← История

История · id 380

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [565 - 628 هـ]

بدر الدين العيني

Полный текст (1 226 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وورد الخبر إلى منزلة العساكر بفاقوس يوم الثلاثاء ثالث يوم نزول العدو على جناح الطائر، فاستنهض السلطان العساكر إلى الثغرين إسكندرية ودمياط. وأما أهل إسكندرية فإنهم فتحوا الأبواب (١) على غفلة، وخَرَّجوا منها ممن كان من الأمراء، فأحرقوا الدبابات المنصوبة، وأنزل الله النصر على المسلمين، والخذلان على الكفار، واتصل القتال إلى العصر من يوم الأربعاء، وانهزم الإفرنج واستحر القتل والجرح فيهم، ولم يسلم منهم إلا من نزع لبسه، ورمي في البحر نفسه. وتقحم المسلمون في البحر على بعض المراكب فخسفوها وأتلفوها، فولت بقية المراكب هاربة، وبقي العدو بين قتل وغرق وأسرٍ، واحتمي ثلثمائة فارس في رأس تل، فأخذت خيولهم، ثم قتلوا وأسروا، وأقلع هذا الأسطول عن الثغر يوم الخميس. وذكر ابن شداد (٢) أن نزول هذا العدو كان في شهر صفر، وكانوا ثلاثين ألفا في ستمائة قطعة ما بين شيني، وطرادة، وبطسة، وغير ذلك. وأما الأمر الثاني: فهو نوبة الكنز. وقال بيبرس في تاريخه (٣): وفي هذه السنة خالف الكنز بأسوان وهو مقدم من المصريين، وكان قد انتزح إلى أسوان، فأقام بها، ولم يزل يدبر أمره ويجمع السودان عليه، ويخيل لهم أنه يملك البلاد ويعيد الدولة المصرية، ويقطع خطبة الناصر صلاح الدين، ويخطب لداود بن العاضد، فاجتمع إليه جمع وافر من السودان، وقصد قوص وأعمالها. فانتهى خبره إلى الملك الناصر، فجرد إليه عسكرا (٤)، وقدم عليه أخاه الملك العادل، وتوجه صحبته أبو الهيجاء السمين، فساروا إلى الكنز، وقد حشد جمعا كثيرا من السودان والرعية وعُربان البلاد، فالتقوا وقتلوا الكنز وأبادوا جموعه، واطمأنَّ الصعيد، وعاد الملك العادل وسكن القصر بالقاهرة، ولقب من ذلك الحين بالملك العادل (٥).

стр. 177

والكنز المذكور من قبيلة ربيعة (١)، وكان مسكنهم بجزيرة العرب، ومستقرهم منها باليمامة، وانتقلوا إلى مصر من أيام المتوكل العباسي (٢)، فسكنوا بيوت الشعر في صحارى هذه الأعمال. وكانت البجاة (٣) تشن الغارات في كل وقت، فمنعوهم من ذلك، ثم تزوجوا عندهم، وظفروا معدن الذهب بالعلاقي (٤)، فتمولوا. وفي تاريخ ابن كثير (٥): ومما عوق الملك الناصر صلاح الدين عن الشام رجل يعرف بالكنز، وسماه بعضهم عباس بن شادى، وكان من مقدمي الديار المصرية، ومن الدولة الفاطمية، وكان قد [انتزح] (٦) إلى أسوان، وجمع عليه خلقا من الرعاع من الحاضرة والعربان، وزعم لهم أنه سيعيدُ الدولة [الفاطمية] (٧)، ويدحض الدولة [الأتابكية] (٨) التركية، ثم ذكر قريبا مما ذكرناه. وقال ابن أبي طي (٩): خرج بقرية من قرى الصعيد يقال لها طود (١٠) رجل يعرف بعباس بن شادي (١١)، وثار في بلاد قوص ونهبها وخربها، وأخذ أموال الناس، واتصل ذلك بالملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب، وكان السلطان استنابه بمصر، فجمع له العساكر وأوقع به، وبدد شمله، ثم قصد بعده كنز الدولة الوالى بأسوان، وكان قصد بلد طُود، فقتل أكثر عسكره وهرب، فأدركه بعض أصحاب الملك العادل فقتله.

стр. 178

وأما توجه السلطان صلاح الدين إلى الشام فقد كان في هذه السنة فخرج إلى البركة في مستهل صفر، وأقام حتى اجتمع العسكر، ثم رحل إلى بلبيس في ثالث عشر ربيع الأول، وكان عنده رسل شمس الدين صاحب بصرى، صديق ابن جاولي، وشمس الدين بن المقدم (١)، ثم سار إلى أيلة، ثم أناخَ على بصرى (٢)، فاستقبله صاحب بُصرَي، ولم يزل في خدمته إلى الكسوة (٣)، وبكر صلاح الدين يوم الاثنين آخر شهر ربيع الأول، وسار في عسكره حتى دخل دمشق، ودخل إلى دار العقيقي (٤) وكانت مسكن أبيه، وكان في قلعة دمشق جمال الدين ريحان الخادم، فاستماله صلاح الدين حتى ملك القلعة أيضًا، ونزل في القلعة سيف الإسلام أخو السلطان صلاح الدين، وأظهر السلطان لأهل دمشق أنه إنما جاء لتربية الملك الصالح بن نور الدين، وحفظ مالهُ من المصالح، وجاء إليه أعيان البلد، منهم: القاضي كمال الدين بن الشهرزوري، فأكرمه السُلطان، وبالغ في إكرامه، والأمراء والأجناد والأتراك والأكراد والعربان، ثم أرسل السلطان الكتب الفاضلية إلى مصر بهذا الفتح والنصر. وفي بعض كتبه: "وكان رحيلنا من بُصري يوم الأربعاء الرابع والعشرين من ربيع الأول، ومن ثم (٥) لقينا الأجل ناصر الدين بن المولى أسد الدين [شيركوه] (٦)، والأمير سعد الدين بن أُنر يوم السبت السابع والعشرين منه، ونزلنا يوم الأحد بجسر الخشب، واستقبلنا هناك الأجناد الدمشقية، ولما دخلنا دمشق أمرنا بالنداء بإطابة النفوس، وإزالة المكوس".

стр. 179

وفي تاريخ بيبرس: وفي هذه السنة خرج الملك الناصر صلاح الدين إلى دمشق، واستناب عنه الملك العادل أخاه بالديار المصرية، وكان السبب في ذلك أن الملك الصالح بن نور الدين كتب إلى ابن عمه سيف الدين غازي بن مودود (١)، صاحب الموصل، وإلى أخيه عماد الدين زنكي، صاحب سنجار، بأن يحضرا إليه بعساكرهما؛ ليجتمعوا جميعا على قصد صلاح الدين وأخذ الديار المصرية منه، فأما أخوه عماد الدين زنكي فإنه امتنع منه؛ لأن صلاح الدين كان قد كاتبه وأطمعه في ملك والده، بحكم أنه الكبير، فحمله الطمع على الامتناع على أخيه، فلما رأى أخوه امتناعه، سار إليه إلى سنجار، وحاصره بها، وامتنع عماد الدين، وجَدَّ في حفظ البلد، والذب عنها، فدام الحصار عليها (٢). فبينا يحاصرها أتاه الخبر بانهزام عسكره الذي مع أخيه عز الدين مسعود (٣) من صلاح الدين؛ لأنه كان عند مسيره إلى سنجار قد رتبه مع عسكر بدمشق، وصحبته أمير كبير يسمى عز الدين محمود، فلما وصل صلاح الدين إلى دمشق أخذها، وانهزم العسكر الذي بها. فراسل الملك الصالح أخاه عماد الدين، وصالحه على ما بيده، ورحل إلى الموصل، إلى سيف الدين ابن عمه؛ ليستنجده على صلاح الدين، فسار بنفسه، وسار صلاح الدين من دمشق إلى حمص، واستخلف عليها أخاه سيف الإسلام طُغتكين (٤)، وقاتل أهل حمص يوما واحدا، فملكها، وامتنعت القلعة عليه. فسار عنها إلى حماة، وبها عزُ الدين جُورديك (٥)، وهو من مماليك نور الدين، فامتنع من التسليم. فسَيَّر إليه صلاح الدين يذكر أنه في طاعة الملك الصالح، وأنه ما خرج إلا لحفظ البلاد

стр. 180

من الفرنج، فاستحلفه على ذلك، وسلم إليه البلد، فلما تسلمها سار منها إلى حلب، فحاصرها وبها الملك الصالح بن نور الدين، واتفق وصول سيف الدين غازي ابن عمه من الموصل منجدًا له، وتقدمت عساكره لقتال صلاح الدين، فبذل له صلاح الدين تسليم حمص وحماة، وأن يقر بيده مدينة دمشق، ويكون فيها نائبا من جهة الملك الصالح، فلم يجبه إلى ذلك، وقال: لابد من تسليم جميع ما أخذه من بلاد الشام وعوده إلى مصر أو القتال. وكان صلاح الدين في أثناء المراسلة يجمع عساكره، ويتأهب للقائه، فلما امتنع سيف الدين من إجابته لما بذل، سار بعسكره، فالتقى هو وعسكر سيف الدين غازي على قرون حماة (١)، فهزمهم وتتبعهم حتى حازوا معسكرهم، وغنم منهم غنائم كثيرة ودوابا وسلاحا، وعاد العسكر السيفي منهزما إلى حلب، فتتبعهم صلاح الدين إليها ونزل عليها محاصرا لها، فراسلوه في الصلح على أن يكون له ما بيده من بلاد الشام، ولهم ما بأيديهم من بلاد حلب معًا، فأجابهم وانتظم الصلح، ورحل عن حلب في شوال منها، وقطع خطبة الملك الصالح من بلاده، وأزال اسمه عن الصَّكة (٢). وفي تاريخ النويري (٣): وفي هذه السنة أرسل شمس الدين بن الداية، المقيم بحلب، كمشتكين الطواشي، يستدعي الملك الصالح بن نور الدين من دمشق إلى حلب؛ ليكون مقامه بها، فسار الصالح إليه، ولما استقر بحلب تمكن كمشتكين وقبض على شمس الدين بن الداية وأخوته، وقبض على الرئيس ابن الخشاب وأخوته، وهو رئيس حلب، واستبدّ كمشتكين بتدبير [أمر] (٤) الملك الصالح، فخاف ابن المقدم وغيره من الأمراء الذين بدمشق، وكاتبوا صلاح الدين بن أيوب صاحب مصر، واستدعوه؛ ليملكوه.

стр. 181

فسار صلاح الدين جريدة (١) في سبعمائة فارس، ووصل إلى دمشق واستقر فيها، ولم ينتطح عنزان ولا اختلف سيفان، وذلك أن نائبها شمس الدين بن المقدم كان قد كتب إليه أولا فأغلظ لرمي الكتاب، فلما رأى أمره متوجها، جعل يكاتبه ويستحثه على القدوم [إلى دمشق] (٢)، ويعده بتسليم البلد، فلما رأى الجد لم يمكنه المخالفة، فسلمه البلد، فنزل السلطان "صلاح الدين" (٣) أولا في دار والده، وهي دار العقيقي، وهي التي بنيت مدرسة للملك الظاهر بيبرس ﵀، ولما ثبت أمره بها، أستخلف بها أخاه سيف الإسلام طغتكين، وأخذ ما في القلعة من الأموال، ثم سار إلى حمص مستهل جمادى الأولى، ونزل عليها في حادي عشر جمادى الأولى، وملك المدينة، وعصت عليه القلعة، فترك عليها من يضيق عليها. ورحل إلى حماة، وملك مدينتها مستهل جمادى الآخرة من هذه السنة، وكان بقلعتها عز الدين جُرديك أحد المماليك النورية، فامتنع، فذكر له صلاح الدين أنه ليس له غرض سوي حفظ بلاد الملك الصالح بن نور الدين عليه، وإنما هو نائبه. وقَصَدَ جُرديك من صلاح الدين أن يكون سفيره بينه وبين الحلبيين، فأجابه إلى ذلك، فسار جرديك إلى حلب للرسالة، واستخلف في قلعة حماة أخاه، فلما وصل جُرديك إلى حلب قبض عليه كمشتكين وسجنه (٤)، فلما علم بذلك أخوه، سلم قلعة حماة إلى صلاح الدين، فملكها، ثم سار صلاح الدين إلى حلب، فنازلها على جبل جَوشَن (٥) وحصرها، فاجتمع أهل حلب وقاتلوا صلاح الدين، وصدوه عن حلب، فأرسل كمشتكين إلى سنان مقدم الإسماعيلية (٦) أموالا عظيمة، ليقتلوا صلاح الدين. ووثبوا

стр. 182

على صلاح الدين، فقُتِلوا دونه. واستمر صلاح الدين محاصرًا لحلب إلى مستهل رجب، ثم رحل عنها؛ بسبب نزول الفرنج على حمص، وذلك أن أهل حلب راسلوا قومص (١) صاحب طرابلس، ووعدوا له بأموال جزيلة، إن هو رَحَّلَ عنهم السلطان صلاح الدين، وكان هذا اللعين قد أسره نور الدين معتقلا مدة عشر سنين، ثم فاداه على مائة ألف دينار وألف أسير من أسارى المسلمين، وكان لا ينسى ذلك لنور الدين، فركب قومص -لعنه الله- من مدينة طرابلس في جيشه، فلم يتجاسر على مقابلة صلاح الدين، بل قصد حمص؛ ليأخذها بغتة. وركب إليه السلطان، وقد أرسل سريةً إلى بلده، فقتلوا منها وأسروا وغنموا، فلما اقترب السلطان منه نكص على عقبه، وكر راجعا إلى بلده، وتراءى أنه قد أجاب إلى ما سألوا، فوصل صلاح الدين إلى حماة وسار إلى حمص، فرحل الفرنج عنها، وحصر قلعتها وملكها في الحادي والعشرين من شعبان، ثم سار إلى بعلبك فملكها (٢)، ولما استقر صلاح الدين في هذه البلاد أرسل الملك الصالح بن نور الدين إلى ابن عمه سيف الدين غازي صاحب الموصل؛ يستنجده على صلاح الدين، فجهز جيشه، صحبة أخيه عز الدين مسعود بن مودود بن زنكي، وجعل مقدم جيشه أكبر أمرائه، وهو عز الدين محمود، ولقبه سلفندار، ووصلوا إلى حلب، وانضم إليه عسكر حلب، وساروا إلى صلاح الدين، وأرسل صلاح الدين يبذل حمص وحماة، وأن يقر بيده دمشق، ويكون فيها نائبا للملك الصالح بن نور الدين، وإنما فعل ذلك صلاح الدين؛ لقلة الجيش الذي معه بالنسبة إلى جيش هؤلاء. فامتنع من المصالحة الخادم [سعد الدولة] (٣) كمشتكين، إلا أن يجعل لهم الرحبة (٤) التي بيد ابن عمه ناصر الدين بن أسد الدين شيركوه، فقال: ليس لى ذلك ولا أقدر عليه، فأبوا الصلح، وأقدَموا على القتال، فجعل صلاح الدين جيشه كردوسًا (٥) واحدًا، وذلك يوم

стр. 183

الأحد التاسع عشر من شهر رمضان، عند قرون حماة فصبر صبرًا عظيما، وجاءه في أثناء الحال ابن أخيه تقي الدين عمر بن شاهنشاه، ومعه أخوه فرخشاه في طائفة من الجيش، وقد ترجح دِسْتَهُ عليهم، وخلص رعبه إليهم، فانهزموا وولوا مدبرين. وغنم صلاح الدين وعسكره أموالهم، فأسر منهم من أسر من رؤسائهم، ونادي أن لا يتبع مدبر، ولا يذفف (١) على جريح، ثمَّ أطلق من وقع في أسرِه منهم، وسار على الغور حتي نازل حلبَ. فانعكس عليهم الحال، فبالأمس كان يطلب منهم المصالحة، واليوم هم طلبوا منه أن يكف عنهم، ويسير عنهم، على أن له المعرة (٢) وكفر طاب (٣) وبارين (٤) زيادة على ما بيده من أراضي حماة وحمص وبعلبك مع دمشق، فقبل منهم وكف عنهم، وحلف أن لا يغزو بعدها الملك الصالح، وأن يدعو له على سائر منابر بلاده وممالكه. وشفع في بني الداية أخوة مجد الدين، أن يخرجوا من السجن، ففعلوا ذلك، ثم رجع مؤيدًا منصورًا. فلما وصل إلى حماة وصل إليه رسل الخليفة المستضيء بأمر الله، ومعهم الخلع السنية، والتشريفات العباسية، والأعلام السُّود، وتوقيع من الديوان بالسَلطنة ببلاد مصر والشام، وأفيضت الخلع على أهله وأقاربه وأصحابه وأصهاره وأعوانه وأنصاره، وكان يومًا مشهودا. واستناب على حماة ابن خاله وصهره الأمير شهاب الدين محمود، ثم سار إلى حمص فأطلقها لابن عمه ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه، كما كانت لأبيه من قبل، ثم إلى بعلبك، ثم إلى البقاع (٥)، ثم إلى دمشق في ذي القعدة من هذه السنة (٦).

стр. 184

وفي المرآة (١): لما دخل السلطان صلاح الدين دمشق من مجيئه من مصر التقاه أهل دمشق بأسرهم، ونشروا عليه الدراهم والدنانير، وأحسن صلاح الدين إلى ابن المقدم (٢)، والقاضي ابن الشهرزوري، ومشى إلى دار كمال الدين، فانزعج وخرج إلى لقائه، ودخل صلاح الدين، فجلس وباسطه، وقال: يا كمال الدين لما كنت في الشحنكية (٣) قد كانت بيننا هنَّات ومشاحنات، وكان كمال الدين يكرهه، وكان كل واحد منهما ينقض على الآخر أحكامه. فقال له صلاح الدين: "ما مشيت إليك إلا لأزيل ما في خاطرك من الوهم، وأعرفك أن ما في قلبي لك ما تكره، فطب نفسًا، وقر عينًا، فالأمرُ أمرك، والبلد بلدك. وأكثر الشعراء في أخذ صلاح الدين دمشق، ثم كتب إلى الملك الصالح كتابًا تواضع فيه له، وخاطبه بمولانا ابن مولانا، ويقول: إنما جئتُ من مصرَ؛ خدمةً لك لأودي ما يجب من حقوق المرحوم، فلا تسمع ممن حولك، فتفسد أحوالك وتختل أمورك، وما قصدي إلا جمع كلمة الإسلام على الإفرنج". فعرض كتابه على أرباب دولته، وفيهم خالد بن محمد بن القيسراني، وغلمان أبيه، وابن العجمي، فأشاروا إليه (٤) بأن يُكاتِبه بالغلظة، فكتب إليه ينكر عليه، وينسبه إلى كفر النعمة، وجحد إحسان والده، ووعده وهدده، وبعث بالكتاب [مع] (٥) ينال بن حسان (٦) صاحب منبج (٧)، فأغلظ لصلاح الدين في الجواب، وقال: السيوف التي ملَّكَتْكَ مصرَ هي التي تَرُدُّكَ. وأشار إلى سيفه، فغضب صلاح الدين، وقال: والله لولا أنك هنا .... من مصر رسول لضربت عنقك (٨)، والله ما جئت إلى هاهنا شرهًا ولا طمعًا في الدنيا، وفي مصر كفاية، وإنما جئت؛ لأستنقذ هذا الصبي من يد مثلك وأمثالك، فأنتم سبب

стр. 185

زوال دولته، ثم طرده بغير جواب، فعاد إلى حلب. واستناب صلاح الدين بدمشق أخاه سيف الإسلام ظهير الدين طغتكين، وسار إلى حمص فأخذها، وفتح حماة، وسار إلى حلب، فاستعانوا (١) عليه بالإسماعيلية، وأعطوهم مالًا وضياعًا، فأرسلوا إليه جماعة من فُتَّاكهم، ورآهم ناصر الدين خمار تكين (٢) صاحب أبي قبيس (٣) ففرقهم؛ لأنه كان مثاغرًا (٤) لهم وأنكر عليهم مجيئهم، وسبق إلى خيمة صلاح الدين ليخبره، فأدركوه على باب الخيمة، ثم أرادوا الهجوم على صلاح الدين، وكان أمير جنداره (٥) سيف الدين طغرل هناك، فجذب سيفه، وقتل واحدا منهم، واجتمع الغلمان على الباقين فقتلوهم. ورحل صلاح الدين عن حلب في أول رجب، وجاء إلى حمص، ثم نازل بعلبك، فأخذها في رمضان من الخادم يُمن الريحاني، ووصل عسكر الموصل إلى حلب، وانضاف إليهم عسكر حلب، ونزلوا [على] (٦) تل السلطان (٧)، فساق عليهم صلاح الدين، وبغتهم، وكان مقدمهم عز الدين مسعود، أخو سيف الدين غازي، فكسرهم كسرة عظيمة، وانهزموا إلى حلب، وغنم أثقالهم، وأسر أبطالهم (٨)، وجاء فحصر حلب، وهذه هي المرة الثانية من حصار حلب، والمرة الأولى من كسرة المواصلة. ورجع صلاح الدين، فنزل [حصن] (٩) بارين، وأخذه من ابن الزعفراني، وكان من أكابر أمراء نور الدين، ولقبه فخر الدين، واسمه مسعود، وأعطى مدينة حلب لخاله، وقيل لابن خاله وصهره ابن شهاب الدين محمود، وأعطى حمص لناصر الدين محمد ابن أسد الدين شيركوه (١٠).

стр. 186

وقال ابن أبي طي: بلغ السلطان أن ابن المقدم "نقض" (١) عهد [السلطان] (٢) الملك الصالح، وهو كان السبب في خروج سيف الدين من الموصل، واستيلائه على البلاد الشرقية، ومضايقته للملك الصالح في ممالكه. وقيل إن ابن المقدم كاتب إلى السلطان، ودعاه إلى الخروج. وقيل إنما خرج إلى الشام؛ خوفًا من حركة تنشأ من جانب الفرنج بسبب اختلاف أمراء الشام، وشغل بعضهم ببعض. قال: ولما حصل على دمشق وقلعتها، واستوطن بُقعتها، نشر علم العدل والإحسان، وعفّى آثارَ الظلم والعدوان، وأبطل ما كان الولاة استجدُّوه بعد موت نور الدين من القبائح والمنكرات، والمؤن والضرائب المحرمات. وقال صاحب تاريخ الدولتين (٣): وكان قد كتب إليه أسامة بن منقذ (٤) قصيدة بعد مصاف عسقلان أولها: تَهنّ يا أطولَ الملوكِ يدًا … في بَسْطِ عدلٍ وسَطوةٍ ونَدا لا تسْتقِلَّ [الذي] (٥) صنعت، فقد … قمتَ بفرْضِ الجهاد مجتهدا وجُسْتَ أرضَ العِدا وأفنَيتَ من … أبطالِهم ما يجاوزُ العددَا وما رأينا غزا الفرنج من الـ … ــملوكِ في عُقرِ دارهم أَحَدَا فَسِرْ إلى الشام فالملائكةُ الـ … أبرارُ يلقاكَ جَمْعُهم مدَدَا فهو فقيرٌ إليكَ يأملُ أن … تُصلح بالعدلِ مِنْه ما فَسَدَا والله يُعطيك فيه عاقبةً النّـ … ـــــصرِ كما في كتابهِ وَعدَا فما حَبَاك الورَى وألْهَمك الـ … ــــعدلَ وأعْطَاكَ ما مَلَكْتَ سُدي ومدح وُحَيش الأسدي (٦) صلاح الدين عند أخذه دمشق، بقصيدة أولها هو قولهُ:

стр. 187

قد جَاءَك النصرُ (١) والتوفيقُ فاصْطَحَبَا … فكنْ لأضعافِ هذا النصرِ مُرْتَقِبًا للهِ أنتَ صلاحُ الدينِ من أسدٍ … [أدني] (٢) فريسته الأيام إن وَثَبَا رأيتَ جلَّق (٣) [ثغرًا] (٤) لا نظيرَ لَهُ … فَجِئتَها عامِرًا منها الذي خرِبا نادتك بالذل لمَّا قلّ ناصرُها … وأزْمَع الخلقُ من أوطانِها هربَا أحييتها مثْل ما أحْيَيْتَ مصرَ فقد … أَعدْتَ من عَدْلِها ما كان قد ذَهَبَا هَذا الذي نَصرَ الإسلام فاتَّضَحَتْ … [سبيلُه] (٥) وأهان الكفرَ والصُّلُبَا ويوم (٦) شاور والإيمانُ قد هُزمت … جيوشه، كان فيه الجحفلُ اللَّجِبَا ويومَ دمياط والإسكندرية (٧) قد … أصارهم مثلًا في الأرضِ قد ضُرِبا والشامُ لو لم تدارك أهلَه اندَرَست … آثاره وعَفَتْ آياتُهُ حُقُبا (٨) ولما نزل السلطان صلاح الدين على حلب أشير على ابن نور الدين أن يجمع أهل حلب في الميدان، ويقبل عليهم بنفسه، ويخاطبهم بلسانه، أنهم الوَزَرُ والملجأ، فأمر أن ينادي باجتماع الناس إلى ميدان باب العراق (٩)، فاجتمعوا حتى غص الميدان بالناس، فنزل الصالح من باب الدرجة، وصعد من الخندق، ووقف في رأس الميدان من الشمال، وقال لهم: يا أهل حلب أنا ربيبكم، ونزيلكم، واللاجئ إليكم، كبيركم عندي

стр. 188

بمنزلة الأب، وشابكم عندي بمنزلة الأخ، وصغيركم عندي يحل محل الولد، قال: وخنقته العبرة، وسبقته الدمعة، وعلا نشيجُه، فافتتن الناس، وصاحوا صيحة واحدة، ورموا بعمائمهم، وضجوا بالبكاء والعويل، وقالوا: نحن عبيدك، وعبيد أبيك، نقاتل بين يديك، ونبذل أموالنا وأنفسنا لك، وأقبلوا على الدعاء له، وعلى الترحم على أبيه، وكانوا قد اشترطوا على الملك الصالح أن يعيد إليهم شرقية (١) الجامع، يُصَلُّون فيها على عادتهم القديمة، وأن يُجهر بحي على خير العمل والأذان، والتذكير في الأسواق وقدام الجنائز بأسماء الأئمة الإثني عشر (٢)، وأن يصلوا على أمواتهم خمس تكبيرات، وأن تكون عقود الأنكحة إلى الشريف الطاهر أبي المكارم حمزة بن زهرة الحسيني، وأن تكون العصبية مرتفعة، وأشياء كثيرة اقترحوها مما كان أبطله نور الدين ﵀ فأجيبوا إلى ذلك. وقال ابن أبي طي: فأذن المؤذنون في منارة الجامع وغيره بحي على خير العمل، وصلي أبي في الشرقية مسبلًا، وصلى وجوه الحلبيين (٣) خلفه، وذكروا في الأسواق وقدام الجنائز بأسماء الأئمة الإثني عشر، وصلوا على الأموات خمس تكبيرات، وأذن للشريف في أن تكون عقود الحلبيين من الإمامية إليه، وفعلوا جميع ما وقعت الأيمان عليه. ذكر بقية الحوادث منها أنه ظهر رجل من قرية مَشْغَرَا (٤) من معاملة (٥) دمشق، وكان مغربيًا، فادعى النبوة، وأظهر شيئًا من المخاريق والمخاييل والشعبذة والأبواب النيرنجية (٦)، فافتتن به طوائف من أهل تلك الناحية من الطغام (٧) العوام، فتطلبه السلطان، فهرب في الليل من

стр. 189

مشغرا إلى معاملة حلب، فالتف عليه كل مقطوع الذنب، وأضلّ (١) خلقًا من الفلاحين لا المفلحين، فتزوج امرأة أحبها، وكانت من أهل البطاح، فعلمها أن ادعت النبوة، فأشبها قصة مسيلمة وسجاح، لعنهما الله (٢). ومنها أن الشمس كسفت وقت طلوعها يوم الثلاثاء الثامن (٣) والعشرين من ربيع الآخر، فبقيت كذلك إلى ضحوة عالية. ومنها أن وزير الخليفة هرب، ونهبت داره. ومنها أن سيف الدين غازي صاحب الموصل استوزر جلال الدين أبا الحسن علي (٤) ابن جمال الدين الوزير الأصبهاني (٥) فظهر منه من الكفاية والنهضة وحسن التدبير والكفاءة ما لم يكن من غيره، وكان عمره خمسًا وعشرين سنة (٦). ومنها أن ابن الجوزي قال: في هذه السنة انتهى تفسيري للقرآن (٧) على المنبر، فإني كنت أذكر في كل مجلس منه آيات، ففرغت منه في هذه السنة، وسجد على المنبر شكرا لله تعالي وقال: ما عرفت واعظًا غيري فسر القرآن كله على المنبر إلا أنا. قلت: وكان شيخي أبو الروح عيسى الرمادي ﵀ قد فسر القرآن على المنبر في عينتاب مرتين كاملتين، وفي المرة الثالثة لما وصل إلى سورة ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (٨)﴾ أدركته المنية.

стр. 190

ومنها أن ابن الجوزي (١) قال: وسُلمت إلىَّ المدرسة التي بباب الأزج (٢)، وكانت دار الوزير ابن جهير، وكانت بنفشَة (٣) جهة (٤) الخليفة المستضيء بأمر الله قد اشترتها وأوقفتها على أصحاب أحمد بن حنبل ﵁ وفوضت أمرها إلىَّ، وأوْقَفَت عليها قرية. وحضر درسي (٥) قاضي القضاة (٦)، وحاجب (٧) الباب، وأرباب الدولة، وخُلعَ علَىَّ خلعةً نفيسةً، وذكرتُ دروسًا كثيرة، وكان يومًا مشهودًا، وخرجتُ وبين يدى الدُعاة، وارتفعت الأدعية للخليفة، ووقفت الناسُ صفوفًا مثل يوم العيدين. قال: وأصاب أهل المذهب -يعني الحنابلة- من ذلك غم عظيم؛ لأنهم حسدوني، وجلستُ تحت المدرسة يوم الأربعاء في شوال، فكان الجمع زيادة على خمسين ألفًا، فازداد غم أهل المذهب. وكان يقول ابن الجوزي (٨): "والله لولا أحمد والوزير ابن هبيرة لانتقلت عن المذهب، فإني لو كُنت حنفيًا (٩) أو شافعيًا لحملني القوم على رؤسهم". ومنها أن السلطان صلاح الدين استخدم في هذه السنة العماد الكاتب (١٠)؛ وسببه أنه التقى القاضي الفاضل على حمص، ومدحه بأبيات من الشعر، فدخل الفاضل على صلاح الدين وقال له: غدًا يأتيك تراجم الأعاجم، وما يحلها مثل العماد، فقال: مالي

стр. 191

عنك مندوحة، أنت [كاتبي] (١) ووزيري، وقد رأيت على وجهك البركة، فإذا استكتبتُ (٢) غيرك تحدث الناسُ. فقال الفاضل: هذا يحل التراجم، وربما أغيبُ أنا ولا أقدر على ملازمتك، فإذا غبتُ قام مقامي فاستكتبهُ. وقال العماد: وأول ما أهديته للفاضل مدحَةً، حين لقيته بحمص في شعبان من هذه السنة بقصيدة. منها قوله: عاينتُ طَوْدَ سكينةٍ، ورأيتُ شمـ … ـس فضيلةٍ، ووردتُ بَحْر فواضلِ ورأيت (٣) سَحْبَانَ (٤) البلاغةِ ساحِبًا … ببيانهِ ذيلَ (٥) الفَخَارِ لوائلِ (٦) أبصرتُ قُسًا في الفصاحةِ معجزًا … فعرفْتُ أني في فَهَاهَةِ (٧) بَاقِل (٨) حِلْفُ الحصافةِ والفصاحةَ والسماحة … والحماسةِ والتقَى والنائلِ بحرٌ من الفضل الغزير خِضَمُّه … طامِي العُبابِ ومالَهُ من ساحلِ وجميعُ ما في الأرضِ سبعةُ أبحرٍ … وبحورُهُ تسوى بعشرِ أناملِ في كفِّهِ قَلمٌ يُعَجِّلُ جَرْيُهُ … ما كان من أجلٍ ورزقٍ آجلِ ومنها أن أخا السُلطان المعظم شمس الدولة توران شاه بن أيوب وصل من اليمن إلى دمشق، وأقام بها مدة، ثم حضر إلى الديار المصرية (٩).

стр. 192

ومنها أن في غيبة صلاح الدين بالشام اجتمعت بالقاهرة طائفة من جند الأرمن والإسماعيلية وجند المصريين وغلمان العادل أبي بكر، ونادوا بشعار أبي الطاهر بن العاضد، فلما سمع العادل بذلك أوقع بهم، وقتل منهم جماعة، واعتقل جماعة، ونفى آخرين. وكان الذي حملهم على ذلك الشريف ابن هانئ (١). ومنها أن بهلوان بن أيلدكز ملك مدينة تبريز، وهي من جملة بلاد آقسنقر الأحمديلي؛ وسبب ذلك أن البهلوان سار إلى مراغة (٢) وحصرها، وكان آقسنقر الأحمديلى صاحبها قد مات، ووصى بالملك لولده فلك الدين، فقصده البهلوان ونزل على قلعة روندز (٣) وحصرها، فامتنعت عليه، فتركها وحصر مراغة، وسير أخاه قزل أرسلان (٤) في جيش إلى مدينة تبريز فحصرها أيضًا. ولما كان يقاتل أهل مراغة ظفروا بطائفة من عسكره، فخلع عليهم صدر الدين قاضيها وأطلقهم، فحسن ذلك عند البهلوان، وسعى القاضي في الصلح على أن يسلموا تبريزَ إلى البهلوان (٥)، فأجابوه إلى ذلك، واستقر الأمر عليه، وحلف كل منهما لصاحبه، وتسلم البهلوان تبريز، وأعطاها أخاه قزل أرسلان، ورحل بعسكره عنها. ومنها أن السلطان صلاح الدين بعث العساكر فأغاروا على بلاد الإسماعيلية، وأحرقوا سرمين (٦)، ومعرة مصرين، وضياع جبل السُماق (٧)، وقتلوا معظم أهله.

стр. 193

ومنها أنه وصلت النوبة من العراق في عشرة آلاف فارس وراجل، فنزلوا مراغة والباب، فقتلوا ثلاثة عشر ألفًا من الإسماعيلية، وسبوا نساءهم وذراريهم، وعادوا إلى العراق ومعهم الغنائم والرؤوس على رماحهم، وعلى القصب عشرون ألف (١) أُذُن. وفيها ............................................................ (٢) حج بالناس … ... (٣). وتأخر الناس عن الحج في هذه السنة، ثم ساروا من الكوفة إلى عرفات في ثمانية أيام دومًا، وهذا لم يسمع قبله بمثله. ذكر من توفي في هذه السنة من الأعيان حامد بن حامد أبو الفضل الحراني (٤)؛ قدم بغداد وتفقه وناظر وعاد إلى حران (٥)، فأفتي ودرس، وكان ورعًا، به وسوسة في الطهارة، وروي عن عبد الوهاب شيخ ابن الجوزي، وتوفي بحران في هذه السنة. روح بن أحمد أبو طالب الحديثي قاضي القضاة (٦)؛ توفي يوم الاثنين الخامس عشر من المحرم، ودفن يومئذ بقراح ظفر (٧)، وكان ولده عبد الملك في الحج فبلغته وفاته وهو بالكوفة، فلما دخل بغداد مرض أيامًا ومات، وكان ينبز بالرفض. عبد الله بن عبد الصمد بن عبد الرزاق أبو محمد الدهان (٨)؛ سمعَ الحديث ورواه، وكان شيخًا صالحًا، ففلج قبل موته، وتوفي يوم الجمعة، ودفن بمقبرة أحمد ﵀. يحيى بن جعفر أبو الفضل (٩)، كان صاحب مخزن المقتفى، فأقره على ذلك المستنجد، ولم يغير عليه المستضيء، ثم استنابه من الديوان، إذ خلا عن وزير، فتقلب في هذه الأحوال عشرين سنة، وكان يحفظ القرآن، وسمع الحديث، وحج حجات

стр. 194

كثيرة، وتوفي يوم السبت تاسع عشر ربيع الأول منها. وخلف ولدين نجيبين، فبلغ كل واحد منهما نحو ثلاثين سنة من العمر، وتهيأ للولايات، فمات الأكبر، ثم تبعه أخوه بعد قليل، ودفنا عند أبيهما (١). وفي المرآة (٢): وكان فاضلًا عادلًا منصفًا، محبًا للعلماء والصالحين، وكانت داره مأوى لهم. قال السبط: وكان يحب جدي -يعني ابن الجوزي- ولجدي فيه (٣) مدائح كثيرة، وله على جدى فضل كبير، وكان لقبه زعيم الدين. عمر بن محمد بن عبد الله أبو شجاع البسطامي البلخي (٤)؛ كان فقيهًا فاضلًا شاعرًا فصيحًا، وكان ينشد في مجالس وعظه، ومن شعره: لقد هَبَّتْ الريحُ من بَلْدَتي (٥) … فيا حبَّ ساكِن ذاك البَلَدُ فقُمتُ إليها وعانَقْتُها … وَمَا عانَقَ الرِّيحَ قلبي أَحَدْ قلت: ومن هاهنا أخذ القائل، ولعله "أخذه" (٦) من قول القائل: هَبَّتْ شمالًا فَقَال يا بلدُ … أتَتْ به طابَ ذلك البلدُ وَقَبَّلَ الريحَ من صبابتهِ … مَا قَبَّلَ الريحَ قَبْلَهُ أَحَدُ (٧) أرسلان شاه بن طغرل بن ملكشاه (٨)؛ توفي في هذه السنة، وجلس بعده في الملك طغرل شاه، وكان صغير السن، والذي تولى أمره محمد بن أيلدكز ويلقب بالبهلوان، فأقام بهمدان يدبر الأمور، وبعث أخاه القزل، فاستولى على أذربيجان، وبعث البهلوان يطلب من الخليفة السلطنة لطغرل شاه، فطرد رسوله، ولم يلتفت إليه. شَملةُ التركماني (٩) صاحب خوزستان؛ توفي في هذه السنة، وكان قد غلب على بلاد فارس وخوزستان، وبنى بها قلاعًا، وقوى على السلجوقية، وكان يُظهر طاعة الخليفة

стр. 195

مخادعة منه، فأقام كذلك نيفًا وعشرين سنة، وكان يباشر الحروب بنفسه. قصده تركمان، فخرج بنفسه، فجاءه سهم، فمات بعد يومين، وأقام أولاده في قلاع خوزستان إلى أيام الناصر أبي العباس أحمد بن المستضيء (١)، فبعث إليهم وزيره ابن القصاب، فأخرجهم من البلاد، واستولى على ثلاثين قلعةً، وبعث بأولادهم إلى بغداد، فأقاموا بها حتى ماتوا (٢). وفي تاريخ ابن كثير: شملة التركماني تغلب على بلاد فارس، واستجد بها قلاعًا (٣) ينهب الأكراد والتركمان، ثم يأوي إليها. نهض إلى قتال بعض التركمان، فعلموا ذلك، فاستعانوا بالبهلوان، فساعدهم بجنوده، فاقتتلوا، فأصاب شملة سهم، ثم أخذ أسيرًا وولده وابن أخيه (٤)، وتوفي بعد يومين. قيماز بن عبد الله (٥)؛ كان مملوكًا للمستنجد بالله، وارتفع أمره وعلا كثيرًا، فلما ولى المستضيء بأمر الله زاد أمره، وصار مقدمًا على الكل، وكانت الجنود كلها تحت أمره، وانبسط كثيرًا، حتى أن المستضيء أراد توليه وزيرًا فمنع من ذلك، وأغلق باب النوبي (٦) يومين، وقيل: إنه نوي نية رديئة، وقصد أن ينهب دار الخلافة، فصعد الخليفة فوق السطح في داره، وأمر العامة بنهب دار قيماز، فنهبت، وكان ذلك بإفتاء الفقهاء، فآل أمره إلى أن خرج من بغداد هاربًا، فتوفي بناحية الموصل، وغسل في سقاية، ووصل خبره في ذي القعدة (٧). وفي تاريخ بيبرس: ولما أمر الخليفة بنهب داره نهبت، وأخذ منها أموال لا تعد ولا تحصى، فمن ذلك أن بيت الطهارة الذي كان له كانت فيه سلسلة من ذهب من السقف

стр. 196

إلى محاذي وجه القاعد على الخلاء، وفي أسفلها كرة كبيرة من ذهب مخرمة محشوة عنبرًا ومسكًا؛ ليشمها إذا قعد، فتسلق إنسان وقطعها، ودخل بعض الصعاليك، فأخذ عدة أكياس مملوءة دنانير، وبالباب أقوام أقوياء يأخذون ما يخرجونه الناس، فقصد ذلك الصعلوك المطبخ، فأخذ قدرًا مملوءة طعامًا، فوضع الأكياس فيها وحملها، والناس يضحكون منه، وخرج وهو يقول: أنا آخذ شيئًا أطعم عيالى اليوم، فنجي بما معه، فاستغنى بعد ذلك، وظهر المال عليه. ولم يبق من نعمة قطب الدين قيماز في ساعة واحدة قليل ولا كثير. ولما خرج قايماز من البلد تبعه تنامش الملقب بعلاء الدين، وكان من أكبر أمراء بغداد، وهو صهر قطب الدين قايماز، وكذلك تبعه جماعة من الأمراء، فنهبت دورهم "أيضًا" (١) وأخذت أموالهم، وأحرق أكثرها. وسار قايماز إلى الحلة (٢) ومعه الأمراء، فأرسل الخليفة إليه صدر الدين شيخ الشيوخ، فلم يزل يخدعه حتي سار عن الحلة إلى الموصل على البر، فلحقه ومن معه عطش عظيم، فهلك أكثرهم عطشًا، ومات قايماز قبل وصوله إلى الموصل، فدفن بظاهر باب العمادي (٣)، وكان قد ظلم أهل العراق، وكفر إحسان الخليفة. ولما مات وصل علاء الدين تنامش إلى الموصل، وأقام يسيرها، ثم أمره الخليفة بالقدوم إلى بغداد، فعاد وأقام بها بغير إقطاع إلى أن مات، فقال بعض الشعراء في ذلك (٤): إنْ كُنتَ معْتزا (٥) بمُلكٍ زائلٍ … وحوادث عنقية الإدلاجِ فَدَع العجائب والتواريخَ الأولى … وانْظر إلى قيماز وابن قماجِ عَطَفَ الزمانُ عليهما فسقاهُما … من كأسِهِ صِرْفًا بغيرِ مزاجِ فَتبدَّلُوا بعد القصور وظِلِّها … ونَعِيمها بمهامِهِ وفجاجِ فَلْيحذَر الباقون من أمثالهم (٦) … نكباتِ دهرٍ خائنٍ مزعاجِ

стр. 197

إلياس الأُرتقي الملقب شهاب الدين؛ صاحب البيرة (١)، توفي في هذه السنة، وأوصى إلى الملك الناصر صلاح الدين بولده شهاب الدين محمد.

стр. 198

فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الحادية بعد السبعين بعد الخمسمائة * استهلت هذه السنة والخليفة هو المستضيء بأمر الله، والسلطان صلاح الدين مقيم بمرج الصُّفر بدمشق، فجاءه رسول الفرنج يطلب الهدنة، فأجابهم السلطان، بعد أن اشترط عليهم السلطان أمورًا، فالتزموها. وكان الشام ذلك العام جدبًا، فأذن السلطان للعساكر المصرية في الرحيل (١) إلى بلادهم، وإذا استغلوا [المغل] (٢) خرجوا إليه، وسار معه الفاضل، واعتمد على العماد فيما كان بصدده، وواظب السلطان على الجلوس في دار العدل وعلى الصيد، ومدحه العماد بقصيدة منها: سِواكَ لِسَهْمِ العُلا (٣) لن يريشَا … فنسألُ ربَّ (٤) العُلا أن تعيشا مِن الناسِ بالبِرِّ صِدْتَ الكِرامَ … وبالبأسِ في البَرِّ صدتَ الوحوشَا وكمْ سِرتَ من مصرَ نحو العَرِيش … فهدّمتَ للمشركينَ العُروشَا سَرايَاك تَبعَثُ قُدّامَها … مِنَ الرُّعْبِ نحو الأعادِي جيوشَا ويوم حَماةَ تركتَ العِداةَ … كما طَيّرتْ بالفَلا الريحُ ريشَا (٥) قال العماد: وفي أول هذه السنة وصل إلى دمشق الجماعة الذين خرجوا من بغداد موافقة لقطب الدين قايماز. قلت: هو الذي عصي على الخليفة -على ما ذكرناه- في الوفيات المذكورة في السنة الماضية. ومن الذين أتَوْا الشام: حسام الدين نُميرك [بن يونس] (٦)، وعز الدين أقبوري بن أزغش، وكان صهر السلطان قديمًا فأقطعه في الديار المصرية. قال العماد (٧): وكان أقبوري زوج أخت السلطان، والسلطان خال بنته، وهي زوجة عز الدين فرخشاه ابن أخي السلطان.

стр. 199

ذكر الحرب بين السلطان صلاح الدين وبين غازي ابن مودود (١) صاحب الموصل وأصل ذلك أن غازي هذا -الذي هو ابن أخي نور الدين- كتب إلى جماعة الحلبيين يلومهم على ما وقع بينهم وبين السلطان صلاح الدين من المصالحة، وأرسل رسولًا إلى صلاح الدين، ودفع له كتابين، أحدهما: إلى صلاح الدين؛ ليأخذ منه عهدًا للمواصلة، ويكشف ما عنده. والكتاب الثاني: إلى الحلبيين؛ يلومهم "فيه" (٢) على الصلح، ويخبرهم أنه واصل بعساكر الشرق. ولما دخل الرسول على صلاح الدين غلط ودفع كتاب الحلبيين إليه، وذلك لسعادة صلاح الدين، فتأمله صلاح الدين وعلم أن الرسول غلط، فلم يقل له شيئًا، وفهم الرسول فقام وخرج من عنده، ولم يمكنه الاستدراك (٣). وكتب صلاح الدين إلى مصر -إلى أخيه الملك العادل أبي بكر- بتجهيز العساكر المصرية إلى الشام سرعة. وجمع غازي العساكر من الجزيرة، وكان أخوه عماد الدين زنكي صاحب سنجار عاصيًا عليه، مائلًا لصلاح الدين، فصالحه، وكان أخوه عز الدين مسعود وعسكره انهزموا في العام الماضي لما التقوا بصلاح الدين كما ذكرنا، فصالح غازي مع أخويه المذكورين، وجمع عساكره وأنفق فيهم، واستنجد أيضًا بصاحب حصن كيفا وصاحب ماردين، فاجتمع معه عسكر كثير عدته ستة آلاف فارس، وسار إلى نصيبين في ربيع الأول، وأقام بها حتى انقضى الشتاء، فضجر العسكر وفنيت نفقاتهم، فصار العود إلى بيوتهم مع الهزيمة أحب إليهم من الظفر. ثم سار غازي وقطع الفرات ونزل عليه، وبعث إلى أمراء حلب وكمشتكين الخادم، وتقرر بينهم الأمر، ثم سار إلى حلب، والتقاه الملك الصالح بن نور الدين، فاعتنقه سيف الدين غازي. وبكي، ونزل بظاهر حلب بعين المباركة (٤)، وصعد القلعة جريدة، وكان أمراء حلب يركبون كل يوم إلى خدمته.

стр. 200

وفي تاريخ النويري (١): وكان غازي في عشرين ألف مقاتل، ثم رحل إلى تل السلطان ومعه هؤلاء العساكر؛ عسكر (٢) الشرق وديار بكر (٣) والحلبيون، وبلغ صلاح الدين وهو بدمشق، ولم يكن عنده سوى ستة آلاف فارس كذا في المرآة (٤). وفي تاريخ النويري (٥): وسار صلاح الدين نحوهم ومعه ألف فارس، ولكن الجيوش قد خرجت من الديار المصرية في جحافل كالجبال، ووصل إلى حماة ونزل بها، وترك أثقاله بها، وساق إلى جباب التركمان (٦)، وجاءه رسول الحلبيين بأنهم يخوفونه بأسهم، ويأمرونه بالرجوع إلى مصر، قال رسولهم: فوافيته وهو في خيمة صغيرة، وهو على بساط "لطيف" (٧)، وتحته سجادة، وبين يديه مصحف، وهو مستقبل القبلة، وإلى جانبه زرديته (٨)، وسيفه بين يديه، وقوسه وتركاشه (٩) معلق في عمود الخيمة. قال: فلما رأيته وقع في خاطري أنه المنصور؛ لأني فارقت سيف الدين غازي والأمراء وهم على طنافس الحرير، والخمور تُروّق، وليس في خيامهم خيمة إلا وفيها أنواع المحرمات، فأديت إليه الرسالة، وجاء وقت الظهر فضج العسكر لصوت الأَذَان، وفي كل خيمة إمام، فقال لي: "الحق بأصحابك وقل لهم يستعدون للقائي، فإني عند طلوع الشمس نازل

стр. 201

عليهم، ويحكم الله بيننا، ﴿وَهُوَ خَيْرُ الحَاكِمِينَ﴾ (١). قال: ففارقته وأنا على بصيرة من نصرته وخذلانهم. وسقت عامة الليل، فوافيتهم وقت الفجر وهم سكاري، فطلبت سيف الدين غازي، فقيل لي: هو نائم. قال: فوالله ما انبسطت (٢) الشمس إلا وأعلام صلاح الدين قد أقبلت، والكوسات (٣) تخفق، وأصحابنا نيام، فقاموا مسرعين، وكان يوم الخميس العاشر من شوال، وكانت ملاقاتهم على تل السلطان، وكان على ميمنة السلطان صلاح الدين ابن خاله شهاب الدين محمود، وعلى ميسرته صاحب بصري، وهو (٤) في القلب، وكان في ميمنة المواصلة مظفر الدين بن زين الدين صاحب إربل، وعلى ميسرتهم الحلبيون، وسيف الدين غازي في القلب. وفي المرآة (٥): وكان صلاح الدين قد وقف على تل عال، فحمل ابن زين الدين فطحن ميسرة صلاح الدين، وحمل الحلبيون على ميمنته فتعتعوها، ونزل صلاح الدين من التل، ورأى أن يباشر الأمر بنفسه وإلا اختل الأمر، فساق إليهم (٦)، واتفق وصول العساكر المصرية في تلك الساعة مع تقي الدين عمر، وعز الدين فرخشاه، وناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه، فهال ذلك الحلبيين، من دق الكوسات وحسن الأطلاب (٧) والعُددِ الوافرة (٨) والخيل العربية، فانخذلوا وولوا منهزمين. وفي تاريخ النويري (٩): وحمل السلطان صلاح الدين بنفسه الكريمة فكانت بإذن الله الهزيمة، فقتلوا من الحلبيين والمواصلة خلقًا، وأُخذت مضارب سيف الدين غازي وحواصله (١٠).

стр. 202

وأسر جماعة من رؤسهم، فأطلقهم السلطان بعد أن خلع عليهم، وقد كانوا استعانوا بجماعة من الإفرنج في حال القتال، وليس هذا من صنيع الصناديد (١). وفي تاريخ بيبرس: (٢) وكان غازي قد سبق ووصل صلاح الدين وقت العصر، وقد تعب هو وأصحابه، وعطشوا فألقوا نفوسهم على الأرض ليس فيهم حركة، وأشار على غازي جماعة من أصحابه بقتالهم في تلك الساعة، فتأخر إلى الغد فلما التقوا من الغد انهزم (٣) عسكر سيف الدين، ورجع إلى حلب، ولم يقتل من الفريقين مع كثرتهم سوى رجل واحد، وترك سيف الدين أخاه عز الدين مسعود بحلب، وسار إلى الموصل وهو يظن أنه لا ينجو، وأن صلاح الدين يعبر الفرات إليه ويقصده بالموصل، فاستشار وزيره في مفارقة الموصل والاعتصام بقلعة [عقر] (٤) الحميدية، فمنعه من "ذلك وثبته وشد قلبه" (٥)، وعزل عز الدين عن إمارة العسكر، واستعمل مكانه مجاهد الدين قايماز (٦). وفي تاريخ النويري (٧) وغيره: ووجد السلطان صلاح الدين في مخيم غازي شيئا من الأقفاص التي فيها الطيور المطربة، وذلك في مجلس شرابه، وكيف ينصر من كان هذا مسلكهـ ومذهبه؟! فأمر صلاح الدين بردها عليه، وقال للرسول: قل له: اشتغالك بهذه الطيور أحب إليك من الوقوع فيما رأيت من المحذور. وغنم السلطان من أموالهم شيئا كثيرا، ففرقه على أصحابه، وأنعم بخيمة الملك سيف الدين غازي على ابن أخيه عز الدين فرخشاه بن شاهنشاه بن نجم الدين (٨) أيوب، وردّ ما كان في وطاقه (٩) من الجواري

стр. 203

والمغنيات، وقد كان معه أكثر من مائة مغنية، ورد الأقفاص وآلات اللعب إلى حلب، وقال: قولوا له: هذه أحب إليك من الحرب. ووجِدَ عسكر المواصلة كالحانة من كثرة الخمور والبرابط والملاهي. وفي المرآة (١): ولما انهزم غازي ومن معه ساق صلاح الدين وراءهم، وأسر أمراءهم، ونجا غازي بنفسه، وعاد صلاح الدين إلى خيامهم، فوجد سرادق سيف الدين غازي مفروشا بالرياحين. والمغاني جلوس في انتظاره، والخمور تروق، ومطابخه بقدورها، وفيه أقفاص الطيور فيها أنواع من القماري والبلابل والهزارات (٢)، ثم فرق صلاح الدين الخزائن والخيل والخيام على أصحابه، وأعطى عز الدين فرخشاه سرادق سيف الدين، وكان عز الدين قد أبلى في ذلك اليوم بلاءً حسنا. ذكر ما جرى لصلاح الدين بعد انتصاره قال النويري (٣): لما رجع الحلبيون إلى حلب وهم منهزمون ندموا على نقضهم الأيمان ومخالفتهم لطاعة الرحمن، وشقهم العصا على السلطان، وتحصنوا بالبلد خوفا من وثوب الأسد بن أخي الأسد، وأسرع صاحب الموصل فوصلها، وما صدق حتى دخلها. وأما السلطان صلاح الدين فإنه لما فرغ من قسمة ما غنم، أسرع المسير إلى حلب، فوجدهم قد حصنوها، والقلعة قد أحكموها، فقال: من المصلحة أن نبادر إلى فتح الحصون التي حول البلد، ثم نعود إليهم، فلا يمتنع علينا أحد منهم. فشرع يفتح الحصون حصنا حصنا، ويهدم من أركان دولتهم ركنا ركنا، ففتح بزاعة (٤) ومنبج، ثم سار إلى أعزاز (٥)، فأرسل (٦) الحلبيون إلى سنان مقدم الفداوية، فأرسل جماعة من أصحابه ليقتلوا صلاح الدين، فدخل طائفة منهم في زي الجند، فقاتلوا أشد القتال، حتي اختلطوا بهم، ثم وجدوا فرصة ذات يوم والسلطان ظاهر للناس، فحمل عليه واحد منهم

стр. 204

فضربه بالسكين على رأسه، فإذا هي باللأمة (١)، فسلمه الله، غير أن السكين مرت على خده فجرحته جرحًا هينًا، ثم أخذ الفداوي رأس السلطان، فوضعه إلى الأرض (٢) ليذبحه ومَنْ حوله قد أخذتهم دهشة، ثم ثاب إليهم عقلهم، فبادروا إلى الفداوي، فقتلوه وقطعوا رأسه، ثم هجم آخر في الساعة الراهنة على السلطان، فَقُتِل، ثم هجم آخر على بعض الأمراء، فَقُتِل أيضًا، وهرب الرابع، فأُدرك فقُتل، وبطل القتال ذلك اليوم. ثم صمم السلطان على البلد ففتحه، وأقطعه ابن أخيه تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب، وقد اشتد حنقه على أهل حلب؛ لما أرسلوا من الفداوية، وجاء فنزل تجاه البلد على جبل جوشن (٣)، وضربت خيمته على رأس الياروقية (٤)، وذلك في خامس عشر ذي الحجة من هذه السنة، وجبي الأموال وأخذ الخراج من القرى، ومنع أن يدخل البلد شيء أو يخرج منها شيء، واستمر حصاره إياها حتى انسلخت هذه السنة (٥). وفي تاريخ بيبرس: لما انهزم غازي، وغنم صلاح الدين وعسكره ثقله وثقل عسكره، سير طائفة إلى بزاعة فحصروها وقاتلوا من بها وأخذوها، ورتب بها من يحفظها، وسار إلى منبج، فملكها عنوة، وأخذ صاحبها أسيرا، وكان بينه وبين صلاح الدين عداوة قديمة، وهو قطب الدين ينال [بن حسان] (٦) المنبجي، ثم أطلقه فسار إلى الموصل، فأقطعه سيف الدين غازي الرقة، ثم دخل إلى أعزاز فنازلها وحصرها، وهي من أحصن القلاع، وقتل عليها كثيرا من العسكر، ثم ذكر حكاية الفداوية كما ذكرناها. وفي المرآة (٧): لما نزل صلاح الدين على منبج (٨) وبها قطب الدين ينال بن حسان فقاتله، واتفق وقوع ثلمة في السور، فطلب الأمان لنفسه، فأمَّنهُ، فخرج سليبًا، وأخذ صلاح الدين من الحصن ثلثمائة ألف دينار، وعرض عليه المقام عنده فامتنع وسار إلى

стр. 205

صاحب الموصل كما ذكرناه. ثم سار السلطان ففتح حصن بُزَاعةَ ثم نازل أعزاز، فأقام عليها ثمانية وعشرين يومًا وفتحه في ذي الحجة من هذه السنة. وفي تاريخ الدولتين (١): وهنأ العماد الكاتب السلطان بقصيدة، منها: فالحمدُ للهِ الذي إفْضالُه … حُلُوُ الجنا، [عالى] (٢) السَّنا، وَضّاحُه عادَ العُدوُّ بظُلْمةٍ (٣) من ظلمهِ … في ليلِ وَيْلٍ قد خبا مِصْباحُه وَجَنَى عليه جَهلُه بوقوعهِ … في قبضَةِ البازِي فهِيضَ جناحُه (٤) حَمَلَ السلاحَ إلى القتالِ وما درَى … أنّ الذي يَجْنِي عليه سِلاحُهُ قال: وكان لعز الدين فرخشاه في هذه الوقعة يد بيضاء. وقال العماد: نظمت فيه قصيدة منها الأبيات (٥): نصرٌ أَنارَ [لمُلْكِكُم] (٦) بُرْهانُه … وَعلا لذِلَّةِ شانِئيكُم شانُه ما أسعد الإسلامَ وهو مظفّرٌ … وأبو المظفَّر يوسفٌ سُلْطانُه المُلكُ مرفوعٌ لكُم مِقْدارُه … والعدلُ موضوعٌ بكُم ميزانُه والدّهرُ لا يأتي بغيرِ مُرادِكم … [فهل] (٧) القضاءُ لأجلكم جَرَيَانُه [وكأنما] (٨) لله في أحكامِه … فَلَكٌ على إيثارِكُم دَوَرانُه فخرًا بني أيوب، إنَّ فَخَارَكم … بذَّ الملوكَ السابقين رهانُه يكفي حسودَكم اعتقالًا همُّه … فكأنما أشْجَانُه أسْجَانُهُ

стр. 206

الدِّينُ، عزَّ الدين، عزَّ بنصرِكُم … والكفر ذُلَّ بعونِكُم أعوانُه قد كان [جيشكُمُ] (١) كَبَحرٍ زاخرٍ … واللابِسُون جواشنًا (٢) حيتانُه. وقال العماد أيضا في فتح منبج قصيدة منها قوله: نُزولك في منبج … على الظَفَر المُبهجِ ونُجحك في المرتجَى … وفتحك للمُرْتج دليل على كلّ (٣) ما … تحاول أو تَرْتَجِي أمورك فيما ترو … مُ واضحةُ المَنْهَجِ وشانيك دامي الشئو … ن منك، شقي، شجي. وقال ابن أبي طي (٤): لما ملك السلطان منبج وتسلم الحصن صعد إليه وجلس يستعرض أموال ابن حسان وذخائره؛ فكان في جملة أمواله ثلثمائة ألف دينار، ومن الفضة والآنية الذهبية والأسلحة والذخائر ما يناهز ألفي ألف دينار. فحان من السلطان التفاتة فرأي مكتوبا على الأكياس والآنية يوسف، فقيل له: ولد يؤثره ويحبه اسمه يوسف كان يدّخر هذه الأموال له. فقال السلطان: أنا يوسف وقد أخذت ما خُبيء لي. فتُعُجِبَ [٢٠٢ ظ] من ذلك. وقال العماد أيضًا قصيدة في فتح أعزاز (٥)، منها: أعطاه رب العالمين دولة … عزة أهل الدين في إعزازِها حاز العُلا ببأسِه وجودِه … وهو أحق الخلق باحْتيازها

стр. 207

إلى أن قال: تهنَّ من فتح عزاز نصرة … أوقعت العداة في اعتزازها واليوم ذُلّت حلب، فإنَّها … كانت تنال العزَّ من عزازِها وحلب تنفي كمشتكينها … كما انتفت بغداد من قيمازِها ذكر بقية الحوادث منها أن في رمضان قدم شمس الدولة تورانشاه بن أيوب من اليمن إلى الشام، وأرسل إلى أخيه صلاح الدين يعلمه بوصوله، وكتب إليه أبياتا من شعر ابن المنجم المصري (١): وإلى صلاح الدين أشكو أنني … من بَعدِه مُضنَى الجوانح مُولَعُ جزعًا لبُعد الدار منه ولم أكن … لولا نواه (٢) لبعد دارٍ أجزَعُ فلأركبنَّ إليه متْنَ عزائمي … ويخبُّ بي ركبُ الغرام ويوسعُ (٣) ولأقطعن من النهار هواجرًا … قلب النهار بحرّها يتقطَّعُ ولأسرين الليل لا يسرى به … طيف الخيال ولا البرُوق اللُّمع وأقدمنَّ إليه قلبي مخبرًا … أني بجسمي من قريبٍ أتبعُ حتى أشارف (٤) منه أسعد طلعة … من أُفْقِها صُبحُ السعادة يطلُعُ قال العماد: وفي سابع شوال وصل شمس الدولة أخو السلطان من اليمن إلى دمشق (٥). وذكر ابن شداد (٦): أنه قدم في ذى الحجة.

стр. 208

ولما سمع السلطان بقدومه أرسل إليه (١) بالمثال (٢) الفاضلي كتابًا أوله: ﴿أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ (٣). وقال في آخره: "ولقد أحسن عدنان المبشر إذ طلع علينا طلوع الفجر قبل شمسه، وغرس في القلوب ما يسرنا ويسره جني غرسه" (٤). وقال ابن أبي طي: كان سبب خروجه من اليمن كراهية البلاد، والشوق إلى أخيه الملك الناصر، وأن يرى ملوك الشام وغيرها. [وأمر العساكر] (٥) بما أنعم الله به عليه من النعم والأموال. وفي تاريخ الدولتين (٦): لما تحدث الناس بخروج شمس الدولة من اليمن كان باليمن رجل يقال له عباس، وكان صهر ياسر بن بلال الحبشي (٧) صاحب عدن، وكان بين ياسر وعباس عداوة، فافتعل عباس كتابا على لسان ياسر وزوَّر عليه علامته إلى زيد ابن عمرو بن حاتم صاحب صنعاء يقول فيه: "إن شمس الدولة سائر إلى أخيه الملك الناصر إلى الشام، وسبب خروجه ضعفه عن اليمن، فأمسكوا ما كنتم تحملون إليه من الإتاوة والرشوة، "تبقى لكم" (٨). واحتال حتى وصل الكتاب إلى شمس الدولة، وكان نازلا على حصن يعرف بالخضراء (٩) يحاصره. فلما وقف شمس الدولة على الكتاب استدعى ياسرًا وقال له: هذا خطك وعلامتك؟ قال: كأنه هو. قال: فبأي شيء استحققت منك هذا، وقد قرَّبتُ منزلتك، وأبقيتُ عليك بلادك، ورفعت بضبعك (١٠) على أهل إقليمك. وأراه الكتاب. فلما وقف عليه

стр. 209

ياسر حلف أنه ما كتبه، ولا يعرفه، ولا أملاه لأحد، ولم يعلم خبره. فلم يصدقه شمس الدولة، وأمر به فقتل صبرا بين يديه، فهاب شمس الدولة مُلوكُ اليمن وحملوا إليه الأموال وحلفوا له على الطاعة. ثم إن شمس الدولة خرج إلى تهامة (١) وتوجه إلى الشام واستخلف على تهامة سيف الدولة مبارك بن كامل بن منقذ، وعثمان بن على الزنجيلي علي عدن، وتوجه إلى حضرموت ففتحها، واستناب عنه بها رجلًا كرديًا يسمى هرون، واستمر الكردي بها مدة. ثم إن صاحب حضرموت تحرك وجمع، فقتل، وعاث هرون في تلك البلاد، واستقام أمره. وولي شمس الدولة ثغر تعز (٢) مملوكه ياقوت وجعل إليه أمر الجند، وولي قلعة [تعكر] (٣) مملوكهـ قايماز. قال صاحب تاريخ الدولتين (٤): وكان وصول شمس الدولة إلى السلطان قبل وقعة المواصلة وكسرتهم، وكان شمس الدولة هو سبب الظفر، وأعطاه السلطان سرادق سيف الدين صاحب الموصل بما كان فيه من الفرش والأثاث والآلات، وولاه دمشق وأعمالها والشام، وأمره أن يكون في وجه الفرنج لأن السلطان خاف من الحلبيين أن يكاتبوا الفرنج على عادتهم. ومنها أن تقي الدين عمر ابن أخي السلطان أنفذ مملوكهـ بهاء الدين قراقرش في جيش إلى بلاد المغرب، ففتح بلادًا كثيرة هناك، وغنم أموالًا جزيلة، ثم عاد إلى مصر، وطابت له، وترك تلك البلاد (٥).

стр. 210

وقال ابن أبي طي (١): لما ملك شمس الدولة اليمن سمتْ نفس ابن أخيه تقي الدين إلى المُلك وجعل يرتاد مكانًا يحتوى عليه، فأُخبِرَ أن قلعة أزبري [هي] (٢) فم درب المغرب، وكانت خرابًا فأشير عليه بعمارتها، وقيل له متى عُمَّرَت وسكنها أجنادٌ أقوياء شجعان مُلِكَت برقة، وإذا مُلِكَت برقة مُلِكَت ما وراءها. فأنفذ مملوكهـ بهاء الدين قراقوش فقدَّمهُ على جماعة من أجناده ومماليكه، فصاروا إلى القلعة المذكورة وشرعوا في عمارتها. واجتمع بقراقوش رجل من المغرب فحدثه عن بلاد الجريد وفزان (٣)، وذكر له كثرة خيرها، وغزارة أموالها، وضعف أهلها، ورغبه في الدخول إليها. فأخذ جماعة من أصحابه وسار في حادي عشر محرم [من] (٤) هذه السنة، فكان يكمن النهار ويسير [الليل] (٥) مدة خمسة أيام، وأشرف على مدينة أوْجَلة (٦) فلقيه مالكها وأكرمه واحترمه، وسأله المقام عنده ليعتضد به ويزوِّجه بنته ويحفظ البلاد من العرب، وله ثلث ارتفاعها. ففعل قراقوش ذلك فَحُصِّل له من ثلث الارتفاع ثلاثون ألف دينار، فأخذ عشرة آلاف لنفسه وفرق على رجاله عشرين ألفًا. وكان إلى جنب أوجلة مدينة يقال لها [الأرزاقية] (٧)، فبلغ أهلها صنيع قراقوش في أوْجلة، وأنه حرس غلالهم، فصاروا إليه ووصفوا له بلدهم وكثرة خيره وطيب هوائه، ورغّبوه في المصير إليهم على أنهم يملّكونه عليهم. فأجاب إلى ذلك، واستخلف على أوجلة رجلا من أصحابه يقال له صباح ومعه تسعة [فوارس] (٨) من أصحابه، فحُصِّل لقراقوش أموال كثيرة. واتّفق أن صاحب أوْجله مات، فقتل أهل أوجلة أصحاب قراقوش، فجاء قراقوش وحاصرها حتى افتتحها عنوة وقتل من أهلها سبعمائة رجل، وغنم أصحابه منها غنيمة عظيمة، واستولى على البلد.

стр. 211

ثم إن أصحابه [رغبوا] (١) في الرجوع إلى مصر وخشي قراقوش أن يقيم وحده فرجع معهم. فلما حصل بمصر طاب له المقام وثقل عليه العود، وزوجه تقي الدين بإحدى جواريه. وكان استناب بأوجلة وقال لأهلها أنا أمضى إلى مصر لتجديد رجال وأعود إليكم (٢). ومنها ما قال ابن الأثير (٣): وفي ربيع الآخر سنة إحدى وسبعين استوزر سيف الدين صاحب الموصل جلال الدين أبا الحسن علي بن جمال الدين الوزير، ومكّنه في ولايته، فظهرت منه كفاية لم يظُنِّها الناس، وبدا منه معرفة بقواعد الدول وأوضاع الدواوين، وتقرير الأمور والاطلاع على دقائق الحسابات، والعلم بصناعة الكتابة الحسابية والإنشاء حيرت العقول، ووضع في كتابة الإنشاء وضعًا لم يعرفوه. وكان عمره حين ولي الوزارة خمسا وعشرين سنة، ثم قُبض عليه في شعبان سنة ثلاث وسبعين وشفع فيه كمال الدين بن [نيسان (٤)] وزير صاحب آمد وكان قد زوجه بنته، فأطلق وسار إليه. وبقي بآمد يسيرًا مريضًا، ثم فارقها، وتوفي بدُنَيسِر (٥) سنة أربع وسبعين، وحُمل إلى الموصل فدفن بها، ثم حُمل منها في موسم الحج إلى المدينة ودفن عند والده. وكان من أحسن الناس صورة ومعني، ﵀. ومنها (٦) أنه قدم إلى دمشق الواعظ الكبير أبو الفتوح عبد السلام بن يوسف بن محمد بن مقلد التنوخي، الدمشقي الأصل البغدادي المنشأ، ذكره العماد في الخريدة، وقال: كان صاحبي (٧)، وجلس للوعظ فحضر عنده السلطان صلاح الدين، وأورد له مقطّعات من أشعاره، فمن ذلك ما كان يقول في مجلسه:

стр. 212

يا مالكا مُهجَتي، يا مُنتهى أملي … يا حاضرًا شاهدًا في القلب والفِكَر خلقتني من ترابٍ أنت خالقُهُ … حتى إذا صرتُ تمثالًا من الصُّورِ أجريت في قالبي روحًا منورةً … تمر فيه كجري الماء في الشجر جمعتَ بين صفا رُوح منوَّرة … وهيكل صُغْتَه من معدن كدر إن غِبتُ فيك فيا فخري ويا شرفي … وإن حضرت فيا سمعى ويا بصري أو احتجبت فسرى منك في وَلَهٍ … وإن خطَرتُ فقلبي مِنك في خطر [تبدو] (١) فتمحُو رسومي ثم تثبتُها … وإن تغيبت عنِّي عشتُ بالأثر (٢) ومنها أنه حملت إلى أمير المؤمنين من قرية قريبة من بغداد، يقال لها الوقت، بقرتان قد ولدتا برأسين ورقبتين وأربع أيدي وبطن واحدة وفرج ذكر وفرج أنثى، ولكل واحدة رجل، قيل إنها ولدت حية ثم ماتت (٣). ومنها ما قال ابن الجوزي (٤): تكلمت يوم عرفة، وكان مجلسًا عظيمًا، تاب فيه خلق كثير، وقُطعت شعورٌ كثيرة، وكان الخليفة حاضرًا. ومنها أن الخليفة عزل الخادم صندل المقتفوي عن الأستادارية (٥) وفيها ....... (٦). وفيها حج بالناس طاشتكين. وكان في مكة أمير يقال له مُكثر (٧)، عزله الخليفة (٨) وأمر أن يولَّي أخوه داود مكانه، وكان قد بنى قلعة على جبل أبي قبيس، فاختلف الناس،

стр. 213

وتشوش الحجاج، ولم يرم الناس من الجمار إلا قليلًا، ونُهب كثير من الحاج، وأخذوا أموال التجار المقيمين بها. ومن أعجب ما تم أن إنسانًا زرَّاقًا أحرق دارًا بقارورة نفط لأيتام، ثم أخذ قارورة أخرى ليحرق بها دارًا أخرى، فأتاه حجر فأصاب القارورة فكسرها، فاحترق هو بها، وبقي ثلاثة أيام يُعَذَّبُ بالحريق إلى أن مات (١). ذكر من توفي فيها من الأعيان المبارك بن الحسن أبو النجم بن القابلة الفرضي؛ سمع أبا الحسين بن الفراء وغيره، وكان عالمًا (٢) بعلم الفرائض والمواقيت، وتوفي في جمادى الأولى منها، ودفن بمقبرة الزادمان، قرية قريبة من بغداد (٣). مسعود بن الحسين بن سعد أبو الحسين البزدى (٤) القاضى؛ أحد الكبار الحنفية، ولد سنة خمس وخمسمائة، وتفقه وأفتى، وناب في القضاء، ودرَّسَ بمدرسة أبي حنيفة ﵁ ومدرسة السلطان، ثم خرج إلى الموصل، فأقام مدة يدرس هناك، وينوب في القضاء، فتوفي بها في جمادى الآخرة من هذه السنة، ﵀. الحافظ ابن عساكر (٥) على بن أبي محمد الحسني بن أبي الحسن هبة الله بن عبد الله بن الحسين، المعروف بابن عساكر الدمشقي الملقب ثقة الدين؛ كان محدث الشام في وقته، ومن أعيان الفقهاء الشافعية، غلب عليه الحديث فاشتهر به، وبالغ في طلبه إلى أن جمع منه ما لم يتفق لغيره، رحل وطَوَّفَ وجاب البلاد، ولقى المشايخ، وكان رفيق الحافظ أبي سعد عبد الكريم بن السمعاني في الرحلة، وكان حافظًا دينًا، جمع بين معرفة المتون والأسانيد، سمع ببغداد في سنة عشرين وخمسمائة من أصحاب

стр. 214

البرمكي والتنوخي والجوهرى، ثم رجع إلى دمشق، ثم رحل إلى خراسان، ودخل نيسابور وهَرَاةُ (١) وأصفهان والجبال (٢)، وصنّف التصانيف المفيدة، وخرّج التخاريج، وكان حسن الكلام على الأحاديث، محظوظًا في الجمع والتأليف، صنف التاريخ الكبير لدمشق في ثمانين مجلدة، أتي فيه بالعجائب، وهو على نسق تاريخ بغداد، وله شعر لا بأس به، ومن المنسوب إليه: أيا نَفسُ ويحك جاء المشيبُ … فماذا التَّصابي وماذا الغَزَلْ تولَّي شبابى كأن لم يكن … وجاء مَشِيبي كأن لم يَزَل كائِّي بنفسي على غرّة … وخَطبُ المَنُون بها قد نزل فياليت شعري ممَّن أكونُ … وما قدَّر الله لي في الأزل (٣) وقد التزم فيها ما لا يلزم (٤)، وهو الزاي قبل اللام (٥). وفي المرآة: وصنف كتبًا كثيرة؛ منها "تاريخ دمشق" ثمانمائة جزء في ثمانين مجلدًا (٦)، وكتاب "الإشراف [على] (٧) معرفة الأطراف"، وكتاب "فضل (٨) أصحاب الحديث"، وكتاب "الجهاد"، و"الأربعين"، و"فضائل مكة والمدينة والبيت المقدس"، و"فضل قريش والأنصار"، و"فضائل أهل البيت"، و"فضائل الصحابة"، و"مسند أبي حنيفة ﵁"، وكتاب "الزلازل (٩) "، وغير ذلك. وذكره العماد في الخريدة (١٠): وقال: سمعتُ عليه من التاريخ الذي صنفه. ومن أنواع ما ألفه وأنشدني لنفسه بقرية المِزَّة غربي دمشق "أيا نفس" إلى آخره.

стр. 215

وقال ابن خلكان (١): قال لي شيخنا الحافظ زكي الدين عبد العظيم المنذري، حافظ مصر، وقد جرى ذكر تاريخ ابن عساكر، وأخرج لي منه مجلدًا، وطال الحديث في أمره واستعظامه، وقال: ما أظن هذا الرجل إلا عَزَمَ على وضع هذا التاريخ من يوم عقل على نفسه، وشرع في الجمع من ذلك الوقت، وإلا فالعمر يقصر عن أن يجمع الإنسان فيه مثل هذا الكتاب بعد الاشتغال. ولقد قال الحق، ومن وقف عليه عرف حقيقة هذا الكتاب، ومتى يسع الإنسان الوقت حتى يضع مثله، وهذا الذي ظهر هو الذي اختاره، وما صح له هذا إلا بعد مسودات ما يكاد ينضبط حصرها (٢). وقال ابن كثير: وله "أطراف السنن الأربعة" (٣) و"الشيوخ النُبل"، و"تبيين كذب المفترى على أبي الحسن الأشعري". وقال ابن الجوزي (٤): وكان شديد التعصب لأبي الحسن الأشعري، حتي صنف كتابًا سماه: "تهذيب المفترى على أبي الحسن الأشعرى". وفي المرآة (٥): وكان ولده أبو محمد القاسم يقول: سمع أبي من ألف شيخ وثلثمائة شيخ وبضع وثمانين امرأة، وسمع منه الحافظ أبو العلاء الهمداني، وهو أكبر منه، وذكر ابنه القاسم أنه صنف ستين كتابًا، وكانوا يفضلونه على الخطيب، ولأجله بني نور الدين دار الحديث بدمشق، وعاش ابنه القاسم إلى سنة ستمائة، وتوفي بها (٦). وقال السبط (٧): توفي الحافظ ابن عساكر ليلة الاثنين حادي عشر رجب من هذه السنة، وقد بلغ من العمر اثنين وسبعين سنة وستة أشهر وعشرة أيام، وصُلى عليه بجامع دمشق وميدان "الحصا" (٨) صلى عليه القطب النيسابوري، وحضر السلطان صلاح الدين صلواته. (٩)
следующие страницы →