله بن عباس ﵁ كان علي بن أبي طالب ﵁ يقول عن ابن عباس ﵁: لقد كان ينظر إلى الغيب من ستر رقيق!! وكان ابن مسعود ﵁ يقول: نعم ترجمان القرآن ابن عباس!! وكان ابن عمر ﵄ يقول: ابن عباس أعلم أمة محمد بما أنزل على محمد ﷺ !! وقد نقل المفسرون عنه كثيرا من الأقوال والاجتهادات، منها ما يلي: ١٣ - فمن تفسيره القرآن بالقرآن، ما روي عن سعيد بن جبير: أن رجلا أتى ابن عباس فقال: سمعت الله يقول: (فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ ... ) (١). وقال في آية أخرى: (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ) (٢). فأجاب ابن عباس عن ذلك بقوله: أما قوله: (فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ): فذلك في النفخة

стр. 207

الأولى، فلا يبقى على الأرض شيء، فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون. وأما قوله: (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ): فإنه لما دخلوا الجنة أقبل بعضهم على بعض يتساءلون (١). ١٤ - ومن تفسيره الذي يكشف عن معرفته بأحوال العرب وأوضاعها في عصر التنزيل، ما أخرجه البخاري عن ابن عباس ﵄: في قول الله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ) (٢). قال: كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاءوا زوّجوها، وإن شاءوا لم يزوجوها، فهم أحق بها من أهلها، فنزلت هذه الآية في ذلك (٣). ١٥ - ومما يدلّ على إلمامه بأحوال أهل الكتاب في عصر التنزيل: ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده قال: حدثنا محمد بن سلمة عن ابن إسحاق عن داود بن حصين عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى-: (فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (٤). قال: كان بنو النضير إذا قتلوا قتيلا من بني قريظة من بني قريظة أدّوا إليهم نصف الدّية، وإذا قتل بنو قريظة من بني النضير قتيلا أدّوا الدية كاملة،

стр. 208

فسوّى رسول الله ﷺ بينهم الدية كاملة (١). ١٦ - ومما يدلّ على قوّة فهمه وسعة إدراكه: ما أخرجه الطبري في تفسيره عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: (مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) (٢). قال: الكلام الطيّب: ذكر الله، والعمل الصالح: أداء فرائضه، فمن ذكر الله سبحانه في أداء فرائضه، حمل عليه ذكر الله، فصعد به، ومن ذكر الله، ولم يؤدّ فرائضه، ردّ كلامه على عمله فكان أولى به (٣). ...

стр. 209

الفصل الرابع منهج ابن مسعود ﵁ في التفسير آثرت عدة عوامل في تكوين شخصية ابن مسعود ﵁ وضلوعه في تفسير كتاب الله، منها: انتسابه إلى قبيلة هذيل العربية الفصيحة، ومنها ملازمته لرسول الله ﷺ ، حيث عايش أسباب نزول الآيات، وسمع الكثير من الرسول، ولذلك ورد عنه قوله: والذي لا إله غيره، ما من كتاب الله سورة إلا وأنا أعلم حيث نزلت، وما من آية إلا أنا أعلم فيما أنزلت، ولو أعلم أحدا هو أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل لركبت إليه!! (١). وتميّز منهجه التفسيري بأنه يقدّم تفسير القرآن بالقرآن عن غيره، فإن لم يجد، فسّر القرآن بالسنة النبوية، فإن لم يجد فسّر القرآن على ضوء مبادئ الإسلام، ومن الأمثلة على ذلك: ١٧ - في قول الله تعالى: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ) (٢). قال المخارق: قال عبد الله بن مسعود: إن المؤمن إذا مات أجلس في قبره، فيقال له: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ فيثبته الله، فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد ﷺ (٣).

стр. 210

١٨ - وفي تفسير قوله تعالى: (قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا) (١). قال ابن مسعود: هذا يوم بدر، نظرنا إلى المشركين فرأيناهم يضعفون علينا، ثم نظرنا إليهم فما رأيناهم يزيدون علينا رجلا واحدا، وذلك قوله تعالى: (وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ) (٢) (٣). ١٩ - وفي تفسير قوله تعالى: (يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ) (٤). قال ابن مسعود ﵁: على قدر أعمالهم يمرّون على الصراط: منهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من نوره مثل النخلة، ومنهم من نوره مثل الجمل القائم، وأدناهم نورا من نوره في إبهامه يتّقد مرة ويطفأ أخرى (٥). ٢٠ - وفي قوله تعالى: (ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا) (٦). قال ابن مسعود ﵁: يحبس الأول على الآخر، حتى إذا تكاملت العدّة أتاهم جميعا، ثم بدأ بالأكابر، فالأكابر جرما ... (٧). ...

стр. 211

الفصل الخامس تفسير أبيّ بن كعب ﵁ إن ملازمة أبيّ ﵁ للرسول ﷺ ، ... وكونه كاتب الوحي، وكاتب رسائل النبي و ... ، وأقرأ الصحابة لكتاب الله سبحانه، وجامع القرآن في عهد أبي بكر ﵁، كل ذلك جعله من كبار مفسري الصحابة، ومن تفسيراته ما يلي: ٢١ - في تفسير قوله تعالى: (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) (١). قال أبيّ ﵁: لما نزلت الآية في سورة البقرة في عدد النساء، قالوا: قد بقي عدد من عدد النساء لم يذكرن، الصغار والكبار وأولات الأحمال، فأنزلت (٢). ٢٢ - وأخرج ابن أبي شيبة عن أبيّ ﵁ قال في تفسير قول الله تعالى: (إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ... ) (٣).

стр. 212

قال: إذا زخرفتم مساجدكم، وحليتم مصاحفكم، فالدمار عليكم!!! (١). ٢٣ - وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن أبيّ بن كعب ﵁، في قول الله تعالى: (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ) (٢). قال: صاروا فرقتين يوم القيامة، يقال لمن اسودّ وجهه: (أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ) (٣) فهو الإيمان الذي كان في صلب آدم حيث كانوا أمة واحدة. وأما الذين ابيضّت وجوههم فهم الذين استقاموا على إيمانهم، وأخلصوا له الدين، فبيّض الله وجوههم، وأدخلهم في رضوانه وجنّته (٤). ٢٤ - وفي تفسير قوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) (٥). قال أبيّ ﵁: لم تكن أمة أكثر استجابة في الإسلام من هذه الأمة (٦). ...

стр. 213

خاتمة القسم الثاني (التفسير في عهد الصحابة) شاء الله أن ينزل كتابه الخالد على الأمّة الأمّية، فأكرمها بأن كان القرآن الكريم بلغتها، وزاد في ذلك بأن تكفّل سبحانه بحفظه وبيانه، مصداق ذلك قوله تعالى: (إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ) (١). وفي عهد الرسول ﷺ كان المفسّر للقرآن هو القرآن نفسه، وإلا كان المرجع الوحيد للتفسير هو النبي ﷺ . وبعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى أصبح بعض الرموز من الصحابة الكرام هم المرجع في تفسير القرآن الكريم، وعلى رأسهم الخلفاء الراشدون، وأبيّ بن كعب، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، و ... ﵃ أجمعين. وقد اجتهد هؤلاء الصحابة في القضايا التي لم يرد فيها نصّ صريح- من القرآن والسنة- واعتمدوا في بعض القضايا- خاصة ما يتعلق بقصص الأنبياء وقصص الأمم السابقة- على المعلومات المتوفّرة لدى علماء أهل الكتاب. ثم جاء من بعدهم التابعون وتابعوا التابعين، ولما دوّن علم التفسير اعتمد تفسير الصحابة على أساس (المرفوع الذي شهد له الوحي)، أو

стр. 214

في حكم الموقوف، وفي كلتا الحالتين يرجع إليه. لكن أهم ما تميّز تفسير الصحابة أنه لم يدوّن بشكل مستقل، إنما اتخذ شكل الحديث النبوي. ورحم الله ابن مسعود عند ما قال في معرض اتخاذ الأسوة والقدوة: (من كان منكم متأسّيا فليتأسّ بأصحاب رسول الله ﷺ ، فإنهم كانوا أبرّ هذه الأمّة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلّها تكلّفا، وأقومها هديا، وأحسنها حالا، اختارهم الله لصحبة نبيّه ﷺ وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم). ورحم الله الإمام الشافعي عند ما قال عن الصحابة: وهم فوقنا في كل علم واجتهاد، وورع وعقل، وأمر استدرك به علم، واستنبط به حكم، وآراؤهم لنا أحمد وأولى بنا من آرائنا عندنا لأنفسنا (١). أجل! هكذا كانوا مع القرآن الكريم، تلاوة وفهما، يحلّون حلاله، ويحرّمون حرامه، لكن دار الزمن دورته، فاهتم المسلمون بشكليات القرآن فأخذوا يتفنّنون بطباعته وزخرفته، ولا أحد- إلا من رحم ربك- يهتمّ بجوهره وروحه، وكأن القرآن في هذه الأيام ينادي بلسان الحال: (وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً) (٢). فالقرآن أنزله الله هداية وصلاحا، دستورا وشريعة، نورا وبرهانا، وتكفّل الله للناس أن يجدوا فيه ما يحتاجون إليه من أمور دينهم ودنياهم، مصداق ذلك قوله تعالى: (يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) (٣).

стр. 215

وكل بعد عن القرآن يعني الخسران المبين، لأن فيه العلاج للأمراض، والحلول للمشكلات و .. ، قال تعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً) (١). نسأل الله تعالى أن يعيد المسلمين إلى منهج القرآن والسنة، عسى أن تعمّ البركات كل المعمورة، كما قال الله تعالى: (كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ) (٢). ونضرع إليه سبحانه أن يجعلنا من الوقّافين لما في القرآن من أحكام، إنه هو البر الرحيم، وصلى الله وسلم على خاتم الأنبياء محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. ...
следующие страницы →