← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 38099

موسوعة التفسير قبل عهد التدوين

محمد عمر الحاجى

Полный текст (295 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الفصل الخامس تفسير أبيّ بن كعب ﵁ إن ملازمة أبيّ ﵁ للرسول ﷺ ، ... وكونه كاتب الوحي، وكاتب رسائل النبي و ... ، وأقرأ الصحابة لكتاب الله سبحانه، وجامع القرآن في عهد أبي بكر ﵁، كل ذلك جعله من كبار مفسري الصحابة، ومن تفسيراته ما يلي: ٢١ - في تفسير قوله تعالى: (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) (١). قال أبيّ ﵁: لما نزلت الآية في سورة البقرة في عدد النساء، قالوا: قد بقي عدد من عدد النساء لم يذكرن، الصغار والكبار وأولات الأحمال، فأنزلت (٢). ٢٢ - وأخرج ابن أبي شيبة عن أبيّ ﵁ قال في تفسير قول الله تعالى: (إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ... ) (٣).

стр. 212

قال: إذا زخرفتم مساجدكم، وحليتم مصاحفكم، فالدمار عليكم!!! (١). ٢٣ - وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن أبيّ بن كعب ﵁، في قول الله تعالى: (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ) (٢). قال: صاروا فرقتين يوم القيامة، يقال لمن اسودّ وجهه: (أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ) (٣) فهو الإيمان الذي كان في صلب آدم حيث كانوا أمة واحدة. وأما الذين ابيضّت وجوههم فهم الذين استقاموا على إيمانهم، وأخلصوا له الدين، فبيّض الله وجوههم، وأدخلهم في رضوانه وجنّته (٤). ٢٤ - وفي تفسير قوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) (٥). قال أبيّ ﵁: لم تكن أمة أكثر استجابة في الإسلام من هذه الأمة (٦). ...

стр. 213

خاتمة القسم الثاني (التفسير في عهد الصحابة) شاء الله أن ينزل كتابه الخالد على الأمّة الأمّية، فأكرمها بأن كان القرآن الكريم بلغتها، وزاد في ذلك بأن تكفّل سبحانه بحفظه وبيانه، مصداق ذلك قوله تعالى: (إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ) (١). وفي عهد الرسول ﷺ كان المفسّر للقرآن هو القرآن نفسه، وإلا كان المرجع الوحيد للتفسير هو النبي ﷺ . وبعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى أصبح بعض الرموز من الصحابة الكرام هم المرجع في تفسير القرآن الكريم، وعلى رأسهم الخلفاء الراشدون، وأبيّ بن كعب، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، و ... ﵃ أجمعين. وقد اجتهد هؤلاء الصحابة في القضايا التي لم يرد فيها نصّ صريح- من القرآن والسنة- واعتمدوا في بعض القضايا- خاصة ما يتعلق بقصص الأنبياء وقصص الأمم السابقة- على المعلومات المتوفّرة لدى علماء أهل الكتاب. ثم جاء من بعدهم التابعون وتابعوا التابعين، ولما دوّن علم التفسير اعتمد تفسير الصحابة على أساس (المرفوع الذي شهد له الوحي)، أو

стр. 214

في حكم الموقوف، وفي كلتا الحالتين يرجع إليه. لكن أهم ما تميّز تفسير الصحابة أنه لم يدوّن بشكل مستقل، إنما اتخذ شكل الحديث النبوي. ورحم الله ابن مسعود عند ما قال في معرض اتخاذ الأسوة والقدوة: (من كان منكم متأسّيا فليتأسّ بأصحاب رسول الله ﷺ ، فإنهم كانوا أبرّ هذه الأمّة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلّها تكلّفا، وأقومها هديا، وأحسنها حالا، اختارهم الله لصحبة نبيّه ﷺ وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم). ورحم الله الإمام الشافعي عند ما قال عن الصحابة: وهم فوقنا في كل علم واجتهاد، وورع وعقل، وأمر استدرك به علم، واستنبط به حكم، وآراؤهم لنا أحمد وأولى بنا من آرائنا عندنا لأنفسنا (١). أجل! هكذا كانوا مع القرآن الكريم، تلاوة وفهما، يحلّون حلاله، ويحرّمون حرامه، لكن دار الزمن دورته، فاهتم المسلمون بشكليات القرآن فأخذوا يتفنّنون بطباعته وزخرفته، ولا أحد- إلا من رحم ربك- يهتمّ بجوهره وروحه، وكأن القرآن في هذه الأيام ينادي بلسان الحال: (وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً) (٢). فالقرآن أنزله الله هداية وصلاحا، دستورا وشريعة، نورا وبرهانا، وتكفّل الله للناس أن يجدوا فيه ما يحتاجون إليه من أمور دينهم ودنياهم، مصداق ذلك قوله تعالى: (يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) (٣).

стр. 215

وكل بعد عن القرآن يعني الخسران المبين، لأن فيه العلاج للأمراض، والحلول للمشكلات و .. ، قال تعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً) (١). نسأل الله تعالى أن يعيد المسلمين إلى منهج القرآن والسنة، عسى أن تعمّ البركات كل المعمورة، كما قال الله تعالى: (كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ) (٢). ونضرع إليه سبحانه أن يجعلنا من الوقّافين لما في القرآن من أحكام، إنه هو البر الرحيم، وصلى الله وسلم على خاتم الأنبياء محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. ...

стр. 216

القسم الثالث تفسير القرآن الكريم في عهد التابعين

стр. 217

الباب الأول مع التابعين الكرام

стр. 218

الفصل الأول مدخل إلى التفسير قبل عهد التابعين شاء الله تعالى أن يكون كل رسول من الجماعة التي يرسل إليها، مصداق ذلك قوله تعالى: (وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا (٩٤) قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا) (١). وبالتالي، فكانت الرسالات والكتب السماوية بلغة الأقوام التي أرسلت إليها، وذلك كي يفهمها الناس ويفقهون مراد الله منها، قال تعالى: (وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (٢). والإعجاز في المسألة أن الله تعالى جعل معجزة كل نبي من الأنبياء تتحدى ما اشتهر به قومه، مثال ذلك: أن معجزة موسى ﵇ كانت تدور في فلك السحر، حيث كان قومه مشهورين به ... يتباهون بالتفنّن به. أما معجزة خاتم الأنبياء ﷺ فهي المعجزة الخالدة الباقية إلى يوم الدّين، حيث كان العرب قد أبدعوا في مجالات الشعر والأدب .. فتحدّاهم الله تعالى بالقرآن، لذلك وقفوا أمام فصاحته وبلاغته بكل

стр. 219

خشوع، مثال ذلك ما حدث مع الوليد بن المغيرة: فعن ابن عباس ﵄، أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي ﷺ ، فقرأ عليه القرآن، فكأنه رقّ له. فبلغ ذلك أبا جهل، فأتاه فقال: يا عم! إن قومك يرون أن يجمعوا لك مالا. قال: لم؟ قال: ليعطوكه، فإنك أتيت محمدا لتعرض لما قبله. قال: قد علمت قريش أني من أكثرها مالا. قال: فقل فيه قولا يبلغ قومك أنك منكر له، أو أنك كاره له. قال: فماذا أقول؟ فو الله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار منّي، ولا أعلم برجزه، ولا بقصيده منّي، ولا بأشعار الجنّ، والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا، وو الله إن لقوله الذي يقول لحلاوة، وإن عليه لطلاوة (١)، وإنه لمثمر أعلاه مغدق (٢) أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى عليه، وإنه ليحطم ما تحته. قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه. قال: دعني حتى أفكّر، فلما فكّر قال: هذا سحر يؤثر يأثره (٣) عن غيره. فأنزل الله تعالى: (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً (١٢) وَبَنِينَ شُهُوداً (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَ

стр. 220

عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ) (١). لذلك وعلى الرغم من قوة العرب البلاغية وفصاحتهم و ... ، فقد عجزوا أمام فصاحة وبلاغة كتاب الله تعالى. وما كان من الكثيرين منهم إلا أن أعلنوا إسلامهم .. وساروا في موكب الدعوة إلى الله تعالى فتذوقوا بيان القرآن، وفهموا مراميه ومقاصده. إلا أنهم كانوا يعودون إلى الرسول ﷺ ليستفسروا عن بعض دلالات الآيات. وكما هو معلوم، فالرسول ﷺ كان أعلم الناس بأسرار القرآن، ومن وظائفه ومهامه تبليغ وبيان ما في القرآن (٢). لكنه صلوات الله عليه لم يفسر القرآن كله، إنما فسّر بما يزيل الشبهات ويوضح المعاني. وقد جمعت الأحاديث النبوية التي تدور في فلك التفسير- وهي قليلة- فما فهمه الصحابة الكرام من القرآن فقد ساروا عليه، ولكن

стр. 221

بعضهم لم يفهم بعض القضايا التي وردت في القرآن، ولم يسألوا عنها. ثم كان عهد الصحابة الأكارم، فساروا على النهج ذاته. حيث اتفقوا على أن أفضل ما يفسّر القرآن هو القرآن، قال الإمام ابن تيمية رحمة الله عليه: ( .. إن أصح الطرق في ذلك- أي في تفسير القرآن- أن يفسّر القرآن بالقرآن، فما أجمل في مكان فإنه قد فسّر في موضع آخر، وما اختصر في مكان فقد بسط في موضع آخر .. ) (١). مثل ذلك قوله تعالى: (* وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ) (٢) فسرتها الآية التالية: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (٣). مثال آخر قوله تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ) (٤). جاء تفسير المحرمات على اليهود في موضع آخر، وذلك في قوله تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ) (٥). ثم إن الصحابة الكرام اعتبروا أن خير ما يفسر القرآن بعد القرآن هو الرسول ﷺ ، فتناقلوا كل ما ورد عنه من تفسير وبيان لبعض آيات القرآن.

стр. 222

مثال ذلك ما رواه ابن مسعود ﵁ قال: لما نزلت الآية: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) (١) شق ذلك على الصحابة، فقالوا: يا رسول الله؟ وأينا لا يظلم نفسه؟ قال: «إنه ليس الذي تعنون، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) (٢) إنما هو الشرك» (٣). ومثاله ما روت عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : «من نوقش الحساب عذّب». قلت: أليس يقول الله تعالى: (فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً) (٤)؟ قال: «ليس ذاك الحساب، وإنما ذاك العرض» (٥). ومثاله: ما رواه عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول وهو على المنبر: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ (٦) «ألا وإن القوة الرمي، ألا وإن القوة الرمي، إلا وإن القوة الرمي» (٧). ولكن بعد أن انتقل النبي ﷺ إلى الرفيق الأعلى، نشأ في الإسلام جيل من أبناء الصحابة وغيرهم من العرب لم يحضروا نزول الوحي، ولم يتعرفوا على أسباب النزول، ودخل عدد كبير من غير العرب في دين الإسلام. كل ذلك أدى إلى ظهور الحاجة الماسّة؛ ليتصدر أعلام الصحابة لتفسير بعض الآيات التي لم يفسّرها النبي ﷺ .

стр. 223

ولهذا نجد أمير المؤمنين عمر ﵁ يرسل كبار الصحابة إلى البلاد التي فتحها المسلمون وذلك بهدف التعليم وبنحو ذلك، مثال ذلك: إرساله عبد الله بن مسعود ﵁ إلى العراق، وقد كتب رسالة إلى العراقيين، جاء فيها: ( .. إني قد بعثت إليكم عمار بن ياسر أميرا، وعبد الله بن مسعود معلما، ووزيرا، وإنهما من النجباء من أصحاب رسول الله ﷺ من أصحاب بدر، وقد جعلت عبد الله بن مسعود على بيت مالكم، فتعلّموا منهما، واقتدوا بهما، وقد آثرتكم بعبد الله ابن مسعود على نفسي .. ) (١). أجل! فالصحابة الكرام عايشوا فترة تنزّل القرآن الكريم، ففهموا أسباب نزوله، حتى إن واحدا منهم، وهو عبد الله بن مسعود كان يقول: والذي لا إله غيره ما نزلت آية من الكتاب إلا وأنا أعلم فيم نزلت وأين نزلت، ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله مني تطاله المطايا لأتيته! .. ومع كل ذلك كان ابن مسعود يوجّه الناس إلى اتباع ما كان عليه الصحابة الكرام، معللا ذلك بقوله: «من كان منكم متأسّيا فليتأس بأصحاب رسول الله ﷺ ، فإنهم كانوا أبرّ هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلّها تكلّفا، وأقومها هديا، وأحسنها حالا، اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ ، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم). وهذا ما فهمه الإمام الشافعي، حيث أكّد على أخذ الأمور الدينية مما ورد عن الصحابة الأكارم، وذلك في قوله: ( .. وهم- أي الصحابة- فوقنا في كل علم واجتهاد، وورع وعقل، وأمر استدرك به علم، واستنبط به حكم، وآراؤهم لنا أحمد

стр. 224

وأولى بنا من آرائنا عندنا لأنفسنا) (١). لذلك اعتبر العلماء كل ما ورد عن الصحابة في التفسير- مما لا مجال للرأي فيه- في حكم الحديث المرفوع (٢). ...

стр. 225

الفصل الثاني ماذا يعني مصطلح التابعين ؟! هناك شبه إجماع بين العلماء وخاصة أهل الحديث على أن آخر الصحابة موتا على الإطلاق هو أبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي، وكان ذلك في سنة (١١٠ هـ). وقد قال ابن حجر العسقلاني: (فيعتبر بمضيّ مائة سنة وعشر سنين من هجرة النبي ﷺ ويقصد بذلك أن شرط المعاصرة للنبي هو هذا الحد- لقوله ﷺ في آخر عمره لأصحابه: «أرأيتكم ليلتكم هذه؟ فإنه على رأس مائة سنة منها لا يبقى على وجه الأرض ممن هو اليوم عليها أحد» (١). زاد مسلم من حديث جابر ﵁: أن ذلك كان قبل موته ﷺ بشهر) (٢) (٣). ثم ظهر مصطلح (التابعي). قال الخطيب البغدادي: التابعيّ هو: من صحب الصحابي (٤). وفي كلام الحاكم ما يقتضي إطلاق التابعي على من لقي الصحابي وروى عنه وإن لم يصحبه ... وهناك خلاف في تحديد مصطلح

стр. 226

التابعي، وفي ذلك يقول الحافظ العراقي (ت ٧٠٦ هـ): (اختلف في حدّ التابعي، فقال الحاكم وغيره: إن التابعي من لقي واحدا من الصحابة، فأكثر، وقد ذكر مسلم وابن حبان سليمان بن مهران الأعمش في طبقة التابعين، وقال ابن حبان: أخرجناه في هذه الطبقة لأن له لقيا وحفظا، رأى أنس بن مالك، وإن لم يصحّ له سماع المسند عن أنس. وقال علي بن المديني: إنما رآه رؤية بمكة يصلّي، وليس له رواية في شيء من الكتب الستة عن أحد من الصحابة إلا عن عبد الله بن أبي أوفى في سنن ابن ماجة فقط. وقال أبو حاتم الرازي: إنه لم يسمع منه، وقال الترمذي: إنه لم يسمع من أحد من الصحابة، عدّه أيضا من التابعين عند عبد الغني بن سعيد، وعدّ فيهم يحيى بن أبي كثير لكونه لقي أنسا، وعدّ فيهم موسى ابن أبي عائشة لكونه لقي عمرو بن حريث، وعدّ فيهم جرير بن أبي حازم لكونه رأى أنسا، وهذا مصير منهم إلى أن التابعي من رأى الصحابي، ولكن ابن حبان يشترط أن يكون رآه في سنّ من يحفظ عنه، فإن كان صغيرا، لم يحفظ عنه فلا عبرة برؤيته كخلف بن خليفة فإنه عدّه من أتباع التابعين وإن كان رأى عمرو بن حريث لكونه كان صغيرا. وقال الخطيب: التابعي من صحب الصحابي، والأول أصح، ورجّحه ابن الصلاح، فقال: والاكتفاء في هذا بمجرد اللقي والرؤية أقرب منه في الصحابة نظرا إلى مقتضى اللفظين فيها. وقد أشار النبي ﷺ إلى الصحابة والتابعين بقوله: «طوبى لمن رآني وآمن بي، وطوبى لمن رأى من رآني».

стр. 227

فالحديث اكتفي فيهما بمجرد الرؤيا) (١). ومن التابعين: سعيد بن المسيب، والحسن البصري، وعلقمة، وأويس القرني، وعطاء بن أبي رباح، وحفصة بنت سيرين، وعمرة بنت عبد الرحمن، وغيرهم. على كلّ فجميع التابعين يدخلون تحت قول الرسول ﷺ : «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم». ويستظلون بقوله تعالى- وهي شهادة رائعة تعلق كوسام على صدور التابعين-: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (٢). ...

стр. 228

الفصل الثالث موقف التابعين من الإسرائيليات !! قسم الدكتور محمد أبو شهبة أخبار بني إسرائيل وأقاويلهم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: ما علمنا صحته مما بأيدينا من القرآن والسنة، والقرآن هو الكتاب المهيمن، والشاهد على الكتب السماوية قبله، فما وافقه فهو حق وصدق، وما خالفه فهو باطل وكذب، قال تعالى: (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨) وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ) (١). وهذا القسم صحيح، وفيما عندنا غنية عنه، ولكن يجوز ذكره، وروايته للاستشهاد به، ولإقامة الحجة عليهم من كتبهم، وذلك مثل: ما ذكر في صاحب موسى ﵇، وأنه الخضر، فقد ورد في الحديث الصحيح، ومثل: ما يتعلق بالبشارة بالنبي ﷺ وبرسالته، وأن التوحيد هو دين جميع الأنبياء، مما غفلوا عن تحريفه، أو حرفوه، ولكن بقي شعاع منه يدلّ على الحق.

стр. 229

وفي هذا القسم ورد قوله ﷺ : «بلّغوا عني ولو آية، وحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار». قال الحافظ ابن حجر ﵀: «أي لا ضيق عليكم في الحديث عنهم، لأنه كان تقدم منه صلوات الله عليه الزجر عن الأخذ عنهم، والنظر في كتبهم، ثم حصل التوسّع في ذلك، وكان النهي وقع قبل استقرار الأحكام الإسلامية، والقواعد الدينية، خشية الفتنة، ثم لما زال المحذور وقع الإذن في ذلك، لما في سماع الأخبار التي كانت في زمنهم من الاعتبار» (١). القسم الثاني: ما علمنا كذبه مما عندنا ما يخالفه، وذلك مثل: ما ذكروه في قصص الأنبياء، من أخبار تطعن في عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كقصة يوسف، وداود، وسليمان ﵈، ومثل: ما ذكروه في توراتهم من أن الذبيح إسحاق، لا إسماعيل، فهذا لا تجوز روايته وذكره إلا مقترنا ببيان كذبه، وأنه مما حرّفوه، وبدّلوه، قال تعالى: (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ) (٢). وهذا القسم: ورد النهي عن النبي ﷺ للصحابة عن روايته، والزجر عن أخذه عنهم، وسؤالهم عنه، قال الإمام مالك ﵀ في حديث: «حدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» المراد: جواز التحديث عنهم بما كان من أمر حسن، أما ما علم كذبه فلا. ولعل هذا هو المراد من قول ابن عباس ﵄: (يا معشر

стр. 230

المسلمين! كيف تسألون أهل الكتاب، وكتابكم الذي أنزل الله على نبيه ﷺ أحدث (١)، تقرءوه لم يشب (٢)، وقد حدّثكم الله أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله، وغيّروه، وكتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا: هو من عند الله، ليشتروا به ثمنا قليلا، ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم؟ لا والله ما رأينا منهم رجلا يسألكم عن الذي أنزل عليكم. القسم الثالث: ما هو مسكوت عنه، لا من هذا، ولا من ذاك، فلا نؤمن به، ولا نكذبه، لاحتمال أن يكون حقا فنكذبه، أو باطلا فنصدّقه، ويجوز حكايته لما تقدم من الإذن في الرواية عنهم. ولعل هذا القسم المراد بما رواه أبو هريرة ﵁ قال: «كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية، ويفسّرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : «لا تصدّقوا أهل الكتاب، ولا تكذّبوهم» (وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ) (٣). ومع هذا، فالأولى عدم ذكره، وأن لا نضيع الوقت في الاشتغال به. وفي هذا المعنى ورد حديث أخرجه الإمام أحمد، وابن أبي شيبة، والبزار من حديث جابر: أن عمر ﵁ أتى النبي ﷺ بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فقرأه عليه، فغضب، وقال: «لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق، فتكذّبوا به، أو بباطل، فتصدّقوا به، والذي نفسي بيده! لو أن موسى حيّا ما وسعه إلا أن يتّبعني». قال ابن بطال عن المهلب: (هذا النهي في سؤالهم عما لا نصّ

стр. 231

فيه، لأن شرعنا مكتف بنفسه، فإذا لم يوجد فيه نص، ففي النظر والاستدلال غنى عن سؤالهم، ولا يدخل في النهي سؤالهم عن الأخبار المصدّقة لشرعنا، والأخبار عن الأمم السالفة) (١) يعني بتشديد سيدنا عمر على من كان يكتب شيئا من كتب اليهود ... (٢). لكن ما هو موقف التابعين من الإسرائيليات؟ مرّ معنا في قسم (تفسير الصحابة): أن الصحابة لم يكونوا يعودون إلى أهل الكتاب، إلا في دائرة محددة ضيقة، لكن في عهد التابعين زاد ذلك الأمر وتضخّم. قال نجم الدين الطوفي في تبيان علّة ذلك: (ثم تفرق الصحابة ﵃ بعد موت النبي ﷺ في البلاد، ونقلوا ما علموه من التفسير إلى تابعيهم، وليس كل صحابي علم تفسير جميع القرآن بل بعضه، إذ الجامعون للقرآن على عهده ﷺ كانوا نفرا معدودين، وشرذمة قليلين، فألقى الصحابي ذلك البعض إلى تابعه، ولعل ذلك التابعي لم يجتمع بصحابي آخر يكمل له التفسير، أو اجتمع بمن لا زيادة عنه على ما عند الصحابي الذي أخذ منه، فاقتصر عليه وشرع يكمل تفسير القرآن باجتهاده استنباطا من اللغة تارة، ومن السنة أخرى، ومن نظير الآية المطلوب تفسيرها من القرآن تارة أخرى، ومن مدارك أخر رآها صالحة لأخذ التفسير منها، كالتاريخ، وأيام الأمم الخالية، والإسرائيليات ونحوها، فاتسع الخرق وكثر الدخل في التفسير حتى آل الأمر إلى الأقوال الكثيرة، تفعل كل طبقة من المفسرين، كفعل التي قبلها من زيادة الوجوه والاختيارات كما تراهم

стр. 232

يصرّحون في تفسيرهم، وينسبون الأقوال إلى آرائهم ومذاهبهم) (١). وعلق الدكتور رمزي نعناعة على ذلك بقوله: كذلك يرجع سبب تضخم التفسير بالإسرائيليات في عهد التابعين إلى كثرة من دخل من أهل الكتاب في الإسلام، وميل نفوس القوم لسماع التفاصيل عما يشير إليه القرآن من أحداث يهودية أو نصرانية، كما يرجع إلى كثرة الوضع ونشاط القصّاص في هذا المضمار، فقد وجدنا في كتب التفسير أمثلة على هذا القصص لا حصر لها معزوة إلى بعض التابعين، أمثال قتادة، ومسروق، ومجاهد، وكعب، ووهب، وعكرمة، والحسن، والضحاك، وابن جبير، وزيد بن أسلم، وعطاء، وطاوس، وغيرهم، هذه القصص التي نسبت إليهم فيها كثير من الإغراب والمبالغة والخيال، والبعد عن المنطق والعقل والإمكان. ومن الأمثلة على ذلك ما رواه عكرمة في تفسير الرعد، قال: ملك في السحاب يجمع السحاب، كما يجمع الراعي الإبل، فيؤلف بينها، فذلك الصوت تسبيحه!! (٢). ومن ذلك ما يروى عن السدي عن زيد بن أسلم في سياق المناظرة بين إبراهيم ﵇ والملك نمرود، وهذه القصة قد وردت في تفسير مقاتل (٣)، كما وردت في تفسير ابن كثير (٤)، وفيها أن الله سلّط البعوض على النمرود، وجنوده وقت طلوع الشمس، فلم يروا عين الشمس، سلطها عليهم فأكلت لحومهم ودماءهم، وتركتهم عظاما

стр. 233

بادية، ودخلت واحدة منها، فمكثت فيه أربعمائة سنة يعذبه الله بها، حتى كان يضرب رأسه بالمرزبّة (١) في هذه المدة، ثم أهلكه بها (٢). واشتهر برواية الإسرائيليات من التابعين: كعب الأحبار، ووهب بن منبه، وغيرهما. ولنأخذ مثلا على ذلك تفسير قتادة، والذي جمعه هو الدكتور عبد الله أبو السعود بدر، ومما جاء فيه: ( .. ولقد سقطت في تفسير قتادة بعض الإسرائيليات كما سقطت في غيره من التفاسير الأخرى. فمثلا يقول عن بلقيس: بلغني أنها امرأة يقال لها (بلقيس)، يقول راويته- أحسبه قال ابنة شراحيل، أحد أبويها من الجن!! مؤخّر قدميها كحافر الدابة، ويقول: كانت صاحبة سبأ إذا رقدت غلقت الأبواب وأخذت المفاتيح فوضعتها تحت رأسها، فلما أغلقت الأبواب وأوت إلى فراشها، جاءها الهدهد حتى دخل من كوّة بيتها، فقذف الصحيفة على بطنها بين فخذيها!! ويتحدث عن هديتها لسليمان ﵇ فيقول: فبعث إليهم بلبنة من ذهب من حرير وديباج، فبلغ ذلك سليمان، فأمر بلبنة من ذهب، فصنعت ثم قذفت تحت أرجل الدواب على طريقهم تبول عليها وتروث، فلما جاء رسلها واللبنة تحت أرجل الدواب، صغر في أعينهم الذي جاءوا به! وكل هذه إسرائيليات، فالأسلوب الإسرائيلي واضح جدا، وروح الرواية الإسرائيلية لا تخفى هنا على أي مشتغل بهذه الدراسات، ففيها الشطح والإغراب والمغالاة، وتهويل الحقير وتحقير العظيم، والتعالي

стр. 234

بالأنبياء اليهود، وعبادة الذهب والإطناب في ترديد أسماء الجواهر، والمفارقات العجيبة والخضوع للتهويمات والأساطير وما إلى ذلك! ومن الإسرائيليات أيضا: عند تفسير قول الله تعالى: (قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ) (١). يقول: (لم تأت يومئذ دابة إلا أطفأت عنه النار إلا الوزغ). فهو بهذه الرواية الإسرائيلية يودّ لو يقول مباشرة: إن إكرام الله لإبراهيم ﵇ جعله يسخر له كل الدواب لإطفاء نار الكفار، ولم تشذّ عن هذه القاعدة إلا الوزغ، وهو أسلوب إسرائيلي في الاستثناءات الغريبة. ومن سمات الإسرائيليات أيضا والتي نجدها في تفسير قتادة: تحديد العدد، فالإسرائيليات مغرمة بتحديد أعداد كل شيء من ناس وسنين وأيام وأعمار ومسافات وأطوال، وما إلى ذلك. ومن هذه التحديدات العددية التي جاءت في تفسير قتادة: أن من خرجوا مع قارون في زينته كانوا على أربعة آلاف دابة، وأن عدد أهل مشورة بلقيس كانوا ثلاثمائة واثني عشر، كل رجل منهم على عشرة آلاف، وأن عدد بني إسرائيل الذين قطع بهم موسى البحر كانوا ستمائة ألف مقاتل وعشرين ألفا فصاعدا، وتبعهم فرعون على ألف ألف حصان ومائتي ألف حصان، وأن آدم كان رأسه في السماء ورجلاه في الأرض وكانت الملائكة تهابه فنقص إلى ستين ذراعا، وأن ما بين صخرة بيت المقدس وبين السماء ثمانية عشر ميلا، وأنه كان بين آدم ونوح ألف سنة، وبين نوح وإبراهيم ألف سنة، وبين عيسى ومحمد ستمائة سنة، وأنه شيع جنازة هارون أربعون ألفا من بني إسرائيل كل منهم يسمى هارون، وأن طول سفينة نوح ثلاثمائة ذراع وعرضها

стр. 235

خمسون ذراعا وطولها في السماء ثلاثون ذراعا، وبابها في عرضها، وأنها استقلت بهم في عشر خلون من رجب، وكانت في الماء خمسين ومائة يوم، وأنهم أهبطوا إلى الأرض في عشر ليال خلون من المحرم، فقال نوح لمن معه: من كان منكم اليوم صائما فليتم صومه، ومن كان مفطرا فليصم!! إذا: فلا يمكن أن ننف عن قتادة أنه كان يورد الإسرائيليات في تفسيره، فهي واضحة وكثيرة، ولكنها تتركّز بالذات عند الآيات التي تعرض لأهل الكتاب وتذكر أخبارهم وتتحدث عن أنبيائهم، وكذلك الآيات التي تحكي قصص الأنبياء الآخرين مثل نوح ولوط وهود ﵈، وأيضا بعض الموضوعات التي كانت تحلو حكاياتها عند أهل ذلك العصر، مثل قصة الخليقة الأولى، وآدم وحواء، والشيطان والحيّة، وقصة هابيل وقابيل، وقصة هاروت وماروت، ويأجوج ومأجوج، وذي القرنين، وسيدنا الخضر، وأصحاب الكهف، وصوت يونس، وما إلى ذلك. وإذا كان قتادة يسبق إسرائيليات تفسيره بقوله بقوله (ذكر لنا) أو (كان يقال لنا) وما شابه ذلك من العبارات الاحترازية، فهو بلا شك أيضا مسئول عما يورده (١). أجل: إن عصر الصحابة الأكارم لم يعرف من الإسرائيليات إلا القليل، بحيث لم يشغلوا أنفسهم بالسؤال عن سفاسف الأمور، وإلا ما هي الفائدة من بحث مطوّل حول اسم كلب أهل الكهف؟! أو نوع النملة؟

стр. 236

أو اسم الغلام الذي قتله الخضر ونحو ذلك!! لكن التابعين توسّعوا كثيرا في الأخذ عنهم، فكثرت الإسرائيليات في التفسير، ولا سيما أنه قد دخل في الإسلام من أهل الكتاب الكثير. ولذلك نجد في التفاسير الموجودة الآن أمورا تناقض العقل وتصادم صريح النقل!! وهذا ما أدى إلى فقد الثقة في كثير من كتب التفسير، مما جعل للمستشرقين والحاقدين على الإسلام مجالا رحبا للطعن ببعض الصحابة ... وبعض التابعين .. وبعض كبار العلماء المفسرين، وبالتالي اختلطت الأخبار الصحيحة بالكاذبة .. فكيف التمييز والغربلة؟! ولنأخذ هذه الأمثلة من تفسير الضحاك. عن تفسير قوله تعالى: (حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً) (١) قال: اسم الغلام حيسون! وعند تفسير قوله تعالى: (قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ) (٢) قال: اسم النملة طاحية! وعند تفسير قوله تعالى: (وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ) (٣) قال: إن اسم أخت موسى كثلمة!! وعند تفسير قوله تعالى: (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ) (٤) قال الضحاك: ق جبل محيط بالأرض، من زمردة خضراء، منه خضرة السماء، والسماء مقبقبة- أي: كهيئة القبة- وعليه كتفاها!! والسؤال المطروح هنا: ماذا نستفيد من حشو كتب التفاسير بأمثال

стр. 237

هذه الإسرائيليات؟ وهل سنسأل يوم القيامة عن اسم النملة، أو اسم أخت موسى، أو اسم الغلام وما إلى هنالك؟! رحم الله سفيان الثوري عند ما قال: الإسناد سلاح المؤمن، فإذا لم يكن معه سلاح فبأي شيء يقاتل؟! (١). ...

стр. 238

الباب الثاني تفسير القرآن في عهد التابعين

стр. 239

الفصل الأول ما هي أهم مصادر تفسير التابعين ؟ من المعلوم أن الله أنزل القرآن على أمة أميّة، لكنه أو كل مسألة تبيانه للنبي ﷺ ، من حيث إن الذي فهمه المراد من تفسيره هو سبحانه، مصداق ذلك قوله تعالى: (إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ) (١) ومن فضل الله وكرمه على هذه الأمة أن أنزل القرآن بلغتها العربية، قال الله تعالى: (وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) (٢) لكن- كما مر معنا- فإن النبي ﷺ لم يفسّر القرآن كله، إنما اقتصر على بعض الإشكالات، وأجاب عن بعض التساؤلات، وطبّق كل ما ورد في القرآن بشكل علميّ، وقد أحسن من قال: إذا كان القرآن كونا صامتا فإن رسول الله ﷺ كان قرآنا ناطقا يمشي على الأرض. وهكذا عاش الصحابة الأكارم مع القرآن، بحيث تفاوتت مراتبهم في فهمه، وقد أشكل على بعضهم آيات منه، بينما ظهرت لبعضهم الآخر. مثال ذلك: ما أخرجه أبو عبيدة في الفضائل عن أنس ﵁: أن عمر بن الخطاب ﵁ قرأ على المنبر قوله تعالى: (وَفاكِهَةً وَأَبًّا) (٣)

стр. 240

فقال: هذه الفاكهة عرفناها، فما الأبّ؟ ثم رجع إلى نفسه فقال: إن هذا لهو التكلّف يا عمر! (١). ومثال آخر: ما أخرجه أبو عبيدة عن طريق مجاهد عن ابن عباس ﵄ قال: كنت لا أدري معنى: (فاطِرَ السَّماواتِ) (٢) حتى أتاني أعرابيان يتخاصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، والآخر يقول: أنا ابتدأتها (٣). وقد برز من الصحابة من تصدر للتفسير، وكان على رأسهم الخلفاء الأربعة، وخاصة علي ﵁، إضافة إلى ابن عباس، وابن عمر، وجابر، وعائشة، ورضي الله عنهم أجمعين، ولما كان عهد التابعين، نرى أنهم اعتمدوا في تفسيرهم للقرآن على المصادر التالية: ١ - القرآن الكريم: شاء الله أن يكون كتابه الخالد كله معجزة، حتى في طريقة عرض الأحداث التاريخية، فتراه يشرح ما جاء موجزا في مكان، كقصة آدم ﵇ مع إبليس، ويسهب في مكان آخر، وهكذا. لذلك، فمن تفسير القرآن بالقرآن: أن يحمل المجمل على المبين ليفسّر به، مثال ذلك: قوله تعالى: (وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ) (٤) فسّر بقوله تعالى: (فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ) (٥) أي العذاب الأدنى المعجّل في الدنيا؟

стр. 241

ومن تفسير القرآن بالقرآن: حمل المطلق على المقيد في صورة اختلاف الحكمين عند اتحاد السبب، ومثّل له بآية الوضوء والتيمم، فإن الأيدي مقيدة في الوضوء بالغاية، قال تعالى: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ) (١). ومطلقة في التيمم قال تعالى: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ) (٢) فقيدت في التيمم بالمرافق أيضا (٣). مثال آخر: آية الظّهار مع آية القتل، ففي كفارة الظّهار يقول الله تعالى: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) (٤) وفي كفارة القتل يقول الله تعالى: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) (٥) فيحمل المطلق في الآية الأولى على المقيد في الآية الثانية، بمجرّد ورود اللفظ المقيّد من غير حاجة إلى جامع عند هذا البعض من العلماء (٦). ومن تفسير القرآن بالقرآن: الجمع بين ما يتوهم أنه مختلف، كخلق آدم من تراب في بعض الآيات، ومن طين في غيرها، ومن حمأ مسنون، ومن صلصال، فإن هذا ذكر للأطوار التي مرّ بها آدم ﵇، من مبدأ خلقه إلى نفخ الروح فيه. ٢ - المصدر الثاني للتفسير: النبي ﷺ : لذلك كان الواحد من الصحابة الأكارم إذا أشكلت عليه آية من كتاب الله، رجع إلى رسول الله ﷺ في تفسيرها. ذلك لأن وظيفة الرسول البيان، فالسنة النبوية شارحة للقرآن،

стр. 242

مصداق ذلك قوله تعالى: (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (١) ومصداق ذلك ما أخرجه أبو داود في سننه من أن النبي ﷺ قال: «ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلّوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرّموه». ولدى الرجوع إلى كتب السنة نجد أنها قد أفردت للتفسير بابا من الأبواب التي ضمت أحاديث النبي ﷺ مثال ذلك: ما رواه أحمد والشيخان عن ابن مسعود ﵁ قال: «لما نزلت هذه الآية (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ) (٢) شقّ ذلك على الناس، فقالوا: يا رسول الله! وأيّنا لا يظلم نفسه؟ قال: إنه ليس الذي تعنون، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) (٣) إنما هو الشرك». وما أخرجه الترمذي وابن جرير عن أبيّ بن كعب ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى) (٤) قال: «لا إله إلا الله». ٣ - المصدر الثالث: تفسير الصحابة ﵃: اعتبر العلماء أن تفسير الصحابي الذي شهد الوحي له حكم المرفوع، خاصة إذا كان ذلك يتعلّق بأسباب النزول، ولا مجال للرأي فيه، ولذلك لا يجوز رد تفسير الصحابي اتفاقا، ورحم الله الحافظ ابن كثير عند ما قال في مقدمة تفسيره: (حينئذ إذا لم نجد التفسير في القرآن

стр. 243

ولا في السنة، رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة، فإنهم أدرى بذلك، لما شاهدوه من القرائن والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام والعلم الصحيح والعمل الصالح، ولا سيما علماءهم وكبراءهم، كالأئمة الأربعة، والخلفاء الراشدين، والأئمة المهتدين المهديين، وعبد الله بن مسعود ﵃ .. ) (١). ومن أشهر المفسرين من الصحابة: عبد الله بن عباس، عبد الله بن مسعود، عليّ بن أبي طالب، وأبي بن كعب ﵃ أجمعين (٢). ٤ - المصدر الرابع: أهل الكتاب: لدى مقارنة الكتب السماوية، وخاصة القرآن مع التوراة والإنجيل يتبين لنا أن القرآن يعتمد على الإيجاز، بينما تعتمد التوراة والإنجيل على الإطناب، وبالتالي فالقرآن يركز على جوهر الموضوع، وروحه، ليستخلص الإنسان العظات والعبر مثال ذلك: (قصة آدم ﵇. ورد ذكرها في التوراة، كما وردت في القرآن في مواضع كثيرة، وأطولها ما ورد في سورة البقرة، وما ورد في سورة الأعراف، وبالنظر إلى هذه الآيات من السورتين، نجد أن القرآن لم يتعرض لمكان الجنة، ولا لنوع الشجرة التي نهي آدم وزوجته عن الأكل منها، ولا بيّن الحيوان الذي تقمصه الشيطان فدخل الجنة لينزل آدم وزوجته، كما لم يتعرّض للبقعة التي هبط إليها آدم وزوجته وأقاما بها بعد خروجهما من الجنة، إلى آخر ما يتعلق بهذه القصة من تفصيل وتوضيح. ولكن نظرة واحدة يجيلها الإنسان في التوراة يجد بعدها أنها

стр. 244

تعرضت لكل ذلك وأكثر منه، فأبانت أن الجنة في عدن شرقا، وأن الشجرة التي نهينا عنها كانت في وسط الجنة، وأنها شجرة الحياة، وأنها شجرة معرفة الخير والشر، وأن الذي خاطب حوّاء هو الحيّة، وذكرت ما انتقم الله به من الحية التي تقمصها إبليس، بأن جعلها تسعى على بطنها وتأكل التراب، وانتقم من حوّاء بتعبها هي ونسلها في حبلها .. إلى آخر ما ذكر فيها مما يتعلّق بهذه القصة .. (١). وقد قلنا سابقا: إن الصحابة الكرام لم يأخذوا عن أهل الكتاب إلا اليسير، وذلك في الأمور التي لا تتعلق بالعقيدة، ولا الأحكام. وبالتالي، فقد كان الصحابة لا يقبلون كل ما جاء من أهل الكتاب بل كانوا يتخيرون الصواب ما استطاعوا ويردّون على أهل الكتاب أقوالهم، إن كانت لا توافق وجه الصواب. أما التابعون فقد توسّعوا في الأخذ عن أهل الكتاب، فكثرت على عهدهم الروايات الإسرائيلية في التفسير، ويرجع ذلك لكثرة من دخل من أهل الكتاب في الإسلام، وميل نفوس القوم لسماع التفاصيل عما يشير إليه القرآن من أحداث يهودية أو نصرانية، فظهرت في هذا العهد جماعة من المفسرين أرادوا أن يسدّوا هذه الثغرات القائمة في التفسير بما هو موجود عند اليهود والنصارى، فحشوا التفسير في كثير من التفسير بكثير من القصص المتناقض. ومن هؤلاء مقاتل بن سليمان (ت ١٥٠ هـ) الذي نسبه أبو حاتم إلى أنه استقى علومه بالقرآن من اليهود والنصارى، وجعلها موافقة لما في كتبهم .. ) (٢) ... وقد وقف الدكتور الذهبي في تحديد أقطاب الروايات الإسرائيلية، بحيث يؤكّد الدكتور على أن أغلب ما هو موجود من

стр. 245

إسرائيليات في كتب التفسير جاء عن طريق أربعة أشخاص هم: - عبد الله بن سلام: أسلم عند قدوم النبي ﷺ المدينة، وكان عالما بعلوم التوراة، لذلك نرى ابن جرير الطبري ينسب إليه كثيرا من الأقوال وتوفي بالمدينة عام ٤٣ هـ. - كعب الأحبار: يهودي من يهود اليمن، أسلم في خلافة عمر ﵁، وكان لديه علم كثير بتعاليم التوراة، تحوّل إلى بلاد الشام، فسكنها حتى توفي في مدينة حمص عام ٣٢ هـ. - وهب بن منبه: كان من أبناء فارس، كثير الاطلاع على الكتب القديمة، أخذ عن كعب الأحبار وعبد الله بن سلام، وألف كتابا في المغازي، ولد عام ٣٤ هـ ومات عام ١١٠ هـ. - عبد الملك بن جريج: أصله رومي نصراني، وهو أوّل من صنف الكتب بالحجاز، وهو قطب الإسرائيليات في عهد التابعين، ولد عام ٨٠ هـ ومات عام ١٥٩ هـ. ٥ - المصدر الخامس: اجتهادات التابعين: كان التابعون يبحثون في المصادر الأربعة السابقة (تفسير القرآن بالقرآن، ثم التفسير النبوي، ثم تفسير الصحابة، ثم الاستئناس بما عليه أهل الكتاب) فإن لم يجدوا فيها ما يفسّر، عمدوا إلى الاجتهاد والاستنباط، خاصة عند من يملكون أدوات الاجتهاد في التفسير مثل معرفة عادات العرب، ومعرفة أوضاع اللغة، وأسرارها، ومعرفة الناسخ والمنسوخ، مع قوة الفهم وسعة الإدراك. ولذلك قامت مدارس علمية، في عهد التابعين، تهتمّ بالتفسير، فتتلمذ فيها كثير من الناس، وتخرّج منها كثير من المسلمين. ***

стр. 246

الفصل الثاني مدارس التفسير في عهد التابعين في ظلال الفتوحات الإسلامية زمن الصحابة الكرام، وخاصة في العهد الراشدي، دخل كثير من الناس- من غير العرب- في الدّين الإسلامي، واستوطن كثير من الصحابة تلك البلاد التي فتحها الله على أيديهم، فأصبحوا أساتذة للآخرين حيث حملوا علوم الدين، وذلك من خلال ما حفظوه عن رسول الله ﷺ ، وبالفعل كانوا أمناء في حمل ونقل العلوم الشرعية. واشتهر بعضهم كثيرا- خاصة في مجالات تفسير القرآن وتأويله وفهم مراده وما إلى هنالك- وكان هناك الكثير من طلبة العلم، الذين تتلمذوا على أيديهم، لذلك لا بدّ من تسليط بعض الأضواء على أهم تلك المدارس التي اختصت في التفسير. قال الإمام ابن تيمية ﵀:؛ (وأما التفسير فأعلم الناس به أهل مكة لأنهم أصحاب ابن عباس كمجاهد، وعطاء بن أبي رباح وعكرمة مولى ابن عباس، وكذلك أهل الكوفة من أصحاب ابن مسعود، ومن ذلك ما تميّزوا به عن غيرهم، وعلماء أهل المدينة في التفسير، مثل زيد بن أسلم الذي أخذ عنه مالك التفسير، وأخذ عنه أيضا ابنه عبد الرحمن وعبد الله بن وهب .. ) (١).

стр. 247

أ- مدرسة التفسير بمكة: كما رأينا في قسم (تفسير الصحابة) فإن ابن عباس يعتبر أشهر من تحدّث في التفسير من الصحابة ويعود ذلك إلى نشأته في بيت النبوة، وملازمته لأكابر الصحابة وذلك بعد انتقال الرسول ﷺ إلى الرفيق الأعلى، إضافة إلى معرفته الدقيقة للغة العربية، وما إلى هنا لك. وعرف عن ابن عباس جلوسه مع أصحابه من التابعين، يجيبهم عن كل ما أشكل عليهم من معاني القرآن، ويفسّر لهم مراد الله في كتابه العزيز. وأهم من تتلمذ على يديه في مجال التفسير: ١ - سعيد بن جبير رحمه الله تعالى: عدّه العلماء من كبار التابعين، اهتم كثيرا بالقراءات والتفسير والفقه والحديث، حتى إن ابن خلكان روى عن خصيف قوله: (كان من أعلم التابعين بالطلاق سعيد بن المسيّب، وبالحج عطاء، وبالحلال والحرام طاوس، وبالتفسير مجاهد، وأجمعهم لذلك كله سعيد بن جبير» (١). واعتبره علماء الجرح والتعديل كابن حبّان أنه ثقة فاضل ورع .. ، توفي سنة ٩٥ هـ. ٢ - مجاهد بن جبر رحمه الله تعالى: ولد سنة ٢١ هـ وتتلمذ على يد ابن عباس، واعتبر من أوثق أصحابه، علما أنه يعتبر أقلهم رواية عنه في التفسير! قال الذهبي في الميزان: أجمعت الأمة على إمامة مجاهد والاحتجاج به، وقد أخرج له أصحاب الكتب الستة، وكانت وفاته بمكة سنة ١٠٤ هـ.

стр. 248

٣ - عكرمة رحمه الله تعالى: كان على مبلغ عظيم من العلم، وخاصة في أمور التفسير، لذلك شهد له العلماء بذلك، منها قول يحيى بن أيوب المصري: سألني ابن جريج هل كتبتم عن عكرمة؟ فقلت: لا. قال: فاتكم ثلثا العلم!. وكانت وفاته سنة ١٠٤ هـ. ٤ - طاوس بن كيسان رحمه الله تعالى: من اليمن، جالس خمسين رجلا من الصحابة، اهتمّ كثيرا بإخراج التفسير ودراسة علوم القرآن. وكان ثقة ورعا أمينا مستجاب الدعوة، حتى قال ابن عباس فيه: إني لأظن طاوسا من أهل الجنة، توفي سنة ١٠٦ هـ ودفن بمكة المكرمة. ٥ - عطاء بن أبي رباح رحمه الله تعالى: ولد سنة ٢٧ هـ وأدرك مائتين من الصحابة، وعدّه العلماء من الثقات ومن سادات التابعين: فقها، وعلما وورعا .. (١) .. قال قتادة: كان أعلم التابعين أربعة: كان عطاء بن أبي رباح أعلمهم بالمناسك، وكان سعيد بن جبير أعلمهم بالتفسير، وكان عكرمة أعلمهم بالسّير، وكان الحسن أعلمهم بالحلال والحرام. ولم يكن يكثر من الرواية، وذلك لتحرّجه من القول بالرأي، توفي عام ١١٤ هـ.

стр. 249

ب- مدرسة التفسير بالمدينة المنورة: من أساتذتها: عليّ بن أبي طالب، وأبيّ بن كعب ﵄. ولكن انشغال عليّ بأمور الخلافة ونحو ذلك، جعل اسم أبيّ لامعا أكثر، فقد تتلمذ على يد أبي بن كعب كثير من التابعين، أهمهم: ١ - رفيع بن مهران (أبو العالية) ﵀: أسلم بعد وفاة النبي ﷺ بسنتين، روى عن ابن مسعود، وعن علي، وابن عباس، وابن عمر، وأبيّ. اعتبره علماء الجرح ثقة من كبار التابعين، توفي سنة ٩٠ هـ. ٢ - محمد بن كعب القرظي رحمه الله تعالى: وصفه العلماء بأوصاف رائعة: فهو الثقة، العدل، الورع، والصلاح، وبينما كان يحدّث الناس إذ سقط عليه وعلى من معه سقف فمات سنة ١١٨ هـ. ٣ - زيد بن أسلم ﵀: عرف بغزارة علمه، والصلاح والورع، والتفقه خاصة في مجالات التفسير، توفي سنة ١٣٦ هـ، ومن أشهر تلامذته الإمام مالك. ج- مدرسة التفسير بالعراق: يعتبر عبد الله بن مسعود ﵁ مؤسس وأستاذ تلك المدرسة، وعلى يديه انتشرت ظاهرة الاستدلال بالرأي والاجتهاد. تتلمذ على يديه كثير من التابعين، على رأسهم: ١ - علقمة بن قيس: تابعي ثقة، متبحر بالعلوم الشرعية، توفي عام ٦١ هـ. ٢ - مسروق: تابعي صالح، ورع، خبير بمعاني كتاب الله، توفي عام ٦٣ هـ.

стр. 250

٣ - الأسود بن يزيد: ثقة من أهل الخير، فقيه زاهد مفسّر، توفي عام ٧٤ هـ. ٤ - عامر الشعبي: أدرك خمسمائة من الصحابة، كانوا يقولون عنه: ابن عباس في زمانه، لكن من شدّة ورعه كان يتوقف عن تفسير آيات كتاب الله، توفي سنة ١٠٩ هـ. ٥ - الحسن البصري: كان عالم زمانه، يشبه كلامه كلام النبوة، توفي سنة ١١٠ هـ. ٦ - قتادة: ثقة، مفسّر، متضلّع في اللغة العربية .. ، توفي سنة ١١٧ هـ. د- مدرسة التفسير بالشام: وبرز من التابعين عبد الرحمن الأشعري، وعمر بن عبد العزيز، وكعب الأحبار، ورجاء بن حيوة الكندي، رحمهم الله تعالى. هـ- وفي مصر: اشتهر يزيد الأزدي، وأبو الخير: مرثد اليزني رحمهما الله تعالى .. إضافة إلى من اشتهر في اليمن، مثل: وهب بن منبه وغيره. ***
следующие страницы →