← История

История · id 380

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [565 - 628 هـ]

بدر الدين العيني

Полный текст (1 226 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

ذكر سلطنة الملك الناصر صلاح الدين داود بن الملك المعظم لما مات والده المعظم في التاريخ المذكور قام في مملكته داود المذكور، وقام بأموره كلها أستادار (١) أبيه الأمير عز الدين (٢) أيبك المعظمي، وكانت بيده صرخِد (٣) وأعمالها، واستمر في خدمته عماه الملك العزيز عثمان صاحب بانياس وبلادها، وهو شقيق أبيه، والملك الصالح عماد (٤) الدين اسماعيل، وكانت له بصري (٥)، والسواد (٦)، وابن عمه الملك المغيث (٧) شهاب الدين محمود بن الملك المغيث بن الملك العادل، ونفذت كتبه إلى عمِيه الملك الكامل بمصر والملك الأشرف بالتعزية بأبيه المعظم، فقعد كل منهما في عزائه، ووصل إلى الملك الناصر علاء (٨) الدين بن شجاع الدين جلدك المظفري التقوي رسولا من السلطان الملك الكامل ومعه الخلعة، وسنجق السلطنة، وكتب إليه بما طيب قلبه، وأقره على ممالك أبيه فلبس خلعة عمه، وركب بالسنجق الواصل إليه (٩).

стр. 1122

ثم طلب منه الكامل أن يسمح له من بلاده بقلعة الشوبك (١) فقط ليجعلها خزانة له، فلم تقع منه الإجابة إلى ذلك، فكان امتناعه سببا للوحشة بينهما (٢). ذكر وفاة الملك العادل صاحب الغرب هو عبد الله بن المنصور يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن، صاحب المغرب، كانت ولايته في سنة عشرين (٣) وستمائة بعد خلع عبد الواحد (٤) وقتله، وفي أيام العادل هذا كانت الوقعة (٥) بين المسلمين والفرنج بالأندلس على طليطلة، انهزم فيها المسلمون هزيمة قبيحة، وهذه الوقعة هي التي هدت دعائم الإسلام بالأندلس، ثم إن العادل المذكور خلع وحبس ثم خنق في هذه السنة، ونهب المصامدة قصره بمراكش واستباحوا حريمه (٦). ثم ملك بعده يحيى بن محمد الناصر بن يعقوب المنصور بن يوسف بن عبد المؤمن، ويحيى يومئذ ماخط عذاره، ولما تمت بيعة يحيى وصل الخبر بأنه قد قدم أشبيلية (٧) إدريس بن يعقوب المنصور وهو أخو العادل المذكور، وتلقب إدريس المذكور بالمأمون، وجميعهم كانوا يتلقبون بأمير المؤمنين، وتعقد البيعة لهم بالخلافة، ولما استقر أمر إدريس المذكور في أشبيلية ثارت جماعة من أهل مراكش (٨) وانضم إليهم العرب، ووثبوا على يحيى بن محمد الناصر، وهرب يحيى إلى الجبل (٩)، ثم اتصل

стр. 1123

بعرب المعقل فغدروا به وقتلوه، وخطب للمأمون إدريس في مراكش، واستقر أمره في الخلافة بالبرين بر الأندلس وبر العدوة، ثم خرج على إدريس المذكور بشرق الأندلس المتوكل بن هود، فاستولى على الأندلس، ففارق إدريس الأندلس وسار من أشبيلية، وعبر البحر ووصل إلى مراكش، وخرجت الأندلس حينئذ من ملك بني عبد المؤمن. ولما استقر إدريس في مراكش تتبع الخارجين على من تقدمه من الخلفاء فقتلهم عن آخرهم، وسفك دماءهم ودماء كثيرة حتى سموه لذلك الحجاج، حجاج المغرب. وكان إدريس هذا فصيحا عالما بالأصول والفروع، ناظما ناثرا، أمر بإسقاط اسم مهديهم ابن تومرت من الخطبة على المنابر، وعمل في ذلك رسالة طويلة أفصح فيها بتكذيبهم وتكذيب مهديهم المذكور وضلاله، ثم ثار على إدريس المذكور أخوه بسبتة (١)، فسار إدريس من مراكش وحصره بمدينة سبتة، ثم بلغ إدريس وهو محاصر سبتة أن بعض أولاد محمد الناصر بن يعقوب المنصور قد دخل إلى مراكش، فرحل إدريس عن سبتة وسار إلى مراكش، فمات في الطريق بين سبتة ومراكش (٢). ولما مات إدريس ملك بعده ولده عبد الواحد بن إدريس، وتلقب بالرشيد، ثم توفي الرشيد عبد الواحد بن إدريس بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن غريقا في صهريج ببستان له بحضرة مراكش في سنة أربعين وستمائة، وكان الرشيد المذكور حسن السياسة، وكان أعاد ما أبطل والده إدريس من اسم مهديهم من الخطبة كما ذكرنا، وقمع العرب، إلا أنه تخلى بذاته بلذاته لما استقر أمره، ولم يخطب للرشيد بإفريقية ولا بالمغرب الأوسط (٣). ولما مات الرشيد ملك بعده أخوه على بن إدريس، وتلقب بالمعتضد أمير المؤمنين وكان أسود اللون، وكان مدحوضا في حياة والده، وسجنه في بعض الأوقات، وقدم عليه أخاه الصغير عبد الواحد المذكور، واستمر المعتضد المذكور حتى قتل وهو محاصر قلعة

стр. 1124

بالقرب من تلمسان (١) في صفر سنة ست وأربعين وستمائة، ثم ملك بعده أبو حفص عمر بن إبراهيم بن يوسف في شهر ربيع الآخر من سنة ست وأربعين وستمائة، وتلقب بالمرتضي (٢). وفي الحادي والعشرين من المحرم من سنة خمس وستين وستمائة دخل الواثق أبو العلاء إدريس المعروف بأبي دبوس مراكش، وهرب المرتضى إلى آزمور من نواحي مراكش، وقبض عليه عامله بها، وبعثه إلى الواثق، فأمر الواثق بقتله، فقتل في العشر الأخير من ربيع الآخر من سنة خمس وستين وستمائة بموضع يقال له: كتامة. بُعده عن مراكش ثلاثة أيام، وأقام الواثق أبو إدريس ثلاث سنين، وقتل في الحروب التي كانت بينه وبين بني مَرين ملوك تلمسان، وانقضت دولة بني عبد المؤمن. وكان قتل الواثق أبي دبوس المذكور في المحرم سنة ثمان وستين وستمائة بموضع بينه وبين مراكش مسيرة ثلاثة أيام في جهتها الشمالية، واستولي بنو (٣) مرين على ملكهم. وسنذكر بقية أمورهم في مواضعها إن شاء الله تعالي (٤). ذكر هلاك جنكزخان والكلام فيه على أنواع: (الأول) في ترجمته: هو السلطان الكبير عند التتار، ولا يعرف أبوه، وهو مجهول النسب، وقد كانت أمه تزعم أنها حملت به من شعاع الشمس، وكان اسمه أولا تُمرجي، ثم لما عظم سمى نفسه جِنْكِزخَان، بكسر الجيم الممزوجة بالزاي، وسكون النون وكسر الكاف الصماء، وفتح الخاء المعجمة، وبعد الألف نون. وأصل الاسم جنكز فقط، ولفظه خان معناها السلطان بلغة التتار. وجنكزخان هو والد الخانات الذين أتوا بعده، وتحكموا في البلاد الشمالية والشرقية بأسرها، وكل من يتولى من ذريته يسمي خانا، وعادتهم أنهم لا يجعلون الخان إلا من كان من ذرية جنكيزخان، وإلى هذا الزمان الأمر على هذا، وذريته لم تنقطع إلى الآن، وقد كان ظهور جنكيز خان في سنة تسع

стр. 1125

وتسعين وخمسمائة كما ذكرناه، وكان في ابتداء أمره [خصيصا عند] (١) ملك يسمى أُوَيْك (٢) خان، بضم الهمزة وفتح الواو وسكون الياء آخر الحروف وبعدها كاف، وكان خانا في مملكة الصين من جملة الخانات، وفي قديم الزمان كانت مملكة الصين منقسمة ستة أجزاء، كل جزء مسيرة شهر، يتولى أمر كل جزء خان بعد خان يعني سلطان بعد سلطان، ومن عادتهم الإقامة بطمغاج (٣)، وهي واسطة الصين ونواحيها، طول صيفهم متنقلون (٤) من مصيف إلى مصيف، ومن ريف إلى ريف، فإذا أقبل الشتاء يشتون في موضع يسمى ماكنك مما يلي قَشْمير، وهي مشاتي ساحلية طيبة الأغوار والأنجاد، ولما كان جنكيزخان شابا، وكان شابا حسنا، كان عند أويك خان خصيصا، وكان هذا الملك قد قربه وأدناه، فحسده عظماء الملك، ووشوا به إليه، فأبعده عنه وطرده ولم يقتله، إذ لم يجد طريقال [في ذنب] (٥) إلى قتله، وجنكيز خان في ذلك إذ غضب أويك خان على مملوكين صغيرين من مماليكه، فخافا منه وهربا ولجآ إلى جنكيزخان، فأكرمهما وأحسن إليهما، وقالا له: إن الملك قصده أن يقتلك، وحرضه خواصه على ذلك، فاحذر منه. فأخذ حذره وتحيز إلى موضع، وأتبعه طوائف من التتار، ثم صار كل من ينفر من أويك خان يأتي إليه ويلتجئ به، وصار كثير من أصحابه إليه (٦)، وكان جنكيزخان يكرمهم ويعطيهم، حتى قويت شوكته وكثر جنوده، ثم حارب بعد ذلك مع أويك خان، فظفر به وقتله واستحوذ على مملكته، وانضاف إليه عَدَدهُ وعده، وعظم أمره وبعد صيته، وخضعت له قبائل الترك ببلاد طمغاج، حتي آل أمره إلى أنه كان يركب في نحو ثمانمائة ألف مقاتل، وأكبر القبائل قبيلته التي هو من أصلهم، يقال لها: قيات (٧) ثم أقرب القبائل إليه بعدهم قبيلتان كبيرتان كثيرتا العدد وهما: أويرات (٨) وقيقورات (٩).

стр. 1126

وقال أبو الفتح المنشئ، محمد بن أحمد النسائي: وكان في جملة الخانات الستة شخص يسمي دوشي خان، وكان متزوجا بعمة جنكيزخان، وهم سكان البراري ومنشأهم موضع يسمى أرغون (١)، وهم مشهورون بين التتار بالشر والغدر، واتفق أن دوشي خان مات وقد حضر جنكيز خان (٢) معزيا لعمته، وزائرا لها، وكان متاخم أعمال دوشي خان خانان أحدهما يسمي كشلوخان، والآخر يسمى دلان خان، فأرسلت عمة جنكيز خان إليهما تنعي زوجها دوشي خان، وأنه مات ولم يخلف ولدا، وأن ابن أخيها (٣) جنكيزخان يقوم مقامه ويحذو حذوه في معاضدتهما واتباع إرادتهما، فاستصوبا رأيها فيما رأت، وأشارا عليها بتقليد الأمر إلى جنكيزخان، فعند ذلك قام جنكيزخان مقام المتوفي، وكل ذلك كان وخانهم الكبير الذي يرجع إليه في الأمور كان غائبا في مشتاه واسمه ألطون خان، فلما عاد ألطون خان من مشتاه إلى مدينته طمعاج سأل (٤) حجابه ونوابه عن القضايا التي حدثت في زمن غيبته، فأخبروه بخبر جنكيزخان وقيامه مقام زوج عمته دوشي خان، بموافقة الخانين المذكورين، فغضب من ذلك ألطون خان حيث تولي جنكيز خان موضع دوشي خان بغير أمره، وبغير مراجعته (٥)، وغضب على الخانين المذكورين أيضا، ثم في عقب ذلك جاءت مقدمة جنكيزخان إلى ألطون خان، فازداد غضبا، وأمر بقطع أذناب الخيل التي أرسلها جنكيزخان، وردها إليه، مع السب والشتيمة، ولمن أتى بها ولمرسلها وللخانين المذكورين، فعند ذلك اتفق جنكيزخان مع الخانين المذكورين، وخرجوا على ألطون خان، ونزعوا أيديهم عن طاعته (٦). ولما بلغ ذلك ألطون خان أرسل إليهم في استردادهم إلى الطاعة ولاطفهم، فلم يزدهم ذلك إلا نفورا، فلما أيس منهم جمع عسكره وسار إليهم، فالتقى هو وإياهم، فكسروه أقبح كسرة، وقتلوا من عسكره مقتلة عظيمة، وهرب ألطون خان بنفسه، وببعض

стр. 1127

خواصه إلى ما وراء كنك (١) وأخلى لهم البلاد، فتمكنوا فيها، وتملكوها، وانضم إليهم من الترك ومن أوباشها كل طامع في مال وكل ذي فساد، فأخذ أمر ألطون خان في إدبار وضعف، فأرسل إليهم بأنه يقنع بما تحت يده من الملك الحقير، فأجابوه إلى ما سأل، واستمر الأمر بينهم إلى أن مات كشلوخان، وقام ابنه مقامه وهو صغير، فاستضعف جنكيزخان جانبه لصغر سنه، وأخل بالقواعد المقررة بينه وبين أبيه (٢). فلما رأى ذلك فارق [كشلوخان] (٣) جنكيزخان وذهب إلى حدود قيالق (٤) وألمالق (٥)، والتجأ بصاحبها ممدود خان بن أرسلان، واتفق وصول كوْرخان (٦) ملك الخطا إليه هاربا من وقعة جرت بينه وبين خوارزم شاه محمد بن تكش، وهي آخر الوقائع بينهما، ثم أشار ممدودخان عَلَى (٧) كشلوخان أن يقصد كاشغر (٨) ويلاساقون (٩) فسار إليها واستولى عليها (١٠). ولما بلغ ذلك جنكيزخان جرد إليه ابنه دوشي خان في عشرين ألف فارس أو أكثر، وكان السلطان خوارزم شاه أيضا قد قصده من جهته في ستين ألف فارس، ولكنهم لما وصلوا إلى نهر أرغز وجدوه جامدا، فلم يمكنهم العبور، فأقاموا هناك حتى ذاب

стр. 1128

الجليد، فعبروا وأخذوا في السير، وكان دوشي خان قد ظفر بابن (١) كشلوخان الذي استولى على كاشغر وغيرها، وقتله وقتل خلقا كثيرا من الخطا، وعاد ولقى في طريقه طلائع خوارزم شاه، ولما بلغ دوشي خان ذلك علم أنه لا طاقة له بمقاتلة السلطان خوارزم شاه، فأرسل إليه يعتذر ويقول له: إني قد كفيت ما أنت اهتممت به وقتلت عدو السلطان، وهذا رأسه معي وغنائمهم في صحبتي، فإن أراد السلطان أرسلها إليه، فلم يلتفت السلطان إلى كلامه، وقال لرسله: إن الله تعالى أمرني بقتال المشركين كافة ولا فرق عندي بينك وبين ابن (٢) كشلوخان لاشتراككم في الكفر والشرك، وتقدم السلطان للقائهم (٣)، فآخر الأمر تلاقيا، وحمل دوشي خان بن جنكيزخان على ميسرة السلطان فكسرها، وكادت الهزيمة تستمر بالسلطان، لولا تحمل ميمنته على ميسرة دوشي خان، وتفرق الفريقان، ولم يعلم الغالب من المغلوب، ولكنهم على ميعاد الحرب من غد، وأشعل (٤) عسكر دوشي خان في تلك الليلة نيرانا كثيرة، مظهرين بأنهم ثابتون، وعلى نية الحرب بايتون، ثم ركبوا في أثناء الليل، فقطعوا مسافة بعيدة مديدة في تلك الليلة، ولما علم السلطان بذلك عاد إلى بلاده ونزل بسِمرقند (٥). ثم بعد ذلك لم تزل الحروب قائمة بين عسكر جنكيزخان وبين عسكر السلطان خوارزم شاه، ثم من بعده بينهم وبين عسكر جلال الدين بن خوارزم شاه على ما ذكرناه في السنين المتقدمة، وإلى الآن الحروب قائمة والفتن منتشرة. (الثاني) في سيرة جنكيزخان وأموره ومن سيرته أنه لما عظم شأنه وملك تلك البلاد وضع للتتار الياساق (٦)، وهي التي يتحاكمون إليها ويحكمون بها ولا يخرجون عنها، وأكثرها تخالف شرائع الله

стр. 1129

وسنة نبيه ( ﷺ ) وإنما هو شئ اقترحه من عند نفسه، وتبعوه في ذلك، وكان يكتب الياساق في مجلدين بخط عظيم، ويحمل على بعير عندهم (١)، وقد ذكر بعضهم أنه كان يصعد جبلا ثم ينزل ثم يصعد ثم ينزل حتى يَعْيَى، فيقع مغشيا عليه، ويأمر من عنده أن يكتب ما يلقى على لسانه حينئذ، فإن كان هذا هكذا، فالظاهر أن الشيطان كان ينطق على لسانه بما فيها، وذكر علاء (٢) الدين الجويني الوزير ببغداد -وقد ذكر سيرته في مجلد واحد- أن بعض عبادهم كان يصعد الجبال في البرد الشديد للعبادة، فسمع قائلا يقول له: إنا قد ملكنا جنكيزخان وذريته وجه الأرض. وقال الجويني: فمشايخ المغول يصدقون هذا، ويأخذون به مسلما. وذكر نتفامن الياساق، من ذلك: أن من زني يقتل محصنا كان أو غير محصن، وكذلك من لاط قتل، ومن تعمد الكذب قتل، ومن سحر قتل، ومن تجسس قتل، ومن دخل بين اثنين يختصمان فأعان أحدهما قتل، ومن بال في الماء الواقف قتل، ومن انغمس فيه قتل، ومن وجدها ربًا ولم يَرُدُّه قتل، ومن أطعم أسيرا أوسقاه أو كساه بغير إذن أهله قتل، ومن وجد رمي إلى أحد شيئا من المأكول قتل، بل يناوله من يده إلى يده، ومن أطعم أحدا شيئا فليأكل منه أولا ولو كان المُطِعْم أمير الأسير، ومن أكل ولم يطعم من عنده قتل، ومن ذبح حيوانا ذُبح مثله، بل يشق جوفه ويتناول (٣) قلبه بيده ويستخرجه من جوفه أولا، وفي هذا ما يخالف شرائع الله تعالى التي شرع لأنبيائه، فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد ( ﷺ ) وتحاكم إلى غير ذلك من الشرائع المنسوخه كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياساق وقدمها عليها؟! فمن فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين. قال الجويني: ومن شأنهم أنهم يخاطبون الملك باسمه، ومن مر بقوم يأكلون فله أن يأكل معهم من غير استئذان ولا يتخطي مواقد النار، ولا طبق الطعام، ولا أسكفة (٤) الخركاة ولا يغسلون ثيابهم حتى يبدو وسخها، ولا يتعرضون لمال ميت، ونحو ذلك. قال الجويني: وكان جنكيزخان يصطاد من السنة

стр. 1130

ثلاثة أشهر والباقي للحرب والحكم، وكان يضرب الحلقة يكون ما بين طرفيها ثلاثة أشهر، ثم تتضايق فيجتمع فيها من أنواع الحيوانات شيء كثير لا يحد كثرة (١). وذكر الجويني طرفا كبيرا من أخبار جنكيزخان ومن مكارمة التي كان يفعلها بسجيته، وما أداه إليه عقله، وإن كان مشركا بالله تعالى، يعبد معه غيره، وقد قتل من الخلائق ما لا يعلم عدده إلا الله الذي خلقهم، ولكن كانت البُدَاءه من السلطان خوارزم شاه، حيث قتل تُجَّاره، وأخذ أموالهم على ما ذكرناه، ومما ذكره عن كرمه أنه قدم له بعض الفلاحين وهو في الصيد ثلاث بطيخات، فلم يكن عنده أحد من الخازندارية (٢)، فقال لزوجته الخاتون (٣): أعطيه هذين القرطين الذين في أذنيك، وكانت فيهما جوهرتان نفيستان جدا، فشحت المرأة بهما، وقالت: أنظره إلى غد. فقال: إنه يبيت هذه الليلة مقلقل الخاطر، وربما لا يُحَصَّل له [شيء] (٤) من بعد هذا، وإن هذين لا يمكن أحد (٥) إذا اشتراهما إلا جاء بهما إليك، فانتزعتهما فدفعتهما إلى ذلك الفلاح، فطار عقله بهما، وذهب بهما فباعهما لبعض التجار بألف دينار، ولم يعرف قيمتهما، فحملهما التاجر إلى الملك، فردهما على زوجته، ثم أنشد الجويني عند ذلك وقال: ومن قال إن البحر والقطرَ أشبها … نداهُ فقد أثنى على البحر والقَطْرَ قال: واجتاز يوما في سوق فرأى عند بقال عتابا فأعجبه لونه، ومالت نفسه إليه، فأمر الحاجب أن يشتري منه بيالس (٦) فاشترى الحاجب منه بربع بالس، فلما وضعه بين يديه أعجبه، وقال: هذا كله ببالس. فقال: وبقي منه هذا. فأشار إلى ما بقي معه (٧) من

стр. 1131

المال، فغضب وقال: من يجد من يشتري منه مثلي؟ فتمموا له عشرة بوالس. قال: وأهدي له رجل جام زجاج من معمول حلب، فاستحسنه جنكيزخان، فوهن أمره عنده بعض خواصه، وقال: ياخواند (١) هذا زجاج لا قيمة له. فقال: أليس قد حمله من بلاد بعيدة حتى وصل إلينا سالما؟ أعطوه مائتي بالس. قال: وقيل له: إن في هذا المكان كنزًا عظيمًا، فإن (٢) فتحته أخذت منه مالا كثيرا. فقال: الذي في أيدينا يكفينا، ودع هذا يفتحه الناس ويأكلونه وهم أحق به منا، ولم يتعرض له. قال: واشتهر عن رجل في بلاده أنه يقول: أنا أعرف موضع كنز (٣) ولا أقول له إلا للخان، وألح عليه الأمراء أن يعلمهم، فلم يفعل، فذكروا ذلك للخان، فأحضره على خيل أولاق -يعني البريد- سريعا، فلما حضر إلى ما بين يديه، سأله عن الكنز، فقال: إنما كنت أقول ذلك حيلة لأرى وجهك، فلما رأى تغير كلامه غضب، وقال له: قد حصل لك ما أملت. فارجع إلى موضعك. وأمر برده سالما، ولم يعطه شيئا. قال الجويني: وهذا غريب. قال: وأهدي له إنسان رمانه، فكسرها وفرق حَبَّها على الحاضرين، ثم أمر له بعدد حبها بوالس. ثم أنشد: فلذاك يزدحم الوفود ببابه … مثل ازدحام الحب في الرمان قال: وقدم عليه رجل كافر، يقول: رأيت في النوم جنكيزخان وهو يقول لي: اقتل المسلمين. فقال له: هذا كذب. فأمر بقتله. قال: وأمر بقتل ثلاثة قد قضت الياساق بقتلهم، فإذا امرأة تبكي وتلطم، فقال: ما هذه؟ أحضروها. فقالت: هذا ابني، وهذا أخي، وهذا زوجي، فقال: اختاري واحدا منهم حتى أطلقه لك. فقالت: الزوج يجئ مثله، والابن كذلك، والأخ لا عوض له. فاستحسن ذلك منها، وأطلق الثلاثة لها. قال: وكان يحب المصارعين وأهل الشطارة، وقد اجتمع عنده منهم جماعة، وذكر غير ذلك من أموره (٤).

стр. 1132

(الثالث) في هلاكه: هلك جنكيزخان في هذه السنة، ولما توفي جعلوه في تابوت من حديد وربطوه بسلاسل وعلقوه بين جبلين هناك، ولما احتضر أوصى أولاده بالاتفاق وعدم الافتراق، وضرب لهم في ذلك الأمثال، وأحضر بين يديه نشابا، فأخذ سهما فأعطاه الواحد منهم فكسره، وكذلك الآخر فالآخر، ثم أحضر حزمة أخرى ودفعها مجموعة إليهم، فلم يطيقوا كسرها، فقال: هذا مثلكم إذا اجتمعتم واتفقتم، وذاك مثلكم إذا انفردتم واختلفتم. قال الجويني: وكان له أولاد ذكور وإناث، ومنهم خمسة هم عظماء أولاده وهم: توشي وهو أكبرهم، وهو الذي يقال له: دوشي خان. وهزنوك، وباظو، وبركة، وبركجار، وهم الذين ملكوا بلاد ما وراء النهر وبلاد خراسان، وغير ذلك إلى البلاد الفراتية، وبلاد الدشت (١) وغيرها، واستولوا على البلاد، هم ثم أولادهم، وأولاد أولادهم، على ما نذكره مفصلا، وإلى الآن لم تنقطع ذريتهم (٢). ذكر بقية الحوادث في هذه السنة منها أنه ولي قضاء القضاة ببغداد نجم الدين أبو المعالي عبد الرحمن الواسطى، وخلع عليه كما هي عادة الحكام، وكان يوما مشهودا (٣). ومنها أنه كان غلاء شديد ببلاد الجزيرة، وقلة اللحم جدا حتى حكى ابن الأثير (٤): أنه لم يذبح بمدينة الموصل في بعض الأيام سوي خروف واحد في زمن الربيع. ومنها أنه سقط في عاشر آذار ثلج كثير بالجزيرة والعراق، وهذا شئ غريب (٥) لم يعهد مثله، والعجب كل العجب وقوع الثلج في العراق مع شدة حره، والله على كل شئ قدير (٦).

стр. 1133

ومنها أن الأتابك طغريل الخادم (١) انتزع الشغر (٢) وبكاس (٣) من الملك الصالح أحمد (٤) بن الملك الظاهر وعوضه عنها بعينتاب (٥) والراوندان (٦)، (٧). ومنها أن الملك الكامل صاحب مصر أمر بهدم تنيس (٨)، وسير إليها النقابيين والحجارين، فهدمت وأخليت من يومئذ، وكانت من البلاد الجليلة بديار مصر كدمياط واسكندرية، وكان ينسج فيها ثياب من الحرير وغيره يجُلب إلى البلاد (٩). ومنها أنه كانت الحرب بين صاحب آمد وسلطان الروم، وذلك أن صاحب آمد الملك المسعود (١٠) بن الملك الصالح محمود بن محمد الأرتقى كان قد وافق الملك المعظم معاضدًا له، ولصاحب إربل (١١)، وجلال الدين خوارزم شاه، وكان السلطان

стр. 1134

علاء الدين كيقباذ بن كيخسرو بن قليج أرسلان السلجوقي خائفا من جلال الدين، فاتفق مع الملك الأشرف لذلك، فلما كانت هذه السنة أرسل إليه الأشرف يطلب منه أن يقصد بلاد آمد، فسار علاء الدين إلى ملطية (١) وهي له، وجهز منها العساكر إلى بلاد آمد، ففتحوا حصن (٢) منصور وغيره كما ذكرناه متقدما، فلما رأي صاحب آمد ذلك راسل الأشرف وعاد إلى موافقته، فأرسل الأشرف إلى علاء الدين سلطان الروم يعرفه ذلك، ويطلب منه أن يعيد على صاحب آمد ما أخذ منه، فامتنع من ذلك، وقال: ما كنت نائبا للأشرف يأمرني تارة وينهاني أخرى. فأمر الملك الأشرف عسكره بمساعدة صاحب آمد، وجمع صاحب آمد عسكره، وسار بالجميع إلى عسكر الروم وهم يحاصرون الكختين (٣) من بلاده، فالتقوا هناك واقتتلوا، فانهزم صاحب آمد ومن معه، وجرح وأسر منهم خلق، وملك عسكر علاء الدين الكختين -وهي من أمنع الحصون- ثم عادوا إلى صاحبهم (٤). ومنها أنه وقعت فتنة بين الفرنج والأرمن، وذلك أن ليون الأرمني توفي ولم يخلف سوي بنت واحدة، فملكها الأرمن عليهم وزوجوها بابن البرنس، وانتقل إلى بلدهم، واستقر في الملك نحو سنة، ثم ندموا على ذلك، وخافوا أن يستولى الفرنج علي بلادهم، فقبضوا على ابن البرنس، فأرسل أبوه يطلب منهم إطلاقه، فلم يفعلوا، فأرسل إلى الباب ملك الفرنج يستأذنه في قصد بلاد الأرمن فمنعه، وقال: إنهم أهل ملتنا ولا يجوز قصد بلادهم. فخالفه وأرسل إلى علاء الدين كيقباذ ملك قونية، وصالحه ووافقه على قصد بلاد الأرمن، فدخلها ونهبها وعاد عنها (٥). وفيها ...... (٦).

стр. 1135

وفيها حج بالناس من العراق شمس الدين قيران مملوك الخليفة، ومن الشام الشجاع ابن السلار، وهي آخر إمرته على الشام، وآخر السنين التي كان الحج فيها رخيا طيبا، وانقطع ركب الحج بعدها مدة بسبب ما وقع بالشام من الاختلاف والفتن (١). وفيها حج من ميافارقين سلطانها وهو شهاب الدين غازي بن الملك العادل وقد ذكرناه (٢). ذكر من توفي فيها من الأعيان أبو المعالي أسعد بن يحيى، بن موسي بن منصور بن عبد العزيز بن وهب، الفقيه الشافعي السنجاري، شيخ أديب فاضل خَيِّر، له نظم ونثر ظريف، وله نوادر حسنة، وقد جاوز التسعين، وقد استوزره صاحب حماة في وقت (٣)، وله شعر رائق أورد منه ابن الساعي قطعة جيدة، فمن ذلك قوله: وهواك ما خطر السلوُّ بباله (٤) … ولأنت أعلمُ في الغرام بحاله فمتي وشي واش إليك بأنه … سالٍ هواك فذاك من عُذَّاله أو ليس للدَّنف المعنَّى شاهِدٌ … من حاله يُغْنيك (٥) عن تسآله جددت ثوب سقامه وهتكت ستـ … ر غرامه وصَرَمت حبل وصاله يا للعجائب من أسير دأبُهُ … يَفْدِى الطليق بنفسه وبماله (٦)

стр. 1136

وله أيضا: لام العواذلُ في هواك فأكثروا … هيهات ميعادُ السلو المحشرِ جهلوا مكانَك في القلوب فطولوا … لو أنهم وجدوا كوجدي أقصروا صبرا على عذب الهوى وعذابِهِ … وأخو الهوى أبدًا يلامُ ويُعذَرُ (١) أبو القاسم (٢) عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن حمدان الطيبي، المعروف بالصائن، أحد المعيدين بالنظامية، ودرس بغيرها، وكان عارفا بالمذهب والفرائض والحساب، صنف شرحا للتنبيه ذكره ابن الساعي. أبو النجم (٣) محمد بن القاسم بن هبة الله التكريتي، الفقيه الشافعي، تفقة على أبي القاسم بن فضلان، ثم أعاد بالنظامية، ودرس في غيرها، وكان يشغل في كل يوم عشرين درسا، وليس له دأب إلا الاشتغال وتلاوة القرآن ليلا ونهارا، وكان بارعا كثير العلوم، قد أتقن المذهب والخلاف، وكان يُفتي في مسألة الطلاق الثلاث بواحدة، فتغيظ عليه قاضي القضاة أبو القاسم عبد الله بن الحسين الدامغاني، فلم يسمع منه، ثم أخرج إلى تكريت (٤)، فأقام بها، ثم استدعى إلى بغداد، فعاد إلى الاشتغال، وأعاده قاضي القضاة نصر (٥) بن عبد الرزاق، إلى إعادته بالنظامية، وأعاده إلى ما كان عليه من الاشتغال والفتوى والوجاهة، إلى أن توفي في هذه السنة، ذكره ابن الساعي. الإمام (٦) الرافعي أبو القاسم عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم بن الفضل، الرافعي القزويني، الإمام المسحر في مذهب الشافعي ﵀ له تصانيف منها: كتابه الشرح في بضعة عشر مجلدا، وله تصانيف أخرى، وكان من الصالحين، وله الكرامات الكثيرة الظاهرة، توفي في هذه السنة.

стр. 1137

فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الخامسة والعشرين بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة هو المستنصر بالله (١)، وصاحب مصر الملك الكامل، وصاحب دمشق الملك الناصر داود بن الملك المعظم، وصاحب حلب الملك العزيز بن الملك الظاهر، وبقية الملوك على حالهم في بلادهم (٢). ذكر ماجريات بني أيوب وفيها سار الملك الكامل بعساكره من مصر إلى الشام بعد أن عهد لولده الملك الصالح نجم (٣) الدين أيوب السلطنة بعده، وأركبه بالقاهرة، وحملت الأمراء الغاشية (٤) بين يديه بالنوبة (٥)، وجعله نائبا عنه بالديار المصرية، وأنزله بدار الوزارة، وعمره يومئذ نحو اثنين وعشرين سنة، ثم خرج الكامل وفي صحبته ابن أخيه المظفر تقي (٦) الدين محمود بن السلطان الملك المنصور، وهو موعود منه بأن ينتزع حماة له وبلادها من أخيه الملك الناصر قليج أرسلان (٧) وابن أخيه الملك الجواد (٨) مظفر الدين يونس، ولما وصل

стр. 1138

الكامل إلى غزة انزعج الناصر داود صاحب دمشق لذلك وخاف، فعزم على الالتجاء إلى عمه الملك الأشرف، وخيم الكامل بتل العجول (١)، وبعث ولاته إلى نابلس والقدس والخليل وغيرها من الأعمال. وكان عند المظفر الأمير حسام (٢) الدين بن أبي على، ففارقه بغزة، وصار إلى الديار المصرية، فاستخدمه الملك الصالح نجم الدين أيوب وجعله أستاداره، وبقي ابن عمه سيف (٣) الدين علي بن أبي على عند المظفر، فتقدم عنده، ولما ملك حماة على ما نذكره فوض إليه أموره كلها (٤). وفيها فارق العزيز بن العادل الملك الناصر داود ومضى إلى الملك الكامل، وذلك أنه اتفق معه جماعة من جند بعلبك على تسليمها إليه، وأخذها له من صاحبها الملك الأمجد (٥) مجد الدين بهرام شاه، فرحل الملك العزيز إليها، ونزل بالقرب منها، وأطلع الملك الأمجد على الحال، فقبض على أولئك الذين اتفقوا مع العزيز، فقتل بعضهم واعتقل البعض، ولم يتم للملك العزيز ما أراد، فنازل بعلبك محاصرًا لها، وبلغ ذلك ابن أخيه الناصر داود صاحب دمشق، فبعث إليه من رَحَّله عنها قهرًا، فغضب العزيز لذلك على الناصر، وهو شقيق أبيه، وبيده بانياس وبلادها، فرحل إلى أخيه الكامل وأقام في خدمته والتجأ إليه، ففرح به ووعده انتزاع بعلبك من صاحبها الملك الأمجد، وتسليمها إليه، ولما جرى من الكامل ما ذكرناه أرسل الناصر داود إلى عمه الأشرف يعتضد به، ويستمسك بذيله، ويستنصر به على الكامل، وكان الرسول عماد الدين بن موسك (٦)،

стр. 1139

وفخر القضاة ابن بزاقة (١)، فاجتمعا به بسنجار، وطلباه ليأتي دمشق، فسار إليها ولما وصلها ضربت البشائر لقدومه، وخرج الناصر لاستقباله، وذلك في العشر الآخر من رمضان من هذه السنة (٢). وأقام الأشرف بدمشق، وقام الناصر بجميع وظائفه، وقدم إلى خدمته الملك المجاهد (٣) أسد الدين شيركوه صاحب حمص، وأرسل الأشرف إلى الكامل الأمير سيف (٤) الدين على بن قليج يشفع في الملك الناصر، ويطلب منه إبقاء دمشق عليه، فلم يجب الكامل إلى ذلك، وخاطب سيف الدين بما فيه إطماع الملك الأشرف بملك دمشق، ولما جرى ذلك أشار الملك الأشرف على ابن أخيه الناصر أن يمضي في صحبته إلى نابلس، ويقيم بها ويمضي هو إلى أخيه الكامل ويصلح له الأمر، فأجابه إلى ذلك، ورحلا معا من دمشق، وكان الملك الكامل قد تقدم إلى نابلس، ونزل بها في دار المعظم، ولما بلغه قدوم الأشرف إلى دمشق، واتفاقه مع ابن المعظم أغضبه ذلك، فرحل على عزم العود إلى الديار المصرية، ووصل إلى تل العجول، ووصل الملك الأشرف والملك الناصر إلى نابلس، وأقام الملك الناصر بها، ومضى الأشرف ومعه الملك المجاهد صاحب حمص إلى نحو الكامل، فخرج إلى استقباله وعاد به إلى المعسكر بتل العجول، ونزلا به، ووقع الاتفاق بينهما على انتزاع دمشق من ابن أخيهما الناصر داود، وأنها تكون للأشرف، وما معها من الأعمال إلى عقبة (٥) فيق وغزة من البلاد

стр. 1140

والحصون، وهو الفتوح الصلاحي بأسره، ويكون للمك الناصر داود عوضا عن بلاده من بلاد الملك الأشرف: حران، والرقة، والرها، وسروج (١)، ورأس عين (٢)، وجملين (٣)، والموزر (٤)، وأن ينتزع بعلبك من يد الملك الأمجد وتعطي هي وأعمالها لأخيهما الملك العزيز عثمان، وينتزع حماة، والمعرة (٥)، وبعرين (٦) من يد الملك الناصر قليج أرسلان، ويعطى للسلطان الملك المظفر تقي الدين محمود أخيه، وتؤخذ من المظفر سلمية (٧)، وتضاف إلى الملك المجاهد أسد الدين صاحب حمص، وكان طلبها من الملك الكامل لأنها كانت جارية في إقطاع أبيه ناصر (٨) الدين محمد بن شيركوه، وإنما أضيفت إلى تقي (٩) الدين عمر بن شاهنشاه في أيام صلاح الدين بعد موت ناصر الدين، وبقية الكلام في السنة الآتية إن شاء الله (١٠).

стр. 1141

وفي تاريخ المؤيد (١)، وفي هذه السنة أرسل الملك الكامل صاحب مصر يطلب من ابن أخيه الناصر داود بن الملك المعظم صاحب دمشق حصن الشوبك، فلم يعطه الناصر ذلك، ولا أجابة إليه، فسار الملك الكامل من مصر في هذه السنة في رمضان إلى الشام، وذكر نحو ما ذكرناه، غير أنه قال: فقدم الملك الأشرف إلى دمشق، ودخل هو والملك الناصر داود إلى قلعة دمشق راكبين. وقال القاضي جمال (٢) الدين بن واصل: كنت إذ ذاك حاضرا في دمشق، ورأيت الملك الأشرف راكبا مع ابن أخيه، وعلى رأس الملك الأشرف شاش (٣) علم (٤) كبير، ووسطه مشدود بمنديل، وكان وصول الأشرف إلى دمشق في العشر الأخير من رمضان من هذه السنة. ثم قال: وخرجت السنة والأشرف عند أخيه الكامل بظاهر غزة. وفي تاريخ ابن العميد (٥): بلغ الناصر صاحب دمشق خروج الملك الكامل لأخذ بلاده، وكان سبب ذلك أن الناصر لما استقر في دمشق ظلم الناس، وأخذ أموالهم، وأقبل على اللهو والشرب والطرب، واشتغل عن النظر في مصالح دولته، فبلغ ذلك الكامل فتغير خاطره عليه، وتجهز وخرج بعساكره إلى الشام، ليأخذ دمشق، واستناب ولده الصالح نجم الدين بمصر، وجعل الأمير فخر الدين (٦) بن الشيخ بين يديه ليحصل الأموال ويدبر المملكة، وذلك في شهر رجب من هذه السنة، ولما بلغ ذلك الناصر لم يسيِّر إليه، ولا استعطفه، بل كتب إلى عمه الملك الأشرف يسأله أن يصل إليه، فلما جاءه الأشرف إلى دمشق رأي من حركاته المذمومه فكرهه بسببها، وأيضا أطمعته نفسه بدمشق فإن جلال الدين خوارزم شاه كان قد أخذ أخلاط، ولم يبق بيد الأشرف

стр. 1142

سوي حران، والرها والجزيرة، وسنجار وأعمالها، وبلاد الخابور (١) جميعه، وسببه أن الحاجب على غلام الأشرف دخل إلى بلاد جلال الدين المجاورة لأخلاط، وأخرب ونهب وأسر بنت خواجاجهان الوزير، زوجة جلال الدين خوارزم شاه، فبلغ جلال الدين ذلك فسار إلى أخلاط وحاصرها، وفتحها، وأسر بنت ملك الكرج زوجة الملك الأشرف، فسير الأشرف إلى مملوكه عز الدين صاحب دارا (٢) بأنه يقبض على عَلىِ الحاجب ويقتله فقتله، وأما السلطان الملك الكامل فإنه وصل إلى نابلس، ونزل بها ورتب الولاة (٣) والنواب (٤) والدواوين (٥) في البلاد الساحلية، وبلغه أن الأنبرور وصل إلى يافا (٦) في ميعاده (٧) فعاد الكامل من نابلس إلى تل العجول ونزل عليها، وترددت الرسل بين السلطان والأنبرور، وكان السفير بينهما الأمير فخر الدين بن الشيخ، فلم يزل يتردد إلى الأنبرور تارة بمفرده وتارة يأخذ معه الصلاح (٨) الإربلي إلى أن تقرر الصلح، على أن يعطى الأنبرور القدس والقرى (٩) التي على طريقه من يافا إلى القدس، ومدينة لدْ (١٠).

стр. 1143

قال: وفي سنة ست وعشرين طلب الأنبرور من السلطان تبنين (١) وأعمالها بحكم أن صاحبتها بنت الهنفري، ودخلت عليه فسألته، فأنعم السلطان عليه بها، ودخلت في نسخة المهادنة التي بين الأنبرور وبين السلطان وانتظم الصلح مدة عشر سنين [وخمسة أشهر وأربعين يوما] (٢) وتسلم الأنبرور مدينة القدس ومدينة لدْ والأماكن التي على طريقه (٣). وسنذكر بقية ذلك في السنة الآتية إن شاء الله تعالي. وفي تاريخ بيبرس: وفيها قدم الأنبرور فردريك (٤) ملك الإفرنج إلى عكا في جمع كثير من الألمانية وغيرها من الفرنج، ومعنى هذا الاسم بالفرنجية ملك الأمراء ومملكته جزيرة صقلية (٥)، ومن البر الطويل بلاد أنبولية (٦) (٧) والأنبردية (٨). وكان الأنبرور ملكا متميزا عالما، يحب الحكمة والمنطق والطب، ولما وصل نسب الكامل به ولم يمكنه دفعه ومحاربته لما تقدم بينهما من الاتفاق، ولأنه كان يؤدي ذلك إلى فوات أغراضه التي كان في ذلك الوقت بصددها فراسله ولاطفه (٩). وبعد وصوله إلى عكا شرع الفرنج في عمارة صيدا، وكانت مناصفة بينهم وبين الفرنج، وسورها خراب، فعمروها واستولوا عليها، وأزالوا عنها حكم المسلمين، ولم يزل الأنبرور بعكا، والرسل مترددة بينه وبين الكامل إلى أن خرجت هذه السنة (١٠).

стр. 1144

وفي (١) تاريخ ابن كثير: لما جاء إلى بلاد الشام دخل بيت المقدس الشريف، ثم سار إلى نابلس، فخاف الناصر صاحب دمشق، فكتب إلى الأشرف، فقدم عليه جريدة، وكتب إلى أخيه الكامل يستعطفه ويكفه عن ابن أخيه، فأجاب الملك الكامل بأني إنما جئت لحفظ بيت المقدس وصونه عن الفرنج الذين يريدون أخذه، وحاشا لله أن أعارض أخي أو ابن أخي، وبعد أن جئت إلى الشام فأنت تحفظها، وأنا راجع إلى الديار المصرية، فخشي الأشرف وأهل دمشق إن رجع الملك الكامل أن تمتد أطماع الفرنج إلى بيت المقدس، فركب الأشرف إلى أخيه الكامل فثبطه عن الرجوع، وأقاما جميعا هنالك يحوطان جناب بيت المقدس من الفرنج (لعنهم الله). وفي تاريخ النويري (٢): وكان الملك الكامل قد أرسل إلى الأنبرور فخر الدين بن الشيخ يستدعيه إلى قصد الشام بسبب أخيه المعظم، فوصل الأنبرور وقد مات المعظم، والأنبرور معناه ملك الأمراء بالفرنجية، وأما اسمه فردريك، وكان صاحب جزيرة صقلية وغيرها، ويقال: كان صاحب جزيرة قبرس. قلت: لاخلاف بين الكلامين لأنه كان صاحب الجزيرتين جزيرة صقلية وجزيرة (٣) قبرس (٤). ذكر ماجريات جلال الدين خوارزم شاه وفي هذه السنة كانت حروب كثيرة بين جلال الدين وبين التتار، كسروه غير مرة، ثم بعد ذلك كله كسرهم جلال الدين كسرة بشيعة، وقتل منهم خلقا وأمما لا يحصون، وكان هؤلاء التتار قد عصوا على جنكيزخان وانفردوا، وكان جنكيزخان قد كتب إلى جلال الدين يقول: إن هؤلاء ليسوا منا، ونحن أبعدناهم، ولكن ستري مناما لا قبل له، وبعد أن فرغ جلال الدين من التتار قصد بلاد خلاط، ونهب القرى، وقتل وخرب البلاد، وفعل الأفعال القبيحة (٥).

стр. 1145

وفي تاريخ بيبرس: وفيها نهب جلال الدين خلاط وما حولها، وذلك أنه لما فرغ من حرب التتار وهزمهم، ووصل إلى أذربيجان بعساكره قصد خلاط، وتعداها إلى صحراء موش (١) وجبل جور (٢)، ونهب الجميع، وسبي الحريم والأولاد، وقتل الرجال، وخرب القرى، وعاد إلى بلاده، وخاف أهل حران والرها وسروج وسائر بلاد الملك الأشرف، وعزم بعضهم على الانتقال إلى الشام، ووصل بعض أهل سروج إلى منبج (٣)، وكان الوقت شتاء فسقط ببلاد خلاط ثلج كثير لم يعهد مثله، فعاد جلال الدين إلى بلاده (٤). وفيه أيضا وفيها وقع الخلف بين جلال الدين وبين غياث الدين تترشاه أخيه، وذلك أنه لما ضاق حال غياث الدين فارقته جماعة من سرهنكيته (٥)، وانحازوا إلى نصرة الدين محمد بن الحسن بن خرميل، وقد كان جلال الدين صَيِّرهُ شحنة (٦) على أصفهان حين ملكها، وعين له بها إقطاعا جليلا، ولما أقام جلال الدين بأصفهان على نية لقاء التتار، اتخذه لمنادمته لأنه كان كثير الفكاهة، حسن المحاضرة، فاجتمعوا في بعض الليالي في مجلس جلال الدين على الشرب بحضور غياث الدين، فلما لعب الشمول (٧) بالعقول، ودارت الكؤس بالرؤس، قال غياث الدين لنصرة الدين: هلا ترد غلماني إلى بابي؟ فأجابه نصرة الدين بجواب غير لائق، وقال له: الغلمان يخدمون من يطعمهم ولا يصبرون على الجوع. فغضب غياث الدين، وأخذ يكرر الكلام، فلما أحس السلطان بغيظه أمر نصرة الدين بالقيام، فقام وخرج، وتبعه غياث الدين إلى داره، فقتله في تلك الليلة، فحزن السلطان عليه، وغضب بسببه على أخيه، وقال: إنك حلفت أن تكون

стр. 1146

لصديقي صديقا، ولعدوى عدوا، فأنت الحالف الحانث، ولم يبق لك في ذمتي يمين، وأنا مع ذلك لا أفعل إلا الشرع. فحاكم أخاه إلى القاضي، فإن شاء اقتص، وإن شاء عفا، فعظم ذلك عليه، وحسن عنده الهروب، وصار خائفا مرعوبا، إلى أن اتفق لقاء السلطان التتار بظاهر أصفهان، فاغتنم الفرصة وهرب إلى خوزستان، وأرسل إلى الخليفة المستنصر بالله بأنه قد فارق أخاه، وجاور الممالك الديوانية، فأعيد رسوله بواعد جميل، وثلاثين ألف دينار أنعاما، وخِلَع، ثم إن غياث الدين تسحَّب إلى ألموت لما بلغه أن التتار انهزموا، وأن أخاه جلال الدين قد ظهر عليهم، وأقام بها إلى أن وصل جلال الدين إلى الرى، متبعا آثار التتار، وفرق عساكره، فأحاطت بتخوم ألموت من الرى إلى زنجان (١)، فصار غياث الدين بها كالمخنوق سدت عليه المنافس. ثم ورد رسول علاء الدين صاحب الموت (٢) إلى جلال الدين يلتمس منه الصلح لأخيه، وأن يعود إلى الخدمة فأجابه إلى ما سأله من الأمان، وأكد قواعده بالأيمان، وأصحب رسول علاء الدين بتاج الملك الخوارزمي (٣) وشرف الملك يستردان غياث الدين، وشكر لعلاء الدين فعله، فندم غياث الدين على ما نواه من العود، ورأى أن هروبه أصلح، فاقترح على علاء الدين إعانته على ما يحمله من الخيل، فأعانه بذلك وخرج، وكادت طائفة من العساكر الجلالية تمسكه، لولا أن جهان بهلوان ردهم عنه، وكسرهم، فنجا إلى كرمان، وبها الحاجب (٤) براق نائبه، فسار إليه طمعا في وفائه، فلم يلق منه إلا الغدر الفظيع والمكر

стр. 1147

الشنيع، ولما صار عنده أمسكه واعتقله ببعض القلاع، وقيل: إنه قتله بعد ذلك. وقيل: بل خلص من الحبس، وهرب إلى أصبهان، وتزوج براق الحاجب بأمه على كره منها، ثم قتلها، وشنع أنها أرادت أن تسقيه سمًا، وقتل معها الوزير جهان بهلوان. وقال أبو الفتح المنشئ: لما فارق غياث الدين أخاه جلال الدين راح إلى خوزستان، وأرسل وزيره كريم الشرق إلى ديوان الخلافة معلما بمفارقته أخاه، ثم ذكر القضية مثل ما ذكرناه، إلى أن قال: اقترح على علاء (١) الدين صاحب ألموت إعانته بما يحمله، ويحمل معه من الخيل، فأعانه بثلاث مائة رأس، فخرج، ووقعت عليه طائفة من العساكر المركوزة التي للسلطان مقدمهم الطواشي (٢) جُبَة السلاحدار (٣) فلحقوه ببعض حدود همذان، وأسر جماعة من الذين كانوا (٤) مع غياث الدين، ونجا إلى كرمان وبها الحاجب براق نائبه فسار إليه طمعا في وفائه فأول قبيح عامله به أنه (٥) تزوج بوالدة غياث الدين على كره منه ومنها، ثم شنع عليها بعد حين بأنها أرادت أن تسقيه سما، فقتلها، وقتل معها الوزير كريم الشرق، وجهان بهلوان، وحبس غياث الدين، فقيل: إن براقا قتله بعد حين. وقيل: إنه تخلص من الحبس إلى أصفهان، وأن جماعة من النساء بالقلعة رثين له، فاتفقن على تخليصه، فجمعن له الحبال وأدلينه من القلعة، وقتل غياث الدين بأصفهان بأمر السلطان (٦).

стр. 1148

وفيها عزل جلال الدين صفي الدين محمد الطغرائي عن وزارة خراسان وقبض عليه وأقام تاج الدين محمد البلخي المستوفي (١) مقامه بها، وكان صفي الدين من قرية كليجرد (٢)، ابن رئيسها، وكان أكبر أدواته، حسن الخط، وكان مع جلال الدين حين كان بماء السند وسلم من الغرق حين غرق أكثر أصحاب جلال كما شرحناه فيما مضى، ثم انضم إلى شرف الملك الوزير وواظب خدمته، ولما ملك جلال الدين البلاد ولاه شرف الملك الطغرا (٣)، فتجمل وتمول وأكثر الخدم، ثم لما قبض عليه جلال الدين بالرى جاء إليه حميد الدين الخازن (٤) يوما وهو محبوس يقول له عن جلال الدين: إن كنت تريد أن أعفو عنك وأرضى عليك فابعث إلى ما جمعته من الجواهر، واحمل إلى ما جَيَيْتَه لشرف الملك الوزير من الذهب. فأحضر إليه أربعة آلاف دينار كان أودعها عند بعض التجار، وسبعين فصا ما بين ياقوت وبذخشاني (٥)، وتسلمه الخازن ولم يحمل من ذلك شيئا إلى خزانة جلال الدين، وخطر بباله أن الطغرائي مقتول البتة لعلمه بسخط جلال الدين عليه، وأراد الله تأخير أجله إلى أن رضي عنه جلال الدين وانصلح أمره عنده، ثم فتش ذلك في ديوان (٦) الخزانة فلم يجد للفصوص ولا للذهب ذكرا، فذكر ذلك لحميد الدين الخازن ودخل عليه على أن يكتم هذا الأمر، ويأخذ منه كل شهر مائتي دينار، فأوفي الذهب كله وأما الفصوص فلم يحصل له منها شيء (٧).

стр. 1149

ذكر بقية الحوادث منها أن علاء الدين كيقباذ بن كيخسروا سلطان بلاد الروم ملك أرزنكان (١) من صاحبها علاء الدين داود شاه، وأراد المسير إلى أرزن الروم ليأخذها وبها ابن عمه طغرل شاه بن قليج أرسلان، فلما سمع صاحبها بذلك أرسل إلى الأمير حسام (٢) الدين على النائب عن الملك الأشرف بأخلاط يستنجده وأظهر طاعة الملك الأشرف، فسار حسام الدين الحاجب إلى أرزن الروم ومنع عنها، ولما بلغ كيقباد وصول العساكر إليها لم يقدم على قصدها فسار إلى بلاده، وكان قد أتاه الخبر أن الروم الكفار المجاورين لبلاده قد ملكوا عليه حصنا من حصونه يسمي سنوُب (٣)، مطلا على البحر حصينا، فلما وصل إلى بلاده سير إليه عسكرًا واستعاده منهم، وسار إلى أنطالية (٤) باللام ليشتي بها (٥). ومنها في ربيع الأول كانت الوقعة على باب صور (٦) بين العزيز عثمان وبين الفرنج، فإنه كمن مع عسكره قريبا من صور، فلما تعالى النهار خرج الفارس والراجل بأغنامهم ومواشيهم، وخرج عليهم المسلمون فقتلوا وأسروا منهم سبعين فارسًا، ولم يسلم من الفرنج سوى ثلاثة أنفس، وكانت وقعة عظيمة (٧).

стр. 1150

ومنها أن مدرسة الركن الفلكي (١) نجزت بقاسيون، وذكر فيها ملك شاه الدرس (٢). وفيها ..... (٣) وفيها حج بالناس من الشام علي بن السلار (٤). ذكر من توفي فيها من الأعيان القاضي (٥) جمال الدين عبد الرحيم بن علي بن اسحاق بن شيث، القرشي العالم الفاضل، كان الله تعالى قد جمع له بين الفضل والمروة والكرم والفتوة والإحسان إلى الخلق، ما قصده أحد في شفاعة فرده خائبا، وكان يمشي بنفسه مع الناس في قضاء حوائجهم، وكان كثير الصدقات، واسع المعروف، غزير الإحسان، وكان القاضي الفاضل يحتاج إليه في علم الرسائل، وكان إماما في فنون العلوم من المنثور والمنظوم، مات له ولد صغير، فخرج في جنازته يبكي ويقول: ما الذي أطمع في الدنيا … وقد فارقت بعضي هكذا تنفلت الدنيا … من الأيدي وتمضى (٦) وله تصانيف كثيرة ظريفة، ورسائل وأشعار لطيفة، وكانت وفاته بدمشق سابع المحرم، ودفن بقاسيون. الشيخ (٧) الصالح الفقيه أبو الحسن على المراكشي، المقيم بمدرسة المالكية (٨)، مات في أوائل رجب منها، ودفن في المقبرة التي وقفها الرئيس خليل (٩) بن زويزان قبلي مقابر الصوفية، وكان أول من دفن بها.

стр. 1151

فصل فيما وقع من الحوادث في السنة السادسة والعشرين بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة هو المستنصر بالله، وملوك أيوب مفترقون مختلفون قد صاروا أحزابا وفرقا، فلذلك آل الأمر إلى أن سلموا القدس الشريف إلى الإفرنج (١). ذكر تسليم القدس إلى الفرنج وكان هذا في الإسلام من أعظم المصيبات، وأصل هذه الطامة أنه قد اجتمع ملوك بني أيوب إلى الملك الكامل صاحب مصر، وهو مقيم بنواحي القدس بسبب أخذ دمشق، فقويت قلوب الفرنج بكثرتهم بمن وفد إليهم من البحر، وبموت الملك المعظم، واختلاف من بعده بين الملوك، فطلبوا من المسلمين أن يردوا إليهم ما كان السلطان صلاح الدين أخذ منهم، فوقعت المصالحة بينهم وبين الملوك على أن يردوا عليهم بيت المقدس وحده، وتبقى بأيديهم بقية البلاد، فسلموا القدس الشريف، وكان الملك المعظم قد هدم أسواره على ما ذكرناه، فعظم ذلك على المسلمين جدا، وحصل بذلك وهن عظيم وإرجاف شديد (٢). وفي تاريخ النويري (٣): ولما طال الأمر ولم يجد الملك الكامل بدًا من المهادنة أجاب الأنبرور إلى تسليم القدس إليه، على أن تستمر أسواره خرابا ولا يعمرها الفرنج، ولا يتعرضون إلى الصخرة، ولا إلى الجامع الأقصى، ويكون الحكم في الرساتيق (٤) إلى والى المسلمين، ويكون لهم من القرايا ما هو على الطريق من عكا إلى القدس فقط، ووقع

стр. 1152

الأمر على ذلك، وتحالفا عليه، وتسلم الأنبرور القدس في هذه السنة في ربيع الآخر على القاعدة التي ذكرناها (١). وفي تاريخ بيبرس: لم تزل الرسل تتردد بين الكامل وبين الأنبرور، وأبي أن يرجع إلى بلاده إلا بما وقع الشرط عليه من تسليم القدس إليه وبعض الفتوح الصلاحي، وأبي الكامل أن يسلم إليه كل ذلك، وتقرر الأمر آخر الحال أنه يسلم إليه القدس على شريطة أن يبقى خرابا ولا يجدد سوره، وأن لا يكون للفرنج شيء من ظاهرة البتة، بل يكون جميع قراياه للمسلمين، ويكون عليها وال للمسلمين، ويكون مقامه بالبيرة من عمل القدس، وأن الحرم الشريف بما حواه من الصخرة المقدسة والمسجد الأقصى يكون بأيدى المسلمين، لا يدخله الفرنج إلا للزيارة فقط، ويكون شعار الإسلام به قائما على عادته، ورأى الملك الكامل أن يرضى الفرنج بمدينة القدس خرابا، ويهادنهم مدة، ثم هو قادر على انتزاع ذلك منهم متى شاء، وأنه متى شاقق الأنبرور، ولم يف له بالكلية انفتح باب محارية مع الفرنج، ويتسع الخرق ويفوته كلما خرج بسببه، وكان المتردد بينهما في الرسائل الأمير فخر الدين بن الشيخ، وكانت تجري بينهم محاورات شتى، ومسائل حكمية وغيرها، ثم حلف الكامل على ما وقع عليه الاتفاق، وحلف الأنبرور له، وعقدوا عقد الهدنة مدة معلومة، وقال الأنبرور للأمير فخر الدين بن الشيخ: لولا أني أخاف انكسار جاهي عند الفرنج لما كلفت السلطان شيئا من ذلك، ونودي في القدس بخروج المسلمين وتسليمه إلى الفرنج، فخرج المسلمون ووقع فيهم الضجيج والبكاء، وحزنوا على خروجه من أيديهم، وأنكروا على الكامل هذا الفعل، واستشنعوه ورثوا القدس بأبيات منها: عزيز علينا أن نرى القدس يخرب … وشمس مبانيه تزول وتغرب وقلت له: منا الدموع لأنه … على مثله تجرى الدموع وتسكب (٢)

стр. 1153

ولما تم ذلك استأذن الأمبرور السلطان في زيارة القدس، فأذن له، وتقدم إلى القاضي شمس الدين قاضي نابلس (١) بملازمته إلى أن يزور القدس، ويرجع إلى عكا قرار ورجع، وعمل الشيخ شمس (٢) الدين يوسف سبط جمال الدين بن الجوزي الواعظ مجلس وعظ بمدينة دمشق، وذكر فيه القدس وما ورد فيه من الآثار، وأورد قصيدة في ذلك (٣) منها: على قبة المعراج والصخرة التي … تفاخر ما في الأرض من صخرات مدارس آيات خلت من تلاوة … ومنزل وحي مُقفِر العرصات (٤) وقال السبط (٥) في المرآة: لما وصلت الأخبار بتسليم القدس إلى الفرنج قامت القيامة في جميع بلاد الإسلام، واشتدت العظائم بحيث أنه أقيمت المآتم، وأشار الملك الناصر داود صاحب دمشق أن أجلس بجامع دمشق، وأذكر ما جرى على بيت المقدس، فما أمكنني مخالفته، ورأيت من جملة الديانة والحمية للإسلام موافقته، فجلست بجامع دمشق، وحضر الناصر داود على باب مشهد على (٦)، وكان يوما مشهودا، ولم يتخلف من أهل دمشق أحد، وكان من جملة الكلام: انقطع عن بيت المقدس وفود الزائرين، يا وحشة المجاورين! كم كانت لهم في تلك الأماكن من ركعة؟! كم جرت لهم على تلك المساكن من دمعة؟! تالله لو صارت عيونهم عونا لما وفت، ولو تقطعت قلوبهم أسفا لما اشتفت، أحسن الله عزاء المؤمنين، يا خجلة ملوك المسلمين لمثل هذه الحادثة تسكب العبرات، لمثلها، تتقطع القلوب من الزفرات، لمثلها تعظم الحسرات. وذكر كلاما طويلا.

стр. 1154

وحكى أن فقيرا بات بالقدس، فسمع قائلا يقول في الليل هذه الأبيات: إن يكن بالشام قلَّ نصيري … وتهدمتُ ثم دام هُلُوكي فلقد أصبح الغداة خرابي … سِمَة العار في حياة الملوك وفي تاريخ ابن (١) العميد: تسلم الأنبرور مدينة القدس، ومدينة لدّ (٢)، والأماكن التي (٣) على الطريق، وحضر الأئمة والمؤذنون الذين كانوا في الصخرة والمسجد الأقصى إلى باب دهليز الملك الكامل، وأذنوا على باب الدهليز في غير وقت الآذان، فعزَّ ذلك على الملك الكامل، وأمر أن يؤخذ ما معهم من الستور (٤) والقناديل الفضة وجميع الآلات، ويتوجهوا إلى حال سبيلهم (٥). وقال بيبرس في تاريخه: ثم أقلع الأنبرور إلى بلاده، واستمر مصافيا للملك الكامل ومُوَادًّا له إلى أن مات الكامل، ثم استمر على موادة الملك الصالح نجم الدين أيوب بعده (٦). وفي المرآة (٧): وجرى للأنبرور عجائب منها: أنه لما دخل الصخرة رأي قسيسا قاعدا عند القدم يأخذ من الفرنج قراطيس (٨) فجاء إليه كأنه يطلب منه الدعاء، فلكمه، فرماه إلى الأرض، وقال: يا خنزير السلطان يصدق علينا بزيارة هذا المكان، تفعلوا فيه هذه الأفاعيل، لئن عاد دخل واحد منكم على هذا الوجه لأقتلنه. قال السبط (٩): وحكى لى صورة الحال قوَّام الصخرة، ونظر إلى الكتابة التي في القبة: وقد (١٠) طهر هذا البيت المقدس صلاح الدين من المشركين. فقال: ومن هم المشركين؟ وقال

стр. 1155

وللقَوَّام: هذه الشَباك التي على أبواب الصخرة من أجل إيش؟ قالوا: لئلا يدخلها العصافير. فقال: قد أتى الله إليكم بالخنازير. قالوا: ولما دخل وقت الظهر، وأذن المؤذنون، قام جميع من كان معه من الفراشين والغلمان (١) ومعلمه، وكان من صقلية يقرأ عليه المنطق، فصلوا وكانوا مسلمين، قالوا: وكان الأنبرور أشقرا أَمْعط، في عينيه ضعف، لو كان عبدا ما يساوي مائتي درهم. قالوا: والظاهر من كلامه أنه كان دهريا (٢) وإنما كان يتلاعب بالنصرانية. قالوا: وكان الكامل قد تقدم إلى القاضي شمس الدين قاضي نابلس أن يأمر المؤذنين ما دام الأنبرور في القدس لا يصعدون (٣) المنابر، ولا يؤذنون (٤) في الحرم، فأنسى القاضي أن يُعْلِم المؤذنين، فصعد عبد الكريم المؤذن في تلك الليلة وقت السحر، والأنبرور نازل في دار القاضي، فجعل يقرأ الآيات التي تختص بالنصارى، مثل قوله تعالى: "ما اتخذ (٥) الله من ولد ذلك عيسي بن مريم" ونحو هذا، فلما طلع الفجر استدعى القاضي عبد الكريم وقال له: إيش عملت؟ السلطان رسم كذا وكذا. قال: فما عرفتني التوبة. فلما كانت الليلة الثانية، ما صعد عبد الكريم المأذنة، فلما طلع الفجر استدعى الأنبرور القاضي، وكان قد دخل القدس في خدمته، وهو الذي سلم إليه القدس، فقال له: يا قاضي أين ذاك الرجل الذي طلع بارحه أمس المنارة، وذكر ذاك الكلام؟ فعرفه أن السلطان أوصاه. فقال الأنبرور: أخطأتم يا قاضي تغيرون أنتم شعاركم ودينكم لأجلى، فلو كنتم عندي في بلادى هل كنت أبطل ضرب الناقوس لأجلكم؟! الله الله، لا تفعلوا هذا أول ما تنقصون عندنا، ثم فرق في القوام والمؤذنين والمجاورين جملة، أعطى كل واحد عشرة دنانير، ولم يقم بالقدس سوى ليلتين، وعاد إلى يافا، وخاف من الداوية (٦) فإنهم عزموا على قتله (٧).

стр. 1156

ذكر مجئ الكامل على دمشق وأخذه من الناصر داود لما تسلم الأنبرور القدس وكان في ربيع الآخر من هذه السنة، كان الملك الناصر محصورا في دمشق، وعمه الملك الأشرف يحاصره بأمر الملك الكامل، ولما جرى الاتفاق بين الملكين الكامل والأشرف على نزع دمشق من الناصر، كان الناصر حينئذ بنابلس، فلما بلغه الخبر رحل إلى دمشق، وكان عمه الأشرف لحقه بالغور (١)، وعرفه ما أمر به عمه الكامل، وأنه لا يمكنه الخروج عن مرسومه (٢)، فلم يلتفت الناصر إلى ذلك، وسار إلى دمشق، وسار الأشرف في أثره، وحصره بدمشق، ثم أن الكامل لما عقد الهدنة مع الأنبرور، وخلا سره من جهة الفرنج، سار إلى دمشق، ووصل إليها في جمادى الأولى من هذه السنة، واشتد الحصار على أهل دمشق، ووصل إلى الكامل رسول الملك العزيز صاحب حلب، وخطب بنت الكامل، فزوجه بنته فاطمة خاتون، التي هي من الست السوداء أم ولده أبي بكر العادل بن الكامل، ثم استولى الملك الكامل على دمشق، وعوض الناصر عنها الكرك (٣) والبلقاء (٤) والصلت (٥) والأغوار والشوبك (٦)، وأخذ الكامل لنفسه البلاد الشرقية، التي كانت قد عينت للناصر، وهي حران والرها وغيرهما، التي كانت بيد الملك الأشرف، ثم نزل الناصر عن الشوبك،

стр. 1157

وسأل عمه الكامل في قبولها، فقبلها، وتسلم الأشرف دمشق، وتسلم الكامل من الأشرف البلاد الشرقية المذكورة، ولما سلم الكامل دمشق إلى أخيه الأشرف، وسار من دمشق ونزل بمجمع المروج (١) ثم نزل سلمية وقصده أخذ حماة على ما تذكره (٢). وفي تاريخ بيبرس: ولما حاصر الأشرف دمشق، أرسل إلى أخيه الكامل يستعجله على القدوم إلى دمشق، فرحل من تل العجول ووصل إلى ظاهر دمشق في جمادي الأولى من هذه السنة، واتفق هو والأشرف على محاصرة البلد ومضايقته، وقطعوا الماء عنه، وشرب الناس من الآبار، وكان الدمشقيون يخرجون إلى العسكر المصري ويقاتلون محبة في صاحبهم، وطالت مدة الحصار إلى آخر رجب من هذه السنة، فعظم ذلك على أهل دمشق، واشتد الأمر وغلا السعر، وفارق من العسكر الدمشقي أرغش المعظمي وهو من أمراء الملك الناصر، وجماعة، ونفدت النفقات من عند الناصر، فإنه أنفق في هذه المدة جميع ما في الخزائن، وشرع في ضرب ما عنده من الأواني الفضية والذهبية دراهم ودنانير، وأتي على أكثر ما عنده من الذخائر (٣). وفيها وصل إلى الكامل وهو على دمشق رسول الملك العزيز (٤) غياث الدين محمد ابن الملك الظاهر غازي في خطبة ابنته للملك العزيز، وكان الرسول القاضي بهاء (٥) الدين بن شداد، وحمل المهر وعقد العقد بحضور الملك الأشرف ووليه من جهة الكامل

стр. 1158

الأمير عماد (١) الدين بن الشيخ على فاطمة (٢) خاتون -وهي شقيقة العادل أبي بكر بن الكامل- على صداق مبلغه خمسون ألف دينار، وقبل النكاح عن الملك العزيز القاضي بهاء الدين المذكور (٣). ولما طالت مدة الحصار، ونفد ما في يد الملك الناصر من الأموال والذخائر، علم أنه لا قبل له بعمه الكامل، فخرج ليلا من قلعة دمشق في العشر الآخر من رجب، وقصد جهة الدهليز (٤) في نفر يسير من أصحابه، وبلغ عمه مجيؤه فخرج إليه وتلقاه وأكرمه إكراما كثيرا، وطيب قلبه، وعاتبه عتابا كثيرا، ثم أمره بالرجوع إلى قلعة دمشق، ثم أرسل إليه بعد يومين الأمير فخر الدين بن شيخ الشيوخ من جهة السلطان، وكان يوم الجمعة، فصلي الجمعة بجامع القلعة، ثم خرج هو والملك الناصر إلى السلطان، ووقع الاتفاق والتحالف، وأقر عز الدين (٥) أيبك المعظمي علي صرخد (٦) والملك الصالح والملك العزيز ابنا الملك العادل، وابن أخيهما المغيث عي ما بأيديهم، وقرر للملك الناصر داود الكرك، والشوبك، وأعمالهما، والصلت، والبلقاء، والأغوار، ونابلس، وأعمال البيت المقدس، وبيت جبريل (٧)، ونزل الناصر عن الشوبك للكامل لتكون خزانة

стр. 1159

له وبقي له مع الشوبك الخليل (١) وطبرية (٢) وغزة وعسقلان والرملة ولُد، وسائر السواحل التي (٣) بأيدي المسلمين، ثم رجع الناصر إلى قلعة دمشق، وفتحت أبواب البلد مستهل شعبان، ودخل العسكر المصري من جميع الأبواب، وامتلأت البلد بهم وحزن الدمشقيون حزنا عظيما، ودخل والى الكامل إلى القلعة وتسلمها (٤). وولي في المدينة عز الدين بن ملكشو، وسلمها إلى أخيه الأشرف، وأخذ منه عوضا عنها البلاد الشرقية، التي كانت عينت أولا للملك الناصر وهي: حران والرقة، والرها، وسروج، ورأس عين، وجُملين، والموزر، وأرسل نوابه إليها فتسلموها من نواب الأشرف، وبقي للأشرف بالبلاد الشرقية نصيبين، وسنجار، والخابور، وبلاد خلاط، وكانت ميافارقين بيد أخيهما المظفر (٥) شهاب الدين غازي، وقلعة جعبر بيد أخيهما الملك الحافظ (٦) أرسلان (٧) شاه، ثم سافر الناصر بأهله وأخوته ومن يتعلق به إلى الكرك، وتسلم البلاد التي عينت له، ثم أمر الكامل العساكر بالتبريز إلى جهة حماة لأخذها من صاحبها الملك الناصر (٨) قليج أرسلان بن المنصور (٩).

стр. 1160

وفي المرآة (١): ولما أقام الأشرف بدمشق دخل عليه ابن عنين الشاعر فلم يرمنه ما كان يعهده من مجالس المعظم، وما كان يجري فيها من الهنات، وقذف المحصنات، فإن ابن عنين كان هجاء، خبيث اللسان، فشرع فيما كان يفعله، فنهاه الأشرف، وقال: ما مجالسي كما عهدت، يكفيني ما أنا فيه، حتى أضيف إليه ثلب المسلمين، فخرج من عنده وعمل فيه: وكُنَّا نُرَجي بعد عيسي (٢) محمدا (٣) … لينقذنا من شدة الضر والبلوى فأوقعنا في تيه موسى (٤) كما ترى … حيارى فلا مَن لديه ولا سلوى وبلغ الأشرف فقال: هذا الملعون، إذا لم يكن عندي من ولا سلوي فعند من؟ وأمر بقطع لسانه، فدخل على جماعة، وحلف أنه ما قال هذا، فقال الأشرف: هذا ما أفلت من لسانه أحد، ولابد من قطعة فهرب إلى بلاد زُرَع (٥) وحوران، وسكت الأشرف عنه (٦). ذكر توجه الكامل إلى حماة ولما فرغ شغل الكامل من جهة دمشق رحل بعساكره، ووصل إلى مجمع المروج، ثم رحل إلى سلمية، قاصدا التوجه إلى الشرق للإشراف على بلاده التي تسلمها من أخيه الأشرف، وتقدم إلى المظفر (٧) تقي الدين محمود بن المنصور بمحاصرة حماة، وبعث معه الملك المجاهد (٨) أسد الدين شيركوه وأخويه العزيز والصالح، ابني العادل
следующие страницы →