← История

История · id 380

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [565 - 628 هـ]

بدر الدين العيني

Полный текст (1 226 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

قال (١): ودخل يوما إلى خزائنه، فرأى مالا كثيرا، فقال: من أين هذا؟ قال خازنه: بعث به القاضي كمال الدين من فائض الأوقاف، فقال: ردُّوه إليه، وقولوا له: إن رقبتي دقيقة لا [تقدر] (٢) على حمله غدًا، وأنت رقبتك غليظة، تقدر على حمله. وكان له برسم نفقته الخاص في كل شهر من الجزية ما يبلغ ألفي قرطاس (٣)، يصرفها في كسوته، وملبوسه، ومأكوله، حتى أجرة خياطه وجامكية طباخه، ويستفضل منها ما يتصدق به في آخر الشهر. ويقال: إن قيمة القراطيس مائة وخمسون درهما، وقيل: كل ستين قرطاسا أو سبعين بدينار (٤). قال ابن الأثير (٥): وما كان يصل إليه من هدايا الملوك وغيرهم يبعثه إلى القاضي كمال الدين، يبيعه ويعمر به المساجد المهجورة، ولا يتناول منه شيئا. وقال ابن الجوزي (٦): وكان يتدين بطاعة الخلافة، والطرق آمنة في أيامه، والمحامد كثيرة، وكان يميل إلى التواضع، ويحب العلماء وأهل الدين، وقد كاتبني مرارًا. وقد صنف له كتابا سماه "الفخر النوري" (٧) فيه أحاديث العدل والجهاد ومواعظ وغير ذلك. وصنف نور الدين أيضا كتابا في الجهاد، وهو بدمشق. وقال السبط ﵀ (٨): كانت له عجائز بدمشق وحلب، وكان يخيط الكوافي، ويعمل السكاكر (٩) للأبواب، وتبيعها العجائز، ولا يدري من أخذ، فكان يوم يصوم يفطر على أثمانها. وحكي شرف الدين يعقوب ولد المبارز المعتمد أن في دارهم سكرة من عمل نور الدين، وهي باقية إلى سنة خمسين وستمائة، يتبركون بها. وفي المرآة (١٠)

стр. 142

قال: حكى لى رجل صالح من أهل حرّان (١) قال: لما قُتل أتابك زنكي على قلعة جعبر (٢)، وملك نور الدين قلعة حلب، تصدَّق وأزال المكوس ورد المظالم وأنا حديث عهد بعرس، وقد ركبني دين، فقالت لي زوجتي: قد سمعتُ أوصاف نور الدين، وإحسانه إلى الناس، فلو قصدته وأنهيت إليه حالك (٣) لقضى دينك، قال: فخرجت من حرّان وليس معي سوي درهمين، فتركت عندها درهمًا، وتزودت بدرهم، وأتيت الفرات وقت القائلة، فعبرت جسر منبج (٤)، وأبعدت عن أعين الناس، وخلعت ثيابي، ونزلت فتوضأت للصلاة، وصليت ركعتين، وإذا إلى جانبي شخص، ملفوف في عباءة، فقال لي: يا فقير من أين أنت؟ قلت: من حران، قال: وإلى أين؟ قلت: إلى حلب، قال: وما تصنع فيها؟ فقلت: أنا فقير مديون، وقد بلغني إحسان نور الدين إلى الخلق، فقصدته لعله يقضي ديني، فقال: وأين أنت من نور الدين؟ ومن يوصلك إليه؟ كم عليك دين؟ قلت: خمسون دينارا، فأخرج يده من العباءة، وبحث [في] (٥) الرمل، وأخرج منه قرطاسا وألقاه إليّ، وقال: خذ هذا فاقض به دينك، وارجع إلى أهلك: قال: فأخذته فعددته، وإذا به خمسون دينارا، فالتفتُ فلم أره، فبهتُ وبتُ في مكاني [أتفكر] (٦) هل أرجع إلى حران، أم أمضي إلى حلب، وترجح عندى المضي إلى حلب، وقلت في نفسي: فهذه أوفي بها ديني، فمن أين أتقوَّت؟. ثم قمت وقصدت طريق حلب، فبتُ بباب بزاعة (٧)، وقمت في الليل، فأصبحت تحت قلعة حلب وقت الصباح، وقعدت تحت القلعة، وإذا قد فتح بابها، ونزل نور الدين في أبهة عظيمة، والأمراء بين يديه، حتى جاء إلى الميدان، فلما أراد أن يدخل، نظر إليَّ فرمقني طويلا، وأشار إلى خادم بين يديه، فجاء الخادم إلى، وقال: قم، فأخذني،

стр. 143

وصعد بي [إلى] (١) القلعة، قال: فندمت على مجيئي حلب، وقلت: ياليتني قبلت من ذلك الرجل الصالح، ولعل نور الدين يتوهم أني إسماعيلى. قال: فلما كان بعد ساعة عاد نور الدين إلى القلعة، وجلس في الإيوان (٢)، وَمُدَّ سماط عظيم، ولم يمد يده إليه، وإذا قد فتح باب عن يمينه صغير، وخرج منه خادم، وعلى يده طبق خوص، مغطى بمنديل، فوضعه بين يديه، وفيه غضارة (٣) عليها رغيف، فتأملتها من بعيد، وهي ترِدُه، فتناول منها شيئا يسيرا، وأكل الناس وأكلت معهم، وصرف الناس، وبقيت قاعدا خائفا، فأومأ إلى، فقمت وأتيت إلى بين يديه، وأنا خائف أرعد، فقال: من أين أنت؟ قلت: من حران، قال: وما الذي أقدمك؟ قلت: على دين وبلغني إحسانك إلى الناس، فقصدتك لتقضي ديني، قال: وكم دينك؟ قلت: خمسون دينارا، قال: ما أعطاك صاحب العباءة أمس على الفرات خمسين دينارا؟ هل لا رجعت إلى أهلك، وأنت عليك خرقة الفقر، وإذا حصل القوت للفقير فما (٤) يطلب شيئا آخر. ثم قال: ما يضيع تعبك، ورفع سجادته، وكانت زرقاء، وإذا بقرطاس مثل القرطاس الذي أعطاني صاحب العباءة. قال: فبكيت بكاء كثيرا، وقلت: لا آخذه حتي تخبرني بصاحب العباءة، قال: هو أمر لا يلزمك، فقلت: يا مولاي أنا غريب وضيف ولي حرمة، فبالله عليك أخبرني، فقال: إحلف لي أنك لا تتحدث بهذا في حال حياتي، فحلفت له، فكشف [القباء] (٥)، وإذا بتلك العباءة على جسده، وقال: أنا ذاك الفقير. فقلت: بالله الذي أعطاك هذه المنزلة بأى شئ وصلت إلى هذا، فقال: بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ (٦). قال: لما التقينا بالإفرنج على حارم (٧)، ونصرنا الله عليهم، وعدت إلى حلب،

стр. 144

التقاني في الطريق شاب حسن الوجه، طيب الرائحة، فسلم على وقال: يا محمود أنت من الأبدال، وقد أعطاك الله الدنيا، فاشتر بها الآخرة، وسله مهما شئت، ثم علمني كلمات وقال: إذا طلبت أمرًا فاذكرها، فقلت له: بالله من أنت؟ فقال: أنا أخوك الخضر، ثم غاب عني. فإذا عزمت على أمر، أو أردت أن أذهب إلى مكة أو إلى المدينة أو إلى أي بلد شئت، لبست العباءة، وتكلمت بتلك الكلمات، وأغمض عيني وما أفتحها إلا وأنا في تلك البقعة. قال السبط (١) أيضا: وحكى لى نجم الدين الحسن بن سلام (٢) أحد عدول دمشق وأعيانها، وكان صديقنا وصاحبنا ﵀ قال: لما ملك الأشرف (٣) بن العادل دمشق، وبني مسجد أبي الدرداء (٤) في القلعة، وأفرده عن الدور، قال: وما صلى فيه أحد منذ زمان أبي الدرداء إلى الآن. فقلت له: الله الله يا مولانا، مازال نور الدين منذ ملك دمشق يصلي فيه الصلوات الخمس، فقال: من أين لك هذا؟ قلت: حدثني والدي -وكان من أكابر عدول دمشق، وكان أبوه يلقب بالسعيد- أنه لما نزلت الفرنج على دمياط (٥) بعد وفاة أسد الدين شيركوه ﵀ وضايقوها وأشرفت على الأخذ، فأقام نور الدين عشرين يوما صائما لا يفطر إلا على الماء، فضعف وكاد يتلف (٦). وكان مهيبًا لا يتجاسر أن يخاطبه أحد في ذلك (٧)، وكان له إمام يقال له يحيى، ضرير، يصلي به في هذا المسجد، وكان يقرأ عليه القرآن، وله عنده حرمة، فاجتمع إليه خواص نور الدين وخدمه، وقالوا [له] (٨): قد خفنا على السلطان، ونحن من هيبته ما نقابله (٩)، وأنت تدل

стр. 145

عليه، ونحن [نسألك] (١) أن تسأله أن يتناول شيئا مما يحفظ به قوته، فقال: نعم إذا صليت به غداة الفجر سألته. قال: فلما كان في تلك الليلة، رأى الشيخ يحيى في المنام رسول الله ( ﷺ ) يقول له: يا يحيي بشر نور الدين محمود برحيل الفرنج عن دمياط، قال: فقلت: يا رسول الله ربما لا يصدقني، وأريد له أمارة، قال: قل له بعلامة يوم حارم، قال: فانتبه يحيي وهو ذاهب العقل، فلما صلى نور الدين خلفة الفجر وسلم، شرع [يدعو، ففاته] (٢) أن يتحدث معه، فقال له نور الدين: يا يحيى، قال: لبيك يا مولانا، قال: تحدثني أو أحدثك، قال: فارتعد يحيى وخرس، فقال له: أنا أحدثك؛ رأيت النبي ( ﷺ ) في هذه الليلة، وقال لك: كذا وكذا، فقال: نعم يا مولانا، فقال: يا مولانا ما معنى قوله ﵇: بعلامة يوم حارم؟ فقال له نور الدين: لما التقى الصفان يوم حارم، خفت على الإسلام؛ لأني رأيت من كثرة الفرنج ما هالني، فانفردت عن العسكر، ونزلت فمرغت وجهي على التراب، وقلت: يا سيدى مَنْ محمود في الدين؟ الدين دينك، والجند جندك، وهذا اليوم هو، فافعل ما يليق بكرمك. قال: فنصرنا الله عليهم (٣). السابع: فيما فعله من الخيرات وما بناه من بيوت العبادات وغيرها (٤): وكان نور الدين ﵀ بنى المدائن، وأوقف الأوقاف، وبني سور دمشق والمساجد والمدارس، ووقف أوقافا على المرضى والمجانين، وبني المكاتب لليتامى، وبنى المارستان (٥) في دمشق.

стр. 146

ووقف على سكان الحرمين، وأقطع أمراء العرب القطائع؛ لئلا يتعرضوا للحاج. وأمر بإكمال سور المدينة، وأجرى إليها العين التي تأخذ من أُحُد من عند قبر حمزة (﵁). وبنى الرُبط والحانات والقناطر، وجدد كثيرا من قني السبيل، ووقف كتبا كثيرة في مدارسه. وأول من بنى دار العدل بدمشق، وقد ذكرناه. وبني جامعا في الموصل، وفوض عمارته إلى الشيخ عمر المُلا، وكان من الصالحين، وإنما سمي المُلا؛ لأنه كان يملأ تنانير الآجر، ويأخذ الأجرة فيتقوت بها، وكان لا يملك شيئا من الدنيا، وكان عالما بفنون العلوم، وجميع الملوك والعلماء والأعيان يزورونه ويتبركون به. وصنف كتاب سيرة النبي ( ﷺ ). وكان يعمل بمولد رسول الله ﵇ في كل سنة، ويحضر عنده صاحب الموصل والأكابر، وكان نور الدين يحبه ويكاتبه. وكان مكان الجامع النوري (١) خربة واسعة، ما شرع أحد في عمارتها إلا وقصر عمره، فأشار عمر على نور الدين بعمارتها جامعا، فاشتراها، وأنفق عليها أموالا كثيرة، يقال ستون ألف دينار، ويقال ثلثمائة ألف دينار، فتم في ثلاث سنين. ولما تم، جاء نور الدين إلى الموصل، وهي المرة الأخيرة، فصلى فيه، ووقف عليه قرية بالموصل، ورتب فيه الخطيب والمؤذنين والحصر والبسط وغيرها. ثم دخل عمر المُلا على نور الدين وهو جالس على دجلة، فوضع بين يديه أوراق الحساب والخرج، وقال: يا مولانا أشتهي أن تنظر فيها، فقال له نور الدين: يا شيخ نحن عملنا هذا لله، دع الحساب إلى يوم الحساب، ثم رمى بالأوراق في الدجلة (٢).

стр. 147

وقال ابن الأثير (١): وبني جامع حماة (٢) على العاصي (٣)، وهو من أحسن الجوامع. قال (٤): ووقع بيد نور الدين إفرنجي (٥) من أكابر الملوك، ففدى نفسه بمال عظيم، فشاور نور الدين أمراءه، فأشاروا ببقائه في الأسر؛ خوفا من شره، فأرسل إليه نور الدين في السر، يقول: أحضر المال، فأحضر ثلثمائة ألف دينار، فأطلقه نور الدين، فعند وصوله إلى مأمنه مات. وطلب الأمراء سهمهم من المال، فقال نور الدين: ما تستحقون منه شيئا؛ لأنكم نهيتم عن الفداء، وقد جمع الله لي الحُسْنَيْين: الفداء، وموت اللعين وخلاص المسلمين منه. فبنى بذلك المال مارستان دمشق، ومدرسة ودار الحديث بدمشق (٦)، ووقف عليها الأوقاف. قال ابن الأثير (٧): وبلغني أن أوقاف نور الدين في أبواب البر بالشام في وقتنا هذا، وهو سنة ثمان وستمائة، كل شهر تسعة آلاف دينار صورِية (٨)، ليس فيها مِلك، بل حق ثابت بالشرع باطنا وظاهرا، صحيح الشراء. وقال السبط (٩): أما في زماننا هذا فقد تشعَّث وقفه، وتغيرت صفاته، ولم يبق منه إلا آثاره وبركاته.

стр. 148

وقال [العماد] (١): في سنة وفاته أكثر من الخيرات والصدقات والأوقاف، وعمارة المساجد المهجورة، وإسقاط كل ما كان فيه من الحرام، فما أبقى سوى الجزية والخراج، وما يحُصَّل من قسمة الغلات على قويم المنهاج. قال: وأمرني [بكتابة] (٢) المناشير لجميع أهل "البلاد" (٣)، فكتبت أكثر من ألف منشور. وحسِبنا ما تصدق به في تلك الشهور، فكان (٤) ثلاثين ألف دينار. وقال العماد (٥): بني جامع قلعة دمشق، ومسجد عطية (٦) بباب الجابية، ومسجد الرماحين (٧)، ومسجد سوق الصاغة، ومسجد دار البطيخ، ومسجد العباسي (٨)، ومسجد بجوار بيعة اليهود، ومسجد الكشك (٩) وأشياء أخر. وقال ابن الجوزي: وكان من عزمه أن يفتح (١٠) البيت المقدس، فعمر منبرا وقبلة بجامع حلب على اسم القدس، فتوفي قبل الفتوح. فلما ملك صلاح الدين البيت المقدس، حمل المنبر إليه، وأبقى القبلة بجامع حلب. وحكي عن الشيخ أبي عمر شيخ المقادسة ﵀ قال: كان نور الدين ﵀ يزور والدي الشيخ أحمد ﵀ في المدرسة الصغيرة (١١) التي على نهر يزيد، المجاورة للدير، ونور الدين بني هذه المدرسة والمصنع والفرن.

стр. 149

وقال ابن خلكان (١) ﵀: وبني نور الدين المدارس بجميع بلاد الشام الكبار مثل: دمشق وحلب وحماه وحمص وبعلبك ومنبج والرحبة، وبني جامع الرها، وجامع منبج ودار الحديث بدمشق. وقال النويري في تاريخه (٢): وأحصيت أوقافه، وكانت في كل شهر تسعة عشر ألف دينار مصرية من وجه حل إما من إرث والده، أو من سهمه في الغنيمة. وهو الذي بنى أسوار مدن الشام مثل: دمشق وحمص وحماة وحلب وشيزر (٣) وبعلبك وغيرها، لما هدمت بالزلازل. وقال ابن كثير (٤): وبني المارستان الذي بدمشق، وهو أحسن ما بني من المارستانات بالبلاد، ومن شرطه أنه على الفقراء والمساكين، وإذا لم توجد بعض الأدوية التي يعز وجودها إلا فيه، فلا يمنع منه الأغنياء، ومن جاء إليه مستوصفا، فلا يمنع من شرائه، ولهذا جاء نور الدين إليه، وشرب من شرابه. وقال ابن كثير (٥): ويقول بعض الناس: إنه لم تخمد النار منه منذ بُني إلى زماننا هذا، والله أعلم. وقد بني الخانات في الطرقات والأبراج، [ورتب الخفراء] (٦) في الأماكن المخوفة، وفيها الحمام الهوادي (٧) التي تطالع بالأخبار في أسرع مدة، وبني الربط والخانقاهات (٨). وقال ابن الأثير (٩): وهو أول من بني دار الحديث، ووقف على من يعلم الأيتام الخط، وجعل لهم نفقة وكسوة، وعلى من يقرئ القرآن، وعلى المجاورين بالحرمين. وكان الجامع بدمشق داثرًا، فولي نظره للقاضي كمال الدين محمد بن عبد الله الشهرزوري

стр. 150

الموصلي، الذي قدم به فولاه قاضي القضاة بدمشق، فأصلح أموره، وفتح المشاهد الأربعة، وقد كانت حواصل الجامع بها من حين احترق في سنة إحدى وستين وأربع مائة، وأضاف إلى أوقاف الجامع الأوقاف التي لا يعرف (١) واقفوها، ولا يعرف (١) شروطهم فيها، وجعلها قلما واحدا، وسمي مال المصالح، ورتب عليه ذوي الحاجات والفقراء والمساكين والأرامل والأيتام وما أشبه ذلك. وأحاط السور على حارة اليهود، وكان خرابا، وأغلق باب كيسان، وفتح باب الفرج، ولم يكن هناك قبله باب بالكلية. وحكى الشيخ شهاب الدين: أن نور الدين وقف بستان الميدان سوى الغيط الذي قبليه نصفه على "تطييب" (٢) جامع دمشق، والنصف الآخر يقسم على أحد عشر جزءًا، جزءان منها على تطييب المدرسة التي أنشأها للحنفية، والتسعة الأجزاء الباقية على تطييب المساجد التسعة (٣)؛ وهي: جامع الصالحية بجبل قاسيون، وجامع القلعة، ومسجد عطية، ومسجد ابن لبيد بالفسقار (٤)، ومسجد الرماحين المعلق، والمسجد العباسي بالصاغة، ومسجد دار البطيخ المعلق، والمسجد الذي جدده نور الدين بجوار بيعة اليهود، لكل من هذه المساجد جزء من أحد عشر جزءا من النصف. الثامن في فتوحاته وبلاده: قال النويري: وكان قد اتسع ملكهـ جدًا، وخطب له بالحرمين ومصر والشام وحلب وديار بكر والجزيرة، وكذلك باليمن لما ملكها الملك المعظم توران شاه بن أيوب بن شاذي، وطبق ذكره الأرض بحسن سيرته وعدله وكرمه وصدقاته. وتصدق في شهر واحد بثلاثين ألف دينار، وقسم في يوم واحد مائتي ألف دينار، خلاف الدواب والسلاح والخيام. وكان يحضر أماثل البلد عنده، ويعطيهم الذهب، ويقول: تصدقوا به على من تعرفونه في جواركم من الأرامل والأيتام (٥).

стр. 151

وقال ابن الجوزي (١): ولي نور الدين الشام سنين، وجاهد الثغور وانتزع من أيدي الكفار نيفا وخمسين مدينة وحصنًا منها الرها. وكان محبًا للعلماء وأهل الدين، وكاتبني مرارا. وعاهد ملك الإفرنج (٢) صاحب طرابلس، وقد كان في قبضته أسيرا على أن يطلقه بثلثمائة ألف دينار، وخمسمائة حصان، وخمسمائة زردية (٣)، ومثلها أتراس (٤) إفرنجية، ومثلها قنطاريات (٥)، وخمسمائة أسير من المسلمين، وأنه لا يعبر بلاد الإسلام سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام. وأخذ منه في قبضته على الوفاء بذلك، مائة من أولاد كبراء الإفرنج وبطارقتهم، فإن نكث أراق دمهم. وعزم على فتح بيت المقدس، فوافته المنية في شوال من هذه السنة (٦). وذكر الحافظ ابن عساكر ﵀: فتح نور الدين ﵀ نيفا وخمسين حصنا منها: تل باشر وعينتاب وأعزاز ومرعش وبهسني وتل خالد وحارم والمرزبان ورعبان وكيسون والرها. وكسر إبرنس أنطاكية وقتله، وقتل معه ثلاثة آلاف، وأخذ من القومص ثلثمائة ألف دينار، وخمسمائة زردية، وخمسمائة حصان، وخمسمائة أسير. واتسع ملكهـ، ففتح الموصل والجزيرة وديار بكر والشام والعواصم ودمشق وبعلبك وبانياس ومصر واليمن، وخُطب له في الدنيا، وأظهر السُنة بحلب، وأزال الأذان بحي على خير العمل. وكان يتعرض للشهادة، ويسأل الله تعالى أن يحشره [في] (٧) بطون السباع (٨) وحواصل الطير (٩).

стр. 152

النوع التاسع في وفاته: قال العماد (١): أمر نور الدين بتطهير ولده الملك الصالح إسماعيل (٢) يوم عيد الفطر. قال: ونظمت للهنا بالعيد والطهر قصيدة منها: عيدان فِطرٌ وطُهْرٌ … فَتْحٌ قريبٌ ونصْرُ كلاهُما لك فيه … حقًا هناءٌ وأجرُ وفيهما بالتَّهَاني … رسمٌ لنا مسْتَمِرُّ طَهارة طابَ فيها … أصْلٌ وفرعٌ وذكرُ نَجْلٌ على الطُّهْرِ نامٍ … زَكىٌّ له مِنْك نَجْرُ محمود المَلكُ العا … دلُ الكريمُ الأغرُّ وبابنه الملِكِ الصا … لحِ العيونُ تَقَرُّ مولي به اشتدَّ للديـ … ـنِ والشريعةِ أزرُ وهي قصيدة طويلة آخرها: هذا الطُّهورُ ظُهُورٌ … على الزمان وأمْرُ وذا الخِتَانٌ خِتَامٌ … بِمِسْكِهِ طَابَ نَشْرُ (٣) قال: وفي يوم العيد ركب نور الدين على الرسم المعتاد، محفوفا من الله بالإسعاد، والقدر يقول له: هذا آخر الأعياد. ووقف في الميدان الأخضر، ورمي القبق (٤)، وكان قد ضرب خيمته في الميدان القبلي الأخضر، وأمر بوضع المنبر، وخطب له القاضي شمس

стр. 153

الدين بن الفراش قاضى العسكر، بعد أن صلى به، وعاد إلى القلعة، وأنهب سماطه العام على رسم الأتراك، وأكابر الأملاك. قال: ثم حضرنا على خوانه (١) الخاص. وفي يوم الاثنين ثاني العيد بكّر وركب، ودخل الميدان والعظماء يسايرونه، وفيهم همام الدين مودود، وكان قديما في أول دولته والي حلب، فقال لنور الدين في كلامه، عظة لمن يغتر بأيامه، هل نكون ههنا في مثل هذا اليوم في العام القابل؟ فقال نور الدين: قل هل نكون بعد شهر؟ فإن السنة بعيدة! فجرى على منطقهما ما جرى به القضاء السابق، فإن نور الدين لم يصل إلى الشهر، والهمام (٢) لم يصل إلى العام. ثم شرع نور الدين في اللعب بالأكرة، فاعترضه أمير يقال له، برتقش وقال له باش، فأحدث له الغيظ والاستيحاش، وكان ذلك على خلاف مذهبه، ونهره وزجره، ثم ساق ودخل القلعة واحتجب؛ فبقى أسبوعا في منزله. ثم اتصل به مرض، وأشار عليه الأطباء بالفصد، فامتنع من ذلك، وكان مهيبا فما روجع، وانتقل يوم الأربعاء حادي عشر شوال من دار الفناء إلى دار البقاء. وقال ابن شداد (٣): وكانت وفاة نور الدين بسبب خوانيق اعترته، عجز الأطباء عن علاجها. وقال ابن الأثير (٤): وكان نور الدين قد شرع بتجهيز المسير إلى مصر؛ لأخذها من صلاح الدين، فإنه رأى منه فتورا في غزو الفرنج من ناحيته، فأرسل إلى الموصل وديار الجزيرة وديار بكر يطلب العساكر ليتركها (٥) بالشام؛ لمنعه من الإفرنج، ليسير هو بعساكره إلى مصر. وكان المانع [لصلاح] (٦) الدين من الغزو، "الخوف من نور الدين" (٧)، فإنه كان يعتقد أن نور الدين متي زال عن طريقه الفرنج أخذ البلاد منه، فكان يحتمي بهم عليه، وكان نور الدين لا يرى إلا الجدّ في غزوهم بجهده وطاقته، فلما رأى إخلال صلاح الدين بالغزو، علم غرضه، فتجهز للمسير إليه، فأتاه أمر الله الذي لا يرد. قال (٨): وحكي

стр. 154

لى طبيب بدمشق يعرف بالرحبى (١)، وهو من أحذق الأطباء، قال (٢): استدعاني نور الدين في مرضه الذي توفي فيه مع غيري من الأطباء، فدخلنا عليه، وهو ببيت صغير بقلعة دمشق، وقد تمكنت الخوانيق منه، وقارب الهلاك. فلا يكاد يسمع صوته، وكان يخلو فيه للتعبد في أكثر أوقاته، فابتدأ به المرض فيه، فلم ينتقل عنه. فلما دخلنا عليه، ورأينا ما به، قلت: كان ينبغي أن لا يؤَخَّر [إحضارنا] (٣) إلى أن يشتد المرض إلى هذا الحد، فالآن ينبغي أن تنتقل إلى مكان فسيح، فله أثر في هذا المرض. وشرعنا في علاجه، فلم ينجع فيه الدواء، ومات عن قريب (٤). قال ابن عساكر (٥): وتوفي يوم الأربعاء الحادي عشر من شوال سنة تسع وستين وخمسمائة، ودفن بقلعة دمشق، ثم نقل إلى تربة تجاور مدرسته التي بناها لأصحاب أبي حنيفة (﵁) جوار الخواصين في الشارع الغربي. وقال العماد: قلت في ذلك: عَجِبْتُ من (٦) المَوتِ كيفَ اهْتدى … إلى مَلِكٍ في سَجايا مَلَكْ وكيف ثَوى الفَلَكُ المُسْتَدِيـ … ـرُ في الأرضِ، والأرضُ وسط الفَلَكْ (٧) وقال ابن كثير (٨): حصلت له علة الخوانيق، ومنعته عن النطق، فمات في التاريخ المذكور، وصلى عليه بجامع القلعة، ودفن بها، حتي حُوّل إلى تربته التي بُنيت له بباب المدرسة التي أنشأها للحنفية. وقبره بدمشق مشهور يزار وَيُخَلَّقُ شباكه، فيستطيب برائحته (٩) كل مَار. وإنما يقول الناس: [قبر] (١٠) نور الدين الشهيد، لما حصل له في "حلقه" (١١) من الخوانيق، وكذا كان يقال لأبيه الشهيد، ويلقب بالقسيم. وكانت الإفرنج

стр. 155

يقولون له ابن القسيم. وقال ابن خلكان (١): ويقول أهل دمشق إن الدعاء عند قبره مستجاب. وقال القاضي: ولقد جربت ذلك فصحَّ. وكان عمره حين مات ثمانيا وخمسين سنة، وله في المُلك ثمان وعشرون سنة. العاشر فيما رثي به، وما قيل له من الأشعار: قال العماد: ومما نظمته في مرثية نور الدين قصيدة "منها" (٢): لِفَقْدِ المَلكِ العَاد … لِ يبْكِى المُلْكُ والعَدْلُ وقد أظْلَمَت الآفَا … ق: لا شَمْسٌ ولا ظِلُّ ولمَّا غَابَ نُور الدِّيـ … ـنِ عنَّا أظْلَمَ الحَفْلُ وزالَ الخصْبُ والخَيْرُ … وزاد الشَّرُّ والمَحْلُ ومات البَأسُ (٣) والجُودُ … وعاش اليَأسُ والبُخْلُ وعَزَّ النَّقْصُ لَمّا هَا … نَ أهلُ الفَضْلِ والفَضْلُ وهلْ يَنْفقُ ذو العِلْمِ … إذا مَا نفَقَ الجَهْلُ (٤) وما كَانَ لِنُور الدِّيـ … ـنِ، لولا نَجْلُه مِثْلُ [يا مَلكًا] (٥) أيامُه لم تَزلْ … بفَضْلِه فَاضِلةً فاخره مَلكتَ دُنْياك وخَلَّفْتَهَا … وسِرْتَ حتي تَمْلِكَ الآخره وكان الواعظ أبو عثمان (٦): المنتجب بن أبي محمد الواسطي -من الصالحين الكبار- أنشد لنور الدين بقوله:

стр. 156

مَثِّلْ وُقُوفَكَ أيها المَغْرور … يومَ القيامِةِ والسماءُ تمورُ إن قِيلَ نورُ الدين رُحتَ مسلمًا … فاحذر بأن تبقى ومالك نُور أنهَيتَ عن شُربِ الخمور وأنت في … كأسِ المَظالم طَالحٌ (١) مخْمورُ عطَّلت كاسات المُدامِ تَعَفُّفًا … وعليك كاساتُ [الحَرامِ] (٢) تَدُورُ ماذا تقول إذا [نُقِلتَ] (٣) إلى البِلى … فرْدًا وجاءك مُنكِرٌ ونَكِيرُ وتَعلَّقتْ فيك الخُصُومُ وأنت في … يوم الحساب مُسَحَّبٌ (٤) مجرور وتَفرقَتْ عنك الجُنودُ وأنت في … ضيق اللحُودِ مُوَسّدٌ مَقْبورُ ووَددْتَ أنك مَا وَلِيتَ ولايةً … يومًا ولا قال الأنامُ أمِيرُ وبقيتَ بعد العِزِّ رهنَ حُفَيْرةٍ … في عَالَمِ المَوتَى وأنت حَقِيرُ وحُشِرت عُرْيانًا حَزِينًا باكِيًا … قلِقًا ومَالَك في الأنامِ (٥) مُجِيرُ أرضِيت أن [تحيا] (٦) وقلبُكَ دارسٌ … عافي الخرابَ وجسْمُك المَعْمُورُ أرضِيتَ أنْ يحْظَى سِواكَ بقُرْبِهِ … أبدًا وأنتَ مُبَعَّدٌ مَهْجورُ مَهِّدْ لنفْسِك حُجَّةً تَنْجو بها … يومَ المَعَادِ لَعَلَّك المَعْذُورُ فلما سمعها الملك نور الدين بكي، وأمر بوضع المكوسات والضرائب في سائر البلاد. وقيل: إن برهان الدين البلخي (٧) أنكر على نور الدين استعانته في الحروب بأموال المكوس. قال: وكيف تنصرون وفي عسكركم الطبول والخمور والزمور؟. وقص عليه وزيره موفق الدين خالد بن محمد بن نصر "بن" (٨) القيسراني الشاعر أنه رأى في منامه أنه

стр. 157

يغسل ثياب الملك نور الدين، فأمره أن يكتب مناشير بوضع المكوسات والضرائب عن البلاد، وقال: هذا تفسير رؤياك. وكتب إلى الناس يستحل منهم عما أخذ منهم، ويقول: إنما صُرفت في قتال أعدائكم من الكفرة. وكتب بذلك إلى سائر ممالكهـ وبلدان سلطانه، وأمر الوعاظ أن يستحلوا من التجار لنور الدين، وكان يقول في سجوده: اللهم أنا العشَّار المكَّاس. الحادي عشر في تملك ولده الملك الصالح عماد الدين إسماعيل ابن الملك العادل نور الدين محمود ابن الأتابك زنكي بن آقسنقر ولما توفي نور الدين في التاريخ المذكور ملك ولده المذكور دمشق وما معها، بعد أن حلف له الأمراء والمقدمون بدمشق، وكان عمره إحدى عشرة سنة، وأطاعه أهل الشام، وخطب له الناصر صلاح الدين بمصر، وضرب السكة باسمه، وأظهر له الطاعة. وتولي تربيته وتدبير دولته الأمير شمس الدين محمد بن عبد الملك المعروف بابن المقدم (١). وقال له كمال الدين بن الشهرزوري ولمن معه من الأمراء والمقدمين: قد علمتم أن صلاح الدين صاحب مصر من أصحاب الشهيد، والمصلحة أن تشاوره في الذي تفعله، ولا تخرجه من بيننا، فيخرج عن طاعتنا، ويجعل ذلك حجة علينا، وهو أقوى منا؛ لأنه انفرد اليوم بملك مصر. فلم يوافق هذا القول أغراضهم، وخافوا أن يدخل صلاح الدين فيخرجهم، فلم يمض غير قليل حتى وردت كتب صلاح الدين إلى الملك الصالح؛ يعزيه ويهنيه بالملك، وأرسل دنانير مصر عليها اسمه، ويعرفه أن الخطبة والطاعة له (٢) كما كانت لأبيه. ولما سار سيف الدين غازي بن قطب الدين صاحب الموصل إلى الجزيرة، وملك البلاد الجزرية -على ما نذكره- أرسل صلاح الدين يعتب الملك الصالح، حيث لم يعرِّفه قصد سيف الدين ابن عمه بلاده قبل أخذها؛ ليحضر في خدمته ويكفه عنه.

стр. 158

وكتب إلى كمال الدين الشهرزوري والأمراء يقول لهم: لو كان نور الدين يعلم أن فيكم من يقوم مقامي أو يثق إليه ثقته إلىَّ السلم إليه مصر، التي هي أعظم ممالكهـ وولاياته، ولو لم يعجل إليه الموت، لم يعهد إلى أحد بتربية ولده (١) والقيام بخدمته غيري، وأراكم قد تفردتم بمولاي وابن مولاي دوني، وسوف أصل إلى خدمته، وأجازي إنعام والده بخدمة يظهر أثرها [له] (٢)، وأجازي كلا منكم بسوء صنيعه في ترك الذب عن بلاده (٣). وتمسك ابن المقدم وجماعة من الأمراء بالملك الصالح، ولم (٤) يرسلوه إلى حلب؛ خوفا أن يغلب عليهم شمس الدين علي بن الداية، فإنه كان أكبر الأمراء النورية، وإنما منعه من الاتصال بخدمته مرض لحقه. وكان هو و [أخوته] (٥) بحلب، وأمرها إليهم، وعساكرها معهم في حياة نور الدين وبعده، ولما عجز عن الحركة أرسل إلى الملك الصالح يدعوه إلى حلب؛ ليمنع به البلاد الجزرية من سيف الدين ابن عمه، فلم يمكِّنه الأمراء الذين معه من الانتقال إلى حلب. وفي المرآة: (٦) وكان الصالح لم يبلغ الحلم، فأجلسوه مكان أبيه، وحضر القاضي كمال الدين بن الشهرزوري، وشمس الدين بن المقدم، وجمال الدولة، وريحان وهو أكبر الخدم، والعدل أبو صالح بن العجمي أمين (٧) الأعمال، والشيخ إسماعيل خازن بيت المال، وتحالفوا أن تكون أيديهم واحدة، وأن شمس الدين "بن" (٨) المقدم إليه تقدمة العساكر وتربية الملك الصالح. ووصل كتاب صلاح الدين من إنشاء الفاضل (٩) إلى دمشق وفيه: "أدام الله أيام مولانا الملك الصالح، ورفع قدره، وأعظم أجر المملوك في مولانا السلطان الملك العادل". وآخره: "أصدر خدمته هذه يوم الجمعة رابع عشر ذي

стр. 159

القعدة، وفيه أقيمت الخطبة بالاسم الكريم، وصرح بذكره في الموسم العظيم، والجمع الذي لا لغو فيه ولا تأثيم (١)، والله تعالى يخلد ملك مولانا الملك الصالح ويصلح به وعلى يديه، ويديم النعمة (٢) عليه". وذكر فصولا تتعلق بالتهنئة والتعزية. وقال العماد (٣): أخرجوا يوم وفاة نور الدين ولده الملك الصالح إسماعيل، وقد أبدى الحزن والعويل، وهو مجزوز الذوائب، مشقوق الجيب، حاسر حاف مما فجأه وفجعه من الريب، وأجلسوه في الإيوان الشمالي من الدست والتخت الباقي من عهد تاج الدولة تتش، فاستوحي كل قلب حزنه، فاستوحش. وبعد أن تحالفوا له أنشأ العماد كتابا عن الملك الصالح إلى صلاح الدين في تعزيته بنور الدين، ترجمته: "إسماعيل بن محمود" وفيه: "أطال الله بقاء سيدنا الملك الناصر، وعَظَّمَ أجرنا وأجره في والدنا الملك العادل، ندبُ الشام بل الإسلام، حافظ ثغوره، وملاحظ أموره، مقتنى فضيلته، ومؤدي فريضته، ومحيى سنته. وأورثنا بالاستحقاق ملكهـ وسريره، على أنه يعزّ أن يرى الزمان نظيره. وما هاهُنا ما يشغل السر، ويقسم الفكر، إلا أمر الفرنج خذلهم الله، وما كان اعتماد مولانا الملك العادل "عليه" (٤) وسكونه إليه إلا لمثل هذا الحادث [الجلل] (٥)، والصرف الكارث المذهل، فقد ادخره لكفايات النّوائب، وأعده لحسم أدواء المعضلات اللوازب، وأمَّله ليومه ولغده، ورجاه لنفسه ولولده، ومكنه قوة لعضده. فما فقد ﵀ إلا صورة والمعني باق، والله تعالي [حافظٌ] (٦) لبيته واق، وهل غيره، دام سموه، من مؤازر، وهل سوى السيد الأجل الناصر من ناصر (٧). وفي تاريخ ابن كثير (٨): لما مات نور الدين وتولي ابنه المذكور اختلفت الأمراء، [وحادت] (٩) الآراء، وظهرت الشرور، وكثرت الخمور، وانتشرت الفواحش، حتى أن ابن أخيه سيف الدين غازي بن قطب الدين مودود -

стр. 160

صاحب الموصل- لما تحقق موت عمه، وكان محصورا منه، نادى مناديه بالبلد بالمسامحة في اللعب واللهو والشرب والطرب، ومع المنادي دف (١) وقدح ومزمار، وتحقق حينئذ قول الشاعر (٢): ألا فاسقني خَمْرا وقُلْ لى هي الخَمْرُ … ولا تَسْقِني سِرًا وقد أمكَن الجَهْرُ وطمعت الأعداء من كل جانب في المسلمين، وعزم الإفرنج على قصد دمشق، فبرز إليهم الأتابك ابن المقدم [فواقعهم] (٣) عند بانياس، فضعف عن مقاومتهم، فهادنهم مدة ودفع إليهم أموالًا جزيلة عجَّلها لهم، ولولا خوفهم من قدوم السلطان الملك الناصر صلاح الدين صاحب الديار المصرية "لما هادنوه. ولما بلغ ذلك صلاح الدين" (٤) كتب إلى الأمراء، وخاصة إلى ابن المقدم، يلومهم على ما صنعوا من المهادنة، ودفع الأموال إلى الإفرنج، وهم أقل وأذل، وأنه على عزم (٥) قصد البلاد؛ لحفظها من الإفرنج فردوا إليه كتابا فيه غلظة وكلاما فيه بشاعة، فلم يلتفت إليهم. ومن شدة خوفهم منه كتبوا إلى سيف الدين غازي صاحب الموصل ليملَّكوه عليهم، [ليدفع عنهم كيد] (٦) الملك الناصر صلاح الدين، فلم يفعل؛ لأنه خاف أن تكون مكيدة منهم له، وذلك أنه كان قد هرب منه الطواشي سعد الدولة كمشتكين، الذي كان قد جعله عنده نور الدين عينا عليه، وحافظًا له من تعاطي ما لا يليق عليه، فلما سمع الخادم بموت أستاذه خاف أن يمسكه، فهرب سرا، فحين تحقق غازي موت عمه بعث في طلب الخادم ففاته، فاستحوذ على حواصله (٧). ودخل سعد الدولة حلب، ثم سار إلى دمشق، فاتفق مع الأمراء على أن يأخذ ابن أستاذه الملك الصالح إسماعيل إلى حلب، فيربيه هنالك، وتكون دمشق مسلمة إلى الأتابك شمس الدين بن المقدم، والقلعة إلى الطواشي جمال الدين ريحان، فسار معه الأمراء والأكابر من دمشق، وذلك في الثالث

стр. 161

والعشرين من ذي الحجة من هذه السنة. وحين وصلوا إلى حلب جلس الصبي على سرير مملكتها، واحتاطوا على بني الداية شمس الدين (١)، وعلى أخيه مجد الدين، الذي كان رضيع نور الدين، وأخوته الثلاثة، وقد كان شمس الدين بن الداية يظن أن يُسلَّم إليه ابن نور الدين ليربيه؛ لأنه أحق الناس بذلك، فخيبوا ظنه وسجنوه وأخوته (٢) في الجب. فكتب صلاح الدين إلى الأمراء، يلومهم على ما فعلوا من نقل الولد [من دمشق] (٣) إلى حلب، ومن سجْنهم لبني الداية (٤)، وقد كانوا من خيار الأمراء ورؤوس الأمراء الأكابر، [ولم لا يسلموا] (٥) الولد إلى مجد الدين بن الداية، الذي كان أحظى الناس عند نور الدين؟ فكتبوا إليه يسيئون الأدب عليه، وكل ذلك مما يزيده حنقا عليهم، ويحرضه على القدوم بجيشه إليهم، ولكنه في هذا الوقت في شغل شاغل بما [دهم] (٦) بلاده من الأمر الهائل، كما سنذكره إن شاء الله في السنة الآتية. (٧) إنه على ذلك قدير. ذكر الأمور المزعجة منها أن في ثالث المحرم وقع حريق ببغداد، فاحترقت مواضع كثيرة. ومنها أن في ربيع الأول وقعت صاعقة في نخلة بالجانب الغربي فاشتعلت النخلة. ومنها أنه سقط في بغداد بَرَدٌ كبار كالنارنج، منها ما وزنه سبعة أرطال، ثم جاء عقيب ذلك سيل عظيم، وزادت دجلة زيادة عظيمة لم يعهد مثلها أصلا، فخرب شيئا كثيرا من العمران والقرى والمزارع والقبور، حتى خرج الناس إلى الصحراء، وكثر الضجيج والابتهال إلى الله تعالى، حتى فرَّج الله وتناقصت زيادة الماء (٨). وقال ابن الجوزي (٩) ﵀: ودخل الماء إلى المارستان وعلا عليه، ورمي عدة شبابيك من شبابيكه

стр. 162

الحديد، فكانت السفن تدخل من الشبابيك إلى أرض المارستان، وَرَقَت المرضى إلى الأسطحة، وامتلأت مقبرة أحمد بن حنبل ﵀ كلها، ولم يسلَم منها إلا موضع قبر بشر الحافي (١) ﵀؛ لأنه كان على نشز. وكان من يري مقبرة أحمد ﵀ بعد أيام يدهش، كأن القبور قد قلبت، وجمع الماءُ من عظام الموتي كالتل العظيم، وكذلك من ألواح القبور (٢). ومنها أن بالموصل كان نحو مما كان ببغداد أو أكثر؛ حتى انهدم بالماء نحو من ألفي دار، وهلك تحت الهدم شئ كثير. ومنها أن الفرات أيضا زاد زيادة عظيمة، فهلك بسببها شئ كثير من القبور (٣)، وغلت الأسعار بالعراق في هذه السنة في الزروع والثمار، ووقع الموتان في الغنم، حتى أبيع الحمل منها بقيراط، وأصيب كثير ممن أكل منها بالعراق وغيرها (٤). ومنها أن في رمضان توالت الأمطار بديار بكر والموصل أربعين صباحا، لم يروا الشمس فيها سوى مرتين لحظتين يسيرتين، فتهدمت "البيوت" (٥) والمساكن على أهلها. ومنها أنه سقط أبو العباس أحمد (٦) ابن أمير المؤمنين المستضئ من قبة شاهقة إلى الأرض، ولكنه سلم ووثئت (٧) يده اليمنى وساعده الأيسر، وانسلخ شيء من أنفه، وكان معه خادم أسود يقال له نجاح، فلما رأى سيده قد سقط إلى الأرض، ألقى نفسه أيضا وقال: لا حاجه لي بالحياة بعد. فسلم أيضًا. فلما صارت الخلافة إلى أبي العباس الناصر كان لا ينساها لنجاح، فحكَّمه في الدولة، وأحسن إليه كثيرا.

стр. 163

ذكر بقية الحوادث منها أن ابن سُنكا، وهو ابن أخي شملة صاحب [خوزستان] (١)، بني قلعة بالقرب من [قلعة] (٢) الماهكي؛ ليتقوى بها على الاستيلاء على تلك الأعمال، فسير إليه الخليفة العساكر من بغداد لتمنعه، فالتقوا، فحمل بنفسه على الميمنة فهزمها، واقتتل الناس قتالا عظيما، ثم كانت الهزيمة عليه، فأُخذ أسيرا وقتل وحمل رأسه إلى بغداد، فعلِّق بباب النوبي (٣)، وهدمت القلعة التي بناها (٤). ومنها أنه كانت وقعة عظيمة بين المؤيد، صاحب نيسابور، وبين شاه مازندران، فقُتل فيها كثير من الطائفتين، فانهزم شاه مازندران، ودخل المؤيد بلد الديلم، وخربها وفتك بأهلها وعاد عنها. ومنها أن ملك الروم خرج من القسطنطينية، وقصد بلاد قليج أرسلان، فجرت فيها حرب استظهر فيها المسلمون، فلما رأى ملك الروم عجزه، عاد إلى بلده، وقد قُتل من عسكره وأُسر جماعة كبيرة (٥). ومنها أن الفرنج حاصروا بانياس، ثم عادوا عنها، وقد قلنا إن هذا كان بعد موت نور الدين، وأن شمس الدين محمد بن عبد الملك خرج من دمشق، وراسل الإفرنج وبذل لهم فعادوا (٦). ومنها أن ابن الجوزي قال (٧): وعظت يوما بالحربية، فاجتمع عندي قريب من ثلثمائة ألف.

стр. 164

ومنها أن في يوم عاشوراء جلس محمد الطوسي بالتاجيَّة (١)، وقال على المنبر أن ابن ملجم لم يكفر بقتل على (﵁)، فضرب بالآجر، ثم ثار الناس، ولولا من كان حوله من الغلمان لقتل. فلما كان اليوم الثاني من مجالسه فرشوا له المنبر ليجلس، فاجتمع الناس على باب التاجية، ومعهم قوارير النفط ليحرقوه، وبعضهم في أيديهم الآجُر ليرجموه، ولم يحضر فأحرقوا منبره، وأحضره نقيب النقباء، وأسمعه كلاما غليظا، فقال لنقيب النقباء: "أنت نائب الديوان" (٢)، وأنا نائب الله في أرضه، وأمر النقيب بأن يُجر برجله، وكتب إلى الخليفة يخبره بما بدا منه، فأمر الخليفة بنفيه، فتفي إلى الجانب الغربي، ثم خرج بعد مدة إلى مصر، وجرى له العجائب، وسنذكره إن شاء الله تعالي (٣). وفيها: ............................................................................ .................................................... (٤) وفيها: حج بالناس ............... (٥) ذكر من توفي فيها من الأعيان أحمد بن علي بن المعمر بن محمد بن عبيد الله أبو عبد الله الحسيني (٦) نقيب العلويين؛ وكان يلقب بالطاهر، سمع الحديث الكثير، وكان جم الأخلاق، جميل المعاشرة، يتبرأ من الرافضة، توفي ليلة الخميس العشرين من جمادى الآخرة منها، ودفن بداره، ثم نقل بعد مدة إلى مشهد الصبيان بالمدائن، وولي ولده مكانه. الحسن بن أحمد بن الحسن بن أحمد بن محمد العطار أبو العلاء الهمداني (٧)؛ سافر الكثير وسمع الكثير، وانتهت إليه القراءات والتحديث في همدان، وتوفي ليلة الخميس عاشر جمادى الآخرة منها وقد جاوز الثمانين بأربعة أشهر.

стр. 165

رستم بن سرهنك أبو القاسم الواعظ (١)؛ سمع الحديث، وتعلم الوعظ من ابن الزاغوني شيخ ابن الجوزي، وتوفي يوم الثلاثاء السادس والعشرين من ربيع الأول منها، عن ستين سنة تقريبا، ودفن بباب حرب. ابن الأهوازي خازن دار الكتب بمشهد أبي حنيفة (٢) (﵁)؛ توفي في ربيع الأول، جاء من محلته إلى البلد، فاتكأ على دكة فمات، وكذلك أخوه وأبوهما فجأة. يحيى بن نجاح المؤدب (٣)؛ سمع الحديث الكثير، وقرأ النحو واللغة، وكان غزير الفضل، يقول الشعر الحسن، توفي في أواخر هذه السنة. ابن قرقول أبو إسحق إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الله بن باديس [بن] (٤)، القائد الحَمْزي المعروف بابن قُرقُول (٥)؛ صاحب كتاب "معارف الأنوار" الذي وضعه علي مثال كتاب؛ "مشارق الأنوار"، للقاضي عياض، كان من الأفاضل، وصحب جماعة من علماء الأندلس، وكانت ولادته بالمَرِيَّة من بلاد الأندلس في سنة خمس وخمسمائة، وتوفي بمدينة فاس (٦) يوم الجمعة وقت العصر، السادس من شوال من هذه السنة، وكان قد صلى الجمعة في الجامع، فلما حضرته الوفاه تلا (٧) سورة الإخلاص، وجعل يكررها، ثم تشهَّد ثلاث مرات، وسقط على وجهه ساجدا ميتا ﵀. وقُرقُول بضم القافين وسكون الراء المهملة وبعد الواو لام. مَرِيّة بفتح الميم وكسر الراء المهمله وتشديد الياء آخر الحروف وفي آخرها هاء، وهي مدينة عظيمة بالمغرب بالقرب من سبتة (٨). والحمزي بفتح الحاء المهملة وبعد الميم الساكنة زاي معجمة نسبة إلى حمزة.

стр. 166

أبو العباس الخضر بن نصر بن عقيل بن نصر الإربلي؛ الفقيه الشافعي (١)، كان فقيها فاضلا عارف بالمذهب والفرائض والخلاف، واشتغل ببغداد على الكِياهِراسي وابن الشاشي، ولقى عدة من مشايخها، ثم رجع إلى إربل، وبني له بها الأمير أبو منصور سُرفتكين بن عبد الله الزيني -صاحب (٢) نائب إربل- مدرسة القلعة سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة، ودرس فيها زمانا، وهو أول من درس بإربل، وله تصانيف حسان كثيرة في التفسير والفقة وغير ذلك، وله كتاب ذكر فيه ست وعشرين خطبة للرسول ( ﷺ ) وكلها مسندة، واشتغل عليه خلق كثير، وانتفعوا به. وكان رجلا صالحا زاهدا عابدا ورعا متقللا في نفسه مباركا، وكان قدم دمشق فأقام بها مدة، وأثنى عليه ابن عساكر في تاريخ دمشق، ثم رجع إلى إربل، ومن جملة من تخرَّج عليه؛ الفقيه ضياء الدين أبو عمر، وعثمان بن عيسى بن دِرباس الهمداني، وتوفي ليلة الجمعية الرابع عشر من جمادى الآخرة من هذه السنة بإربل، ودفن بمدرسته التي في الربض في قبة منفردة، وقبره يزار (٣). وقال ابن خلكان (٤): وزرته كثيرا، وتولى موضعه ابن اخيه. عز الدين أبو القاسم نصر بن عقيل بن نصر؛ وكان فاضلا، ومولده بإربل في سنة أربع وثلاثين وخمسمائة، وسخط عليه الملك المعظم مظفر الدين صاحب إربل، وأخرجه منها، فانتقل إلى الموصل، وسكن في رباط ابن الشهرزوري، ولم يزل هنالك إلى أن توفي في ثالث عشر ربيع الآخر سنة تسع عشرة وستمائة، وكان له ولد يسمى شرف الدين محمد (٥)، وكانت له اليد الطولى في عمل الدوبيت، ومولده في رجب سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة بإربل، وتوفي ليلة السبت الثامن والعشرين من المحرم سنة ثلاث وثلاثين وستمائة بدمشق، ودفن في مقابر الصوفية.

стр. 167

أبو القاسم هبة الله بن عبد الله بن كامل (١)؛ قاضي القضاة بالديار المصرية زمن الفاطميين، ويلقب بفخر الأمناء، وكان أول من صُلب مع عمارة اليمنى وأصحابه كما ذكرنا، وقد كان ينسب إلى فضيلة وأدب، وله شعر رائق، فمن ذلك قوله في غلام رفا: يا رافيًا خَرْقَ كُلِّ ثوبٍ … ويا [رَشَا] (٢) حُبُّه اعْتِقَادي عسي بكَفِّ الوِصَالِ ترفو … ما مَزَّق الهجرُ من فؤادى وقال العماد في الخريدة (٣): أبو القاسم هبه الله بن عبد الله؛ كان داعى الدعاة بمصر للأدعياء، وقاضي القضاة لأولئك الأشقياء، يلقبونه بفخر الأمناء، وهو عندهم في المحلة العلياء، والمرتبة الشماء، والمنزلة [التي] (٤) في السماء، حتى انكدرت نجومهم، وتغيرت رسومهم، وأقيم قاعدهم وعضد عاضدهم، [وأخليت] (٥) منهم مصرهم، [وأجلى] (٦) عنهم قصرهم، وهو أول من ضمه حبل الصَلب، وأمه فاقرة الصُلب، وهذا صنع الله فيمن كفر النعمة وجحد، وذلك غرة رمضان سنة تسع وستين وخمسمائة. عمارة اليمني؛ هو الفقيه أبو محمد عمارة بن أبي الحسن علي بن زيدان بن أحمد ابن محمد بن سليمان بن أيوب الحكمي اليمني الملقب نجم الدين الشاعر المشهور. وقال ابن خلكان (٧): نقلت من بعض تواليفه أنه من قحطان. ثم الحكم بن سَعد العشيرة المذحجي، وأن وطنه من تهامة باليمن، مدينة يقال لها مرَطان من وادي وساع، وبُعدها من مكة في مهب الجنوب أحد عشر يوما، وبها مولده ومرباه، وأنه بلغ الحلم سنة تسع وعشرين وخمسمائة، ورحل إلى زبَيد سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة، فأقام يشتغل بالفقه في بعض مدارسها مدة أربع سنين، وأنه حج سنة تسع وأربعين وخمسمائة، وسيّره قاسم بن هاشم بن فليته صاحب مكة -شرفها الله- رسُولًا إلى الديار المصرية، فوصلها

стр. 168

في ربيع الأول سنة خمسين وخمسمائة، وصاحبها يومئذ الفائز بن الظافر (١)، والوزير الصالح طلائع بن رُزيك (٢)، وأنشَدهما في تلك الدفعة قصيدته الميمية (٣) وهي: الحَمْدُ للعيس بعدَ العَزْمِ والهِمَمِ … حَمْدًا يقومُ بما أَولَت من النِّعمِ لا أجْحَدُ الحقَّ عِنْدى للركابِ يَدٌ … تمنَّت اللَّجَمُ فيها رُتبةَ الخَطُمِ قَرَّينَ بعدَ مَزارِ العزِّ من نظرى … حتى رأيتُ إِمامَ العَصْر مِن أَمَمِ ورُحْن من كَعْبةِ البَطحاءِ والحرَم … وفدًا إلى كَعْبةِ المَعْروفِ والكَرمِ فهل دَرىَ البيتُ أنِّي بعدَ فُرقَتِه … ما سِرْتُ من حَرمٍ إلا إلى حَرمِ حيثُ الخِلافةُ مضروبٌ سُرادقُها … بين النقيضين من عَفْوٍ ومن نِقَمٍ وللإمَامةِ أنوارٌ مُقَدّسةٌ … تجْلُو البغيضين من ظُلمٍ ومن ظُلَمِ وللنبوةِ آياتٌ [تنصُّ] (٤) لنا … على الخَفِيين (٥) من حُكمٍ ومن حِكمِ وللمَكارمِ أعلامٌ تعُلِّمُنا … مدحَ الجَزِيلَيْن مِنْ بأسٍ ومن كَرَمِ وللعُلا ألْسُنٌ تُثْنِي مَحَامِدُها … على الحَميدين من فعلٍ ومن شِيَمِ ورايةُ [الشَّرفِ] (٦) البذَّاخِ ترفَعُها … يدُ الرفِيعَيْن من مَجْدٍ ومن هِمَمِ أقسَمْتُ بالفائِزِ المعصوم معتقدًا … فوزَ النجاة وأجْرَ البر في القَسَمِ لقد حَمى الدينَ والدُّنيا وأهلُهُما … وزيرُه الصالِحُ الفَرَّاجُ للغُمَمِ اللابسُ الفخْرَ لم تَنْسجْ غَلائُلهُ … إلا يدُ الصَّنعتين (٧) السيفِ والقلمِ وُجُودُه أوجَدَ الأيامَ ما اقْتَرحَتْ … وَجُودُه أعْدَمَ الشَّاكِين للعَدَمِ

стр. 169

قد مَلَّكَتْه العَوالي رِقَّ مملكةٍ … تُعيرُ أنفَ الثُريّا عِزَّة الشَّمَمِ أرى مَقامًا عَظِيمَ الشَّأْن أَوهَمَنِى … في يقظتي أنها من جُملَةِ الحُلُمِ يومٌ من العُمْرِ لم يخْطُرْ على أمَلي (١) … ولا ترقَّت إليه رَغْبَةُ الهِمَمِ ليتَ الكواكبَ تدنوُ لى فأنظُمُها … عقوُدَ مَدْحٍ فما أرضَى لكُمْ كلِمي تَرى الوزارةَ فيه وهي بَاذِلةٌ … عندَ الخلافة نُصْحًا غيرَ مُتَّهَمِ عواطفٌ علَّمَتْنا (٢) أنَّ بَيْنهُما … قَرابةً من جَمِيل الرأْي لا الرَّحِمِ خليفةٌ ووزيرٌ مَدَّ عَدْلُهُما … ظِلَّا على مَفْرِق الإسْلام والأُممِ زيادَةُ النيلِ نقْصٌ عند فَيْضِهِما (٣) … فَمَا عسَى نتعاطَى منّةَ الدِّيَمِ فاسْتَحْسَنا قصيدته، وأجْزلا صِلَته. قال عمارة (٤): لما دخلتُ مِصرَ، وحضرتُ للسلام على الخليفة، والوزير في قاعة الذهب من قصر الخليفة، أنشدتهما هذه القصيدة (٥)، والصالح يستعيدها في حالة الإنشاد مرارًا، فاستحسنها الأستاذون والأمراء والكبراء، ثم أُفيضت علىَّ خلع من ثياب الخليفة (٦) مُذهبة، ودفع إلىَّ الصالح خمسمائة دينار، وإذا بعض الأستاذين قد خرج لي من عند السيدة [الشريفة] (٧) بنت الإمام الحافظ بخمسمائة دينار أخرى، وحمل المال معي إلى المنزل، وأطلقت لي من دار الضيافة رسوم لم تطلق لأحد [من] (٨) قبلي، وتهادتنى أمراء الدولة إلى منازلهم للولائم، فاستحضرني الصالح للمجالسة، ونظمني في سلك أهل المؤانسة، [وانثالت علىّ صلاته وغمرني برّه] (٩)، ووجدت بحضرته من أعيان أهل الأدب الشيخ الجليس أبا المعالي بن الحباب، والموفق أبا الحجاج يوسف بن الخلال صاحب ديوان الإنشاءِ، وأبا الفتح محمود بن قادوس، والمهذب أبا محمد الحسن بن الزبير وغيرهم.

стр. 170

وقال ابن خلكان (١): وأقام عمارة في مصر إلى شوال من سنة خمسين في أرغد عيش وأعز جانب، ثم فارق مصر في هذا التاريخ، وتوجه إلى مكة، ومنها إلى زَبيد في صفر سنة إحدى وخمسين، ثم حج من عامه، فأعاده قاسم صاحب مكة المذكور في رسالة (٢) إلى مصر مرة ثانية، فاستوطنها ولم يُفارقها بعد ذلك. وكان فقيها شافعي المذهب، شديد التعصب للسُّنة، أديبا ماهرًا، شاعرًا مجيدا، محادثا ممتعًا، فأحسن الصالح وبنوه إليه كل الإحسان، وصحبوه مع اختلاف العقيدة؛ لحسن صحبته. وله في الصالح وولده مدائح كثيرة، وكانت بينه وبين ابن شاور (٣) صحبة متأكدة قبل وزارة أبيه، فلما وُزِّرَ استحال عليه فكتَبَ إليه: إذا لم يُسَالِمْك الزمَانُ فحارِبِ … وباعِدْ إذا لم تنتفعْ بالأقاربِ ولا تحتقرْ كيدًا ضَعِيفا فربَّما … تموتُ الأفاعي من [سمام] (٤) العقَاربِ فقد هَدّ قِدمًا عرش بلقيس هدْهدٌ … وَخرَّبَ فأرُ قبل ذا سد مأربِ إذا كان رأسُ المالِ عُمْرك فاحترز … عليه من الإنفاقِ في غير واجبِ فبين اختلافِ الليلِ والصبح مَعرَكٌ … يَكر علينا جيشُه بالعجائبِ وما راعَني غَدْرُ الشبابِ لأنني … أَنِستُ بهذا الخُلْق من كلِّ صاحبِ وغدْرُ الفتى في عَهْده ووفائِه … وغدْرِ المواضِي في بُنُوِّ المضاربِ إذا كان هذا الدُّرُّ مَعْدِنُه فَمي … فصُونوه عن تقْبِيلِ راحة واهبِ رأيتُ رجالا أصبَحَتْ في مآدبِ … لدَيكم وحالي وحْدَها في نوادِبِ تأخَرْتُ لَمَّا قدَّمَتْهُم عُلاكُم … عَلىَّ وتأبي الأسْدُ سَبْقَ الثعالبِ تُرى أين كَانُوا في مواطِنِي التي … غَدَوْتُ لكُم فيهِنَّ أكرمَ نائبِ ليالىَ أتْلُو ذِكْرَكُم في مَجَالسٍ … حَدِيثُ الورَى فيها بغَمزِ الحواجبِ

стр. 171

قال ابن خلكان (١): وزالت (٢) دولة المصريين وهو في البلاد. ولما ملك السلطان صلاح الدين مدحَه، ومدح جماعةً من أهل بيته، يتضمن ديوانه جميع ذلك. ورَثى أصحاب القصر عند زوال ملكهم بقصيدة لامية طويلة أجاد فيها، وغالبُ شعره جيدِ، ثم أنه شرع في أمور وأسباب من الاتفاق مع جماعةٍ من رُوساء البلد على التعصب للمصريين وإعادة دولتهم، فأحس بهم صلاح الدين، فكانوا ثمانية من الأعيان، ومن جملتهم عمارة هذا، وشنقهم يوم السبت ثاني شهر رمضان سنة تسع وستين وخمسمائة بالقاهرة، وقد ذكرناه مفصلًا. وقال ابن خلكان (٣): وله تواليف منها كتاب "أخبار اليمن"، وفيه فوائد. ومنها "النكت العصرية في أخبار الوزراء المصريّة"، وغير ذلك. وقال ابن كثير (٤): وله تصنيف في الفرائض، وقد كان أديبا فاضلا فقيها فصيحا، غير أنه كان ينسب إلى موالاة الفاطميين، وله فيهم وفي أمرائهم ووزرائهم مدائح كثيرة جدًا، وأقل ما [كان] (٥) ينسب إلى الرفض، وقد اتهم باطنه بالكفر المحض. وذكر العماد (٦) في الخريدة أنه قال في قصيدته التي يقولُ فيها: قد كان أول هذا الدينِ من رجل … سعى إلى أن دَعَوْه سيِّد الأمم قال [العماد] (٧): فأفتى علماء مصر بقتله وحرَّضوا السلطان صلاح الدين على ذلك. قال: ويجوز أن يكون [هذا البيت] (٨) معمولا به عليه (٩)، والله أعلم. وقد أورد ابن الساعي (١٠) شيئا من رقيق شعره، فمن ذلك قوله يتغزل:

стр. 172

لى في هوى [الرَّشَأِ] (١) العُذْرِىِّ أعْذارُ … لم يبقَ لي مُذْ أقَرَّ الدمعُ إنكارُ لي في القُدودِ وفي لثْمِ الخدودِ وفي (٢) … ضَمِّ النُّهُودِ لُباناَتُ وأوطارُ هذا اختِياري فوافِقْ إن رَضِيتَ به … أو لَا فَدَعْني بما أهْوى وأخْتَارُ ومما وجد في شعره يرثي العاضد وأيامه، ويظهر محبته للفاطميين (٣): يا عاذِلِي في هَوى أبناءِ فاطِمَةٍ … لكَ المَلامةُ إن قصَّرتَ في عَذْلي بالله زُر ساحةَ القَصْرين، وابكِ معي … عليهما، لا على صِفِّين والجَمَلِ (٤) وهي قصيدة طويلة، وقد ذكرناها فيما مضى. مَالك بن علي (٥) صاحب قلعة جعبر؛ قتل في هذه السنة، قتله الإسماعيلية بسرُوج (٦). مِرِى ملك الإفرنج، صاحب عسقلان (لعنه الله)، هلك في هذه السنة، وقد كاد اللعين أن يغلب على الديار المصرية، لولا فضل الله تعالى ورحمته.

стр. 173

فصل فيما وقع من الحوادث في السنة السبعين بعد الخمسمائة * استهلت هذه السنة والخليفة هو المستضيء بأمر الله، وصاحب مصر السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، وسلطان الشام وحلب وما والاهما الملك الصالح إسماعيل بن الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي، وسلطان الروم عز الدين قُليج أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان بن (١) سليمان بن قطلومش بن أرسلان بيغو بن سلجوق، وصاحب اليمن الملك المعظم توران شاه بن أيوب أخو السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، وصاحب المغرب أبو يعقوب (٢) يوسف بن السلطان عبد المؤمن، وصاحب الموصل وغيرها سيف الدين غازي بن مودود، وصاحب ماردين وغيرها قطب الدين إيل غازي بن نجم الدين ألبي بن تمرتاش بن إيلغازي بن أرتُق، وصاحب آمِد وحصن كيفا (٣) نور الدين محمد بن قرا أرسلان بن داود، وصاحب تبريز (٤) فلك الدين اين آقسنقر الأحمديلي، وصاحب خوزستان وفارس شملة التركماني، وصاحب همدان وغيرها البهلوان محمد (٥) بن أيلدكز، وصاحب غزنة (٦) شهاب الدين الغوري. ذكرُ تملك صلاح الدين دمشق وأخذه من الملك الصالح بن نور الدين ولما مات نور الدين في التاريخ الذي ذكرناه، وتولي عوضه ولده إسماعيل، وطمعت الفرنج في بلاد الشام، واختلفت آراء أمراء الشام، وعزم السلطان صلاح الدين للتوجه إلى

стр. 174

الشام، لأخذها وحفظها من الإفرنج، ولكنه عرض عليه أمران: الأول: مجئ الإفرنج إلى بلاد مصر، والثاني: مخالفة كنز المقدم بأسوان، فلنذكر الأمرين أولًا، ثم نذكر أخذ صلاح الدين دمشق. أما الأمر الأول فقد قال ابن كثير (١): استهلت هذه السنة والسلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب على عزم الدخول إلى الشام؛ ليحفظه من أيدي الإفرنج المخذول، ولكنه قد دهمه أمر شغله عنه. وذلك أن الفرنج قدموا إلى ساحل البلاد المصرية في أسطول لم يسمع بمثله؛ في كثرة مراكبه وما فيه من آلات الحصار، وكثرة الرجال والمقاتلة، في جملة ذلك؛ مائتا شيني في كل منها مائة وخمسون مقاتلا، وأربعمائة قطعة أخرى. وكان قدومهم من صقلية إلى ظاهر إسكندرية قبل رأس السنة بأربعة أيام، فنصبوا المنجنيقات والدبابات حول البلد، وبرز إليهم أهلها، فقاتلوهم دونها قتالًا شديدًا، واستمر القتال أياما، وقتل من كل الفريقين خلق كثير، ثم اتفق أهل "البلد" (٢) على تحريق ما نصبوه من المنجنيقات والدبابات، ففعلوا ذلك، فأضعف ذلك قلوب الإفرنج وفنَّد في أعضادهم، ثم كبسهم المسلمون في منازلهم، فقتلوا من أحبوُا وأرادوا، وغنموا ما شاءوا واختاروا. وانهزم الكفار في كل وجه، ولم يكن لهم ملجأ إلا البحر أو القتل أو الأسر، واستحوذ المسلمون على أموالهم وأثقالهم وخيولهم، وما ضربوه من الخيام لنزولهم، وبالجملة قتلوا خلقا من الرجال، وغنموا شيئا كثيرًا من الأموال، وركب من بقي منهم في الأسطول راجعين إلى بلادهم خائبين لعنهم الله. وفي تاريخ بيبرس (٣): وفي هذه السنة قصد الإفرنج ثغر الإسكندرية وجاءوا في مائتي شيني وطريدة وبطسة، وأمد الملك الناصر صلاح الدين أهل الثغر بالعسكر، وتحرك ليتوجه إليهم، فألقى الله في قلوبهم الرعب، فعادوا خائبين بعد أن ضايقوا الثغر وزحفوا عليه ثلاثة أيام، وقاتلوا قتالا شديدًا.

стр. 175

وفي تاريخ الدولتين (١): أما وصول الأسطول إلى إسكندرية فكان يوم الأحد السادس والعشرين من ذي الحجة سنة تسع وستين، وانهزم في أول المحرم سنة سبعين. وأرسل صلاح الدين كتابا إلى بعض الأمراء بالشام، وفيه: وصل (٢) أول الأسطول وقت الظهر، ولم يزل واصلا إلى وقت العصر. وكان ذلك على حين غفلة من المتوكلين بالنظر، لا على خفاءٍ من الخبر، واستنزلوا خيولهم من الطرائد ورجالهم من المراكب، فكانت الخيل [ألفا وخمسمائة رأس] (٣)، وكانوا ثلاثين ألف مقاتل ما بين فارس وراجل، وكانت عدة الطرائد [ست وثلاثين طريدة تحمل الخيل وكان معهم] (٤) مائتا شيني، في كل شيني مائة وخمسون راجلا، وكانت عدة السفن التي تحمل آلات الحرب والحصار من الأخشاب الكبار وغيرها ست سفن، وكانت عدة المراكب الحمالة برسم الأزواد للرجال أربعين مركبا، وفيها من الرجال المتفرقين وغلمان الخيالة وصناع المراكب وأبراج الزحف ودباباته والمنجنيقية، ما يتمم خمسين ألف راجل. ولما تكاملوا نازلين على البر، حملوا على المسلمين حملة أوصلوهم إلى السور، وفقد من أهل الثغر في وقت الحملة ما يناهز سبعة أنفس. وأستشهد محمود بن البصار و [كان] (٥) بسهم جرح، وجدفت مراكب الإفرنج داخلة إلى الميناء، وكان به مراكب مقاتلة ومراكب مسافرة، فسبقهم المسلمون إليها فخسفوها وغرقوها، وغلبوهم على أخذها، وأحرقوا ما احترق منها، واتصل القتال إلى المساء، فضربوا خيامهم بالبر، وكانت عدتهم ثلثمائة خيمة. فلما أصبحوا زحفوا وضايقوا وحاصروا ونصبوا ثلاث دبابات بكباشها، وثلاثة مجانيق كبارا تضرب بحجارة سوداء استصحبوها معهم من صقلية، والدبابات تشبه الأبراج في جفاء أخشابها، وارتفاعها، وكثرة مقاتِلتها واتساعها، وزحفوا بها إلى أن قاربت السّور، ولجّوا في القتال عامة النهار المذكور.

стр. 176

وورد الخبر إلى منزلة العساكر بفاقوس يوم الثلاثاء ثالث يوم نزول العدو على جناح الطائر، فاستنهض السلطان العساكر إلى الثغرين إسكندرية ودمياط. وأما أهل إسكندرية فإنهم فتحوا الأبواب (١) على غفلة، وخَرَّجوا منها ممن كان من الأمراء، فأحرقوا الدبابات المنصوبة، وأنزل الله النصر على المسلمين، والخذلان على الكفار، واتصل القتال إلى العصر من يوم الأربعاء، وانهزم الإفرنج واستحر القتل والجرح فيهم، ولم يسلم منهم إلا من نزع لبسه، ورمي في البحر نفسه. وتقحم المسلمون في البحر على بعض المراكب فخسفوها وأتلفوها، فولت بقية المراكب هاربة، وبقي العدو بين قتل وغرق وأسرٍ، واحتمي ثلثمائة فارس في رأس تل، فأخذت خيولهم، ثم قتلوا وأسروا، وأقلع هذا الأسطول عن الثغر يوم الخميس. وذكر ابن شداد (٢) أن نزول هذا العدو كان في شهر صفر، وكانوا ثلاثين ألفا في ستمائة قطعة ما بين شيني، وطرادة، وبطسة، وغير ذلك. وأما الأمر الثاني: فهو نوبة الكنز. وقال بيبرس في تاريخه (٣): وفي هذه السنة خالف الكنز بأسوان وهو مقدم من المصريين، وكان قد انتزح إلى أسوان، فأقام بها، ولم يزل يدبر أمره ويجمع السودان عليه، ويخيل لهم أنه يملك البلاد ويعيد الدولة المصرية، ويقطع خطبة الناصر صلاح الدين، ويخطب لداود بن العاضد، فاجتمع إليه جمع وافر من السودان، وقصد قوص وأعمالها. فانتهى خبره إلى الملك الناصر، فجرد إليه عسكرا (٤)، وقدم عليه أخاه الملك العادل، وتوجه صحبته أبو الهيجاء السمين، فساروا إلى الكنز، وقد حشد جمعا كثيرا من السودان والرعية وعُربان البلاد، فالتقوا وقتلوا الكنز وأبادوا جموعه، واطمأنَّ الصعيد، وعاد الملك العادل وسكن القصر بالقاهرة، ولقب من ذلك الحين بالملك العادل (٥).

стр. 177

والكنز المذكور من قبيلة ربيعة (١)، وكان مسكنهم بجزيرة العرب، ومستقرهم منها باليمامة، وانتقلوا إلى مصر من أيام المتوكل العباسي (٢)، فسكنوا بيوت الشعر في صحارى هذه الأعمال. وكانت البجاة (٣) تشن الغارات في كل وقت، فمنعوهم من ذلك، ثم تزوجوا عندهم، وظفروا معدن الذهب بالعلاقي (٤)، فتمولوا. وفي تاريخ ابن كثير (٥): ومما عوق الملك الناصر صلاح الدين عن الشام رجل يعرف بالكنز، وسماه بعضهم عباس بن شادى، وكان من مقدمي الديار المصرية، ومن الدولة الفاطمية، وكان قد [انتزح] (٦) إلى أسوان، وجمع عليه خلقا من الرعاع من الحاضرة والعربان، وزعم لهم أنه سيعيدُ الدولة [الفاطمية] (٧)، ويدحض الدولة [الأتابكية] (٨) التركية، ثم ذكر قريبا مما ذكرناه. وقال ابن أبي طي (٩): خرج بقرية من قرى الصعيد يقال لها طود (١٠) رجل يعرف بعباس بن شادي (١١)، وثار في بلاد قوص ونهبها وخربها، وأخذ أموال الناس، واتصل ذلك بالملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب، وكان السلطان استنابه بمصر، فجمع له العساكر وأوقع به، وبدد شمله، ثم قصد بعده كنز الدولة الوالى بأسوان، وكان قصد بلد طُود، فقتل أكثر عسكره وهرب، فأدركه بعض أصحاب الملك العادل فقتله.

стр. 178

وأما توجه السلطان صلاح الدين إلى الشام فقد كان في هذه السنة فخرج إلى البركة في مستهل صفر، وأقام حتى اجتمع العسكر، ثم رحل إلى بلبيس في ثالث عشر ربيع الأول، وكان عنده رسل شمس الدين صاحب بصرى، صديق ابن جاولي، وشمس الدين بن المقدم (١)، ثم سار إلى أيلة، ثم أناخَ على بصرى (٢)، فاستقبله صاحب بُصرَي، ولم يزل في خدمته إلى الكسوة (٣)، وبكر صلاح الدين يوم الاثنين آخر شهر ربيع الأول، وسار في عسكره حتى دخل دمشق، ودخل إلى دار العقيقي (٤) وكانت مسكن أبيه، وكان في قلعة دمشق جمال الدين ريحان الخادم، فاستماله صلاح الدين حتى ملك القلعة أيضًا، ونزل في القلعة سيف الإسلام أخو السلطان صلاح الدين، وأظهر السلطان لأهل دمشق أنه إنما جاء لتربية الملك الصالح بن نور الدين، وحفظ مالهُ من المصالح، وجاء إليه أعيان البلد، منهم: القاضي كمال الدين بن الشهرزوري، فأكرمه السُلطان، وبالغ في إكرامه، والأمراء والأجناد والأتراك والأكراد والعربان، ثم أرسل السلطان الكتب الفاضلية إلى مصر بهذا الفتح والنصر. وفي بعض كتبه: "وكان رحيلنا من بُصري يوم الأربعاء الرابع والعشرين من ربيع الأول، ومن ثم (٥) لقينا الأجل ناصر الدين بن المولى أسد الدين [شيركوه] (٦)، والأمير سعد الدين بن أُنر يوم السبت السابع والعشرين منه، ونزلنا يوم الأحد بجسر الخشب، واستقبلنا هناك الأجناد الدمشقية، ولما دخلنا دمشق أمرنا بالنداء بإطابة النفوس، وإزالة المكوس".

стр. 179

وفي تاريخ بيبرس: وفي هذه السنة خرج الملك الناصر صلاح الدين إلى دمشق، واستناب عنه الملك العادل أخاه بالديار المصرية، وكان السبب في ذلك أن الملك الصالح بن نور الدين كتب إلى ابن عمه سيف الدين غازي بن مودود (١)، صاحب الموصل، وإلى أخيه عماد الدين زنكي، صاحب سنجار، بأن يحضرا إليه بعساكرهما؛ ليجتمعوا جميعا على قصد صلاح الدين وأخذ الديار المصرية منه، فأما أخوه عماد الدين زنكي فإنه امتنع منه؛ لأن صلاح الدين كان قد كاتبه وأطمعه في ملك والده، بحكم أنه الكبير، فحمله الطمع على الامتناع على أخيه، فلما رأى أخوه امتناعه، سار إليه إلى سنجار، وحاصره بها، وامتنع عماد الدين، وجَدَّ في حفظ البلد، والذب عنها، فدام الحصار عليها (٢). فبينا يحاصرها أتاه الخبر بانهزام عسكره الذي مع أخيه عز الدين مسعود (٣) من صلاح الدين؛ لأنه كان عند مسيره إلى سنجار قد رتبه مع عسكر بدمشق، وصحبته أمير كبير يسمى عز الدين محمود، فلما وصل صلاح الدين إلى دمشق أخذها، وانهزم العسكر الذي بها. فراسل الملك الصالح أخاه عماد الدين، وصالحه على ما بيده، ورحل إلى الموصل، إلى سيف الدين ابن عمه؛ ليستنجده على صلاح الدين، فسار بنفسه، وسار صلاح الدين من دمشق إلى حمص، واستخلف عليها أخاه سيف الإسلام طُغتكين (٤)، وقاتل أهل حمص يوما واحدا، فملكها، وامتنعت القلعة عليه. فسار عنها إلى حماة، وبها عزُ الدين جُورديك (٥)، وهو من مماليك نور الدين، فامتنع من التسليم. فسَيَّر إليه صلاح الدين يذكر أنه في طاعة الملك الصالح، وأنه ما خرج إلا لحفظ البلاد

стр. 180

من الفرنج، فاستحلفه على ذلك، وسلم إليه البلد، فلما تسلمها سار منها إلى حلب، فحاصرها وبها الملك الصالح بن نور الدين، واتفق وصول سيف الدين غازي ابن عمه من الموصل منجدًا له، وتقدمت عساكره لقتال صلاح الدين، فبذل له صلاح الدين تسليم حمص وحماة، وأن يقر بيده مدينة دمشق، ويكون فيها نائبا من جهة الملك الصالح، فلم يجبه إلى ذلك، وقال: لابد من تسليم جميع ما أخذه من بلاد الشام وعوده إلى مصر أو القتال. وكان صلاح الدين في أثناء المراسلة يجمع عساكره، ويتأهب للقائه، فلما امتنع سيف الدين من إجابته لما بذل، سار بعسكره، فالتقى هو وعسكر سيف الدين غازي على قرون حماة (١)، فهزمهم وتتبعهم حتى حازوا معسكرهم، وغنم منهم غنائم كثيرة ودوابا وسلاحا، وعاد العسكر السيفي منهزما إلى حلب، فتتبعهم صلاح الدين إليها ونزل عليها محاصرا لها، فراسلوه في الصلح على أن يكون له ما بيده من بلاد الشام، ولهم ما بأيديهم من بلاد حلب معًا، فأجابهم وانتظم الصلح، ورحل عن حلب في شوال منها، وقطع خطبة الملك الصالح من بلاده، وأزال اسمه عن الصَّكة (٢). وفي تاريخ النويري (٣): وفي هذه السنة أرسل شمس الدين بن الداية، المقيم بحلب، كمشتكين الطواشي، يستدعي الملك الصالح بن نور الدين من دمشق إلى حلب؛ ليكون مقامه بها، فسار الصالح إليه، ولما استقر بحلب تمكن كمشتكين وقبض على شمس الدين بن الداية وأخوته، وقبض على الرئيس ابن الخشاب وأخوته، وهو رئيس حلب، واستبدّ كمشتكين بتدبير [أمر] (٤) الملك الصالح، فخاف ابن المقدم وغيره من الأمراء الذين بدمشق، وكاتبوا صلاح الدين بن أيوب صاحب مصر، واستدعوه؛ ليملكوه.
следующие страницы →