← История

История · id 380

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [565 - 628 هـ]

بدر الدين العيني

Полный текст (1 226 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

غياث الدين أدك أمير آخور (١) وكان من دهاة خواصه. يقول: إن الذي قاسيته بعد السلطان (٢) من الشدائد الفادحة لو عرضت على الجبال لأشفقن منها أن يحملنها واستثقلتها فأبين أن يحملنها (٣)، "وحين ضاقت على الأرض بما رحبت (٤) " قصدتك لأستريح عندك أياما، فما رأيت عندك للضيف إلا ظبي السيف، فرجعت بظمائي، وسير إليه سلب [٤] طولي خان بن جنكيزخان وفرسه وسيفه، فلما سمع غياث الدين بالرسالة انصرف منعطفا وتفرقت عساكره، وكان جلال الدين سير صحبة رسوله عدة خواتيم، وأمر بإيصالها إلى جماعة من الأمراء السلطانية يمنيهم الإحسان ويستميلهم عن أخيه، فمنهم من أخذ الخاتم وسكت، وأجاب إلى الانقطاع إليه والتقاعد عن نصرة غياث الدين، ومنهم من أخذه وحمله إلى غياث الدين، فعند ذلك أمر غياث الدين بالقبض على الرسول المذكور، وبادر إلى خدمة جلال الدين أبو بكر ملك، وهو من بني أخواله والمحثين على قتاله، وذكر له أن القلوب مشتاقة إلى لقائه، فركب جلال الدين في ثلاثة آلاف ضعاف إلا أنهم رجال قد أحكمتهم التجارب، ولم يزالوا حتى أحاطوا بغياث الدين، فعوجل عن التدبير، وفوجئ عن النفير، فركب فرس النوبة إلى قلعة سلوفان، ودخل جلال الدين خيمته وبها بكلواي والدة غياث الدين، فاستوفي لها في الإكرام أدب الخدمة، وأنكر انزعاج غياث الدين وأخلائه مكانه، قال: إنه لم يبق لي من ولد أبي سواه وأنه عندي بمنزلة العين للناظر. فأرسلت والدة غياث الدين إليه من سكن روعه، فعاد إلى الخدمة وترك منزلة السلطان، وجاءت الخانات والأكفان في رقابهم يعفرون وجوههم في التراب ويقفون بين يديه استغفارة، وهو يسمعهم من العفو والكلام اللين

стр. 1052

ما شرح صدورهم، ولم يمض أدني مدة حتى حضر بابه من كان بخراسان والعراق وما زندران من المتغلبين هيبة وإجلالا مثل نواب القلاع والجند من غير استدعاء، فمنهم من حسنت في أيام الفترة سيرته، ومنهم من ساءت في الخدمة طريقته، فأذيق وبال طغيانه، وبقوا يمنون على غياث الدين بالخطبة المجردة، وتفرقت الوزراء والعمال في الأطراف بالتواقيع السلطانية، ثم أعلم أن الخطبة أقيمت لغياث الدين بخراسان والعراق ومازندران، لما كان جلال الدين بالهند وانضوى إليه تقرير من عسكر أبيه (١). وكان [٥] كل واحد من نوابه متغلبا على مكانه لا يحمل أتاوه ولا يظهر بالقول طاعة، فاستولى تاج الدين قُمِرَ على نيسابور وما حولها من أعمالها على شعث حالها، وتغلب إلجي بهلوان علي شيراز وبيهق (٢) واستولي شخص من الاسفهسلارية (٣) وقد يلقب بنظام الدين على أسفرايين (٤)، وبندوار (٥) وما يليهما وآخر، وكان اسفهسلار أيام السلطان الكبير يعرف بشمس الدين عمر على قلعة صلول، واستولى تاج الدين عمر بن مسعود وكان من التركمان على أبيْورْد (٦) وخَرَقَان (٧) إلى ما يلي مرو، وبالجملة فإن كل من كان في جهة من هذه الجهات بخراسان والعراق ومازندران استولى عليها، وقعد بها، هذا وغياث الدين منعكف على لذاته، منهمك في أهويته وشهواته، لايشهد مقاما محمودا، ولا يشهر حسامة مغمورًا، فتجرد إليه من التتار أثناء ذلك عشرة آلاف فارس فلم يثبت لهم، وحين سمع بهم تسحب إلى الجبال، فقتلوا وسبوا وأحرقوا وأخربوا، ولما رأى الأتراك وهنه في

стр. 1053

السياسة أظهروا الفساد وخربوا البلاد، وأفسدوا ما أبقته الأتراك من بلاد العراق، فكانوا يأتون الضيعة فيمكثون حولها حتى تصبح، فيخرج (١) الرعاء بمواشيهم، فيسوقونها إلى المدينة والرعاة تستغيث فلا تغاث، وكان ذلك كله بحكم انقطاع مواد الأموال عن خزانته، فاضطر إلى إسكات الأتراك، فكان إذا ألح أحدهم في الطلب يرضيه بزيادة في لقبه، فإن كان أميرًا لقبه ملكًا، وإن كان ملكا لقبه خانًا، وتحكمت والدته فيما كان تحت يد ابنه، وتلقبت بخواندجهان (٢)، وكان الناس في ضنك عظيم بولاية غياث الدين، فلما طلع السلطان جلال الدين من بلاد الهند صلح مُفسدُ الزمان وانزجر أولو العدوان (٣). ولما تمكن من أخيه وصار معه كأحد أمرائه، يتصرف على حكم آرائه، سار نحو خوزستان وأقام بها مشتيا، وسير من هناك ضياء الملك علاء الدين محمد بن مودود رسولا إلى الديوان العزيز، وكانت رسالته تتضمن تعنتا وتعتبا، [٦] وكان من قبل جردجهان بهلوان إلجي برسم اليزك (٤)، فصادم المذكور عسكرا من عساكر الديوان وعربًا من خفاجة، فأوقع بهم وخرق الهيبة، فعادوا إلى بغداد على وجه غير مرضٍ (٥)، وأحضرت منهم طائفة إلى السلطان فأطلقهم، ووصل ضياء الملك بعد الحادثة إلى بغداد، وطالت مدة المقام إلى أن ملك السلطان مراغة (٦)، فأذن لضياء الملك في العود، ثم سار السلطان إلى دقوقا (٧)، فلما أشرف عليها خرج أهلها إليه وشكوا من الإغارة التي اتفقت على بلاد الديوان، فغاظة ذلك فأمر بالزحف عليها، فطلعوا ووضعوا السيف في أهلها، ثم سار نحو أذربيجان، فلما قاربها ساق إليها ودخلها وأقام بها أياما، ووجه من هناك القاضي مجير الدين عمر بن سعد الخوارزمي رسولا إلى ملك الروم وملوك الشام ومصر بكتب تتضمن تملكه بلاد أذربيجان، ثم رحل من مراغة نحو عوجان (٨)، والناس يمتارون من تبريز وبها

стр. 1054

بنت طغرل (١) بن أرسلان زوجة الأتابك، ثم سار السلطان فنزل عليها فملكها، فسألته بنت السلطان طغرل أن يصونها ويعطيها مدينة خوى (٢) فأمر لها بها، ونزل السلطان بدار السلطنة وتولي الرئيس نظام الملك رياستها (٣). ذكر ماجريات بني أيوب قد ذكرنا في السنة الماضية عصيان الملك المظفر (٤) على أخيه الملك الأشرف (٥) بأخلاط، وفي هذه السنة انتصر الأشرف عليه، وذلك أنه لما أتي إلى أخلاط وحصرها وكان أهلها يحبونه لعدله وحسن سيرته، وسوء سيرة أخيه المظفر شهاب الدين، فلما نازلها سلمها أهلها إليه يوم الاثنين ثاني عشر جمادى الأخرى منها، وامتنع المظفر في القلعة، فلما جن الليل نزل إلى أخيه الأشرف معتذرا إليه، فقبله وصفح عن ذنبه ولم يعاقبه على ما ارتكب من عصيانه، وأبقى عليه ميافارقين، وعاد الأشرف وشتى بسنجار، وهذه من مكارم البيت العادلي ومحاسن اتفاقه (٦). وفي هذه السنة سير الملك المعظم (٧) [٧] ولده الناصر (٨) داود إلى إربل، ليكون عند عمته (٩) زوجة مظفر الدين كوكبوري بن زين الدين، وقصد بذلك توفيق الحال بينه وبين

стр. 1055

مظفر الدين، وذلك بعد اتفاقهما على المعاضدة والتظاهر والتوازر، وأن يكونا يدا واحدة (١). وفي تاريخ ابن كثير (٢): وفي هذه السنة أرسل المعظم ولده الناصر إلى صاحب إربل (٣) تقوية على مخالفة الملك الأشرف، وأرسل صوفيا من الشُّمَيْسَاطِيَّة يقال له: الملق إلى جلال الدين بن خوارزم شاه - وكان قد أخذ أذربيجان في هذه السنة وقوى جأشه - يتفق معه على أخيه الأشرف فوعده جلال الدين النصر والرفادة. وفي المرآة (٤): وفي هذه السنة ظهر جلال الدين في أذربيجان واستولى عليها، فبعث المعظم إليه رجلا صوفيا في رسالة، واتفق المعظم وابن زين الدين صاحب إربل مع جلال الدين على الأشرف، وبعث المعظم ولده الناصر داود إلى ابن زين الدين رهينة وعبر الفرات عند الحديثة (٥)، ومضى إلى إربل، واستولى بدر الدين لؤلؤ على الموصل، وأظهر أن محمود ابن القاهر مات، وكان قد أمر بخنقه على ما سبق. وفي هذه السنة قدم الملك المسعود (٦) أقسس صاحب اليمن على أبيه السلطان الملك الكامل بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب بالديار المصرية، ومعه شيء كثير من الهدايا والتحف، من ذلك: مائتا خادم وثلاثة أفيلة هائلة، وأحمال عود، وند، ومسك، وعنبر، وخرج أبوه الكامل لتلقيه، ومن نية الأقسيس أن ينزع الشام من يد عمه الملك المعظم (٧). وقال أبو شامة (٨): وكان أحد الأفيلة كبيرا وعليه محفة بدرابزين، يصعد فيها عشرة أنفس فياله، راكب على رقبته، وبيده كلاب حديد يضربه به كيفما أراد، وخرج

стр. 1056

الملك الكامل للقاء ولده، فلما قربت الفيلة من الكامل أمرها سُوَّاسُها فوضعت رؤُسُها على الأرض بين يدي الكامل خدمه له. ذكر بقية الحوادث منها أنه كمل عمارة دار الحديث (١)، التي بناها الملك الكامل بين القصرين، وولي مشيختها الحافظ (٢) أبي الخطاب بن دحية الكلبي، وكان مكثرا كثير الفنون، وعنده فوائد وغرائب وعجائب (٣). ومنها أن ببغداد [٨] قرية يقال لها بعقوبا، فيها نخل كثير، وليها ناظر متشيع، وكان بها رجل من أهلهاله نخل، فصادره الناظر وأخذ منه ألفي نخلة، فجعل يسب الناظر ويدعو عليه، وبلغ الناظر فأحضره وأمر بضربه، فقال له: بالله عليك أنصفني. فقال: قل. قال: أنتم تسبون أبا بكر ﵁ وتقولون أخذ فدك من فاطمة ﵍، وإنما في فدك نخيلات يسيرة تأخذ أنت مني ألفي نخلة، وأسكت. فضحك الناظر ورد إليه نخله (٤). ومنها أن الملك الكامل قد أرضي بني شيبة سدنة الكعبة بمال أطلقه لهم، عوضا عما كانوا يأخذونه "بإغلاق (٥) الباب وفتحه لمن أرادوا"، وكان الناس ينالون من ذلك شدة، ويزدحمون عند فتح الباب، ويتسلق بعضهم على رقاب بعض، فينكسر بعض ويشرخ بعض، فأزال ذلك عن الناس في هذه السنة وما بعدها مدة بقائه في المملكة (٦).

стр. 1057

وفيها حج بالناس من بغداد ابن أبي فراس، ومن الشام شجاع الدين علي بن السلار، وكان أبو شامة حج في هذه السنة مع والده، وذكر أنه اجتمع بمكة بالشيخ المقرئ عثمان بن أحمد الإربلي الحنبلي، وأنه أنشده بالمسجد الحرام: أيا نائما في ظلام الدجى تيقظ … فصيح الدجا قد أضاء أتاك المشيب ولوعاته … وولي شبابك ثم انقضى فلو كنتَ تذكر ما قد جنيت … لضاق عليك اتساع الفضا قال: ونظمت في طريقي تلك السنة قصيدة ميمية، ذكرت فيها المنازل من دمشق إلى عرفات، ووصفت فيها ما أمكن من أماكن الزيارات. أولها: مازلت أشتاق حج البيت والحرم … وأن أزور رسول الله ذا الكرم وهي طويلة. قال: أقول فيها تعبيرا عن فتح باب الكعبة للحجيج مطلقا: وأسرعوا نحو ذاك البيت حاسرة … رؤوسهم بين مطواف ومستلم والباب قد أطلقوه للحجيج فلم … يروا به مانعا طول مقسامهم (١) ذكر من توفي فيها من الأعيان أحمد (٢) بن محمد بن على القادسي: الضرير الحنبلي والد صاحب الذيل على تاريخ ابن الجوزي، وكان القادسي هذا يلازم حضور مجلس ابن الجوزي ويزهزه لما سمعه من الغرائب. ويقول: والله [٩] إن ذا مليح. فاستقرض منه ابن الجوزي مرة عشرة دنانير فلم يعطه، وصار يحضر ولا يتكلم. فقال الشيخ ابن الجوزي مرة: هذا القادسي لا يقرضنا شيئًا، ولا يقول: والله إن هذا لمليح. توفي في هذه السنة. أبو الكرم (٣) المظفر بن المبارك بن أحمد بن محمد البغدادي الحنفي، شيخ مشهد أبي حنيفة ﵁ وغيره، وولي الحسبة (٤) بالجانب الغربي من بغداد، وكان فاضلا دينا شاعرا، مات في هذه السنة.

стр. 1058

محمد (١) بن أبي الفرج بن بركة، فخر الدين أبو المعالي الموصلي، قدم بغداد، واشتغل بالنظامية (٢) وإعادتها، وكانت له معرفة بالقراآت، وصنف كتابا في مخارج الحروف، وأسند الحديث، وله شعر لطيف. أبو بكر (٣) بن حلبة الموازيني البغدادي: كان فردا في علم الهندسة وصناعة الموازين، يخترع أشياء غريبة عجيبة، من ذلك: أنه ثقب حبة خشخاش سبعة ثقوب، وجعل في كل ثقب شعره، وكانت له حظوة عند الدولة. مات في هذه السنة. أحمد (٤) بن جعفر بن أحمد بن محمد أبو العباس الدثيني البيع الواسطي، شيخ أديب فاضل، له نظم ونثر، عارف بالأخبار والسير، وعنده كتب جيدة كثيرة، وله شرح قصيدة لأبي العلاء المعري في ثلاثة مجلدات. مات في هذه السنة، والله أعلم.

стр. 1059

فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الثانية والعشرين بعد الستمائة استهلت هذه السنة والخليفة توفي فيها وبقية أصحاب البلاد على حالهم، ولكن أهل ماوراء النهر وخراسان وغيرها في تشويش عظيم من جهة جنكيز خان وأصحابه الأشقياء. ذكر وفاة الخليفة الناصر لدين الله والكلام فيه على أنواع: (الأول) في ترجمته: هو أبو العباس أحمد الملقب بالناصر لدين الله بن المستضئ بأمر الله، أبو (١) المظفر يوسف بن المقتفى لأمر الله أبو عبد الله محمد بن المستظهر بالله، أبو العباس أحمد بن المقتدي بأمر الله أبو القاسم عبد الله بن الذخيرة، محمد بن القائم بأمر الله، أبو جعفر عبد الله بن القادر بالله، أبو العباس أحمد ابن إسحاق بن المقتدر بالله أبو الفضل، [١٠] جعفر بن المعتضد بالله أبو العباس أحمد ابن الموفق، أبو أحمد بن المتوكل على الله، جعفر بن المعتصم بالله أبو إسحاق محمد ابن هارون الرشيد بن المهدي، محمد بن عبد الله أبو جعفر المنصور بن محمد بن على ابن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي العباسي أمير المؤمنين، وأمه أم ولد تدعي زُمرد، ومولده يوم الاثنين عاشر شهر رجب سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة، وبويع بالخلافة بعد موت أبيه سنة خمس وسبعين وخمسمائة (٢). (الثاني) في سيرته: قال ابن الأثير (٣): كان قبيح السيرة في رعيته، ظالما لهم، فخرب في أيامه العراق، وتفرق أهله في البلاد، وأخذ أموالهم وأملاكهم، وكان يفعل الشيء وضده، فمن ذلك أنه عمل دورا للإفطار في رمضان، ودورًا لضيافة الحجاج، ثم أبطل ذلك. وكان قد أسقط

стр. 1060

مكوسًا ثم أعادها، وجعل جل همته في رمي البندق والطيور المناسيب وسرا ويلات الفتوة. وقال ابن الأثير (١): وإن كان ما ينسب العجم إليه صحيحا من أنه هو الذي أطمع التتار في البلاد وراسلهم، فهو الطامة الكبرى التي يصغر عندها كل ذنب عظيم. وقال ابن كثير (٢): وقد ذكر عنه أشياء غريبة، من ذلك أنه كان يقول للرسل الوافدين عليه فعلتم في مكان كذا وكذا وكذا، وفي الموضع الفلاني كذا حتى ظن بعض الناس أو كثير منهم أو أكثرهم أنه كان يكاشف له، أو أن جنيا يأتية بذلك والله أعلم. وقال النويري (٣): كان قبيح السيرة، ظالما للرعية، وكان يتشيع، وكان منصرف الهمة إلى رمي البندق والطيور المناسيب ويلبس سرا ويلات الفتوة، ومنع من رمي البندق إلا من ينسب إليه، فأجابه الناس إلى ذلك إلا رجلا واحدًا، يقال له ابن السنة، فهرب من بغداد إلى الشام. وكان ذا هيبة عظيمة، وكان له أصحاب في العراق كلها يأتونه بأخبار الناس، ويطالعونه بها، حتى كان الرجل يخشى أن يتحدث مع زوجته إذا خليا. وذكر أن رجلا من أهل بغداد عمل دعوة فغسل يده قبل إضيافه فطالع [١١] أصحاب الأخبار الخليفة بذلك، فكتب: سوء أدب من صاحب الدار، وفضول من كاتب المطالعة (٤). وبلغه أن شخصا من أهل بغداد يرى صحة خلافة يزيد بن معاوية فأحضره ليعاقبه على هذا القول، فكان جوابه: أنا أقول: إن الإمام (٥) لا ينعزل عن الإمامة بارتكاب الفسق. فأعرض الخليفة عنه، وأطلقه، إذ لا يمكن مخالفته في ذلك (٦). وفي عيون المعارف: وكان الخليفة الناصر لدين الله بصيرا بالأمور مجربا، سائسًا مهيبًا، مقداما، عارفًا، شجاعا، متأيدا، حاد الخاطر، متوقد الذكاء والفطنة، بليغا، غير مدافع عن فضلية علم ولا بادرة فهم، يفاوض العلماء مفاوضة خبير، ويمارس الأمور

стр. 1061

السلطانية ممارسة بصير، يرى رأي الإمامية (١) الإثني عشر، وكان عاكفا على جمع المال والتولية والعزل والمصادرة، قوى النفس فيما يحاوله، شديد الفتك والانتقام، ولم ينقطع الحج في أيامه أبدا (٢). وعمر عمارات كثيرة، ووقف عليها وقوفًا كرباط الحريم ورباط المرزبانية، وترية والدته، وتربة زوجته سلجوقي خاتون، ابنة السلطان أرسلان بن سليمان بن قتلمش ملك الروم، وغير ذلك مما هو أشهر أن يذكره. ودفع مرارا كثيرة إلى ثقات من خواصه أموالا كثيرة يقضي بها ديون المحبوسين وفاء ومصالحه (٣). وصفي له الملك ومعاناة أمور رعيته بنفسه حتى كان يمشي في الليل في دُرُب بغداد ليعرف أخبار الرعية وما يدور بينهم، وُيثُيب ويعاقب على ما يشاهده ويسمعه. وكان كل واحد من أرباب المناصب العالية والرعايا يخافه، بحيث كأنه يطلع عليه في داره، وكثرت جواسيسه وأصحاب أخباره عند السلاطين في أطراف البلاد، وله مثل هذه قضايا غريبة (٤). وصنف كتابًا في الأحاديث النبوية سماه "روح العارفين"، وقرئ عليه وأسنده عن مشايخه الذين روى عنهم ما فيه، وكان تاريخ نقله لما رواه عن شيوخه سنة سبعين وخمسمائة، وأمر الناس أن يسمعوه في العراق وفي سائر [١٢] الآفاق (٥). وفي تاريخ بيبرس: وكان يفعل أفعالا متضادة، وأطلق بعض المكوس التي جددها ببغداد خاصة ثم أعادها. وكان ذا فكرة صائبة وعقل رصين ودهاء ومكر، وكانت هيبته عظيمة، وسطوته شديدة (٦). وله شعر مشهور، منه أنه اعتقل بعض أرباب دولته فكتب إليه المعتقل، وهو نصير الدين العجمي وزيره:

стр. 1062

ألقني في لظى فإن غَيرتني … فتيقن أن لستُ بالياقوت عَرَفَ النَّسْجُ كُلَّ من حالك لكن … نَسْجُ داود ليس كالعنكبوت فكتب الخليفة في جوابها: نَسْجُ داود لم يُفد صاحب الـ … غار وكان الفخار للعنكبوت وبقاء السمند (١) في لهب النـ … ار يزيلُ فضيلة الياقوت (٢) وفي تاريخ ابن (٣) العميد: وسيرته أنه كان فاضلا أديبًا ذا رأي وتمييز (٤) وحزم وسياسة، وفكرة جيدة وبديهة حاضرة، إلا أنه كان محبا لجمع المال، وظلم الرعايا والتجار والمترددين إلى بغداد، وأخذ أموالهم، وكان يباشر الأمور بنفسه (٥). (الثالث) في وفاته: توفي ليلة الأحد سلخ رمضان سنة اثنتين وعشرين وستمائة، وكان مرضه قد طال به وجمهوره من عسار البول، مع أنه كان يجلب له الماء من مراحل عن بغداد ليكون أصفى، وشق ذَكَره مرات بسبب ذلك، ولم يغن عنه هذا الحذر شيئًا (٦). وفي عيون المعارف: وتوالت عليه في آخر عمره أمراض ذهبت إحدى عينيه، وأصابه الحصى وعسر البول. وقال ابن الأثير (٧): وبقي الناصر لدين الله ثلاث سنين عاطلا عن الحركة بالكلية، وقد ذهبت إحدى عينيه والأخرى يبصر بها إبصارا ضعيفا، وآخر الأمر أصابه دوسنطارية عشرين يوما ومات، ولم يطلق في أيام مرضه ما كان أحدثه من الرسوم الجائرة.

стр. 1063

وفي تاريخ بيبرس: وكان الإمام الناصر قد عمي في آخر عمره، وقيل: بل ذهبت إحدى عينيه. وكان موته بالدوسنطارية بأمراض به عشرين يوما، وتوفى في أول شوال من هذه السنة (١). وفي المرآة (٢): وكان قد قل بصره، وقيل: ذهب بصره، وكانت [١٣] به أمراض مختلفة منها: عسر البول والحصى ولقى منه شدة، وشُقَّ ذَكَرُه مرارًا وما زال يعتريه مرارا حتى قتله. قال السبط (٣): وغسله خالي أبو جعفر محمد بن يوسف، وكان قد عمل له ضريحا عند موسى بن جعفر، فأمر الظاهر بحمله إلى الرصافة، فحمل في تابوت ودفن عند أهله، وقيل: توفي في سابع عشرين رمضان. وفي عيون المعارف: وكان الذي ولي غسله محيي الدين يوسف بن الجوزي بن الشيخ أبي الفرج، وصلى عليه ودفن في دار الخلافة، ثم نقل إلى الترب في الرصافة في ثاني ذي الحجة من هذه السنة، وكان يوما مشهودًا عظيما. (الرابع) في ذكر ما يتعلق به: كان عمره يوم مات تسعا وستين سنة وشهرين. وعشرين يوما، وكانت مدة خلافته سبعًا وأربعين سنة إلا شهرًا، ولم يقم أحد من الخلفاء العباسيين قبله في الخلافة هذه المدة الطويلة، ولم تطل مدة أحد من الخلفاء مطلقا أكثر من المستنصر العبيدي الفاطمي، أقام بمصر حاكمًا ستين سنة، وقد انتظم في نسبه أربعة عشر خليفة وولي (٤) عهد على ما رأيت، وبقية الخلفاء العباسيين كلهم من بني عمه وعماته (٥). وفي تاريخ بيبرس: لم يبلغ مدة أحد من الخلفاء إلى هذا الحد في الخلافة، وأما من دعى له في الأطراف وكانوا في حكم الخوارج فمنهم من زادت مدته على مدة الإمام

стр. 1064

الناصر، فإن عبد الرحمن الأموي صاحب الأندلس الملقب أيضا بالناصر لدين الله ولي نحوا من خمسين سنة، والمستنصر بالله أبو تميم معد بن الظاهر بأمر الله صاحب مصر ولى نحوا من ستين سنة (١). وفي تاريخ ابن (٢) العميد: وكانت مدة خلافته ست (٣) وأربعين سنة وعشرة أشهر وأربعة وعشرين يوما، أولها يوم الأحد، وآخرها يوم السبت، وذلك لتتمة ستمائة وإحدى وعشرين سنة، وثمانية أشهر، وستة وعشرين يوما للهجرة، ولتمام ست (٤) آلاف سنة وسبع مائة سنة، وسبع عشرة سنة، وسبعة وثلاثين يوما [١٤] للعالم شمسية. وقال أبو شامة (٥): ووزر له عدة وزراء، وكان له خادم اسمه رشيق، قد استولى على الخلافة، وأقام مدة فوقع عن الخليفة. ذكر خلافة الظاهر بأمر الله وهو الخامس والثلاثون من خلفاء بني العباس. لما توفي الإمام الناصر لدين الله في التاريخ المذكور بُويع لولده الظاهر بأمر الله أبي نصر محمد، فأظهر العدل، وأزال المكوس، وأفرج عن المحبوسين، وظهر للناس، وكان الناصر ومن قبله من الخلفاء لا يظهرون إلا نادرا. ولم تطل مدة إقامته في الخلافة (٦) إلا أشهر (٧). وقال ابن كثير (٨): ولما توفي الخليفة الناصر لدين الله كان قد عهد لابنه أبي نصر محمد عهدا ولقبه بالظاهر، وخطب له على المنابر، ثم عزله عن ذلك بأخيه على، فتوفي في حياة أبيه سنة ثنتي عشرة وستمائة، فاحتاج إلى إعادته إلى ولاية العهد، فخطب له ثانيا، فحين توفي بويع له وعمره يومئذ ثنتان وخمسون سنة، ولم يل الخلافة

стр. 1065

من بني العباس أسن منه. وكان عاقلا وقورا دينا عادلا محسنا، رد مظالم كثيرة وأسقط مكوسًا كان قد أحدثها أبوه، وسار في الناس حسنًا حتى قيل: إنه لم يكن بعد عمر بن العزيز ﵁ أعدل منه لو طالت مدته. لكنه لم يحل عليه الحول، بل كانت مدته تسعة أشهر. أسقط الخراج الماضي عن الأراضي التي قد تعطلت، ووضع عن أهل بلدة واحدة وهي باعقوبا (١) سبعين ألف دينار، وكان أبوه قد زادها عليهم في الخراج وكانت صنجة (٢) المخزن تزيد عن صنجة البلد نصف دينار في كل مائة، إذا أقبضوا وإذا أقبضوا دفعوا بصنجة البلد. فكتب إلى الديوان ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ إلى قوله: ﴿لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٣) فكتب إليه بعض الكتاب يقول: يا أمير المؤمنين إن تفاوت هذا كان في العام الماضي خمسة وثلاثون (٤) ألفا. فأرسل ينكر عليه ويقول: هذا يترك وإن كان تفاوته ثلثمائة ألف وخمسين ألفا. وأمر القاضي أن كل من ثبت له حق بطريق شرعي فوصل إليه بلا مراجعة، وأقام في النظر على الأموال الجردة رجلا صالحا، واستخلف على القضاء الشيخ العلامة [١٥] عماد الدين أبا صالح نصر بن عبد الرزاق بن الشيخ عبد القادر الجيلي، في يوم الأربعاء ثامن ذي الحجة، وكان من خيار المسلمين ومن القضاة العادلين، ولما عرض عليه القضاء لم يقبل إلا بشرط أن يورث ذوي الأرحام. فقال: اعط كل ذي حق حقه واتق الله ولا تتق سواه، وكان من عادة أبيه أن يرفع إليه حراس الدروب "في (٥) كل صباح" بما كان عندهم في المحال من الاجتماعات الصالحة والطالحة، فلما ولي الظاهر الأمر (٦) شطب ذلك كله. وقال: أي فائدة في كشف أحوال الناس وهتك أستارهم. فقيل له: إن ترك ذلك يفسد الرعية. فقال: نحن ندعو الله لهم أن يصلحهم. وأطلق كل من كان في السجون معتقلا على

стр. 1066

الأموال الديوانية، ورد عليهم ما كان استخرج منهم قبل ذلك من المظالم، وأرسل إلى القاضي عشرة آلاف دينار يوفي بها ديون من في سجونه من المدينين الذين لا يجدون وفاء، وفرق على العلماء بقية المائة ألف. وقد لامه بعض الناس في هذه التصرفات. فقال: إنما فتحت الدكان بعد العصر، فما قدر ما أكسب؟ وأفعل الخير، وكم مقدار ما أعيش؟ ولم تزل هذه سيرته حتى توفي ﵁ في العام الآتي (١) على ما سنذكره إن شاء الله تعالى. ورخصت الأسعار في أيامه، وقد كان قبل ذلك في غاية الغلاء. حتى حكى ابن الأثير، أنه أكلت الكلاب والسنانير (٢) ببلاد الجزيرة والموصل، فزال ذلك. وكان الظاهر حسن الشكل، مليح الوجه، أبيض مشربا حمرة، حلو الشمائل، شديد القوى (٣). وفي تاريخ بيبرس: بويع له في الثاني من شوال من هذه السنة عند وفاة والده، وهو شيخ متقدم في العمر فقال: متى يستفتح من يفتح دكانه بعد العصر؟ وفي المرآة (٤): كان الإمام الناصر خطب لابنه الظاهر بولاية العهد في سنة خمس وثمانين وخمس مائة، وعمره إذ ذاك أربع عشرة سنة؛ لأنه ولد في المحرم سنة سبعين وخمسمائة، وخطب له على المنابر، وعزله في سنة إحدى وستمائة، ثم أعيد إلى العهد في سنة ثماني عشرة وستمائة، ولما مات أبوه استدعى القمى تقى الوزير وقشتمر والأعيان إلى البدرية (٥) فشاهدوا الناصر ميتًا مسجى فبايعوا أبا [١٦] نصر محمدا ولقبوه بالظاهر بأمر الله، وهذه البيعة الخاصة ثم بويع البيعة العامة، حضر القضاة والأعيان فبايعوه وصلى على أبيه بالتاج، وعمل العزاء ثلاثة أيام وفرق الأموال وأبطل المكوس وأزال المظالم (٦).

стр. 1067

ذكر ماجريات جلال الدين بن خوارزم شاه قدم من بلاد الهند إلى كرمان في هذه السنة، وقد ذكرنا أنه هرب من غزنة لما قصده جنكيزخان في سنة سبع عشرة وستمائة، ثم بعد قدومه إلى كرمان قدم إلى أصفهان واستولى عليها وعلى باقي عراق العجم، ثم سار إلى فارس وانتزعها من أخيه غياث الدين تترشاه وأعادها إلى صاحبها سعد بن دكلا صاحب بلاد فارس وصار سعد وغياث الدين المذكوران (١) تحت حكم جلال الدين وفي طاعته، ثم استولى على خوزستان (٢)، وكانت للخليفة الناصر لدين الله، ثم سار حتى قارب بغداد ووصل إلى باعقوبا، وخاف أهل بغداد منه واستعدوا للحصار، ونهبت الخوارزمية البلاد، وأمتلأت أيديهم من الغنائم، وقوى جلال الدين وجمع عسكره الخوارزمية ثم سار إلى قريب إربل، فصالحه صاحبها مظفر الدين ودخل في طاعته، ثم سار إلى أذربيجان، وكرسي مملكتها تبريز، واستولى علي تبريز، وهرب صاحب أذربيجان وهو أزبك بن البهلوان بن الدكز، وكان أزّبك قد قوى أمره لما قتل طغريل آخر الملوك السلجوقية ببلاد العجم، فاستقل أزبك المذكور في المملكة، وكان أزبك لا يزال مشغولا بشرب الخمر وليس له التفات إلى تدبير المملكة، فلما استولى جلال الدين علي تبريز هرب أزبك إلى كنجة، وهي من بلاد أران قريب بردعة، متاخمة لبلاد الكرج، واستقل السلطان جلال الدين بملك أذربيجان، وكثرت عساكره، واستفحل أمره، ثم جرى بينه وبين الكرج قتال شديد، انهزمت فيه الكرج وتبعهم الخوارزمية يقتلونهم كيف شاءوا، واتفق أنه ثبت على [١٧] قاضي تبريز وقوع الطلاق من أزبك بن البهلوان على زوجته بنت السلطان طغريل آخر الملوك السلجوقية الذي ذكرناه، فتزوج جلال الدين بنت طغيل المذكور، وأرسل جيشا إلى مدينة كنجة ففتحوها وهرب مظفر الدين أزبك بن البهلوان من كنجة إلى قلعة هناك، ثم هلك وتلاشى أمره (٣).

стр. 1068

وقال ابن كثير (١): لما استحوذ جلال الدين على بلاد أذربيجان استحوذ على مال كثير من بلاد الكرج، فإنه كسر الكرج، وهم سبعون ألف مقاتل فقتل منهم عشرين ألفا، وفتح تفَليْسَ (٢) فقتل منها ثلاثين ألفا. وزعم أبو شامة (٣): أنه قتل من الكرج سبعين ألفا في المعركة وقتل من تفليس تمام المائة ألف، وقد اشتغل بهذه الغزوة عن قصد بغداد (٤). وفي المرآة (٥): وفي ربيع الأول وصل خوارزم شاه جلال الدين إلى دقوقا (٦) فافتتحها عنوة، وأوقع السيف في أهلها، ونهب أموالهم، وسبى حريمهم، وهتك نساءهم، وأحرق البلد وهدم سوره، وكانوا قد عصوا عليه وسبُّوه من الأسوار، وبالغوا في شتمه، وعزم على قصد بغداد، فانزعج الخليفة وأخرج المال، وفرق في العساكر ألف ألف دينار، ونصب المجانيق على الأسوار، وفرق السلاح، وفتح الأهراء (٧). وقال السبط (٨): ح كي لي المعظم ﵀ قال: كتب إلى جلال الدين يقول: تحضر أنت ومن عاهدني واتفق معي حتى نقصد الخليفة فإنه كان السبب في هلاك أبي ومجيئ الكفار إلى البلاد، ووجدنا كتبه إلى الخطأ (٩) وتواقيعه لهم بالبلاد والخيل والخلع. وقال المعظم: فكتبت إليه: أنا معك على كل أحد إلا على الخليفة فإنه إمام المسلمين. قال: وبينما هو على عزم بغداد، وكان قد جهز جيشا إلى الكرج إلى تفليس، فكتبوا إليه: أدركنا فما لنا بالكرج طاقة، وبغداد ما تفوت. فسار إلى تفليس فخرج إليه الكرج، فضرب معهم

стр. 1069

مصافا، فقتل منهم سبعين ألفا، وفتح تفليس عنوة، وقتل منها ثلاثين ألفا فصاروا مائة ألف، وذلك في سلخ ذي الحجة (١). ذكر الحرب الواقعة بين المسلمين والكرج وفي هذه السنة اتفقت الحرب بين المسلمين والكرج وذلك [١٨] أن شروان شاه رشيد صاحب الدربند (٢) كان سن السيرة، كثير الفساد والظلم لرعيته، فاشتدت وطأته عليهم، فاتفق بعض العسكر مع ولده عليه، فأخرجوه من البلاد، وملكوا ولده أغا، فأحسن السيرة فأحبته العساكر والرعية، وأرسل إلى والده يقول له: المصلحة أنك تكون في بعض القلاع، وأجرى لك ما يقوم بك. فلما سمع رسالة ابنه سار إلى الكرج، واستنصر بهم، وطلب منهم أن يسيروا معه عسكرا إعانه له على استبعاده البلاد إلى نفسه من ولده، فسيروا معه عسكرًا كثيرا، فسار بهم وسار ابنه إليه في عسكره، وكانوا نحو ألف فارس، ولقي أباه والكرج وهم نحو ثلاثة آلاف فارس، واقتتلوا قتالا شديدًا فانهزمت الكرج، وقتل منهم وأسر خلق كثير، وعادوا بأسوأ حال، وقالوا لشروان شاه المخلوع: إنا لم نلق بسببك خيرا، فلا تقم ببلادنا. ففارق بلادهم وبقى مترددا لا يأوي إلى أحد، واستقر ولده في الملك، ورد إلى الرعية ما اغتصبه أبوه من أملاكهم، وما أخذ منهم (٣). وفيها سار جمع من الكرج (٤) من تفليس يقصدون بلاد أذربيجان، وهي بيد مظفر الدين أزبك بن البهلوان، ونزلوا وراء مضيق في الجبال لا يسلكه إلا الفارس بعد الفارس، فأقاموا به آمنين من المسلمين اغترارا بحصانته، وأنه لا طريق إليهم، فركبت طائفة من العساكر الإسلامية وقصد وهم في ذلك المضيق، فلم يشعروا إلا وقد كبسهم المسلمون، وبذلوا فيهم السيف فقتلوهم كيف شاءوا، وولي الباقون منهزمين، فعظم ذلك على الكرج، وعزموا على قصد أذربيجان للأخذ بثأرهم، وبينما هم كذلك إذ وصل

стр. 1070

إليهم الخبر بوصول السلطان جلال الدين خوارزم شاه إلى مراغة، فراسلوا أزبك بن البهلوان يدعونه إلى الصلح والاتفاق معهم على رد جلال الدين، فعاجلهم جلال الدين قبل اتفاقهم ووصل إلى مراغة فملكها (١). وأتاه الخبر أن [١٩] يغان طايسي وهو خال غياث الدين تترشاه وزوج أخت جلال الدين سار إلى همدان ومعه من العساكر نحو خمسة آلاف فارس، ليملكها ويستولى على عراق العجم، وكان سبب قصده هذه الناحية أن الخليفة الإمام الناصر لدين الله كتب إليه يطمعه فيها ويقطعه إياها، فسار إلى تلك الناحية ليستولى عليها، ولما بلغ ذلك السلطان جلال الدين سار إليه جريدة (٢)، فوصل إليه ليلًا فأحاط به وبما غنمه من أذربيجان وأران من خيل وبغال وبقر وغنم، فلما أصبح يغان طايسي ورأى العسكر والجتر (٣) الذي يكون على رأس جلال الدين علم أنه هو، فسقط في يده، فأرسل زوجته وهي أخت السلطان إليه؛ يطلب منه الأمان، فأمنه وأحضره عنده، وانضاف عسكره إلى عسكر جلال الدين، وبقي وحده، فأضاف إليه جلال الدين عسكرًا غير عسكره، وعاد إلى مراغة، وأعجبه المقام بها، وكان أزبك صاحب أذربيجان قد سار من تبريز إلى كنجة خوفا من جلال الدين، فسار جلال الدين إلى تبريز وحصرها وقاتل أهلها قتالا شديدا وزحف عليها، فأذعن أهلها بالطاعة وطلبوا من جلال الدين الأمان، فذكر لهم فعلهم بالخوارزمية وقتلهم إياهم، فاعتذروا بأنهم لم يفعلوا شيئًا من ذلك، وإنما فعله صاحبهم أزبك بن البهلوان، ولم يكن لهم قدرة على منعه من ذلك، فقبل عذرهم وأمنهم، وأمن زوجة أزبك وهي بنت السلطان طغريل على نفسها ومالها من البلاد، وملك مدينة تبريز وسير زوجة أزبك إلى خوى، وحضر الجامع بتبريز يوم الجمعة، فلما خطب الخطيب ودعا للخليفة الإمام الناصر لدين الله، قام السلطان قائما حتى فرغ من الدعاء وجلس (٤).

стр. 1071

ولما ملك بلاد أذربيجان أرسل إلى الكرج يؤذنهم بالحرب، فشرعوا في جمع عساكرهم، فجمعوا ما يزيد على ستين ألفا، فسار إليهم جلال الدين ونازل مدينة دوين (١) وهي من بلادهم، وكانت قبل ذلك للمسلمين، ثم سار منها إليهم، وضرب معهم مصافا، فانهزمت الكرج أقبح هزيمة [٢٠] فأمر جلال الدين أن يقتلوا بكل طريق ولا يبقى على أحد منهم، فبلغت عدة القتلى منهم عشرين ألفا، وقيل: أكثر من ذلك. وأسر كثير من أعيانهم، ومضى إيوانى مقدمهم منهزما، فأدركه الطُّلب، فصعد قلعة لهم على طريقه، فاحتمى بها، فرتب السلطان عليها من يحصرها ويمنعه من النزول منها، ثم فرق عساكره في بلاد الكرج ينهبون ويقتلون ويأسرون ويخربون البلاد، وأمر العساكر بالمقام فيها مع أخيه غياث الدين تترشاه، وعاد إلى تبريز وقبض على رئيسها وأمر بقتله، وعلى مقدميها وأمر بحبسهم؛ لأنه كان قد بلغه عنهم أنهم تحالفوا وتعاقدوا على العصيان عليه، وإعادة البلاد إلى أزبك بن البهلوان، ثم تزوج امرأة أزبك على ما ذكرناه (٢). ذكر بقية الحوادث منها أنه كان غلاء شديد بالعراق والشام وبسبب قلة الأمطار وانتشار الجراد، ثم جاء عقيب ذلك فناء كثير بالعراق والشام أيضا، فمات بسببه خلق كثير في البلاد (٣). ومنها أن الملك الكامل جدد عرض عساكره بمصر، وبرز وأقام في الخيام بباب النصر لما عزم أخوه الأشرف على المسير إلى أخيه المعظم ليصالحه. ومنها أن المعظم صَلَب في سوق الغنم العتيق في طريق الميدان الأخضر شمس الدين بن الكعكى ورفيقا له، مُنَكَّسَيْن على رأسيهما (٤)، وكان ابن الكعكى رأس حرب (٥) ومعه جماعة، فكانوا ينزلون على الناس في البساتين، ويقتلون وينهبون، والمعظم في الكرك، وبلغه أن ابن الكعكى قال لأخى المعظم: الصالح إسماعيل كان بِبُصْرَى (٦) أنا آخذ لك دمشق. فكتب إلى والي دمشق بأن يصلب ابن الكعكى ورفيقه

стр. 1072

منكسين، فصلبهما في العشر الأواخر من رمضان، فأقاما أياما في حر الشمس، يسفى الريح التراب على "وجهيهما (١) ورأسيهما"، ولا يقدران على طعام وشراب، إلى أن مات ابن الكعكى أولا، وكان [٢١] يستغيث كثيرا ويتعلق، وكان رفيقه أجلد منه وأصبر، وكان رجلاً خياطا آدم (٢) اللون، وقيل: إنه برئ مما رمى به، فمات وله أملاك كثيرة ظاهر باب الجابية (٣) وغيرها (٤). وفيها ............ (٥) وفيها حج بالناس من العراق ابن أبى فراس، ومن الشام الشجاع بن السَّلَّار (٦). ذكر من توفى فيها من الأعيان الفخر (٧) بن تيمية، محمد بن أبى القاسم بن محمد بن الشيخ فخر الدين أبو عبد الله بن تيمية الحرانى، عالمها وخطيبها وواعظها، اشتغل على مذهب الإمام أحمد ﵀ وبرع فيه، وبرز وحصل وجمع تفسيراً حافلاً في مجلدات كثيرة، وله الخطب المشهورة المنسوبة إليه، وهو عم الشيخ مجد الدين صاحب [المنتقى في] (٨) الأحكام. وقال السبط (٩): سمعته يوم الجمعة بعد الصلاة وهو يعظ الناس وينشد: أحبابنا قد نَدرَتْ مقلتى … لا تلتقى بالنوم أو نلتقى رفقا بقلب مغرم واعطِفوا … على سقام الجسد المحرقِ كم تمطلونى بليالى اللقا … قد ذهب العمرُ ولم نلتقِ

стр. 1073

وقال ابن خلكان (١): ومولده في اليوم الثامن والعشرين من شعبان، سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة بمدينة حران، وتوفى بها في "حادي عشر من صفر سنة إحدى وعشرين وستمائة". وقال السبط (٢): مات في خامس صفر من هذه السنة. وذكره أبويوسف محاسن بن سلامة الحرانى في "تاريخ حران" وأثنى عليه، ثم قال: توفى يوم الخميس بعد العصر عاشر صفر، سنة اثنتين وعشرين وستمائة. وذكره أبو البركات بن المستوفى في "تاريخ إربل" فقال: ورد إربل حاجاً في سنة أربع وستمائة، وذكر فضله، وقال: سألته عن اسم تيمية ما معناه؟ فقال: حج أبى أو جدى، أنا أشك أيهما قال: وكانت امرأته حاملا، فلما كان بتيما رأى جُوَيرية (٣) قد خرجت من خباء، فلما رجع إلى حران وجد امرأته قد وضعَت جارية، فلما رفعوها إليه قال: ياتيميه، يا تيمية، معنى أنها تشبه التي رآها بتيما، فَسُمِّى بها، أو كلاماً هذا معناه. وتيماء: بفتح التاء المثناة من فوق وسكون الياء آخر الحروف، وفتح الميم بعدها همزة ممدودة، وهي بليدة في بادية تبوك إذا خرج [٢٢] الإنسان من خيبر إليها يكون على منتصف طريق الشام، وتيميه منسوبة إلى هذه البليدة، وكان ينبغى أن يقال: تيماوية لأن النسبة إلى تيماتيماوى، لكنه هكذا اشتهر (٤). الوزير ابن شكر (٥) صفى الدين أبو محمد عبد الله بن على بن عبد الخالق بن شكر، ولد بالدميرة، بلدة "بين مصر والإسكندرية" سنة أربعين وخمسمائة، ومات في هذه السنة في شعبان ودفن بتربته عند مدرسته بمصر، وقد وُزر للملك العادل، وعمل أشياء في أيامه منها: تبليط جامع دمشق، وإحاطة سور المصلى عليه، وعمل الفوارة (٦) ومسجدها، وعمارة جامع المِزَّة (٧)، وقد نكب وعزل في سنة خمس عشرة وستمائة،

стр. 1074

وبقي معزولا في هذه السنة، فتوفى فيها وكان مشكور السيرة. وقال السبط (١): وكان وزيراً مهيبا عالما فاضلا له معرفة بقوانين الوزارة، وكان مالكى المذهب، محبا لمن في العلم يرغب، وصنف كتابا سماه "البصائرُ" برواية الأوائل والأواخر، وله في القاهرة مدرسة مشهورة وآثار مأثورة، ومنهم من يقول: كان ظالما. وقال: أنشدنا الحافظ السلفى لنفسه: مهما تهاون في أمرى أمرؤ … وغدا مصارما لا أرى إلا مبجله فإن أساء مسئ فوق طاقته … أحسنت مجتهدا حتى أخجله (٢) وقال: أنشدنا الحافظ السلفى لابن رشيق وقد قيل له: لم لا تركب البحر للحج؟ فقال معتذرا: البحر صعب المرام هول … لا جعلتُ حاجتي إليه "أليس (٣) ماء وطين" … فهل ترى صبرنا عليه (٤) ولعبد الجبار الكاتب: لا أركب البحر خوفا … علىَّ منه المعاطب طين أنا وهو ماءٌ … والطين في الماء ذايب (٥) أبو إسحاق (٦) إبراهيم بن المظفر بن إبراهيم بن على، المعروف بابن البدى (٧)، الواعظ البغدادى، أخذ الفن عن شيخه ابن الجوزى، وسمع الحديث الكثير، مات في هذه السنة. أبو الحسن (٨) على بن الحسن الرازى ثم البغدادى الواعظ، عنده فضائل وله شعر حسن، توفى في هذه السنة.

стр. 1075

البها السنجارى (١) أبو السعادات، أسعد بن يحيى بن موسى بن منصور بن عبد العزيز بن وهيب بن وهبان بن سرد (٢) بن عبد الله بن رُفيَع بن [٢٣] ربيعة بن هبار (٣)، السلمى السنجارى، الفقيه الشافعى، الشاعر المنعوت بالبها، وكان فقيها فاضلا وتكلم في الخلاف، إلا أنه غلب عليه الشعر وأجاد فيه، واشتهر به، وخدم الملوك به، وأخذ جوائزهم، وطاف البلاد، ومدح الأكابر، وشعره كثير في أيادى الناس، يوجد قصائد ومقاطيع. قال ابن خلكان (٤): لم أدر هل دَوَّن شعره أم لا، ثم وجدت في كتب التربية الأشرفية بدمشق له ديوانا في مجلد كبير. وله من جملة قصيدة: كَتَبَ العِذَارُ على صحيفة (٥) خده … نُونا وأعجَمَها بنُقطِة خالهِ فسَوادُ طُرَّيَه كليل (٦) صُدُودِه … وبياضُ غُرَّته كيوم (٧) وصالهِ وله أيضا: ومُهَفْهَفٍ حُلْو الشمائلِ فاتر … الألحاظِ فيه طاعَةُ وعقوقٌ وقفَ الرَّحيقُ على مراشف ثغره … فجَرَى من خدِّهِ راوُوقُ سدَّت محاسنُهُ على عُشَّاقِه … سُبلَ (٨) السلوِّ فما إليه طريق وكان للبهاء المذكور صاحب، وبينهما مودة أكيدة واجتماع كثير، ثم جرى بينهما في بعض الأيام عِتَاب (٩) وانقطاع، وانقطع ذلك الصاحب، فسير إليه يعتبه لانقطاعه، فكتب إليه بيتى الحريرى اللذين (١٠) ذكرهما في المقامة الخامسة عشرة (١١). وهما: لا تَزُرْ مَنْ تحبُّ في كلِّ شهر … غير يوم ولا تزدْهُ علَيِه فاجتِلاء الهلال في الشهر يوم … ثم لا تنظر العُيون إليه

стр. 1076

فكتب إليه البهاء من نظمه: إذا حققت من خِلِّ (١) ودادًا … فزُره ولا تخفْ منه مَلالا وكن كالشمس تطلع كل يوم … ولا تكُ في (٢) زيارته هلالا وكانت ولادته سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة، وتوفى في أوائل هذه السنة بمدينة سنجار. عثمان بن (٣) عيسى بن درباس بن جهم بن عبدوس، الهذباني المارانى، ضياء الدين أخو القاضى صدر الدين عبد الملك، الحاكم بالديار المصرية في الدولة الصلاحية. وضياء الدين هذا هو "شارح المهذب" إلى "كتاب الشهادات" في نحو من عشرين مجلدا، وشرح اللمع في أصول الفقه" للشيرازى، وكان بارعا عالما بالمذهب، توفى في هذه السنة. أبو محمد (٤) عبد الله بن أحمد [٢٤] البوازيجى، ثم البغدادى، شيخ فاضل، له رواية، ومما أنشده: ضيق العُذرَ في الضراعة أنَّا … لو قنعنا بقسمنا لكفانا ما لنا نعبد العباد إذا كان … إلى الله فقرنا وغنانا أبو الفضل (٥) عبد الرحيم بن نصر الله بن على بن منصور بن الكيال الواسطى [من] (٦) بيت الفقه والقضاء، وكان أحد المعدلين ببغداد ومن شعره: فتبا لدنيا لا يدوم نعيمها … تسرُ يسيرا ثم تُبْدى المساويا تريك رياء (٧) في النقاب وزخرفا … وتسفر عن شوهاء … (٨)

стр. 1077

أبو على الحسن (١) بن على بن الحسن بن على بن عمار بن مهدى (٢) بن وقاح الياسرى نسبة إلى عمار بن ياسر، شيخ بغدادى فاضل، له مصنفات في التفسير والفرائض، وله خطب ورسائل وأشعار حسنة، وكان مقبول الشهادة عند الحكام. أبو بكر (٣) محمد بن يوسف بن الطباخ، الواسطى البغدادى الصوفى، باشر بعض الولايات ببغداد، ومما أنشده: ما وهب الله لامرئ هبة … أحسن من عقله ومن أدبه نعما جمال الفتى فإن فقدا … ففقده للحياة أجملُ به ابن يونس (٤) شارح التنبيه، أبو الفضل أحمد بن الشيخ العلامة كمال الدين أبى الفتح موسى بن يونس بن محمد بن منعة بن مالك بن محمد بن سعد بن سعيد بن عاصم بن عائد بن كعب بن قيس بن إبراهيم الإربلى الأصل ثم الموصلى، من بيت العلم بها والرئاسة، اشتغل على أبيه في فنونه وعلومه، فبرع وتقدم ودرس، وشرح كتاب "التنبيه"، واختصر "إحياء علوم الدين" للغزالى مرتين صغيراً وكبيرا. وقال ابن خلكان (٥): وقد ولى بإربل مدرسة الملك المظفر بعد موت والديه في سنة عشر وستمائة، وكنت أحضر عنده وأنا صغير، ولم أر أحدا يُدَرِّس مثله، ثم صار إلى بلده في سنة سبع عشرة، ومات يوم الاثنين الرابع والعشرين من ربيع الآخر من هذه السنة [٢٥] عن سبع وأربعين سنة. أبو الدرياقوت (٦) بن عبد الله الرومى الملقب مهذب الدين الشاعر المشهور، مولى أبى منصور الجيلى، التاجر، اشتغل بالعلم وأكثر من الأدب، واستعمل قريحته في الشعر والنظم فأجاد فيه، ولما تميز ومهر سمى نفسه عبد الرحمن، وكان مقيما بالمدرسة النظامية ببغداد، وأكثر نظمه في التصابى والغزل وذكر المحبة، وراق شعره، وتحفظه الناس، وله ديوان شعر، وشعره متداول بالعراق وبلاد الشرق والشام.

стр. 1078

وقال ابن خلكان (١): رأيت في بعض التواريخ أن أبا الدُر المذكور وجد ميتا بمنزله ببغداد في الثانى عشر من جمادى الأولى، وقيل: الآخرة من هذه السنة. وقال الناس: إنه توفى قبل ذلك بأيام. الشيخ على (٢) بن عبد الله الكردى الموله، المقيم بظاهر باب الجابية، قال أبو شامة (٣): وقد اختلفوا فيه، فبعض الدماشقة يزعم أنه صاحب الكرامات، وأنكر ذلك آخرون، وقالوا: مارآه أحد يصلى ولا يصوم، ولا لبس مداسا بل كان يدوس النجاسات، ويدخل المسجد على حاله، وقال آخرون: كان له تابع من الجن يتحدث على لسانه. وحكى السبط (٤) عن امرأة قالت: جاء خبر بموت أمى باللاذقية أنها ماتت. وقال لي بعضهم: لم تمت. قالت: فمررت به وهو قاعد عند المقابر، فوقفت عنده، فرفع رأسه وقال لي: ماتت ماتت إش تعملين؟ فكان كما قال، ومثل ذلك كثير. الأمير سيف (٥) الدين على بن الأمير علم الدين سليمان بن جندر، مات في هذه السنة في أواخر جمادى الآخرة بحلب، وكان من أكابر الأمراء بحلب، وله الصدقات الكثيرة، وقف بها مدرستين، إحداهما على الشافعية والأخرى على الحنفية، وبنى الخانات والقناطر وغير ذلك من سبل الخيرات. الأمير عز (٦) الدين خضر بن إبراهيم بن أبى بكر بن قرا أرسلان، صاحب خرت برت (٧)، مات في هذه السنة، وملك بعده ابنه نور الدين أرتق شاه. الملك الأفضل (٨) نور الدين على بن السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب [٢٦]، كان ولى عهد أبيه، وقد ملك دمشق بعده مدة سنتين، ثم أخذها منه

стр. 1079

الملك العادل عمه، ثم كان ملك الديار المصرية بعد أخيه العزيز عثمان، فأخذها منه عمه العادل أيضا، ثم اقتصر على ملك صرخد (١) فأخذها منه العادل، ثم آل به الحال أن كان ملك شميساط، وبها توفى في هذه السنة. وكان موته فجاءة في شهر صفر وعمره سبع وخمسون سنة، ونقل إلى حلب ودفن بتربته بظاهر حلب بالقرب من مشهد الهروى (٢)، وملك البلده بعده أخوه المفضل قطب الدين موسى بن صلاح الدين، وهو شقيقه، وكان الأفضل فاضلا متأدبا حليما عادلا جامعا للفضائل والمناقب، إلا أنه كان قليل الحظ والسعادة، ولم ينتظم له حال منذ توفى والده صلاح الدين، وكان جيد الشعر، فمن شعره قوله في خضاب الشعر، وتعرض فيه بسوء حظه: يا من يسود شعره بخضابه … لعساه من أهل الشبيبة يحصل ها فاختضب بسواد حظى مرة … ولك الأمان بأنه لا ينصل (٣) وله أيضا: أما آن للسعد الذى أنا طالب … لإدراكه يوما يرى وهو طالبى ترى هل يرينى الدهر أيدى شيعتى … تمكن يوما من تواصى النواصب وقال ابن خلكان (٤): كانت ولادته يوم عيد الفطر وقت العصر، سنة ست، وقيل: خمس وستين وخمسمائة بالقاهرة، ووالده صلاح الدين يومئذ وزير المصريين، وشميساط بضم الشين المعجمة، وفتح الميم، وسكون الياء آخر الحروف، وفتح السين المهملة، وبعد الألف طاء مهملة، وهى قلعة في بر الشام على الفرات من ناحية بلاد الروم بين قلعة الروم وملطية.

стр. 1080

فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الثالثة والعشرين بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة هو الظاهر بأمر الله، ولكنه مات في هذه السنة [٢٧] ولم ينتفع بخلافته. ذكر وفاة الظاهر هو أمير المؤمنين الظاهر بأمر الله، أبو نصر محمد بن أمير المؤمنين الناصر لدين الله، أبى العباس أحمد، وليس في الخلفاء من يكنى أبا نصر غيره، وأمه أم ولد يدعى الطُنْ، بويع له يوم الأحد سلخ رمضان من السنة الماضية، وتوفى يوم الجمعة الثانى عشر من رجب من هذه السنة، وكانت مدة خلافته تسعة أشهر وأربعة عشر يوما، ولا يعلم أنه ولى من بنى العباس أقصر مدة منه، كما أنه لم يل منهم أطول مدة من أبيه. وكان إماما عادلا متواضعا محسنا إلى الرعية جدا، وكان من أجود بنى العباس سيرة، وأحسنهم سريرة، وأكثرهم عطاء، وأحسنهم منظراً ورواء، ولو طالت مدته لصلحت الأمة صلاحاً كثيراً على يديه، ولكن الله أحب تقريبه وإزلافه لديه، فاختار له ما عنده، وأجزل له إحسانه ورفده، وقد ذكرنا ما اعتمده في أول ولايته من إطلاق الأموال الديوانية، ورد المظالم، وإسقاط المكوس، وتخفيف الخراج عن الناس، وأداء الديون عمن عجز عن قضائها، والإحسان إلى العلماء والفقراء، وتولية ذوى الديانة والأمانة، وكان قبل وفاته قد أخرج توقيعا إلى الوزير بخطه ليقرأه على أرباب الدولة، وقال الرسول: أمير المؤمنين يقول: ليس غرضنا أن يقال: برز مرسوم أو نفذ مثال ولا يبين له أثر، بل أنتم إلى إمام فعال أحوج منكم إلى إمام قوال. ثم قُرِئ عليهم التوقيع ونسخته: "بسم الله الرحمن الرحيم اعلموا أنه ليس إمهالنا إهمالا، ولا إغضاؤنا إغفالا، ولكن "لنبلوكم أيكم أحسن عملًا" (١)، وقد غفرنا لكم ما قد سلف من خراب البلاد، وتشريد الرعايا، وتقبيح السمعة، وإظهار الباطل الجلىّ في صورة الحق الخفى، حيلة ومكيدة، وتسمية الاستيصال والاجتياح استيفاء واستدراكا لأغراض انتهزتم فرصتها مختلسة من براثن

стр. 1081

ليث باسل، وأنياب أسد مهيب، تتفقون بألفاظ مختلفة على معنى واحد، وأنتم أمناؤه وثقاته، فتميلون رأيه إلى هواكم [٢٨] وتمزجون باطلكم بحقه، فيطيعكم وأنتم له عاصون، ويوافقكم وأنتم له مخالفون، والآن فقد بدل الله سبحانه بخوفكم أمنا، وبفقركم غنى، وبباطلكم حقا، ورزقكم سلطانا يُقيل العثرة ويقبل المعذرة، ولا يؤاخد إلا من أصر، ولا ينتقم إلا ممن استمر، يأمركم بالعدل وهو يريده منكم، وينهاكم عن الجور وهو يكرهه لكم، يخاف الله تعالى ويخوفكم مَكْرَه، ويرجوا الله تعالى ويرغبكم في طاعته، فإن سلكتم مسالك خلفاء الله في أرضه، وأمنائه على خلقه، وإلا [هلكتم] (١) والسلام. ولما مات وجد في بيت داره رقاع مختومة كلها لم يفتحها، وقال: لاحاجة لنا فيها، كلها سعايات بالناس، وقد ذكرنا نبذا من سيرته الجميلة في السنة الماضية ﵀ (٢). وقد خلف من الأولاد عشرة ذكورا وإناثا، منهم ابنه الأكبر الذى بويع له بالخلافة من بعده أبو جعفر المنصور، ولقب بالمستنصر بالله (٣). ذكر خلافة المستنصر بالله وهو السادس والثلاثون من خلفاء بنى العباس، وهو أمير المؤمنين أبو جعفر منصور بن أمير المؤمنين الظاهر بالله، محمد بن الناصر أحمد، بويع له بالخلافة يوم مات أبوه، استدعوا به من التاج (٤)، فبايعه الخاصة والعامة من أهل الحل والعقد، وكان يوما مشهودا، وكان عمره يومئذ خمسا وثلاثين سنة، وخمسة أشهر، وأحد عشر يوما، وكان من أحسن الناس شكلا وأبهاهم منظراً (٥). وهو كما قال القائل: كأن الثريا علقت في جبينه … وفى خده الشعرى وفى وجهه القمر (٦)

стр. 1082

وفى نسبه الشريف خمسة عشر خليفة، منهم خمسة من آبائه وُلُّوا نسقاً واحداً، وتلقى هو الخلافة عنهم وراثة كابراً عن كابر، وهذا شيء لم يتفق لأحد من الخلفاء قبله، وسار في الناس كسيرة أبيه الظاهر في الجودة وحسن السيرة والإحسان إلى الرعية، وبنى المدرسة المستنصرية التي لم يبن مدرسة مثلها في الدنيا وسيأتى بيان ذلك إن شاء الله تعالى، واستمر بأرباب الولايات الذين كانوا في عهد أبيه على ما كانوا عليه (١). وقدم رسول من صاحب الموصل [٢٩] بدر الدين يوم غرة شعبان مع الوزير ضياء الدين أبى الفتح نصر الله بن الأثير الجزرى برسالة فيها التعزية والتهنئة بعبارة فصيحه بليغة (٢). وفى تاريخ بيبرس: وكان ابن الأثير قد اتصل بخدمته لما فارق الملك الأفضل، ولما حضر الديوان قال: "ما لليل والنهار لا يعتذران وقد عظم حادثهما، والشمس والقمر لايخسفان وقد فقد ثالثهما"؟ فيا وحشة الدنيا وكانت أنيسة … ووحشة من فيها لمصرع واحد وذلك الواحد هو سيدنا ومولانا الإمام الظاهر بأمر الله أمير المؤمنين، الذى كانت ولايته رحمة للعالم، واختير من أرومة النبي الذى هو سيد ولد آدم، فذمته موصوله بذمته، وهو شقيقه في نسبه وخليفته في أمته، ولقد وقف على السنن، وأتانا بالحسن، وحمدت الأيام في زمنه، فلم يشك مر الزمن، ومما عظم الرزية به أنه أتى عقيب رُزء، وصّل فجعُة بفَجعِة، وكان يستهول أحدهما وهو وتر، فشفع الوتر بشفعه، فياويح الإسلام فجع فيما مضى بناصره، وفجع الآن بظاهره، وقرب الوقت بينهما حتى كاد يعثر أوله بآخره، فلم تفق النفوس من برحائها حتى وافت ما طوى مضضا على مضض، ووقع ذلك موقع نكسة عطفت على مرض، ونكأ القرح بالقرح أوجع، وذهاب فرع العلياء بعد أصله ذهاب بالعلياء أجمع، وكلا هذين الرزءين رمى الناس بسهم غائر، ليس عليه من صابر، وما كان الله ليسوء دينه بمصاب خليفتين، ولا يجلو ظلمته بصباح سافر، وقد جاء بسيدنا ومولانا الإمام المستنصر بالله أمير المؤمنين، فأرضى به كل قلب سخط ولم يرض، وقيل: هذا بدل الكل من الكل، لابدل البعض من البعض، وكان الناس على خطر من

стр. 1083

انتقاض أمرهم، فأبيح لهم (١) إبرام ذلك النقض، ونسى ما تقدم من البرح، ودمل ما أعضل من القرح. ولئن عظم الأسف على ليلتين نقضتا برامة لقد أسلت عنهما ليلة السفح، والعبد قائم بهذا المقام وقلبه مقسم [٣٠] للعزاء شطراً وللهناء شطرا، فإذا نطق بهذا أسبل دمعاً، وإذا نطق بهذا أبدى ثغرا، وهو نائب عن مرسله في أخذ البيعة التى يد الله فوق يدها، والسابق إلى يومها أفضل من المتأخر إلى غدها، وهى التى تجملت بحسنها أقلام الكرام السفرة، وجعلها الله معدودة في بيعة العقبة، وبيعة الشجرة، ولها يصح قول القائل: وبيعة من قلوب غير شاردة … ما كان في عودها ضعفٌ ولاخور لو أنها لعتيق لم يمت حسرا … سعد ولا قال كانت فلتة عمر وكذلك فإن العبد ينهى طاعة مرسله التى جعل يومه فيها كأمسه، وزاد في مبانى الإسلام فهو يبنى بها على ستة لا على خمسة، وقد أعدها في الدنيا معقلاً يكن في دَاره، وفى الآخرة عتاداً صالحا يسره أن يراه (٢). قال بيبرس: وكان الإمام المستنصر يسمى أبو (٣) جعفر القاضى، ولما ولى سلك في العدل والإحسان مسلك أبيه الظاهر، وأمر فنودى ببغداد بإفاضة العدل، وأن من كانت له حاجة أو مظلمة يطالع بها، تقضى حاجته وتكشف مظلمته. فلما كانت أول جمعة أتت على خلافته أراد أن يصلى الجمعة في المقصورة التى جرت عادة الخلفاء بالصلاة فيها، فقيل له: إن المطبق الذى تسلك إليه فيها خراب، فركب فرسا وسار إلى جامع القصر، ظاهراً بحيث يراه الناس، ولم يترك أحداً يمشى معه، بل أمر كل من أراد المشى معه من أصحابه بالصلاة في مكانه (٤). ولما ولى وردت إليه رسل ملوك الأطراف بالهنا بخلافته، والعزاء عن والده (٥). وفى تاريخ ابن كثير (٦): ثم إن المستنصر بالله كان يواظب حضور الجماعة راكبا ظاهرا

стр. 1084

للناس، وإنما معه خادمان وركبدار (١)، وخرج مرة وهو راكب فسمع ضجة عظيمة، فقال: ماهذا؟ فقيل: التَّأْذِين (٢)، فترجل عن مركوبه وسعى ماشيا، ثم صار يدمن المشى إلى الجمعة رغبة في التواضع والخشوع، ويجلس قريبا من الإمام ويستمع [٣١] الخطبة، ثم أصلح له المطبق فكان يمشى فيه إلى الجمعة، وركب في الثانى والعشرين من شعبان ركوبا ظاهرا للناس عامة، ثم تصدق بصدقات عظيمة كثيرة من سائر الأصناف على سائر الأصناف من الخلائق. ذكر ماجريات جلال الدين بن خوارزم شاه وفى هذه السنة التقى جلال الدين مع الكرج فكسرهم كسرة عظيمة، وصمد إلى أكبر معاملتهم تفليس ففتحها عنوة، وقتل من فيها من الكفرة، وسبى ذراريهم، ولم يتعرض لأحد من المسلمين الذين كانوا بها، واستقر ملكه عليها، وقد كان الكُرْج أخذوها من المسلمين في سنة خمس عشرة وخمسمائة، وهى بأيديهم إلى الآن حتى استنفذها منهم جلال الدين، فكان هذا فتحا عظيما، ولم يقدر الملوك الأول الذين هم بجوارها أن يملكوها (٣). وفيها عصى على جلال الدين بَراق الحاجب، وطمع في البلاد أن يتملكها لِبُعْده عنها، واشتغاله بأمر الكُرج، وأرسل إلى التتار يعرفهم بما اجتمع عليه من العساكر، وأخذه بعض البلاد، ومتى أخذ الباقى عظمت مملكته، وكثرت عساكره، وسار إليكم لقصدكم، فلما سمع جلال الدين ذلك ترك قصد خلاط وسار إلى كرمان يطوى المراحل، فلما سمع براق بقرب السلطان أخذ معه ما يعز عليه، وتحصن ببعض القلاع، فَسَيَّر إليه رسولا يطيب قلبه، فأبى أن ينزل فأقرَّه جلال الدين على ما بيده، ثم وصل الخبر من تفليس أن عسكر الأشرف الذى بخلاط هزموا بعض عسكره، وأوقعوا بهم ويحثه على العود، فعاد إليها مسرعا (٤).

стр. 1085

وذلك أن جلال الدين لما سار إلى كرمان ترك عسكراً صحبة وزيره شرف الملك، فقلت عليهم الميرة، فساروا إلى أعمال أرزن الروم (١) وشنوا الإغارة عليهم، وأخذوا شيئاً من الغنائم وعادوا، وكان طريقهم على أطراف ولاية خلاط، فبلغ النائب بها عن الأشرف ابن العادل وهو حسام الدين على الحاجب، فجمع عسكراً، فأوقع بهم واستنقذ ما معهم، فلما جرى الأمر على هذه الصورة سيَّر شرف الملك الوزير أعلم السلطان بالحال، وكان جلال الدين والملك المعظم صاحب الشام، وناصر الدين [٣٢] صاحب ماردين، ومظفر الدين صاحب إربل اتفقوا على أخذ الموصل، وأن يتغلبوا عليها، ويكون لكل منهم نصيب، واستقرت القاعدة على ذلك، فبادر مظفر الدين صاحب إربل إلى الموصل، وسار جلال الدين من تفليس يريد أخلاط، فأتاه الخبر أن نائبه ببلاد كرمان وهو براق الحاجب قد شق العصى، فلما علم ترك قصد خلاط وانفسخ جميع ما كانوا عزموا عليه، إلا مظفر الدين فإنه سار من إربل ونزل على جانب الزَّاب (٢)، ولم يمكنه العبور، وكان بدر الدين صاحب الموصل سير إلى الأشرف يستنجده، ليدفعوا مظفر الدين عن الموصل، فسار منها إلى حران (٣) ودنيسر (٤)، فخرب بلاد ماردين، وأما المعظم فإنه قصد حماة وحمص، وأرسل إلى أخيه الأشرف يقول: إن رحلت عن ماردين رحلنا عن حمص وحماة. فرحل الأشرف عن ماردين، وعاد كل منهم إلى بلاده، وخربت أعمال ماردين وبلاد الموصل، وصار الغلاء بهذه الأقاليم (٥). وفى تاريخ النويرى: وكان نزول جلال الدين على أخلاط ثالث عشر ذى القعدة من هذه السنة، ورحل عنها لسبع بقين من ذى الحجة بسبب كثرة الثلوج، وكانت هي منازلته الأولى، وفى الخامس والعشرين من ذى الحجة نازل جلال الدين خلاط أيضا وهى منازلته الثانية، وجرى بينهم قتال شديد، وأدركه البرد فرحل عنها في هذه السنة (٦).

стр. 1086

وفيها أوقع السلطان جلال الدين بالتركمان الإيوانية (١) بأسا شديدا، وكانوا يقطعون الطريق على المسلمين، ويشوشون عليهم (٢). ذكر ماجريات بنى أيوب وفى تاريخ بيبرس: ولما اتفق الملك المعظم، والسلطان جلال الدين، ومظفر الدين ابن زين الذين، وصاروا يداً واحدة، وقع الاتفاق بينهم على أن يقصد مظفر الدين صاحب إربل بدر الدين صاحب الموصل، ويحصر بلاده؛ ويقصد جلال الدين خلاط وأعمال الملك الأشرف ليشتغل كل منهما بنفسه، ويقصد الملك المعظم حمص وحماة ويحاصرهما، وكان الملك المجاهد أسد الدين [٣٣] شيركوه صاحب حمص والملك الناصر قليج أرسلان بن الملك المنصور صاحب حماة والحلبيون كلهم منتمون (٣) إلى خدمة الملك الأشرف، ولم يكن أحد من البيت الأيوبى منتميا إلى الملك المعظم إلا الملك الأمجد بهرام شاه بن فرخشاه بن شاهنشاه بن أيوب صاحب بعلبك (٤)، والملك الصالح عماد الدين إسماعيل صاحب بصرى (٥) والسواد (٦)، والملك العزيز عثمان ابنا الملك العادل، وكان هذان ملازمين خدمة أخيهما لا يفارقانه، والذى قوى طمع المعظم أن أخاه الملك الكامل كان خائفاً من جنده إذا خرج من مصر بعساكره، وأرسل إليه الملك المعظم مرارًا يقول له: إن قصدتنى لم آخذك إلا بعسكرك. فوقع عند الملك

стр. 1087

الكامل وهم من ذلك، ولم يجسر على الخروج من مصر، وصمم المعظم على قصد حماة وحمص، ورأى البداية بحمص فسير أولا جماعة من عرب دمشق، فأغاروا على قرى حمص، فنهبوها وأخربوها، ووصل من جهة الملك الأشرف الأمير مانع بن حُدَيثهَ أميرآل فضل (١) في جموع كثيرة من العرب، لإنجاد الملك المجاهد أسد الدين شيركوه (٢)، فانتهبوا قرى المعرة (٣) وحماة، وقسموا البيادر (٤)، ثم خرج الملك المعظم من دمشق في عساكره، ولما وصل إلى حمص اندفع مانع وعربُ حلبَ والجزيرة إلى قنسرين، ثم نزلوا قراحصار (٥)، ثم تركوا أظعانهم بمرج دابق (٦)، وساروا جريدة إلى أرض حمص، فوقعت بين عرب مانع وعرب دمشق عدة وقعات. وجرَّد الأتابك شهاب الدين طغريل عسكراً من حلب نجدةً لصاحب حمص، فوصلوا إليها قبل أن ينازلها المعظم، واتفق أن توافى العسكران، فتواقعوا واقتتلوا، ثم دخلوا إلى حمص، وكان الملك الأشرف نازلا بالرقَّة (٧)، وجاءه الخبر بحركة السلطان علاء (٨) الدين كيقباذ بن كيخسرو بن قليج أرسلان السلجوقى - صاحب بلاد الروم - إلى جهة آمد، وصاحبها الملك المسعود بن

стр. 1088

الملك الصالح محمود بن محمد بن قرا أرسلان بن سقمان بن أرتق، وأنه استولى من بلاده على حصن منصور (١) والكختين (٢). فسيَّر الملك الأشرف نجدة إلى صاحب [٣٤] آمد فالتقاهم عسكر السلطان علاء الدين فهزمهم، فرحل الملك الأشرف إلى حران وخرج من بقي من عسكر حلب إلى حاضر قنسرين (٣) لإنجاد الملك المجاهد صاحب حمص. وأخرب الملك المعظم قرايا حمص ومزارعها، وامتدَّت غاراته إلى سلميَّة (٤)، وهى للملك المظفر بن المنصور وهو عند الملك الكامل بمصر. وطال مقام الملك المعظم على حمص، ولم ينل من قلعتها ومدينتها غرضاً، ووقع الفناء في عسكره، وماتت دوابّهم، وكثر المرض فيهم، فرحل عن حمص في شهر رمضان من هذه السنة (٥). وفيها قدم الملك الأشرف إلى أخيه المعظم جريدةً قصداً لقطع مادة الشرّ، فالتقاه أخوه المعظم وأظهر السرور به، وضربت البشائر لمقدمه، وأظهر الابتهاج العظيم به، وحكَّمه في خزائنه، وحاله في الباطن يُخالف ما أظهر، والرُّسل مترَددة بينه وبين السلطان جلال الدين خوارزم شاه، ووصل إليه رسوله وصحبته خلعة للمعظم فلبسها، ولما انقضى شهر رمضان خرج المعظم والأشرف إلى المرج متنزهين، وورد إليهما من حلب القاضى بهاء الدين بن شداد (٦)، ومظفر الدين بن جرديك في طلب تجديد الأيمان للملك العزيز بن الملك الظاهر ولأتابكه شهاب الدين طغريل، ولما وصلا وجدا

стр. 1089

الملك الأشرف عند الملك المعظم لا ينفردُ عنه بأمر ولا يتجاسر - لكونه في قبضته - على مخالفته في قليل ولا كثير، ولا يتأنَّى له الانفرادُ عنه، فدامت المراجعات بينهما وبين الأتابك مستمرة مدة شهرين إلى أن ورد خبر نزول السلطان على خلاط، ثم استدعيا رسولى صاحب حلب وحلفا لهما، ورجعا إلى حلب، ثم انتقل الأشرف والمعظم إلى البلاد الغورية (١) يُشَتِّيان بها (٢). ذكر بقية الحوادث منها أنه وصلت الخلع من الخليفة الظاهر (٣) بأمر الله والتقليد إلى السلطان الملك الكامل (٤) وأولاده الملك المسعود (٥) والملك الصالح نجم الدين أيوب، وخلعة لوزيره الصاحب (٦) صفى الدين، وكان السلطان (٧) قد توفى فأمر السلطان أن يلبسها الفخر سليمان كاتب الإنشاء، ولبس السلطان وأولاده الخلع، وعبروا من باب [٣٥] النصر (٨)، وشقوا

стр. 1090

القاهرة، وخرجوا من باب زويلة (١)، وطلعوا إلى قلعة الجبل (٢) وكان يوما مشهودا (٣). ومنها أن الملك المسعود بن الملك الكامل سافر إلى اليمن بعد أن سأل من أبيه أن يقيم بمصر في خدمته، ويُسلم اليمن لمن يأمر السلطان، فلم يوافقه الكامل على ذلك (٤). وقال بيبرس في تاريخه: وفى سنة ثلاث وعشرين وستمائة قدم الملك المسعود بن الملك الكامل من الحجاز إلى مصر، ثم عاد إليها، وخرج والده الكامل لوداعه (٥)، ومضى على طريق السُوَيْس (٦) إلى قلعة صدر (٧)، وعيَّد الكامل على الخضراء (٨) بالقرب من الخَشَبِى (٩). ومنها أنه كان قتال عظيم بين إبْرَنْس أنطاكية وبين الأرمن، وجرت خطوبٌ كثيرة بينهم (١٠).
следующие страницы →