← История

История · id 380

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [565 - 628 هـ]

بدر الدين العيني

Полный текст (1 226 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وذكر ابن الساعى (١) في تاريخه أنه كان في صباه شابًا حسنًا مليحًا. قال: ولشيخنا أبي اليمن الكندى فيه وقد رمدت عينه: بِكِلَّ صَبَاحٍ لِى وَكُلِّ عَشِيَّةٍ … وُقُوفٌ عَلَى أَبْوَابِكُم وَسَلَامُ وَقَدْ قِيلَ لِي يَشْكوُ سِقَامًا بَعَيْنِهِ … فَهَا نَحْنُ مِنْهَا نَشْتَكِي وَنُضَامُ الأمير نجم الدين أيوب؛ (٢) والد السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، والكلام فيه على أنواع: الأول في ترجمته: هو أبو الشكر أيوب بن شاذي، والد الملوك بني أيوب الكردي الزرْزَارِي، وهم خيار الأكراد (٣) من بلاد دُوَيْن بشمال بلاد أذربيجان مما يلي الكرج. ومنهم من يقول "أيوب بن شاذي بن مروان" (٤)، ومنهم من يقول أيوب بن شاذي بن مروان بن يعقوب، وأغرب بعضهم، فزعم أنهم من سلالة مروان بن محمد الجعدي، آخر خلفاء بني أمية. وهذا ليس بصحيح، والذي عليه الجمهور أنه لا يعرف بعد شاذي أحد من نسبهم، والذي نسب إلى بني أمية ادعاء هو الملك أبو الفداء إسماعيل بن طغتكين بن أيوب بن شاذي، ويعرف بابن سيف الإسلام، وقد ملك اليمن بعد أبيه، فتعاظم في نفسه، وادعى الخلافة، وتلقب بالإمام الهادي بنور الله، المعز لدين الله، أمير المؤمنين، وزعم أنه أموى، ومدحه الشعراء، وأطروه، ولهجوا بذلك، وقال هو في ذلك أيضًا: وَإنِّي [أَنَا] (٥) الهَادِي الخَلِيفَة وَالَّذِي … أَدُوسُ رِقَاب الغُلْبِ الضُّمَّرِ الجُرْدِ وَلابُدَّ مِنْ بَغْدَاد أَطْوِي رُبُوعَهَا … وَأَنْشُرها نَشْرَ السّمَاسِرَةٍ البُرْدِ

стр. 107

وأَنْصُبُ أَعْلَامِي عَلَى شُرفاتِها … وَأُحْيِي بِهَا مَا كَانَ أَسَّسَهُ جَدِّي وَيُخْطَبُ لِي فِيهَا عَلَى كُل مِنْبَرٍ … وَأُظْهِرُ دِينَ الله فِي الغَوْرِ والنَّجْدِ (١) وهذا الادعاء ليس بصحيح، ولا له أصل يعتمد عليه، ولا مستند يستند إليه. قال ابن أبي طى الحلبي: لا يعرف في نسب نجم الدين أكثر من والده شاذي. وحدثني أبي قال: كان تقي الدين عمر يُزيد فيقول: شاذي بن مروان، وسمعت أنا من يقول: شاذي بن مروان بن يعقوب (٢). قال: وأجمع الجماعة من آل أيوب أن دعوي ابن سيف الإسلام أنهم من بني مروان بن محمد الجعدي -آخر خلفاء بني أمية- كذب، وأن جميع آل أيوب لا يعرفون جدَّا فوق شاذي (٣). قال: وكذلك أخبرني السلطان الملك [الناصر] (٤) قال: وصحة دليل ذلك أني وقفت على كتاب وقف رباط النجمي بدمشق (٥)، ولم يزد فيه على نجم الدين أبي سعيد أيوب ابن شاذى العادلي (٦). والمقصود أن الأمير نجم الدين والأمير أسد الدين شيركوه كانا أخوين، وكان نجم الدين أسن من أسد الدين، وُلدا بأرض الموصل (٧). وقال ابن أبي طى "الحلبي" (٨) في تاريخه الكبير: كان مولد نجم الدين أيوب ببلد شَبَخْتان، وقيل: إنه ولد بجبل جور (٩)، وربي في الموصل، ومولد أبيه شاذي في بلد دوين. الثاني: في بيان ابتداء أمره، وانتسابه واتصاله بالدولة: وهو أن أباه شاذي كان من أعيان أهل دوين، وكان له صاحب يقال له جمال الدولة مجاهد الدين

стр. 108

بَهْرُوز (١)، وكان من أظرف الناس، وألطفهم، وكان بينه وبين شاذي أخوة أكيدة، فجرت لبهروز قضية في دوين، فخرج منها حياءً. وذلك أنه أتهم بزوجة بعض الأمراء بدوين، فأخذه صاحبها فخصاه. فلما جرى له ذلك، لم يقدر على الإقامة، فخرج وقصد خدمة أحد الملوك السلجوقية، وهو السلطان مسعود بن غياث الدين محمد بن ملكشاه (٢)، واتصل باللالا (٣) الذي لأولاده، فوجده لطيفًا كافيًا في جميع الأمور، فتقدم عنده وفوض إليه أموره، وجعله يركب مع أولاد السلطان مسعود إذا كان له شغل. فرآه السلطان يومًا مع أولاده فأنكر علي اللالا، فقال: إنه خادم، وأثنى عليه وشكر دينه ومعرفته، ثم صار يسيره إلى السلطان في الأشغال، فخف على قلبه، فلعب معه الشطرنج والنرد (٤)، فحظي عنده، واتفق موت اللالا فجعله السلطان مكانه، وسلم إليه أولاده، وأرصده لمهماته، وسار ذكره في تلك النواحي. فسير إلى شاذي يستدعيه من بلده؛ ليشاهد ما صار إليه من النعمة والدولة، وليقاسمه ما خوله الله تعالى، وليعلم أنه ما نسيه. فلما وصل إليه بالغ في إكرامة والإنعام عليه، واتفق أن السلطان رأى أن يسير المجاهد المذكور إلى بغداد واليًا ونائبًا عنه بها، وكذا كانت عادة الملوك السلجوقية في بغداد، يُسيرون إليها النواب، فاستصحب معه شاذي، فسار هو وأولاده صحبته، وأعطى السلطان لبهروز قلعة تكريت (٥)، فلم يجد من يثق إليه في أمرها سوى شاذي، فأرسله إليها، فمضى وأقام بها مدة، وتوفي بها، فولي مكانه نجم الدين أيوب، فنهض في أمرها، وشكره بهروز وأحسن إليه. وكان أكبر سنًا من أخيه أسد الدين شيركوه. ثم أن شيركوه رأى يومًا امرأه تبكي

стр. 109

فقال (١) لها: ما يبكيك؟ فقالت: أنا داخلة من باب القلعة، فتعرض إلىَّ الاسفهسلار (٢)، فقام شيركوه، وتناول حربة الاسفهسلار، وضربه بها فقتله، فمسكه أخوه نجم الدين واعتقله. وعرف بهروز بذلك، فوصل جوابه: "لأبيكما علىَّ حقٌ، وبيني وبينه مودة متأكدة، ما يمكنني أن أكافئكما بسيئة، ولكني أشتهي أن تتركا خدمتي، وتخرجا من بلدي، وتطلبا رزقكما". فلما وقفا عليه، خرجا. ووصلا إلى الموصل، فأحسن إليهما الأتابك عماد الدين زنكي، والد نور الدين محمود بن زنكي، وأقطعهما إقطاعًا حسنًا. ثم لما ملك الأتابك قلعة بعلبك كما ذكرناه، استخلف بها نجم الدين أيوب، ثم بعد مدة انتقل إلى دمشق، وأقام في خدمة نور الدين محمود بن زنكي، ثم لم يزل معه في السراء والضراء والحضر والسفر حتى صار أكبر الأمراء عنده، فصار لا يقطع أمرًا دونه، ثم أن نور الدين أرسل أخاه شيركوه إلى الديار المصرية ثلاث مرات كما ذكرناه. وكان معه في كل مرة ابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيوب، ثم لما جري ما جرى من أمور المصريين، وغلب عليهم صلاح الدين يوسف، وصار أمر الديار المصرية إليه كما ذكرناه مفصلًا، طلب من نور الدين أن يرسل إليه أباه نجم الدين، فأرسله إليه مع أهله وحاشيته كما ذكرنا. وقال العماد الكاتب (٣): لما دخل فصل النيروز (٤)، استأذن الأمير نجم الدين أيوب نور الدين في قصده ولده صلاح الدين، والخروج من دمشق إلى مصر بأهله وجماعته. وخيم بظاهر البلد، ثم سار، فوصل إلى مصر في السابع والعشرين من رجب من سنة خمس وستين وخمسمائة، وركب العاضد خليفة مصر لاستقباله. ووصف ذلك عمارة اليمني في قصيدة مدح بها السلطان صلاح الدين منها قوله:

стр. 110

صَحَّتْ بِهِ مِصْرُ وَكَانَتْ قَبْلَهُ … تَشْكُو سِقَامًا لَمْ تُعَنْ (١) بِطَبِيبِ عَجَبًا لمُعْجزَة أَتَتْ في عَصْره … وَالدَّهْرُ وَلَّادٌ لِكُلِّ عَجِيبِ رَدَّ الإله بِهِ قَضِيَّةَ يُوسُف … نَسْقًا عَلَى ضَرْبٍ منَ التَّقْرِيبِ جاءَتْهُ إخْوَتهُ وَوَالِدُهُ إلَى … مِصْر عَلَى التَّدْرِيجِ وَالتَّرْتيبِ فَاسْعَدْ بأَكْرَمِ قَادِم وبدولة … قَدْ سَاعَدَتْكَ رِيَاحُهَا بِهُبُوبِ وفي تاريخ الدولتين (٢): وكان بهروز المذكور يُنَفَّذ أمره في جميع العراق إلى البصرة، إلى الموصل، إلى أصفهان. وكانت خيله خمسة آلاف فارس، فأقر نجم الدين في ولاية تكريت، وأضاف إليه النظر في جميع الولاية المتاخمة له، وقرر أمره عند السلطان مسعود (٣). ثم إن عماد الدين زنكي والد نور الدين محمود طمع في أخذ بغداد، ووصل الخبر إلى قراجا الساقي (٤)، وهو أتابك [ابن] (٥) السلطان محمود، فجرد ألف فارس للقاء زنكي، فانهزم زنكي، وقتل جماعة من أصحابه، ونهب جميع ما كان معه في عسكره، وجاء إلى تكريت وبه عدة جراحات. وعلم مكانه الأمير نجم الدين وأخوه شيركوه، فأحسنا إليه وداويا جراحاته، وخدماه أحسن خدمة، فأقام عندهما بتكريت خمسة عشر يومًا، ثم سار إلى "الموصل وأعوزه" (٦) الظهر، فأعطياه "جميع ما كان عندهما من الظهر" (٧) حتى أنهما أعطياه جملة من البقر، حمل [عليها] (٨) ما سلم معه من أمتعته، فكان زنكي بري لنجم الدين أيوب هذه اليد، ويواصله بالهدايا والألطاف مدة مقامه في

стр. 111

تكريت، فلما انفصل منها على ما ذكرنا، تلقاه زنكي بالرحب والسعة، واحترمه احترامًا عظيمًا (١). وقال صاحب تاريخ الدولتين (٢): وكان نجم الدين قد ساس الناس بتكريت أحسن سياسة، حتى ملك بذلك حبات قلوبهم، وكان أخوه شيركوه معه في القلعة، وكان شجاعا باسلًا، ينزل من القلعة ويصعد إليها في أسبابه وحاجاته. وكان نجم الدين لا يفارق القلعة ولا ينزل منها، فاتفق أن أسد الدين شيركوه نزل يومًا لبعض شأنه، ثم عاد إلى القلعة، وكان بينه وبين كاتب صاحب القلعة قوارض، وكان رجلًا نصرانيا، فاتفق في ذلك اليوم أن النصراني صادف أسد الدين صاعدًا إلى القلعة، فعبث به بكلمة مُمِضّة، فجرد أسد الدين سيفه، وقتل النصراني، وصعد إلى القلعة، وكان مهيبًا، فلم يتجاسر أحد على معارضته في أمر النصراني بشيء، وأخذ النصراني برجله، فألقاه من القلعة. وبلغ ذلك إلى بهروز [وحضر] (٣) عنده مَنْ خوَّفه جرأة أسد الدين، وأنه ذو عشيرة كبيرة، وأن أخاه نجم الدين قد استحوذ على قلوب الرعايا، وأنه ربما كان منهما (٤) أمر يخشي عاقبته ويصعب استدراكه، فكتب إلى نجم الدين ينكر عليه ما جرى من أخيه، ويأمره بتسليم القلعة إلى نائب سيرهُ صحبة الكتاب، فأجاب نجم الدين [إلى] (٥) ذلك بالسمع والطاعة، وأنزل من القلعة جميع ما كان له بها من أهل ومال. واجتمع هو وأخوه أسد الدين، وصمما على قصد عماد الدين زنكي بالموصل، فخرجا واتصلا به كما ذكرنا. وقيل إن أسد الدين خرج إلى الموصل قبل نجم الدين، ثم أنه جرى بين أسد الدين وبين جمال الدين الوزير مودة عظيمة، حتي حلف كل واحد منهما للآخر أنه يقوم بأمره في [حياته] (٦) وبعد وفاته، وتجرد جمال الدين في أمر أسد الدين وأخيه نجم الدين، حتى قربهما من قلب أتابك، وجعلهما عنده بالمنزلة العظيمة، وخرجا معه إلى الشام، وشهدا معه حروب الكفار وقتال الإفرنج، لعنهم الله، وكان لأسد الدين في تلك الوقائع اليد البيضاء، والفعلة الغراء.

стр. 112

وقال ابن أبي طى (١): حدثني أبي عن سعد الدولة أبي الميامن عن حسام الدين سنقر غلام نجم الدين أبي طالب -وكان في خدمة نجم الدين أيوب- قال: لما دخل نجم الدين أيوب الديار المصرية إلى ولده صلاح الدين، كنت معه في خدمته، وكانا قد اجتمعا في دار الوزارة، وقعدا على طراحة (٢) واحدة، والمجلس غاصٌّ بأرباب الدولتين، إذ تقدم نصراني كان في خدمة نجم الدين، فقبل الأرض بين يديهما، وقال لنجم الدين: يا مولاي هذا تأويل مقالتي لك حين وُلد هذا السلطان، يعني صلاح الدين، فضحك نجم الدين وقال: صدقت والله، ثم التفت إلى الجماعة الذين حوله من أكابر العلماء والقضاة والأمراء، وقال: لكلام هذا النصراني حكاية عجيبة، وذلك أني ليلة رُزقت هذا الولد -يعنى السلطان صلاح الدين- أمرني صاحب قلعة تكريت "في تلك الليلة" (٣) بالرّحلة عنها، بسبب أخي شيركوه من قتله ذلك النصراني، وكنت قد ألِفْت هذه القلعة وصارت لي كالوطن، فثقل علىّ الخروج منها جدًا، واغتممت. وفي ذلك الوقت جاءني البشير بولادة هذا -يعني صلاح الدين- فتشاءمت به، وتطيرت لما جرى علىَّ، وخرجنا من القلعة، وأنا لا سميته ولا التفت إليه. وكان هذا النصراني معي كاتبًا لى، فلما رأى ما نزل بي، قال: يا مولاي أي شيء لهذا المولود من الذنب، وبما استحق ذلك منه وهو لا يضر ولا ينفع، وهذا الذي جرى عليك قضاء من الله تعالى، ثم ما يُدريك أن هذا الطفل يكون سببًا لوصول الخيرات إليك، ويكون هو ملكا عظيم الصيت، جليل المقدار. فعطَّفني كلامه عليه، وها هو قد جرى ما قال لي. فتعجب الحاضرون من ذلك، وحمد السلطان ووالده الله تعالي وشكراه (٤). ولعمارة اليمني في نجم الدين مدائح ومراثٍ منها: ثَغَرُ الزَّمان بِنَجْم الدِّيِن مُبْتسِمٌ … وَوَجْهُهُ بِدَوَام العِزِّ مُتَّسِمُ يقول فيها:

стр. 113

أَضْحَى بِكَ النِّيلُ مَحْجُوجًا وَمُعْتَمِرَا … كَأَنَّمَا حَلَّ فِيهِ الحِلُّ وَالْحَرمُ إلى أن قال: وَالنَّاصِرُ ابْنُكَ كَافِي كُلِّ مُعضلةٍ … إِذا الْحَوَادِثُ لَمْ تُكْشفْ لَهَا غُمَمُ (١) الثالث في سيرته: وكان شجاعًا باسلًا أمينا خيرًا محسنًا ناصحًا، عظيمًا في أنفس الناس بالخير والدين وحسن السياسة، وكان لا يأتي أحد من أهل العلم والدين "إلا حمل إليه المال والضيافة الجليلة، وكان لا يسمع بأحد من أهل الدين" (٢) في مدينته إلا أنفذ إليه. وقد ذكره العماد الكاتب، وذكر من دينه وعفته، ووفور أمانته وكثرة خيره أشياء كثيرة حسنة. قال ابن خلكان (٣): وكان نجم الدين رجلًا مباركًا كثير الصلاح، مائلًا إلى الخير، حسن النية، جميل الطوية، وظهرت ثمرة بركته في أولاده، وله خانقاه بدمشق تعرف بالنجمية (٤)، وخانقاه بالديار المصرية، ومسجد، وقناة خارج باب النصر من القاهرة، وخانقاه أخرى لطيفة ببعلبك، بناها حين كان نائبًا بها عن عماد الدين زنكي. وفي المرآة: (٥) وكان نجم الدين رجلًا عاقلًا حازمًا شجاعًا حليمًا جوادًا، عاطفًا على الفقراء والمساكين، محبًا للصالحين، قليل الكلام جدًا، لا يتكلم إلا عن ضرورة. ولما قدم مصر سأله ولده صلاح الدين أن يكون هو السلطان، فقال: أنت أولى، وكان يلعب بالأكرة (٦) دائمًا. وقال القاضي ابن شداد (٧): كان شديد الركض بالخيل، يلعب بالأكرة، ومن يراه يلعب بها يقول: ما يموت إلا من وقوعه عن ظهر الفرس.

стр. 114

الرابع في وفاته: خرج نجم الدين يومًا من باب النصر -أحد أبواب القاهرة- فشب به فرسه، فألقاه في وسط المحجة، وذلك يوم الاثنين ثامن عشر ذي الحجة من سنة ثمان وستين وخمسمائة، وحمل إلى داره، وبقى متألمًا، إلى أن توفي يوم الأربعاء سابع عشرى الشهر المذكور، ويقال في الثامن والعشرين منه. وفي تاريخ بيبرس: وكان سبب وفاته أنه تقنطر عن فرسه، فحمل إلى داره، فمات بها. وفي تاريخ الدولتين (١): وعاش ثمانية أيام بعد وقوعه من الفرس، وكانت وفاته يوم الثلاثاء السابع والعشرين من ذي الحجة. وكان ولده صلاح الدين غائبًا عنه في بلاد الكرك والشوبك على الغزاة. وقال القاضي ابن شداد (٢): ولما عاد صلاح الدين من غزاته، بلغه قبل وصوله إلى مصر وفاة نجم الدين أبيه، فشق ذلك عليه؛ حيث لم يحضر وفاته. ومن كتاب فاضلي عن السلطان إلى عز الدين فرخشاه بمصر يقول فيه: صحّ من المصاب بالمولى الدارج، غفر الله له ذنبه، وسقى بالرحمة تُربه، ما عظمت به اللَّوعة، واشتدت الرَّوعة، وتضاعفت لِغيبتنا (٣) عن مشهده الحسرة، فاستنجدنا بالصبر، فأبي، وانحدرت العبرة، فياله فقيدًا فقد عليه العزاء، وهانت بعده الأرزاء. وَتَخَطَّفَتْه يدُ الردَى في غَيْبَتى … هبنْي حضرتُ، فكنتُ ماذا أَصْنَعُ؟!. قال: فدفن نجم الدين إلى جانب قبر أخيه أسد الدين، في بيت بالدّار السلطانية، ثم نقلا بعد [سنتين] (٤) إلى المدينة الشريفة النبوية، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وقبرهما في تربة الوزير جمال الدين الأصفهاني وزير الموصل. وكان جمال الدين المذكور مؤاخيًا لأسد الدين شيركوه كما ذكرنا (٥).

стр. 115

وفي تاريخ القاضي الفاضل: وصل كتاب من المدينة النبوية يوم الخميس رابع صفر من سنة ثمانين وخمسمائة، يخبر بوصول تابوتي (١) الأمير نجم الدين أيوب، وأسد الدين شيركوه، واستقرارهما بتربتيهما، مجاورين الحجرة المقدسة النبوية (على ساكنها أفضل الصلاة والسلام) (٢). الخامس فيما يتعلق به خلف نجم الدين من الأولاد: صلاح الدين يوسف الناصر، وسيف الدين أبو بكر العادل، وشمس الدولة توران شاه، وشاهنشاه، وسيف الإسلام طغتكين، وتاج الملوك بوري. ومن البنات: ست الشام وربيعة خاتون (٣). وقال عمارة اليمني يرثيه: صَفْوُ الحْيَاةِ وَإِنْ طَالَ الْمَدَي كَدَرُ … وَحَادِثُ الدَّهْرِ لَا يُبْقِى وَلَا يَذَرُ وَمَا يَزَالُ لِسَانُ الدَّهْرِ يُنْذِرُنَا … لَوْ أَثَّرَتْ عِنْدَنَا الآَثَارُ وَالنُّذُرُ كَمْ شَامِخِ العِزِّ ذَاقَ الْمَوْتَ مِنْ يَدِهَا … مَا أَضْعَفَ الْقَدْرَ إنْ ألْوَى بِهِ الْقَدَرُ أُوذِي عَلىٌّ وَعُثْمَانٌ بِمِخْلَبهِا … وَلَمْ يَفُتْهَا أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرُ وَمَنْ أَرَاَد التَّأَسِّى فِي مُصِيبَته … فَلِلْوَرَى فِي رَسُولِ الله مُعْتَبَرُ لا قُدِّسَتْ لَيْلَةٌ كَادَتْ مُصِيَبَتُهَا … الأكبادُ حُزْنًا عَلَى أَيُّوب تَنْفَطِرُ كَأَنَّمَا صَوَّر الله الكَمَال به … شَخْصًا وَيوُسُفُ مِنْهُ السَّمْعُ وَالْبَصَرُ إذَا اللَّيَالي تَجَافَتْ عَنْ حُشَاشَتِهِ … فَالجُرْحُ مُنْدَمِلٌ وَاَلذَّنْبُ مغْتَفَرُ يَا نَاصِرَ الْحَقِّ والأَيَّامُ خَاذِلَةٌ … إِنَّ الغَرِيبَ بِغَيِر الدَّمْعِ يَنْتَصِرُ مَا مَاتَ أيُّوبُ إلاَّ بَعْدَ مُعْجِزَةٍ … فِي الخَلْقِ لَمْ يُؤْتَهَا مِنْ جِنْسِهِ بَشرُ مَضَى حَميدًا مِنَ الدُّنيا وَلَيْس لَهُ … فِي رُتْبَةٍ أَرَبٌ مِنْهَا وَلَا وَطَرُ صَلَّي الإلَهُ عَلَى نَجْمٍ أَضَاءَ لَنَا … مِنْ نَسْلِهِ النَيِّرانِ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٤) وهي قصيدة طويلة. وله قصيدة أخرى في مرثيته وأولها هو قوله:

стр. 116

هِيَ الصَّدْمَةُ الأُولَى فَمْنَ بَانَ صَبْرُهُ … عَلَى هَوْلِ مَلْقاهَا [تَضَاعَفَ] (١) أَجْرُه (٢) أَذُمُّ صَبَاحَ الأرْبعَاء فَإنَّهُ … تَبَسَّمَ عَنْ ثَغْرِ المَنيَّة فَجْرهُ أَصَابَ الهُدَى فِي نَجْمِهَ بمُصِيبةٍ … تَدَاعي سِماك الجوِّ مِنْهَا وَنَسْرُه فَلَا تَعْذلُونَا، وَاعْذُرونَا، فَمَنْ بَكَى … عَلَى فَقْد أيُّوبٍ فَقَد بانَ عذْرُهُ أقَامَ بأَعْمَالِ الفُراتِ، وخيْلُه … يُراَعُ بِهَا نِيلُ العَزِيزِ وَمِصْرُهُ إِلَى أَنْ رَمَاهَا مِنْ أَخِيه بِضيْغَم … فَرَى نَابُه أَهْلُ الصَّليبِ وَظُفْرُهُ تَعَاقَبْتُمَا مِصْرًا تَعَاقُبَ وابِلٍ … يَبِيتُ بِقُطْرِ النَّيلِ تنهلُّ قَطْرُهُ نزلتَ بدارٍ حلّها فحللتها … فمغْناك مغْناه، وقطرك "قطره" (٣) وَوَاخَيْتَه فِي البر حَيَّا وَمَيِّتا … فَقَبْرُكَ فِي دَارِ القَرَارِ وَقَبْرُهُ وَقْدَ شَخُصَتْ أهْلُ البَقِيع إليْكُما … وَإلا فَسُكَّانُ الحَجُونِ وَحجرُهُ هَنيئًا لِمَلِكٍ مَاتَ وَالعز عزهُ … وَقُدْرَتُهُ فَوْقَ الرِّجَالِ وَقْدرُهُ وأَدْرَكَ مِنْ طُولِ الحَيَاةِ مُرَادَهُ … وَمَا طَالَ إلاَّ فِي رِضَى الله عُمْرُهُ وَأَسْعَدُ خَلْق الله مَنْ مَاتَ بَعْدَمَا … رأى فِي بَنِى أَبْنائِه مَا يَسُرُّهُ رَعَى الله نَجْمًا تَعْرِفُ الشَّمْس أَنَّهُ … أَبُوهَا، ونورُ البَدْرِ مِنْهَا، وَزَهْرُهُ وَأَبْقَى المَقَامَ النَّاصِرِىَّ، فَإنَّهُ … لِدَوْلَتِكُمْ كَنْزُ الرَّجَاءِ وَذُخْرُهُ (٤) ملك النحاة واسمه الحسن بن أبي الحسن صافي (٥)؛ مولي حسين زين الدين الأرموي، التاجر البغدادي، ولد ببغداد سنة تسع وثمانين وأربعمائة، وقرأ النحو على أبي الحسن الاستراباذي، وأصول الدين على أبي عبد الله القيرواني، وقرأ أصول الفقه. ودخل الشام، واستوطن دمشق، وعاش تحت ظل نور الدين محمود إلى أن مات في سنة

стр. 117

ثمان وستين وخمسمائة في شوال، ودفن بالباب الصغير (١)، وقد جاوز الثمانين سنة، وله ديوان شعر مليح، ومدائح في وصف النبي ﵇. وذكره ابن عساكر، ووصفه بالكرم. وكان يصنع الحلاوات، ويهديها إلى جيرانه وأصحابه وخلانه. قال العماد: ورآه بعض الصالحين، أو بعض أصحابه في المنام، فقال له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لى بأبيات قلتها: يَا رَبُّ هَا قَدْ أَتَيْتُ مُعْتَرِفًا … بِمَا جَنَتْهُ يدَاىَ مِنْ زَلَلِ مَلآنُ كَفٍّ من كُلِّ مَأْثُمَة … صِفْرُ يَدٍ مِنْ مَحَاسِن العمِل وكَيْفَ أخْشَي نَارًا مُسَعَّرَةً … وَأَنْتَ يَا رَبُّ فِي القِيَامَةِ لِي قال: فوالله منذ فرغتُ من إنشادها ما سمعت حسيس النار.

стр. 118

فصل فيما وقع من الحوادث في السنة التاسعة والستين بعد الخمسمائة * استهلت هذه السنة والخليفة هو المستضيء بأمر الله (١)، وصاحب مصر السلطان الملك الناصر يوسف بن أيوب، وصاحب الشام وحلب وغيرهما الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي، غير أنه توفي إلى رحمة الله في هذه السنة على ما نذكره عن قريب إن شاء الله تعالى. فلنذكر أولا ماجريات صلاح الدين، ثم ماجريات نور الدين، ثم نذكر وفاته إن شاء الله. ذكر ماجريات صلاح الدين منها أنه أرسل أخاه شمس الدولة تورانشاه بن أيوب إلى اليمن (٢)، وكان صلاح الدين قد أقطعه قوص وأعمالها، وارتفاعها مائة ألف دينار، ثم تجهز منها، وسافر، ووصل زَبيد (٣)، وقتل ابن المهدي (٤) صاحبها، وكان يلقب أمير المؤمنين، فلما قتله سيّر نواب الحصون مفاتيحها إليه، وهي أحد وأربعون حصنًا. وقال العماد (٥): وفي رجب توجه توران شاه (٦) -أكبر أخوة صلاح الدين- إلى اليمن فملكها، وكان يحثه على المسير إليها عمارة اليمنى (٧)، شاعر القصر، وكان كثير المدح

стр. 119

لتُورَان شاه، فتجهَز وسَار إلى مكة، ثم إلى زبيد فملكها، وقبض على الخارجي (١) بها، وأهلكهـ نائبه سيف الدولة مبارك بن منقذ (٢). ومضى إلى عدن فأخذها واستناب فيها عز الدين عثمان الزنجيلي (٣)، وفتح حصن تعزّ (٤) وغيره من القلاع. وقال ابن شداد (٥): ولما [كانت] (٦) سنة تسع وستين رأي صلاح الدين قوة عسكره وكثرة عدد إخوته وقوّة بأسهم. وكان بلغه أن باليمن إنسانا استولى عليها وملك حصونها، وهو يخطب لنفسه، يسَمَّى عبد النبي بن مهدي، ويزعم أنه ينتشر ملكه إلى الأرض كلها، واستَتبَ أمره، فرأى أن يسيّر إليها أخاه الأكبر الملك المعظم توران شاه، وكان كريما أريحيًا حسن الأخلاق (٧)، فمضى إليها، وفتح الله على يديه، وقتل الخارجي الذي كان بها. وكان أخو هذا الخارجي [قد خرج] (٨) باليمن قبله. وقال ابن أبي طيّ (٩): وكان سبب خروج شمس الدولة إلى اليمن أنه كان كريما جوادا، وكان إقطاعه بمصر لا يقوم بفتوَّته، ولا [ينهض] (١٠) بمروَّته. وكان قد انتظم في سلكه عمارة الشاعر، وكان من أهل اليمن، وكان ورد إلى مصر، ومدح أصحابها. فلما

стр. 120

زالت دولتهم انضوى إلى شمس الدولة ومدحه، وكان إذا خلا بِه يصف له بلاد اليمن وكثرة أموالها وخيرها، وضعف مَن فيها، وأنها قريبة المأخذ لمن طلبها. ومن جملة شعره في ذلك قوله في القصيدة التي أولها: العلْمُ مُذْ كَانَ مُحْتَاجًا (١) إلَى الْعِلْمِ … وَشَفرَةُ السَّيْفِ تَسْتَغني عَنِ الْقَلَمِ كَمْ تَتْرُكُ البيضُ فِي الأَجْفَانِ ظَامِئَةً … إلى المَوَارِدِ فِي الأعْنَاقِ وَالقِمَمِ أَمَامَك الْفَتحُ مِنْ شَامٍ وَمِنْ يَمَنٍ … فَلَا تَرُدّ رؤوسَ الْخَيْل باللُّجم فَعَمُّكَ الْملكُ الْمنصورُ (٢) سَوَّمَهَا … مَنِ الْفُراتِ إِلَى مِصْرٍ بِلَا سَأَمِ (٣) وله قصيدة أخرى منها قوله: أفاتحَ أرضَ النِّيل وهي منيعةٌ (٤) … على كل راجٍ فتْحها ومُؤمّلِ متى توقد النار التي أنت قَادحٌ … بغمْدَانَ [مشبوبًا] (٥) سناها بمنْدلِ وتفتح ما بين الحَصين وأَبْيَنٍ … وصنعاء من حِصْنٍ حَصِينٍ ومَعْقِلِ (٦) وقال ابنُ أبي طي: ووافق ذلك أنه كاتَبَه رجل من أهل اليمن، يقال له هاشم بن غانم، وأطمعه [في المعاونة] (٧) لأن صاحب اليمن عبد النبي كان قد تعدى على هذا الشريف هاشم، فأعلم شمس الدولة أصحابه بعزمه على اليمن فأجابوه، وتجهز، ثم دخل على أخيه السلطان واستأذنه في دخول اليمن، فأذن له، وأطلق له مُغَلّ (٨) قوص (٩) سنة، وزوّده فوق ما كان في نفسه، وأصحبه جماعةً من الأمراء ومقدار ألف فارس خارجا

стр. 121

عمّن سيره من حلقته (١)، وسار في البر والبحر، في البر العساكر، وفي البحر الأسطول يحمل الأزواد والعدد والآلات، فوصل إلى مكة شرفها الله تعالى، فدخلها زائرًا، ثم خرج متوجها منها إلى اليمن، فوصل زَبِيد في أول شوال، فنزل عليها، ولقيه الشريف هاشم بن غانم الحسني، وجميع (٢) الأشراف بنو سليمان (٣) في جمع جم وعدد كثير، فهجم زبيد وتسلمها واحتوى على ما فيها، وقبض على صاحب اليمن -عبد النبي- أخي على (٤) بن مهدى، ثم رحل إلى عدن (٥) وفي صحبته ابن مهدى ففتحها عنوةً، وولاها عز الدين بن الزنجيلي. ثم سار إلى [المخلاف] (٦)، وتسلم الحصون التي كانت في يد ابن مهدي كتعز وغيرها، وسار إلى صنعاء بعد فتح مدينة الجَنَد (٧) وغيرها، فأحرقت صنعاء، فدخلها شمس الدولة فلم يجد فيها إلا شيخا [و] (٨) امرأة عجوزًا، فأقام بها ثمانية أيام، ثم لم يستطع المقام لقلة الميرة، فرجع إلى زَبِيد فوجد ابن منقذ قد قتل عبد النبي بن مهدي. وكان شمس الدولة قد استناب بزَبيد الأمير سيف الدولة المبارك بن منقذ، وأمره بحمله، فلما بعُد شمس الدولة خاف ابن منقذ من فساد أمره، فرأى المصلحة في قتله، فقتله ابن منقذ بزَبِيد. فلما بلغ شمس الدوله قتله استصوبه. ولما "حصل" (٩) شمس الدولة في زَبِيدَ أنفذ إليه صاحب طمار (١٠)، وصالحه هو وباقي الملوك على أداء المال، ثم تتبع تلك الحصون والقلاع فاحتوى عليها جميعها،

стр. 122

وكتب بذلك إلى أخيه الملك الناصر صلاح الدين، فأرسل إلى نور الدين يخبره بذلك، فأرسل نور الدين مهذب الدين أبا الحسن علي بن عيسى النقاش بالبشارة بذلك إلى بغداد. وذكر العماد الأمير مجد الدين سيف الدولة المبارك بن كامل بن منقذ المستناب بزَبِيدَ، ووصفه بأنه من الكفاة "الرماة" (١) والدُّهاة ذوي الآراء، وأنه فاضل من أهل بيت فضل، كتب العماد من شعره: لما نزلتُ الدَّير قُلْتُ لصَاحبي … قُم فاخطُب الصَّهْباءَ من شَمّاسِه فأتي وفي يُمناه كأسٌ خِلْتُها … مقبوسَةً في اللّيل من نبراسه وكأنّ ما في كأسه من خَدّه … وكأنّ ما في خَدِّه من كَاسِه وكأن لذَّةَ طَعْمها من رِيقِه … وأريجُها الفيَّاحُ من أنْفَاسِه لم أنسَ ليلة شُرْبِها بغنائه … إذ بات يجْلُوها على جُلاسِه إذ قام يَسْقِينَا المُدام وكُلَّما … عاتَبْتُه (٢) ردَّ الجوابَ بِراسِه ومدحه أبو الحسن بن الذَّروى المصرى (٣) بقصيدة غراء ذالية، ما أظن أنه نُظِمَ على قافية الذال أرق منها لفظا وأروق (٤) معنى، أولُهَا: لك الخيرُ عرِّج بي (٥) على رَبْعِهم فَذِي … رُبوعٌ يفوح المِسْكُ من عَرْفِها الشَّذِى مَبَارِكُ عِيسِ الوَفد بَابُ مُباركٍ (٦) … وهل منقذُ القُصَّاد غيرُ ابن مُنْقذِ وفي المرآة (٧): لما سار شمس الدولة إلى اليمن، وكان أعيانها قد كتبوا إلى صلاح الدين؛ يسألونه أن يبعث إليهم بعض أهله، فلما وصل شمس الدولة إلى مكة، صعد

стр. 123

صاحبها إلى أبي قبيس (١)، فتحصن فيه (٢) بقلعة بناها عليه، وأغلق باب الكعبة وأخذ المفاتيح، فجاء شمس الدولة فطاف بالبيت، وصلى ركعتين وصعد إلى باب الكعبة، وقال: اللهم إن كنت تعلم أني جئت إلى هذه البلاد لإصلاح العباد وتمهيدها، فيَسِّر علىّ فتح الباب، وإن كنت تعلم أني جئت لغير ذلك فلا تفتحه. ومدَ يدَه فجذب القفل فانفتح (٣)، فدخل شمس الدولة إلى البيت وصلى ودعا. فلما بلغ أمير مكة ذلك نزل إلى خدمته، وحمل المفاتيح واعتذر وقال: خفت منك، والآن فأنا تحت طاعتك. فقال له: إذا أخذت منك مفاتيح مكة فلمن أعطيها، ثم خلع عليه وعلى أصحابه، وطيب قلوبهم. وسار إلى اليمن، فانهزم عبد النبي بين يديه إلى زَبيد. وكان أبوه المسمى بالمهدي قد فتح البلاد، وقتل خلقًا كثيرا، وشق بطون الحوامل، وذبح الأطفال على صدور أمهاتهم. وكان يرى رأي القرامطة (٤)، ويظهر أنه داعية "لصاحب" (٥) مصر، ويتستر بالإسلام (٦). وكان قد مات قبل دخول شمس الدولة اليمن بسنين، وملك بعده ولده عبد النبي، ففعل باليمن أشد مما فعله أبوه، وسبى [نساءهم] (٧) واستعبدهم. وكان أبوه لما مات بني عليه قبةً عظيمةً وصَفَّح حيطانها بالذهب الأحمر والجواهر ظاهرا وباطنا، بحيث لم يعمل في الدنيا مثلها، وجعل فيها قناديل الذهب وستور الحرير، ومنع أهل اليمن (٨) من زَبِيدَ إلى حضرموت أن يحجوا إلى

стр. 124

الكعبة، وأمرهم بالحج إلى قبر أبيه، وكانوا يحملون إليها من الأموال كل سنة ما لا يحد ولا يوصف (١)، ويطوفون حولها مثل ما يطاف (٢) بالكعبة، ومن لم يحمل مالا قتله، وكانوا يقصدونها من البحر، فاجتمع فيها أموال عظيمة. وأقام عبد النبي على الظلم والفسق والفجور، وذبح الأطفال، وسفك الدماء، وسبي النساء، إلى أن دخل شمس الدولة إلى اليمن وجاء إلى زبيد. فيقال: إنه حصر عبد النبي فيها وأمَّنه وقيده وقتله. ويقال: أنه انهزم بين يديه، وجاء إلى قبة أبيه فهدمها، وأخذ ما كان فيها من المال والجواهر والفضة، وكان على ستمائة جمل، ونبش القبر وأحرق عظام أبيه وذراها في الريح. ومضى إلى صنعاء، فحلف شمس الدولة أنه لا ينتهي عنه حتى يقتله ويحرقه كما فعل بأبيه، وصار خلفه فرجع إلى زبيد، وعاد شمس الدولة إليها فظفر به، فأخذ ما كان معه وقتله وصلبه وحرقه كما فعل بعظام أبيه. وفي تاريخ ابن كثير (٣): ولما وصل شمس الدولة زَبِيد، خرج إليه عبد النبي فقاتله، فانهزم، وأسره شمس الدولة وأسر زوجته الحرة، وكانت ذات أموال جزيلة، فاستقرها على أشياء جزيلة، وذخائر جليلة، ونهب الجيش زَبِيدَ، ثم سار إلى عدن فقاتله صاحبها ياسر، فهزمه توران شاه، وأخذ البلد بيسير [من الحصار] (٤) ومنع الجيش من نهبها. وقال: ما جئنا لنخرب البلاد، وإنما جئنا لعمارتها وملكها. ثم سار في الناس سيرة حسنة عادلة فأحبوه. واستوسق (٥) له ملك اليمن، وخَطب فيها للخليفة العباسي المستضيء (٦) بأمر الله، وقتل الداعي المسمى بعبد النبي (٧).

стр. 125

ومنها إرسال صلاح الدين بالهدايا إلى نور الدين ﵀. قال ابن أبي طىّ (١): وفي هذه السنة وصل رسول نور الدين، وهو الموفق بن القيسراني، واجتمع بالملك الناصر، وأنهى إليه رسالة نور الدين، وطالبه بحساب جميع ما حصَّله وارتفع إليه من ارتفاع (٢) البلاد، فصعب ذلك على السلطان، وأراد شق العصا، لولا ما ثاب إليه من السكينة ثم أمر النواب بعمل الحساب، وعرضه على ابن القيسراني، وأراه جريدة (٣) الأجناد بمبلغ إقطاع وكميات جامكيتهم (٤) ورواتب نفقاتهم. فلما حصل عنده جميع ذلك، أرسل معه هدية (٥) إلى نور الدين على يد الفقيه [عيسي] (٦). قال: ووقفت على برنامج شرحها بخط الموفق بن القيسراني وهي: خمس ختمات [إحداها] (٧) ختمة ثلاثون جزءًا مغشاة بأطلس أزرق، مضببة بصفائح ذهب، وعليها أقفال ذهب، مكتوبة بذهب، بخط يانسي (٨)؛ وختمة بخط راشد مغشاة

стр. 126

بديباج فُسْتُقى عشرة أجزاء؛ وختمة بخط ابن البواب (١)، مجلد واحد بقفل ذهب؛ وختمة بخط مهلهل، جزء واحد، وختمة بخط الحاكم البغدادي؛ وثلاثة أحجار بلخش (٢)، حجر وزنه اثنان وعشرون مثقالا، وحجر وزنه اثنا عشر مثقالا، وحجر وزنه عشرة مثاقيل ونصف؛ وست قصبات زمرد (٣)، قصبة وزنها مثقالان وربع وسدس، وقصبة وزنها مثقالان وثلث، وقصبة وزنها مثقالان ونصف، وقصبة وزنها ثلاثة عشر مثقالا وثلث وربع، وقصبة وزنها ثلاثة مثاقيل؛ وحجر ياقوت وزنه سبعة مثاقيل؛ وحجر أزرق وزنه ستة مثاقيل وسدس؛ ومائة عقد جوهر مختومة وزنها (٤) ثمانمائة وسبعة وخمسون مثقالا؛ و [خمسون] (٥) قارورة دهن بلسان (٦)، وعشرون قطعة بلور؛ [أربع عشرة قطعة] (٧) جزع (٨)، وذكر تفصيلها؛ إبريق يشم (٩)، طشت يشم سقرق (١٠) مينا مذهب؛ صحون صيني وزبادي وسكارج (١١)؛ أربعون قطعة عود طيب، قطعتين كبار؛ كرتان وزن أحديهما ثلاثون رطلا

стр. 127

بالمصري والأخرى [واحد] (١) وعشرون رطلا؛ ومائة ثوب أطلس؛ وأربعة وعشرون بَقْيَارا (٢) مُذهبة؛ وأربعة وعشرون ثوبا حريريا؛ وأربعة وعشرون ثوبا من الوَشي حريرية بيض؛ حلة فلفلي مذهبة؛ حلة مرايش صفراء مُذهبة. وذكر غير ذلك أنواعا من القماش قيمتها مائتان وخمسة وعشرون ألف دينار مصرية، وعدة من الخيل والغلمان والجواري، وشيئًا كثيرا من السلاح على اختلاف ضروبه. قال: وخرجوا بهذه الهدية فلم تصل إلى نور الدين؛ لأنه (٣) اتصل بهم وفاته، فمنها ما أعيد ومنها ما استهلك، لأن الفقيه عيسي وابن القيسراني وضعا [عليها من نهبها] (٤) واستبدَّا بأكثرها. وقيل إنها وصلت جميعها إلى السلطان؛ لأنه اتصل به خبر موت نور الدين؛ فأنفذ من ردّها. قال: وحدثني من شاهد هذه الهدية أنه كان معها عشرة صناديق مالًا لا يعلم (٥) مقداره (٦). ومنها أن صلاح الدين صلب في رمضان منها جماعة من أعيان المصريين؛ فإنهم قصدوا الوثوب عليه، وإعادة الدولة العلوية (٧)، فعلم بهم وصلبهم عن آخرهم (٨). فمنهم عبد الصمد الكاتب، والقاضي [العورِيس] (٩)، وداعى الدُعاة (١٠)، وعمارة بن على اليمني الشاعر الفقيه الشافعي.

стр. 128

وفي تاريخ ابن كثير (١): اجتمع نجم الدين عمارة الشاعر اليمني الفقيه الشافعي مع جماعة من رؤس الدولة الفاطمية الذين كانوا حكاما، فاتفقوا فيما بينهم أن يعيدوا الدولة الفاطمية، وكتبوا إلى الإفرنج يستدعونهم إليهم، وعينوا خليفة من ذرية الفاطميين، ووزيرا وأمراء في غيبة السلطان صلاح الدين ببلاد الكرك، ثم اتفق مجيؤه وحرض عمارة اليمني شمس الدولة توران شاه على المسير (٢) إلى اليمن؛ ليخف الجيش ويضعف عن مقاومة الفرنج إذا قدموا لنصرة الفاطميين. فخرج توران شاه ولم يخرج معه عمارة إلى اليمن، بل أقام بالقاهرة يفيض في هذا الحديث، [ويداخل] (٣) المتكلمين فيه، وكان من أكابر الدعاة إليه والمحرضين عليه. هذا وقد أدخلوا معهم في هذا الأمر بعض من ينسب إلى الملك الناصر؛ وذلك من قلة "عقلهم وكثرة جهلهم" (٤). فخانهم أحوج ما كانوا إليه، وهو الشيخ زين الدين علي بن نجا الواعظ (٥)، جاء إلى السلطان الملك الناصر، فأخبره بما تمالأ القوم عليه، وبما انتهى أمرهم إليه، فأطلق له السلطان أموالا جزيلة، وأفاض عليه حللا جميلة، ثم استدعاهم السلطان واحدًا واحدًا، فقررهم فأقروا له بذلك، فاعتقلهم، ثم استفتى الفقهاء في أمرهم فأفتوه بقتلهم (٦)، وتبدد شملهم. فعند ذلك أمر بصلب رؤوسهم وأعيانهم دون أتباعهم وغلمانهم، وأمر بنفي من بقي من جيش العبيديين إلى أقاصى البلاد، وأفرد ذرية العاضد وأهل بيته في دار، فلا يصل إليهم إصلاح ولا إفساد، وأجرى عليهم من الأرزاق كفايتهم (٧). وقد كان عمارة معاديا للقاضي الفاضل (٨) فلما أحضر بين يدي السلطان، قام القاضي الفاضل فاجتمع

стр. 129

بالسلطان ليشفع فيه، فتوهم [عمارة] (١) أنه يكلمه فيه فقال: يا مولانا السلطان لا تسمع منه. فغضب القاضي الفاضل، ونهض وخرج من القصر، فقال له السلطان: إنه كان قد شفع فيك، فندم ندمًا عظيمًا، ولما ذهب به ليُصْلب اجتاز بدار القاضي، فطلبه، فتغيب عنه، فأنشد عند ذلك: عُبَيدُ (٢) الرحيم قد احْتجَبْ … إنَّ الخلاصَ هو الْعَجَبْ (٣) وفي تاريخ الدولتين (٤): وكان صلب المذكورين يوم السبت ثاني شهر رمضان، وكان الذين صلبوا منهم: المفضل (٥) بن كامل (٦) القاضي، وابن عبد القوى الداعي، والعوريس (٧)، وكان قد تولى ديوان النظر (٨) ثم القضاء بعد ذلك، وشبرما (٩) كاتب السر، وعبد الصمد أحد أمراء المصريين، ونجاح الحمامي، ورجل منجم نصراني أرمني، كان قال لهم إن أمرهم يتم بطريق علم النجوم، وعمارة اليمنى الشاعر. قال العماد في البرق: ووصل من صلاح الدين يوم وفاة نور الدين إلى دمشق كتاب يتضمن هذه القضية، وهو بخط ابن قريش يعني المرتضي (١٠). وفي قضية عماره هذه

стр. 130

يقول: العلامة تاج الدين (١) الكندي ﵀ قال أبو شامة (٢): نقلته من خطه: عُمارَةُ في الإسلام أبْدَى خيانةً (٣) … وبايعَ فيها بَيْعةً وصَليبَا وأمسى شريكَ الشِّرك في بُعض أحمد … فأصْبح في حُبِّ الصَّليبِ صَليبَا وكان حثيث (٤) الملتقَى إنْ عَجَمْتَهُ … تجِدْ منه عُودًا في التِّفاق صَليبَا سيلقى غدًا ما كان يَسْعَى لأجْله … ويُسْقى صَديدًا في لظى وصَليبَا قلت (٥): الصليب الأول صليب النصارى، والثاني بمعني مصلوب، والثالث من الصلابة، والرابع وَدَك العظام. وقيل هو الصديد أي يُسقى ما يسيل من أهل النار، نعوذ بالله منها (٦). وقال ابن أبي طىّ الحلبي: وكان (٧) داعى الدعاة يعلم بدفائن القصر، فعوقب؛ ليُعْلِم بها، فامتنع من ذلك، فمات واندرست. ذكر ماجريات نور الدين ﵀ منها أن نور الدين قد فتح من حصون الروم مرعش (٨) وغيرها (٩)، ومليح بن لاون متملك الأرمن في خدمته (١٠)، ووصل إلى خدمته أيضا ضياء الدين مسعود بن

стр. 131

قفجاق (١) صاحب ملطية (٢)، وكان في خدمته أيضا الأمراء من البلاد (٣)، وأظهر أنه ينزل على قلعة الروم (٤) على (٥) الفرات، فبذل له صاحبها خمسين ألف دينار على سبيل الجزية، ثم عاد إلى حلب، وأراد أن يُسرع إلى دمشق، فتوقف لمرض سَرِيته، فتصدق عنها بألوف، والتزم لله في شفائها بنذور ووقوف، ثم سيرها في محفة تحمل على أيدي الرجال، وتأخر نور الدين جريدة مع عدة من مماليكه، ثم سار على طريق سَلَمْية (٦)، فجاءَه الخبر أن الفرنج قد أغارت على حوران (٧)، فثنى إلى الجهاد العنان، وسمع الفرنج به فتفرقوا، ودخل دمشق (٨). ومنها أنه في جمادى الأولى أبطل فريضة الأتبان (٩)، وكتب بذلك منشورًا (١٠) وعلامته بخطه "الحمد لله". يقول فيه: وبعد فإن من سُنتنا العادلة، وسير آبائنا الزاهرة، وعوائد دولتنا القاهرة، إشاعة المعروف، وإغاثة الملهوف، وإنصاف المظلوم، وإعفاء رسم ما سنّه الظالمون من جائرات الرسُوم. ومانزال نجدِّد للرعيّة رسمًا من الإحسان يرتعون في رياضة، ويرتوون من (١١) حياضه، ونستقرئ أعمال بلادنا المحروسة، ونصفّيها من الشبه والشوائب، ونلحق ما يعثر عليه من بواقي رسومها الضائرة بما أسقطناه من المكوس

стр. 132

والضرائب؛ تقربا إلى الله تعالى، الكافل لنا بسبوغ المواهب وبلوغ المطالب. وقد أطلقنا جميع ما جرت العادة بأخذه من فريضة الأتبان المقسطة على أعمال دمشق المحروسة، وضياع الغوطة، والمرج، وجبل سنير (١)، وقصر حجاج (٢)، والشاغور (٣)، والعقيبة (٤)، ومزارعها الجارية في الأملاك، وجميع ما يُقسّط بعد المقاسمة من الأتبان على الضياع الخواص والمقْطعة، بسائر الأعمال المذكورة، ووفّرناه على أربابه؛ طلبًا لمرضاة الله وعظيم أجره وثوابه، وهربًا من انتقامه وأليم عقابه. وسبيل الثواب (٥) إطلاق ذلك على الدوام، وتعفية آثاره، [والاستعفاء] (٦) من أوزاره، والاحتراز من التدنس بأوضاره، وإبطال رسمه من الدواوين؛ لاستقبال سنة تسع وستين، وما بعدها على تعاقب الأيام والسنين. ومنها أن نور الدين تكلف في هذه السنة بإفادة الألطاف، والزيادة في الأوقاف، وتكثير الصدقات، وتوفير النفقات، وكسوة النسوة الأيامي في أيامها، وإغناء فقراء الرعية وإنجادها بعد إعدامها، وصَون الأيتام والأرامل ببَذله، وعون الضعفاء وتقوية المقوين بعدله (٧). ذكر وفاة نور الدين والكلام فيه على أنواع: الأول في ترجمته: هو السلطان الجليل الملك العادل، أبو الغنائم، نور الدين محمود (٨) بن الملك الأتابك، قسيم الدولة عماد الدين أبي سعيد زنكي، ابن الملك آقسنقر الأتابك الملقب بقسيم الدولة أيضا، المعروف بالحاجب بن عبد الله. وكان

стр. 133

آقسنقر (١) مملوك السلطان ملكشاه (٢) ابن السلطان ألب أرسلان السلجوقي كما ذكرنا. فنور الدين أيضا تركي سلجوقي ولاءً، ولد وقت (٣) طلوع الشمس يوم الأحد السابع عشر من شوال سنة إحدى عشرة وخمسمائة بحلب، ونشأ في كفالة والده، صاحب حلب والموصل وغيرهما من البلدان الكثيرة، وتعلم الفروسية والرمي. الثاني في ألقابه: السلطان الملك العادل العالم العامل الزاهد العابد الورع المجاهد المرابط نور الدين، وعدته ركن الدين، وسيفه قسيم الدولة، وعمادها اختيار الخلافة، ومقرها ورضى الإمامة وأمرها فخر الملة ومخبرها شمس المعالى، وفلكها سيد ملوك الشرق والغرب، وسلطانها محيى العدل في العالمين، منصف المظلومين من الظالمين، ناصر دولة أمير المؤمنين. ثم إن نور الدين أسقط الجميع قبل موته، وقال: اللهم وأصلح عبدك الفقير محمود بن زنكي. ورُوى أنه كتب رقعة بخطه إلى وزيره خالد بن القيسراني، يأمره أن يكتب له صورة ما يدعى له "به" (٤) على المنابر، وكان مقصوده صيانة الخطيب عن الكذب، ولئلا يقول ما ليس فيه، فكتب ابن القيسراني كلامًا، ودعا له فيه، ثم قال: وأرى أن يقال على المنبر: اللهم وأصلح عبدك الفقير إلى رحمتك، الخاضع لهيبتك، المعتصم بقوتك، المجاهد في سبيلك، المرابط لأعداء دينك، أبا القاسم محمود بن زنكي، ابن آقسنقر، ناصر أمير المؤمنين. فإن هذا ما يدخله كذب ولا تزيده (٥). فكتب نور الدين على رأسها بخطه: مقصودي أن لا يكذب على المنبر، أنا بخلاف كل ما يقال، [لا] (٦) أفرح بما لا أعمل.

стр. 134

الثالث في صفته: قال ابن خلكان (١): كان أسمر اللون، طويل القامة، حسن الصورة، ليس بوجهه شعر سوى ذقنه. وقال ابن كثير (٢): كان حلو العينين، واسع الجبين، تركي الشكل، ليس له لحية إلا في حنكهـ. وفي المرآة (٣): وكان معتدل القامة، واسع الجبهة، بلحيته شعرات خفيفة في حنكهـ. ونشأ على الخير والصلاح وقراءة القرآن والعبادة. الرابع في سيرته: كان ملكا مهيبا متواضعا، عليه جلالة ونور، [يعظم الإسلام وقواعد الدين، ويعظم الشرع (٤)]. وقال ابن خلكان (٥): وكان ملكا عادلا، زاهدا، عابدًا، ورعًا، مستمسكا بالشريعة، مائلا إلى أهل الخير، مجاهدًا في سبيل الله. وفي تاريخ الدولتين (٦): ولقد كان من أولياء الله المؤمنين، وعباده الصالحين، وجمع الله له من العقل المتين، والرأي الثاقب الرصين، والاقتداء بسيرة السلف الماضيين، والتشبه بالعلماءِ والصالحين، والإصغاء لسيرة مَن سلف منهم في حسن سمتهم، والاتباع لهم في حفظ حالهم ووقتهم، حتي روي في حديث المصطفى ﷺ وأسمعه. وكان قد استجيز له ممن سمعه وجمعه؛ حرصا منه على الخير في نشر السنة بالأداءِ والتحديث، رجاء أن يكون ممن حفظ على الأمة أربعين حديثًا، كما جاء في الحديث. فمن رآه شاهد من جلال (٧) السلطنة، وهيبة الملك ما يبهره، فإذا فاوضه رأى من لطافته وتواضعه ما يحيره. يحبُ الصالحين، ويؤاخيهم، ويزورُ مساكنهم. لحسن ظنه فيهم، وإذا احتلم مماليكه أعتقهم، وزوَّج ذكرانهم بإناثهم ورزقهم؛ ومتى تكررت الشكاية إليه من أحد من ولاته، أمره بالكف عن أذى من تظَّلم

стр. 135

بشكاته، فمن لم يرجع منهم إلى العدل، قابله بإسقاط المنزلة والعزل. فلما جمع الله له من شريف الخصال، يسر له جميع ما يقصده من الأعمال، وسهل على يديه فتوح (١) الحصون والقلاع، ومكن له في البلدان والبقاع (٢). وفي تاريخ ابن العميد: وكان ملكا عظيما، جليلا، عابدًا، سخيا، كريما، صالحا، معدودا من الأبدال (٣). وفي تاريخ ابن العميد: ولما اشتهر من قلة ابتهاجه بالشعر، لما علم من تزيد الشعراء، وهي طريقة عمر بن عبد العزيز (﵁) زاهد الخلفاء. قال يحيى بن محمد الوهراني في مقامة له، وقد سئل في بغداد عن نور الدين: هو سهم للدولة سديد، وركن للخلافة شديد، وأمين زاهد وملك مجاهد، تُساعده الأفلاك، وتعضده الجيوش والأملاك، غير أنه عرف بالمرعى الوبَيل لابن السبيل، وبالمحل الجدب (٤) للشاعر الأديب، فما يرزي ولا يعزى، وما لشاعر عنده من نعمة تجزي، وإياه عُنى أسامة بن منقذ (٥) بقوله: سلطاننا زاهد والناسُ قد زهدوا … [له] (٦) فكلٌّ على الخيرات مُنكمشُ أيامُه مثل شهر الصوم طاهرةٌ … من المعاصي وفيها الجوعُ والعطشُ وقال صاحب التاريخ: ما كان يبذل أموال المسلمين إلا في الجهاد، وما يعود نفعه على العباد، وكان كما قيل في حق عبد الله بن محيريز؛ وهو من سادات التابعين بالشام. قال يعقوب بن سفيان الحافظ: حدثنا ضمرة عن الشيباني (٧) قال: كان ابن الديلمي من

стр. 136

أنصر الناس لإخوانه، فذكر ابن محيريز في مجلسه، فقال رجل: "كان رجلا بخيلا" (١)، فغضب ابن الديلمي وقال: كان جوادا حيث يحب الله، بخيلا حيث تحبون. وأما شعر ابن منقذ فلا اعتبار به، فهو القائل في ليلة الميلاد يمدح نور الدين: في كلِّ عامٍ للبريَّة ليلةً … فيها [تُشَبُّ] (٢) النارُ بالإيقادِ لكِنْ لنورِ الدّين مِن دُونِ الوَرى … نارينِ نارُ قِرًى ونارُ جهادِ أبدًا يُصَرِّفُها نداهُ وبأسُه … فالعامُ أجمعُ ليلةَ الميلادِ مَلكٌ له في كلِّ جِيدٍ مِنَّةٌ … أَبْهَي من الأَطْواقِ في الأَجْيادِ أعلى الملوكَ يدًا وأمْنعُهم حِمًى … وأمَدُّهم كفًا ببَذْل تلادِ يعْطِى الجَزيلَ من النوالِ تبرُّعًا … مِن غيرِ مَسْألةٍ ولا مِيعادِ لازالَ في سَعْدٍ ومُلْكٍ دائمٍ … ما دامَت الدُّنيا بغيرِ نفادِ ولقد أكثر ابن منير (٣)، وابن القيسراني (٤)، والعماد الكاتب وغيرهم من مدح نورَ الدين بالكرم والجود، "وذلك كله" (٥) يردّ قول الوهراني (٦) وابن منقذ. على أن ابن منقذ قد رددنا شعره لشعره كما تراه. وإنما الشعراء وأكثر الناس كما قال الله [تعالى] (٧) في وصف قوم: ﴿فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا [مِنْهَا] (٨) إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾. وما كل وقت يتفق العطاء، ويفعل الله ما يشاء.

стр. 137

الخامس في شجاعته (١): كان يقال إنه لم يُر على ظهر الفَرس أحسن ولا أثبت منه، وكان حسن اللعب بالأكرة (٢)، وربما ضربها، ثم يسوق وراءها، ويأخذها من الهواء بيده، ثم يرميها إلى آخر الميدان، ولم يُرَ جوكانه (٣) يعلو على رأسه، ولا يرى الجوكان في يده؛ لأن الكم ساتر لها. كان شجاعا صبورا في الحرب، يضرب به المثل في ذلك، وكان يقول: قد تعرضت للشهادة غير مرة. فقال له يوما الفقيه قطب الدين النيسابوري: بالله يا مولانا [لا] (٤) تخاطر بنفسك؛ فإنك لو قتلت قتل جميع من معك، وأخذت البلاد. فقال: أسكت يا قطب الدين، من هو محمود؟! [و] (٥) من كان يحفظ البلاد قبلى؟! الله الذي لا إله إلا هو. قال: فبكى من حضر. وكان إذا حضر الحرب شد تركاشين (٦)، وحمل قوسين، وباشر الحرب بنفسه، وشجاعته ظاهرة في غزواته وفتوحاته على ما ذكر في السنين المتقدمة. السادس في ورعه وزهده: وقال ابن الأثير في تاريخه (٧): قد طالعت تواريخ الملوك المتقدمين من قبل الإسلام إلى يومنا هذا، فلم أر فيها بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز ﵃ ملكًا أحسن سيرة من نور الدين، ولا أكثر تحريا للعدل والإنصاف منه. وقال الحافظ ابن عساكر (٨) ﵀: وكان لا يأكل ولا يلبس ولا يتصرف فيما يخصه إلا من مِلك اشتراه من سهمه من غنائم الكفار، وكان يُحضر الفقهاء ويستفتيهم فيما يحل له من تناول الأموال، فأفتوه من جهات عينوها، فلم يتعد إلى غيرها، ولم

стр. 138

يلبس حريرا قط، ولا ذهبا ولا فضة، ومنع من بيع الخمر في بلاده، وكان يحد شاربها، والناس عنده سواء في ذلك، وكان كثير الصيام، وله أوراد في الليل والنهار، وكان يقدم أشغال المسلمين عليها، ثم يتم أوراده (١). وكان قد تزوج الخاتون (٢) بنت معين الدين [أُنر] (٣)، فطلبت منه زيادة نفقة، وقال: قد فرضتها ما يكفيها، والله لا أخوض جهنم بسببها، وهذه الأموال ليست لى، وإنما هي للمسلمين، وأنا خازنهم، فلا أخونهم فيها، ولي بحمص ثلاثة (٤) دكاكين، اشتريتها من الغنائم، قد وهبتها لها، وكان يحصل منها قدر يسير (٥). وكان أول من بنى دار العدل (٦) بدمشق، وسماها دار الكشف؛ وسببه أن الأمراء لما قدموا دمشق اقتنوا الأملاك، واستطالوا على الناس خصوصًا أسد الدين شيركوه (٧)، وكثرت الشكاوى إلى القاضي [كمال الدين] (٨)، فلم يقدر على الإنصاف من أسد الدين، فشكوا إلى نور الدين، وأمر ببناء دار العدل، فأحضر أسد الدين شيركوه أصحابه

стр. 139

وديوانه، وقال: إن نور الدين ما بني هذه الدار إلا بسببي وحدي؛ لينتقم مني، وإلا فمن هو الذي يمتنع على كمال الدين، والله لإن أحضرت إلى دار العدل بسبب واحد منكم لأصلبنه، فإن كان بينكم وبين أحد منازعة فأرضوه مهما أمكن، ولو أتي على جميع ما في يدي، فإن خروج أملاكي من يدي أهون من أن يراني نور الدين بعين ظالم، ويسوى بيني وبين آحاد العوام، ففعلوا وأرضوا الخصوم. فجلس نور الدين في دار العدل، وقال للقاضي: ما أري أحدا يشكو من شيركوه، فأخبره الخبر، فسجد وقال: الحمد لله الذي جعل أصحابنا ينصفون من نفوسهم قبل حضورهم عندنا. وكان نور الدين يقعد في دار العدل في كل أسبوع أربعة أيام أو خمسة (١)، ويحضر عنده العلماء والفقهاء، ويأمر بإزالة الحاجب والبواب، ويوصل إليه الشيخ الضعيف والعجوز الكبيرة، ويسأل الفقهاء عما أشكل عليه. وكان إذا مات أحد من جنده أو قتل وله ولد؛ فإن كان كبيرا أقر الإقطاع عليه، وإن كان صغيرا رتب معه من يتولى أمره إلى أن يكبر (٢). وما كان أحد من الأمراء يتجاسر أن يجلس عنده؛ من هيبته (٣)، فإذا دخل عليه فقير أو عالم أو رب خرقة (٤) قام ومشى إليه، وأجلسه إلى جانبه، ويعطيهم الأموال، فإذا قيل له في ذلك، يقول: هؤلاء لهم حق في بيت المال، فإذا قنعوا منا ببعضه، فلهم المنة علينا (٥). وأسقط ما كان يؤخذ من دار بطيخ (٦)، وسوق الخيل والغنم، والكيالة، وجميع المكوس (٧). وعاقب على شرب الخمر.

стр. 140

وكان كثير المطالعة في الكتب الدينية، متبعا الآثار النبوية، مواظبا على الصلوات الخمس في الجماعات، عاكفا على تلاوة القرآن، حريصا على فعل الخير، عفيف البطن والفرج، مقتصدا في الإنفاق، متحريا في المطعم والمشرب والملبس. لم تسمع منه كلمة فحش قط، لا في رضاه ولا في غضبه، هذا مع ما جمع الله فيه من العقل المتين، والرأي الصائب الرصين، والاقتداء بسنة السلف الصالحين حتي روي حديث المصطفى [وأسمعه] (١)، وكان قد استجيز له ممن سمعه وجمعه؛ حرصا منه على الخير، ونشر السنة والتحديث، ورجاء أن يكون ممن حفظ على الأمة أربعين حديثًا، كما جاء في الحديث. وكان يكتب خطًا حسنا، وكان عارفًا بمذهب أبي حنيفة (﵁)، وليس عنده تعصب على أحد، والمذاهب كلها سواء. وقال ابن الأثير (٢): وكان يوما يلعب بالأكرة في ميدان دمشق، فجاء رجل، فوقف بإزائه، وأشار إليه، فقال للحاجب: أسأله ما حاجته، فسأله، فقال: لى مع نور الدين حكومة، فرمى الصولجان من يده، وجاء إلى مجلس القاضي كمال الدين بن الشهرزوري، وتقدمه الحاجب يقول للقاضي: قد قال لك: لا تنزعج واسلك معه ما تسلكه مع آحاد الناس، فلما سوى بينه وبين خصمه، وتحاكما، فلم يثبت للرجل عليه حق، وكان يدعى مُلكا في يد نور الدين، فقال نور الدين للقاضي والعدول: هل ثبت له عليّ حق؟ قالوا: لا، قال: فاشهدوا أني قد وهبت له هذا المُلك، وقد كنت أعلم أنه لا حق [له] (٣) عندي، وإنما حضرت معه؛ لئلا يقال عنى: إني دُعيت إلى مجلس الشرع فأبيت (٤).

стр. 141

قال (١): ودخل يوما إلى خزائنه، فرأى مالا كثيرا، فقال: من أين هذا؟ قال خازنه: بعث به القاضي كمال الدين من فائض الأوقاف، فقال: ردُّوه إليه، وقولوا له: إن رقبتي دقيقة لا [تقدر] (٢) على حمله غدًا، وأنت رقبتك غليظة، تقدر على حمله. وكان له برسم نفقته الخاص في كل شهر من الجزية ما يبلغ ألفي قرطاس (٣)، يصرفها في كسوته، وملبوسه، ومأكوله، حتى أجرة خياطه وجامكية طباخه، ويستفضل منها ما يتصدق به في آخر الشهر. ويقال: إن قيمة القراطيس مائة وخمسون درهما، وقيل: كل ستين قرطاسا أو سبعين بدينار (٤). قال ابن الأثير (٥): وما كان يصل إليه من هدايا الملوك وغيرهم يبعثه إلى القاضي كمال الدين، يبيعه ويعمر به المساجد المهجورة، ولا يتناول منه شيئا. وقال ابن الجوزي (٦): وكان يتدين بطاعة الخلافة، والطرق آمنة في أيامه، والمحامد كثيرة، وكان يميل إلى التواضع، ويحب العلماء وأهل الدين، وقد كاتبني مرارًا. وقد صنف له كتابا سماه "الفخر النوري" (٧) فيه أحاديث العدل والجهاد ومواعظ وغير ذلك. وصنف نور الدين أيضا كتابا في الجهاد، وهو بدمشق. وقال السبط ﵀ (٨): كانت له عجائز بدمشق وحلب، وكان يخيط الكوافي، ويعمل السكاكر (٩) للأبواب، وتبيعها العجائز، ولا يدري من أخذ، فكان يوم يصوم يفطر على أثمانها. وحكي شرف الدين يعقوب ولد المبارز المعتمد أن في دارهم سكرة من عمل نور الدين، وهي باقية إلى سنة خمسين وستمائة، يتبركون بها. وفي المرآة (١٠)

стр. 142

قال: حكى لى رجل صالح من أهل حرّان (١) قال: لما قُتل أتابك زنكي على قلعة جعبر (٢)، وملك نور الدين قلعة حلب، تصدَّق وأزال المكوس ورد المظالم وأنا حديث عهد بعرس، وقد ركبني دين، فقالت لي زوجتي: قد سمعتُ أوصاف نور الدين، وإحسانه إلى الناس، فلو قصدته وأنهيت إليه حالك (٣) لقضى دينك، قال: فخرجت من حرّان وليس معي سوي درهمين، فتركت عندها درهمًا، وتزودت بدرهم، وأتيت الفرات وقت القائلة، فعبرت جسر منبج (٤)، وأبعدت عن أعين الناس، وخلعت ثيابي، ونزلت فتوضأت للصلاة، وصليت ركعتين، وإذا إلى جانبي شخص، ملفوف في عباءة، فقال لي: يا فقير من أين أنت؟ قلت: من حران، قال: وإلى أين؟ قلت: إلى حلب، قال: وما تصنع فيها؟ فقلت: أنا فقير مديون، وقد بلغني إحسان نور الدين إلى الخلق، فقصدته لعله يقضي ديني، فقال: وأين أنت من نور الدين؟ ومن يوصلك إليه؟ كم عليك دين؟ قلت: خمسون دينارا، فأخرج يده من العباءة، وبحث [في] (٥) الرمل، وأخرج منه قرطاسا وألقاه إليّ، وقال: خذ هذا فاقض به دينك، وارجع إلى أهلك: قال: فأخذته فعددته، وإذا به خمسون دينارا، فالتفتُ فلم أره، فبهتُ وبتُ في مكاني [أتفكر] (٦) هل أرجع إلى حران، أم أمضي إلى حلب، وترجح عندى المضي إلى حلب، وقلت في نفسي: فهذه أوفي بها ديني، فمن أين أتقوَّت؟. ثم قمت وقصدت طريق حلب، فبتُ بباب بزاعة (٧)، وقمت في الليل، فأصبحت تحت قلعة حلب وقت الصباح، وقعدت تحت القلعة، وإذا قد فتح بابها، ونزل نور الدين في أبهة عظيمة، والأمراء بين يديه، حتى جاء إلى الميدان، فلما أراد أن يدخل، نظر إليَّ فرمقني طويلا، وأشار إلى خادم بين يديه، فجاء الخادم إلى، وقال: قم، فأخذني،

стр. 143

وصعد بي [إلى] (١) القلعة، قال: فندمت على مجيئي حلب، وقلت: ياليتني قبلت من ذلك الرجل الصالح، ولعل نور الدين يتوهم أني إسماعيلى. قال: فلما كان بعد ساعة عاد نور الدين إلى القلعة، وجلس في الإيوان (٢)، وَمُدَّ سماط عظيم، ولم يمد يده إليه، وإذا قد فتح باب عن يمينه صغير، وخرج منه خادم، وعلى يده طبق خوص، مغطى بمنديل، فوضعه بين يديه، وفيه غضارة (٣) عليها رغيف، فتأملتها من بعيد، وهي ترِدُه، فتناول منها شيئا يسيرا، وأكل الناس وأكلت معهم، وصرف الناس، وبقيت قاعدا خائفا، فأومأ إلى، فقمت وأتيت إلى بين يديه، وأنا خائف أرعد، فقال: من أين أنت؟ قلت: من حران، قال: وما الذي أقدمك؟ قلت: على دين وبلغني إحسانك إلى الناس، فقصدتك لتقضي ديني، قال: وكم دينك؟ قلت: خمسون دينارا، قال: ما أعطاك صاحب العباءة أمس على الفرات خمسين دينارا؟ هل لا رجعت إلى أهلك، وأنت عليك خرقة الفقر، وإذا حصل القوت للفقير فما (٤) يطلب شيئا آخر. ثم قال: ما يضيع تعبك، ورفع سجادته، وكانت زرقاء، وإذا بقرطاس مثل القرطاس الذي أعطاني صاحب العباءة. قال: فبكيت بكاء كثيرا، وقلت: لا آخذه حتي تخبرني بصاحب العباءة، قال: هو أمر لا يلزمك، فقلت: يا مولاي أنا غريب وضيف ولي حرمة، فبالله عليك أخبرني، فقال: إحلف لي أنك لا تتحدث بهذا في حال حياتي، فحلفت له، فكشف [القباء] (٥)، وإذا بتلك العباءة على جسده، وقال: أنا ذاك الفقير. فقلت: بالله الذي أعطاك هذه المنزلة بأى شئ وصلت إلى هذا، فقال: بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ (٦). قال: لما التقينا بالإفرنج على حارم (٧)، ونصرنا الله عليهم، وعدت إلى حلب،

стр. 144

التقاني في الطريق شاب حسن الوجه، طيب الرائحة، فسلم على وقال: يا محمود أنت من الأبدال، وقد أعطاك الله الدنيا، فاشتر بها الآخرة، وسله مهما شئت، ثم علمني كلمات وقال: إذا طلبت أمرًا فاذكرها، فقلت له: بالله من أنت؟ فقال: أنا أخوك الخضر، ثم غاب عني. فإذا عزمت على أمر، أو أردت أن أذهب إلى مكة أو إلى المدينة أو إلى أي بلد شئت، لبست العباءة، وتكلمت بتلك الكلمات، وأغمض عيني وما أفتحها إلا وأنا في تلك البقعة. قال السبط (١) أيضا: وحكى لى نجم الدين الحسن بن سلام (٢) أحد عدول دمشق وأعيانها، وكان صديقنا وصاحبنا ﵀ قال: لما ملك الأشرف (٣) بن العادل دمشق، وبني مسجد أبي الدرداء (٤) في القلعة، وأفرده عن الدور، قال: وما صلى فيه أحد منذ زمان أبي الدرداء إلى الآن. فقلت له: الله الله يا مولانا، مازال نور الدين منذ ملك دمشق يصلي فيه الصلوات الخمس، فقال: من أين لك هذا؟ قلت: حدثني والدي -وكان من أكابر عدول دمشق، وكان أبوه يلقب بالسعيد- أنه لما نزلت الفرنج على دمياط (٥) بعد وفاة أسد الدين شيركوه ﵀ وضايقوها وأشرفت على الأخذ، فأقام نور الدين عشرين يوما صائما لا يفطر إلا على الماء، فضعف وكاد يتلف (٦). وكان مهيبًا لا يتجاسر أن يخاطبه أحد في ذلك (٧)، وكان له إمام يقال له يحيى، ضرير، يصلي به في هذا المسجد، وكان يقرأ عليه القرآن، وله عنده حرمة، فاجتمع إليه خواص نور الدين وخدمه، وقالوا [له] (٨): قد خفنا على السلطان، ونحن من هيبته ما نقابله (٩)، وأنت تدل

стр. 145

عليه، ونحن [نسألك] (١) أن تسأله أن يتناول شيئا مما يحفظ به قوته، فقال: نعم إذا صليت به غداة الفجر سألته. قال: فلما كان في تلك الليلة، رأى الشيخ يحيى في المنام رسول الله ( ﷺ ) يقول له: يا يحيي بشر نور الدين محمود برحيل الفرنج عن دمياط، قال: فقلت: يا رسول الله ربما لا يصدقني، وأريد له أمارة، قال: قل له بعلامة يوم حارم، قال: فانتبه يحيي وهو ذاهب العقل، فلما صلى نور الدين خلفة الفجر وسلم، شرع [يدعو، ففاته] (٢) أن يتحدث معه، فقال له نور الدين: يا يحيى، قال: لبيك يا مولانا، قال: تحدثني أو أحدثك، قال: فارتعد يحيى وخرس، فقال له: أنا أحدثك؛ رأيت النبي ( ﷺ ) في هذه الليلة، وقال لك: كذا وكذا، فقال: نعم يا مولانا، فقال: يا مولانا ما معنى قوله ﵇: بعلامة يوم حارم؟ فقال له نور الدين: لما التقى الصفان يوم حارم، خفت على الإسلام؛ لأني رأيت من كثرة الفرنج ما هالني، فانفردت عن العسكر، ونزلت فمرغت وجهي على التراب، وقلت: يا سيدى مَنْ محمود في الدين؟ الدين دينك، والجند جندك، وهذا اليوم هو، فافعل ما يليق بكرمك. قال: فنصرنا الله عليهم (٣). السابع: فيما فعله من الخيرات وما بناه من بيوت العبادات وغيرها (٤): وكان نور الدين ﵀ بنى المدائن، وأوقف الأوقاف، وبني سور دمشق والمساجد والمدارس، ووقف أوقافا على المرضى والمجانين، وبني المكاتب لليتامى، وبنى المارستان (٥) في دمشق.
следующие страницы →