الفصل الثاني مدارس التفسير في عهد التابعين
في ظلال الفتوحات الإسلامية زمن الصحابة الكرام، وخاصة في العهد الراشدي، دخل كثير من الناس- من غير العرب- في الدّين الإسلامي، واستوطن كثير من الصحابة تلك البلاد التي فتحها الله على أيديهم، فأصبحوا أساتذة للآخرين حيث حملوا علوم الدين، وذلك من خلال ما حفظوه عن رسول الله ﷺ ، وبالفعل كانوا أمناء في حمل ونقل العلوم الشرعية.
واشتهر بعضهم كثيرا- خاصة في مجالات تفسير القرآن وتأويله وفهم مراده وما إلى هنالك- وكان هناك الكثير من طلبة العلم، الذين تتلمذوا على أيديهم، لذلك لا بدّ من تسليط بعض الأضواء على أهم تلك المدارس التي اختصت في التفسير.
قال الإمام ابن تيمية ﵀:؛ (وأما التفسير فأعلم الناس به أهل مكة لأنهم أصحاب ابن عباس كمجاهد، وعطاء بن أبي رباح وعكرمة مولى ابن عباس، وكذلك أهل الكوفة من أصحاب ابن مسعود، ومن ذلك ما تميّزوا به عن غيرهم، وعلماء أهل المدينة في التفسير، مثل زيد بن أسلم الذي أخذ عنه مالك التفسير، وأخذ عنه أيضا ابنه عبد الرحمن وعبد الله بن وهب .. ) (١).
стр. 247
أ- مدرسة التفسير بمكة:
كما رأينا في قسم (تفسير الصحابة) فإن ابن عباس يعتبر أشهر من تحدّث في التفسير من الصحابة ويعود ذلك إلى نشأته في بيت النبوة، وملازمته لأكابر الصحابة وذلك بعد انتقال الرسول ﷺ إلى الرفيق الأعلى، إضافة إلى معرفته الدقيقة للغة العربية، وما إلى هنا لك.
وعرف عن ابن عباس جلوسه مع أصحابه من التابعين، يجيبهم عن كل ما أشكل عليهم من معاني القرآن، ويفسّر لهم مراد الله في كتابه العزيز.
وأهم من تتلمذ على يديه في مجال التفسير:
١ - سعيد بن جبير رحمه الله تعالى:
عدّه العلماء من كبار التابعين، اهتم كثيرا بالقراءات والتفسير والفقه والحديث، حتى إن ابن خلكان روى عن خصيف قوله: (كان من أعلم التابعين بالطلاق سعيد بن المسيّب، وبالحج عطاء، وبالحلال والحرام طاوس، وبالتفسير مجاهد، وأجمعهم لذلك كله سعيد بن جبير» (١).
واعتبره علماء الجرح والتعديل كابن حبّان أنه ثقة فاضل ورع .. ،
توفي سنة ٩٥ هـ.
٢ - مجاهد بن جبر رحمه الله تعالى:
ولد سنة ٢١ هـ وتتلمذ على يد ابن عباس، واعتبر من أوثق أصحابه، علما أنه يعتبر أقلهم رواية عنه في التفسير!
قال الذهبي في الميزان: أجمعت الأمة على إمامة مجاهد والاحتجاج به، وقد أخرج له أصحاب الكتب الستة، وكانت وفاته بمكة سنة ١٠٤ هـ.
стр. 248
٣ - عكرمة رحمه الله تعالى:
كان على مبلغ عظيم من العلم، وخاصة في أمور التفسير، لذلك شهد له العلماء بذلك، منها قول يحيى بن أيوب المصري: سألني ابن جريج هل كتبتم عن عكرمة؟
فقلت: لا.
قال: فاتكم ثلثا العلم!.
وكانت وفاته سنة ١٠٤ هـ.
٤ - طاوس بن كيسان رحمه الله تعالى:
من اليمن، جالس خمسين رجلا من الصحابة، اهتمّ كثيرا بإخراج التفسير ودراسة علوم القرآن.
وكان ثقة ورعا أمينا مستجاب الدعوة، حتى قال ابن عباس فيه:
إني لأظن طاوسا من أهل الجنة، توفي سنة ١٠٦ هـ ودفن بمكة المكرمة.
٥ - عطاء بن أبي رباح رحمه الله تعالى:
ولد سنة ٢٧ هـ وأدرك مائتين من الصحابة، وعدّه العلماء من الثقات ومن سادات التابعين: فقها، وعلما وورعا .. (١) ..
قال قتادة: كان أعلم التابعين أربعة: كان عطاء بن أبي رباح أعلمهم بالمناسك، وكان سعيد بن جبير أعلمهم بالتفسير، وكان عكرمة أعلمهم بالسّير، وكان الحسن أعلمهم بالحلال والحرام.
ولم يكن يكثر من الرواية، وذلك لتحرّجه من القول بالرأي، توفي عام ١١٤ هـ.
стр. 249
ب- مدرسة التفسير بالمدينة المنورة:
من أساتذتها: عليّ بن أبي طالب، وأبيّ بن كعب ﵄.
ولكن انشغال عليّ بأمور الخلافة ونحو ذلك، جعل اسم أبيّ لامعا أكثر، فقد تتلمذ على يد أبي بن كعب كثير من التابعين، أهمهم:
١ - رفيع بن مهران (أبو العالية) ﵀:
أسلم بعد وفاة النبي ﷺ بسنتين، روى عن ابن مسعود، وعن علي، وابن عباس، وابن عمر، وأبيّ.
اعتبره علماء الجرح ثقة من كبار التابعين، توفي سنة ٩٠ هـ.
٢ - محمد بن كعب القرظي رحمه الله تعالى:
وصفه العلماء بأوصاف رائعة: فهو الثقة، العدل، الورع، والصلاح، وبينما كان يحدّث الناس إذ سقط عليه وعلى من معه سقف فمات سنة ١١٨ هـ.
٣ - زيد بن أسلم ﵀:
عرف بغزارة علمه، والصلاح والورع، والتفقه خاصة في مجالات التفسير، توفي سنة ١٣٦ هـ، ومن أشهر تلامذته الإمام مالك.
ج- مدرسة التفسير بالعراق:
يعتبر عبد الله بن مسعود ﵁ مؤسس وأستاذ تلك المدرسة، وعلى يديه انتشرت ظاهرة الاستدلال بالرأي والاجتهاد.
تتلمذ على يديه كثير من التابعين، على رأسهم:
١ - علقمة بن قيس: تابعي ثقة، متبحر بالعلوم الشرعية، توفي عام ٦١ هـ.
٢ - مسروق: تابعي صالح، ورع، خبير بمعاني كتاب الله، توفي عام ٦٣ هـ.
стр. 250
٣ - الأسود بن يزيد: ثقة من أهل الخير، فقيه زاهد مفسّر، توفي عام ٧٤ هـ.
٤ - عامر الشعبي: أدرك خمسمائة من الصحابة، كانوا يقولون عنه:
ابن عباس في زمانه، لكن من شدّة ورعه كان يتوقف عن تفسير آيات كتاب الله، توفي سنة ١٠٩ هـ.
٥ - الحسن البصري: كان عالم زمانه، يشبه كلامه كلام النبوة، توفي سنة ١١٠ هـ.
٦ - قتادة: ثقة، مفسّر، متضلّع في اللغة العربية .. ، توفي سنة ١١٧ هـ.
د- مدرسة التفسير بالشام:
وبرز من التابعين عبد الرحمن الأشعري، وعمر بن عبد العزيز، وكعب الأحبار، ورجاء بن حيوة الكندي، رحمهم الله تعالى.
هـ- وفي مصر:
اشتهر يزيد الأزدي، وأبو الخير: مرثد اليزني رحمهما الله تعالى ..
إضافة إلى من اشتهر في اليمن، مثل: وهب بن منبه وغيره.
***
стр. 251
الفصل الثالث أهم مميزات التفسير في عهد التابعين
يمتاز التفسير في مرحلة التابعين بالمميزات الآتية:
أولا: دخل التفسير كثير من الإسرائيليات والنصرانيات، وذلك لكثرة من دخل من أهل الكتاب في الإسلام، وكان لا يزال عالقا بأذهانهم من الأخبار ما لا يتصل بالأحكام الشرعية، كأخبار بدء الخليقة، وأسرار الوجود وبدء الكائنات، وكثير من القصص.
وكانت النفوس ميّالة لسماع التفاصيل عما يشير إليه القرآن من أحداث يهودية أو نصرانية، فتساهل التابعون، فزجّوا في التفسير بكثير من الإسرائيليات والنصرانيات بدون تحرّ ونقد.
وأكثر من روي عنه في ذلك من مسلمي أهل الكتاب: عبد الله بن سلام، وكعب الأحبار، ووهب بن منبه، وعبد الملك بن عبد العزيز ابن جريج. ولا شكّ أن الرجوع إلى هذه الإسرائيليات في التفسير أمر مأخوذ على التابعين، كما هو مأخوذ على من جاء بعدهم.
ثانيا: ظلّ التفسير محتفظا بطابع التلقي والرواية، إلا أنه لم يكن تلقيا ورواية بالمعنى الشامل، كما هو الشأن في عصر النبي ﷺ وأصحابه، بل كان تلقيا ورواية يغلب عليها طابع الاختصاص.
فأهل كل مصر يعنون- بوجه خاص- بالتلقي والرواية عن إمام مصرهم: فالمكّيون عن ابن عباس، والمدنيون عن أبيّ، والعراقيون
стр. 252
عن ابن مسعود ﵃ أجمعين .. وهكذا.
ثالثا: ظهرت في هذا العصر نواة الخلاف المذهبي، فظهرت بعض التفسيرات التي تحمل في طيّاتها هذه المذاهب.
فنجد مثلا قتادة بن دعامة الدوسي ينسب إلى الخوض في القضاء والقدر، ويتّهم بالقدرية (١).
ولا شكّ أن هذا أثّر على تفسيره، ولهذا كان يتحرّج بعض الناس من الرواية عنه!!
ونجد الحسن البصري قد فسّر القرآن على إثبات القدر، ويكفّر من يكذّب به .. !!
رابعا: كثرة الخلاف بين التابعين في التفسير عما كان بين الصحابة رضوان الله عليهم، وإن كان اختلافا قليلا بالنسبة لما وقع بعد ذلك من متأخري المفسّرين .. ) (٢).
...
стр. 253
الفصل الرابع القيمة العلمية لتفسير التابعين
(اختلف العلماء في الرجوع إلى تفسير التابعين والأخذ بأقوالهم إذا لم يؤثر في ذلك شيء عن الرسول ﷺ ، أو عن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وقد نقل عن الإمام أحمد ﵁ روايتان في ذلك:
رواية بالقبول، ورواية بعدم القبول.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يؤخذ بتفسير التابعي، واختاره ابن عقيل، وحكي عن شعبه، واستدلّ أصحاب هذا الرأي على ما ذهبوا إليه: بأن التابعين ليس لهم سماع من الرسول ﷺ ، فلا يمكن الحمل عليه كما قيل في تفسير الصحابي: إنه محمول على سماعه من النبي ﷺ ، وبأنهم لم يشاهدوا من القرائن والأحوال التي نزل عليها القرآن، فيجوز عليهم الخطأ في فهم المراد وظن ما ليس بدليل دليلا.
ومع ذلك فعدالة التابعين غير منصوص عليها كما نصّ على عدالة الصحابة، نقل عن أبي حنيفة ﵀ أنه قال:
(ما جاء عن رسول الله ﷺ فعلى الرأس والعين، وما جاء عن الصحابة تخيّرنا، وما جاء عن التابعين فهم رجال ونحن رجال).
وقد ذهب أكثر المفسرين: إلى أنه يؤخذ بقول التابعي في التفسير لأن التابعين تلقوا غالب تفسيرهم عن الصحابة.
فمجاهد مثلا يقول: عرضت المصحف على ابن عباس رضي الله
стр. 254
عنهما ثلاث عرضات من فاتحته إلى خاتمته، أوقفه عند كل آية منه وأسأله عنها.
وقتادة يقول: ما في القرآن آية إلا وسمعت فيها شيئا.
ولذا حكى أكثر المفسرين أقوال التابعين في كتبهم، ونقلوها عنهم مع اعتمادهم لها.
والذي تميل إليه النفس: هو أن قول التابعي في التفسير لا يجب الأخذ به إلا إذا كان مما لا مجال في الرأي فيه، فإنه يؤخذ حينئذ عند عدم الريبة، فإن ارتبنا فيه، بأن كان يأخذ من أهل الكتاب، فلنا أن نترك قوله ولا نعتمد عليه، أما إذا أجمع التابعون على رأي فإنه يجب علينا أن نأخذ به ولا نتعداه إلى غيره.
قال ابن تيمية ﵀: قال شعبة بن الحجاج وغيره:
أقوال التابعين ليست حجة، فكيف تكون حجّة في التفسير؟
يعني أنها لا تكون حجة على غيرهم ممن خالفهم، وهذا صحيح، أما إذا أجمعوا على الشيء فلا يرتاب في كونه حجة، فإن اختلفوا فلا يكون قول بعضهم حجة على بعض ولا على من بعدهم، ويرجع في ذلك إلى لغة القرآن والسنة، أو عموم لغة العرب، أو أقوال الصحابة في ذلك (١)) (٢).
...
стр. 255
الفصل الخامس أسباب اختلاف المفسرين في عهد التابعين
كما هو معلوم، فالخلاف بين الصحابة في التفسير كان قليلا جدا، وذلك لرجوعهم في ذلك إلى النبي ﷺ .
وزاد الاختلاف في عهد التابعين أكثر، ويعود ذلك إلى عدة أسباب: أهمها:
١ - أن يعبّر كل واحد من المفسّرين عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه، تدلّ على معنى في المسمّى غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمّى، مثاله:
في تفسير قوله تعالى: (اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) (١).
قال بعضهم (الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) هو اتباع القرآن، وذلك لقوله ﷺ في حديث عليّ ﵁ عند الترمذي: «ضرب الله مثلا صراطا مستقيما، وعلى جنبتي الصراط سوران، وفي السورين أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة وداع يدعو من فوق الصراط، وداع يدعو على رأس الصراط، قال: فالصراط المستقيم هو الإسلام، والسوران حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله، والدّاعي على رأس الصراط كتاب الله، والداعي فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مؤمن».
стр. 256
ومنهم من قال: هو اتباع السنّة والجماعة، ومنهم من قال: هو طريق العبودية، ومنهم من قال: هو طاعة الله ورسوله ﷺ ، وقيل غير ذلك.
فهذه كلها أقوال لا منافاة بينها ولا تباين، بل كلها متفقة في الحقيقة، لأن دين الإسلام هو اتباع القرآن، وهو طاعة الله ورسوله، وهو طريق العبودية لله، فالذات واحدة، وكلّ أشار إليها ووصفها بصفة من صفاتها.
٢ - أن يذكر كل منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل وتنبيه المستمع على النوع، لا على سبيل الحدّ المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه.
مثال ذلك ما نقل في قوله تعالى: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ) (١).
فبعضهم فسّر السابق بمن يؤدي الزكاة المفروضة مع الصدقة، والمقتصد بمن يؤدّيها وحدها، والظالم بمانع الزكاة.
فكلّ من المفسرين ذكر فردا من أفراد العام على سبيل التمثيل لا الحصر، لتعريف المستمع أن الآية تتناول المذكور، ولتنبيهه به على نظيره، فإن التعريف بالمثال قد يكون أسهل من التعريف بالحدّ المطابق، والعقل السليم يتفطّن للنوع بذكر مثاله، وهذا الاختلاف في ذكر المثال لا يؤدّي إلى التباين والتناقض في الأقوال، إذ من المعلوم أن الظالم لنفسه يتناول المضيّع للواجبات والمنتهك للحرمات، والمقتصد يتناول فاعل الواجبات وتارك المحرمات، والسابق يتناول من تقرّب بالحسنات مع الواجبات.
стр. 257
٣ - أن يكون اللفظ محتملا للأمرين أو الأمور، وذلك إما لكونه مشتركا في اللغة، كلفظ (قَسْوَرَةٍ) الذي يراد به الرامي ويراد به الأسد.
٤ - أن يعبّروا عن المعاني بألفاظ متقاربة لا مترادفة، فإن الترادف قليل في اللغة ونادر أو معدوم في القرآن، وقلّ أن يعبّر عن لفظ واحد بلفظ واحد يؤدي إلى جميع معناه، وإنما يعبّر عنه بلفظ فيه تقريب لمعناه، فمثلا إذا قال قائل: (يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً) (١).
المور: الحركة، فذلك تقريب للمعنى، لأن المور حركة خفيفة سريعة.
كذلك إذا قال: (وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ) (٢).
أي: أعلمنا، لأن القضاء إليه في الآية أخصّ من الإعلام، فإن فيه إنزالا وإيحاء إليهم.
٥ - أن يكون في الآية الواحدة قراءتان أو قراءات، فيفسّر كل منهم على حسب قراءة مخصوصة؛ فيظن ذلك اختلافا، وليس باختلاف.
مثال ذلك ما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس ﵄ وغيره من طرق، في قول الله تعالى: (لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا) (٣).
إن معنى سكّرت: سدّت، ومن طريق أخرى عنه: أن سكّرت بمعنى أخذت وسحرت.
ثم أخرج عن قتادة أنه قال: «من قرأ (سكّرت) مشددة، فإنما يعني سدّت، ومن قرأ (سكرت) مخففة، فإنه يعني سحرت.
ومثلها: الاختلاف الوارد عن ابن عباس وغيره في تفسير قوله
стр. 258
تعالى: (أَوْ لامَسْتُمُ) (١) هو هو الجماع أو الجسّ باليد؟
إذا:
ظاهر الأمر أن هناك تعارضا في تفسير التابعين، لكن الحقيقة أنه ليس إلا اختلاف عبارة، أو اختلاف تنوّع (٢).
...
стр. 259
الباب الثالث تطبيقات عملية من تفسير التابعين
стр. 260
الفصل الأول التفسير المأثور عن (قتادة) ﵀
قام الباحث عبد الله أبو مسعود بدر بجمع ما ورد عن قتادة (٦٠ - ١١٧ هـ) رحمه الله تعالى من تفسير آيات كتاب الله تعالى، وقدّم للعمل بدراسة جادّة وهادفة، ونال بذلك العمل درجة الماجستير، من ذلك:
١ - في تفسيره لقول الله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ) (١)، يوضح أن حفظ الله للقرآن هو بجعله: (لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ) (٢).
أي: يعتمد في تفسيره للقرآن على القرآن ذاته، وهذا أفضل أنواع التفسير، فهنا استعان بآية فصلت ليفسّر بها آية الحجر، مبيّنا أن حفظ الله من تأثير الباطل، وأن الباطل في رأيه هو إبليس (فأنزل الله القرآن ثم حفظه، فلا يستطيع إبليس أن يزيد فيه باطلا ولا ينقص منه حقا، حفظه الله من ذلك).
٢ - في تفسيره لقوله تعالى: (هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ) (٣) يركز على أن يقرن دائما الآيات القرآنية التي تتحدث عن موضوع واحد، وذلك حتى يوفّر لتفسيره الوحدة العضوية المطلوبة.
стр. 261
لذلك يفسر هذه الآية بقوله: وكان الله قد وعدهم في سورة البقرة:
(أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) (١).
٣ - وأما عن اعتماد (قتادة) على تفسير القرآن بالمصدر الثاني للتفسير، وهو الحديث النبوي فإننا نراه يعتمد على هذا المصدر كثيرا، فتارة يورد الحديث تاما كاملا، مثال ذلك في تفسيره لقول الله تعالى:
(يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ) (٢).
يروي حديثا نبويا: بينما رسول الله ﷺ في بعض مغازيه وقد فاوت السير بأصحابه، إذا نادى الرسول بهذه الآية، ثم قال: «هل تدرون أي يوم ذلك؟».
قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: «ذلك يوم ينادى آدم، يناديه ربه: ابعث بعث النار من كل ألف تسعمائة وتسع وتسعين إلى النار» فأبلس القوم، فما وضح منهم ضاحك، فقال النبي ﷺ : «ألا اعملوا وأبشروا، فإن معكم خلقتين ما كانتا في قوم إلا كثرتاه، فمن هلك من بني آدم ومن هلك من إبليس ويأجوج ومأجوج، أبشروا، ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير، أو كالرقمة في جناح الدابة».
٤ - لكن (قتادة) في كثير من الأحيان يأتي بجزء من الحديث النبوي، بحيث يخدمه في مجالات التفسير، مثال ذلك:
في تفسيره لقول الله تعالى: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا
стр. 262
يَسْتَطِيعُونَ) (١) يقول: ذلك والله يوم القيامة، ذكر لنا أن النبي ﷺ كان يقول: «يؤذن للمؤمنين يوم القيامة في السجود فيسجد المؤمنون، بين كل مؤمن منافق، فيقسو ظهر المنافق عن السجود، ويجعل الله سجود المؤمنين عليهم توبيخا وذلا وصغارا وندامة وحسرة» فهذا جزء من حديث طويل مشهور.
٥ - كذلك فقد كان (قتادة) يعتمد على الأحاديث القدسية، في معرض تفسيره لبعض الآيات القرآنية، مثال ذلك:
في معرض تفسيره لقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ) (٢).
يورد حديثا قدسيا ذكره البخاري في صحيحه، وفيه: قال الرسول ﷺ : «يقول الله ﵎: كذّبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون عليّ من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله اتخذ الله ولدا، وأنا الأحد الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد».
٦ - ويعتمد (قتادة) في تفسيره- بعد الاعتماد على تفسير القرآن بالقرآن، وتفسير النبي ﷺ للقرآن، وتفسير الصحابة- على الاجتهاد وإعمال الفكر،
لذلك كان له تفسير فقهي لبعض الآيات، مثال ذلك:
في تفسير قول الله تعالى: (وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها) (٣) يرى: أن المصلّي يردّ السلام كلاما إذا سلّم عليه، ولا يقطع ذلك عليه صلاته، لأنه فعل ما أمر به (٤).
فهو إذا يعتبر الأمر الإلهي في قوله تعالى: (فَحَيُّوا) هو أمر نافذ،
стр. 263
ولو كان المسلم في صلاته، ولعلنا لاحظنا أنه يتمسك بالظاهر.
إضافة إلى اعتماده على الناسخ والمنسوخ، والاهتمام بأحداث السيرة، والأمور التاريخية، وعادات العرب وأحوالهم، والديانات والنحل القديمة، وما إلى هنا لك.
***
стр. 264
الفصل الثاني تفسير (مجاهد) رحمه الله تعالى
قدّم الباحث (أحمد إسماعيل نوفل) بحثا قيما لنيل شهادة الدكتوراة، وذلك حول (مجاهد: المفسّر والتفسير)، تحدّث فيه عن شخصية مجاهد، وبيئته وعصره، وعن شخصيته العلمية، وعن شيوخه ومن روى عنهم، وعن تلاميذه والذين رووا عنه، وعن طرق الرواية عنه، وعن طريقة مجاهد في التفسير، وعن منهجه في علوم القرآن، وعن منهجه في تفسير آيات الأحكام، وآيات العقيدة، وما إلى هنا لك.
وقد عاش المفسر مجاهد حياة حافلة بالجهاد: جهاد القلم وجهاد العلم، وكان ذلك بين (٢١ - ١٠٤ هـ) فرحمه الله.
ولمزيد من تعميم الفائدة، ننقل بعض ما حرّره الباحث:
٧ - يردّ (مجاهد) الآيات إلى بعضها بعض، ويفسّرها بنظائرها، مثال ذلك: في تفسيره لقول الله تعالى: (فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ) (١) قال: الظالم لنفسه: أصحاب المشأمة، والمقتصد: أصحاب اليمين، والسابق بالخيرات:
السابقون، وذلك تفسيرا لها بالآية الكريمة: (فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ) (٢).
стр. 265
٨ - وفي تفسير قول الله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) (١).
قال (مجاهد): هم الذين قال الله فيهم: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ) (٢).
٩ - لكن (مجاهد) يذهب في تأويل بعض الآيات مذهبا لم يسبقه أحد إليه.
مثال ذلك: عند تأويله للآيات المتعلقة بمسخ بني إسرائيل قردة خاسئين، أو قردة وخنازير، وذلك في قوله تعالى: (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ) (٣).
وفي قوله سبحانه: (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ) (٤).
فقد رأى (مجاهد) فيها رأيا لعلّه لم يسبق به على الإطلاق، وذلك حين قال: أن مقصد الآيات التمثيل لا حقيقة المسخ!.
قال (مجاهد): (إن المسخ لم يقع على أجسامهم بل على قلوبهم، فبقوا أناسيّ لهم نفوس القردة).
ومراد الآية على هذا عنده: (التمثيل كما مثل الذين حملوا التوراة في موضع آخر:- (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ
стр. 266
أَسْفاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (١) - بمثل الحمار يحمل أسفارا.
١٠ - ويلاحظ الباحث أن (مجاهد) يهتمّ بالتفسير العملي، فهو يلجأ في كثير من الأحيان إلى تجسيد المعنى وبتشخيصه من الواقع العملي للحياة، وذلك بهدف تقريب المعنى، وإعطاء المدلول الواقعي للنصّ القرآني.
ففي تفسيره لكلمة (الرّان) يقول:
قال تعالى: (وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ) (٢) أي: الذنوب تحيط بالقلوب، كالحائط المبني على الشيء المحيط، كلما عمل ذنبا ارتفعت حتى تغشى القلب، حتى تكون هكذا ثم قبض يده، ثم قال: هو الرّان.
١١ - وكثيرا ما يهتمّ (مجاهد) أثناء تفسيره للآيات القرآنية بالأمور الوعظية، مثال ذلك:
عند تعليقه على قصة داود ﵇، يقول: (أوحى الله إلى داود: اتق، لا يأخذك الله على ذنب لا ينظر فيه إليك، فتلقاه حين تلقاه، وليست لك حجّة).
ويقول: (يبعث داود وذكر خطيئته ووجله منها في قلبه، منقوشة في كفّيه، فإذا رأى أهاويل الموقف، لم يجد منه متعوّذا ولا محرزا إلا برحمة ربه وقربه، فيشير إليه هاهنا، وأشار بيمينه إلى جنبه، فذلك قوله : (وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ) (٣)(٤).
стр. 267
١٢ - وفي تفسيره لقول الله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ) (١)
يقول: (إذا أراد أحدكم أن ينام، فليستقبل القبلة، ولينم على يمينه، وليذكر الله، وليكن آخر كلامه عند منامه: لا إله إلا الله، فإنها وفاة لا يدري لعلها تكون منيّته ... ) (٢).
١٣ - ومن تفسيراته الوعظية، قوله عند الآيات التي تتحدث عن قصر الأعمار وإنذارات الموت، قوله:
(ما من مرض يمرضه العبد إلا رسول ملك الموت عنده، حتى إذا كان آخر مرض أتاه ملك الموت، فقال: أتاك رسول، بعد رسول، فلم تعبأ به، وقد أتاك رسول يقطع أثرك من الدنيا!!) (٣).
١٤ - ويهتم (مجاهد) بالأخبار الواردة في أسباب النزول، وفي ذلك فوائد جمّة، مثال ذلك:
في تفسيره لقول الله تعالى: (أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ) (٤).
أخرجه ابن أبي حاتم، وابن جرير عن (مجاهد) قال: سألت قريش محمدا ﷺ أن يجعل لهم الصفا ذهبا، فقال: نعم هو لكم كالمائدة لبني إسرائيل إن كفرتم، فأبوا ورجعوا، فأنزل الله هذه الآية (٥).
وقال النيسابوري: عن ابن عباس، ومجاهد أن عبد الله بن أمية المخزومي أتى رسول الله ﷺ فقال: (يا محمد! ما أومن بك حتى تفجر
стр. 268
لنا من الأرض ينبوعا أو تكون لك جنة) فأنزلت (١).
١٥ - وفي تفسيره لقوله تعالى: (نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ) (٢).
قال: عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات، من فاتحته إلى خاتمته، أوقفه عند كل آية منه فأسأله عنها حتى انتهى إلى هذه الآية (نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ... ).
فقال ابن عباس: إن هذا الحيّ من قريش كانوا يتزوجون النساء ويتلذّذون بهن مقبلات ومدبرات، فلما قدموا المدينة تزوجوا من الأنصار، فذهبوا ليفعلوا بهن كما كانوا
يفعلون بمكة، فأنكرن ذلك وقلن: هذا شيء لم نكن نؤتى عليه، فانتشر الحديث حتى انتهى إلى رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى في ذلك (نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ... ) قال: إن شئت مقبلة، وإن شئت مدبرة، وإن شئت باركة، وإنما يعني موضع الولد للحرث، يقول: ائت الحرث حيث شئت .. (٣).
١٦ - وفي تفسيره لقول الله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ) (٤).
قال مجاهد: كان جماع قبائل الأنصار بطنين: الأوس والخزرج، وكان بينهما في الجاهلية حرب ودماء وشنآن، حتى منّ الله عليهم بالإسلام وبالنبي ﷺ ، فأطفأ الله الحرب التي كانت بينهم وألّف بينهم بالإسلام، قال: فبينا رجل من الأوس ورجل من الخزرج قاعدان يتحدثان ومعهما يهودي جالس، فلم يزل يذكرهما أيامهما، والعداوة التي بينهم حتى استبّا ثم اقتتلا، قال: فنادى هذا قومه، وهذا قومه،
стр. 269
فتخرجوا بالسلاح، وصفّ بعضهم لبعض.
قال: ورسول الله ﷺ شاهد يومئذ بالمدينة، فجاء رسول الله ﷺ فلم يزل يمشي بينهم إلى هؤلاء وإلى هؤلاء ليسكنهم حتى رجعوا، ووضعوا السلاح، فأنزل الله هذه الآية (١).
١٧ - وفي تفسيره لقول الله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (٢).
قال مجاهد وغيره: قتل رجل من أصحاب رسول الله ﷺ رجلين من بني سليم، وبين النبي وبين قومهما موادعة، فجاء قومهما يطلبون الدية، فأتى النبي ﷺ ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة وابن عوف فدخلوا على كعب بن الأشرف، وبني النضير، يستعينهم في عقلهما- في الدّية-، فقالوا: يا أبا القاسم قد آن لنا أن تأتينا وتسألنا في حاجة.
ثم قال بعضهم: إنكم لم تجدوا محمدا أقرب منه الآن، فمن يظهر البيت، فيطرح عليه صخرة، فخرج الرسول ﷺ ونزلت هذه الآية (٣).
١٨ - وفي تفسيره لقول الله تعالى: (ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (٤).
قال مجاهد: عن ابن عباس قال: لما انصرف المشركون عن قتلى أحد، انصرف رسول الله ﷺ ، فرأى منظرا ساءه ورأى حمزة ﵁ قد شقّ بطنه واصطلم- جدع- أنفه وجدعت أذناه، فقال: «لولا أن
стр. 270
يحزن النساء أو يكون سنة بعدي، لتركته حتى يبعثه الله من بطون السّباع والطيّر، ولأقتلنّ مكانه سبعين رجلا منهم».
ثم دعا ببردة فغطى بها وجهه، فخرجت رجلاه، فجعل على رجله شيئا من الإذخر ثم قدّمه وكبّر عليه عشرا، ثم جعل يجاء بالرجل فيوضع وحمزة مكانه حتى صلّى عليه سبعين صلاة، وكان القتلى سبعين، فلما دفنوا وفرغ منهم نزلت هذه الآية إلى قوله تعالى: (لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ) فصبر ولم يمثّل بأحد (١).
١٩ - وفي تفسيره لقول الله تعالى: (فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً) (٢).
قال (مجاهد): جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني أتصدّق وأصل الرّحم ولا أصنع ذلك إلا لله ، فيذكر ذلك مني وأحمد عليه فيسرّني ذلك وأعجب به، فسكت الرسول ﷺ ولم يقل شيئا، فأنزل الله هذه الآية.
وعن (مجاهد) أيضا: قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال:
يا رسول الله! أتصدّق بالصدقة وألتمس بها ما عند الله وأحبّ أن يقال لي خيرا، فنزلت (٣).
٢٠ - وفي تفسيره لقول الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (٤).
стр. 271
قال مجاهد: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: إن امرأتي حبلى فأخبرني ماذا تلد، وبلدنا جدبة محل فأخبرني متى ينزل الغيث، وأخبرني أين أموت، فأنزل الله هذه الآية، وهنّ مفاتيح الغيب (١).
...
стр. 272
الفصل الثالث التفسير المأثور عن (الحسن البصري) رحمه الله تعالى
قدّم الباحث محمد عبد الرحيم رسالة في (تفسير الحسن البصري) نال بها شهادة الدكتوراة، تحدّث فيها عن حياته وثقافته وصفاته وشيوخه وتلامذته .. وأردف ذلك بنبذة عن عصره.
ثم تعقّب كتب الأحاديث والتفاسير، وما إلى هنالك، فجمع ما فيها من تفسيرات الحسن البصري، ووثقها، ورتبتها في تفسير متكامل، وتعميما للفائدة، ننقل بعض ما ورد في ذلك التفسير.
٢١ - في حديثه عن أسماء سورة الفاتحة قال: أنزل الله مائة وأربعة كتب، أودع علومها أربعة منها: التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، ثم أودع علوم التوراة والإنجيل والزبور والفرقان في القرآن، ثم أودع علوم القرآن المفصّل، ثم أودع المفصل فاتحة الكتاب، فمن علم تفسيرها كان كمن علم تفسير جميع الكتب المنزلة (١).
٢٢ - في تفسيره لقول الله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) (٢) قال الحسن البصري: قال رسول الله ﷺ : «ما أنعم الله على عبد نعمة يحمد الله عليها إلا كان حمدا لله أعظم منها كائنة ما كانت» (٣).
стр. 273
٢٣ - وفي تفسيره لقول الله تعالى: (اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) (١) قال الحسن البصري: هو رسول الله ﷺ وصاحباه من بعده (٢).
٢٤ - وفي تفسير قول الله تعالى: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ) (٣) قال الحسن البصري: هذا مثل المنافق، يبصر أحيانا، ويعرف أحيانا، ثم يدركه عمى القلب.
أما قوله (وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ): فذلك حين يموت المنافق فيظلم عليه عمل السوء، فلا يجد له عملا خيرا من عمل يصدق به قول: لا إله إلا الله (٤).
٢٥ - في تفسير قول الله تعالى: (وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً) (٥) سئل الحسن: المطر من السماء أم من السحاب؟
قال: من السماء.
ثم قال: ما من عام بأمطر من عام، ولكن الله يصرف حيث يشاء، وينزل مع المطر كذا وكذا من الملائكة يكتبون حيث يقع ذلك المطر ومن يرزقه، ومن يخرج منه كل قطرة (٦).
٢٦ - في تفسير قول الله تعالى: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (٧).
روي عن الحسن البصري أنه قال: كنتم ترابا قبل أن يخلقكم،
стр. 274
فهذه ميتة، ثم أحياكم فخلقكم فهذه حياة، ثم يميتكم فترجعون إلى القبور، فهذه ميتة أخرى، ثم يبعثكم يوم القيامة فهذه حياة أخرى، فهذه ميتتان وحياتان (١).
٢٧ - وفي تفسير قول الله تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) (٢).
قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: لما أخذ الله في خلق آدم، همست الملائكة فيما بينها، فقالوا: لن يخلق الله خلقا إلا كنا أعلم منه وأكرم عليه منه، فلما خلقهم أمرهم أن يسجدوا له لما قالوا، ففضله عليهم فعلموا أنهم ليسوا بخير منه، فقالوا: إن لم نكن خيرا منه فنحن أعلم منه لأنا كنا قبله (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها).
فعلم اسم كل شيء، جعل يسمي كل شيء باسمه، وعرضوا عليه أمة (ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) ففزعوا إلى التوبة فقالوا: (سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا) الآية (٣).
٢٨ - في تفسير قول الله تعالى: (وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) (٤).
قال الحسن البصري: قال موسى ﵇: يا رب! كيف يستطيع آدم أن يؤدّي شكر ما صنعت إليه؟ خلقته بيدك، ونفخت فيه من روحك وأسكنته جنتك، وأمرت الملائكة فسجدوا له؟
فقال: يا موسى! علم أن ذلك مني فحمدني عليه، فكان ذلك شكرا لما صنعت إليه (٥).
стр. 275
٢٩ - وفي تفسير قول الله تعالى: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) (١).
قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: ما أعلم بلدا يصلى فيه حيث أمر الله نبيّه ﷺ إلا بمكة، قال الله (وَاتَّخِذُوا ... ).
ويقال: يستجاب الدعاء بمكة في خمسة عشر:
عند الملتزم، وتحت الميزاب، وعند الركن اليماني، وعلى الصفا، وعلى المروة، وبين الصفا والمروة، وبين الركن والمقام، وفي جوف الكعبة، وبمنى، وبجمع، وبعرفات، وعند الجمرات الثلاث (٢).
٣٠ - وفي تفسير قوله تعالى: (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ) (٣). عن الحسن البصري قال: إذا فاتتك صلاة في جماعة فاسترجع فإنها مصيبة!! وعنه أيضا، قال: قال رسول الله ﷺ : «الصبر عند الصدمة الأولى، والعبرة لا يملكها ابن آدم صبابة المرء إلى أخيه» (٤).
٣١ - وفي قول الله تعالى: (حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى) (٥) قال الحسن البصري: عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ : «إن العبد المملوك ليحاسب بصلاته، فإذا نقص منها قيل له: لم نقصت منها؟ فيقول: يا رب، سلطت علي مليكا شغلني عن صلاتي.
فيقول: قد رأيتك تسرق من ماله لنفسك، فهلّا سرقت من عملك
стр. 276
لنفسك؟ فتجب لله عليه الحجّة (١).
٣٢ - في تفسير قول الله تعالى: (وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (٢).
قال الحسن البصري: تواطأ اثنا عشر حبرا من اليهود، فقال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمد باللسان أول النهار، واكفروا آخره، وقولوا: إنا نظرنا في كتبنا وشاورنا علماءنا، فوجدنا محمدا ليس كذلك، فيشك أصحابه في دينهم، ويقولون: هم أهل كتاب، وهم أعلم منا، فيرجعون إلى دينكم، فنزلت هذه الآية (٣).
٣٣ - في تفسير قوله الله تعالى: (وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً) (٤).
قال الحسن البصري: خرج رجل من مكة بعد ما أسلم وهو يريد النبي ﷺ وأصحابه، فأدركه الموت في الطريق فمات.
فقالوا: ما أدرك هذا من شيء، فأنزل الله هذه الآية ... (٥).
٣٤ - وفي تفسير قول الله تعالى: (قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ) (٦).
قال الحسن البصري: إن النبي ﷺ قال: «سألت ربي أربعا، فأعطيت ثلاثا ومنعت واحدة:
стр. 277
سألته ألا يسلّط على أمتي عدوّا من غيرهم يستبيح بيضتهم، ولا يسلّط عليهم جوعا، ولا يجمعهم على ضلالة، وسألته ألا يلبسهم ويذيق بعضهم بأس بعض، فمنعت ... ». (١).
٣٥ - وفي تفسير قول الله تعالى: (وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ) (٢).
قال الحسن البصري: إن بني إسرائيل سألوا موسى ﵇، فقالوا: سل لنا ربك يبيّن لنا علم رضاه عنا وعلم سخطه.
فسأله، فقال: يا موسى أنبئهم أن رضاي عنهم أن أستعمل عليهم خيارهم، وإن سخطي عليهم أن أستعمل عليهم شرارهم (٣).
٣٦ - وفي تفسير قوله تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ ... ) (٤).
قال الحسن البصري: لما بعث الله محمدا ﷺ فقال: هذا نبيي، هذا خياري، استنّوا به، خذوا في سننه وسبيله، لم تغلق دونه الأبواب، ولم تقم دونه الحجّة، ولم يغد عليه بالجفان، ولم يرجع عليه بها، وكان يجلس بالأرض، ويأكل طعامه بالأرض، ويلعق يده، ويلبس الغليظ، ويركب الحمار ويردف بعده، وكان يقول: «من رغب عن سنتي فليس مني».
وما أكثر الراغبين عن سنته ﷺ ، التاركين لها، ثم إن علوجا فسّاقا أكلة الربا والغلول قد سفههم ربي، ومقتهم، زعموا أن لا بأس عليهم
стр. 278
فيما أكلوا وشربوا وزخرفوا هذه البيوت، يتأولون هذه الآية (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ).
وإنما جعل ذلك لأولياء الشيطان، قد جعلها ملاعب لبطنه وفرجه (١).
٣٧ - وفي تفسير قوله تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (٢).
قال الحسن البصري: (٣) إن كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر جاره، وإن كان الرجل لقد فقه الفقه الكثير وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزور وما يشعرون به.
ولقد أدركنا أقواما ما كان على الأرض من عمل يقدرون على أن يعملوه في السر فيكون علانية أبدا، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما تسمع لهم صوت، إن كان إلا همسا بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله يقول: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً)، وذلك أن الله ذكره عبده صالحا فرضي فعله، فقال: (إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا) (٤).
٣٨ - وفي تفسير قوله تعالى: (وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ ... ) (٥).
قال الحسن البصري: رأى رجل في المنام أن مناديا نادى في السماء: أيها الناس! خذوا سلاح فزعكم، فعمد الناس وأخذوا السلاح حتى إن الرجل ليجيء وما معه عصا،
فنادى مناد من السماء: ليس هذا السلاح فزعكم، فقال رجل من الأرض: ما سلاح فزعنا؟
стр. 279
فقال: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر (١).
٣٩ - في تفسير قول الله تعالى: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ ... ) (٢).
قال الحسن البصري: (وَالَّذِينَ مَعَهُ): أبو بكر، (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ): عمر، (رُحَماءُ بَيْنَهُمْ): عثمان، (تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً): عليّ.
(يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً): طلحة والزبير وعبد الرحمن وسعد وسعيد وأبو عبيدة.
(سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ): أي: مواضع السجود من وجوههم، يكون أشد وجوههم بياضا يوم القيامة (٣).
٤٠ - في تفسير قول الله تعالى: (كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ) (٤).
قال الحسن البصري: أيها الناس! لو توعدكم مخلوق بموت لما استقرّ بكم القرار، فكيف بوعد ملك الملوك، والحي الذي لا يموت ... ؟! (٥).
...
стр. 280
الفصل الرابع منهج (الضّحاك) في التفسير
قدّم الباحث محمد شكري أحمد الزاويتي بحثا قيما بعنوان (تفسير الضحّاك)، وذلك لنيل شهادة الدكتوراة في التفسير.
وقد تحدّث فيه عن حياة التابعي، ثم عن تفسيره: مصادره في التفسير، ومدى اهتمامه بالقراءات، والناسخ والمنسوخ، وأسباب النزول.
وتعميما للفائدة، واستكمالا للبحث، ننقل بعض ما ورد في رسالته.
٤١ - في تفسير قوله تعالى: (رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ) (١) قال الضحّاك: كنتم ترابا قبل أن يخلقكم، فهذه ميتة، ثم أحياكم فخلقكم، فهذه حياة، ثم يميتكم فترجعون إلى القبور، فهذه ميتتان وحياتان (٢).
٤٢ - في تفسير قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) (٣).
قال الضحّاك: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) صدّقوا.
(كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ) يعني: أطعموا من حلال الرزق الذي
стр. 281
أحللناه لكم؛ فطاب لكم بتحليلي إياه لكم مما كنتم تحرمونه أنتم ولم أكن حرّمته عليكم من المطاعم والمشارب.
(وَاشْكُرُوا لِلَّهِ) يقول: وأثنوا على الله بما هو أهل له على النّعم التي رزقكم وطيّبها لكم.
(إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) يقول: إن كنتم منقادين لأمره سامعين مطيعين، فكلوا مما أباح لكم أكله وطيّبه لكم، ودعوا في تحريمه خطوات الشيطان (١).
٤٣ - وفي تفسير قوله تعالى: (فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ) (٢).
قال الضحاك (٣): إنهم فرّوا من الجهاد لما أمرهم الله به على لسان حزقيل النبي ﷺ ، فخافوا الموت بالقتل في الجهاد، فخرجوا من ديارهم فرارا من ذلك، فأماتهم الله ليعرّفهم أنه لا ينجّيهم من الموت شيء، ثم أحياهم وأمرهم بالجهاد، بقوله: (وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) (٤).
٤٤ - في تفسير قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً) (٥).
قال الضحاك: أن لا ينفق الرجل ماله خير من أن ينفقه ثم يتبعه منّا وأذى، فضرب الله مثله كمثل كافر أنفق ماله لا يؤمن بالله واليوم الآخر، فضرب الله مثلهما جميعا كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل
стр. 282
فتركه صلدا، فكذلك من أنفق ماله، ثم أتبعه منّا وأذى (١).
٤٥ - في تفسير قوله تعالى: (وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) (٢).
قال الضحاك: بعث النبي ﷺ طلائع، فغنم رسول الله ﷺ ، فقسم بين الناس ولم يقسم للطلائع شيئا.
فلما قدمت الطلائع فقالوا: قسم الفيء ولم يقسم لنا، فأنزل الله هذه الآية (٣).
٤٦ - وفي تفسير قوله تعالى: (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (٤).
قال الضحاك: لما أصيب الذين أصيبوا يوم أحد، لقوا ربهم فأكرمهم، فأصابوا الحياة والشهادة والرزق الطيّب.
قالوا: يا ليت بيننا وبين إخواننا من يبلّغهم: إنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا، فقال الله تعالى: أنا رسولكم إلى نبيّكم وإخوانكم، فأنزل الله هذه الآية (٥).
٤٧ - وفي تفسير قول الله تعالى: (إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ
стр. 283
فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (١).
قال الضحاك: كان قوم بينهم وبين النبي ﷺ ميثاق، فنقضوا العهد، وقطعوا السبيل، وأفسدوا في الأرض، فخيّر الله نبيّه ﷺ فيهم، فإن شاء قتل، وإن شاء صلب، وإن شاء قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، أو ينفوا من الأرض.
قال: هو أن يطلبوا حتى يعجزوا، فمن تاب قبل أن يقدر عليه قبل ذلك منه (٢).
٤٨ - وفي تفسير قوله تعالى: (وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً) (٣).
قال الضحاك: معناه: شياطين الإنس التي مع الإنس وشياطين الجنّ التي مع الجنّ، وليس للإنس شياطين.
وذلك أن إبليس جعل جنده فريقين، فبعث فريقا منهم إلى الإنس، وفريقا منهم إلى الجنّ، وكلا الفريقين أعداء للنبي ﷺ ولأوليائه وهم يلتقون في كل حين، فيقول شيطان الإنس لشيطان الجنّ: أضللت صاحبي بكذا فأضل صاحبك بمثله، ويقول شياطين الجن لشياطين الإنس كذلك، فذلك يوحي بعضهم إلى بعض (٤).
٤٩ - في تفسير قوله تعالى: (مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ
стр. 284
وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) (١).
قال الضحاك: إن أهل الرياء يعطون بحسناتهم في الدنيا، وذلك أنهم لا يظلمون نقيرا، يقول: من عمل صالحا التماس الدنيا صوما أو صلاة أو تهجّدا بالليل لا يعمله إلا التماس الدنيا، يقول الله تعالى:
أوفّيه الذي التمس في الدنيا من المثابة، وحبط عمله الذي كان يعمله لالتماس الدنيا، وهو في الآخرة من الخاسرين (٢).
٥٠ - وفي تفسير قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ) (٣).
قال الضحاك: كان ناس من قبائل العرب حول المدينة من القرى، كانوا يقولون: نأتي محمدا ﷺ فننظر في شأنه، فإن صادفنا خيرا ثبتنا معه، وإلا لحقنا بمنازلنا وأهلينا، وكانوا يأتونه فيقولون: نحن على دينك فإن أصابوا معيشة ونتجوا خيلهم وولدت نساؤهم الغلمان اطمأنوا، وقالوا: هذا دين صدق، وإن تأخّر عنهم الرزق وأزلقت خيولهم وولدت نساؤهم البنات، قالوا: هذا دين سوء فانقلبوا على وجوههم (٤).
٥١ - وفي تفسير قول الله تعالى: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ) (٥).
سئل الضحاك عن أرواح الشهداء، فقال: تجعل أرواحهم في
стр. 285
أجواف طير خضر تسرح في الجنة، وتأوي بالليل إلى قناديل من ذهب معلّقة بالعرش فتأوي فيها.
قيل: فأرواح الكفار؟ قال: توحّد أرواحهم فتجعل في أجواف طير سود تغدو وتروح على النار، ثم قرأ هذه الآية (١).
٥٢ - وفي تفسير قوله تعالى: (قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى) (٢).
قال الضحاك: يعني قريشا.
يقول: إنما أنا رجل منكم فأعينوني على عدوّي واحفظوا قرابتي، وإن الذي جئتكم به لا أسألكم عليه أجرا إلا المودّة في القربى، أن تودّوني لقرابتي، وتعينوني على عدوّي (٣).
٥٣ - وفي تفسير قول الله تعالى: (لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) (٤).
قال الضحاك (٥): زعموا أن الشياطين تنزلت به على محمد ﷺ ، فأخبرهم الله أنها لا تقدر على ذلك ولا تستطيعه، وما ينبغي لهم أن ينزلوا بهذا، وهو محجوب عنهم، وقرأ قول الله تعالى: (وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ) (٦).
٥٤ - وفي تفسير قوله تعالى: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ) (٧).