← История

История · id 380

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [565 - 628 هـ]

بدر الدين العيني

Полный текст (1 226 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

جنكيزخان وهو مخيّم على الطالقان، فجهز منهم طائفة إلى غزنة، فاقتتل معهم جلال الدين المذكور فكسرهم كسرة عظيمة على ماذكرنا، واستنقذ منهم خلقًا من أساري المسلمين، ثم كتب إلى جنكيز خان يطلب منه أن يبرز بنفسه لقتاله، فقصده جنكيزخان فتواجها، وقد مزق جلال الدين بعض جيشه ولم يبق له بُدّ من القتال، فاقتتلوا ثلاثة أيام لم يعهد مثلها قبلها من قتال، ثم ضعف أصحاب جلال الدين فذهبوا فركبوا في البحر يعني بحر الهند، فسارت التتار إلى غزنة فأخذوها بلا كلفة ولا ممانعة (١). وفي تاريخ النويري (٢): ولما فرغ التتار من خراسان عادوا إلى ملكهم جنكيزخان، فجهز جيشا كثيفا إلى غزنة (٣) وبها جلال الدين منكبرتي بن خوارزم شاه مالكا لها، وقد اجتمع إليه كثير من عسكر أبيه. قيل: كانوا ستين ألفا مقاتلين، وكان الجيش الذي أرسله جنكيزخان اثني عشر ألفا [٤٠٦] فالتقوا مع جلال الدين واقتتلوا، فانتصر المسلمون وانهزمت التتار، وتبعهم المسلمون يقتلونهم كيف شاؤوا، ثم أرسل جنكيز خان جيشا آخر أكثر من الأول مع بعض أولاده، فوصلوا إلى كابل (٤) واقتتلوا مع المسلمين فانهزم التتار أيضا وقتل المسلمون منهم خلقا كثيرا وغنموا شيئا كثيرا، وكان في عسكر جلال الدين أمير كبير مقدام هو الذي كسر التتار على الحقيقة يقال له: بغراق فوقع بينه وبين أمير آخر كبير يقال له: ملك خان صاحب هراة وله نسب إلى خوازرم شاه، وكان سبب الوقوع المكسب قتل فيه أخو بغراق، فغضب بغراق وفارق جلال الدين، وسار إلى الهند وتبعه ثلاثون ألف فارس، ولحقه جلال الدين واستعطفه، فلم يرجع، فضعف عسكر جلال الدين بسبب ذلك، ثم وصل جنكيزخان بنفسه في جيوشه، وقد ضعف جلال الدين بما نقص من عسكره بسبب بغراق، فلم يكن له بجنكيزخان قدرة، فترك جلال الدين البلاد وسار إلى الهند، وتبعه جنكيزخان حتى أدركه على ماء عظيم وهو نهر السند، ولم يلحق جلال الدين ومن معه أن يعبروا النهر فاضطر إلى القتال، وجرى بينهم وبين جنكيزخان

стр. 982

قتال عظيم لم يسمع قبله مثله، وصبر الفريقان وأقاموا ثلاثة أيام على ذلك، فقتل من الفريقين خلق عظيم، وذلك يوم الأربعاء لثمان بقين من شوال سنة ثماني عشرة وستمائة، وكانت الكرة أولا على جنكيزخان ثم عادت على جلال الدين، وكان القتل والجرح في التتار أكثر، ثم تأخر كل منهما عن صاحبه (١). فعبر جلال الدين ذلك النهر إلى جهة الهند، وأسر التتار ولد جلال الدين ابن سبع سنين، وقتل بين يدي جنكيزخان صبرا، ثم إن جلال الدين لما أراد عبور النهر رأي والدته وأم ولده وجماعة من خدمه يصحن ويبكين، ويقلن: بالله اقتلنا وخلصنا من الأسر، فأمر بهن فغرقن في النهر، وهذا من أعظم البلايا ونوادر المصائب والرزايا. ثم اقتحم جلال الدين وعسكره ذلك النهر العظيم، فنجا منهم إلى ذلك البر تقدير أربعة آلاف رجل حفاة عراة، وأرمي الموج جلال الدين مع ثلاثة من خواصه إلى موضع بعيد، وقعد أصحابه ثلاثة أيام، فبقوا حائرين إلى أن اتصل بهم جلال الدين فاتخذوا بمقدمه عيدًا، ثم جرى بين جلال الدين وبين أهل تلك البلاد وقائع انتصر فيها جلال الدين، ووصل إلى نهاور من الهند وأقام بها، ثم إن جنكيزخان لما أيس من جلال الدين عاد إلى غزنة واستولى عليها وقتل أهلها، ونهب أموالها (٢). وسنذكر بقية ماجريات جلال الدين وماجريات أخوته أولاد علاء الدين خوارزم شاه في أثناء السنين الآتية إن شاء الله. ذكر بقيه الحوادث منها أن الملك المظفر شهاب الدين غازي بن الملك العادل استولى على أخلاط (٣) و ميافارقين (٤)، وذلك أنه كانت بيده الرها (٥) وسروج (٦)، وكانت ميافارقين وأخلاط بيد

стр. 983

الملك الأشرف، ولم يكن للأشرف ولد فجعل أخاه المظفر المذكور ولي عهده، وأعطاه ميافارقين وأخلاط وبلادها، وهي إقليم عظيم يضاهي ديار مصر، وأخذ الأشرف منه الرها سروج (١). ومنها أن الملك المعظم عزل المعتمد مبارز (٢) [٤٠٧] الدين إبراهيم عن ولاية دمشق وولاها العزيز خليل (٣). ومنها أن في المحرم هبت رياح ببغداد، وجاءت بروق، وسمعت رعود شديدة، وسقطت صاعقة بالجانب الغربي على المنارة المجاورة لعُوق (٤) ومُعِين (٥) فثلمتها، ثم أصلحت وغارت الصاعقة في الأرض (٦). ومنها أن صاحب سنجار قتل أخاه، فسار الأشرف إليها فأخذها، وعوض صاحب سنجار الرقة (٧). وفيها أن ابن المشطوب نافق على الأشرف، وعاث في أرض سنجار، وساعده صاحب ماردين (٨)، وكان نجم الدين بن عصرون مع ابن المشطوب قدوزّر له، فسار الأشرف ونزل على دنيسير، وجاء الملك الصالح فأصلح بين صاحب ماردين والأشرف، ودخل ابن مشطوب إلى تل أعفر (٩)، وسار إليه فارس الدين بن صبرة من نصيبين، وبدر الدين لؤلؤ من الموصل وحصراه في تل أعفر، فأنزله بدر الدين لؤلؤ بالأمان وحمله معه إلى الموصل، ثم قيده وبعث به إلى الأشرف، فألقاه الحاجب علي في الجب، فمات

стр. 984

بالقمل والجوع، وكان نور الدين بن عماد الدين صاحب قرقيسيا (١) مع الأشرف وقد كاتب عليه، واتفق مع ابن المشطوب، فاعتقله الأشرف وبعث به مع العلم تعاسيف إلى قرقيسيا وعانه، وعلق نور الدين برجليه تحت القلعتين وعذبه، فسُلمت إلى تعاسيف جميع بلاده، وأراد الأشرف أن يرميه في الجب فتشفع إلى الملك المعظم، فشفع فيه إلى الأشرف فأطلقه، وسار نور الدين إلى دمشق وأحسن المعظم إليه، فاشترى في العقيبة بستان ابن جيوش وأقام به. قلت: العلم تعاسيف اسمه قيصر، وتعاسيف لقبه (٢). ومنها أنه كانت في رجب وقعة بين الملك الكامل وبين الإفرنج في أرض البرلس (٣)، وكانت وقعة عظيمة، قتل الكامل منهم عشرة الاف، وغنم خيولهم وسلاحهم، ورجعوا إلى دمياط مهزومين (٤). وفيها ( ........... ) (٥) وفيها حج بالناس من العراق أقباش (٦) الناصري، ولكنه قتل كما نذكره في الوفيات. ومن الشام المعتمد مبارز الدين إبراهيم، ولم يحج أحد من العجم بسبب خروج التتار في البلاد وفسادهم (٧). ذكر من توفي فيها من الأعيان شيخ (٨) الشيوخ صدر الدين أبو الحسن محمد بن شيخ الشيوخ عماد الدين محمود بن حمويه من بيت رئاسة وإمرة عند بني أيوب، وكان شيخ الشيوخ هذا فقيهًا فاضلًا، درس بتربة الشافعي بمصر وبمشهد الحسين وولي مشيخة سعيد السعداء والنظر فيها، وكانت له حرمة وافرة عند الملوك، وأرسله الملك الكامل إلى الخليفة يستنصره على الفرنج فمات بالموصل بالإسهال، ودفن بها عند قضيب البان عن ثلاث وسبعين سنة.

стр. 985

وقال أبو شامة (١): وصل إلى الموصل في منتصف جمادى الآخرة فتوفي بها بعلة الذرب في الرابع والعشرين منه. ابن الجهني (٢) أبو عبد الله الحسين بن محمد بن أبي بكر بن المجلى الموصلي، ويعرف بابن الجهني، كان شابًا فاضلًا، ولي كتابة الإنشاء لبدر الدين لؤلؤ زعيم الموصل، ومن شعره: [٤٠٨] نفسي فداءُ الذي فكرتُ فيه وقد … غدوتُ أغرق في بحر العجبِ يبدو بليل على صبح على قمر … على قضيب على وهم على كثب رضي (٣) الدين المؤيد بن محمد بن على الطوسي الأصل النيسابوري الدار؛ المحدث، مات في هذه السنة، وكان أعلى المتأخرين إسنادا، سمع كتاب مسلم من الفقيه أبي عبد الله محمد بن الفضل الفراوي وكان الفراوي فاضلا، قرأ الأصول على إمام الحرمين، وسمع الفراوي صحيح مسلم على عبد الغافر في سنة تسع وعشرين وخمسمائة، وكانت ولادة رضي الدين في سنة أربع وعشرين وخمسمائة، ومات في شوال من هذه السنة. الشيخ (٤) عبد الله اليونيني؛ أسد الشام، من قرية يقال لها: يونين. من بعلبك، وكانت له زاوية يقصد فيها للزيارة، وكان من الصالحين الكبار المشهورين بالعبادة والرياضة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، له همة عالية في الزهد والورع بحيث أنه كان لا يقتني شيئا ولا يملك مالا ولا ثيابا، ولا يتجاوز قميصا في الصيف وفروة فوقه في الشتاء، وعلى رأسه قبع من جلد الماعز، شعره إلى ظاهره، وكان لا ينقطع عن غزاة من الغزوات، ويرمي عن قوس زنته ثمانون رطلًا بالدمشقي، وكان يجاور في بعض الأحيان بجبل لبنان، ويأتي في الشتاء إلى عيون العاسريا التي في سفح الجبل المطل على قرية دومة، شرقي دمشق، لأجل سخونة الماء فيقصد بالزيارة هنالك، ويجيء تارة إلى دمشق فينزل بسفح قاسيون عند القادسية، وكانت له أحوال ومكاشفات صالحة.

стр. 986

وحكى السبط (١) عن القاضي جمال الدين يعقوب الحاكم بكرك البقاع أنه شاهده مرة وهو يتوضأ من ثورا (٢) عند الجسر الأبيض، إذمر نصراني ومعه حمل بغل خمرا (٣)، فعثرت الدابة عند الجسر، فسقط الحمل، فرأى الشيخ وقد فرغ من وضوئه ولا يعرفه، فاستعان به على رفع الحمل، فاستدعاني الشيخ، فقال: تعال يافقيه ساعدنا على تحميل هذا (٤) الحمل على الدابة فتساعدنا عليه، وذهب النصراني فتعجبت من ذلك، وتبعت الحمل وأنا ذاهب إلى المدينة، فانتهى به إلى العقيبة (٥) فأورده إلى الخَمَّار بها فإذا هو خل، فقال له الخمار: ويحك ذا خل. فقال النصراني: أنا والله أعرف من أين أتيت. ثم ربط الدابة في خان، ورجع إلى الصالحية. فسأل عن الشيخ فعرفه، فجاء إليه فأسلم على يديه. وكان لا يقوم الأحد يدخل إليه، ويقول: إنما يقوم الناس لرب العالمين. وكان يدخل إليه الملك الأمجد صاحب بعلبك ويجلس بين يديه، فيقول له الشيخ: يا مجيد فعلت كذا وكذا، ويأمره بما يأمره وينهاه بما ينهاه عنه، وهو يمتثل جميع ما يقوله، وماذاك إلا لصدقه في زهده وورعه، وكان يقبل الفتوح ولكن لا يدخر منه شيئًا الغد، وإذا اشتد جوعه أخذ من ورق اللوز فيفركهـ ويستفه ويشرب فوقه الماء البارد، وذكروا أنه كان يحج في بعض السنين في الهواء، وقد وقع هذا الطائفة كبيرة (٦) من الزهاد وصالح العباد (٧). وقال ابن كثير (٨): ولم يبلغنا هذا عن أحد من أكابر العلماء وأول من يذكر عنه هذا حبيب العجمي من أصحاب الحسن البصري ثم من بعده من (٩) الصالحين. وقال السبط (١٠): كنت قد اجتمعت به في الشام من سنة ستمائة إلى سنة ثلاث وستمائة، وكان له تلميذ اسمه توبة، وكان من الصالحين الأجواد، وسافرت إلى العراق في سنة

стр. 987

أربع وستمائة، وحججت، فلما كان [٤٠٩] يوم عرفة صعدت جبل عرفات وإذا بالشيخ عبد الله قاعد على رأس الجبل مستقبل الكعبة، وعليه الثوب الخام، وعلى رأسه القلنسوة (١) السوداء، فسلمت عليه، فرحب بي وسألني عن طريقي، وقعدت عنده (٢) إلى قريب الغروب، ثم قلت له: ما تقوم تروح إلى المزدلفة. قال: اسبقني أنت على رفاق. فنزلت من الجبل وأتيت المزدلفة، ووقفت بها، وجئت إلى مني فدخلت مسجد الحنيف، وإذا بالشيخ توبة خارج من المسجد، فسلم على، فقلت له: أين نزل الشيخ؟ ظنًا مني أنه قد حج معه، فقال: أيما شيخ؟ قلت: الشيخ عبد الله. قال: خلفته ببعلبك. ففطنت، فقلت: مبارك. ففهم فلزم بيدى وبكي. وقال: بالله حدثني إيش معنى هذا؟ فقلت: رأيته البارحة على عرفات وحدثته الحديث ورجعت أنا على بغداد، وجاء توبة إلى دمشق، وحدّث الشيخ عبد الله الحديث، فحدثني توبة قال: قال لي الشيخ: ماهو صحيح منك، فلان فتى، والفتى ما يكون غمازًا. فلما عدت إلى الشام عتبنى الشيخ فقلت: توبة تلميذك. فقال: لا تعد إلى مثلها. كأنه كره أن يتحدث له بكرامة في حال حيوته. وقال ابن كثير (٣) ناقلا عن السبط (٤) قال: حكى لي عبد الصمد خادِمه قال: لما كان يوم الجمعة من العشر الأول من ذي الحجة نزل فصلى الجمعة بجامع بعلبك وهو صحيح ليس به شيء، ودخل الحمام قبل الصلاة، واغتسل، وكان عليه ثوبان قد سماهما لامرأتين (٥)، وجاءه داود المؤذن وكان يغسل الموتى، فقال له: ويحك ياداود انظر كيف تكون غدا؟ فما فهم داود. وقال: يا سيدي كلنا غدا في غفارتك. ثم صعد الشيخ إلى المغارة، وكان قد أمر الفقراء أن يقطعوا صخرة عند اللوزة التي كان ينام تحتها ويقعد عندها، وعندها قبر، وكان في نهار الجمعة، قد نُحرت الصخرة وبقى منها مقدار نصف ذراع. فقال لهم: لا تطلع الشمس إلا وقد فرغتم منها. قال: وبات طول

стр. 988

الليل يذكر أصحابه ومعارفه ويدعو لهم، وطلع الصبح فصلى بي، وخرج إلى صخرة كان يجلس عليها، فجلس عليها وبيده سبحته، وقام الفقراء يتممون الصخرة، وطلعت الشمس وقد فرغوا منها، والشيخ قاعد نائم والسبحة بيده. وجاء خادم من القلعة إليه في شغل، فرآه نائمًا قاعدا، فما تجاسر أن يوقظه، فقعد ساعة، فطال عليه، فقال: يا عبد الصمد ما أقدر أقعد أكثر من هذا. قال: فتقدمت إليه وقلت: سيدي سيدي فما تكلم، فحركته فإذا به ميّت، وقد فرغوا من الصخرة، وعملوا فيها ساعة، وهو ميت، وارتفع الصياح، وكان صاحب بعلبك في الصيد، فأرسلوا وراءه فجاء، فرآه على تلك الحال لا وقع ولا وقعت السبحة من يده، وهو كأنه نائم، فقال: دعونا نبنى عليه بنيانًا وهو على حاله ليكون أعجوبة الدنيا أن الإنسان يموت وهو قاعد ولا يتغير. فقالوا: اتباع السنة أولى، وطلع داود فغسله، ودفع الثوبين إلى المرأتين. ولما ألحدوه قال له الحفار: يا شيخ عبد الله اذكر ما عاهدتنا عليه. قال: ففتح عينيه ونظر إلىَّ شزرا. ودفن عند اللوزة يوم السبت، وقد جاوز ثمانين سنة ﵁ ورحمه. وكان الشيخ محمد الفقيه اليونيني من جملة تلامذته ومن يلوذ به. وهو جد هؤلاء المشايخ بمدينة بعلبك (١). الملك (٢) المنصور محمد بن الملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب صاحب حماة [٤١٠] توفي في ذي القعدة منها بقلعة حماة، وكانت مدة مرضه أحدًا وعشرين يوما، وورم دماغة قبل موته، وكان شجاعا عالما محبا للعلماء، ورد إليه منهم جماعة كثيرة، قيل: الشيخ سيف الدين الآمدي، وكان في خدمة المنصور قريب من مائتي متعمم من النحاة والعلماء والمشتغلين بغير ذلك، وصنف المنصور عدة مصنفات مثل: المضمار في التاريخ في عشر مجلدات، وطبقات الشعراء، وكان معتنيا بعمارة بلده والنظر في مصالحه، وهو الذي بنى الجسر الذي خارج باب حمص، واستقر له بعد وفاة والده من البلاد: حماة، والمعرة (٣)، وسلمية (٤)، ومنبج (٥)، وقلعة نجم (٦)، فلما فتح

стр. 989

بارين (١) وكان بيد إبراهيم بن المقدم، ألزمه عمه السلطان الملك العادل أن يردها عليه، فأجاب إلى تسليم منبج وقلعة نجم عوضا عنها، وهما خير من بارين بكثير، ولكنه اختار ذلك لقرب بارين من بلده، وجرت له حروب مع الفرنج وانتصر فيها، وكان ينظم الشعر، ولما توفى الملك المنصور كان ولده الملك المظفر المعهود إليه بالسلطنة عند خالة الملك الكامل بديار مصر في مقابلة الفرنج، وكان ولده الآخر الملك الناصر صلاح الدين قليج أرسلان عند خاله الآخر الملك المعظم بدمشق، وهو في الساحل في الجهاد وقد فتح قيسارية وهدمها، وسار إلى عثليث (٢) ونازلها، وكان الوزير بحماة زين الدين بن فريج، فاتفق هو وأكابر الدولة على استدعاء الملك الناصر صلاح الدين لعلمهم بلين عريكته وشدة بأس الملك المظفر، فأرسلوا إلى الملك الناصر وهو مع الملك المعظم كما ذكرنا، فمنعه الملك المعظم من التوجه إلا بتقرير مالي عليه يحمله إلى الملك المعظم في كل سنة، قيل: إن مبلغه أربع مائة ألف درهم. فلما أجاب الملك الناصر إلى ذلك وحلف عليه، أطلقه الملك المعظم. فقدم الملك الناصر إلى حماة، واجتمع بالوزير زين الدين بن فريج وبالجماعة الذين كاتبوه، واستحلفوه على ما أرادوا، وأصعدوه إلى القلعة، ثم ركب من القلعة بالصناجق السلطانية، وكان عمره إذ ذاك سبع عشرة سنة لأن مولده سنة ستمائة. ولما استقر الملك الناصر في حماة وبلغ أخاه الملك المظفر ذلك استأذن الملك الكامل في المضى إلى حماة ظنا منه أنه إذا وصل إليها يسلمونها له بحكم العهد الذي كان له في أعناقهم، فأعطاه الملك الكامل الدستور، وسار حتى وصل إلى الغور، فوجد خاله المعظم صاحب دمشق هناك، فأخبره ابن أخيه (٣) الناصر قد تملك حماة، ويخشى عليه أنه إن وصل إليه يعتقله، فسار الملك المظفر إلى دمشق وأقام بداره المعروفة بالزنجيلي، وكتب الملك المعظم والملك المظفر إلى أكابر حماة في تسليمها إلى الملك المظفر، فلم يحصل منهم إجابة، فعاد الملك المظفر إلى مصر وأقام في خدمة الملك الكامل، وأقطعه إقطاعا بمصر. وكان منه ما سنذكره إن شاء الله تعالى.

стр. 990

الملك (١) الصالح ناصر الدين محمود بن قرا أرسلان بن أرتق، صاحب آمد، توفي في هذه السنة في صفر بآمد، وكان شجاعا عاقلا جوادا محبا للعلماء، وكان مصاحبًا للملك الأشرف موسى بن السلطان الملك العادل، يجيء إلى خدمته مرارا، وملك بعده ولده الملك المسعود، وكان بخيلا فاسقًا، فأخذه الملك الكامل وحبسه بمصر ثم أطلقه، فأخذ أمواله التتار. قال أبو شامة (٢): أخذ الملك الكامل منه أمد وحمله إلى مصر، فحبسه في الجب مدة ثم أطلقه، فمضى إلى التتار [٤١١] ومعه أموال فأخذت منه. الملك (٣) الفائز غياث الدين إبراهيم بن الملك العادل، كان قد انتظم له الأمر في الملك بعد أبيه على الديار المصرية على يدي الأمير عماد الدين أحمد بن المشطوب كما ذكرنا، لولا أن الملك الكامل تدارك ذلك سريعا، ثم أرسله أخوه في هذه السنة إلى أخيهما الملك الأشرف موسى يستحثه في سرعة المسير إليهم بسبب الفرنج، فمات بين سنجار والموصل، وقد ذُكِر أنه سُمَّ فَرُدِّ إلى سنجار فدفن بها عند تربة عماد الدين زنكي. الأمير (٤) أبو عزيز قتادة بن إدريس بن مطاعن بن عبد الكريم العلوي الحسني الزيدي؛ صاحب مكة شرفها الله تعالى، مات في جمادى الأولى من هذه السنة، وقد بلغ من السن سبعين سنة. وذكر ابن الأثير (٥) وفاته في سنة ثماني عشرة وستمائة، وكان شيخا طويلا مهيبا لا يخاف من أحد من الخلفاء ولا الملوك، ويرى أنه أحق بالأمر من كل أحد، وكان الخليفة يود أن لو حضر عنده فيكرمه، وكان يأبى من ذلك ويمتنع منه أشد الامتناع، ولم يفد إلى أحد قط ولاذل لخليفة ولا ملك: قد كتب إليه الخليفة مرة يستدعيه فكتب إليه:

стр. 991

ولي كفُّ ضرغام أَذِلَّ ببطشِها … وأَشري بها بين الورى وأبيع وكل (١) ملوكِ الأرضِ تلثمُ ظَهَرهَا … وفي وسطها (٢) للمجد بين ربيع أأجعَلُها تحت الرحا ثم أبتغي … خلاصًا لها إني إذا لرقيع وما أنا إلا المسكُ في كل بقعة (٣) … يَضُوُع وأما عندكم فيضيعُ (٤) وقال أبو شامة (٥): ولما كتب إليه الخليفة، قال: أنت ابن العم والصاحب، وقد بلغني شهامتك وحفظك للحاج وعدلك، وشرف نفسك وعفتك ونزاهتك، وقد أحببت أن أراك وأشاهدك وأحسن إليك، فكتب إليه هذه الأبيات، وقال أيضا: ولم يرتكب كبيرة على ما قالوا، وكان في زمانه يؤذن في الحرم بحي على خير العمل على مذهب الزيدية، وكان عادلا منصفا نقمة على عبيد مكة والمفسدين، والحاج في أيامه مطمئنون آمنون على أنفسهم وأموالهم. وفي تاريخ النويري (٦): وكانت ولايته قد اتسعت إلى نواحى اليمن، وكان حسن السيرة في مبدء أمره، ثم أساء السيرة وجدد المظالم والمكوس (٧) وصورة ما جرى له أن قتادة كان مريضا فأرسل عسكرا مع أخيه ومع ابنه الحسن بن قتادة للاستيلاء على مدينة النبي ﷺ وأخذها من صاحبها، فوثب الحسن بن قتادة في أثناء الطريق على عمه فقتله، وعاد إلى أبيه قتادة بمكة فخنقه، وكان له أخ نائب (٨) بقلعة ينبع (٩) فأرسل إليه ا لحسن فحضر إلى مكة فقتله أيضا، وارتكب من ذلك أمرًا عظيما في قتل أبيه وعمه

стр. 992

وأخيه في أيام يسيرة، ولم يمهل الله حسنا أيضا بل سلبه الملك وشرده في البلاد، وقيل: بل قتل. وذلك أن الأمير أقباش امير حاج العراق قدم مكة في هذه السنة ومعه خلع للأمير حسن بن قتادة المذكور بولايته لإمرة مكة بعد أبيه، فنازع في ذلك راجح وهو أكبر أولاد قتادة، وقال: لا يؤمر عليها غيري. فوقعت فتنة أفضت إلى قتل أقباش غلطا، وتشتت حال حسن المذكور وشرد في البلاد وقيل: بل قتل كما ذكرنا (١). الأمير (٢) أقباش بن عبد الله الناصري؛ اشتراه الخليفة وهو ابن خمس عشرة سنة بخمسة آلاف دينار، ولم يكن بالعراق أجمل صورة منه، ثم قربه [٤١٢] الخليفة إليه ولم يكن يفارقه، فلما ترعرع ولاه إمرة الحج والحرمين، وكان عاقلا متواضعا محبوبا إلى القلوب، حج ومعه خلع للتقليد لحسن بن قتادة، كان قتادة قد مات فلما وصل أقباش إلى عرفات جاءه راجح بن قتادة أخو حسن بن قتادة وسأله أن يوليه إمارة مكة وقال: أنا أكبر ولد قتادة. فلم يجبه، وظن حسن أن أقباش قد ولاه فأغلق أبواب مكة، وجاء أقباش فنزل بالشبيكة (٣) بعد أيام مني، ووقعت الفتنة بين حسن وأخيه، ومنع حسن الناس من الدخول إلى مكة، فركب أقباش ليسكن الفتنة ويصلح بين الأخوين، فخرج عبيد مكة وأصحاب حسن من باب المعلي يقاتلونه، فقال: ما قصدي القتال. فلم يلتفتوا عليه، وانهزم أصحابه وبقى هو وحده، وجاء عبد فعرقب فرسه فوقع إلى الأرض، فقتلوه وحملوا رأسه إلى حسن بن قتادة على رمح، فنصبه بالمسعى عند دار العباس، ثم رد إلى جسده ودفن بالمعلي (٤)، وأراد حسن نهب الحاج العراقي فمنعه المبارز المعتمد وخوفه الكامل والمعظم، فأجابه، ووصل الخبر إلى بغداد فحزن الخليفة حزنا عظيما، ولم يخرج الموكب للقاء الحاج، وأدخل الكوس والعَلمُ في الليل، ولم ينتطح فيه عنزان في قتل أقباش، وقد كان أولى أن يتناطح الكباش، وكان قتله في سادس عشر ذي الحجة.

стр. 993

السلطان (١) علاء الدين خوارزم شاه: والكلام فيه على أنواع: (الأول) في ترجمته: هو السلطان محمد بن علاء الدين تكش بن أرسلان بن أطسِز بن محمد بن أنوشتكين. وخوارزم شاه لقبه، سمي بذلك لأن كرسىّ مملكته كانت خوارزم، وكذلك كل من لقب بذلك كان لهذا المعنى، وكانت كُنتُه أبا الفتح، ورث المملكة عن أبيه علاء الدين تكش، وقد ذكرنا أن جده أرسلان بن أطسز توفي في سنة ثمان وستين وخمسمائة، وملك بعده ابنه الصغير سلطان شاه محمود، ودبرت والدته مملكته. وكان علاء الدين تكش مقيما بخندق أقطعه أبوه إياه (٢)، ولما مات سلطان شاه في سنة تسع وثمانين وخمسمائة استقر في مملكة خوارزم أخوه علاء الدين تكش بن أرسلان والد السلطان علاء الدين محمد خوارزم شاه، وفي أيامه انقرضت دولة بني سلچوق، وكان أعورا، ملك بخاري في سنة أربع وتسعين وخمسمائة، وكانت للخطا (٣)، ثم مات تكش في سنة ست وتسعين وخمسمائة، وملك بعده علاء الدين محمد بن تكش الملقب بخوارزم شاه المذكور. وكان ملوك التتار في أيامه ست أنفس، كل واحد منهم سُمِّى خان (٤)، وكان خانهم الأعظم الكبير الذي عاصر السلطان علاء الدين المذكور ألطون خان (٥) توارث المملكة كابرا عن كابر بل كافرًا عن كافر، وكانوا مقيمين بطوغاج، وهي واسطة الصين، وكان من جملتهم في عصره ملك سمي دوشي خان، وكان قد تزوج بعمة جنكيزخان، وهي من قبيلة معروفة بالتمرجي سكان البراري، ومنشأهم موضع يسمى أرغون (٦)، وكانوا

стр. 994

مشهورين بالشر والغدر، واتفق أن دوشي خان مات فجاء إليها جنكيزخان معزيا، ولم يخلف ولدا فتولي عوض دوشي خان، فلما سمع بذلك ألطون خان الذي هو أكبر الخانات غضب غضبا شديدا حيث ولي جنكيزخان بغير أمره، فآخر الأمر بعد ماجريات كثيرة قوى جنكيزخان وملك البلاد [٤١٣] ثم قصد بلاد المسلمين، وجري بين عسكره وعسكر خوارزم شاه ماجريات كثيرة قد ذكرناها في أثناء السنين المتقدمة، فآل آخر الأمر إلى أن تشتت حال خوارزم شاه، وتوفي في هذه السنة على ما نذكره إن شاء الله تعالى (١). (الثاني) في سيرته: كان فاضلا عالما بالفقه والأصول وغيرهما، وكان صبورًا على التعب وإدمان السير (٢). وقال ابن كثير (٣): وقد كان السلطان خوارزم شاه محمد فقيها حنيفا فاضلا، له مشاركات في فنون من العلم، يفهم جيدا ولم يكن بعد ملوك بني سلجوق أكثر حرمة ولا أعظم ملكا منه؛ لأنه إنما كانت همته في الملك لا في اللذات والشهوات، ولهذا قهر الملوك بتلك الأراضي، وأحل بالخطا بأسا شديدا حتى لم يبق ببلاد خراسان وما وراء النهر وكذلك عراق العجم وغيرها من البلاد والمماليك سلطان سواه، وجميع البلاد تحت أيدي نوابه، وكان قد اتسع ملكهـ وعظم محله، مَلَكَ من حد العراق إلى تركستان، وملك بلاد غزنة، وبعض الهند وسجستان وملك بلاد غزنة وكرمان وطبرستان وجرجان وبلاد الجبل وخراسان وبعض فارس. وفي المرآة (٤): قصد العراق في أربع مائة ألف، ووصل إلى همذان يريد بغداد، وقيل: كان معه ستمائة جتر (٥) تحت كل جتر ألف، وكان قد أفنى ملوك خراسان وما وراء النهر، وقتل صاحب سمرقند وأخلى البلاد من الملوك واستقل بها فكان ذلك سببا الهلاكهـ. قال: وكان لما نزل همدان سبعون ألفا من الخطا في عسكره فكاتب القمي يعني وزير بغداد عساكره ووعدهم بالبلاد، فاتفقوا مع الخطا على قتله، وبعث القمي إليهم بالأموال والخيول والخلع سرًا، فكان ذلك سببا لوهنه، ولما علم خوارزم شاه بذلك

стр. 995

سار من همذان طالبا خراسان، فنزل مرو والتقى في طريقه الخيل والخلع والكتب المنفذة إلى الخطأ فلم يمكنه الرجوع لفساد عسكره. (الثالث) فيما يختص به دون سائر الملوك لا يشاركه فيها غيره. منها الجتر منشورًا على رأسه إذا ركب. ومنها الككج وهي أنبوبة تتخذ من الذهب الأحمر بين أدني مركوبة تخرج منها المغرفة وتشد إلى طرف اللجام. ومنها الأعلام السذج السرد محمولة. ومنها أن جنائبه (١) كانت تجر قدامه وجنائب الملوك كانت من ورائهم. ومنها أن أذناب خيله تلف من أوساطها مقدار شبرين ولو فعل ذلك غيره قطع ذنب فرسه، ومنها الجلوس بين يديه على الركبتين لمن يريد مخاطبته. وقال أبو الفتح: من أراد أن يقضي شغلا لشخص عنده كان يبرك على ركبتيه بين يديه ثم يكلمه، وليس لأحد أن يقف حذاه ولو أنه كان ملكا أو وزيرا كبيرا. ومنها أنه كانت (٢) تحمل البقج (٣) السود على أكتاف الجمدارية (٤) ولا تحمل لغيره على الكتف. ومنها أن نوبة (٥) كانت خمس (٦)، وعادة النوب للأمراء أصحاب السناجق (٧) كانت ثلاثة (٨)، وكانت دبادبه (٩) سبعا وعشرين دبدبة من الذهب الأحمر قد رصعت

стр. 996

بأنواع الجواهر، وكذا باقي آلات النوبتية، وجعل سبعة وعشرين ملكا يضربونها في أول يوم مرفيه، وكانوا من أكابر الملوك أولاد السلاطين منهم: ابن طغربل أرسلان السلجوقي، وأولاد غياث الدين صاحب الغور، والملك علاء الدين صاحب باميان، والملك تاج الدين صاحب بلخ، وولده الملك الأعظم صاحب ترمذ، والملك سنجر صاحب بخاري وأشباهم (١) [٤١٤]. وكان يمد السماط بين يدي السلطان علاء الدين خوارزم شاه في أواني الذهب والفضة ليس فيها شيء غير ذلك. (الرابع) في عاداته وخاصة نفسه: كان يختص به في المراتب التي لا يشاركه فيها غيره، حيث صار بابه مُزْدْحم ملوك الأرض وعظمائها، وكانوا يفاخرون بلثم ترابه، وقل. من نجا منهم من نقمته، ورَقي إلى درجة الملوكية جماعة من مماليكه، فصار طشتداره (٢) ملكا، وركبداره (٣) ملكا، وسلحداره (٤) ملكا، وجماعة من أمراء أخوريته (٥) ملوكا، ومع هذا لم يُعطلوا ما كان من وظائفهم من خدمة الطشت والركاب (٦). وكان بختيار الرومى الركبدار يقف بفرس النوبة على الباب، وجهان پهلوان الطشتدار كذلك يقف في نوبته، وكان لكل طائفة من الحاشية أعلام سود تعرف بها، فعلامة الدوادارية (٧)

стр. 997

الدواة، وعلامة السلحدارية القوس، وعلامة الطشدارية الطشت والإبريق، وعلامة الجمدارية البقج، وعلامة الأمير أخورية البغل، وعلامة البهلوانية الدبوس، وعلامة الجاندارية الحربة، وعلامة الجاوشية قبة من الذهب مضروبة بخيط على قلانسهم تعرف من بعيد فَيُحْتَرز منهم، وكانوا يطردون الناس ضربا من غير احتراز، وكان حجاب (١) الميمنة غير حجاب الميسرة، ولكل فرقة منهم كبير يعرف بخاص حاجب، وهكذا البهلوانية، والجاويشية، والملوك، والخانات (٢)، والأمراء أصحاب الميمنة والميسرة، وإذا حضروا مجلس السلطان لاتقف كل فرقة إلا عن جهتها. وأما السماط فكانوا يمدوه والناس وقوف، ولا يقدر أحد أن يجلس ولا يمد يده إلى القمة حتى يأكل السلطان لقمة من الخونجات (٣) التي بين يديه، ثم يؤمر الناس بالجلوس للأكل فتحمل الخونجات الخاص إلى الجهتين برسم الملوك والخانات، ويجلس سائر الناس على السماط العام، والزبادي كلها ذهبية وفضية. ومن عادته إذا عاد من سيره لم يخاطب إلا بالحجاب. (الخامس) في وفاته: قد ذكرنا ما جرى بينه وبين جنكيزخان، وآخر الأمر لما هرب من التتار دخل قلعته التي في وسط بحر طبرستان وهم يسمونه بحر القلزم وليس كذلك، ويحصن بها من التتار، وحصل له مرض ذات الجنب (٤)، وأقام هناك فريدا وحيدا طريدا لا يملك طارفا ولا تليدا، والمرض يزداد به، وكان في أهل مازندران أناس يتقربون إليه بالمأكول وما يشتهيه، وكان إذا أهدى إليه شيء وهو في تلك الحالة يطلق لمن أهدى إليه بشيء، ولم يكن عنده من يكتب فتولى ذلك بنفسه، وكان يعطى مثل السكين والمنديل

стр. 998

علامة بإطلاق البلاد والأموال، ثم أدركته المنية وهو بالجزيرة على تلك الحالة في هذه السنة، وغسلة شمس الدين محمود بن بلاغ الجاويش ومقرب الدين مقدم الفراشين، ولم يكن عنده ما يكفمن به، فكفن في قميصه، ودفن بالجزيرة في هذه السنة على سنة سبع عشرة وستمائة (١). وذكر في المرآة (٢) وفاته في سنة خمس عشرة وستمائة والصحيح ما ذكرناه؛ لأن أبا الفتح المنشئ النَّسَائِيّ كاتب إنشائه ذكر وفاته في هذه السنة والعمدة عليه في هذا، وكانت مدة مملكته إحدى وعشرين سنة وشهورا. وفي المرآة (٣): ولما نزل خوارزم شاه همذان كان في عسكره [٤١٥] سبعون ألفا من الخطأ وكانوا اتفقوا على قتله، ولما علم بذلك سار من همذان طالبا خراسان، فنزل مرو وكان خاله من الخطأ وكانوا قد حلفوه أن لا يطلعه على ما دبروا عليه، فجاء إليه في الليل وكتب في يده صورة الحال، ووقف بإزائه فنظر إلى السطور وفهمها وهو يقول: خذ لنفسك فالساعة تُقْتَل، فقام وخرج من تحت ذيل الشقة ومعه ولداه جلال الدين وآخر، فركب وسار بهما، ولما خرج من الخيمة دخل الخطأ والعساكر من بابها ظنا منهم أنه فيها، فلم يجدوه فنهبوا الخزائن والخيول والخيام والجواري، وأما خوارزم شاه فإنه هرب إلى البحر وركب في مركب صغير إلى جزيرة، وهرب ولده جلال الدين إلى الهند ومعه أخوه، وصعد خوارزم شاه إلى الجزيرة وبها قلعة ليتحصن بها، فأدركه الموت دون صعود القلعة، فدفنوه على ساحل البحر، وجاء الخطا فدلوا عليه، فنبشوه وقطعوا رأسه، وأخذوه وعادوا، وتفرقت الممالك بعده، وظهر التتار على الخطأ بعد سنتين، وصار الخطأ تبعا لهم وأخذوا البلاد. (السادس) في خزائنه وأمواله: وفي المرآة (٤): لما نهب الخطا خزائنه في الليلة قصدوا قتله كما ذكرناه الآن، كان في خزائنه عشرة (٥) ألف ألف دينار، وألف حمل قماش أطلس وغيره، وكان له عشرون ألف فرس وبغل، وكان له عشرة آلاف مملوك مثل الملوك،

стр. 999

فتمزق الجميع ونهب. وفي تاريخ بيبرس: وقد كانت جُشارات (١) خيله تنيف على ثلاثين ألف جشار متفرقة في البلاد، وقال أبو الفتح المنشيء كاتب إنشاء خوارزم شاه: ح كي لي الأمير تاج الدين عمر البسطامي وكان من جملة الكتاب للدرج (٢)، قال: وصل السلطان في مسيرة إلى العراق فاستحضرني وأحضر عشرة صناديق، ثم قال: هل تعلم ما فيها؟ قلت: السلطان أخبر بها. قال: هذه كلها جواهر لا تعرف قيمتها غير أن هذين - وأشار إلى صندوقين منها - فيهما من الجواهر ما يساوي خراج الأرض بأسرها، فأمرني بحملها إلى قلعة أَرْدَهَن (٣)، وهي من أحصن قلاع الأرض فحملتها إليها، وأخذت خط الوالي بها وبوصولها مختومة، ولما انتشر التتار في الأقطار، وأمنوا جانب السلطان خوارزم شاه حاصروا القلعة المذكورة إلى أن صالحهم الوالي بها على تسليم الصناديق إليهم، فتسلموها بختوُمها وحملت إلى جنكيزخان، فسبحان الملك القهار، وما الدنيا لساكنها بدار، ولا الركون إليها إلا انخداع واغترار. (السابع) في أولاده: قال بيبرس في تاريخه: وكان له من الأولاد خمسة وهم: جلال الدين منكبرتي، ومظفر الدين أزلاع شاه، وآق شاه، وهؤلاء الثلاثة كانوا معه وكانت ولاية العهد لأزلاع شاه، ولما مرض وهو في الحالة المذكورة نقل ولاية العهد من أزلاع شاه إلى جلال الدين منكبرتي، وقال: إن عرى السلطنة قد انفصمت، والدولة قد وهنت وانهزمت، وهذا العدو قد قويت شوكته، وما يأخذ ثأري منه إلا جلال الدين منكبرتي، وشد بيده سيفه على وسطه، وأوصى أخوته بطاعته، ولم يلبث بعد ذلك إلا أياما قلائل حتى مات ﵀، وابنه الرابع ركن الدين غور صانجتي، وكان بالعراق يوم مات أبوه، والخامس غياث الدين تترشاه وكان بكرمان. وقال أبو الفتح المنشي: إن السلطان علاء الدين خوارزم شاه محمد [٤١٦] قسم الملك بين أولاده، وكان ذلك في

стр. 1000

قوة سلطنته، فعين لكل واحد منهم بلادا، ففوض خوارزم وخراسان ومازندران إلى ولي عهده قطب الدين أزلاع شاه، وفوض ملك غزنة، وباميان (١)، والغور، وبُست (٢)؛ وبكبابان، وزمين دور (٣) وما يليها من بلاد الهند إلى ولده الكبير جلال الدين منكبرتي، واستوزر له الصدر شمس الملك شهاب الدين الهروي، وحيث كان لم ير انفصال جلال الدين عن خدمته لمحبته له، واعتقاده ببسالته استناب عنه ببلاد الهند كُرْبُز ملك، فنهض إليها وضبطها فحسنت في السياسة سيرته، وأذعنت له من الملوك جيرته، وأقام بها إلى أن سار إليها جلال الدين بعد خروج التتار على ما يأتي شرحه. ونصَّ ملك كرمان وكيش (٤) ومكران على ولده غياث الدين تترشاه، واستوزر له الصدر تاج الدين بن كريم الشرق النيسابوري، فسار تترشاه إليها بعد ظهور التتار، فملكها إلى أن خلت العراق ممن يقوم بضبطها بعد وفاة السلطان وتسحب جلال الدين إلى الهند. ولما سار تترشاه إلى العراق وملكها استناب الحاجب براق بكرمان، وسنذكر باقي أحواله في موضعه إن شاء الله تعالى، وسلم ملك العراق إلى ولده ركن الدين غورشاه، وكان أحسن أولاده، واستوزر له عماد الملك محمد بن سديد الساوي، وقد ناب المذكور عن نظام الملك في الوزارة عدة سنين، ونال فيها رتبة لم ينلها من قبل هؤلاء. وسبب تسميته بغور شاه أنه ولد يوم وردت البشارة على السلطان بالتملك للغور، وزوجه السلطان بابنة هزار رَسف ملك الجبال، وكان سبب تزويجه أنه كان ملكهـ مجاورا (٥) بلاده (٦).

стр. 1001

الست الجليلة تركان خاتون (١) والدة السلطان علاء الدين خوارزم شاه محمد المذكور، وكانت من قبيلة بياورت، وهي فرع من فروع يمك (٢)، وهي فرع من فروع الحطابية، وكانت بنت ملك من ملوكهم، تزوج بها السلطان تكش بن أرسلان والد السلطان خوارزم شاه، ولما صار الملك إلى ولده محمد المذكور قدم إلى والدته قبائل يمك من الترك، فعظم شأن ابنها السلطان محمد، وتحكمت هي أيضا في الملك بسببهم، فلم يملك ابنها إقليما إلا وأفرد لخاصها من ناحية جليلة، وكانت ذات مهابة ورأى، وكانت تنصف المظلوم من الظالم، وكانت جسورة على القتل، وعظم شأنها بحيث أنه إذا ورد توقيعان عنها وعن ولدها السلطان محمد ينظر إلى تاريخهما فيعمل بالأخير منهما، وكان طغراء توقيعها عصمة الدنيا والدين ألغ تركان خاتون ملكة نساء العالمين، وعلامتها اعتصمت بالله وحده، وكانت تكتبها بقلم غليظ، وتجود الكتابة بحيث يعسر أن يزور عليها علامتها. وكان لها من كتاب الإنشاء سبعة من مشاهير الفضلاء وسادات الكبراء (٣). قال أبو الفتح: وكان لها خيرات وسبلات (٤) في البلاد، ولو أتينا بما شاهدناه من عظم شأنها لطال الكلام، وكان خروجها من خوارزم في أواخر سنة ست عشرة وستمائة على ما ذكرتا، وذلك عند وصول رسول جنكيزخان إلى خوارزم، وورد الخبر بإجفال (٥) ابنها السلطان خوارزم شاه [٤١٧] عن حافة جيحون، فقلقت لذلك قلقا عظيما، فاستصحبت معها ما أمكنها استصحابه من حرم السلطان وصغار أولاده ونفائس خزائنه، وقد ذكرنا أنها أمرت بقتل من كان بخوارزم من الملوك والأسارى وأبناء الملوك، وهم اثنان وعشرون نفسا، واستصحبت معها أميرخان ابن صاحب يازر لأجل معرفته بالطرقات،

стр. 1002

فلما قاربت تخوم يازر خافت أن يفارقها المذكور فأمرت بضرب عنقه فقتل صبرا، وصعدت قلعة إيلال من أمهات قلاع مازندران، فأقامت بها إلى أن فرغ التتار من إجلاء السلطان وإلجائه إلى الجزيرة التي مات بها، وحوصرت إيلال أربعة أشهر، وبنى حولها سور، وعملت على السور أبواب تغلق بالليل وتفتح بالنهار، وهذه (١) عادتهم في حصار القلاع المنيعة إلى أن يخلص الحصار، ثم أُسرت تركان خاتون وحملت إلى جنكيزخان قال أبو الفتح: حدثني بدر الدين هلال الخادم - وكان من جملة خدامها - وذلك حين نجي بنفسه هاربا، أني قلت لها: هلمي نهرب إلى جلال الدين منكبرتي ولد ولدك وفلذة كبدك فإن الأخبار تواترت بشوكته وأتساع مملكته. فقالت: بُعدا وسحقا، وكيف يهون على أن أكون في نعمة ابن جيجاك بعد ولدي أزلاع شاه؟! وجيجاك هي أم جلال الدين. قالت: والأسر عند جنكيزخان بما أنا فيه من الذل والهوان أحب إلى من ذلك. وكانت تبغض جلال الدين بغضا شديدا، وسبب ذلك أن ولدها السلطان خوارزم شاه كان يهوي جارية مغنية اسمها جيجاك، وكانت جميلة غاية الجمال، وكان السلطان يحبها محبة شديدة إلى أن ملكت قياده وسلبت فؤاده، وكان لتركان خاتون والدته قرابة، وكان قصدها أن تزوجه بها فتمنع السلطان من ذلك بسبب جيجاك، فلما سمعت جيجاك أن والدة السلطان قصدت تزويجه بقرابتها منعته نفسها أياما، وبقي السلطان كلما يدخل عليها لم ينل منها مراما، وقالت له في بعض الأيام: إن كنت تحبني وتختارني فاكتب كتابي. فحملته محبتها على أن كتب كتابها وتبع إرادتها ودخل عليها، فحملت بجلال الدين من وقته وساعته، فحصلت البغضة عند ذلك من تركان خاتون لجيجاك المذكورة، ثم لازالت على السلطان حتى تزوج بقرابتها، فحملت منه بأزلاع شاه، فبهذا السبب حصلت بغضتها لجلال الدين بسبب والدته جيجاك والمحبة لأزلاع شاه بسبب قرابتها. قال أبو الفتح: وحكى لي الخادم المذكور فقال: آل أمر تركان خاتون في الأسر من العسر أنها كانت تحضر سماط جنكيزخان فتحمل منه (٢) ما يقوتها أياما، وكان حكمها ينفذ في أكثر أقاليم الأرض، فسبحان المغير من حال إلى حال! وأما صغار أولاد السلطان الذين كانوا معها فقتلوا جميعا إلا أصغرهم سنًا، وهو كماجي شاه، وكانت هي تستأنس به،

стр. 1003

وكانت يوما تسرح رأسها وتقول: عندي من ضيق الصدر ما لم أكن أجده قبل ذلك إذ أتاها بعض سرهنكية جنكيزخان فأخذ الصبي من عندها، وكان آخر عهدها به، فلما حضر بين يديه أمر بخنقه فخنق، فقد جوزيت في الدنيا بما ارتكبت من إهلاك بني الملوك [٤١٨] الذين ذكرناهم. وأما بنات السلطان اللاتي (١) كن معها فقد تزوج بكل واحدة منهن شخص من المزندة، ماخلا بنت كانت تسمى خان سلطان وكانت مزوجة بالسلطان عثمان صاحب سمرقند، فإن دوشيخان بن جنكيزخان أستخصها لنفسه، وتزوج بتركان سلطان وهي شقيقة أزلاع شاه دا نشمند الحاجب الذي ورد رسولا إلى تركان خاتون، وحملت إلى جنكيزخان مغنيات خوارزم شاه وفيهن بنت زنجية ذات حسن وجمال، وكان عند جنكيزخان كَحَّال يسمى زين السمرقندي، وكان قد داوي عين جنكيزخان من الرمد، فطلب تلك المغنية فوهبها له، وكان الكحال مفرطًا في قبح الصورة وسوء العشرة، فأبغضته هي، وحق لها ذلك حيث تكون فراشا لكحال قبيح الصورة بعد السطان خوارزم شاه الذي كان أحسن الناس وجها، وكانت بعد أن وهبها له أقامت عند الوزير نظام الملك وهو يدافع عنها، ولم يسلمها إلى الكحال، فاشتكى الكحال إلى جنكيزخان، فغضب وأمر بإحضار الوزير، وأمر بقتله، وكان هو وزير السلطان خوارزم شاه، وكان أسر فيمن جملة من أسر، ولما قتل جنكيزخان الأسرى أبقى هذا لكونه قد عزله خوارزم شاه، وكان معزولا بطالا، وأيضا أبقاه لاسترفاع حَسْبانات بعض البلاد، فلما شكاه الكحال أمر بقتله (٢). وأما تركان خاتون فإنها قتلت أيضا بسمرقند. قال ابن كثير (٣): وكان التتار أسروها كما ذكرنا، وأرسلوها بما معها من الجواهر النفيسة والذهب والفضة إلى ملكهم جنكيزخان وهو نازل بسمرقند، وكان آخر العهد بها. والملك لله الواحد القهار.

стр. 1004

فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الثامنة عشر بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله، والدنيا مكدرة، والبلاد مخبطة، بسبب الفرنج المتملكين دمياط، وبسبب استيلاء جنكيزخان على البلاد. ذكر ماجريات الفرنج وفي هذه السنة قوي طمع الفرنج المتملكين لدمياط في الديار المصرية، وتقدموا عن دمياط إلى جهة مصر، ووصلوا إلى المنصورة، واشتد القتال بين الفريقين برًا وبحرًا، وكتب السلطان الملك الكامل متواترة إلى أخوته وأهل بيته يستحثهم على إنجاده، فسار الملك المعظم عيسى بن الملك العادل صاحب دمشق إلى أخيه الملك الأشرف، وهو ببلاده الشرقية، واستنجده وطلب منه المسير إلى أخيهما الملك الكامل، فجمع الملك الأشرف عساكره واستصحب عسكر حلب معه، وكذلك استصحب معه الملك الناصر قليج أرسلان بن الملك المنصور صاحب حماة، وكان الملك الناصر خائفا من السلطان الملك الكامل من التعرض إليه فسار معه بعسكر حماة، وكذلك سار صحبة الملك الأشرف كل من صاحب بعلبك الملك الأمجد بهرام شاه بن الملك فرخشاه بن شاهنشاه بن أيوب، وصاحب حمص الملك المجاهد شيركوه، وسار الملك المعظم عيسى بعسكر دمشق ووصلوا إلى الملك الكامل، وهو في القتال مع الفرنج على المنصورة، فركب والتقى أخويه ومن في صحبتهما من الملوك وأكرمهم، وقويت نفوس المسلمين وضعفت نفوس الفرنج بما شاهدوه من كثرة عساكر الإسلام وتحملهم، واشتد القتال بين الفريقين ورُسُل الملك الكامل وأخوته مترددة إلى الفرنج [٤١٩] بسبب الصلح وبذل المسلمون لهم تسليم القدس الشريف، وعسقلان وطبرية، واللاذقية، وجبلة، وجميع ما فتحه السلطان صلاح الدين ﵀ من الساحل، ما عدا الكرك والشوبك، على أن يجيبوا إلى الصلح ويسلموا دمياط إلى المسلمين، فلم يرض الفرنج بذلك، وطلبوا ثلثمائة ألف دينار عوضا عن تخريب أسوار القدس، فإن الملك المعظم خربها كما ذكرنا. وقالوا: لابد من تسليم الكرك والشوبك. وبينما الأمر متردد في الصلح والفرنج متمنعون، إذ عبر جماعة من عسكر المسلمين في بحر المحلة إلى الأرض التي عليها

стр. 1005

الفرنج من بر دمياط، ففجروا فجرة عظيمة في النيل، وكان ذلك في قوة زيادة النيل، والفرنج لا خبرة لهم بأمر النيل، فركب الماء تلك الأرض، وصار حائلا بين الفرنج وبين دمياط، وانقطعت عنهم الميرة والمدد، فهلكوا جوعًا، وبعثوا يطلبون الأمان على أن ينزلوا عن جميع ما بذله المسلمون لهم ويسلموا دمياط، ويعقدوا مدة الصلح (١). وكان فيهم عدة ملوك كبار نحو عشرين ملكا فاختلفت الآراء بين يدي السلطان الملك الكامل في أمرهم، فبعضهم قال: لا نعطيهم أمانا ونأخذهم ونتسلم منهم مابقي بأيديهم من الساحل من عكا وغيرها، ثم اتفقت أراؤهم على إجابتهم إلى الأمان لطول مدة البيكار (٢)، وتضجر العسكر لأنهم كان لهم ثلاث سنين وشهور في القتال معهم، فأجابهم الملك الكامل إلى ذلك، وطلب الفرنج رهينة من الملك الكامل، فبعث ابنه الملك الصالح نجم الدين أيوب، وعمره يومئذ خمس عشرة سنة إلى الفرنج رهينة، وحضر من الإفرنج رهينة على ذلك ملك عكا ونائب الباب صاحب رومية (٣) الكبرى وكندريس (٤) وغيرهم من الملوك، وكان ذلك في سابع رجب من هذه السنة، واستحضر الملك الكامل ملوك الفرنج المذكورين، وجلس لهم مجلسا عظيما، ووقفت بين يديه الملوك من أخوته وأهل بيته جميعهم، وسلمت دمياط إلى المسلمين في تاسع عشر رجب من هذه السنة، وقد حصنها الفرنج إلى غاية مايكون، وولاها السلطان الملك الكامل الأمير شجاع الدين جلدك التقوى وهو من مماليك الملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب، وهَنَّت الشعراء الملك الكامل بهذا الفتح العظيم (٥). من ذلك ما قاله الراجح الحلى الشاعر وهو: هنيئا فإن السعد راح مخلدا … وقد أنجز الرحمن بالنصر موعدًا حبانا إله الخلق فتحا بدا لنا … مبينا وإنعاما وعزًا مؤيدا تهلل وجهُ الدهر بعد قطوبه … وأصبح وجه الشرك بالظلم أسودا

стр. 1006

ولما طغى البحر الخضم بأهله إلـ … طغاة وأضحى بالمراكب مزيدا أقام لهذا الدين من سل عزمهُ … صقيلا كما سلَّ الحسام مجردا فلم ينج إلا كل شلو مُجدّلٍ … ثوي منهم أو من تراه مقيدا ونادي لسانُ الكون في الأرض رافعا … عقيرته في الخافقين وتمنشدا أَعُبَّادَ عيسى إن عيسى وحزبَه … وموسى جميعا يخدمون (١) محمدا (٢) قال أبو شامة (٣): وبلغني أنه أشار عند ذلك إلى الملك المعظم عيسى، والملك الأشرف موسى، والملك الكامل محمد. قال: وهذا من أحسن شيء اتفق. قلت: قول الشاعر راح مخلدا غير وجه، والصواب [٤٢٠] دام مخلدا على ما لا يخفى. وفي تاريخ بيبرس: وأنشد الشعراء قصائد التهاني، وفرحوا بانتزاح العدو وبلوغ الأماني. فمنها ما قاله شرف الدين بن جبارة من قصيدة أولها: أَبيَ الوجدُ إلا أن أبيت مسهدا ومنها: لقد حمل الإفرنج موضعه الذي … سقاهم كؤوس الحتف ملئ من الرَّدي وكل شجاع كأن يحكى عطاردًا ذكاء … فلما أن رآه تَبَلدًا أعباد عيسى إلى آخره. وقال غيره يمتدح فيها الكامل، أولها: لواء نصرك في الهيجاء منشور. ومنها: به غدا الثغرُ للإسلام مبتسما … بعد العبوس وفيه اللهُ مذكورُ بعد الأناجيل آيات القرآن به … تُتْلَى وقد نسخ الناقوس تكبيرُ يقول محرابُه لو كان يسمعنا … محمدٌ ناصرٌ والشرعُ منصور

стр. 1007

وقال ابن عنين يمدح الملك الأشرف: قسما بما ضمت أباطح مكة … وبمن حواه من الحجيج الموقف لولم يقم موسى بنصر محمدٍ … الرقي على درج الخطيب الأسقف لولاه ماذل الطيب وأَهلُه … في ثغر دمياط وعز المصحف وقال أيضًا يمتدحه ويذكر مناصرته بقصيدة طويلة أولها: ياأيها الملك الذى إنعامه … لم يبق في الدنيا فقيرا مرملا لقد اتقيت الله حق تقاته … ونهجت للناس الطريق الأمثلا لولاك لانقصمت (١) عرى الإسلام … في مصر وأهملِ (٢) ذكره وتبدلا وتحكمت فيها الفرنج وغادرت … أعلاجُها محرابَ عمرو هيكلا (٣) وقال ابن كثير (٤): فوقع الصلح على ما أراد الملك الكامل، وملوك الفرنج والعساكر كلها واقفه بين يديه، ومَدَّ سماطا عظيما، فاجتمع عليه المؤمن والكافر، وكان ذلك يوم الأربعاء تاسع عشر رجب من هذه السنة، وتراجعت الفرنج إلى عكا وغيرها من البلدان، ورجع الملك المعظم إلى الشام، واصطلح الأشرف والكامل على أخيهما الملك المعظم. وفي تاريخ بيبرس: في المحرم من هذه السنة وصل الملك الأشرف مظفر الدين موسى ابن العادل منجدا لأخيه الكامل إلى المنصورة وتتابعت نجدات المسلمين (٥). وفيها كسر مشايخ الغربية جسر البرمون (٦)، وأطلقوا النيل على الفرنج الذين كانوا نازلين مقابل المنصورة، فأحاط الماء بهم، وثارت الشواني الإسلامية لمحاربة مراكب الفرنج التي في البحر ليشغلوهم عن نصرة الفرنج المقيمين بالبر، فلما رأى الفرنج ذلك والماء قد أحاط بهم وغرق أكثرهم، صاحوا بالأمان فأمنّوهم، وأحضروا ملوكهم إلى

стр. 1008

المخيم السلطاني وسدوا عنهم الجسر بعد أن استقرت القاعدة على تسليم دمياط، وأنهم لا يقصدون الديار المصرية مدة أربعين سنة، وتحالفوا على ذلك، وتسلم المسلمون دمياط في تاسع عشر شعبان منها، وسافر الفرنج إلى بلادهم، فكانت مدة مقامهم بالديار المصرية أربعين شهرا وتسعة عشر يوما، واستبشر المسلمون بنصر الله (١). وفي المرآة (٢): وفي هذه السنة توجه الملك المعظم عيسى إلى أخيه الملك الأشرف واجتمعا [٤٢١] على حران، وكتب صاحب ماردين ناصر الدين إلى الأشرف يسأله أن يصعد المعظم إليه، فسأله الأشرف، فسار إلى ماردين ونزل صاحب ماردين والتقاه في دنيسر، وأصعده إلى القلعة وخدمه خدمة عظيمة، وقدم له التحف والجواهر وتحالفا واتفقا على ما أرادا، وزوج المعظم إحدى بناته ناصر الدين صاحب ماردين، وزوج ابن ناصر الدين ابنته الأخرى، وخلع على جميع أصحابه وأعطاهم الأموال، ورجع المعظم إلى حران، ووصلت الأخبار بوصول التتار إلى كرماشاهان (٣) قريبا من بغداد، فانزعج الخليفة وأمر الناس بالقنوت في الصلوات، وحصن بغداد واستخدم العساكر. وفي جمادى الآخرة فتحت دمياط، وكان المعظم من أحرص الناس على خلاص دمياط، وكان مصافيا لأخيه الكامل، وكان الأشرف مقصرا في حق الكامل، وكان مباينا له في الباطن، فلما اجتمعت العساكر على حران قطع بهم المعظم الفرات، وسار الأشرف في آثارة، وجاء المعظم فنزل حمص ونزل الأشرف سلمية (٤). قال السبط (٥): وكنت قد خرجت من دمشق إلى حمص لطلب الغزاة، فإنهم كانوا على عزم الدخول إلى طرابلس، فاجتمعت بالمعظم على حمص في ربيع الآخر، فقال لي: قد سحبت الأشرف إلىّ هاهنا بأسناني (٦) وهو كاره، وكل يوم أعتبه في تأخره وهو يكاسر وأخاف من الفرنج أن يستولوا

стр. 1009

على مصر، وهو صديقك فأشتهي تقوم وتروح إليه فقد سألني عنك مرارا، ثم كتب إلى أخيه كتابا بخطه يجيء ثمانين سطرا، وأخذتها ومضيت إلى سلميَّة، وبلغ الأشرف وصولي فخرج من الخيمة والتقاني، وعاتبني على انقطاعي عنه، وجرى بيني وبينه فصول، وقلت له: المسلمون في ضائقة وإذا أخذ الفرنج الديار المصرية ملكوا إلى حضرموت، وعفوا آثار مكة والمدينة والشام، وأنت تلعب، قم الساعة وارحل. فقال: ارموا الخيام والدهليز وسبقته إلى حمص، والمعظم عينه إلى الطريق، فلما قيل له: قد وصل رَكَبَ فالتقاني، وقال: ما نمت البارحة ولا أكلت اليوم شيئًا. فقلت: غدا بكرة يصبح أخوك [على] (١) حمص. فدعاني، ولما كان الغد أقبلت الأطلاب، وجاء طلب الأشرف، والله ما رأيت أجمل منه ولا أحسن رجالا ولا أكمل عدة، وسرُ المعظم سرورا عظيما، وجلسوا تلك الليلة يتشاورون، فاتفقوا على الدخول في السحر إلى طرابلس، ويشوشوا على الإفرنج، وكانوا على حال، فأنطق الله الأشرف من غير قصد وقال للمعظم: ياخوند عوض ماندخل الساحل ونضعف خيلنا وعساكرنا ونضيع الزمان ماتروح إلى دمياط ونستريح. فقال له المعظم: قول رماة البندق (٢). قال: نعم. فَقبَّل المعظم قدمه، ونام الأشرف، فخرج المعظم من الخيمة كالأسد الضاري يصيح: الرحيل الرحيل إلى دمياط، وما كان يظن أن الأشرف يسمح بذلك، وساق المعظم إلى دمشق (٣). وتبعته العساكر، ونام الأشرف في خيمته إلى قريب الظهر، وانتبه فدخل الحمام فلم يرحول خيمته أحدًا، فقال: وأين العساكر؟ فأخبروه الخبر، فسكت وساق إلى دمشق، فنزل القصر يوم الثلاثاء رابع عشر جمادى الأولى، فأقام إلى سلخ جمادي، وعرض العساكر تحت قلعة دمشق، وكان هو وأخوه المعظم في الطيارة في القلعة [٤٢٢] ثم ساروا إلى مصر غرة جمادى الأخرى (٤).

стр. 1010

وأما الإفرنج فإنهم خرجوا بالفارس والراجل، وكان البحر زائدا، فجاؤا إلى ترعة فأرسوا إليها، وفتح المسلمون عليهم الترع من كل مكان، وأحدقت بهم عساكر الكامل فلم يبق لهم وصول إلى دمياط، وجاء أصطول المسلمين فأخذوا مراكبهم ومنعوهم أن يصل إليهم ميرة من دمياط، وكانوا خلقا عظيما وانقطعت أخبارهم عن دمياط، وكان فيهم مائة كند وثماني مائة من الخيالة المعروفين، وملك عكا والدرك (١)، واللوكان (٢) نائب البابا، ومن الرجالة ما لا يحصى، فلما عاينوا الهلاك أرسلوا إلى الملك الكامل يطلبون الصلح والرهائن ويسلمون دمياط، فمن حرص الكامل على خلاص دمياط أجابهم، ولو أقاموا يومين أخذوا برقابهم، فبعث إليه الكامل أبنه الصالح نجم الدين أيوب وابن أخيه شمس الملوك، وجاء ملوكهم إلى الكامل ممن سمناهم، فالتقاهم وأنعم عليهم، وضرب لهم الخيام، ووصل المعظم والأشرف في تلك الحال إلى المنصورة في ثالث رجب، ووقع الصلح بين الكامل والفرنج يوم الأربعاء تاسع عشر رجب، وسار بعض الفرنج في البر وبعضهم في البحر إلى عكا، وكتب إلى الآفاق بذلك، وعاد المعظم إلى الشام، وأقام الأشرف بمصر عند الكامل، فغير الله القلوب وصارا متصافيين واتفقا على المعظم (٣). وفي تاريخ ابن العميد: وفي سنة ثماني عشرة وستمائة وصل الملك الأشرف صاحب أخلاط بعساكره والملك المظفر بن الملك المنصور صاحب حماة ومعه عساكر والده، ولم يتأخر أحد من ملوك الشام والشرق عن نجدته، واستقر القتال بينهم وبين الفرنج بحرا وبرا، وطلع النيل طلوعا كثيرا وجرى الماء في بحر المحلة، فوتب السلطان مراكب الأصول في بحر المحلة ليدخل منه إلى بحر دمياط ويمنع الميرة عن الفرنج،

стр. 1011

فاشتد ضررهم لذلك وعدموا القوت وانقطعت عنهم مراكبهم، فعزموا على الرجوع إلى دمياط، فأحرقوا أثقالهم وهربوا في الليل، وكانت ليلة عيد يوحنا وهو أول يوم من تَوْتَ، فبلغ السلطان هزيمتهم، فرسم بأن يقطع الجسور، وأحاط بهم النيل من كل جانب ولم يقدروا على الوصول إلى دمياط، فالتجؤا إلى تل كبير بظاهر البرمون (١)، وأحاطت بهم العساكر من كل جانب فأيقنوا الهلكة، وسألوا السلطان وبذلوا له أن ينزلوا عن دمياط ويؤمنهم على أنفسهم وأموالهم، فأجابهم إلى ذلك، وتقررت الهدنة ثماني سنين وأن يطلقوا الأسرى من المسلمين، والمسلمون أيضا يطلقون الأسرى من الفرنج (٢). وقصد السلطان أن يجتمع بالملك يوحنا صاحب عكا ونائب البابا، فطلبوا رهائن تكون في مراكبهم إلى أن يعودوا، فسير السلطان ولده الملك الصالح نجم الدين أيوب، وأخاه الملك المفضل قطب الدين ومعهما جماعة من أولاد الأمراء، وحضر الملك يوحنا وغيره إلى خدمة الكامل بظاهر البَرمون، وحلف لهم الملك الكامل وأخواه الأشرف والمعظم واستحلفهم، وذلك يوم الأربعاء لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر رجب من سنة ثماني عشرة وستمائة، وتسلم السلطان دمياط، وكانت مدة إقامة الفرنج بدمياط سنة واحدة وعشرة أشهر وعشرين يوما، ورجع الفرنج إلى بلادهم، ودخل السلطان مصر وأطلق الأسرى من الجهتين [٤٣٣] في زمان السلطان صلاح الدين ﵀ (٣). وقال النويري (٤): توجه الأشرف إلى الشرق وانتزع الرقة من محمود، وقيل: اسمه عمر بن قطب الدين محمد بن عماد الدين زنكي بن مودود بن زنكي بن أقسنقر، ولقي بغيه على أخيه كما ذكرنا كيف وثب على أخيه فقتله وأخذ سنجار، ثم أقام الأشرف بالرقة، وورد إليه الملك الناصر صاحب حماة وأقام عنده مدة ثم عاد إلى بلده.

стр. 1012

ذكر ماجريات جنكيز خان اللعين لما انبسطت يده واشتد ساعده وعضده، وخلت البلاد قدامه، واتسعت الأقاليم أمامه، فرق أولاده إلى الآفاق ليملكوا ما تيسر لهم امتلاكه، ويهلكوا من الأمم من يمكنهم إهلاكه، وكان له من الأولاد: أوكديه خان، وجقطاي خان، ودوشي خان، وطولي خان، فأول من توجه منهم إلى البلاد الشمالية باطوخان بن دوشي خان، ويسمى صائن خان ومُغلي وبُوري قدان ومن معهم، ولما دخلوا تلك البلاد استولوا على من كان بها من طوائف الأتراك وقبائل القفجاق والعلان والآص والأولاق والجركس والروس وساكني تلك الآفاق، وتمكنوا منهم قتلا وسبيا وأسرا ونهبا، وجلبت سبايا هذه الأجناس إلى البلاد الشامية والمصرية، فمنهم المماليك العادلية والكاملية والأشرفية والمعظمية والناصرية والعزيزية، وحسنت آثارهم في الممالك الإسلامية. وكان جنكيزخان قد جرد إلى خراسان صهره تفجار نوين (١) وأميرًا من قواده اسمه يزكانون في عشرة آلاف فارس لنهب نسا وإحراقها، فوصلت طائفة منهم إلى نسا مقدمهم أمير يعرف ببيك كوش، فخرج الناس إليهم مقابلين فوقعت نشابة في صدر بيك. كوش فخر ميتا، فنقموا بذلك على أهل نسا، وقدّموا حصارها على حصار سائر البلاد بخراسان، فساقوا إليها من الرجالة التي جمعت من أطراف خراسان، وحوصرت قلعتها خمسة عشر يوما لم يفتروا عن القتال ليلا ولا نهارا، ونصب عليها عشرون منجنيقا تخدمها الرجالة المجتمعة، وكانوا يسوقون الأساري تحت الحركات (٢) وهي بيوت على وضع الجملون اتخذت من الخشب ولبست بالجلود، وإن لم يوصلوها إلى السور ضربت رقابهم، فكان هذا دأبهم إلى أن ثلموا فيها ثلمة لا تنسد، ثم لبس التتار بأجمعهم لأمة حربهم وزحفوا عليها ليلا، فملكوا السور وانتشروا عليه، والناس في بيوتهم إلى أن أضاء النهار، فنزلوا إليهم من السور، فساقوهم إلى فضاء وراء البساتين كأنهم قطيع غنم ثم

стр. 1013

قتلوهم عن آخرهم، وكان عدة من قتل بنسا من أهلها ومن انضم إليها تقدير سبعين ألفا، وهي كورة من كور خراسان، ثم لم يزالوا يفسدون في تلك البلاد ويقتلون وينهبون إلى أن كنسوا خراسان عن آخرها (١). ثم قصدوا نيسابور ليذيقوا أهلها نكال العذاب، فلما قاربوها خرج أهلها مناوشين فأصابت صدر تُفْجار نوين نشابة فانتقل إلى نار الجحيم، فلما رأوا ذلك تأخروا وكاتبوا جنكيزخان مستمدين، فأمدهم بخمسين ألفا، فلما قاربوها أقاموا شرقيها بقرية تعرف بشونجنان، وهي ذات أشجار كثيرة ومياه غزيرة، ثم ساقوا إليها مائتي منجنيق، فرموا بها واستولوا عليها بعد ثلاثة أيام، فألحقوها بسائر المدن، ثم أمروا الأساري فبسطوها بالمجاريف حتى صارت أرضا ملساء، [٤٢٤] فلعبوا فيها بالأكرة، ومات أكثر أهلها تحت الأرض (٢). ولما طلع جلال الدين من الهند على ما نذكره إن شاء الله، وملك إقليم خراسان وما كان من بلاد العراق ومازندران، ورأي خراب هذه البلاد، ضمنوا له الدفائن بها كل سنة بثلاثين ألف دينار، وربما كان الضامن يأخذ هذا المقدار في يوم واحد، إذ كانت الأموال مدفونة في السراديب والجباب والمطامير ونحوها (٣). وتوجهت طائفة إلى همذان وأخذوها وقتلوا من فيها، ثم أحرقوا المدينة، ورحلوا عنها إلى أردويل (٤) فملكوها وقتلوا من كان فيها وخربوا، ثم ساروا إلى تبريز وكان قد قام بأمرها شمس الدين الطغرائي، وجمع كلمة أهلها لأن صاحبها أزبك بن البهلوان كان قد فارقها، وكان أميرًا متخلفًا، منهمكا على الخمر، محتجبًا عن الناس، غير مفكر في تدبير البلاد التي في يده، وكان في يده أذربيجان وأران، فلما سمع بمسير التتر من همذان فارق تبريز وقصد نقجوان (٥)، وسير نساءه وأولاده إلى خويّ (٦)، وسار التتار إلى بَيْلقان (٧) فنهبوا وقتلوا كل أهل القرى، ولما وصلوا المدينة حصروها، فطلب أهلها رسولا يقررون معه الصلح، فلما دخلها رسولهم قتله أهلها، فزحف التتار عليهم وقاتلوهم أشد قتال، ثم

стр. 1014

إنهم ملكوا البلد عنوة في شهر رمضان، ووضعوا فيهم السيف فلم يبقوا على كبير ولا صغير، حتى أنهم شقوا أجواف النساء وأخرجوا الأجنة من بطون أمهاتهم وقتلوهم، ولما فرغوا من نهبها وتخريبها ساروا إلى مدينة كنجة (١) وهي أم بلاد أران، ولما وصلوا إليها علموا بكثرة أهلها وشجاعتهم لدربتهم بقتال الكرج فلم يقدموا عليها، فأرسلوا إلى أهلها يطلبون منهم المال والثياب، فحملوا إليهم ما طلبوا فساروا عنهم (٢). ولما فرغوا من بلاد المسلمين بأذربيجان وأران ساروا إلى بلاد الكرج (٣)، وكانوا قد استعدوا لهم وسيروا جيشا إلى أطراف بلادهم ليمنعوهم، فالتقوا فكسروهم، وقتلوا من الكروج نحو ثلاثين ألفا، فلما وصل المنهزمون إلى تفليس (٤) وبها ملك الكرج انهزم منها وأخلاها، ففعل التتار فيها ما أرادوا من القتل والسبي وعادوا عنها (٥). ثم قصدوا دربند شروان (٦) فحصروا مدينة شماجي (٧) وقاتلوا أهلها، فصبروا ثلاثة أيام، ثم ملكوها عليهم وقتلوا من بها من المقاتلة، وسبوا الذريّة، ونهبوا الأموال، فلما فرغوا منها أرادوا عبور الدربند، فلم يقدروا فأرسلوا رسولا إلى شروان، أن تجهزوا إلينا أقواما من أعيان من عندكم لنتحدث معهم في الصلح، فسَيَّروا عشرة أنفار، فقبضوا عليهم وقتلوا واحدا منهم، وقالوا للباقين تعرفونا الطريق وإلا قتلناكم مثل هذا، فعند ذلك ساروا بهم ودلوهم على طريق يتوصلون منها إلى بلاد الترك، ففعلوا فيها ما قدمنا ذكره، واستولوا على بلادهم وسكنوها، وتراجع من بقي من القّفجاق، واجتمعوا مع التتار لقرب الجنسية، وتصاهروا والتحموا، وسنذكر أحوال كل ملك صار الملك إليه منهم حيث يرد ذكره إن شاء الله تعالى (٨).

стр. 1015

ذكر سلطنة جلال الدين خوارزم شاه منكبرتي بن السلطان علاء الدين خوارزم شاه محمد بن تكش ولما مات السلطان علاء الدين [٤٢٥] في السنة الماضية ركب جلال الدين منكبرتي البحر إلى خوارزم بأخويه أزلاع شاه وآق شاه ومعهم زهاء سبعين نفسا، فلما قاربوها التقوهم فيها بالدواب والأسلحة والأعلام، وتباشر الناس بقدومهم واجتمع عندهم من العساكر السلطانية بخوارزم زهاء سبعة آلاف فارس أكثرهم البياووتية (١)، تقدمهم توجي بهلوان الملقب قتلغ خان، فمالوا إلى أزلاع شاه للحمة والقرابة وتواطؤا على أن يقبضوا على جلال الدين فيسلمونه أو يقتلونه، وأحس أينانج خان بما دبّر عليه فأعلمه بذلك، وأشار عليه بالرحيل، فرحل صاعدا نحو خراسان في ثلثمائة فارس مقدمهم دَمُرْ ملك، وأقام أخواه أزلاع شاه وأَقْ شاه بخوارزم بعده ثلاثة أيام، ثم وفاهم الخبر بقصد التتار وحركتهم نحو خوارزم من جهة ما وراء النهر، فرحلوا على إثر جلال الدين صوب خراسان (٢). ولما تحقق جنكيزخان مسيرهم سير إليهم طائفة من أصحابه، فلما قطعوا المفازة التي بين خوارزم ونيسابور خرج عليهم التتار فقاتلوهم، فهزمهم جلال الدين منكبرتي، وهذه أول وقعاته مع التتار، وكانت الوقعة بقرب مدينة نسا (٣)، وحصّل صاحب نسا إقامة يقدمها لجلال الدين فلم يُقِم بل سار إلى أن وصل نيسابور منصورًا، وبعد ثلاثة أيام وصل أخواه أزلاع شاه وآق شاه مجفلين من التتار، فوجدا (٤) الإقامة التي جهزها صاحب نسا مجهزة فقدمها إليهما، فأمر أزلاع شاه لصاحب نسا بزيادة على إقطاعه، فبينما هم في تقرير الإقطاع إذ أتاهم الخبر بأن عسكرًا من التتار قد وصل إلى قلعة نسا الكشف أخبار جلال الدين ومقصده، ومن وصل معه من العساكر السلطانية، ولم يعلموا بوصول أزلاع شاه وآق شاه، فعند ذلك ركب أزلاع شاه وآق شاه ورحلا لوقتهما

стр. 1016

وتبعهما التتار إلى بلد خبوشان (١) ولحقوهما بقرية تسمى وست، فوقف لهم أزلاع شاه واصطف حذاءهم، وجد الفريقان في القتال، فانجلت الحرب عن هزيمة الكفار واتقائهم بجنة الفرار، وجد أزلاع شاه في طلبهم فلم ينج منهم إلا راكب جواد، أو مختب في واد، واغتر أزلاع شاه ومن معه بما تيسر لهم من الانتصار، وظنوا أنه لم يبق بنواحي خراسان أحد من التتار، فلم يرعهم إلا إحاطة الأطلاب بهم إحاطة الأطواق بالأعناق، واستشهد أزلاع شاه وآق شاه وجماعة ممن معهم، وعاد التتار برأسيهما وقد نصبا على الرماح يدورون بهما البلاد، وكان مع أولئك الذين قتلوا جواهر نفيسة ولم يفتش التتار أحدًا منهم، فخرج عوام تلك القرية فأخذوها وباعوها بأبخس الأثمان (٢). وأما جلال الدين فأقام بنيسابور عازمًا على الجهاد، فكاتب الأمراء وأصحاب الأطراف بسرعة الوصول واستجاشة الجمهور، وكان اختيار الدين زنكي بن محمد بن حمزة قد عاد إلى نسا فملكها، ولم يجسر أن يظهر الاستقلال خوفا من السلطان وأولاده، فلما بلغ جلال الدين كتب له [٤٢٦] توقيعا بكل ما تمكنت منه يده، فلما استقر جلال الدين بنيسابور علم به التتار فأسرعوا في طلبه، فخرج من نيسابور فيمن انضوى إليه من العساكر إلى أن وصل إلى [القلعة] (٣) القاهرة التي بناها مؤيد الملك صاحب كرمان، وهَمَّ أن يتحصن بها، فوجه إليه عين الملك خَتن مؤيد الملك يحذره ذلك، ويقول له: إن مثلك لا يحسن به أن يتحصن بقلعة، فإن حصون الملوك متون الخيول، فأمر جلال الدين بإحضار ما في الخزانة من الذهب، وفرق على أصحابه وخواصه، وانفصل عن القاهرة، وجد إلى تخوم بُسْت (٤) فأخبر أن جنكيزخان مقيم بالطالقان، فسير إلى أمين ملك صاحب هراة، وهو ابن خال السلطان جلال الدين ومعه نحو عشرة آلاف فارس، فحضر إليه واتفقا على كبس التتار المحاصرين لقلعة قُنْدهار (٥)، فنهضا إليهم فكبسوهم وقتلوهم فلم يفلت منهم إلا نفر يسير وتوجهوا مخبرين ملكهم جنكيزخان بما تم عليهم، وساق جلال الدين إلى غزنه، ودخلها منصورًا في سنة سبع عشرة وستمائة (٦).

стр. 1017

ذكر بقية الحوادث منها أن الملك المعظم وَلَّى قضاء دمشق كمال الدين المصرى (١) الذي كان وكيل بيت المال بها، وكان فاضلا بارعا، وقرأ منشوره بهاء الدين بن أبي اليسر في رجب (٢). ومنها أن الملك الكامل لما رجع إلى القاهرة بعد فراغه من أمر الفرنج ركب من قلعة الجبل، وجاء إلى منظرة الصاحب صفي الدين بن شكر التي على رأس الخليج بمصر، وذلك في شهر ذي القعدة من هذه السنة، وطلع إليه وتحدث معه بسبب الأمراء الذين كانوا مع الأمير عماد الدين بن المشطوب في نوبة الملك الفائز، وقد ذكرنا أن جماعة من الأمراء اتفقوا على أن يخلعوا الكامل من السلطنة ويولوها الملك الفائز أخاه، وكان سبب اجتماعهم هو الأمير عماد الدين بن المشطوب، فإنه كان أساس هذه الفتنة، ووافقه الأمير عز الدين الحميري، والأمير أسد الدين الهكاري، والأمير مجاهد الدين، وجماعة من الأمراء غيرهم، وآخر الأمر انتقض عليهم ما أبرموه. وجاء الملك الكامل إلى الوزير المذكور يستشيره في أمر هؤلاء المذكورين، فاتفق رأيهما على نفي هؤلاء المذكورين من البلاد، وكانوا في الجسر الذي قبالة دمياط يعمرونه، فكتب لهم بأن ينصرفوا من ذلك ويخرجوا من ديار مصر إلى الشام، فمضى جميعهم إلى الشام ولم يتعرض الكامل إلى شيء من موجودهم وأعطى أخبازهم (٣) لمماليكه (٤). وفيها ......... (٥) وفيها حج بالناس من العراق ابن أبي فراس، ومعه كتاب إلى مكة والمدينة بإعادة ولي العهد أبي نصر إلى العهد وكتب من الديوان إلى الآفاق بذلك (٦). وحج بالناس من الشام أمير يقال له شقيقات (٧).

стр. 1018

ذكر من توفي فيها من الأعيان الشيخ الصالح شهاب (١) الدين محمد بن خلف بن راجح المقدسي الحنبلي الزاهد العابد الناسك، كان يقرأ على الناس يوم الجمعة الحديث النبوي وهو جالس على أسفل منبر الخطابة بالجامع المظفري، وقد سمع الحديث الكثير، ورحل وحفظ مقامات الحريري في خمسين ليلة، وكانت له فنون كثيرة، وكان ظريفا مطبوعًا، وكانت وفاته يوم الأحد سلخ صفر، ودفن بقاسيون عند أهله. الشيخ موفق (٢) الدين أبو عبد الله عمر بن يوسف بن يحيى بن عمر بن كامل المقدسي خطيب بيت الأبار، كان شيخا صالحا، وخطب على منبر دمشق مدة غيبة جمال الدين محمد الدولعي في الرسالة العادلية إلى بلاد الشرق، [٤٢٧] مات في ليلة الجمعة الحادي والعشرين من رجب من هذه السنة. المحدث البارع تقي (٣) الدين أبو طاهر إسماعيل بن عبد الله بن عبد المحسن بن الأنماطي قرأ الحديث، ورحل وكتبه، وكان حسن الخط متقنا في علم الحديث حافظًا له، وكان الشيخ تقي الدين بن صلاح يثني عليه ويمدحه، ويتأسف لفقده على فوائد كانت تحصل من عنده. وقال أبو شامة (٤): وقرأ على الشيخ تاج الدين الكندي بدمشق تاريخ الخطيب، وطبقات ابن سعد، وشيئا كثيرا، وكان ثقة، وتوفي بدمشق، ودفن بمقابر الصوفية في طريق المنيبع، وصلي عليه الموفق الحنبلي بجامع دمشق، والفخر ابن عساكر بباب النصر، والجمال المصري قاضي القضاة عند قبره. أبو الغيث (٥) شعيب بن أبي طاهر بن كليب بن مقبل الضرير البصري، الفقيه الشافعي، أقام ببغداد إلى أن توفي بها، وكان لديه فضائل، وله وسائل، ومن شعره قوله: إذا كنتم للناس أهل سياسة … فسوسوا كرام الناس بالجود والبذل وسوسوا لئام الناس بالذل يصلحوا … عليه فإن الذل أصلح للنذل

стр. 1019

أبو العز (١) شرف بن علي بن أبي جعفر بن كامل، المقرى الضرير الفقيه الشافعي، تفقه بالنظامية، وسمع الحديث، ورواه، وأنشد عن الحسن بن عمرو الحلبي: تمثلتم لي والديار بعيدة … فخيل لي أن الفؤاد لكم مغني وناجاكم قلبي على البعد بيننا … فأوحشتم لفظا وآنستم معني أبو سليمان (٢) داود بن إبراهيم بن مندار الجبلي، أحد المعيدين بالمدرسة النظامية، ومما أنشده: أيا جامعًا أمسك عنائك مقصرا … فإن مطايا الدهر تكبو وتقصر ستقرع سنا أو تعض ندامة … يديك إذا خان الزمان وتقصر ويلقاك رشد بعد غيك واعظ … ولكنه يلقاك والأمر مدبر أبو المظفر (٣) عبد الودود بن محمود بن المبارك بن علي بن المبارك بن الحسن، الواسطى الأصل البغدادي الدار والمولد، كمال الدين، المعروف والده بالمجير (٤)، تفقه على أبيه وقرأ عليه علم الكلام، ودرس بمدرسته عند باب الأزج، ووكله الخليفة الناصر، واشتهر بالديانة والأمانة، وباشر مناصب كبارًا، وحج مرارًا عديدة، وكان متواضعًا حسن الأخلاق، وكان يقول: وما تركت ست وستون حجة … لنا حجة أن يركب اللهو مركبا جلال الدين (٥) الحسن، من أولاد الحسن بن الصباح مقدم الإسماعيلية، وكان قد أظهر في قومه شعائر الإسلام، وحفظ الحدود المحرمات، والقيام فيها بالزواجر الشرعية، مات في هذه السنة، وتولي بعده ابنه.

стр. 1020

أبو الدر (١) ياقوت بن عبد الله الموصلي الكاتب، الملقب أمين الدولة، المعروف بالملكي نسبة إلى السلطان أبي الفتح ملكشاه بن سلجوق بن محمد بن ملكشاه الأكبر، نزل الموصل وأخذ النحو عن أبي محمد سعيد بن المبارك المعروف بابن الدهان، النحوى، وقرأ عليه من تصانيقه جملة، وكان يلازمه، وقرأ عليه ديوان المتنبي والمقامات للحريري [٤٢٨] وغير ذلك، وكتب الكثير وانتشر خطه في الآفاق، وكان في نهاية الحسن، ولم يكن في آخر زمانه من يقاربه من حسن الخط، ولا يؤدي طريقة ابن البواب في النسخ مثله، مع فضل غزير ونباهة تامة، وكان مُغْرى بنقل صحاح الجوهري، فكتب منها نسخا كثيرة، كل نسخة في مجلد واحد. وقال ابن خلكان (٢): رأيت منها عدة نسخ، وكل نسخة تباع بمائة دينار، وكتب عليه خلق كثير، وانتفعوا به، وكانت له سمعة كبيرة في زمانه وقصده الناس من البلاد، مات بالموصل في هذه السنة، وقد أسن وتغير خطه من الكبر.
следующие страницы →