← История

История · id 380

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [565 - 628 هـ]

بدر الدين العيني

Полный текст (1 226 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

وتبعهما التتار إلى بلد خبوشان (١) ولحقوهما بقرية تسمى وست، فوقف لهم أزلاع شاه واصطف حذاءهم، وجد الفريقان في القتال، فانجلت الحرب عن هزيمة الكفار واتقائهم بجنة الفرار، وجد أزلاع شاه في طلبهم فلم ينج منهم إلا راكب جواد، أو مختب في واد، واغتر أزلاع شاه ومن معه بما تيسر لهم من الانتصار، وظنوا أنه لم يبق بنواحي خراسان أحد من التتار، فلم يرعهم إلا إحاطة الأطلاب بهم إحاطة الأطواق بالأعناق، واستشهد أزلاع شاه وآق شاه وجماعة ممن معهم، وعاد التتار برأسيهما وقد نصبا على الرماح يدورون بهما البلاد، وكان مع أولئك الذين قتلوا جواهر نفيسة ولم يفتش التتار أحدًا منهم، فخرج عوام تلك القرية فأخذوها وباعوها بأبخس الأثمان (٢). وأما جلال الدين فأقام بنيسابور عازمًا على الجهاد، فكاتب الأمراء وأصحاب الأطراف بسرعة الوصول واستجاشة الجمهور، وكان اختيار الدين زنكي بن محمد بن حمزة قد عاد إلى نسا فملكها، ولم يجسر أن يظهر الاستقلال خوفا من السلطان وأولاده، فلما بلغ جلال الدين كتب له [٤٢٦] توقيعا بكل ما تمكنت منه يده، فلما استقر جلال الدين بنيسابور علم به التتار فأسرعوا في طلبه، فخرج من نيسابور فيمن انضوى إليه من العساكر إلى أن وصل إلى [القلعة] (٣) القاهرة التي بناها مؤيد الملك صاحب كرمان، وهَمَّ أن يتحصن بها، فوجه إليه عين الملك خَتن مؤيد الملك يحذره ذلك، ويقول له: إن مثلك لا يحسن به أن يتحصن بقلعة، فإن حصون الملوك متون الخيول، فأمر جلال الدين بإحضار ما في الخزانة من الذهب، وفرق على أصحابه وخواصه، وانفصل عن القاهرة، وجد إلى تخوم بُسْت (٤) فأخبر أن جنكيزخان مقيم بالطالقان، فسير إلى أمين ملك صاحب هراة، وهو ابن خال السلطان جلال الدين ومعه نحو عشرة آلاف فارس، فحضر إليه واتفقا على كبس التتار المحاصرين لقلعة قُنْدهار (٥)، فنهضا إليهم فكبسوهم وقتلوهم فلم يفلت منهم إلا نفر يسير وتوجهوا مخبرين ملكهم جنكيزخان بما تم عليهم، وساق جلال الدين إلى غزنه، ودخلها منصورًا في سنة سبع عشرة وستمائة (٦).

стр. 1017

ذكر بقية الحوادث منها أن الملك المعظم وَلَّى قضاء دمشق كمال الدين المصرى (١) الذي كان وكيل بيت المال بها، وكان فاضلا بارعا، وقرأ منشوره بهاء الدين بن أبي اليسر في رجب (٢). ومنها أن الملك الكامل لما رجع إلى القاهرة بعد فراغه من أمر الفرنج ركب من قلعة الجبل، وجاء إلى منظرة الصاحب صفي الدين بن شكر التي على رأس الخليج بمصر، وذلك في شهر ذي القعدة من هذه السنة، وطلع إليه وتحدث معه بسبب الأمراء الذين كانوا مع الأمير عماد الدين بن المشطوب في نوبة الملك الفائز، وقد ذكرنا أن جماعة من الأمراء اتفقوا على أن يخلعوا الكامل من السلطنة ويولوها الملك الفائز أخاه، وكان سبب اجتماعهم هو الأمير عماد الدين بن المشطوب، فإنه كان أساس هذه الفتنة، ووافقه الأمير عز الدين الحميري، والأمير أسد الدين الهكاري، والأمير مجاهد الدين، وجماعة من الأمراء غيرهم، وآخر الأمر انتقض عليهم ما أبرموه. وجاء الملك الكامل إلى الوزير المذكور يستشيره في أمر هؤلاء المذكورين، فاتفق رأيهما على نفي هؤلاء المذكورين من البلاد، وكانوا في الجسر الذي قبالة دمياط يعمرونه، فكتب لهم بأن ينصرفوا من ذلك ويخرجوا من ديار مصر إلى الشام، فمضى جميعهم إلى الشام ولم يتعرض الكامل إلى شيء من موجودهم وأعطى أخبازهم (٣) لمماليكه (٤). وفيها ......... (٥) وفيها حج بالناس من العراق ابن أبي فراس، ومعه كتاب إلى مكة والمدينة بإعادة ولي العهد أبي نصر إلى العهد وكتب من الديوان إلى الآفاق بذلك (٦). وحج بالناس من الشام أمير يقال له شقيقات (٧).

стр. 1018

ذكر من توفي فيها من الأعيان الشيخ الصالح شهاب (١) الدين محمد بن خلف بن راجح المقدسي الحنبلي الزاهد العابد الناسك، كان يقرأ على الناس يوم الجمعة الحديث النبوي وهو جالس على أسفل منبر الخطابة بالجامع المظفري، وقد سمع الحديث الكثير، ورحل وحفظ مقامات الحريري في خمسين ليلة، وكانت له فنون كثيرة، وكان ظريفا مطبوعًا، وكانت وفاته يوم الأحد سلخ صفر، ودفن بقاسيون عند أهله. الشيخ موفق (٢) الدين أبو عبد الله عمر بن يوسف بن يحيى بن عمر بن كامل المقدسي خطيب بيت الأبار، كان شيخا صالحا، وخطب على منبر دمشق مدة غيبة جمال الدين محمد الدولعي في الرسالة العادلية إلى بلاد الشرق، [٤٢٧] مات في ليلة الجمعة الحادي والعشرين من رجب من هذه السنة. المحدث البارع تقي (٣) الدين أبو طاهر إسماعيل بن عبد الله بن عبد المحسن بن الأنماطي قرأ الحديث، ورحل وكتبه، وكان حسن الخط متقنا في علم الحديث حافظًا له، وكان الشيخ تقي الدين بن صلاح يثني عليه ويمدحه، ويتأسف لفقده على فوائد كانت تحصل من عنده. وقال أبو شامة (٤): وقرأ على الشيخ تاج الدين الكندي بدمشق تاريخ الخطيب، وطبقات ابن سعد، وشيئا كثيرا، وكان ثقة، وتوفي بدمشق، ودفن بمقابر الصوفية في طريق المنيبع، وصلي عليه الموفق الحنبلي بجامع دمشق، والفخر ابن عساكر بباب النصر، والجمال المصري قاضي القضاة عند قبره. أبو الغيث (٥) شعيب بن أبي طاهر بن كليب بن مقبل الضرير البصري، الفقيه الشافعي، أقام ببغداد إلى أن توفي بها، وكان لديه فضائل، وله وسائل، ومن شعره قوله: إذا كنتم للناس أهل سياسة … فسوسوا كرام الناس بالجود والبذل وسوسوا لئام الناس بالذل يصلحوا … عليه فإن الذل أصلح للنذل

стр. 1019

أبو العز (١) شرف بن علي بن أبي جعفر بن كامل، المقرى الضرير الفقيه الشافعي، تفقه بالنظامية، وسمع الحديث، ورواه، وأنشد عن الحسن بن عمرو الحلبي: تمثلتم لي والديار بعيدة … فخيل لي أن الفؤاد لكم مغني وناجاكم قلبي على البعد بيننا … فأوحشتم لفظا وآنستم معني أبو سليمان (٢) داود بن إبراهيم بن مندار الجبلي، أحد المعيدين بالمدرسة النظامية، ومما أنشده: أيا جامعًا أمسك عنائك مقصرا … فإن مطايا الدهر تكبو وتقصر ستقرع سنا أو تعض ندامة … يديك إذا خان الزمان وتقصر ويلقاك رشد بعد غيك واعظ … ولكنه يلقاك والأمر مدبر أبو المظفر (٣) عبد الودود بن محمود بن المبارك بن علي بن المبارك بن الحسن، الواسطى الأصل البغدادي الدار والمولد، كمال الدين، المعروف والده بالمجير (٤)، تفقه على أبيه وقرأ عليه علم الكلام، ودرس بمدرسته عند باب الأزج، ووكله الخليفة الناصر، واشتهر بالديانة والأمانة، وباشر مناصب كبارًا، وحج مرارًا عديدة، وكان متواضعًا حسن الأخلاق، وكان يقول: وما تركت ست وستون حجة … لنا حجة أن يركب اللهو مركبا جلال الدين (٥) الحسن، من أولاد الحسن بن الصباح مقدم الإسماعيلية، وكان قد أظهر في قومه شعائر الإسلام، وحفظ الحدود المحرمات، والقيام فيها بالزواجر الشرعية، مات في هذه السنة، وتولي بعده ابنه.

стр. 1020

أبو الدر (١) ياقوت بن عبد الله الموصلي الكاتب، الملقب أمين الدولة، المعروف بالملكي نسبة إلى السلطان أبي الفتح ملكشاه بن سلجوق بن محمد بن ملكشاه الأكبر، نزل الموصل وأخذ النحو عن أبي محمد سعيد بن المبارك المعروف بابن الدهان، النحوى، وقرأ عليه من تصانيقه جملة، وكان يلازمه، وقرأ عليه ديوان المتنبي والمقامات للحريري [٤٢٨] وغير ذلك، وكتب الكثير وانتشر خطه في الآفاق، وكان في نهاية الحسن، ولم يكن في آخر زمانه من يقاربه من حسن الخط، ولا يؤدي طريقة ابن البواب في النسخ مثله، مع فضل غزير ونباهة تامة، وكان مُغْرى بنقل صحاح الجوهري، فكتب منها نسخا كثيرة، كل نسخة في مجلد واحد. وقال ابن خلكان (٢): رأيت منها عدة نسخ، وكل نسخة تباع بمائة دينار، وكتب عليه خلق كثير، وانتفعوا به، وكانت له سمعة كبيرة في زمانه وقصده الناس من البلاد، مات بالموصل في هذه السنة، وقد أسن وتغير خطه من الكبر.

стр. 1021

فصل فيما وقع من الحوادث في السنة التاسعة عشر بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة الناصر لدين الله، والشرور قائمة في البلاد الخراسانية وما يتاخمها بسبب جنكيزخان، وقد ذكرنا أن جلال الدين بن السلطان علاء الدين دخل غزنة منصورا في السنة الماضية. وقال أبو الفتح المنشئ: وصل جلال الدين إلى غزنة في سنة ثماني (١) عشرة وستمائة، وتباشر الناس بوصوله، واتصل بخدمته سيف الدين بغراق الخلنجي (٢) وأعظم ملك صاحب بلخ، ومظفر ملك صاحب الأفغانية، والحسن قزلق، [كل] (٣) هؤلاء في ثلاثين ألف فارس، ومعه من عسكره وعسكر أمين الملك مثلها، ولما بلغ جنكيزخان ماحل بعسكره من النقمة بقندهار جرد إليه ابنه طولي خان في عسكر كثير، واستقبله جلال الدين بنفسه، فالتقيا، وحمل جلال الدين على قلب عسكر طولي خان، فأنزل الله نصره عليه، وكانت الكسرة على التتار قولوا مدبرين، وركب جلال الدين مع عسكره في طلبهم، وكيف لا يركب أقفيتهم وقد أفجعوه بأخوته وأبيه، وقتل طولي خان المذكور في معركة القتال، وكثر الأسر حتى كان الفراشون يحضرون أساراهم إلى بين يدي جلال الدين، فيدقون الأوتاد في آذانهم تشفيا منهم، وجلال الدين يتفرج ووجهه بالبشاشة ينبلج، وقد عذبوهم في الحياة الدنيا، ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ (٤). ولما وصل الخبر إلى جنكيزخان قام وجمع عساكره ورحل إلى ملتقى جلال الدين في ذلك الوقت، واتفق أن العسكر الخلجية (٥) قد فارقوا جلال الدين صحبة سيف الدين بغراق غضابًا، وسبب ذلك أنهم لما كسروا ابن جنكيز خان ببيروان (٦) زاحمتهم الأتراك في المكاسب، وكان الأتراك ينفرون ويأخذون المكاسب منهم، فاشمأذت لذلك نفوسهم، ونفرت قلوبهم، ووقع الخلف بينهم، وكلما اجتهد جلال

стр. 1022

الدين في إرضائهم زادت الأتراك عصبية وشرا، ثم لما بلغ جلال الدين نهوض عدو الله إليه في معظم جيوشه وقد فارقه الأمراء وقع في قلبه الخوف حيث علم أنه لا طاقة له بهم، فرأى أن يتأخر إلى حافة ماء السند، ثم يكاتب لهؤلاء المفارقين له، فإن أجابوا، يلتقى جنكيزخان [بهم مبكرًا] (١) فعاجله جنكيزخان، وكان جلال الدين قد ثاربه قولنج شديد عند خروجه من غزنة، ولم يرمع ذلك الجلوس في المحفة، وكان يركب الفرس تجلدًا على ما به من الألم إلى أن من الله عليه بالعافية [٤٢٩] وقد ورد الخبر في أثناء هذه الحالة أن مقدمة جنكيزخان قد نزلت بجردير (٢)، فركب جلال الدين وكبسهم وقتل منهم جمعا كثيرا، ولم يفلت منهم إلا القليل، ولما بلغ جنكيزخان ذلك هاله، ثم رجع جلال الدين إلى مخيمه بحافة ماء السند، وضاق الوقت عما كان يأمله في جمع المراكب، ورجوع الأمراء الذين كانوا فارقوه، ووصل مركب واحد فأمر بتعبير والدته وحرمه، فانكسر المركب، وتعذر العبور، ووصل جنكيزخان، ﴿وَإِذَا (٣) أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ (٤). ذكر المصاف بين جلال الدين وجنكيزخان على حافة ماء السند وكان مع جلال الدين مقدار ثلاثين ألف راكب، ومع جنكيزخان مقدار مائة ألف، ثم تصافوا نهار الأربعاء لثمان خلون من هذه السنة (٥). فلما تلاقي الفريقان حمل جلال الدين بنفسه على قلب عسكر جنكيزخان، وولي جنكيزخان بنفسه هزيما، وكادت الدائرة تدور على الكفار، وكان جنكيزخان قد أفرد الكمين عشرة آلاف نفس من الفرسان الأبطال، فخرجوا على ميمنة جلال الدين، فكسروها وقلبوها على القلب فتبدّد نظامه، ونزعت من الثبات أقدامه، وانجلت المعركة عن قتلى مطروحين، ورجع جنكيزخان على جلال الدين وحشرهم إلى ماء السند، وكان الرجل منهم يأتي النهر فيهوى بنفسه في تياره مع علمه بأنه غريق، وليس له إلى الخلاص طريق، وأسر ولد جلال الدين وعمره

стр. 1023

تسع سنين في الوقعة، وقتل (١) بين يدي جنكيزخان. ولما جاء جلال الدين إلى حافة ماء السند كسيرا رأى والدته وحرمه يصحن بأعلى (٢) صوتهن: بالله عليك اقتلنا، والقتل أحب إلينا من الأسر في أيدي هؤلاء الكفار. فأمر بضرب رقابهن وألقى (٣) بهن في الماء، وهذا من أعظم المصائب والبلايا، وأشد المحن والرزايا. وأما عسكر جلال الدين تشتتوا وتفرقوا، فإن عسكر جنكيزخان تتبعوهم ولقطوهم من الأودية ورؤوس (٤) الجبال وبطون الغابات، وتحصن أعظم ملك بقلعة دروذة، فحوصرت إلى أن أخذ، فضرب رقبته، ورقاب خلق كثير من الذين حصلوهم. وقال أبو الفتح المنشئ: حدثني ضياء الملك علاء الدين محمد بن مودود العارض النسوي قال: أهويت بنفسي إلى الماء ولا أعرف السباحة، فغطست وأشرفت على الهلاك، فإذا أنا بصبي ومعه زق منفوخ، فمددت يدي وهممت بتغريقه وأخذ الزق منه، فقال: إن كنت ترضى بخلاصك دون هلاكي شاركني فيه أوصلك إلى الساحل. ففعلت وسلمنا، وقد طلبته بعد ذلك أشد طلب لأجَازيه على صنيعه، فلم أجده على قلة عدد الناجين (٥). ذكر عبور جلال الدين ماء السند ولما وصل جلال الدين إلى حافة ماء السند وقد سدت دونه المهارب، وبين يديه تيار النهر الغالب رفس فرسه في الماء وهو لابس عدته، فعبر به الفرس في ذلك الماء الذي هو كالبحر العظيم وتياره أشد من الريح العقيم، فلطف الله به إلى أن أرماه إلى ذلك [٤٣٠] الجانب، وقد تخلص أيضا من عسكره أربعة آلاف رجل حفاة عراة، وفيهم ثلاثمائة (٦) فارس، ولا يدرون ما حال جلال الدين؟ هل هو تخلص أم غرق؟ وكان جلال الدين قد رماه الموج ومعه ثلاثة من مماليكه وهم: قلبرس بهادر، وقانقج، وسعد الدين على الشربدار (٧). ثم إنهم تلاقوا بعد ثلاثة أيام، وأتخذوا يوم ملاقاتهم عيدًا وظنوا

стр. 1024

أنهم أنشئوا خلقا جديدا، وليس عندهم شيء يؤكل ولا شيء يلبس، وكان في زردخانة (١) جلال الدين شخص يعرف بجمال الزّراد، وكان قد جمع شيئا كثيرا من المأكول والملبوس بعد الوقعة، ولم يظفر به أحد فحماه الله تعالى بلطفه حتى حصل مركبا وملأه من ذلك، وعبر إلى ذلك الجانب، وجلال الدين ومن معه حائرون ثائرون، وليس عندهم شيء فإذا بجمال الزراد قد جاء إليه بالمركب المشحون بالخيرات، فوقع هذا عند جلال الدين في موقع عظيم، ففي الحال ولاه الأستاذ دارية، ولقبه باختيار الدين، وكان هناك ملك اسمه شنطره (٢) سمع بخبر جلال الدين وأنه خلص من الأسر والغرق، وأنه في عدد يسير قام وجمع ألف فارس وخمسة آلاف راجل ليستأصل جلال الدين، وبلغ خبره لجلال الدين، ورأى الموت قد جاءه من كل جهة وليس معه إلا نفر يسير، وغالبتهم جرحي بلا استعداد، وتحقق أن الهنود إذا ظفروا بهم يقتلونهم بأشد قتله، واتفقوا على أن يعبروا النهر أيضا ويختفوا في بعض الآجام المختلفة، ويعيشوا بما تنال أيديهم من الغارات، فحين تآمروا على ذلك وتوجهوا صوب مقصدهم، وتأخر عنهم جلال الدين بمن معه من أصحاب الخيل على رسم اليزك (٣)، فإذا براية شنطرة تحتها عسكره، فحرض جلال الدين أصحابه، وقال: لا ينجينا إلا الثبات، والنصر من الله تعالى. فوقف إلى أن جاؤوا بقضهم وقضيضهم، فعند ذلك تقدم جلال الدين وأوتر قوسه ورمي صوب شنطره، فأصابت نشابته بإذن الله صدر شنطره، وهتكت حجاب قلبه، فخر ميتا، وانهزم عسكره، وتقوي جلال الدين ومن معه بخيلهم وسلبهم (٤). وكان هنا ملك آخر يسمى قباجه، وله نائب في بلدة، يسمى قمر الدين، ولما سمع بذلك تقرب إلى جلال الدين، وقدم له دهليزا وغيره، فوقع ذلك منه موقعا مشكورا محمودا (٥).

стр. 1025

ذكر ما كان بين جلال الدين وقباجة ولما استراح جلال الدين من ثقل هذه الوطئات بلغه أن بنت أمين الملك سلمت من الغرق، وجاءت إلى أوجا (١) وهي مدينة من مدن قباجة، فأرسل إلى قباجة يقول: إن بنت أمين الملك تنتمي (٢) إلى بقرابة فليجهزها إليه صحبة الرسول. فامتثل قباجة كلامه وأرسلها إليه، مع تقادم جليلة في جملتها فيل، فقبل ذلك جلال الدين وتأكدت المودة بينهما إلى أن قضت الأيام بالبين والفرقة لأسباب، منها: أن شمس الملك شهاب الدين كان وزير جلال الدين، أستوزره له أبوه السلطان علاء الدين، فقدر الله تعالى أن الوقعة رمته إلى قباجة، فأواه وأكرم مثواه، فأرسل جلال الدين إلى قباجة واستدعى شمس الملك، فتوهم شمس الملك أنه إنما [٤٣١] يطلبه لإيقاع أمر فيه فامتنع قباجة من إرساله. ومنها أن قزل خان (٣) بن أمين الملك كانت الوقعة أرمته إلى مدينة كلور (٤) من مدن قباجة، وكان شابا طريا حسنا جميلا، وكانت في أذنه درة ثمينة، فشرهت نفوس من أووه عندهم فقتلوه، وحملوا الدرة إلى قباجة فشكرهم على ذلك، وأقطع لقاتله ضيعة، ولما سمع جلال الدين بذلك حقد عليه، وصبر على ذلك إلى أن جاء إليه الأمراء المنفصلون من أخيه غياث الدين بيرشاه وهم: سنجق خان، وإيلجي بهلول، وأرخان سلحدار السلطان، وبكتيارق جنكشين، فقوى بهم جلال الدين وقصد مدينة كلور فحاصرها، ودام القتال عليها، وباشر الزحف بنفسه، فأصابته نشابه في يده فأصبح كالأسد، ولم يفتر عن القتال ليلا ونهارا إلى أن استولى عليها وأخذ ما فيها، ثم انتقل منها إلى قلعة برنوزج وزحف عليها وباشر القتال بنفسه، وأصابته نشابة أخرى هناك، وتأكدت الوحشة بهذه الأمور بينه وبين قباجة، ولما رأى قباجة أن بلاده تطوى شيئا فشيئا، حشد وجمع وركب في عشرة آلاف نفس من الفرسان، وأنجده شمس الدين إيلتمش (٥) ببعض عسكره وعزم على المصاف، فعاجله جلال الدين والتقى معه

стр. 1026

وكسره، وغنم ما معه من الأثقال وغيرها، ولما فرغ جلال الدين من كسر قباجة نزل على لهاوور (١)، وكأن بها ابن قباجة، وكان قد عصى على أبيه قباجة، فرأى جلال الدين أن يقره عليها على مال يحمله إليه، ثم رحل منها إلى صوب سيستان (٢)، وبها فخر الدين السلاوي واليا عليها من قبل قباجة، فتلقاه بالطاعة، وسلم مفاتيحها إليه، فجبي المال وأرضى الرجال، ثم رحل عنها صوب أَوْجَا (٣) فحاصرها أياما، وقتل من الفريقين خلق كثير، ثم صالحوه على مال، فحمل إليه، ثم رحل صوب جانسير (٤)، وكان رأيُها يعني ملكها، والرأي هو الملك بلغة الهند من أتباع أيلتمش وأنصاره، فخرج طائعا إليه وحضر إلى خدمته، ثم أتى الخبر إلى جلال الدين بأن إيلتمش قاصد له في ثلاثين ألفا من الفرسان ومائة ألف راجل وثلاث مائة فيل، فتجرد نحوه جلال الدين وقدم قدامه جهان بهلوان أزبك، وهو من حماة الأبطال برسم اليزك، فساق وخالفه يزك إيلتمش في الطريق، وتوسط أزبك عسكر شمس الدين إيلتمش، فقتل منهم جماعة وخرج آخرين، ثم ورد عقيب ذلك رسول إيلتمش في طلب الموادعة ويقول: ليس يخفى عليك ما وراك من عدو الدين، وأنت اليوم سلطان المسلمين وابن سلطانهم، ولست أستحل أن أكون عونا عليك، ولا يليق بمثلى أن يجرد السيف في وجه مثلك، وإن رأيت زَوَّجْتُك بابنتي لتستحكم الثقة وتزول الوحشة. فمال جلال الدين إلى ما قال، وأصحب رسوله باثنين من أصحابه، وهما: برذنك بهلوان وسنقرجق طايسي، فمضيا إليه واختاراه عليه، ثم ترادفت الأخبار بأن إيلتمش وقباجة وسائر ملوك الهند وعامة أمرائها وكبرائها قد اتفقوا على قلع جلال الدين من إقليمهم، واستشار جلال نصحاءه (٥) في تدبير هذا الأمر، واتفقت آراؤهم على الخروج [٤٣٢] إلى العراق وأشار عليه جهان بهلوان أزبك بلزوم بلاد

стр. 1027

الهند خوفا من جنكيزخان، واستهوانا بمن في الهند من الملوك، فحمله شغفه وحبه بتملك الممالك الموروثة والحكم فيها، فخف للنهوض إليها، واستناب جهان بهلوان أزبك على ما كان ملكه من بلاد الهند الحسن قزلق، ولقبه بوفا ملك، واستمر وفا ملك بها وبالغور وغزنة إلى آخر أيامه، فوصل إلى العراق، وسيأتي ماجرى له وعليه مفصلا إن شاء الله تعالى (١). ذكر ما جريات ملوك الشرق والشام منها أن بدر الدين لؤلؤ تملك الموصل في هذه السنة، واستقل بملكها وسمى نفسه الملك الرحيم، وذلك بعد وفاة الطفل الذي كان نصبه في المملكة وهو ناصر الدين محمود بن الملك القاهر مسعود بن نور الدين أرسلان شاه بن مسعود بن مودود بن زنكي ابن أقسنقر، وكان لؤلؤ قد اعتضد بالملك الأشرف بن العادل فدافع عنه ونصره، وخلع لؤلؤ البيت الأتابكي بالكلية واستمر مالكا للموصل نيفا وأربعين سنة، سوي ما تقدم له من الاستيلاء والتحكم في أيام أستاذه نور الدين أرسلان شاه وابنه الملك القاهر مسعود (٢). ومنها أن الملك المعظم قصد حماة لأن الملك الناصر صاحب حماة كان قد التزم له بما يحمله إليه في كل سنة إذا ملك حماة، فلم يف له فقصد المعظم حماة، وجرى بينهم قتال قليل، ثم ارتحل الملك المعظم إلى سلمية (٣) واستولى على حواصلها وولي عليها، ثم توجه إلى معرة النعمان (٤) فاستولى عليها وقرر أمورها، وأقام فيها واليا من جهته، ثم عاد إلى سلمية وأقام بها حتى خرجت السنة على قصد منازلة حماة (٥).

стр. 1028

ومنها أن الأتابكي طغريل الخادم مدبر مملكة حلب فوض إلى الملك الصالح أحمد ابن الظاهر أمر الشغر ويكاس (١)، فسار الملك الصالح من حلب واستولى عليهما وأضاف إليه معرة مِصْرين (٢) وغيرها (٣). ذكر بقية الحوادث منها أنه نقل تابوت الملك العادل من القلعة إلى تربية بالمدرسة (٤) العادلية الكبيرة، وصلى عليه أولا تحت النسر بالجامع الأموي، ثم جاؤوا به إلى التربة المذكورة فدفن فيها، ولم تكن المدرسة كملت بعد، وقد تكامل بناؤها في هذه السنة أيضا، وقد درس بها القاضي جمال الدين المصري، وحضر عنده السلطان الملك المعظم، فجلس في الصدر وعن شماله القاضي وعن يمينه صدر الدين الحُصيري شيخ الحنفية، وكان في المجلس الشيخ تقي الدين بن الصلاح إمام السلطان، والشيخ سيف الدين الآمدي (٥) إلى جانب المدرس، وإلى جانبه شمس الدين بن سنى الدولة، ويليه النجم خليل قاضي العسكر وتحت الحُصَيِري شمس الدين بن الشيرازي، وتحته محيي الدين بن الزكي، وحضر فيه خلق من الأعيان والأكابر، وفيهم فخر الدين (٦) بن عساكر ﵏ (٧).

стр. 1029

ومنها أن الملك المعظم أرسل الصدر البكري (١) محتسب دمشق إلى جلال الدين ابن خوارزم شاه يستعينه على أخويه الكامل والأشرف اللذين قد تمالآ عليه، فأجابه إلى ذلك بالسمع والطاعة، ولما عاد البكري أضاف إليه مشيخة (٢) الشيوخ مضافا إلى الحسبة (٣). ومنها أنه وقعت حروب كثيرة بين القفجاق والكرج، وقتال كثير بسبب ضيق بلاد القفجاق عليهم (٤). ومنها أن الملك الأشرف سار إلى خدمة أخيه الملك الكامل وأقام عنده بمصر متنزها [٤٣٣] إلى أن خرجت هذه السنة (٥). ومنها أنه ولي قضاء القضاة ببغداد أبو عبد الملك محمد بن فضلان (٦). ومنها أن الكرج خرجوا ونهبوا بيلقان (٧) في هذه السنة، وذلك أن التتار لما أخربوها وساروا عنها، وتراجع من سلم من أهلها وعمروها ما أمنكهم، فبينما هم كذلك إذ هجم عليهم الكرج ووضعوا السيف في أهلها، وجرى هذا جميعه وصاحب بلاد أذربيجان أزبك بن البهلوان بتبريز لا يتحرك له همة، بل قد قنعت همته بالأكل والشرب والفساد (٨). ومنها أن بدر الدين لؤلؤ مَلَكَ قلعة شوش من أعمال الحميدية؛ وسبب ذلك أن صاحبها زنكي ابن أرسلان سار إلى أذربيجان ليخدم عند صاحبها أزبك، وأقطعه إقطاعا عنده فبقى هناك، فسير بدر الدين عسكرا إليها فحاصرها وأخذها من نوابه (٩). ومنها أن الملك المسعود يوسف الملقب بأُطْسِزْ والعامة يسمونه أَقْسِسْ، وهو ابن الملك الكامل بن الملك العادل، حج بالناس من اليمن، وكان قد استولى على اليمن

стр. 1030

من سنة اثنتي عشرة وستمائة، وقبض علي سليمان شاه بن شاهنشاه بن عمر بن شاهنشاه بن أيوب كما ذكرنا، فلما وقف بعرفة وتقدمت أعلام الخليفة الإمام الناصر الدين الله لترفع على الجبل، تقدم الملك المسعود بعساكره ومنع من ذلك، وأمر بتقديم أعلام أبيه السلطان الملك الكامل على أعلام الخليفة، فلم يقدر أصحاب الخليفة على منعه من ذلك، ثم عاد الملك المسعود إلى اليمن، وبلغ ذلك الخليفة فغضب وعظم عليه، وأرسل إلى الملك الكامل يشكو، فاعتذر الكامل عن ذلك، فقبل عذره، وأقام الملك المسعود في اليمن مدة يسيرة، ثم عاد إلى مكة ليستولى عليها، فقاتله حسن بن قتادة، فانتصر الملك المسعود وانهزم حسن بن قتادة، واستقرت مكة في ملك الملك المسعود وولي عليها نائبا، وذلك في ربيع الأول من سنة عشرين ثم عاد إلى اليمن (١). وقال ابن كثير (٢): ولما حج الملك المسعود المذكور في هذه السنة بدت منه أفعال ناقصة بالحرم الشريف من سكر، ورشق حمام المسجد بالبندق من أعلى قبة زمزم، وكان إذا نام في دار الإمارة يضرب الطائفون بالمسعى بأطراف السيوف لئلا يشوشوا عليه وهو في نوم سكره، قبحه الله، ولكنه كان مع هذا كله مهيبا محترما، والبلاد آمنة مطمئنة. وقال أبو شامة (٣): استولى أقسس على مكة وأعمالها، وأذل المفسدين فيها وشتت شملهم، وهو الذي بني القبة على مقام إبراهيم ﵇، وكثر الجلب إلى مكة من مصر واليمن في أيامه، فرخصت الأسعار، ولعظم هيبته قلت الأشرار وأمنت الطرق والديار. ومنها أنه كان بالشام جراد كثير أكل الزرع والثمار والأشجار، ولم يعهد مثله في الشام، فأظهر المعظم أن ببلاد العجم طيرًا يقال له السمرمر يأكل الجراد، فأرسل الصدر البكري محتسب دمشق، ورتب معه صوفية، وقال: تمضي إلى بلاد العجم فهناك عين يجتمع فيها السمرمر، فتأخذ من مائها في قوارير وتعلقها على رؤوس الرماح، فكلما رآه

стр. 1031

السمرمر تبعك، وما كان مقصوده إلا أن يبعث البكرى إلى جلال الدين بن السلطان علاء الدين ليتفق معه لما بلغه اتفاق أخويه الكامل والأشرف عليه، فاجتمع البكري بجلال الدين كما ذكرنا، وكان الجراد قد قل فلما عاد البكري كثر الجراد (١). ومنها ...... (٢) ومنها حج بالناس من العراق ابن أبي فراس، ومن الشام كريم الدين الأخلاطي ومعه الركن الفلكي وخلق كثير، وكانت وقفة الجمعة، وازدحم الناس في المسعى فمات جماعة (٣). ذكر من توفي فيها من الأعيان عبد (٤) القادر بن داود أبو محمد الواسطي، الشافعي، الملقب بالمحب، اشتغل بالنظامية، وكان فاضلا دينا صالحا. ومما أنشده من الشعر: الفرقدان (٥) كلاهما شهدا له … والبدرُ ليلةَ تَمِّه بسها دِه دَنِفٌ (٦) إذا أعشى (٧) الظلام تضرمت … نارُ الجوي في صدره وفؤاده فجرَتْ مدامع جفنه في خده … مثل المياه (٨) تسيل من أطواده (٩) شوقا إلى مُضْنِيه لم أَرَ هكذا … مشتاق مضنى جسمه ببعاده ليت الذي أضناهُ سحرَجفونِه … قبل المماتِ يكونُ من عوادهِ (١٠)

стр. 1032

أبو طالب (١) يحيى بن على الباعقوبي، الفقيه الشافعي، أحد المعدلين ببغداد، كان شيخا مليح الشيبة، جميل الوجه، كان يلي بعض الأوقاف، ومما أنشده لبعض الفضلاء: لحملُ تهامة وجبال أحْد … وماء البحر ينقل بالزبيلِ ونقل الصخر فوق الظهر يوما … لأهون من مجالسة الثقيل اتفق أنه طولب بشيء من المال فلم يقدر عليه، فاستعمل شيئا من الأفيون المصرى، فمات من يومه، ودفن بالوردية (٢). إمام الحنابلة بمكة الشيخ نصر (٣) بن أبي الفرج المعروف بابن الحصري، جاور بمكة مدة، ثم ساقته المنية إلى اليمن، فمات بها في هذه السنة، وقد سمع الحديث من جماعة من المشايخ. وقال السبط (٤): سمعت منه الحديث بمكة في سنة أربع وستمائة، وكان متعبدا، لا يفتر من الطواف، صالحا ثقة. الشهاب عبد (٥) الكريم بن نجم الحنبلي، أخو البهاء، والناصح، كان فقيها مناظرا، بصيرا بالمحاكمات، وهو الذي أخرج مسجد الوزير من يد الشيخ علم الدين السخاوي، توفي في ربيع الأول منها في دمشق. قطب الدين (٦) بن العادل، توفي في هذه السنة بالفيوم، ونقل إلى القاهرة.

стр. 1033

الملك ناصر (١) الدين محمود بن الملك القاهر مسعود صاحب الموصل، مات في هذه السنة، وكان ظالما (٢)، وقد ذكرناه عن قريب. الشيخ يونس (٣) بن يوسف بن مساعد (٤)، شيخ الفقراء المعروفين باليونسية، كان رجلا صالحا وله كرامات مشهورة، وكانت وفاته في هذه السنة بقرية القنية (٥) من أعمال دارا، وقد ناهز تسعين سنة، وقبره مشهور هناك.

стр. 1034

فصل فيما وقع من الحوادث في السنة العشرين بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله، وصاحب مصر السلطان الملك الكامل بن الملك العادل، وصاحب دمشق الملك المعظم بن العادل، وصاحب حلب الملك العزيز بن الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين يوسف بن أيوب، وصاحب الروم الملك علاء الدين كيقباذ (١)، وصاحب البلاد الشرقية الملك الأشرف بن العادل، وصاحب الموصل وغيرها الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ، وصاحب أذربيجان وغيرها أزبك ابن البهلوان (٢)، وصاحب سمرقند وخوارزم وما وراء النهر كلها جنكيزخان، وعساكره تعبث في البلاد الإسلامية، وصاحب [٤٣٥] عراق العجم غياث الدين تترشاه بن السلطان خوارزم شاه، وصاحب مكة واليمن الملك المسعود بن الملك الكامل، وصاحب الغرب الملك المستنصر، ولكنه مات في هذه السنة على ما نذكره إن شاء الله تعالى. ذكر ماجريات ملوك بني أيوب استهلت هذه السنة والملك الأشرف بديار مصر عند أخيه الملك الكامل، وأخوهما المعظم بسلمية مستول عليها وعلى المعرة، عازم علي حصار حماة، وبلغ الأشرف ما فعله المعظم بصاحب حماة، فعظم عليه واتفق مع أخيه الكامل على الإنكار على المعظم، فأرسل إليه الكامل ناصح الدين الفارسي، فوصل إلى المعظم وهو بسلمية، وقال له: السلطان يأمرك بالرحيل. فقال: السمع والطاعة. وكانت أطماعه قد قويت على الاستيلاء على حماة، فرحل مغضبا على أخويه الكامل والأشرف، ورجعت المعرة وسلمية للناصر صاحب حماة (٣). وكان الملك المظفر محمود بن الملك المنصور محمد بن تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب أخو الملك الناصر مقيما عند الكامل

стр. 1035

بديار مصر كما ذكرناه، وكان الكامل يؤثره بِمُلك حماة، لكن الأشرف غير مجيب إلى ذلك؛ لانتماء الملك الناصر صاحب حماة إليه، وجرى بين الأشرف والكامل في ذلك مراجعات كثيرة آخرها أنهما اتفقا على نزع سلمية من يد الناصر وتسليمها إلى الملك المظفر، فتسلمها المظفر، وأرسل إليها وهو بمصر نائبا من جهته حسام الدين أبا علي بن محمد بن على الهذياني، واستقر بيد الناصر حماة والمعرة وبعرين (١) ثم سار الأشرف من مصر واستصحب معه خلعة وسناجن سلطانية (٢) من أخيه الكامل للملك العزيز صاحب حلب (٣)، وعمره يومئذ عشر سنين، ووصل الأشرف بذلك إلى حلب، وأركب العزيز في دست السلطنة (٤). ثم اتفق مع الأشرف كبراء الدولة الحلبية على تخريب قلعة اللاذقية (٥) فأرسلوا عسكرا وهدموها إلى الأرض (٦). وقال ابن كثير (٧): وكان الملك الأشرف لما عاد من عند أخيه الكامل صاحب مصر إلى الشام تلقاه أخوه المعظم، وقد فهم أنهما تماليا عليه، فبات بدمشق ليلة، وسار من آخر الليل ولم يشعر أخوه بذلك، ثم إن الأشرف لما سار إلى بلاده وجد أخاه الشهاب غازي الذي استنابه على خلاط (٨) وميافارقين (٩) قد قوي رأسه، وكاتبه المعظم صاحب

стр. 1036

إربل (١)، وحسنوا له مخالفة أخيه الأشرف، فكتب إليه الأشرف بنهاه عن ذلك فلم يقبل، فجمع له العساكر ليقاتله. وفي تاريخ بيبرس: لما قدم الأشرف إلى حلب من الديار المصرية ومعه الخلع السلطانية والتقليد بالسلطنة لغياث الدين محمد بن الظاهر، التقاه محمد المذكور ودخل هو والعساكر الحلبية الخيمة في خدمة الأشرف، ومد السماط (٢)، ولما رفع أفيضت الخلع الكاملية على العزيز محمد، ووقف الملك الأشرف (٣) قائما في خدمته، ثم أحضر له الركوب فركبه، وحمل الملك الأشرف الغاشية (٤) بين يديه حتى خرج من الخيمة وركب إلى القلعة، وأقام الأشرف بحلب عشرة أيام، ثم توجه إلى حران، وبلغه أن المظفر شهاب الدين غازي بن العادل عصى عليه بخلاط، وذلك أنه كان قد أنعم بها عليه، وهي مملكة عظيمة جدا وسمي إقليمها بأرْمينية، وأضاف إليه ميافارقين وحاني (٥) وجبل جور (٦) ولم يقنع بذلك حتى جعله ولي عهده في جميع بلاده، وحلف له العساكر وجميع النواب [٤٣٦] بالبلاد إذ لم يكن للأشرف ولد ذكرٌ، وكان قد وقعت الوحشة بين المعظم وأخويه الكامل والأشرف كما ذكرنا بسبب ترحيلهما إياه عن حماة، وتوهم منهما أنهما يقصدان أخذ بلاده منه، فأرسل إلى مظفر الدين كوكبوري بن زين الدين على كوجك

стр. 1037

صاحب إربل يدعوه إلى الإتفاق معه، ويأمره أن يقصد مملكته بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، ويحضره، وكان بدر الدين لؤلؤ منتميا إلى الأشرف، وكان مظفر الدين كوكبوري يعاديه ويكرهه لقلعة البيت الأتابكي، واستيلائه على ولدى القاهر، وهما ابنا ابنته، وأخذه من زوج ابنته الأخرى عماد الدين زنكي بن نور الدين أرسلان شاه بلاده، فأجاب مظفر الدين الملك المعظم إلى ذلك، وتجهز لقصد الموصل (١) وحصارها وكاتب أخاء المظفر غازي بحسن له الخروج عن أخيه الأشرف، ويأمره أن يعصى بخلاط وينزع يده من الطاعة، ووعدهما من نفسه أنه يخرج من دمشق في عساكره ويقصد البلاد الشرقية وينزعها من يد الأشرف، فأجابه المظفر إلى ذلك وعصى بخلاط على أخيه الأشرف، وأظهر مغاضبته والتجني عليه، فراسله الأشرف وأستماله وعاتبه على مافعل، فلم يَرْعو إلى ذلك وأصر على خلافه، واتفق المعظم والمظفر صاحب إربل على مخالفة الأشرف ومحاربته، ورحل المعظم عن دمشق في عساكره، ونزل بمكان يسمى القطنة (٢) في البرية على نية قصد الأشرف أخيه، ثم إن الأشرف انتصر على أخيه المظفر في السنة الآتية وأخذ خلاط منه ثم عفى عنه وأقره علي ميافارقين، وكان الأشرف أرسل إلى أخيه الكامل وعرفه بصورة الحال، فأرسل الكامل إلى أخيه المعظم يقول له: إن تحركت من بلدك سرت إليه وأخذته منك. فخافه المعظم، وعاد إلى دمشق. وبقية الكلام يأتي في السنة الآتية إن شاء الله تعالى (٣).

стр. 1038

ذكر ماجريات بني خوارزم شاه وفي هذه السنة خرج على غياث تترشاه بن السلطان خوارزم شاه صاحب بلاد الجبال خاله يغان طايسي، وكان من أكبر أمرائه وأقربهم إليه، فاقتتل مع غياث الدين، فانهزم يغان طايسي (١) ومن معه، وأقام غياث الدين في بلاده، وكان غياث الدين قد ملك كرمان (٢) "ولما توجه (٣) جلال الدين منكبرتي إلى الهند" في سنة سبع عشرة وستمائة كما ذكرنا تغلب غياث الدين على الرى وأصفهان وهمذان وغيرها من عراق العجم، وهي البلاد المعروفة ببلاد الجبل، فخرج على غياث الدين خاله يغان طايسي كما ذكرنا (٤). وقال أبو الفتح المنشئ: وكان السلطان خوارزم شاه قد نصّ على ولده غياث الدين تترشاه يملك كرمان، ولم يتفق مسيره إليها حتى جرى بقزوين من الكبسة [ما سبق شرحه] (٥)، وقصد قلعة قارون، وخدمة الأمير تاج الدين صاحبها إلى أن عاد ركن الدين غورشاه من كرمان إلى أصفهان، فبعث إليه يحرضه على المسير إلى كرمان، يُعْلمه بأنها خالية عمن يمانع، صافية عمن يحامي، فسار إلى أصفهان وبها ركن الدين، فأكرمه أتم الإكرام، فنهض إلى كرمان بعد ثلاثة أيام فملكها، وزاد أمره بهاء ونورًا، وأَمْر ركن الدين وهنًا وفتورا إلى أن تم عليه من القتلة بقلعة (٦) [٤٣٧] آوند، وعاد إلى العراق، وخرج الأتابك يغان طايسي عن الحبس بقلعة (٧) سرجهان، وكان سبب حبسه بها أن

стр. 1039

السلطان خوارزم شاه كان قد رتبه في خدمة ولده ركن الدين غورشاه حين ملكهـ العراق ليكون أتابكا لديه وردءا بين يديه، فشكى ركن الدين إلى أبيه منه، فأذن له في القبض عليه فقبضه، وحبسه بقلعة سرجهان إلى أن خلت العراق من الفتن، ثم أخرجه والي القلعة أسد الدين الجويني، فاجتمعت عليه طوائف من العراقية والخوارزمية واشتد بهم أمره. فمن جملة من انضوى إليه بهاء الدين شكر مقطع ساوة (١)، وجمال الدين عمر بن يزدار، والأمير كيخسرو، ونور الدين جبريل مقطع قاشان (٢)، وابن نور الدين قيران خوان، وأيدمر الشامي، وكتك مقطع سمنان (٣) وأيدغدي كله (٤)، وطغربل الأعسر، وسيف الدين كيتارق مقطع كرخ (٥) وكان أدك خان قد استولى على أصفهان في هذه الفترة، وأراد غياث الدين استمالة قلبه، وأن يجعله من حزبه، فزوّجة بأخته أيسي خاتون، تثبيتًا له على الطاعة، ودافعه في زفافها إليه إلى أن يبدو له ما ينكشف عنه الوحشة القائمة بين المذكور والأتابك يغان طايسي، إذ كانا (٦) قد استوليا على طرف العراق، واستحوذ عليهما الشيطان، فصمد الأتابك نحوه وهو بأصفهان في سبعة آلاف فارس من نخب الأتراك العراقية والخوازرمية، وحين أحسّ أنك خان برحيله صوبه، راسل غياث الدين مستنجدًا، فأنجده بدولة ملك في ألف فارس، وعجله الأتابك عن وصول المدد، فالتقيا بظاهر أصفهان، وأُدَك خان في خفّ من العدد، وانجلت المعركة عن أَسْر أُدَك خان، فكف الأتابك عن قتله لقرابته من السلطان، غير أنه أجلسه دون بعض العراقية، فغاظه ذلك وحمله الإدلال بقربه من السلطان على أن سافهه بأغلظ الكلام، فأمر بخنقه، ثم ندم الأتابك على ما فعل، فلما بلغ ذلك دولة ملك، وكان قد جرد من كرمان نجدة لأدك

стр. 1040

خان على الأتابك، رجع وكاتب غياث الدين يخبره بذلك، فلحقه غياث الدين طالبًا للثأر، وقصد أصفهان ويغان طايسي بها، وصبّحه بظاهرها، فلم يريغان طايسي بدًا عن الخدمة ولا خروجا عن الطاعة، فقبل الأرض حين رآه، وعفّر وجهه في التراب، فزال ما في قلب غياث الدين من الوحشة بمواطأته على قتل أُدك خان، وزوّجه بأخته أيسي خاتون، وزفت إليه، واستوحش لذلك رفقاؤه من الأمراء، ففارقوا مخيمه، وأقاموا مجفلين إلى أن ترددت الرسل من غياث الدين إليهم في الإصلاح، فزال عنهم ماتوهموا، وعادوا إلى الخدمة، ماخلا أيدمر الشامي، فإنه توجه إلى الأتابك أزيك صاحب أذربيجان فقتل هناك، وتمكن غياث الدين من العراق ونفذت أوامره في مازندران وخراسان، فأقطع دولة ملك مازندران بأسرها فقوى على أمرها، ويغان طايسي همذان بأعمالها ونواحيها. ولما رجع دولة ملك إلى الخدمة قويت شوكة غياث الدين، فقصد أذربيجان وبها الأتابك أزبك، وشن الغارة على بلد مراغة وما يلي العراق من سائر أعماله، وأقام بأوجان (١)، وترددت رسل أزبك إليه، وزوّجه (٢) [٤٣٨] بأخته الملكة الجلالية صاحبة نخجوان (٣)، وعاد غياث الدين إلى العراق بعد تأكد أسباب الاتفاق (٤). كان غياث الدين بالعراق بداري جيرانه من الملوك إلى أن قويت شوكته، وانضم إليه أُناس من العسكر السلطانية، واتفق إفلات أينانج إليه من حرب جرت بينه وبين التتار بظاهر جرجان (٥)، فأحسن إليه غاية الإحسان، وبالغ في إكرامه حتى نافسه في ذلك خالاء دولة ملك، وبلتي (٦) ملك، [وجنبه الأتابك] (٧) يغان طايسي، وهَمُّوا بقتله بغيًا وحسدًا على منزلته، وحين علم غياث الدين بما أضمروا له من الشر والغدر،

стр. 1041

حذَّرهم من ذلك، فتسحب كل واحد منهم إلى جهة، فاتفق حينئذ عود التتار ثالثا، وكان عودهم في هذه السنة إلى العراق وقد وجدوا شملهم مبدّد النظام، فوقعوا بدولة ملك بحدود زنجان (١)، فقتله شخص يسمي قذاق، ثم وقع التتار بيغان طايسي [عند] (٢) منصرفهم من زنجان، فنهبوا وقتلوا. ونجى بنفسه إلى حدود طارم (٣) وعاد التتار فعبروا جيحون منتصرين، وعاد من نجا منهم إلى غياث الدين فقوى بهم، ثم سار إلى أصطخر (٤) فملكها عنوة وأخربها، ثم ارتحل عنها إلى شيراز فدخلها عنوة، ثم صالح أهلها على مال وآمتهم، ومات أينانج خان هناك فدفن بشعب سلمان (٥). ثم سار غياث الدين إلى حدود رامه (٦) من بلاد بغداد فأخلاها علم الدين قيصر نائب الديوان العزيز (٧). وفي تاريخ بيبرس: وفي هذه السنة عاد التتار ثالثة إلى العراق فوجدوا الأمراء العراقية على غير اتفاق، فوقعوا بدولة ملك بحدود زنجان فقتلوه، وحاق به شر غدره بابن أخته غياث الدين، وتسحب ولده بركة خان وكان طفلًا على جادة أذربيجان إلى أن وصل إلى تبريز، فأقام عند الأتابك أزبك، فعطف به وأحسن إليه، وأقام عنده إلى أن عاد السلطان جلال الدين خوارزم شاه من الهند، وملك تبريز، فلحق بركة خان بن دولة ملك بخدمته. وأما أيغان طايسي فإن التتار وقعوا به عند منصرفه من زنجان، فنهبوا جلة سواده، ونجا بنفسه وعرسه إلى حدود طارم، وعاد التتار فعبروا جيحون، وعاد من نجا من الأمراء إلى غياث الدين بوجوه سوّدها العصيان (٨).

стр. 1042

ذكر ما اتفق في الكرج وفي هذه السنة مات ملك الكرج ولم يبق أحد من بيت المُلك غير امرأة فملّكوها، وطلبوا رجلًا يتزوّجها ويقوم بالمُلك ويكون من بيت أهل المملكة، فلم يجدوا من يصلح لذلك، وكان صاحب أرزن الروم مغيث الدين طغريل شاه بن قليج أرسلان السلجوقي من بيت كبير مشهور، فأرسل يخطب الملكة [لولده] (١) ليتزوجها، فامتنعوا من إجابته إلا أن يتنصّر، فأمر ولده فتنصّر، وسار إلى الكرج وتزوج الملكة، وكانت هذه الملكة تهوي مملوكًا لها، وكان ابن طغريل شاه يعلم بذلك ويكاسر، فدخل يومًا إلى البيت فوجد المملوك نائمًا معها في الفراش، فلم يصبر على ذلك، فأنكر عليها، فأخذته زوجته واعتقلته في بعض القلاع، ثم أحضرت رجلين كان قد وُصِفا لها بحسن الصورة، فتزوجت أحدهما ثم فارقته، وأحضرت إنسانًا من كَنْجَة (٢) مسلما وهوته وسألته أن يتنصر، فلم يجب إلى ذلك، فترددت الرسل بينهما في ذلك مدة، فلم يجبها إلى التنصر (٣). وفيها ...... (٤) [٤٣٩] وفيها حج بالناس من العراق ابن أبي فراس، ومن الشام الشرف (٥) يعقوب بن محمد صاحب جركس (٦).

стр. 1043

ذكر من توفي فيها من الأعيان الشيخ أبو (١) الحسن الروزبهاري، مات في هذه السنة، ودفن في المكان المنسوب إليه بين السورين عند باب الفراديس. الشيخ عبد (٢) الرحمن اليمني، كان مقيما بالمنارة الشرقية، وكان شيخًا صالحًا زاهدًا ورعًا، مات في هذه السنة، ودفن في مقابر الصوفية. الرئيس عز الدين (٣) مظفر بن الأسعد بن حمزة التميمى القلانسي، أحد رؤساء دمشق وكبرائها، وجده أبو يعلى حمزة، له تاريخ ذيل به على تاريخ ابن عساكر، وقد سمع عز الدين هذا الحديث من الحافظ أبي القاسم بن عساكر وغيره، ولزم مجالسة الكندي وانتفع به، مات في شهر رمضان منها، ودفن بجبل قاسيون. أبو علي (٤) الحسن بن أبي المحاسن زهرة بن على بن زهرة العلوي الحسيني الحلبي، نقيب الأشراف بها، كان لديه فضل وعلم بالأدب وأخبار الناس والتواريخ والحديث والسير، حافظ للقرآن المجيد، وله شعر جيد. فمنه قوله: قد رأيت المعشوق وهو من الـ … الهجر بحال ينبو النواظر عنه أثَّر الدهر فيه آثار سوء … وأدالت يدُ الحوادث منه عاد مستبد ومستبدلًا عزًّا … بذلٍ كأنه لم يُصبه (٥) أبو علي (٦) يحيى بن المبارك بن الجلاجلي، من أبناء التجار، سمع الحديث، وكان جميل الهيئة، سكن بدار الخلافة، وكان عنده فضل وأدب، وله شعر حسن، منه

стр. 1044

قوله: خير إخوانك المشارك في المرِّ … وأين الشريكُ في المرِّ أينا الذي إن شهدت سرّك في القو … م وإن غبت كان أُذنًا وعينا مثل سر العقبان إن مسّهُ النارُ … جَلاهُ الجلاءَ فازداد زَينا وأخو السوءِ إن يغبْ عنك يشـ … نئْك (١) وإن يحتضرْ يكن ذاك شينا (٢) ابن قدامه (٣) الشيخ موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي، إمام عالم بارع. لم يكن في عصره بل ولا قبل دهره بمدة أفقه منه، ولد بجماعيل (٤) في شعبان سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، وقدم مع أهله إلى دمشق في سنة إحدى وخمسين، وقرأ القرآن، وسمع الحديث الكثير، ورحل مرتين إلى العراق، إحداهما في سنة إحدى وستين مع ابن عمته (٥) الحافظ عبد الغني، والأخرى سنة سبع وستين، وحج في سنة ثلاث وسبعين، وتفقه ببغداد على مذهب الإمام أحمد ﵁، وبرع وأفتي وناظر وتبحر في فنون كثيرة، مع زهد وعبادة وورع، وتواضع، وحسن أخلاق، وجود وحياء، وحسن سمت ونور وبهاء، وكثرة تلاوة وصلاة وصيام وقيام، وطريقة حسنة واتباع للسلف الصالح، وكانت له أحوال ومكاشفات. وقد قال الشافعي ﵁: إن لم يكن العلماء العالمون أولياء الله فلا أعلم لله وليًا. وله مصنفات عديدة مشهورة منها: المغني في شرح [مختصرة] (٦) الخرقي، عشر مجلدات، والشافي في مجلدين، والمقنع [في الفروع] (٧) والروضة في أصول الفقه، وغير ذلك. وقال أبو شامة (٨): كان إمامًا من أئمة المسلمين، وعلم من أعلام الدين في العلم والعمل، صنف كتبًا كثيرة

стр. 1045

حِسانًا في الفقه وغيره، ولكن كلامه فيما يتعلق بالعقائد في مسائل الصفات والكلام على الطريقة المشهورة عن أهل مذهبه، فسبحان من لم يوضح له الأمر، له فيها على جلالته في العلم ومعرفته [٤٤٠] بمعاني الأخبار والآثار، سمعت عليه مسند الإمام الشافعي، وفاتني منه نحو ورقتين عند باب استقبال القبلة بسماعه من أبي زرعة، وسمعت عليه كتاب النصيحة لابن شاهين وغير ذلك، ومولده في شعبان سنة إحدى وأربعين وخمسمائة بأرض نابلس. وقال السبط (١): كان يحضر مجالسي دائما في جامع دمشق وقاسيون. وقال أبو شامة (٢): كان الموفق بعد موت أخيه أبي عمر هو الذي يَؤُم الجامع المظفري، ويخطب يوم الجمعة إذا حضر، فإن لم يحضر فابنه عبد الله بن أبي عمر هو الخطيب والإمام، وكانت وفاته يوم السبت يوم عيد الفطر، أول شوال، ودفن من الغد بجبل قاسيون خلف الجامع المظفري في مقبرتهم المشهورة، وكانت له جنازة عظيمة. وقال السبط (٣): وأنشدني لنفسه: أَبعْدَ بياضِ الشعر أعمرُ سكنًا … سوى القبر إني [إن] (٤) فعلتُ لأحمقُ يخبّرني شيبي بأنّي ميتٌ. … وشيكًا فينعاني إلىّ فيصدقُ يخرق عمرى كلّ يوم وليلةٍ … فهل مستطيعٌ رقع ما يتخرقُ كأني بجسمي فوق نعشي ممددًا … فمن ساكتٍ أو معولٍ يتحرق إذا سئلوا عنى أجابوا وأعوْلوا … وأدمعهم تنهلُّ هذا الموفقُ وغيبت في صدع من الأرض ضيقٍ … وأودعتُ لحدًا فوقهُ الصخر مطبقُ ويحثو على التِّرب أوثقْ صاحبٍ … ويسلمنى للقبر من هو مشفقٌ فياربُّ كنْ لي مؤنسًا يوم وحشتي … فإني بما أنزلته لمصدِّقُ وما ضرَّني أني إلى الله صائرُ … ومن هو من أهلي (٥) أبرُّ وأرفقة (٦)

стр. 1046

وكان له أولاد: أبو الفضل محمد، وأبو العز يحيى، وأبو المجد عيسى، ماتوا كلهم في حياته. وقال ابن كثير (١): وكان له أولاد ذكور وإناث ماتوا في حياته، ولم يعقب منهم سوي ابنين، ثم ماتا وانقطع نسله. ابن عساكر (٢)، الشيخ فخر الدين عبد الرحمن بن الحسن بن هبة الله بن عساكر، أبو منصور الدمشقي، شيخ الشافعية بها، وليس في أجداده من اسمه عساكر، وإنما هي تسمية اشتهرت في بيتهم، ولعله من قبل أمهات بعضهم، وهذا البيت بيت جليل كبير من الدمشقيين، كثير الفضلاء والحفاظ والأمناء، جمع هذا البيت رئاسة الدين والدنيا، وأجلّهم في زماننا دينًا وعلمًا، هذا الفخر ابن عساكر، وفي القرن الذي قبله عمّاه صائن الدين هبة الله، والحافظ أبو القاسم [ثم] (٣) ابن عمه الحافظ أبو محمد بن أبي القاسم وابنه العماد بن القاسم، وأخو الفخر تاج الأمناء أحمد، وزين الأمناء الحسن، واشتغل الشيخ فخر الدين من صغره بالعلم، فاشتغل بالفقه على شيخة قطب الدين مسعود النيسابوري حتى برع في ذلك، وانفرد بعلم الفتوى، كانت الفتاوي ترسل إليه من الأقطار. وقال السبط (٤): ولد فخر الدين في سنة خمس وخمسمائة، وكان زاهدًا عابدًا ورعًا، منقطعًا إلى العلم والعبادة، شيخًا حسن الأخلاق قليل الرغبة في الدنيا، وكانت وفاته يوم الأحد (٥) عاشر رجب، ودفن على الشرف القبلي عند مقابر الصوفية، وكانت له جنازة عظيمة، وقبره ظاهر يُزار، وصلى عليه الملك العزيز بن العادل. وقال ابن كثير (٦): اشتغل بالعلم الشريف على شيخه قطب الدين مسعود النيسابوري، وتزوج بابنته، ودرس مكانه بالجاروخية (٧)، وبها كان يسكن في إحدى القاعتين اللتين أنشأهما، وبها توفي

стр. 1047

غربي الإيوان، ثم ولى تدريس الصلاحية (١) الناصرية بالقدس الشريف، ثم ولاه الملك العادل [٤٤١] تدريس التقوية (٢)، وكان عنده أعيان فضلاء، ثم تفرغ فلزم المجاورة بالجامع في البيت الصغير إلى جانب محراب الصحابة، يخلو فيه للعبادة والمطالعة والفتاوي، ﵀. الأمير الكبير أحد حجاب الخليفة محمد (٣) بن سليمان بن قتلمش بن تركانشاه أبو منصور السمرقندي، وكان من أولاد الأمراء، وولي حاجب الحجاب بالديوان العزيز الخليفتي، وكان يكتب جيدًا جدًا، وله معرفة حسنة كثيرة منها: الأدب، والعلوم الرياضية، وعَمَّر دهرًا، وله شعر حسن، ولما توفي في هذه السنة صلى عليه بالنظامية، ودفن بالشونيزية، ورآه بعضهم في المنام، فقال: ما فعل بك ربك؟ فقال: تجافيت (٤) اللقاءَ لسوءِ فعلي … وخوفًا في المعادِ من الندامة فلما أن قدمتُ على إلهي … وحاقق في الحساب على قلامهُ (٥) وكان العدلُ أن أصلى جحيما … تعطّف بالمكارم والكرامة وناداني لسانَ العفو منه … ألا يا عبدُ يهنيك السلامة (٦) السلطان الملك (٧) المستنصر، ملك المغرب، يوسف بن السلطان الناصر محمد بن السلطان المنصور يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن، وقد تولى في سنة عشر وستمائة،

стр. 1048

وكان منهمكًا في اللذات، فدخل الوهن على الدولة بسبب ذلك، ولم يخلف يوسف المذكور ولدًا، فاجتمع كبراء الدولة وأقاموا عم أبيه، وهو عبد الواحد بن يوسف بن عبد المؤمن ولقبوه المستضئ، وكان عبد الواحد المذكور قد صار فقيرا بمراكش وقاسي شدائد الدهر، فلما تولى اشتغل باللذات والنعيم في المآكل والملابس من غير أن يشرب خمرًا، ثم خلع عبد الواحد المذكور بعد تسعة أشهر من ولايته وقُتل، وملك بعده ابن أخيه عبد الله، ويلقب بالعادل، وهو عبد الله بن يعقوب المنصور بن يوسف بن عبد المؤمن. نُجز تحرير هذا الجزء صبيحة يوم الأحد الثامن والعشرين من شهر الله المحرم اثنين وثلاثين وثمانمائة في المنزل، بحذاء المدرسة البدرية (١) بالقرب من الجامع الأزهر على يد جَامِعَةُ ومؤلفه فقير رحمة ربه، الغني، أبو محمد محمود بن أحمد العيني، عامله ربه ووالديه بلطفه الجلى والخفى. ويتلوه الجزء الذي أوله. فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الحادية والعشرين بعد الستمائة. الحمد لله جميع الجزء المبارك بخط المصنف المرحوم المذكور، ﵀ وترحم عليه وأموات المسلمين، كتبه الفقير طوغان شيخ المحمدي الأشرفي ناظر الحرم الشريف، كان الله له في الدنيا والآخرة بمحمد وآله. ٨٦١ هـ

стр. 1049

"بسم الله الرحمن الرحيم" فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الحادية والعشرين بعد الستمائة [٢] استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله، وأصحاب جنكيزخان دائرون في البلاد بالفساد بين العباد، ووصلت سرية منهم إلى الرى، وكانت قد عمرت قليلا فقتلوا أهلها أيضا، وكانوا قد وردوا إليها قبل هذه المرة مرتين، ثم لما فرغوا منه ساروا إلى ساوة (١) ثم إلى قم (٢) وقاشان (٣)، ولم يكونا طرقا (٤) إلا هذه المرة، ففعلوا بهما مثلما تقدم من القتل والسبي، ثم ساروا إلى همذان فقتلوا أيضا وسبوا، ثم ساروا خلف الخوارزمية إلى أذربيجان فكسروهم وقتلوا منهم خلقا كثيرا، فهزموهم إلى تبريز فلحقوهم، وكتبوا إلى أزبك بن البهلوان صاحب تبريز: إن كنت مصالحا لنا فابعث إلينا بالخوارزمية وإلا فأنت مثلهم، فقتل منهم خلقا كثيرا وأرسل برؤوسهم إليهم مع تحف وهدايا كثيرة، هذا كله والسرية ثلاثة آلاف، والخوارزمية وأصحاب ابن البهلوان أضعاف أضعافهم، ولكن الله ألقى عليهم الخذلان والفشل، فإنا لله وإنا إليه راجعون (٥). ذكر ماجريات بني خوارزم شاه قال ابن كثير (٦): وفي هذه السنة استولى غياث الدين تترشاه أخو جلال الدين بن خوازرم شاه محمد بن تكش على غالب مملكة فارس، وكان صاحب الفارس يقال له: الأتابك سعد بن دكلا، وأقام غياث الدين بشيراز وهي كرسي مملكة فارس ولم يبق مع الأتابك سعد من فارس غير الحصون المنيعة، ثم اصطلح غياث الدين مع أتابك سعد على أن يكون لسعد بعض بلاد فارس ولغياث الدين الباقي (٧).

стр. 1050

وفي تاريخ بيبرس: وفي هذه السنة وصل جلال الدين خوارزم شاه إلى كرمان بعد مكابدة العناء والشدائد هو وأصحابه، وقطع المفاوز المهلكة المعطشة، وكان بكرمان براق الحاجب ينوب عن أخيه غياث الدين تترشاه، ويراق هذا كان حاجب الكور [٣] خان (١) ملك الخطائية، وورد رسولًا على السلطان منذ المكاشفة التي كانت بينهما، فمنعه أن يعود إلى مراسلته رغبة فيه، فبقي محصورًا، بخوارزم إلى أن أورث الله السلطان أرضهم وبلادهم وأمصارهم، فأحضره ورتبه في جملة حجابه وآواه وأكرمه وأفاض عليه فضله وكرمه، وظن أن فيه وفاء وإذا به بخلافه، فلما دخل جلال الدين كرمان وجده في ظاهر الأمر وفيًا وفي باطن الأمر بضد ذلك، فشاور أصحابه فيه فأشاروا بالقبض عليه واستصفاء مملكة كرمان منه، والاستظهار بها على سائر الممالك، ولم يوافقه على هذا الرأى شرف الملك المعروف بخواجاجهان (٢) وقال: هذا أول من بذل الطاعة من ولاة البلاد وزعماء الأطراف، وليس كل أحد يتحقق غدره ومكيدته. فرحل جلال الدين صوب شيراز، وورد عليه الأتابك علاء الدولة صاحب يَزْد (٣) مطيعا، وأحضر من الخدم والتقادم ما عزت به منزلته، فلقبه آتاخان وكتب له توقيعا بتقرير بلاده، وكان الأتابك سعد صاحب فارس قد استوحش من غياث الدين تترشاه، فرغب جلال الدين في إصلاحه لنفسه، وسير إليه الوزير شرف الملك خاطبا، فأسرع إلى الإجابة ورجع منشرحا، فاستظهر جلال الدين به ورحل من شيراز إلى أصفهان، فخرج إليه القاضي ركن الدين مسعود بن صاعد فرحا به مسرورا بمقدمه، وقدموا إليه كثيرا من العدد الحربية والملابيس، ولما سمع به غياث الدين أنه قد توسط البلاد وملك كثيرا ركب إليه في جمع من خاصته من بقايا العساكر السلطانية زهاء ثلاثين ألف فارس لطرده عمارامه، فحزن جلال الدين لما سمع بقربه وأيس مما طمحت إليه نفسه، وسير إلى

стр. 1051

غياث الدين أدك أمير آخور (١) وكان من دهاة خواصه. يقول: إن الذي قاسيته بعد السلطان (٢) من الشدائد الفادحة لو عرضت على الجبال لأشفقن منها أن يحملنها واستثقلتها فأبين أن يحملنها (٣)، "وحين ضاقت على الأرض بما رحبت (٤) " قصدتك لأستريح عندك أياما، فما رأيت عندك للضيف إلا ظبي السيف، فرجعت بظمائي، وسير إليه سلب [٤] طولي خان بن جنكيزخان وفرسه وسيفه، فلما سمع غياث الدين بالرسالة انصرف منعطفا وتفرقت عساكره، وكان جلال الدين سير صحبة رسوله عدة خواتيم، وأمر بإيصالها إلى جماعة من الأمراء السلطانية يمنيهم الإحسان ويستميلهم عن أخيه، فمنهم من أخذ الخاتم وسكت، وأجاب إلى الانقطاع إليه والتقاعد عن نصرة غياث الدين، ومنهم من أخذه وحمله إلى غياث الدين، فعند ذلك أمر غياث الدين بالقبض على الرسول المذكور، وبادر إلى خدمة جلال الدين أبو بكر ملك، وهو من بني أخواله والمحثين على قتاله، وذكر له أن القلوب مشتاقة إلى لقائه، فركب جلال الدين في ثلاثة آلاف ضعاف إلا أنهم رجال قد أحكمتهم التجارب، ولم يزالوا حتى أحاطوا بغياث الدين، فعوجل عن التدبير، وفوجئ عن النفير، فركب فرس النوبة إلى قلعة سلوفان، ودخل جلال الدين خيمته وبها بكلواي والدة غياث الدين، فاستوفي لها في الإكرام أدب الخدمة، وأنكر انزعاج غياث الدين وأخلائه مكانه، قال: إنه لم يبق لي من ولد أبي سواه وأنه عندي بمنزلة العين للناظر. فأرسلت والدة غياث الدين إليه من سكن روعه، فعاد إلى الخدمة وترك منزلة السلطان، وجاءت الخانات والأكفان في رقابهم يعفرون وجوههم في التراب ويقفون بين يديه استغفارة، وهو يسمعهم من العفو والكلام اللين

стр. 1052

ما شرح صدورهم، ولم يمض أدني مدة حتى حضر بابه من كان بخراسان والعراق وما زندران من المتغلبين هيبة وإجلالا مثل نواب القلاع والجند من غير استدعاء، فمنهم من حسنت في أيام الفترة سيرته، ومنهم من ساءت في الخدمة طريقته، فأذيق وبال طغيانه، وبقوا يمنون على غياث الدين بالخطبة المجردة، وتفرقت الوزراء والعمال في الأطراف بالتواقيع السلطانية، ثم أعلم أن الخطبة أقيمت لغياث الدين بخراسان والعراق ومازندران، لما كان جلال الدين بالهند وانضوى إليه تقرير من عسكر أبيه (١). وكان [٥] كل واحد من نوابه متغلبا على مكانه لا يحمل أتاوه ولا يظهر بالقول طاعة، فاستولى تاج الدين قُمِرَ على نيسابور وما حولها من أعمالها على شعث حالها، وتغلب إلجي بهلوان علي شيراز وبيهق (٢) واستولي شخص من الاسفهسلارية (٣) وقد يلقب بنظام الدين على أسفرايين (٤)، وبندوار (٥) وما يليهما وآخر، وكان اسفهسلار أيام السلطان الكبير يعرف بشمس الدين عمر على قلعة صلول، واستولى تاج الدين عمر بن مسعود وكان من التركمان على أبيْورْد (٦) وخَرَقَان (٧) إلى ما يلي مرو، وبالجملة فإن كل من كان في جهة من هذه الجهات بخراسان والعراق ومازندران استولى عليها، وقعد بها، هذا وغياث الدين منعكف على لذاته، منهمك في أهويته وشهواته، لايشهد مقاما محمودا، ولا يشهر حسامة مغمورًا، فتجرد إليه من التتار أثناء ذلك عشرة آلاف فارس فلم يثبت لهم، وحين سمع بهم تسحب إلى الجبال، فقتلوا وسبوا وأحرقوا وأخربوا، ولما رأى الأتراك وهنه في

стр. 1053

السياسة أظهروا الفساد وخربوا البلاد، وأفسدوا ما أبقته الأتراك من بلاد العراق، فكانوا يأتون الضيعة فيمكثون حولها حتى تصبح، فيخرج (١) الرعاء بمواشيهم، فيسوقونها إلى المدينة والرعاة تستغيث فلا تغاث، وكان ذلك كله بحكم انقطاع مواد الأموال عن خزانته، فاضطر إلى إسكات الأتراك، فكان إذا ألح أحدهم في الطلب يرضيه بزيادة في لقبه، فإن كان أميرًا لقبه ملكًا، وإن كان ملكا لقبه خانًا، وتحكمت والدته فيما كان تحت يد ابنه، وتلقبت بخواندجهان (٢)، وكان الناس في ضنك عظيم بولاية غياث الدين، فلما طلع السلطان جلال الدين من بلاد الهند صلح مُفسدُ الزمان وانزجر أولو العدوان (٣). ولما تمكن من أخيه وصار معه كأحد أمرائه، يتصرف على حكم آرائه، سار نحو خوزستان وأقام بها مشتيا، وسير من هناك ضياء الملك علاء الدين محمد بن مودود رسولا إلى الديوان العزيز، وكانت رسالته تتضمن تعنتا وتعتبا، [٦] وكان من قبل جردجهان بهلوان إلجي برسم اليزك (٤)، فصادم المذكور عسكرا من عساكر الديوان وعربًا من خفاجة، فأوقع بهم وخرق الهيبة، فعادوا إلى بغداد على وجه غير مرضٍ (٥)، وأحضرت منهم طائفة إلى السلطان فأطلقهم، ووصل ضياء الملك بعد الحادثة إلى بغداد، وطالت مدة المقام إلى أن ملك السلطان مراغة (٦)، فأذن لضياء الملك في العود، ثم سار السلطان إلى دقوقا (٧)، فلما أشرف عليها خرج أهلها إليه وشكوا من الإغارة التي اتفقت على بلاد الديوان، فغاظة ذلك فأمر بالزحف عليها، فطلعوا ووضعوا السيف في أهلها، ثم سار نحو أذربيجان، فلما قاربها ساق إليها ودخلها وأقام بها أياما، ووجه من هناك القاضي مجير الدين عمر بن سعد الخوارزمي رسولا إلى ملك الروم وملوك الشام ومصر بكتب تتضمن تملكه بلاد أذربيجان، ثم رحل من مراغة نحو عوجان (٨)، والناس يمتارون من تبريز وبها

стр. 1054

بنت طغرل (١) بن أرسلان زوجة الأتابك، ثم سار السلطان فنزل عليها فملكها، فسألته بنت السلطان طغرل أن يصونها ويعطيها مدينة خوى (٢) فأمر لها بها، ونزل السلطان بدار السلطنة وتولي الرئيس نظام الملك رياستها (٣). ذكر ماجريات بني أيوب قد ذكرنا في السنة الماضية عصيان الملك المظفر (٤) على أخيه الملك الأشرف (٥) بأخلاط، وفي هذه السنة انتصر الأشرف عليه، وذلك أنه لما أتي إلى أخلاط وحصرها وكان أهلها يحبونه لعدله وحسن سيرته، وسوء سيرة أخيه المظفر شهاب الدين، فلما نازلها سلمها أهلها إليه يوم الاثنين ثاني عشر جمادى الأخرى منها، وامتنع المظفر في القلعة، فلما جن الليل نزل إلى أخيه الأشرف معتذرا إليه، فقبله وصفح عن ذنبه ولم يعاقبه على ما ارتكب من عصيانه، وأبقى عليه ميافارقين، وعاد الأشرف وشتى بسنجار، وهذه من مكارم البيت العادلي ومحاسن اتفاقه (٦). وفي هذه السنة سير الملك المعظم (٧) [٧] ولده الناصر (٨) داود إلى إربل، ليكون عند عمته (٩) زوجة مظفر الدين كوكبوري بن زين الدين، وقصد بذلك توفيق الحال بينه وبين

стр. 1055

مظفر الدين، وذلك بعد اتفاقهما على المعاضدة والتظاهر والتوازر، وأن يكونا يدا واحدة (١). وفي تاريخ ابن كثير (٢): وفي هذه السنة أرسل المعظم ولده الناصر إلى صاحب إربل (٣) تقوية على مخالفة الملك الأشرف، وأرسل صوفيا من الشُّمَيْسَاطِيَّة يقال له: الملق إلى جلال الدين بن خوارزم شاه - وكان قد أخذ أذربيجان في هذه السنة وقوى جأشه - يتفق معه على أخيه الأشرف فوعده جلال الدين النصر والرفادة. وفي المرآة (٤): وفي هذه السنة ظهر جلال الدين في أذربيجان واستولى عليها، فبعث المعظم إليه رجلا صوفيا في رسالة، واتفق المعظم وابن زين الدين صاحب إربل مع جلال الدين على الأشرف، وبعث المعظم ولده الناصر داود إلى ابن زين الدين رهينة وعبر الفرات عند الحديثة (٥)، ومضى إلى إربل، واستولى بدر الدين لؤلؤ على الموصل، وأظهر أن محمود ابن القاهر مات، وكان قد أمر بخنقه على ما سبق. وفي هذه السنة قدم الملك المسعود (٦) أقسس صاحب اليمن على أبيه السلطان الملك الكامل بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب بالديار المصرية، ومعه شيء كثير من الهدايا والتحف، من ذلك: مائتا خادم وثلاثة أفيلة هائلة، وأحمال عود، وند، ومسك، وعنبر، وخرج أبوه الكامل لتلقيه، ومن نية الأقسيس أن ينزع الشام من يد عمه الملك المعظم (٧). وقال أبو شامة (٨): وكان أحد الأفيلة كبيرا وعليه محفة بدرابزين، يصعد فيها عشرة أنفس فياله، راكب على رقبته، وبيده كلاب حديد يضربه به كيفما أراد، وخرج
следующие страницы →