← История

История · id 380

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [565 - 628 هـ]

بدر الدين العيني

Полный текст (1 226 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

وفيها أوقع السلطان جلال الدين بالتركمان الإيوانية (١) بأسا شديدا، وكانوا يقطعون الطريق على المسلمين، ويشوشون عليهم (٢). ذكر ماجريات بنى أيوب وفى تاريخ بيبرس: ولما اتفق الملك المعظم، والسلطان جلال الدين، ومظفر الدين ابن زين الذين، وصاروا يداً واحدة، وقع الاتفاق بينهم على أن يقصد مظفر الدين صاحب إربل بدر الدين صاحب الموصل، ويحصر بلاده؛ ويقصد جلال الدين خلاط وأعمال الملك الأشرف ليشتغل كل منهما بنفسه، ويقصد الملك المعظم حمص وحماة ويحاصرهما، وكان الملك المجاهد أسد الدين [٣٣] شيركوه صاحب حمص والملك الناصر قليج أرسلان بن الملك المنصور صاحب حماة والحلبيون كلهم منتمون (٣) إلى خدمة الملك الأشرف، ولم يكن أحد من البيت الأيوبى منتميا إلى الملك المعظم إلا الملك الأمجد بهرام شاه بن فرخشاه بن شاهنشاه بن أيوب صاحب بعلبك (٤)، والملك الصالح عماد الدين إسماعيل صاحب بصرى (٥) والسواد (٦)، والملك العزيز عثمان ابنا الملك العادل، وكان هذان ملازمين خدمة أخيهما لا يفارقانه، والذى قوى طمع المعظم أن أخاه الملك الكامل كان خائفاً من جنده إذا خرج من مصر بعساكره، وأرسل إليه الملك المعظم مرارًا يقول له: إن قصدتنى لم آخذك إلا بعسكرك. فوقع عند الملك

стр. 1087

الكامل وهم من ذلك، ولم يجسر على الخروج من مصر، وصمم المعظم على قصد حماة وحمص، ورأى البداية بحمص فسير أولا جماعة من عرب دمشق، فأغاروا على قرى حمص، فنهبوها وأخربوها، ووصل من جهة الملك الأشرف الأمير مانع بن حُدَيثهَ أميرآل فضل (١) في جموع كثيرة من العرب، لإنجاد الملك المجاهد أسد الدين شيركوه (٢)، فانتهبوا قرى المعرة (٣) وحماة، وقسموا البيادر (٤)، ثم خرج الملك المعظم من دمشق في عساكره، ولما وصل إلى حمص اندفع مانع وعربُ حلبَ والجزيرة إلى قنسرين، ثم نزلوا قراحصار (٥)، ثم تركوا أظعانهم بمرج دابق (٦)، وساروا جريدة إلى أرض حمص، فوقعت بين عرب مانع وعرب دمشق عدة وقعات. وجرَّد الأتابك شهاب الدين طغريل عسكراً من حلب نجدةً لصاحب حمص، فوصلوا إليها قبل أن ينازلها المعظم، واتفق أن توافى العسكران، فتواقعوا واقتتلوا، ثم دخلوا إلى حمص، وكان الملك الأشرف نازلا بالرقَّة (٧)، وجاءه الخبر بحركة السلطان علاء (٨) الدين كيقباذ بن كيخسرو بن قليج أرسلان السلجوقى - صاحب بلاد الروم - إلى جهة آمد، وصاحبها الملك المسعود بن

стр. 1088

الملك الصالح محمود بن محمد بن قرا أرسلان بن سقمان بن أرتق، وأنه استولى من بلاده على حصن منصور (١) والكختين (٢). فسيَّر الملك الأشرف نجدة إلى صاحب [٣٤] آمد فالتقاهم عسكر السلطان علاء الدين فهزمهم، فرحل الملك الأشرف إلى حران وخرج من بقي من عسكر حلب إلى حاضر قنسرين (٣) لإنجاد الملك المجاهد صاحب حمص. وأخرب الملك المعظم قرايا حمص ومزارعها، وامتدَّت غاراته إلى سلميَّة (٤)، وهى للملك المظفر بن المنصور وهو عند الملك الكامل بمصر. وطال مقام الملك المعظم على حمص، ولم ينل من قلعتها ومدينتها غرضاً، ووقع الفناء في عسكره، وماتت دوابّهم، وكثر المرض فيهم، فرحل عن حمص في شهر رمضان من هذه السنة (٥). وفيها قدم الملك الأشرف إلى أخيه المعظم جريدةً قصداً لقطع مادة الشرّ، فالتقاه أخوه المعظم وأظهر السرور به، وضربت البشائر لمقدمه، وأظهر الابتهاج العظيم به، وحكَّمه في خزائنه، وحاله في الباطن يُخالف ما أظهر، والرُّسل مترَددة بينه وبين السلطان جلال الدين خوارزم شاه، ووصل إليه رسوله وصحبته خلعة للمعظم فلبسها، ولما انقضى شهر رمضان خرج المعظم والأشرف إلى المرج متنزهين، وورد إليهما من حلب القاضى بهاء الدين بن شداد (٦)، ومظفر الدين بن جرديك في طلب تجديد الأيمان للملك العزيز بن الملك الظاهر ولأتابكه شهاب الدين طغريل، ولما وصلا وجدا

стр. 1089

الملك الأشرف عند الملك المعظم لا ينفردُ عنه بأمر ولا يتجاسر - لكونه في قبضته - على مخالفته في قليل ولا كثير، ولا يتأنَّى له الانفرادُ عنه، فدامت المراجعات بينهما وبين الأتابك مستمرة مدة شهرين إلى أن ورد خبر نزول السلطان على خلاط، ثم استدعيا رسولى صاحب حلب وحلفا لهما، ورجعا إلى حلب، ثم انتقل الأشرف والمعظم إلى البلاد الغورية (١) يُشَتِّيان بها (٢). ذكر بقية الحوادث منها أنه وصلت الخلع من الخليفة الظاهر (٣) بأمر الله والتقليد إلى السلطان الملك الكامل (٤) وأولاده الملك المسعود (٥) والملك الصالح نجم الدين أيوب، وخلعة لوزيره الصاحب (٦) صفى الدين، وكان السلطان (٧) قد توفى فأمر السلطان أن يلبسها الفخر سليمان كاتب الإنشاء، ولبس السلطان وأولاده الخلع، وعبروا من باب [٣٥] النصر (٨)، وشقوا

стр. 1090

القاهرة، وخرجوا من باب زويلة (١)، وطلعوا إلى قلعة الجبل (٢) وكان يوما مشهودا (٣). ومنها أن الملك المسعود بن الملك الكامل سافر إلى اليمن بعد أن سأل من أبيه أن يقيم بمصر في خدمته، ويُسلم اليمن لمن يأمر السلطان، فلم يوافقه الكامل على ذلك (٤). وقال بيبرس في تاريخه: وفى سنة ثلاث وعشرين وستمائة قدم الملك المسعود بن الملك الكامل من الحجاز إلى مصر، ثم عاد إليها، وخرج والده الكامل لوداعه (٥)، ومضى على طريق السُوَيْس (٦) إلى قلعة صدر (٧)، وعيَّد الكامل على الخضراء (٨) بالقرب من الخَشَبِى (٩). ومنها أنه كان قتال عظيم بين إبْرَنْس أنطاكية وبين الأرمن، وجرت خطوبٌ كثيرة بينهم (١٠).

стр. 1091

ومنها أنه قدم الشيخ محيى (١) الدين يوسف بن الشيخ جمال (٢) الدين بن الجوزى من بغداد فى الرسليَّة إلى الملك المعظم بدمشق، ومعه الخلع والتشاريف لأولاد العادل من الخليفة الظاهر بأمر الله، ومضمون الرسالة نهْيُه عن موالاة جلال الدين خوارزم شاه، فإنه خارجى من عزمه قتال الخليفة وأخذ بغداد منه، فأجابه إلى ذلك، ثم ركب محيى الدين المذكور إلى الملك الكامل بالديار المصرية كما ذكرناه الآن، وكان ذلك أوَّل قدومه إلى الشام ومصر، وحصل له جوائز كثيرة من الملوك منها: كان بناء المدرسة الجوزية (٣) بالنشابين فى دمشق (٤). ومنها أن السبط صاحب المرآة ولاه الملك المعظم تدريس الشِّبْلية (٥) بالسفح، وحضر عنده يوم الأجلاس القضاة والأعيان (٦). ومنها أنه كانت زلزلة عظيمة هدمت شيئاً كثيرًا من القرى والقلاع، ذكره ابن الأثير، وذكر أيضا أنه ذُبِحَتْ شاة ببلدهم فوجدوا لحمها مُرّاحتى رأسها وأكارعها (٧). ومنها ................................. (٨) وفيها حج بالناس من العراق ابن أبى فراس، ومن الشام على بن السلار (٩).

стр. 1092

ذكر من توفى فيها من الأعيان قاضى القضاة جمال (١) الدين يونس بن بدران بن فيروز المصرى، قاضى القضاة بدمشق، كان فقيها كثير الاشتغال، واختصر كتاب "الأم" للشافعى ﵀ وله كتاب مطول فى الفرائض، وولي تدريس الأمينية (٢) بعد التقى الضرير الذى قتل نفسه، ولاه إياها الوزير صفى الدين بن شكر، وكان معتنيا بأمره، ثم ولاه وكالة بيت المال بدمشق، وترسل إلى الملوك والخلفاء عن صاحب دمشق، ثم ولاه الملك المعظم قضاء القضاة بدمشق، بعد عزله الركن (٣) الطاهر، وولاه تدريس العادلية الكبيرة (٤)، حتى كمل بناؤها، فكان أول من درس بها، وحضر عنده الأعيان كما ذكرنا، وكان يقول أولا درسا فى التفسير حتى أكمل التفسير إلى آخره، ثم توفى عقيب ذلك. وقال أبو شامة (٥): كان حسن الطريقة، لم ينقل عنه ما ينقم عليه بأنه أخذ شيئًا لأحد، وإنما كان ينقم عليه بعض الورثة بمصالحة بيت المال، وأنه استناب ولده التاج محمد، ولم يكن يرضى الطريقة، وأما هو فكان عفيفا فى نفسه، نزها مهيبا. وقال أبوشامة: وكان يدعى أنه قرشى شيبنى، فتكلم الناس فيه بسبب ذلك، وكانت وفاته فى آخر ربيع الأول من هذه السنة، وتولى بعده شمس (٦) الدين أحمد بن خليل الخُويىّ (٧).

стр. 1093

وقال ابن كثير (١): ودفن بداره التى فى رأس درب الريحان (٢)، من ناحية الجامع، ولتربته شباك شرقى المدرسة الصدرية (٣) اليوم، وقد قال فيه ابن عنين (٤) الشاعر، وكان هجاء: ما أقصر المصرى فى فعله … إذ جعل التربةَ فى داره أراح للأحياء من رحمه … وأبعد الأمواتَ من ناره البُلْدَجى (٥) الحنفى مصنف "المختار" فى مذهب أبى حنيفة (رضى الله عنه). وهو الشيخ الإمام أبو محمد محمود بن مودود بن محمود بن بلدجى الحنفى الموصلى، وله (٦) بها مدرسة تعرف به، وكان من أبناء الترك، وصار من مشايخ العلماء الحنفية، وله دين متين وشعر حسن، وكانت وفاته بالموصل فى السادس والعشرين من جمادى الآخرة من هذه السنة، وله نحو من ثمانين سنة، أقول: ومن تصانيفه المشهورة: كتاب المختار وشرحه الاختيار، ونسبته إلى بلدجى أحد أجداده، وهو اسم تركى بضم الباء الموحدة، وسكون اللام، وفتح الدال المهملة، وكسر الجيم، وفى آخره ياء آخر الحروف ساكنة. المعتمد (٧) والى دمشق، "مبارز" (٨) الدين ابراهيم بن موسى، ولد بالموصل، وقدم الشام فخدم فرخشاه بن شاهشاه بن أيوب، وتقلبت به الأحوال، واستنابه أخو فرخشاه لأمه بدر الدين مودود الشحنة بدمشق، ثم ولاه العادل الشحنكية (٩) استقلالا، فأحسن

стр. 1094

السياسة، ولطف بالرعية، وكان بين يديه نقيب له يعرف بسويد، من أصدق الناس وأعرفهم بتدبير وقائع الولاية، وكان المعتمد دينا ورعا عفيفا نزها، اصطنع عالما عظيما من النساء والرجال، وستر عليهم كبائر الأحوال، وكانت دمشق وأعمالها فى أيام ولايته لها حرمة ظاهرة، وهى حرة طاهرة. وفى المرآة (١): ومما جرى له أنه كان فى دمشق رجل فاتك، وإلى جانب بيته قوم لهم ولد صغير، فى أذنيه (٢) حلق من ذهب، فاغتاله الرجل يوما فخنقه، وأخذ الحلق من أذنه، وأخرجه فى قفة ودفنه بالباب الصغير (٣)، وفقدته أمه، فاتهمت الرجل، فعذبه المبارز عذابا أليما فلم يقر، فأطلق، وفى قلب المرأة النار من ولدها، فطلقها زوجها، وتزوجت الرجل القاتل وأقامت معه مدة، فقالت له يوما وهى تداعبه: قد مضى الابن وأبوه، وكان منهما ما كان وكان الزوج قد مات، أنت قتلت الصغير. فقال: نعم، وأخذت الحلق ودفنته بالباب الصغير. فقالت: قم فأرنى قبره. فأخذها وخرج بها إلى المقابر، وحفر القبر، فرأت ولدها فلم تتمالك وضربت القاتل بسكين أعدتها له، فشقت بطنه، ودفعته فألقته فى القبر، وجاءت إلى المبارز فحكت له الحكاية فقام وخرج معها إلى القبر، فكشفته له، قال لها: أحسنت والله، ينبغى لنا كلنا أن نشرب لك فتوة. قال السبط (٤): وكان لداره بابان، الكبير عليه الغلمان والنواب، وباب السر فى زقاق آخر، فكان "البوابون" (٥) إذا مسكوا فى الليل امرأة من بيت معروف وحملوها إليه على حالها، يقول لهم أنزلوا (٦) حتى أقررها، ثم يقول لها: يابنتى، أنت من بيت كبير، وأهلك رجال معروفون، فما الذى جرأك على هذا؟ فتقول: ياسيدى قضاء الله. فيقول لها: ستر الله عليك، ويبعث (٧) معها الخادم من باب السر إلى بيتها، فأقام على هذا نحو من أربعين سنة.

стр. 1095

قال السبط (١): وكان فى قلب المعظم له شحناء لأنه كان يشفق عليه ويحفظه فى أماكن يدخل إليها بدمشق فى الليل وهو شاب، فيأمر غلمانه أن يتبعوه من بعيد، وكان العادل فى مصر يكتب إليه بذلك، فلما مات العادل أظهر ما كان فى قلبه منه، فاعتقله مدة فى القلعة، فلم يظهر عليه ولا على أحد من أولاده وحاشيته أنه أخذ من الرعية ما قدره مثقال حبة من خردل، ولاغَيَّرَ ما كان عليه من العفة والأمانة والصلاح والديانة، ثم أنزله من القلعة إلى داره وحجز عليه فيها، وبالغ فى التشديد عليه، وكانت وفاته يوم السبت الحادى والعشرين من ذى القعدة، عن ثمانين سنة، ودفن بجبل قاسيون (٢) فى التربة التى أنشأها بالجبل. قال السبط (٣): وحكى لى أنه ولى دمشق نيابة عن بدر الدين الشحنة أول ولاية صلاح الدين، ثم استقل بالولاية إلى أن عزل فى سنة سبع عشرة وستمائة، فكانت ولايته نيابة واستقلالا قريبا من خمسين سنة، قالوا: ولم يوجد على المبارز شئ إلا أنه كان يحبس وينسى، فعوقب بمثل ذلك، أقام محبوسا خمس سنين إلا أياما. قال ابن كثير (٤): وتربته مجاورة لمدرسة أبى عمر (٥) قبلى السوق، وله عند تربته مسجد يعرف به. شبل (٦) الدولة كافور الحسامى، نسبة إلى حسام الدين محمد بن لاجين، وَلَد ست الشام، وهو الذى كان مستحثا على عمارة الشامية البرانية (٧) لمولاته ست الشام (٨)،

стр. 1096

وهو الذى بنى المدرسة الشبلية للحنفية، والخانقاة (١) للصوفية إلى جانبها، وكانت منزله، وأوقف عليها أوقافا جليلة، وبنى القناة والمصنع والساباط، وفتح للناس طريقا من عند المقبرة غربّى الشامية البرانية إلى طريق عين الكرش، ولم يكن للناس لهم طريق إلى الجبل من هناك، إنما كانوا يسلكون من عند مسجد الصفى (٢) بالعُقيَبة (٣) وكان خادما عاقلا دينا صالحا مهيبا، له حرمة وافرة فى الدولة، ومنزلة عالية عند الملوك، وكان حنفى المذهب، وله صدقات دارة وإحسان كبير، ودفن بتربته إلى جانب مدرسته المذكورة، وكانت وفاته فى رجب من هذه السنة، وقد سمع الحديث من الشيخ تاج (٤) الدين الكندى وغيره. البَدْرُ الجَعْبرى (٥)، والى قلعة دمشق، مات فى هذه السنة، أقام واليا بها مدة فى أيام المعظم، وخدم الظاهر بحلب وغيره، فحمل إلى بالس (٦) فدفن عند أهله. واقف الرواحية (٧) بدمشق وحلب، أبو القاسم هبة الله المعروف بابن رواحة، من أكابر العدول والتجار أولى الثروة، وبنى بحلب مدرسة (٨) للشافعية وبدمشق مثلها داخل باب الفراديس (٩)، ووقف عليها أوقافا حسنة، وقنع بعد ذلك باليسير، وكان يسكن فى

стр. 1097

بيت بالمدرسة الدمشقية، وهو الذى فى إيوانها من الشرق، ويقابله من الغرب خزانة الكتب التى وقفها، وهى كتب جليلة، وكان ﵀ تام الخلقة طولا وعرضا، إلا أنه كان لا لحية له أصلا، وكان مبجلا عند القضاة، توفى (١) فى هذه السنة فى رجب، ودفن بمقابر الصوفية، وكان فوض تدريس مدرسته التى بدمشق والنظر عليها إلى الشيخ تقى الدين بن الصلاح الشهرزورى، وبعد وفاته شهد محيى (٢) الدين بن عربى الطائى، وتقى الدين خزعل (٣) النحوى المصرى، ثم المقدسى، ثم الدمشقى، إمام مشهد على بن رواحة بأنه قد عزل الشيخ تقى الدين عن هذه المدرسة، فجرت خطوب طويلة، ولم ينتظم ماراموه من الأمر. وقال أبو شامة (٤): وكان ابن الصلاح أسند النظر إلى شخص أسنده ذلك الشخص إلى ولد له، فغلب على وقف المدرسة وتدريسها بغير أهليَّة، ولا استحقاق، ولا أمانة، ولا عدل، ولا اشفاق، والأمر على ذلك إلى الآن، والله المستعان. قلت: تقى (٥) الدين خزعل بن عسكر بن خليل الثنائى (٦) المصرى النحوى، مات أيضا فى رجب أو شعبان من هذه السنة، ودفن بباب الصغير، وكان شيخا حسنا فاضلا مفتيا (٧) متواضعا.

стр. 1098

فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة الرابعة والعشرين بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة هو المستنصر بالله، وصاحب مصر السلطان الملك الكامل بن الملك العادل، وصاحب دمشق الملك المعظم عيسى بن الملك العادل، ولكنه مات فى هذه السنة على ما نذكره، وصاحب حلب الملك العزيز (١) بن الظاهر صلاح الدين، وصاحب الروم السلطان علاء الدين كيقباذ بن كيخسرو، وصاحب البلاد الشرقية الملك الأشرف، ولكنه عند أخيه المعظم على ما نذكره، وصاحب أذربيجان وبعض بلاد الكرج وعراق العجم (٢) وغيرها السلطان جلال الدين خوارزم شاه بن السلطان علاء الدين (٣) خوارزم شاه بن تكش، وسلطان الغرب الملك العادل عبد الله بن المنصور يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن، ولكنه مات فى هذه السنة، وسلطان البلاد السمرقندية والخوارزمية وما وراء ذلك ومادون ذلك إلى بلاد عراق العجم جنكيزخان، ولكنه "مات فى هذه السنة" (٤). فلنذكر أولا ماجريات بنى أيوب ثم ماجريات جلال الدين خوارزم شاه، ثم نذكر وفيات هؤلاء المذكورين. ذكر ماجريات بنى أيوب قد ذكرنا الآن أن الملك الأشرف عند أخيه المعظم، ورأى أنه لا خلاص له منه إلا بإجابته إلى مايريده أخوه المعظم، فأجابه مكرها على ما طلبه منه، وحلف له أن يعاضده ويكون معه على أخيهما الملك الكامل، وأن يكون معه على صاحبى حماه

стр. 1099

وحمص، فلما حلف له على ذلك أطلقه المعظم، فرحل الملك الأشرف فى جمادى الآخرة من هذه السنة، وكانت مدة مقامه عند المعظم نحو عشرة أشهر، ولما استقر الأشرف ببلاده رجع عن جميع ماتقرر بينه وبين أخيه المعظم، وتأول فى ذلك فى أيمانه التى حلفها (١) أنه كان مكرها عليها، فندم المعظم لتمكينه من الانفصال عنه وسير العرب إلى بلد حمص وحماة فعاثوا فيها (٢). وفى هذه السنة حصلت الوحشة بين الملك الكامل صاحب مصر وبين أخيه الملك المعظم صاحب دمشق لأمور بلغت الكامل عنه، فكتب الكامل إلى الأنبرور (٣) ملك الألمان بأن يحضر إلى الشام والساحل، ويعطيه البيت المقدس وجميع فتوح صلاح الدين بالساحل، وكتب الملك المعظم إلى جلال الدين خوارزم شاه -وكان قد ملك أخلاط وبلاد أرمينية (٤) مضافا إلى ما بيده من بلاد العجم المجاورة لأخلاط -يسأله أن ينجده على أخيه الكامل، ويكون هو من جملة المنتمين إليه، ويخطب له، ويضرب له الدنانير والدراهم باسمه، فأجابه إلى ذلك، وسير إليه خلعة لبسها، وشق بها مدينة دمشق، وقطع خطبة الملك الكامل. وبلغ ذلك الكامل فتجهز وخرج بعساكره ليأخذ دمشق من أخيه المعظم، فنزل بلبيس (٥) والعباسة (٦) فى شهر رمضان من هذه السنة، فسير إليه المعظم يقول: إنني قد نذرت نذرا لله تعالى أن كل مرحلة ترحل إليها لقصدى أتصدق بألف دينار، فإن جميع عسكرك معى وكتبهم عندى، وأنا ما آخذك إلا بعسكرك، هذا كان فى الباطن، وأما فى الظاهر فقال: أنا مملوكك وما خرجت عن

стр. 1100

محبتك ولا عن طاعتك، وحاشاك أن تخرج لأجلى لتقاتلنى، وأنا أول من ينجدك ويحضر إلى خدمتك من جميع ملوك الشام والشرق، فأظهر الكامل هذا القول بين الأمراء وعاد الى مستقر ملكه، ثم بلغ الكامل أن المعظم قد نزل على حمص وحاصرها، وأشرف على أخذها، فسير إليه بأن يرحل عنها فرحل عنها، ثم أن الملك الكامل فى هذه السنة قبض على جماعة من الأمراء مماليك أبيه الذين توهم منهم أنهم كاتبوا المعظم، من جملتهم: فخر الدين الطنبا (١)، وفخر الدين الفيومى وكان أمير جنداره (٢) وعشرة أمراء من البحرية العادلية، واعتقلهم وأخذ جميع أموالهم وموجودهم (٣). وفى تاريخ ابن كثير (٤): ولما تحقق الملك الكامل اعتضاد (٥) أخيه المعظم بجلال الدين خوارزم شاه خاف من ذلك، وكاتب الأنبرور ملك الإفرنج فى أن يقدم إلى عكا ليشغل سر أخيه المعظم عما هو فيه، ووعد الأنبرور بأن يعطيه القدس، فسار الأنبرور إلى عكا، وبلغ المعظم ذلك فكاتب أخاه الأشرف واستعطف خاطره. وقال ابن كثير (٦): وقدم رسول الأنبرور عليه اللعنة إلى المعظم يطلب منه ما كان فتحه السلطان صلاح الدين يوسف من بلاد السواحل، فأغلظ له المعظم فى الجواب وقال: قل لصاحبك ما عندى إلا السيف. وقال أبو شامة (٧): قدم رسول الأنبرور ملك الإفرنج البحرية على المعظم بعد اجتماعه بالكامل يطلب منه البلاد التى فتحها عمه صلاح الدين، فأغلظ له، وقال: قل لصاحبك ما أنا مثل الغير (٨)، ماله عندى سوى السيف.

стр. 1101

وفي تاريخ بيبرس: وفي هذه السنة رجع الملك الناصر داود بن المعظم إلى أبيه من إربل (١) صحبة الشيخ شمس الدين الخسرو شاهي تلميد الإمام فخر الدين (٢) بن الخطيب الرازي، وكان الناصر يقرأ عليه العلوم العقلية، ولما تأكدت الوحشة بين المعظم وأخويه (٣) الكامل والأشرف، وعلم الكامل انتماءه إلى جلال الدين خوارزم شاه، خاف أن يكون اتفاقهما سببا لزوال الدولة الأيوبية ووبالها، فأرسل الأمير فخر الدين بن شيخ الشيوخ إلى الانبرطور فَرْدريك وطلب منه القدوم إلى عكا، ووعده أن يعطيه بعض الفتوح الصلاحي بالساحل ليشتغل بذلك سر المعظم، ويضطر إلى موافقته والدخول في طاعته، فتجهز الأنبرطور تقصد الساحل، وبلغ المعظم ذلك فكاتب الأشرف ولاطفه وراسله في الموافقة، فعاتبه الأشرف على أفعاله التي فعلها معه، وقرعه على ما اعتمد في حق أهله فعاجله قاطع الآجال ومحترم الرجال، ومات المعظم على ما نذكره عن قريب إن شاء الله تعالى (٤). وفيها دخلت عساكر الملك الأشرف إلى أذربيجان، فملكوا منها مدنا كثيرة، وغنموا أموالا جزيلة، وخرجوا معهم بزوجة الملك جلال الدين بنت طغريل، وكانت تبغضه وتعاديه، فأنزلوها مدينة أخلاط، وسيأتي ما كان من خبرهم في السنة الآتية إن شاء الله تعالى (٥).

стр. 1102

وفيها جهز الملك الأشرف أخاه شهاب الدين غازي (١) إلى الحج في محمل عظيم يحمل ثقله ستمائة جمل ومعه خمسون هجينا على كل هجين مملوك، فسار من ناحية العراق، وجاء ته هدايا الخليفة إلى أثناء الطريق، وعاد على طريقة التي حج منها (٢). وفي المرآة (٣): وجهز الأشرف جهازا عظيما وسار غربى الفرات على قرقيسيا (٤)، والرحبة (٥)، وعانة (٦)، والكيسات، والغمر (٧)، والعين (٨)، وسقايا (٩)، وكلها قرى فيها عيون جارية، ونخل كثير ومنها يجلب التمر إلى الشام، وعبر على كربلاء فزار المشهد، ثم دخل الكوفة وزار مشهد أمير المؤمنين. وبعث إليه الخليفة فرسين وبغلة وألفي دينار، وقال: هذه من ملكي أنفقها في طريق الحج، وأوصى أمير الحاج بخدمته، وتصدق في مكة والمدينة، وعاد إلى (١٠) العراق ولم يصل الكوفة، بل سار غربي الطريق التي سلكها فكاد يهلك هو ومن معه عطشا حتى وصل إلى حران.

стр. 1103

ذكر ماجريات جلال الدين خوارزم شاه بن علاء الدين وفيها ملك جلال الدين خوارزم شاه مدينتي بيلقان (١) وأردويل (٢) بأعمالهما، وذلك أنه لما قدم من العراق وجدهما خرابا، فبنى عليهما سورا من آجر ترغيبا للرعية في عمارتهما وسكناهما، فعاد أحسن ما يكون من العمارة (٣). وفيها سار جلال إلى العراق والتقى به التتار بظاهر أصفهان (٤)، وذلك أنه سار إلى تبريز وأقام بها مدة استجماما، فورد الخبر أن التتار على أهبة العبور، فأجمع أمره على العبور إلى أصفهان، وأن لقاءهم أصوب ومن الاحتياط والحزم أقرب، لما فيها من العدة والعديد، فوصلها وجود معه أربعة آلاف فارس صوب الري ودامغان (٥) برسم اليزك (٦)، وكانت الأخبار ترد من جهتهم يوما بعد يوم فهم يتأخرون والتتار يتقدمون (٧) إلى أن عادوا إلى جلال الدين سالمين، وحضر إلى جلال الدين من أعلمه بها في عسكر التتار من المقدمين وهم: تاجن نوين، وتاتاك نوين، وياقو نوين، وأسن طُغان نوين، وياسور نوين، وغيرهم (٨)، فنزل التتار شرقي أصفهان على مسيرة يوم على قرية تسمى السَّين (٩) وأشار المنجمون على جلال الدين بمصابرتهم ثلاثة أيام والتقائهم، فلزم المكان يرتقب اليوم الموعود والميقات المضروب، ولما سمع جميع الأمراء والخانات بقرب التتار لجأوا إلى باب السلطان جلال الدين، فدخلوا عليه وهو في صحن الدار، فتحدث معهم في غير

стр. 1104

حديث التتار استخفافا بهم واستحقارا لأمرهم وتسكينا لقلوب الخانات، وشاورهم فيما يقع عليه الاتفاق من ترتيب المصاف، واستحلفهم أن لا يهربوا ولا يختاروا الحياة على الموت، ثم حلف لهم بذلك من غير استدعاء منهم، وعين لهم يوم المصاف، وأمر باستعراض الرجالة في سلاحهم، وتأهب، وقال أبو الفتح: وأحضر قاضي أصفهان ورئيسها وأمرهما باستعراض الرجالة في السلاح، وعامة أصفهان لاتقاس بعامة سائر البلاد في هذا الباب إذ كانوا يبرزون إلى ظاهرها في الأعياد والنياريز (١) بكازَغَنْدات (٢) من الأطلس مختلفة الأصباغ، ولما رأت التتار أن السلطان جلال الدين أبطأ في الخروج ظنوا أنه خاف وجردوا ألفي فارس إلى جبال اللر (٣) ليجمعوا من الغارات ما يقوتهم (٤) مدة الحصار ولما سمع جلال الدين جرد إليهم من عسكره مقدار ثلاثة آلاف فارس فأخذوا عليهم المضايق، وأرسلوا عليهم الصواعق، وعادوا وأحضروا معهم أربع مائة أسير ما بين مأمور وأمير، فسلم السلطان جماعة منهم إلى القاضي والرئيس ليقتلوهم في شوارع المدينة والأسواق، ويتركوا جثثهم هناك، وضرب جلال الدين رقاب الباقين ولما كان اليوم الموعود رتب جلال الدين عساكره، فلما تراءى الجمعان هرب غياث الدين أخوه في ذلك الوقت بعسكره وطائفة من عسكر جلال الدين مقدمهم خردجهان بهلوان إيلجي، وتغافل السلطان عنهم، ووقف التتار مقابل السلطان، وأمر السلطان رجالة اصفهان بالعود إذ أعجبته كثرته بالعدو، وقد رأى عسكره بالنسبة إليهم أضعافًا، وحملت آخر النهار ميسرة السلطان على ميمنة العدو فكسرتها، وركبوا أكتافهم يقتلونهم إلى حدود قاشان (٥)، ولما رأى انهزامهم وقد جنحت الشمس للغروب ترك الحرب ونزل على حافة

стр. 1105

جرف كائن في المعركة (١) فأتاه إيلان يرغو مشنعا وقال: قد تمنينا دهرا أن نرزق فيهم يومًا أبيض يذهب فيه غيظ قلوبنا. وفي هذه الليلة تقطع التتار مسيرة يومين، فندم على فواتهم حيث لا تغنى الندامة، وكان التتار لما رأوا (٢) سواد الليل تجرد شجعانهم وكمنوا حتى عبر جيش السلطان بعد غروب الشمس، فخرج الكمين كالنار، فضربوا الميمنة والقلب، فلم تكن إلا حملة واحدة حتى زلت الأقدام عن مقارها، وثبت الخانات والأمراء أصحاب الميسرة وفاء بالأيمان، فقتلوا ولم يسلم منهم إلا ثلاثة وهم: كوج تكين بهلوان، والحاجب الخاص خان بردي، وأودك أمير آخور، ووقف أخش ملك يقاتل إلى أن استشهد، واستشهد ألب خان وأرتوخان وكحيوقة خان وقزلق خان، ومنكلي بك طاين، وأسر علائي الدُيلة أتان خان صاحب يزد (٣)، وأخذه واحد من المرتدة فأعطاه صدرًا من المال كان معه فأطلقه، ووقع في ليلته في بئر فمات، ووقف السلطان جلال الدين في القلب وقد تبدد نظامه، وأحاط به العدو من كل صوب، ولم يبق معه إلا أربع عشرة نفسًا من خواص مماليكه، وحمل على التتار فأزاحهم عن الطريق، ونجي بنفسه وتفرقت العساكر المنهزمة، فمنهم من وقع إلى فارس، ومنهم إلى كرمان وإلى أذربيجان، ولما عاين اللعين باينال مقدم التتار ما قد جرى منه أعجبته فروسيته، فحرك المقَرعة وراءه، وقال: سلمت حين سقت. وعادت ميمنة السلطان بعد يومين من جهة قاشان معتقدين أن السلطان بأصفهان، وتفرقت عساكر التتار أيضا، وخفى أمر جلال الدين ثمانية أيام، فلا يدري أميت هو أم حي، وهموا فيمن يقوم بالأمر بعده، وهمت عامة أصفهان بمد الأيادي إلى (٤) حريم الأصفهانية الخوارزمية وأموالهم، واستمهلهم القاضى إلى العيد ربما يتحقق حال السلطان (٥). قال أبو الفتح: وكان المصاف يوم الثاني والعشرين من رمضان سنة خمس وعشرين وستمائة، وكان الأتابك يغان طايسي لم يخرج من أصفهان يوم المصاف لمرضه، فاتفق

стр. 1106

القاضي ومن تخلف بها من أرباب الدولة على أنهم إذا صلوا صلاة العيد ولم يحضر السلطان يجلسونه على السرير إذ كان فيه من أسباب الرياسة وأدوات السياسة ما استمالت القلوب إليه، فلما خرج الناس يوم العيد إلى المصلي وصل السلطان وحضر الخطبة، فاعتدوا بعودة عيدًا، وأقام بها عدة أيام إلى أن تراجعت فرق من عساكره المتفرقة، وجازي السلطان ميمنة عسكره بمزايد الرواتب والمراتب، فلقب بكت ملك بأوترخان، وبكتيارون جنكشي بخاص خان، وكي سنقرخان، وأبوبكر ملك بإينام خان، وسار بهم متشرقا نحو الرى، ليزيد التتار نفورا. وجرد عساكره إلى أرض خراسان بريد بذلك انتشار الصيت والقوة وبعد سمعة القدرة، وأما التتار فقد عادوا من أصفهان خائفين وأنهم مع انتصارهم في آخر النهار قد نالت منهم السيوف ما لم تنله من المسلمين فنكص (١) التتار على أعقابهم ملعونين، فلم يتخلص منهم إلى ما وراء جيحون إلا قليلا (٢). وفي هذه السنة قتلت الإسماعيلية أميرا كبيرا من أمراء جلال الدين، وكان رجلا خيرا حسن التدبير، وجميل السيرة، بعيدا من الشر، فسار جلال الدين في عساكره إلى بلادهم وخربها من بلاد ألموت (٣) إلى بلاد كردكوه بخراسان وقتل أهلها وانتقم منهم، لأنهم كانوا قد طمعوا مذ خرج التتار إلى بلاد الإسلام. وقال أبو الفتح المنشيء: لما عاد السلطان جلال الدين من الهند أقطع أميرًا من أمرائه يقال له أورخان ما كان بقي من أرماق نيسابور وأعمالها، وكان نائبه بها يتعرض إلى مايتاخمها من بلاد الإسماعيلية مثل: تون (٤)، وقاين (٥)، وقهستان (٦)، بالنهب والقتل، فورد شخص منهم يلقب بالكمال رسولا على جلال الدين، وكان جلال الدين إذ ذاك بخوي يشكو من نواب أورخان، فأمر جلال الدين وزيره شرف الملك أن ينظر في أمره، فلما سمع أورخان كلام الكمال جذب من حياصته عدة سكاكين، ورماها بين يدي الرسول، وقال: هذه سكاكيننا ولنا من

стр. 1107

السيوف ما هو أمضى، وليس لكم منها شئ، فعاد الرسول بهذا الجواب، فلما عاد السلطان جلال الدين إلى كنجة وثب بأورخان ثلاثة من الفداوية (١) فقتلوه بظاهرها، ودخلوا المدينة والسكاكين بأيديهم، ينادون بشعار علاء الدين (٢) فوصلوا باب شرف الملك، ودخلوا دار الديوان، فلم يجدوا شرف الملك بها، وكان عند جلال فجرحوا فراشًا له، وخرجوا ينادون بشعارهم، فرجمتهم العوام إلى أن أهلكوهم. وكان قد وصل رسول من الموت من عند الإسماعيلية يسمى بدر الدين أحمد إلى بيلقان قاصدًا باب جلال الدين، فلما جرى الأمر المذكور تحير في أمره، فأرسل كتابا إلى الوزير شرف الملك يستشيره في أمره، فأذن له بالقدوم خوفا من طلب الفداوية إياه، ويعملون معه مثل ماعملوا بأورخان، فورد عليه فأكرمه واهتم بقضاء أشغاله، وكان مضمون رسالته إزالة التعرض عن بلادهم، وكانوا قد استولوا على دامغان في أيام التتار حين خلت عمن يحميها، وجلال الدين كان يطالبهم بتسليمها، واجتهد الوزير شرف الملك على استمرارها بأيديهم، على أن يحملوا إلى خزانة السلطان كل سنة ثلاثين ألف دينار، وكتب لهم بذلك توقيعا، ثم لما سار جلال الدين إلى ناحية أذربيجان والرسول المذكور في صحبة الوزير، يحضر كل يوم مجلسه وسماطه، فلما وصلوا إلى مرج سراة (٣) ذكر الرسول في بعض مجالس الشرب حين أخذت الكؤوس مأخذها أن لنا في عسكركم هذا جماعة من الفدائية، وقد تمكنوا فصاروا كالواحد من غلمانكم، فمنهم من خدم في اصطبلك، ومنهم من خدم عند مقدم الجاوشية (٤) للسلطان، فألح شرف الملك الوزير على أن يحضرهم ليبصرهم، وأعطاه منديله علامة الأمان، فأحضر خمسة من الفداوية، وكان الواحد منهم هنديا، شرع يقول لشرف الملك: كنت أقدر يوم كذا في منزل كذا

стр. 1108

على قتلك، إلا أني كنت أنتظر ورود الأمر بإمضاء العزيمة فيك، فرمي شرف الملك حين سمع كلامة الفرجية (١) من ظهره وقعد بينهم بالقميص، وقال: ما فعلت أنا؟ وما يريد علاء الدين مني وأنا مملوكه كما أنا مملوك السلطان؟ وهأنا بين أيديكم فافعلوا ما شئتم، وبالغ في التذلل جدا وبلغ جلال الدين ذلك، فغضب عليه وأنكر تذلله، وسير إليه من خواصه من ألزمه بإحراق هؤلاء الخمسة على باب خيمته، فاستعفي من ذلك فلم يعف، فأمر على كره منه، فأوقدت على باب خيمته نار عظيمة، ورمى أولئك الخمسة فيها فكانوا يحترقون، ويقولون: نحن قرابين المولى علاء الدين إلى أن أحرقوا، وقتل جلال الدين كمال الدين مقدم الجاوشية لاستخدامه الفداوية، لأنه كان أولى الناس بالاحتزاز من ذلك، ورحل من هناك صوب العراق، وتخلف الوزير شرف الملك بأذربيجان. قال أبو الفتح: وتخلفت أنا معه فبينما نحن ببرذعة (٢) إذ ورد رسول من ألموت بعد أيام يلقب بالصلاح، واجتمع بالوزير وقال له: إنك أحرقت خمسة منا وهم الفداوية، فإن أردت سلامتك أدِّعن كل واحد منهم عشرة آلاف دينار دية، فها له ما سمع وضعف قلبه، فأكرم هذا الرسول وأنعم عليه بإنعام وافر. قال أبو الفتح: وأمرني فكتبت لهم توقيعا ديوانيا بإسقاط عشرة آلاف دينار مستمرة في كل سنة مما تقرر حملها إلى الخزانة السلطانية، وهي ثلاثون ألف دينار كما ذكرناه عن قريب، وعلم الوزير على التوقيع (٣). وفي تاريخ بيبرس: وفي هذه السنة وصل ابن الأتابك المسمي خاموش، وكان أصم أبكم يفهم ويستفهم بالإشارات، ولا يقدر على تفهمه إلا رجل واحد قد رباه، وكان أبوه قد زوجه بصاحبة زوين دُرْ (٤) وهي من حفدة الأتابك علاء الدين كراية صاحب مراغة، فلما وصل السلطان إلى كنجة منصرفه من خلاط قدم الملك خاموش سمي به لعدم قدرته على النطق، فأحضر في جملة تقادمه حياصة (٥) كيكاوس ملك الفرس، وفيها عدة جواهر

стр. 1109

نفيسة لا تقَوّم، من جملتها قطعة بذخشان ممسوح على قدر الكف، أفخر ما يكون من الجوهر، فقبلها منه وأضاف إليها قطعا أخر نفائس مما كان عنده، فأخذت منه في آمد "وحُمِلَت إلى جنكيز خان (١)، وأقام خاموش الملك عنده مدة، فلم يعتن به إلى أن رثت حاله، وانتكثت حباله، وأعول أهله وعياله، ففارق السلطان من غير إذن إلى علاء الدين صاحب الإسماعيلية، وساقه الموْتُ إلى الموت، فتوفي هناك بعد شهر، ثم سار السلطان إلى كنجة فوثب بأورخان ثلاثة من الفداوية، فقتلوه بظاهرها فذكرت (٢) بقية القصة مثل ما ذكرناه الآن (٣). قلت: خاموش الذي ذكره هو ابن الأتابك أزبك صاحب أذربيجان، ولم يخلف أزبك ولدا إلا هذا، وكان قد وُلِدَ أصم أبكم على ما ذكرناه. وقال أبو الفتح المنشئ: كان اسم كيكاوس على ذلك البذخشاني، والسلطان جلال الدين أضاف إلى ذلك قطعا أخرى، وغير الصياغة، وجعل الفص الكيكاوسي واسطتها، وكان السلطان يشدها في وسطه في الأعياد لا غير إلى أن كبسه التتار في آمد في شوال سنة ثمان وعشرين وستمائة، فظفروا بالحياصة وسائر الجواهر، وحملت إلى ابن (٤) جنكيزخان الذي يسمى خاقان (٥). وأما وزير جلال الدين الذي ذكرناه فهو فخر الدين بن على بن أبي القاسم الجندى، ويلقب بشرف الملك خواجة (٦) جهان، كان نائبا عن المستوفي (٧) بديوان الجند (٨)، ثم

стр. 1110

تولي استقلالا، ثم ترتب في جملة الحجاب (١)، وكان ذا لسان جليد (٢)، مقداما على السلطان، فصيحا في اللغة التركية، واستمر به الحال في الحجوبية إلى أن جرت قضية ماء السند على ما ذكرناه، فهلكت أرباب الدولة، وساعدته المقادير إلى أن توزر، ونال عند السلطان ما لم ينله أحد، وكان لجلال الدين وزير بالعراق يقال له شرف الدين على ابن الفضل، من رؤساء تفرش وهي كورة من كور العراق، وكان مستوفي العراق عند السلطان محمد بن غُورسا، ونكب في أيام غياث الدين، ولما طلع جلال الدين من الهند وصَفَا له مُلك العراق بادر إلى خدمته، فاستوزره في جميع العراق، وحَكَّمه في الرقاب والأموال، ولم يتول حكم العراق بأسرها وزير قبله بَل كان في كل مدينة وزير، ثم اتفق وزير الري نظام الدين، ومستوفيهما أوحد الدين، وقاضي أصفهان ركن الدين مسعود بن صاعد على مرافقته والطعن عليه، وواطأهم شرف الملك، فأمر جلال الدين أن يعقد شرف الملك لهم مجلسًا يسمع فيه مرافعتهم بحضرة سائر أرباب المناصب بالديوان، وجلس السلطان ينظر إليهم من شبابك يسمع مقالتهم وهم لا يعلمون. ولما علم شرف الدين بأن شرف الملك الوزير يواطئهم على ما اتفقوا عليه من المرافعة حسدًا ومكرا، أرضى السلطان في السير بمائة ألف دينار يحملها إلى الخزانة على أنه لا يقبل قولهم فيه، وكان السفير في ذلك ملك الخواص تاج الدين قليج، فرضي السلطان بذلك وأولئك لا يعلمون [ولا] (٣) يدرون، ولم يقم شرف الدين من مجلسه إلا وهو مستمر على ما كان عليه من الحكم والجاه بعامة مدن العراق، وكاد شرف الملك الوزير أن يموت كمدًا، ورسم السلطان على المذكورين المرافعين يطالب كل واحد منهم بعشرين ألف دينار وثلاثين ألف دينار (٤). وقد وعدنا أن نذكر بعد ماجريات بني أيوب، وماجريات جلال الدين، وفاة الملك المعظم، ووفاة سلطان الغرب، وهلاك جنكيز خان عليه اللعنة.

стр. 1111

ذكر وفاة الملك المعظم والكلام فيه على أنواع، الأول: في ترجمته: هو شرف الدين عيسى الملقب بالملك المعظم ابن السلطان الملك العادل أبي بكر بن أيوب صاحب دمشق والشام، وكان مولده سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة، ويقال: ولد في سنة ست وسبعين وخمسمائة بالقاهرة، ونشأ بالشام، وكان استقلاله بالملك لما توفي أبوه العادل سنة خمس عشرة وستمائة، وكانت مدة ملكة دمشق تسع سنين وشهورا (١). وفي المرآة (٢): وفي سنة أربع وعشرين وستمائة توفى الملك المعظم عيسي بن العادل، العالم، الفقيه، الفاضل، المجاهد في سبيل الله، الغازى النحوى اللغوي، ولد بالقاهرة في سنة ست وسبعين وخمسمائة، ونشأ بالشام، وقرأ القرآن، وتفقه على مذهب أبي حنيفة على فخر الدين الرازي، وحفظ المسعودي، واعتنى بالجامع الكبير، وقرأ الأدب على تاج الدين الكندي (٣)، فأخذ عنه كتاب سيبويه وشرحه للسيرافي، والحجة في القراءات لأبي على الفارسي، والحماسة، وقرأ عليه الإيضاح (٤) لأبي على حِفْظَا، وسمع مسند أحمد بن حنبل بدمشق، وعلي ابن طبرزد أشياء من مسموعاته، وسمع السيرة لابن هشام علي ابن المحلي بمصر، وغير ذلك، وشرح الجامع الكبير، وصنف كتاب الرد على الخطيب والعروض، وله ديوان شعر، ومع تصنيفه للعروض ما كان يقيم وزن الشعر في بعض الأوقات. قال السبط (٥): فكنت أقول له: فيك ضرب من النبؤة، وما علمناه الشعر.

стр. 1112

وفي تاريخ المؤيد (١): وكان عالما فاضلا في الفقه والنحو، وكان شيخه في النحو تاج الدين زيد بن الحسن الكندي، وفي الفقه جمال الدين الحصيري (٢) وكان حنفيا متعصبا لمذهبه، وخالف جميع أهل بيته، فإنهم كانوا شافعية. وقال ابن خلكان (٣): وعوقب في ذلك، وقيل له: لم خالفت آباءك وأهلك؟ فقال: أما ترضون أن يكون في بني أيوب مسلم واحد. وقال صاحب (٤) الطبقات الحنفية: كان الخطيب شنع على أبي حنيفة ﵁ وصنف كتابًا، ورد عليه المعظم، فصنف كتابًا سماه: "السهم المصيب في الرد على الخطيب"، وكان لائقا بالرد؛ ذكر ما لا يليق ذكره، فلم يصبر عليه المعظم لحسن اعتقاده في أبي حنيفة ﵁. وقال ابن كثير (٥): اشتغل المعظم في الفقه على الحصيري مدرس النورية (٦)، وكان محفوظه كتاب المفصل للزمخشري، وكان يجيز من حفظه بثلاثين دينارا. وقال ابن خلكان (٧): وقيل: إنه كان قد شرط لمن يحفظ المفصل مائة دينار وخلعة، فحفظ لهذا السبب جماعة، ورأيت بدمشق والناس يقولون: إن سبب حفظهم له كان هذا. وكان قد أمر أن يجمع له كتاب في اللغة يشمل الصحاح للجوهري، والجمهرة لابن دريد، والتهذيب للأزهري وغير ذلك، وأمر أن يرتب له مسند الإمام أحمد بن حنبل، وكان يحب العلماء ويكرمهم، واجتهد في متابعة الخير، ويقول: أنا على عقيدة الطحاوي (٨).

стр. 1113

الثاني في سيرته: كان شجاعا مقداما، كثير الحياء، متواضعا، مليح الصورة، ضحوكا، غيورا، جوادًا، حسن العشرة، محافظا على الصحبة والمودة (١). وفي المرآة (٢): وكان بالبلقاء رجل من بني مهدي يقال له: نصار يُشْعِر على عادة العرب. مدح المعظم بقصيدة يقول فيها: حمى من أوهام الزمان علامة … عزيز إذا ما الدهر كرّجفاه فكان يتعجب من قوله كرجفاه، وكان قد توجه إلى أخيه الكامل في سنة سبع أو تسع وستمائة، والكامل في الإسكندرية فركب فرسًا واحدًا ووصل من دمشق إلى الإسكندرية في ثمانية أيام، فخرج الكامل فالتقاه وترجلا واعتنقا، وكان البهاء بن التبني على دار الزكاة فقدم البدر بن المسحف الشاعر من الشرق ومعه قماش كثير، فعسفه ابن التّبني، فكتب أبن المسحف إلى المعظم هذه الأبيات: أيا ملكا أباد عداه قهرا … وأحيي كل منقبة وفضل ومن هو المسيح اسما وفعلا … ونصبا للحياة وجزم فعل يكلفني البهاء زكاة مال … حرام كله من غير حل وكيف يجود بالزكوات من لا … يحج ولا يصوم ولايصلي فجد بهبات مالكم فإني … أجل زكاتكم عن مال مثلى فكتب المعظم على رأسها: يؤخذ منه العشر. وفي المرأة (٣): وإذا خرج إلى الغزاة لاينام إلا على حل الطرح، وزرديته (٤) مخدته، ولا يقطع الاشتغال بالقرآن (٥) والجامع الكبير، وسيبويه، وكان دائما يركب، فإذا نزل مد السماط، فإذا أكل السماط الناس قضى الحوائج إلى الظهر، وكان في أيام الفتح مع الفرنج يرتب النيران على الجبال من باب نابلس إلى عكا، وعلى عكا جبل قريب منها يقال له: الكَرْمَل، وكان عليه المنورون، وبينهم وبين الجواسيس علامات، وكان له

стр. 1114

في عكا أصحاب أخبار، وأكثرهم نساء الخيالة، وكانت طاقاتهن في قبالة الكَرْمَل، فإذا عزم الفرنج على الغارة فتحت المرأة الطاقة، فإن كان يخرج مائة فارس أوقدت المرأة شمعة واحدة، وإن كانوا مائتين شمعتين، وإن كانوا يريدون قصد حوران أو ناحية دمشق أشارت إلى تلك الناحية، وكذا إلى نابلس، وكان قد ضيق على الفرنج الطريق، إذا قصد وجهة سبق إليها بعسكره، وكان يعطى النساء والجواسيس في كل فتح جملة كثيرة. قال السبط (١): وكان المعظم قد أمر الفقهاء أن يجردوا له مذهب أبي حنيفة دون صاحبيه (٢)، فجردوا له المذهب في عشر مجلدات وسماه التذكرة، فكان لا يفارقه سفرًا وحضرًا، يطالعه دائما، فكتب على ظهر كل مجلد: أنهاه حفظا عيسي بن أبي بكر بن أيوب فقلت له: ربما يؤخذ هذا عليك؛ لأن أكبر مدرس في الشام يحفظ القدوري (٣) مع تفرغه، وأنت مشغول بتدبير الممالك تكتب بخطك على عشر مجلدات إنك قد حفظتها. فقال: ليس الاعتبار بالألفاظ وإنما الاعتبار بالمعاني، بسم الله سلوني عن جميع مسأئلها، فإن قصرت كان الصحيح معكم، وإلا فسلموا إلى ما قلت. وفي تاريخ بيبرس: وكان شديد البأس، وكان أخوه الكامل يخافه ويداريه، وهو أيضا كان يداري أخاه الكامل، ويخطب له على منابر بلاده، ولا يذكر اسمه معه، ويضرب السكة باسمه، ويداري أخاه الأشرف، ويؤلب عليه جلال الدين خوارزم شاه في الباطن، وكان مع شهامته وعظم هيبته قليل التكلف جدًا، لايركب بالسناجق السلطانية في غالب أوقاته، بل يركب في جمع قليل، وعليه قباء (٤) أبيض وكلوته صفراء بلا شاش، ويتخرق الأسواق ولا يُطَرَّق بين يديه، ولقد زار البيت المقدس، ودخل الجامع الأقصى، وكان الرجال والنساء والصبيان يزاحمونه ولا يردهم أحد عنه، ولما كثر منه هذا ضربت به الأمثال فكان الإنسان إذا فعل فعلا لا تكلف فيه قيل: قد فعل فعلا [٥٤] معظميا (٥).

стр. 1115

(الثالث) في مآثره: قال بيبرس: اعتنى بأرض الحجاز، فبني حمامين بمعان للرجال والنساء، وأقام لهم الضيافة عند رواحهم إلى مكة ومجيئهم، وزرع طريق الحجاز من باب الجابية إلى مكة، وحفر البرك والمصانع، وأوقف على الحاج ضياعا بالساحل، وعلى المدارس، وأخذ قلعة العلي من بني صخر لما حج سنة إحدى عشرة وستمائة، ورتب فيها جماعة، وعمر المساجد عند جعفر (١) الطيار، وأقام الضيافات للزوار، وبني سور دمشق، وله آثار كثيرة ومآثر مشهورة (٢). وفي المرأة (٣): بنى مدرسة (٤) بقاسيون (٥)، ودفن فيها والدته وأخاه المغيث، ومدرسة بالقدس (٦)، ودار الضيف، وبني الطارمة (٧) التي على الباب الحديدة (٨) والطيارة (٩) التي عند باب السر (١٠) المشرفة على دار المعظم (١١) العتيقة، وبني الخان على باب الجابية. (الرابع) في وفاته: كان قد جهز العساكر إلى نابلس خوفًا من اتفاق الأنبرور مع أخيه الكامل، ومرض في نصف شوال، وكان عنده رسل الخوارزمي (١٢).

стр. 1116

قال السبط (١): حكي لي نجم الدين بن سلام قال: غرم عليهم في تسعة أشهر تسع مائة ألف درهم، واشتد مرضه وأصابه ذرب عظيم، بحيث أنه رمي قطعة من كبده ومصرانًا، وكثرت الأقوال أنه سُقى السم، واتهم به جماعة، وآخر عهدي به ليلة الجمعة التاسع والعشرين من ذي القعدة، دخلت عليه آخر النهار وعنده ولده الملك الناصر داود، وكريم الدين الخلَّاطى، ويعقوب الحكيم في محفة، قد زمن وقد تغيرت أحواله، وطالع الموت في محاسن وجهه، فبكيت فقال: حاشاك حاشاك. وتحته طراحة خفيفة بندقي ومخدة ولحاف من جنسها، وعلى رأسه كوفية، وعند رأسه صينية إسبادروة فيها تراب، فقلت: لكريم الدين ما هذه؟ قال: يتمم لكل صلاة، وكان المعظم يقول: والله ما فاتني صلاة قط، وتوفي ثالث ساعة من نهار الجمعة أول يوم من ذي الحجة وغسله النجم خليل وكريم الدين يصب عليه، وكان [قد] (٢) أوصى أن لا يدفن في القلعة، ويخرج إلى الميدان ويصلى عليه، ويدفن بقاسيون على باب تربة والدته تحت الشجرة، فلم تنفذ وصيته، ودفن في القلعة، ثم أخرج بعد ذلك بمدة لما ملك الأشرف دمشق على حال غير مرض (٣) بين يديه نصف شمعة، والعزيز خليل معه، وبلغني أن الحمالين طلبوا مايربطونه به على النعش، فقيل له: اربطوه بعمامتكم، ودفن مع والدته في القبة عند الباب وفيها أخوه المغيث، وعملنا له العزاء ثلاثة أيام في جامع دمشق، وجرى على الرعية في وفاته ما لم يجر على غيرهم لموت أحد من الملوك، رأيت بنات البيوت اللاتي لم يخرجن قط من خدورهن من أوائل الليل أتين إلى تحت القلعة، قد شققن ثيابهن، ونشرن شعورهن، ومعهن الدرادك (٤)، فيلطمن عليه، ويقلن: يا صيحة يا معظم. ثم يمشين في الأسواق، ويلطمن إلى الصباح، أقمن على ذلك شهرًا، وكذا في الميادين طول النهار (٥).

стр. 1117

ويقال: إنه مات يوم الجمعة ثامن ساعة من نهاره، سلخ ذي القعدة من هذه السنة، وكان نقله من القلعة إلى جبل الصالحية (١) ليلة الثلاثاء مستهل المحرم سنة سبع وعشرين وستمائة (٢). (الخامس) في أولاده: خلف من الأولاد الذكور أربعة، مات أحدهم صغيرًا بعده بقليل، والثلاثة الباقون أحدهم: الملك الناصر أبو المظفر داود (٣)، وكان يلقب قبل ذلك الملك الحاكم، وهو أكبرهم، ومولده سنة ثلاث وستمائة، وكان عمره لما مات أبوه إحدى وعشرين سنة، وأمه تركية. وثانيهم: الملك المغيث شهاب الدين عبد العزيز، وأمه أيضا تركية، توفي سنة تسع وأربعين وستمائة ببلاد الشرق، وخلف عدة أولاد. وثالثهم: الملك القاهر بهاء الدين عبد الملك، وأمه رومية. وخلف [الملك (٤) المعظم بن العادل أيضا] عدة بنات، إحداهن (٥) التي كان تزوج بها السلطان جلال الدين خوارزم شاه، ولم يتفق حملها إليه (٦). وفي المرآة (٧): وكانت له سبع (٨) بنات، وقيل: تسع عشرة، والله أعلم. (السادس) في ما ملكه من البلاد وغيره من أحواله: كانت مملكته من حدود حمص إلى العريش، يدخل في ذلك ببلاد الساحل الإسلامية منها وبلاد الغور، وفلسطين، والقدس، والكرك، والشوبك، وصرخد، وغير ذلك (٩). وقال ابن كثير (١٠): وكان كثيرا ما ينشد: ومورد الوجنات أغيد خاله … بالحسن من فرط الملاحة عمهُ كحل الجفون وكأن في ألحاظه … كَحَلٌ فقلت سقى الحُسام وسَمّهُ

стр. 1118

وكان ابن عنين الشاعر صاحبه، وقد مرض، فكتب إليه: انظر إلى بعين مولي لم يزل … يولي الندى وتلاف قبل تلافي أنا كالذي يحتاج (١) ما أحتاجه … فاغنم ثوابي والثناء الوافي (٢) فجاء إليه بنفسه يعوُده ومعه صرة فيها ثلاث مائة دينار، فقال: هذه الصلة وأنا العائد، وهذه لو وقعت لأكابر النحاة ومن هو في ممارسته طول عمره لاستعظم منه، ولاسيما مثل هذا الملك (٣). ومدحه جماعة من الشعراء المجيدين، وكانت له رغبة في فن الأدب، وكان جيد النظم (٤). وذكر أنه كان نازلا بنابلس مرة وفي معسكره بهاء الدين بن القيسراني، وكان المعظم قد بعث عسكرًا فأغاروا على مدينة قيسارية، وكانت يومئذ بيد الفرنج، فأسروا وقتلوا وعادوا ومعهم أُتْرُجّ وليمُون (٥) من ثمار قيسارية، فسيَّر منه شيئا إلى ابن القيسراني المذكور، فكتب إلى المعظم: يأيها الملك المعظم والذي … أضحت له الدنيا تُزف عروسا أَوْلَيْتَني نعمًا إذا أظهرتُها … للناس أظهر حاسدُوها بُؤسا فليهنك اليوم الذي قد اطلعت … فيه الكؤوس كواكبا وشموسا (٦) فكتب إليه المعظم: يامن تفرَّد بالفضائل دائِبا … أبدًا يؤسس مجدها تأسيسا لازلت في درج المكارم راقيا … تعلو وربعك بالثنا مأنوسا (٧) فكتب إليه بهاء الدين مجيبًا: مدح بمدح يُستطاب ولا أرى … ما بين ذَينِ دراهما وفُلوس (٨)

стр. 1119

فأمر له المعظم بقماش وذهب قيمته ألف دينار صورية (١). وقال للرسول: قل له: فلوس ما بيننا (٢). وفي تاريخ بيبرس: ورثاه شرف الدين بن عنين، ومدح ولده الناصر داود بهذه القصيدة: يا دهر ويحك ما عدا مما بدا … أرسلت سهمَ الحادثات فأَقصدا أغمدت سهمَ مرهفا شفراتُه … قد كان في ذات الاله مجردا فافعل بجهدك ماتشاء فإنني … بعد المعظم لا أبالي بالردي (٣) ما خلتُه يفنى وأبقى بعده … يا بؤس عيشي (٤) ما أمرٌ وأنكدا لهفي على بدر تغسيب في ثَرى … رَمس وبحرٍ في ضريح ألحدا أبقيت لي يا دهر بعد فراقه … كبدا مقرحة وجفنا أرمدا وجوي يؤجج بين أثناء الحشا (٥) … نارًا تزايَدُ بالدموع توقُّدا لو كان خلق بالمكارم والتقى … يبقى لكنت مع الزمان مخلَّدا أو كان شقُّ الجيب ينقذ من ردي … شقت عليك بنو أبيك الأ كبدُا أو كان ينجي عنك دفع بالقنا الـ … خطى غادرت الوشيج مُقصدا ولقد تمنَّت أن يكون فوارسُ … من آل أيوب الكرام لك الفدا أبكيْتَ حتى نثرةً وطمرة … وحزنت حتى ذابلا ومهندا كم ليلة قد بت فيها لا تَرى … إلا ظهور الأعوجيَّة مرقدا تحمي حمى الإسلام منتصرا له … بعزائم تستقرب المستبعدا ولرُبَّ ملهوف دعاه لحادث … جللٍ فكان جوابه قبل الصدا ولطالما شمنا بوارق كفه … فهمت سحائبها علينا عَسجدا

стр. 1120

يا مالكا من بعد فقدى وَجْهَه … جار الزمانُ علىَّ بعدَك واعتدا اعزز علىَّ بأن يزورك راثيا … من كان زارك بالمدائح مُنْشدا كم مَوْردٍ ضنك وردت وطعمه … مُر وقد عاف الكماة الموردا وعزيزَ قوم مترفٍ سربلتُه … ذُلًّا وكان الطاغيَ المتمردا أركبتَه حلقات أدهم قصَّرَت … عنه الخُطَى من بعد أشقَر أجردا (١) لولا دِفَاعُك بالصوارم والقنا (٢) … عن حوزة الإسلام عاد كما بدا وديار مصر لو وَنَتْ عزماتُه … عن نصرها لتحكمت فيها العدا ولأمست البيض الحرائرُ بينهم … فيها إماءً والموالى أَعبدا وأصبحت خيلُ الفرنج مغيرةً … تجتاب ما بين البقيع (٣) إلى كُدَا (٤) وبثغر دمياط فكم من بيعةٍ … عُبِد الصليب بها وكانت مسجدا أجليت (٥) ليلَ الكفر (٦) عنها فانطوى … وأنرت في عرصاتها فجر الهدي ولقد شهدُتك يوم قيسارية … والشمس قد نسج القتام لها ردَا والكفر معتصمْ بسور مشرف الـ … أبراج أحكم بالصفيح وشُيدا فجعلتَ عاليها مكان أساسها … وألنت للأخشاب (٧) فيها الجلمدا قل للأعادي إن فقدنا سيدا … يحمى الدَمارَ فقد رزقنا (٨) سيدا الناصرُ الملك الذي أضحي برو … ح القُدس في كل الأمور مؤيَّدا أعلى الملوك مَحِلَّةً وأسَرُّهم … رأيا وأشجعهم وأنداهم بدا ماضي العزائم لا يُرى في رأيه … يوم الكريهة حائرا مترددا يقظ يكادُ يُريه ثاقبَ رأْيه … في يومه ما سوف يأتيه غدرا (٩)

стр. 1121

ذكر سلطنة الملك الناصر صلاح الدين داود بن الملك المعظم لما مات والده المعظم في التاريخ المذكور قام في مملكته داود المذكور، وقام بأموره كلها أستادار (١) أبيه الأمير عز الدين (٢) أيبك المعظمي، وكانت بيده صرخِد (٣) وأعمالها، واستمر في خدمته عماه الملك العزيز عثمان صاحب بانياس وبلادها، وهو شقيق أبيه، والملك الصالح عماد (٤) الدين اسماعيل، وكانت له بصري (٥)، والسواد (٦)، وابن عمه الملك المغيث (٧) شهاب الدين محمود بن الملك المغيث بن الملك العادل، ونفذت كتبه إلى عمِيه الملك الكامل بمصر والملك الأشرف بالتعزية بأبيه المعظم، فقعد كل منهما في عزائه، ووصل إلى الملك الناصر علاء (٨) الدين بن شجاع الدين جلدك المظفري التقوي رسولا من السلطان الملك الكامل ومعه الخلعة، وسنجق السلطنة، وكتب إليه بما طيب قلبه، وأقره على ممالك أبيه فلبس خلعة عمه، وركب بالسنجق الواصل إليه (٩).

стр. 1122

ثم طلب منه الكامل أن يسمح له من بلاده بقلعة الشوبك (١) فقط ليجعلها خزانة له، فلم تقع منه الإجابة إلى ذلك، فكان امتناعه سببا للوحشة بينهما (٢). ذكر وفاة الملك العادل صاحب الغرب هو عبد الله بن المنصور يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن، صاحب المغرب، كانت ولايته في سنة عشرين (٣) وستمائة بعد خلع عبد الواحد (٤) وقتله، وفي أيام العادل هذا كانت الوقعة (٥) بين المسلمين والفرنج بالأندلس على طليطلة، انهزم فيها المسلمون هزيمة قبيحة، وهذه الوقعة هي التي هدت دعائم الإسلام بالأندلس، ثم إن العادل المذكور خلع وحبس ثم خنق في هذه السنة، ونهب المصامدة قصره بمراكش واستباحوا حريمه (٦). ثم ملك بعده يحيى بن محمد الناصر بن يعقوب المنصور بن يوسف بن عبد المؤمن، ويحيى يومئذ ماخط عذاره، ولما تمت بيعة يحيى وصل الخبر بأنه قد قدم أشبيلية (٧) إدريس بن يعقوب المنصور وهو أخو العادل المذكور، وتلقب إدريس المذكور بالمأمون، وجميعهم كانوا يتلقبون بأمير المؤمنين، وتعقد البيعة لهم بالخلافة، ولما استقر أمر إدريس المذكور في أشبيلية ثارت جماعة من أهل مراكش (٨) وانضم إليهم العرب، ووثبوا على يحيى بن محمد الناصر، وهرب يحيى إلى الجبل (٩)، ثم اتصل

стр. 1123

بعرب المعقل فغدروا به وقتلوه، وخطب للمأمون إدريس في مراكش، واستقر أمره في الخلافة بالبرين بر الأندلس وبر العدوة، ثم خرج على إدريس المذكور بشرق الأندلس المتوكل بن هود، فاستولى على الأندلس، ففارق إدريس الأندلس وسار من أشبيلية، وعبر البحر ووصل إلى مراكش، وخرجت الأندلس حينئذ من ملك بني عبد المؤمن. ولما استقر إدريس في مراكش تتبع الخارجين على من تقدمه من الخلفاء فقتلهم عن آخرهم، وسفك دماءهم ودماء كثيرة حتى سموه لذلك الحجاج، حجاج المغرب. وكان إدريس هذا فصيحا عالما بالأصول والفروع، ناظما ناثرا، أمر بإسقاط اسم مهديهم ابن تومرت من الخطبة على المنابر، وعمل في ذلك رسالة طويلة أفصح فيها بتكذيبهم وتكذيب مهديهم المذكور وضلاله، ثم ثار على إدريس المذكور أخوه بسبتة (١)، فسار إدريس من مراكش وحصره بمدينة سبتة، ثم بلغ إدريس وهو محاصر سبتة أن بعض أولاد محمد الناصر بن يعقوب المنصور قد دخل إلى مراكش، فرحل إدريس عن سبتة وسار إلى مراكش، فمات في الطريق بين سبتة ومراكش (٢). ولما مات إدريس ملك بعده ولده عبد الواحد بن إدريس، وتلقب بالرشيد، ثم توفي الرشيد عبد الواحد بن إدريس بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن غريقا في صهريج ببستان له بحضرة مراكش في سنة أربعين وستمائة، وكان الرشيد المذكور حسن السياسة، وكان أعاد ما أبطل والده إدريس من اسم مهديهم من الخطبة كما ذكرنا، وقمع العرب، إلا أنه تخلى بذاته بلذاته لما استقر أمره، ولم يخطب للرشيد بإفريقية ولا بالمغرب الأوسط (٣). ولما مات الرشيد ملك بعده أخوه على بن إدريس، وتلقب بالمعتضد أمير المؤمنين وكان أسود اللون، وكان مدحوضا في حياة والده، وسجنه في بعض الأوقات، وقدم عليه أخاه الصغير عبد الواحد المذكور، واستمر المعتضد المذكور حتى قتل وهو محاصر قلعة

стр. 1124

بالقرب من تلمسان (١) في صفر سنة ست وأربعين وستمائة، ثم ملك بعده أبو حفص عمر بن إبراهيم بن يوسف في شهر ربيع الآخر من سنة ست وأربعين وستمائة، وتلقب بالمرتضي (٢). وفي الحادي والعشرين من المحرم من سنة خمس وستين وستمائة دخل الواثق أبو العلاء إدريس المعروف بأبي دبوس مراكش، وهرب المرتضى إلى آزمور من نواحي مراكش، وقبض عليه عامله بها، وبعثه إلى الواثق، فأمر الواثق بقتله، فقتل في العشر الأخير من ربيع الآخر من سنة خمس وستين وستمائة بموضع يقال له: كتامة. بُعده عن مراكش ثلاثة أيام، وأقام الواثق أبو إدريس ثلاث سنين، وقتل في الحروب التي كانت بينه وبين بني مَرين ملوك تلمسان، وانقضت دولة بني عبد المؤمن. وكان قتل الواثق أبي دبوس المذكور في المحرم سنة ثمان وستين وستمائة بموضع بينه وبين مراكش مسيرة ثلاثة أيام في جهتها الشمالية، واستولي بنو (٣) مرين على ملكهم. وسنذكر بقية أمورهم في مواضعها إن شاء الله تعالي (٤). ذكر هلاك جنكزخان والكلام فيه على أنواع: (الأول) في ترجمته: هو السلطان الكبير عند التتار، ولا يعرف أبوه، وهو مجهول النسب، وقد كانت أمه تزعم أنها حملت به من شعاع الشمس، وكان اسمه أولا تُمرجي، ثم لما عظم سمى نفسه جِنْكِزخَان، بكسر الجيم الممزوجة بالزاي، وسكون النون وكسر الكاف الصماء، وفتح الخاء المعجمة، وبعد الألف نون. وأصل الاسم جنكز فقط، ولفظه خان معناها السلطان بلغة التتار. وجنكزخان هو والد الخانات الذين أتوا بعده، وتحكموا في البلاد الشمالية والشرقية بأسرها، وكل من يتولى من ذريته يسمي خانا، وعادتهم أنهم لا يجعلون الخان إلا من كان من ذرية جنكيزخان، وإلى هذا الزمان الأمر على هذا، وذريته لم تنقطع إلى الآن، وقد كان ظهور جنكيز خان في سنة تسع

стр. 1125

وتسعين وخمسمائة كما ذكرناه، وكان في ابتداء أمره [خصيصا عند] (١) ملك يسمى أُوَيْك (٢) خان، بضم الهمزة وفتح الواو وسكون الياء آخر الحروف وبعدها كاف، وكان خانا في مملكة الصين من جملة الخانات، وفي قديم الزمان كانت مملكة الصين منقسمة ستة أجزاء، كل جزء مسيرة شهر، يتولى أمر كل جزء خان بعد خان يعني سلطان بعد سلطان، ومن عادتهم الإقامة بطمغاج (٣)، وهي واسطة الصين ونواحيها، طول صيفهم متنقلون (٤) من مصيف إلى مصيف، ومن ريف إلى ريف، فإذا أقبل الشتاء يشتون في موضع يسمى ماكنك مما يلي قَشْمير، وهي مشاتي ساحلية طيبة الأغوار والأنجاد، ولما كان جنكيزخان شابا، وكان شابا حسنا، كان عند أويك خان خصيصا، وكان هذا الملك قد قربه وأدناه، فحسده عظماء الملك، ووشوا به إليه، فأبعده عنه وطرده ولم يقتله، إذ لم يجد طريقال [في ذنب] (٥) إلى قتله، وجنكيز خان في ذلك إذ غضب أويك خان على مملوكين صغيرين من مماليكه، فخافا منه وهربا ولجآ إلى جنكيزخان، فأكرمهما وأحسن إليهما، وقالا له: إن الملك قصده أن يقتلك، وحرضه خواصه على ذلك، فاحذر منه. فأخذ حذره وتحيز إلى موضع، وأتبعه طوائف من التتار، ثم صار كل من ينفر من أويك خان يأتي إليه ويلتجئ به، وصار كثير من أصحابه إليه (٦)، وكان جنكيزخان يكرمهم ويعطيهم، حتى قويت شوكته وكثر جنوده، ثم حارب بعد ذلك مع أويك خان، فظفر به وقتله واستحوذ على مملكته، وانضاف إليه عَدَدهُ وعده، وعظم أمره وبعد صيته، وخضعت له قبائل الترك ببلاد طمغاج، حتي آل أمره إلى أنه كان يركب في نحو ثمانمائة ألف مقاتل، وأكبر القبائل قبيلته التي هو من أصلهم، يقال لها: قيات (٧) ثم أقرب القبائل إليه بعدهم قبيلتان كبيرتان كثيرتا العدد وهما: أويرات (٨) وقيقورات (٩).
следующие страницы →