← История

История · id 380

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [565 - 628 هـ]

بدر الدين العيني

Полный текст (1 226 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ثم إن أصحابه [رغبوا] (١) في الرجوع إلى مصر وخشي قراقوش أن يقيم وحده فرجع معهم. فلما حصل بمصر طاب له المقام وثقل عليه العود، وزوجه تقي الدين بإحدى جواريه. وكان استناب بأوجلة وقال لأهلها أنا أمضى إلى مصر لتجديد رجال وأعود إليكم (٢). ومنها ما قال ابن الأثير (٣): وفي ربيع الآخر سنة إحدى وسبعين استوزر سيف الدين صاحب الموصل جلال الدين أبا الحسن علي بن جمال الدين الوزير، ومكّنه في ولايته، فظهرت منه كفاية لم يظُنِّها الناس، وبدا منه معرفة بقواعد الدول وأوضاع الدواوين، وتقرير الأمور والاطلاع على دقائق الحسابات، والعلم بصناعة الكتابة الحسابية والإنشاء حيرت العقول، ووضع في كتابة الإنشاء وضعًا لم يعرفوه. وكان عمره حين ولي الوزارة خمسا وعشرين سنة، ثم قُبض عليه في شعبان سنة ثلاث وسبعين وشفع فيه كمال الدين بن [نيسان (٤)] وزير صاحب آمد وكان قد زوجه بنته، فأطلق وسار إليه. وبقي بآمد يسيرًا مريضًا، ثم فارقها، وتوفي بدُنَيسِر (٥) سنة أربع وسبعين، وحُمل إلى الموصل فدفن بها، ثم حُمل منها في موسم الحج إلى المدينة ودفن عند والده. وكان من أحسن الناس صورة ومعني، ﵀. ومنها (٦) أنه قدم إلى دمشق الواعظ الكبير أبو الفتوح عبد السلام بن يوسف بن محمد بن مقلد التنوخي، الدمشقي الأصل البغدادي المنشأ، ذكره العماد في الخريدة، وقال: كان صاحبي (٧)، وجلس للوعظ فحضر عنده السلطان صلاح الدين، وأورد له مقطّعات من أشعاره، فمن ذلك ما كان يقول في مجلسه:

стр. 212

يا مالكا مُهجَتي، يا مُنتهى أملي … يا حاضرًا شاهدًا في القلب والفِكَر خلقتني من ترابٍ أنت خالقُهُ … حتى إذا صرتُ تمثالًا من الصُّورِ أجريت في قالبي روحًا منورةً … تمر فيه كجري الماء في الشجر جمعتَ بين صفا رُوح منوَّرة … وهيكل صُغْتَه من معدن كدر إن غِبتُ فيك فيا فخري ويا شرفي … وإن حضرت فيا سمعى ويا بصري أو احتجبت فسرى منك في وَلَهٍ … وإن خطَرتُ فقلبي مِنك في خطر [تبدو] (١) فتمحُو رسومي ثم تثبتُها … وإن تغيبت عنِّي عشتُ بالأثر (٢) ومنها أنه حملت إلى أمير المؤمنين من قرية قريبة من بغداد، يقال لها الوقت، بقرتان قد ولدتا برأسين ورقبتين وأربع أيدي وبطن واحدة وفرج ذكر وفرج أنثى، ولكل واحدة رجل، قيل إنها ولدت حية ثم ماتت (٣). ومنها ما قال ابن الجوزي (٤): تكلمت يوم عرفة، وكان مجلسًا عظيمًا، تاب فيه خلق كثير، وقُطعت شعورٌ كثيرة، وكان الخليفة حاضرًا. ومنها أن الخليفة عزل الخادم صندل المقتفوي عن الأستادارية (٥) وفيها ....... (٦). وفيها حج بالناس طاشتكين. وكان في مكة أمير يقال له مُكثر (٧)، عزله الخليفة (٨) وأمر أن يولَّي أخوه داود مكانه، وكان قد بنى قلعة على جبل أبي قبيس، فاختلف الناس،

стр. 213

وتشوش الحجاج، ولم يرم الناس من الجمار إلا قليلًا، ونُهب كثير من الحاج، وأخذوا أموال التجار المقيمين بها. ومن أعجب ما تم أن إنسانًا زرَّاقًا أحرق دارًا بقارورة نفط لأيتام، ثم أخذ قارورة أخرى ليحرق بها دارًا أخرى، فأتاه حجر فأصاب القارورة فكسرها، فاحترق هو بها، وبقي ثلاثة أيام يُعَذَّبُ بالحريق إلى أن مات (١). ذكر من توفي فيها من الأعيان المبارك بن الحسن أبو النجم بن القابلة الفرضي؛ سمع أبا الحسين بن الفراء وغيره، وكان عالمًا (٢) بعلم الفرائض والمواقيت، وتوفي في جمادى الأولى منها، ودفن بمقبرة الزادمان، قرية قريبة من بغداد (٣). مسعود بن الحسين بن سعد أبو الحسين البزدى (٤) القاضى؛ أحد الكبار الحنفية، ولد سنة خمس وخمسمائة، وتفقه وأفتى، وناب في القضاء، ودرَّسَ بمدرسة أبي حنيفة ﵁ ومدرسة السلطان، ثم خرج إلى الموصل، فأقام مدة يدرس هناك، وينوب في القضاء، فتوفي بها في جمادى الآخرة من هذه السنة، ﵀. الحافظ ابن عساكر (٥) على بن أبي محمد الحسني بن أبي الحسن هبة الله بن عبد الله بن الحسين، المعروف بابن عساكر الدمشقي الملقب ثقة الدين؛ كان محدث الشام في وقته، ومن أعيان الفقهاء الشافعية، غلب عليه الحديث فاشتهر به، وبالغ في طلبه إلى أن جمع منه ما لم يتفق لغيره، رحل وطَوَّفَ وجاب البلاد، ولقى المشايخ، وكان رفيق الحافظ أبي سعد عبد الكريم بن السمعاني في الرحلة، وكان حافظًا دينًا، جمع بين معرفة المتون والأسانيد، سمع ببغداد في سنة عشرين وخمسمائة من أصحاب

стр. 214

البرمكي والتنوخي والجوهرى، ثم رجع إلى دمشق، ثم رحل إلى خراسان، ودخل نيسابور وهَرَاةُ (١) وأصفهان والجبال (٢)، وصنّف التصانيف المفيدة، وخرّج التخاريج، وكان حسن الكلام على الأحاديث، محظوظًا في الجمع والتأليف، صنف التاريخ الكبير لدمشق في ثمانين مجلدة، أتي فيه بالعجائب، وهو على نسق تاريخ بغداد، وله شعر لا بأس به، ومن المنسوب إليه: أيا نَفسُ ويحك جاء المشيبُ … فماذا التَّصابي وماذا الغَزَلْ تولَّي شبابى كأن لم يكن … وجاء مَشِيبي كأن لم يَزَل كائِّي بنفسي على غرّة … وخَطبُ المَنُون بها قد نزل فياليت شعري ممَّن أكونُ … وما قدَّر الله لي في الأزل (٣) وقد التزم فيها ما لا يلزم (٤)، وهو الزاي قبل اللام (٥). وفي المرآة: وصنف كتبًا كثيرة؛ منها "تاريخ دمشق" ثمانمائة جزء في ثمانين مجلدًا (٦)، وكتاب "الإشراف [على] (٧) معرفة الأطراف"، وكتاب "فضل (٨) أصحاب الحديث"، وكتاب "الجهاد"، و"الأربعين"، و"فضائل مكة والمدينة والبيت المقدس"، و"فضل قريش والأنصار"، و"فضائل أهل البيت"، و"فضائل الصحابة"، و"مسند أبي حنيفة ﵁"، وكتاب "الزلازل (٩) "، وغير ذلك. وذكره العماد في الخريدة (١٠): وقال: سمعتُ عليه من التاريخ الذي صنفه. ومن أنواع ما ألفه وأنشدني لنفسه بقرية المِزَّة غربي دمشق "أيا نفس" إلى آخره.

стр. 215

وقال ابن خلكان (١): قال لي شيخنا الحافظ زكي الدين عبد العظيم المنذري، حافظ مصر، وقد جرى ذكر تاريخ ابن عساكر، وأخرج لي منه مجلدًا، وطال الحديث في أمره واستعظامه، وقال: ما أظن هذا الرجل إلا عَزَمَ على وضع هذا التاريخ من يوم عقل على نفسه، وشرع في الجمع من ذلك الوقت، وإلا فالعمر يقصر عن أن يجمع الإنسان فيه مثل هذا الكتاب بعد الاشتغال. ولقد قال الحق، ومن وقف عليه عرف حقيقة هذا الكتاب، ومتى يسع الإنسان الوقت حتى يضع مثله، وهذا الذي ظهر هو الذي اختاره، وما صح له هذا إلا بعد مسودات ما يكاد ينضبط حصرها (٢). وقال ابن كثير: وله "أطراف السنن الأربعة" (٣) و"الشيوخ النُبل"، و"تبيين كذب المفترى على أبي الحسن الأشعري". وقال ابن الجوزي (٤): وكان شديد التعصب لأبي الحسن الأشعري، حتي صنف كتابًا سماه: "تهذيب المفترى على أبي الحسن الأشعرى". وفي المرآة (٥): وكان ولده أبو محمد القاسم يقول: سمع أبي من ألف شيخ وثلثمائة شيخ وبضع وثمانين امرأة، وسمع منه الحافظ أبو العلاء الهمداني، وهو أكبر منه، وذكر ابنه القاسم أنه صنف ستين كتابًا، وكانوا يفضلونه على الخطيب، ولأجله بني نور الدين دار الحديث بدمشق، وعاش ابنه القاسم إلى سنة ستمائة، وتوفي بها (٦). وقال السبط (٧): توفي الحافظ ابن عساكر ليلة الاثنين حادي عشر رجب من هذه السنة، وقد بلغ من العمر اثنين وسبعين سنة وستة أشهر وعشرة أيام، وصُلى عليه بجامع دمشق وميدان "الحصا" (٨) صلى عليه القطب النيسابوري، وحضر السلطان صلاح الدين صلواته. (٩)

стр. 216

وقال ابن خلكان (١): ودفن عند والده وأهله بمقابر باب الصغير (٢)، وتوفي ولده القاسم الملقب بهاء الدين في التاسع من صفر سنة ستمائة بدمشق، ودفن من يومه خارج باب النصر، ومولده بها ليلة النصف من جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين وخمسمائة، وكان أيضًا حافظًا.

стр. 217

فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الثانية والسبعين بعد الخمسمائة * استهلت هذه السنة والخليفة هو المستضيء بأمر الله، والسلطان صلاح الدين صاحب مصر والشام محاصر حلب، وقد ضجر الناس من طول الحصار، فترددت الرسل بينهم، وتقررت القاعدة بين صلاح الدين والملك الصالح بن نور الدين وسيف الدين غازي صاحب الموصل وصاحب حصن كيفا وصاحب ماردين، وتحالفوا أن يكونوا كلهم عونًا على الناكث الغادر. وقال ابن كثير (١): وكان صلاح الدين قد أشرف على أخذ حلب فسألوه الصلح، فصالحهم على أن تكون حلب [وأعمالها] (٢) للملك الصالح بن نور الدين فقط، وكتب بذلك الكتاب. فلما كان المساء بعث الملك الصالح إلى صلاح الدين يسأل منه زيادة قلعة عزاز، وأرسل بأخت له صغيرة وهي الخاتون (٣) بنت نور الدين؛ ليكون ذلك أدعى إلى قبول السلطان سؤاله، فحين رآها صلاح الدين قام قائمًا، وقبل الأرض، وأجابها إلى سؤالها، وأطلق لها من الجواهر والتحف شيئًا كثيرًا. ذكر رحيل صلاح الدين من حلب ولما تعاقدوا على ما ذكرنا؛ رحل صلاح الدين عن حلب يوم الجمعة لعشر بقين من المحرم، وقصد بلد الإسمعيلية الذين اعتدوا عليه، فحاصر حصنهم مِصياث (٤)، فقتل وخرَّب وسبي حتى شفع فيهم خاله شهاب الدين محمود بن تكش صاحب حماة؛ لأنهم جيرانه، فقبل شفاعته، وقد أحضر إليه نائب بعلبك الأمير شمس الدين محمد ابن عبد الملك بن [المقدم] (٥) -الذي كان نائب دمشق- جماعة من أسارى الإفرنج

стр. 218

الذين عاثوا بالبقاع في غيبة السلطان، واشتغاله بحصار مصياث، فجدد له العزم على غزو الإفرنج، فصالح الإسمعيلية أصحاب سنان، ثم كر راجعًا إلى دمشق. وفي تاريخ الدولتين (١): وكان الأسرى أكثر من مائتي أسير. وقال ابن أبي طي: وكان أكبر الدواعي في مصالحة صلاح الدين لسنان مقدم الإسمعيلية وخروجه من بلادهم، خوفه من الفرنج أن يهيجوا في الشام الأعلى، وهو بعيد عنه، فربما ظفروا من البلاد بطائل، فصالح سنانًا، وعاد إلى دمشق. قال العماد: وكان خرج شمس الدولة أخو السلطان من دمشق حين سمع أن الإفرنج على الخروج، وباسطهم عند عين الجرّ (٢)، في تلك المروج، ووقع من أصحابه عدة في الإسار، منهم سيف الدين أبو بكر [بن] (٣) السلار. ووصل السلطان إلى حماة، واجتمع فيها بأخيه شمس الدولة ثاني صفر، وهو أول لقائه بعدما أزمع عنه إلى اليمن السفر، وتعانق الأخوان في المخيم بالميدان، وكان قد وصل إلى السلطان من أخيه هذا عند مفارقته بلاد اليمن كتاب ضمنه أبياتا من شعر ابن المنجم المصرى، أولها: الشوقُ أولع بالقلوب وأوجَعُ … فعلامَ أدفعُ منه ما لا يُدفعُ وحَملتُ من وجدِ الأحبةِ مفردًا … ما ليس تحمِلُهُ الأحبةُ أجمعُ لا يَستقرُّ بي النَّوى في موضعٍ … إلا تقاضاني التَّرحُّل (٤) موضعُ فإلى صلاح الدين أشكو أنني … من بُعده مُضنَى الجوانح مُوجَعُ وقد ذكرنا بقية الأبيات عن قريب. قال العماد: فسألنى السلطان أن أكتب في جوابها على رَوِيّها ووزنها، فقلت. فذكر قصيدة منها:

стр. 219

مَولاىَ شمس الدولة الملكُ الذي … شمسُ السيادة من سناهُ تطلُعُ ما لي سواك من الحوادث ملجأٌ … ما لي سواك من النَّوائب مفزعُ وَلأنتَ فخر الدين فخري في العُلا … وملاذُ آمالي، ورُكنى الأمنَعُ إلا بخدمتك المجلة موقعي … والله ما للملك عندى موقعُ وبغير قُربِك كل ما أرجوه من … دَرْكِ المُنَى متعذر متمنّعُ النصر (١) إن أقبلت نحوي مُقبلٌ … واليُمْنُ إن أسرعت نحوي مسرعُ قال: ثم سرنا إلى دمشق، ووصلنا إليها سابع عشر صفر، وفوض ملك دمشق إلى أخيه الملك المعظم شمس الدولة، وعزم إلى مصر السفر (٢) في صفر. منها وقف صلاح الدين قرية حزمُ باللوى من حوران على الزاوية الغزالية (٣)، ومن يشتغل بها من العلوم الشرعية وما يحتاج إليه الفقيه، وجعل النظر لقطب الدين النيسابوري مدرسها. وفي هذا الشهر تزوج صلاح الدين بالست خاتون (٤) عصمة الدين بنت معين الدين أثر، وكانت زوجة الملك نور الدين الشهيد ﵀ فأقامت بعده في القلعة محترمة مكرمة، وولي تزويجها منه أخوها الأمير سعد الدين مسعود بن أنر، وحضر القاضي ابن أبي عصرون العقد ومعه جماعة من العُدول، وبات السلطان عندها تلك الليلة والليلة التي بعدها، ثم سافر إلى مصر بعد يومين من الدخول بها (٥).

стр. 220

ذكر توجه صلاح الدين من دمشق إلى مصر خرج من دمشق يوم الجمعة الرابع من ربيع الأول، ونزل بمرج الصُّفَّر، ثم رحل عنه قبل العصر إلى قريب الصنمين (١). قال العماد: وخرجت معه وقلبي مروع (٢) إلى أهلي، فما نزلت منزلًا "إلا نظمت أبياتًا (٣) " فقلت يوم المسير وقد عبرت بالخيارة (٤): أقُولُ لركب بالخيارة نُزلُ … أشيروا؛ فما لي في المقام خيارُ هُمُ (٥) رحلوا عنك الغداةَ وما دَرَوا … بأنهمُ قد خَلّفوك وساروا حَليفَ اشتياق [لا ترى من تحبُّه] (٦) … وفي القلب من نار الغرام أُوارُ أجيروا من البلوى فؤادي فعندكم … ذِمَامٌ له يا سادتي وجوارُ وقلت وقد نزلنا بالفُقيع (٧): رأيتُني بالفَقيع منفردًا أضـ … يعُ من فقع قاعها [الضائع] (٨) بعتُ بمصر دمشق عن غَررٍ … منّى فيا غبن صفقة البائع صبرى والقلب عاصيان، وما … غير همومي وأَدمُعِي طائعِي وقلت بالفُوّار (٩): تحدّرَ بالفوار دمعي على الفور … فقُلتُ لجيراني أجيروا [مِنَ الجَوْرِ] (١٠) وأصعبُ ما لاقيت أنِّى قانعٌ … من الطيف مُذ بنتُم بزورٍ من الزورِ

стр. 221

وقلت بالزرقاء (١): وَلَم أنسَ بالزرقاء يوم وَداعِنا … أنامل تدْمي حيرةً للتّندُّم أعدتُك يا زرقاء حمراء، إنني … بكيتُك حتي شِيبَ ماؤكَ بالدَّمِ تأخَّر قلبي عندهم متخلِّفًا … وخالفتُهم في عزْمتي والتقدُّم فيا ليت شعري هل أعود إليهم … وهل ليت شعري نافعٌ للمُتيَّمِ قال: وقلت وقد عبرنا على مسالك قريبة من قلعة الشوبك، وفيها تخطف الإفرنجُ القاصدين إلى مصر: طريقُ مصر ضيّق المسْلكِ … سالكُهُ لا شكَّ في مَهلكِ وحُبُّ مصر صارَ [جُبًا] (٢) لِمن … أوقعه في شبك "الشوبك" لكِنّما من دونها كعبةٌ … محجوجةٌ مبرُورةُ المنسكِ بها صلاح الدين يُشكي الذي … إليه من أيامه يشْتكيِ قال ونظمت في طريق مصر قصيدة مشتملة على ذكر المنازل وهي: هجرتُكم لا عن مَلالٍ ولا [غدْر] (٣) … ولكن لمَقدُورٍ أُتيحَ منَ الأمرِ وأعلم أنِّي مخطئٌ في فِراقِكُم … وعُذريَ في ذنبي، وذنبي في عُذري أرى نُوبًا للدهر تحصى ولا أرى … أشدَّ من الهِجرانِ في نُوبِ الدهر إلى أن قال: أسيرُ إلى مصر وقلبي أسيرُكُم … ومن عَجَبٍ أسرى وقَلبِىَ في أَسْرِ وهي قصيدة طويلة (٤).

стр. 222

ذكر دخول صلاح الدين القاهرة دخل السلطان صلاح الدين القاهرة يوم السبت السادس عشر من ربيع الأول، وتلقاه أخوه الملك العادل سيف الدين (١) إلى عند بحر القلزم، ومعه من الهدايا والتحف شيء كثير، ولاسيما من المآكل المتنوعة (٢). قال العماد: وتوفرنا على الاجتماع في المغاني لاستماع (٣) الأغاني، والتنزه في الجزيرة والجيزة، والأماكن العزيزة، ومنازل العز والروضة، ودار الملك والنيل والمقياس، ومرامي (٤) السفن ومجارى الفلك (٥) والقصور بالقرافة (٦)، وربوع الضيافة، ورواية الأحاديث النبوية، والمباحثة في المسائل الفقهية، والمعاني الأدبية. قال: واقترحنا على القاضي ضياء الدين بن الشهرزوري أن يفرجنا في الأهرام، فقد كنا شغُفنا بأخبارها في الشام، فخرج بنا إليها، ودُرْنا تلك البرابي والبراري، والرمال والصحاري، وهَالَنا أبو الهول، وضاق في وصفه مجال القول، وتداولنا الحديث في الهرم ومن بناه، فكل يأتي في وصفها بما نقله (٧)، لا بما عقله، واجتهدوا في الصعود إليه فلم يوجد من توقَّله (٨)، وحارت العقول في عقوده، وطارت الأفكار عن توهُّم حدوده؛ فيالَهُ من مولود للدهر قبل الطوفان، انقرضت القرون الخالية على آبائه وجدوده، وسمّار الأخبار تذكر حديث أحداث عادِه (٩) وثَمُودِه، ويدل إحكامه وعلوه على علو همة بانيه في بأسه وجوده. وإن في الأرض الهرمين كما [أنّ] (١٠) في السماء الفرقدين.

стр. 223

ثم ذكر العماد جماعة ممن كان يقيم الضيافة له ولمثله من الفضلاء الأعيان؛ فذكر منهم الناصح مؤدب أولاد السلطان، وله دار مشرفة على النيل، وذكر منهم اللّسان الصوفي البلخي، وكانت له صحبة قديمة بنجم الدين أيوب والد السلطان، وله دار أيضًا على شاطئ النيل برسم [ضيافة] (١) من نزل به. ذكر ما صدر من صلاح الدين بعد دخوله القاهرة من ذلك أنه أمر ببيع الكتب في القصر كل أسبوع يومان، وهي تباع بأرخص الأثمان، وكانت كتبًا كثيرة جدًا، قالوا: إنها كانت أكثر من مائة ألف مجلد. وكان فيها من الكتب الكبار، وتواريخ الأمصار، ما يشتمل كل كتاب على خمسين أو ستين مجلدًا (٢)، وكانت خزائن مملوءة بها في القصر، وكان الحاكم على القصر ومتولى أموره الأمير بهاء الدين قراقوش. ولما حضرت الناس للشراء كان الدلالون يخرجون عشرة عشرة من كل فنّ كتبًا [مبترة] (٣) وتُباع بالهُون، وتُسام بالدون، وربما كان دلال يشارك مع واحد فتُقوَّمُ عليه بعشرة، ثم بعد ذلك يبيعونه بمائة. قال العماد: لما رأيت الأمر حضرت [القصر] (٤)، واشتريت كما اشتروا، واستكثرت من ذلك. ولما عرف السلطان بذلك، وكان (٥) بمئين (٦)، أنعم بها عليَّ، وأبرَأَ ذمتي من ثمنها؛ ثم وهب لي أيضًا من خزانة القصر ما عينتُ عليه من كتبها. ودخلت عليه يومًا وبين يديه مجلدات كثيرة، انتُقِيَت له من القصر، وهو ينظر في بعضها، وقال: كنت طلبت كُتُبا عَينتها، فهل في هذه منها شيء؟ فقلت: كُلّها، وما استغني عنها، فأخرجتها من عنده بحمّال، وكان هذا بالنسبة إلى جوده أقلَّ نوال. ومن ذلك أنه أمر ببناء سور على مصر والقاهرة، ودَور السور تسعة وعشرون ألفا وثلثمائة ذراع بالهاشمي (٧).

стр. 224

وفي تاريخ الدولتين (١): ولما تملك السلطان مصر رأى أن مصر والقاهرة لكل [واحدة] (٢) منهما سور لا يمنعها، وقال: [إن] (٣) أفردت كلّ [واحدة] (٤) بسور [احتاجت] (٥) إلى جند مفرد يحميها، وإني أرى أن أدير عليهما سورًا واحدًا من الشاطيء إلى الشاطيء. وأمر ببناء قلعة في الوسط عند مسجد سعد الدولة (٦) على جبل المقطم، فابتدأ من ظاهر القاهرة ببرج في المقسم (٧)، وانتهى به إلى أعلى مصر ببروج وصلها بالبرج الأعظم. قال العماد: ومبلغ السور وهو دائر البلدين مصر والقاهرة بما فيه من ساحل البحر والقلعة بالجبل، تسعة وعشرون ألفا وثلثمائة [ذراع] (٨)، وذراعان؛ من ذلك ما بين قلعة المقسم على شاطئ النيل والبرج بالكوم الأحمر (٩) بساحل مصر عشرة آلاف وخمسمائة ذراع، ومن القلعة بالمقسم إلى حائط القلعة بالجبل بمسجد سعد الدولة ثمانية آلاف وثلثمائة واثنان وتسعون ذراعًا، ومن جانب حائط القلعة من جهة مسجد سعد الدولة إلى البرج بالكوم الأحمر سبعة آلاف ومائتا ذراع، ودائر القلعة بجبل مسجد سعد الدولة ثلاثة آلاف ومائتان وعشرة أذرع. وذلك طول قوسه في أبدانه، وأبراجه (١٠) من النيل إلى النيل، على التحقيق والتعديل، وذلك بالذراع الهاشمي، بتولى الأميرة [بهاء الدين] (١١) قراقوش الأسدي.

стр. 225

وبنى القلعة على الجبل، وقطع الخندق، وحفر واديه. وهناك مساجد يعرف أحدها بمسجد سعد الدولة، فاشتملت القلعة عليها ودخلت في الجملة. وحفر في رأس الجبل بئرًا (١) ينزل فيها بالدرج المنحوتة من الجبل إلى الماء المعين. وتوفي السلطان وقد بقي من السور مواضع، والعمارة [فيه] (٢) مستمرة، ووظائف نفقاتها مستدرّة. ومن ذلك أن السلطان ﵀ أمر ببناء المدرسة بالتربة المقدسة الشافعية (٣)، ورتب قواعدها، وتولاها الفقيه الزاهد نجم الدين الخبوشاني (٤)، وأمر أيضا باتخاذ دار في القصر بيمارستانا للمرضى، ووقف على المدرسة والبيمارستان وقوفًا كثيرة. ذكر خروج صلاح الدين إلى الإسكندرية ثم إن السلطان صلاح الدين خرج من القاهرة يوم الأربعاء الثاني والعشرين من شعبان، واستصحب معه ولديه الأفضل عليًا والعزيز عثمان، وجعل طريقه على دمياط، فأقام بظاهرها يومين، ثم وصل إلى ثغر الإسكندرية. قال العماد (٥): وترددنا مع السلطان إلى الشيخ الحافظ أبي طاهر أحمد بن محمد السِّلَفي (٦)، وسمعنا عليه ثلاثة أيام، الخميس والجمعة، والسبت، رابع شهر رمضان. قال: وشاهدنا ما استجده السلطان من السور الدائر، وما انصرفنا حتى أمر بإتمام الثغور وتعمير الأسطول.

стр. 226

وقال ابن أبي طي (١): ولما نوى السلطان المقام بالإسكندرية؛ ليصوم فيها، رأى أنه لا يُخلى نفسه من ثوابٍ يقوم له مقام القَصْد إلى بلاد الكفار والجهاد في المشركين، فرأى الأسطول وقد أخلقت (٢) سُفُنه، وتغيرت آلاته، فأمر بتعمير الأسطول، وجمع له من الأخشاب والصُّناع أشياء كثيرة. ولما تم عملُ المراكب أمر بحمل الآلات، فنقل من السلاح والعُدد ما يحتاج الأسطول إليه، وشحنه بالرِّجال، وولّي فيه أحد أصحابه، وأفرد له إقطاعًا مخصوصًا وديوانًا مُفْردًا، وكتب إلى سائر البلاد المصرية بقبول قول صاحب الأسطول (٣)، وأن لا يُمنع من أخذ رجاله وما يحتاج إليه، وأمر صاحب الأسطول أن لا يبارح البحر ويغزي إلى جزائر البحر (٤). قال العماد: وقُلتُ في معني تنقلى في البلاد: يومًا بجَيٍّ (٥)، ويومًا في دمشق، وبالـ … ـفُسطَاطِ يومًا، ويومًا بالعراقَينِ كأنَّ جسمي وقلبي الصَّبَّ ما خُلقَا … إلا ليُقتسَمَا بالشَّوقِ والبَينِ وقلت يوم الخروج من القاهرة: يا باخلًا عند الوداع بوقفةٍ … لو سامني رُوحي بها لم أبخَلِ ما كان ضَرُّك لو وقفت لسائلٍ … تركَ الفؤادَ بدائه في المنزل إن أسر مُرتَحِلًا [ففي] (٦) أسر الهوى … قلبي لديك، مقيَّدٌ لم يَرحَلِ عَذُبَ العذابُ لدى فؤادي (٧) المُبتَلَى … إذ كُنت أنت مُعذِّبي والمُبتَلِى

стр. 227

قال: ونزلنا بين مُنْية غمر (١) ومُنْية سمنود (٢)، فقلتُ: نَزلتُ بأرض المُنيتَين ومُنيَتي … لقاؤكم الشَّافي ووصلُكم المُجدِي سأبلَى ولا تَبلى سريرةُ وُدِّكم … وتؤنسُني إن مِتُّ في وحشة اللَّحدِ قال: وعدنا من الإسكندرية في شهر رمضان، فصمنا بقية الشهر في القاهرة. قال: ومن مدائحي للسلطان ما أنشدتهُ إياه في سادس شوال: فَدَيتُكَ من ظالم منصف … وناهيك من باخل [مُسْعِفِ] (٣) أيبلغ دهرى قصدى وقد … قصدتُ بمصر ذُري (٤) يوسفِ ويوسفُ مصر بغير التُّقى … وبذل الصنائع لم يوصف فَسِر وافتح القدس واسفِك به … دماءً متى تُجرِها ينظف وخلِّص من الكفر تلك البلاد … يخلِّصك الله في المَوقِف (٥) ذكرُ مجيء الرسل إلى صلاح الدين وفيها وصلت الرسل إلى السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، وهم رسول سيف الدين صاحب الموصل، ورسول صاحب حصن كيفا (٦)، ورسُول صاحب ماردين، فأولًا جاءوا إلى دمشق، فاستوثقوا بتحليف أخى السلطان صلاح الدين، وهو شمس الدولة تورانشاه بن أيوب، ثم قصدوا مصر، ووقع رسول صاحب الحصن في الأسر.

стр. 228

وقال ابن أبي طي (١): وصل رسول صاحب الموصل (٢) القاضي عماد الدين بن كمال الدين الشهرزوري بهدية وقود، فخرج الموكب إلى لقائه، وأكرمه السلطان واحترمه، وقدم بعده رسول نور الدين [محمد بن] (٣) قرا أرسلان، ورسول صاحب ماردين (٤) بهدايا، واجتمعوا في دمشق، وخرجوا إلى السلطان بمصر، فاعترضهم الفرنج، فأسر رسول صاحب الحصن، ولم يزل في الأسر حتى فتح السلطان بيت الأحزان (٥)، فأطلقه وأحسن إليه. ذكر خروج صلاح الدين إلى مرج فاقوس (٦) من أعمال مصر قال العماد (٧): ثم خرج السلطان إلى مرج فاقوس من أعمال مصر الشرقية؛ لإرهاب العدو وهو يركب للصيد والقنص، ويتطلع إلى أخبار الفرنج لانتهاز الفرص. واقترح عليَّ أن أمدح عز الدين فرخشاه (٨) بقصيدة موسُومة، ألزم فيها الشين قبل الهاء، فعملت ذلك قبل (٩) ذي الحجة، "فقلت" (١٠):

стр. 229

مولاي عِزّ الدين فرخشَه … الدَّهر [مَنْ] (١) يَرجُك لا يخشُه تلقاه سَمحَ الكفِّ، دفَّاقها … طَلقَ المحيَّا كرمًا، بَشَّه إن شِئتَ فوتًا بالرَّدَى فالقَهْ … أو شئت [فوزًا] (٢) بالعُلا فاغشَه يُديم بالأيدي وبالأيد (٣) في … [خزى لهاه والعِدا بطشَه] (٤) كم ملكٍ عادَاكُمُ لم يبت … إلا جعلتم عرشَهُ نَعْشَه خوَّفتُمُ الشرك، فلا "قَمصَهُ" … أمَّنتم يومًا ولا "فُنْشه" أورثك السُؤدد يا ابن [العُلا] (٥) … والدُكَ السيدُ شاهِنشَه وقال في الخريدة (٦): [كنّا] (٧) مخيمين على مرج فاقوس، مصممين على الغزاة إلى غزة، وقد وصلت أساطيل ثغري دمياط والإسكندرية [بسبي] (٨) الكفار، وقد أوفت على ألف رأس، عدّة من وصل في قيد الأسار. وسنذكر خروجه إلى (٩) الغزاة في السنة الآتية إن شاء الله. وفي هذه السنة أبطل صلاح الدين [المكس] (١٠) الذي كان يؤخذ من الحج بجدة، مما يحمل في البحر، وعوَّضَ صاحب مكة عنها في كل سنة ثمانية آلاف إردب قمحًا، تُحمل إليه في البحر، ويحمل مثلها فتفرق في أهل الحرمين.

стр. 230

ذكر بقية الحوادث منها أن صاحب المرآة (١) ذكر أن في هذه السنة كانت نوبة الكنز، مقدم السودان بالصعيد، جمع كل أسود بالصعيد، وسار إلى القاهرة في مائة ألف؛ ليعيد الدولة المصرية، فخرج إليه الملك العادل سيف الدين أبو بكر، وأبو الهيجاء (٢) الهكاري، وعز الدين موسك (٣)، والتقوا فقتل الكنز ومن معه، ويقال إنهم قتلوا منهم ثمانين ألفا وعادوا إلى القاهرة. ومنها ما ذكره ابن الجوزي (٤) فقال: كتب إليَّ بعض الوعاظ أن امرأة تقول: كان رجل إذا رآني في الطريق مشي إلى جانبي ويتعرض لى (٥)، فقلت له: أنا لا أوافق إلا على الحلال، فتزوج بي عند الحاكم، وقضيت معه مديدة يأتيني كما يأتي الرجل المرأة، ثم عظمت بطنه، وقال لي: قد حبلت فاعملي لي دواء الإسقاط، فعملتُ له فولد، وقد حضرت المجلس أنا وهو فما حُكمنا؟ فقال الواعظ: هذا النكاح ما صح؛ لأنه بالولادة انكشف أنه امرأة، وتعجب الناس من حال هذا الخنثى الذى كان يأتي ويؤتَي. ومنها ما ذكره أيضًا وقال: حدثني طلحة بن مظفر العَلَثي (٦) الفقيه أنه وُلد عندهم بالعلث (٧) في رمضان مولود لستة أشهر، فخرجت له أربعة أضراس (٨). قال: ووصل الخبر في ذي القعدة بأن بلادًا كثيرة تزلزلت، وخسفت ببعضها، وذكر فيها الرَّي (٩) وقزوين (١٠).

стр. 231

ومنها ما ذكره أيضا أن في يوم الخميس حادي عشر صفر دخل رجل إلى جامع المنصور (١) ببغداد ليأكل خبزًا، فمات في مكانه، ومات آخر في باب البصرة، وامرأة في تلك الساعة، ودخل رجل من السواد إلى مسجد العتابيين (٢)، وترك جماعة على الباب، فمات الرجل. ومنها ما ذكره وقال: وفي ربيع الآخر أخرج المجذمون (٣) من بغداد، ونفوا إلى تحت البلد. ومنها ما ذكره في المرآة (٤): أنه خرج الفرنج إلى بقاع بعلبك، وكان شمس الدين محمد بن عبد الملك المعروف بابن المقدم بها، فخرج وكمن لهم في الشعاري والغياض، وأوقع بهم، وقتل وأسر نحو مائتي رجل. ومنها أن الروم قصدت بلاد قليج أرسلان بن مسعود في جمع من الحشود، فالتقاهم وكسرهم، وقتل منهم جماعة، وأسر أسرى كثيرين، وبعث برؤوس القتلى وببعض الأسرى إلى الإمام المستضيء بأمر الله أمير المؤمنين، وقال في ذلك ابن التعاويذي (٥) الشاعر من قصيدة يمدح بها الخليفة، ويذكر بلاء قليج أرسلان وإيقاعه الروم في يوم الجمعة، مطلعها: خَجِلَت من عطائك الأنواءُ … وتجلت بوجهِكَ الظلماءُ ولقد سرَّ آنفًا خبرٌ … جاءت على رقبة به الأنباءُ فهو في الروم والكنائس رُزءٌ … وهو في الشام والعراق هناءُ

стр. 232

وقعة بالثغور أضحى لكلب الروم … فيها من الزئير عواءُ فرماه على اللُّقان ابن مسعود … بنحسٍ غداة جدّ اللقاء زَفَّت النصر حين أوفت على … أعْوادها في بلادك الخُطباءُ ومنها أنه عصي شهاب الدين محمد بن نزار (١) صاحب شهرزور على سيف الدين غازي، وكان في طاعته وتحت حكمه، وكان سبب ذلك أن مجاهد الدين قايماز كان متوليًا (٢) مدينة إربل، وكان بينه وبين ابن نزار عداوة، فأرسل إليه وزير سيف الدين كتابًا حسنا؛ يأمره بالعود إلى الطاعة، والرجوع عن المخالفة والمعصية. فلما وصل الكتابُ إليه بادر إلى الحضور للخدمة السيفية بالموصل، فأوجب ما جرى من ابن نزار (٣). ومنها أن ابن ملكشاه بن محمود الذي كان بخوزستان (٤) عند ابن شملة وصل إلى البندنيجين (٥) فخربها ونهبها وسبي حريمها. ووصل عسكر الحلة من بغداد وواسط صحبة طاشتكين أمير الحاج (٦) وقزاغلي، وساروا نحوه، فلما سمع بوصولهم فارق مكانه، وعاد ومعه من التركمان خلق كثير، فنهبهم عسكر بغداد، ورجعوا من غير أمرٍ لهم بالعَود، فأنكر عليهم ذلك، فرجعوا إلى مواقعهم، ووقعت بينهم وبين ابن أرسلان "شاه" (٧) وقعة ثم افترقوا. ففارق المذكور ولاية العراق، وعاد عسكر بغداد إليها (٨). وفيها .................. (٩) وفيها حج بالناس الأمير طاشتكين، وحج من الشام قايماز النجمي.

стр. 233

ذكر من توفي فيها من الأعيان على بن العساكر بن المرحب بن العوام أبو الحسن البطائحي (١) المقرئ اللغوي؛ سمع الحديث وأسمعه، وكان حسن المعرفة بالنحو واللغة، ووقف كتبه بمسجد ابن جَردة (٢) ببغداد، وتوفي في شعبان من هذه السنة، وقد نيف على الثمانين (٣). محمد بن سعيد بن محمد أبو سعد بن الرزاز؛ كان من المعدلين، وسمع الحديث من ابن برهان (٤) وغيره، وكان ينظر في التركات، ويقول شعرًا مطبوعًا، كتب إليه بعض الناس مكاتبة تتضمن شعرا، فكتب في جوابها: يا من أياديه تُعيي (٥) من يُعدِّدُها … وليس يُحصي مدَاها من لها يَصِفُ عجزتُ عن شكر ما أَوْلَيتَ من كرم … وصرت عبدًا ولى في ذلك الشَّرفُ أهديتَ منظوم شعرٍ كلُّهُ دررٌ … فكُلُّ ناظم عقد دونه يقف إذا أتَيتَ [ببيتٍ] (٦) منه كان لنا … قصرًا ودُرُّ المعالي فوقَهُ شَرفُ وإن أتيت أنا بيتًا يناقضُهُ … أتيت لكن ببيتٍ سقفُهُ يَكِفُ ما كنتُ (٧) منه ولا من أهله أبدًا … وإنَّما حين أدنو منه أقتطِفُ مسلم بن ثابت بن زيد بن القاسم بن أحمد أبو عبد الله بن جوالق (٨)؛ الفقيه، سمع الحديث، وتفقه على أبي بكر الدينوري، وناظر، وعلت سِنُّه، وتوفي في ذي القعدة منها، ودفن بمقبرة أحمد، ﵀ (٩).

стр. 234

مختار الخادم (١)؛ كان من خواص الخليفة، وكان يتدين، وعلت سِنُّهُ، توفي في آخر شعبان منها، ودفن في الترب بالرصافة (٢). على بن منصور أبو الحسن السروجي؛ الأديب مؤدب أولاد الأتابك زنكي (٣)، مات في هذه السنة، ومن شعره يذكر فصل الربيع، وفضل دمشق، ويمدح نور الدين محمود ابن زنكي بقصيدة مطلعها (٤): فصلُ الربيع زمانٌ نَورُهُ نُورُ … ونشرُ (٥) أزهاره مسك وكافُورُ تظل تشدو به الأطيار من طربٍ … فذا هزارٌ وقمري وشحرور (٦) كأن أصواتَها فوق الغصون ضُحًى … زيرٌ (٧) ويمٌّ ومزمارٌ وطنبور يا لائمي في دمشق إن لومك لي … لؤم وتشبيهك الزَّورا بها زورُ (٨) تكامل الحسن فيها مثلما كملت … أوصاف مولي بنشر العدل مشهورُ مولاي يا خير من يُدعى لمكرمة … وخير من زانه عقلٌ وتوقيرُ عِش وابقَ واسلم ومُر واحكم ودُم أبدًا … ما سحَّ (٩) غيثٌ وما هَبّت أعاصيرُ محمد (١٠) بن مسعود أبو المعالي بن القَسَّام الأصفهاني؛ توفي في هذه السنة، وكان أديبًا، ومن شعره يذم قاضيًا: ولما أنْ توليت القضايا … وفاض الجَورُ من كَفَّيكَ فَيضَا ذبحتَ بغير سكينٍ وإنِّي … لأرجو الذبحَ بالسِّكين أيضَا

стр. 235

وفي المرآة: خرج إلى الحج، وتوفي بفَنْد (١). القاضي الشريف أبو محمد عبد الله العثماني الديباجي؛ من ولد الديباج محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان ﵁ ويعرف بابن أبي إلياس (٢)، من بيت القضاء والعلم، وكان واسع الباع في علم الأحاديث، كثير الرواية، قيمًا بالأدب، متصرفًا في النظم والنثر، إلا أنه مقل من النظم أوحد عصره في علم الشروط، قوله المقبول على كل العدول، مات في هذه السنة بالإسكندرية. شمس الدين ابن الوزير أبي المضاء (٣) خطيب الديار المصرية، وابن وزيرها؛ كان أول من خطب بديار مصر للخليفة المستضيء بأمر الله العباسي، بأمر السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، ثم حظى عنده حتى كان قد جعله سفيرًا بينه وبين الملوك والخلفاء، وكان رئيسًا مطاعًا كريمًا ممدحًا، توفي في هذه السنة، وجعل مكانه في السفارة وأداء الرسائل ضياء الدين ابن قاضي القضاة الشهرزوري بمرسوم سلطاني، وكانت وظيفة مقررة (٤). وقال العماد الكاتب (٥): وفي ليلة الجمعة الثاني عشر من صفر ونحن في طريق الوصول إلى دمشق توفي شمس الدين ابن الوزير بدمشق. قاضي القضاة الشهرزوري، أبو الفضل محمد بن أبي محمد عبد الله بن أبي أحمد القاسم الشهرزوري؛ الملقب كمال الدين، الفقيه الشافعي، قاضي القضاة بدمشق، وكان فاضلًا دينًا أمينًا ثقة ورعًا، ولى القضاء بدمشق لنور الدين محمود بن زنكي. واستوزره أيضًا فيما حكاه ابن الساعي قال: وكان يبعثه في الرسائل، كتب مرة على أعلى القصة "إلى الخليفة المقتفي" (٦) محمد بن عبد الله الرسول، فكتب الخليفة تحت ذلك ﷺ .

стр. 236

وقال ابن كثير (١): وقد فوض إليه نور الدين نظر الجامع ودار الضرب، وعَمَّر له المارستان والمدارس وغير ذلك من الأمور المهمة. وقال ابن خلكان (٢): وكانت ولادته سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة بالموصل، وتوفي يوم الخميس سادس المحرم من سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة بدمشق، ودفن من الغد بجبل قاسيون. وقال: ولما ملك صلاح الدين الشام أَقَرَّه على ما كان عليه في أيام نور الدين. وكان شهما جسورًا كثير الصدقة والمعروف، وقف أوقافًا كثيرة بالموصل ونصيبين ودمشق، وبنى بالموصل مدرسة للشافعية، ورباطًا بمدينة الرسول (﵇). وتولى القضاء بالموصل أيضًا، وله نظم جيد، فمن ذلك قوله: ولقَد أتَيْتُك والنجومُ روَاصدٌ … والفجرُ وَهْمٌ في ضميرِ المشرقِ وركبتُ [م الأهوال] (٣) كُلَّ عظيمةٍ … شوقًا إليك لعلّنا أنْ نلتقِي (٤). وفي المرآة (٥): قدم بغداد وتفقه على أسعد الميهني (٦) بالنظامية (٧)، وسمع الحديث ببغداد والموصل، وكان رئيس أهل بيته، وولي قضاء القضاة بدمشق وحمص وحماة وحلب وجميع الشام في أيام نور الدين، وكان إليه أمر المدارس والمساجد والأوقاف والحسبة والأمور الدينية والشرعية، وكان صاحب القلم والسيف. وكانت شحنكية دمشق إليه، وليَّ فيها بعض غلمانه، ثم ولاها نور الدين لصلاح الدين، وكانت بينهما

стр. 237

مضاغنة وكل واحد منهما ينقض حكم الآخر، فلما كتب إليه صلاح الدين بأن (١) يساعده على أخذ دمشق أعانه وفتح له أبوابها. فلما دخلها صلاح الدين مشي إلى دار كمال الدين وطيب قلبه، وجاء إلى الشيخ أحمد والد الشيخ أبي عمر شيخ الحنابلة -وأحمد أول من سكن منهم قاسيون- فزاره ومعه ألف دينار، فدفعها للشيخ أحمد فامتنع من أخذها. فاشترى كمال الدين قرية الهامة بوادي بَردَىَ (٢)، ووقف نصفها على الشيخ أحمد والمقادسة، والنصف الآخر على الأسارى، وهي باقية إلى هلم جرا. ولما مرض كمال الدين وهو بدمشق بلغ ابن أبي عصرون وهو بحلب، فقدم دمشق ودخل على القاضي كمال الدين وعانقه وبكيا، فلما توفي كمال الدين تولى ابن أبي عصرون أمره، وخرج في جنازته ماشيا هو وجميع الملوك مشاة؛ سيف الإسلام وتقي الدين عمر وشمس الدولة وغيرهم. وصلى عليه بجامع دمشق، وحمل إلى قاسيون، فدفن بسفحه قريبا من الجادة عند مسجد البصار (٣). ولم يكن عنده من أولاده أحد وإنما كان عنده ابن أخيه ضياء الدين أبو الفضائِل (٤)، وكان كمال الدين قد تصدق بجميع ما كان عنده وأوصى بماله، ووقف أوقافًا كثيرة على أبواب البر، وقيل إنه لم يكن له كفن فكفن في إحرامه. وأوصى بالقضاء إلى ابن أخيه ضياء الدين مع وجود ولده، وكان لكمال الدين ولد اسمه محمد (٥) بن محمد بن عبد الله ولقبه محي الدين، وكان [أبو] (٦) ضياء الدين قاضيا على حلب، وهو تاج الدين الشهرزوري. وفي تاريخ الدولتين (٧): ولما مات كمال الدين كان عمره ثمانين سنة.

стр. 238

فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الثالثة والسبعين بعد الخمسمائة * استهلت هذه السنة والخليفة هو المستضيء بأمر الله العباسي، والسلطان صلاح الدين مخيم بمرج فاقوس، ثم عاد إلى القاهرة وأقام بها، ثم قصد أن يسير إلى غزة وعسقلان. ذكر غزو صلاح الدين عسقلان والرملة وفي (١) جمادى الأول، سار السلطان صلاح الدين من مصر إلى ساحل الشام لغزو الإفرنج، فوصل إلى عسقلان والرملة في الرابع والعشرين من الشهر، فنهب، وتفرق عسكره في [الأعمال] (٢)، وبقي السلطان في بعض العسكر فلم يشعر إلا بالفرنج قد طلعت عليهم، فقاتلهم. وكان لتقى الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب ولد اسمه أحمد، حسن الصورة، كما بدت لحيته، فأمره أبوه تقي الدين بالحملة على الفرنج، فحمل عليهم وقاتلهم، وأثَّر فيهم أثرًا كثيرًا، فعاد سالمًا، فأمره أبوه بالعود إليهم ثانية، فحمل عليهم، فقُتل شهيدا. وتمت الهزيمة على المسلمين، وقاربت حملات الفرنج للسلطان، فمضى منهزما إلى مصر على البرية، ومعه من سلِم، فلقوا في طريقهم مشقة وعطشًا شديدًا، وهلك كثير من الدواب. وأخذت الفرنج العسكر الذين كانوا تفرقوا للإغارة أسرى، وأُسر للملك المظفر تقي الدين عمر ولده شاهنشاه، فبقي عندهم سبع سنين، وقُتل ابنه الآخر -كما ذكرنا- فحزن على المقتول والمفقود، وصبر تأسيًا بأيوب، وناح كما ناح داود. وكذلك أسر الفقيهان الأخوان ضياء الدين عيسى (٣)، وظهير الدين، وكانا من أكبر

стр. 239

أصحاب السلطان صلاح الدين، فافتداهما السلطان بعد سنتين بسبعين (١) ألف دينار، ووصل السلطان إلى القاهرة في نصف جمادى الآخرة. وفي المرآة (٢): خرج صلاح الدين في جمادى الآخرة من مصر بالعساكر، ونزل على عسقلان ثم رحل (٣) يريد تل الصافية (٤)، فازدحمت العساكر على الجسر تريد العبور، فلم يشعروا إلا وقد خالطهم الفرنج، فثبت تقي الدين عمر وقاتل ثم غُلب، وقُتل من المسلمين خلق كثير، وانهزمت عساكر الإسلام وأسر كثير، منهم الفقيه عيسى وغيره. لولا أن [الليل] (٥) حجز بينهم لم يبق من المسلمين أحد. وسار صلاح الدين في الليل إلى مصر من غير دليل ولا ماء ولا زاد. وكانت هذه الوقعة من أعظم الوقائع، ونكب صلاح الدين نكبة شديدة، وكاد يتلف جوعًا وعطشًا، ونهبت خزائنه وقتل رجاله وأسر أبطاله (٦). وكان مقدم الفرنج أرناط (٧)، وكان من أكبر ملوك الإفرنج. وما أتلف عسكر المسلمين إلا أنهم [كانوا] (٨) تفرقوا في الغارات، وكانوا زيادة على عشرين ألفًا، ووقعت الكسرة ومعظمهم لم يعلم، فلما رجعوا من الغارات لم يجدوا صلاح الدين، ولم يكن لهم حصن يأوون إليه، فدخلوا الرمل وتبعهم الفرنج قتلًا وأسرًا، ومن سلم منهم مات جوعًا وعطشًا، وكان يومًا عظيما على الإسلام لم يجبره إلا وقعة حطين، ورجع أرناط بجمعه إلى حماة -كما نذكره- إن شاء الله الآن. وقال ابن الأثير (٩): كتب صلاح الدين بخط يده إلى أخيه توران شاه نائبه بدمشق؛ يذكر له الوقعة وفي أوله:

стр. 240

ذَكَرْتُكَ والخَطّيُّ يخطرُ بَينَنا … وقد نَهَلتْ مِنّا المُثَقَّفَةُ السُّمْرُ ويقول فيه: لقد أشرفنا على الهلاك غير مرّة، وما [أنجانا الله] (١) سبحانه و"تعالى" (٣) منه إلا لأمر "يريده" (٢) سبحانه و"تعالى" (٣). ذكرُ (٤) حَصر الفرنج حماة وذلك أنه وصل من الفرنج كند (٥) كبير في البحر، فرأى صلاح الدين وقد عاد منهزمًا إلى مصر، فاغتنم خلو البلاد؛ وليس بها إلا شمس [الدولة] (٦) توران شاه بن أيوب، نائبًا عن أخيه، وليس عنده كثير من العسكر، فجمع الكند مَنْ بالشام من الفرنج، وفرق فيهم الأموال، وسار إلى مدينة حماة وبها شهاب الدين محمود بن تكش الحارمي، خال صلاح الدين، وهو يومئذ بمرض شديد، وكانت طائفة من العسكر الصلاحي بالقرب منها فدخلوا إليها وأغاثوا مَنْ بها، وقاتلوا الفرنج قتالًا شديدًا، ودخل الفرنج البلد، فاجتمع العسكر وأهل البلد وقاتلوهم حتى أزاحوهم منها، وأخرجوهم إلى ظاهرها. فساروا إلى حارم، واتفقت وفاة شهاب الدين الحارمي على ما نذكره إن شاء الله تعالى. قال العماد (٧): ومن شرط هدنة الفرنج أنه متى جاء ملك من ملوكهم [أو] (٨) كبير "لا" (٩) يمكنهم دفعه، فإنهم يقاتلون معه، ويؤازرونه، وينصرونه، فإذا انصرف عنهم

стр. 241

عادت الهدنة كما كانت. فقصد هذا الملك وجملة الفرنج معه مدينة حماة، وصاحبها شهاب الدين مريض، ونائب دمشق ومن معه من الأمراء مشغولون بلذاتهم (١)، فكادوا يأخذون البلد، ولكن هزمهم الله تعالى بعد أربعة أيام، فانصرفوا إلى حارم، فلم يتمكنوا من أخذه، وكشفهم عنه الملك الصالح صاحب حلب، وقد دفع إليهم من الأموال والأسارى ما طلبه الكفرة النصارى. وقال العماد (٢) أيضًا: ووصل في هذه السنة إلى الساحل من البحر كند كبير، يقال له أقلندس (٣). أكبر طواغيت الكفر. قلتُ: هذا هو الذي ذكرناه الآن، الذي جرى منه ما جرى. ذكرُ توجه صلاح الدين إلى الشام لما سمع السلطان بنزول الفرنج على حارم برز من الديار المصرية قاصدًا إلى بلاد الشام؛ لغزو الفرنج ونزل في البركة (٤) حتى خرجت العساكر، ورحل من البركة يوم عيد الفطر بعساكره، ووصل إلى أيلة في عاشر الشهر، واستناب بمصر أخاه الملك العادل، وأقام بها أيضا القاضي الفاضل بنيَّة الحج، وسافر العماد معه. ووصل السلطان إلى دمشق في الرابع والعشرين من شوال (٥)، وبها أخوه شمس الدولة مشغولًا بلذاته ولهوه، وكان قد بعث إلى الفرنج بمال مُصَانَعة، فعز على صلاح الدين ولامه وقبح فعله، وقال: أنت مشغول باللعب وتُضيع أموال المسلمين، وأقام صلاح الدين في دمشق.

стр. 242

قال العماد (١): وخرج السلطان صلاح الدين للصيد في ذي الحجة نحو قارا (٢)، فشكوتُ ضرسي، فرجعت مع عز الدين فرخشاه لحُمَّى عرتْهُ، فشكا منها، أن لا تزور إلا نهارًا جهارًا، ولا تفارق بعرق، بالضد من الحُمَّى التي وصفها أبو الطيب المتنبي. فنظمت فيه كلمة طويلة أوّلها: يَمينُك دأبُها بَذلُ اليسَار … وَكفُّكَ صوبُها بِدَر النُّضارِ وإنَّك من ملوكِ الأرْض طُرَّا … بمنزِلة اليمين مِنَ اليسارِ وأنتَ البحرُ في بَثِّ العطَايَا … وأنتَ الطَّودُ في بادي الوقارِ ومنها في وصف الحُمى: وزائرةٌ وليسَ [بها] (٣) حياءٌ … فليْسَ تزورُ إلا في النَّهَار أَتتْ والقلبُ في وَهَجِ (٤) اشْتِياقٍ … ليظهَرَ ما أُوَارِي مِنْ أُوارِي (٥) إلى أن قال: أَيَا شَمسُ الملوكِ، بقيتَ شمسًا … تنيرُ على الممالكِ والدّيارِ ذكر قبض الملك الصالح صاحب حلب على كُمُشْتِكين مدبر دولته قال العماد (٦): وقعت المنافسة بين الحلبيين مدبري الملك الصالح، واستولى على أمره العدل ابن العجمي أبو صالح. وكان سعد الدين كمشتكين الخادم مقدم

стр. 243

العساكر (١)، وأمير المعشر، وهو صاحب حصن حارم، وقد حسده أمثالُه (٢) من الأمراء والخدام، فسلَّموا لابن العجمي الاسْتبداد بتدبير الدولة، فقفز عليه الإسماعيليّة يوم الجمعة بعد الصلاة في جامع حلب فقتلوه. واستقل كمشتكين بالأمر، فتكلم فيه حسّادُه، وقالوا للملك الصالح: ما قتل وزيرك ومُشيرَك ابن العجمي إلا كمشتكين فهو الذي حسّن ذلك للإسماعيليّة، وقالوا له: أنت السلطان وكيف يكون لغيرك حُكمٌ أو أمر! فما زالوا به (٣) حتى قبض عليه، وطالبوه بتسليم قلعة حارم. فكتب إلى نوابه بها "فنبَوْا" (٤) وأبَوْا، فحملوه ووقفوا به تحت القلعة، وخوّفوه بالصرعة، فلما طال أمره، قصر عمره، ونزل عليه الإفرنج، ثم رحلوا بقطيعة بذلها لهم الملك الصالح واستنزل عنها أصحاب كمشتكين، وولى بها مملوكا لأبيه يقال له [سرخك] (٥). وقال ابن الأثير (٦): سار الملك الصالح من حلب إلى حارم ومعه كمشتكين، فعاقبه ليأمُرَ مَنْ بها بالتسليم، فلم يجب إلى ما طلب منه، فعُلق (٧) منكوسا، ودُخِّنَ تحت أنفه فمات. وعاد الملك الصالح عن حارم ولم يملكها. ثم إنه أخذها بعد ذلك (٨). قال ابن شداد (٩): أما الملك الصالح فإنه تخبَّط أمره، وقبض على كمشتكين صاحب دولته، وطلب منه تسليم حارم إليه، فلم يفعل، فقتله. ولما سمع الفرنج بقتله نزلوا على حارم، طمعا فيها، وذلك في جمادى الآخرة، وقاتل عسكر الملك الصالح العساكر الإفرنجية. ولما رأى أهل القلعة خطرها من جانب الفرنج، سلموها إلى الملك

стр. 244

الصالح في العشر [الأواخر] (١) من رمضان. ولما [علم] (٢) الإفرنج ذلك رحلوا عن حارم طالبين بلادهم، ثم عاد الصالح إلى حلب ولم يزل أصحابه على [اختلاف] (٣)، يميل بعضهم إلى جانب السلطان صلاح الدين ﵀ (٤). ذكر بقية الحوادث منها أنه خُطب للسلطان طغرل بن أرسلان شاه المقيم عند أيلدكز بهمذان، بحكم وفاة والده أرسلان شاه (٥). ومنها أنه (٦) وصل يُتَامِش الذي عصى على الخليفة، وقاتل مع قطب الدين قايماز إلى تحت التاج، وبيده سيف وكفن وقبل الأرض مرارًا، وطلب العفو، فعفا الخليفة عنه وأعيد إلى إمرته وأحسن إليه. ومنها أنه وقعت ببغداد واقعة وهي: أنه كان لرجل عبد وأَمَةٌ، فعتقهما وزوج العبد بالأمة، فأولدها أولادا وأقام أربعين سنة على ذلك، ثم تبين أن الأَمَة أخت العبد لأمه وأبيه. الجواب لا إثم عليهما فيما مضى؛ لعدم العلم بحالهما، ويفرق بينهما للأخوة، وتعتد لاحتمال أن تكون حاملًا منه، فإذا فرق بينهما حرمت عليه، ويجوز له النظر إليها؛ لأنها أخته إلا أن يخاف على نفسه (٧). ومنها (٨) أنه اجتمعت طائفة من الإفرنج، وقصدوا أعمال حمص، فقتلوا وأسروا وسبوا، فسار ناصر الدين محمد بن شيركوه إليهم وسبقهم، ووقف على طريقهم مكمنًا لهم، فلما وصلوا [إليه] (٩) خرج عليهم هو والكمين، ووضع السيف فيهم، فقتل أكثرهم، ومن سلم منهم لم يفلت إلا مثخنًا بالجراح، واسترجع منهم جميع ما أخذوه، ورده على أصحابه.

стр. 245

وفيها: ............................... (١) وفيها: حج بالناس الأمير طاشتكين. ذكر من توفى فيها من الأعيان أحمد بن محمد بن بكروش (٢) الحمامي أبو العباس؛ ولد سنة اثنتين وخمسمائة، وقرأ القرآن على أبي القاسم بن الحصين وغيره، وتفقه على أبي بكر الدينوري شيخ ابن الجوزي، وكان يكثر الصوم والصلاة، وتوفي يوم الثلاثاء خامس صفر، ودفن بمقبرة الإمام أحمد. قال السبط (٣): وزوجه جدى أكبر بناته، يقال لها ست العلماء. صدقة بن الحسين بن الحسن أبو [الفرج] (٤) الحداد؛ ولد سنة سبع وتسعين وأربعمائة، فقرأ القرآن، وسمع الحديث، وتفقه وأفتى، وقال الشعر، ونظر في الكلام وناظر، وله تاريخ ذيَّل فيه على شيخه ابن الزاغوني، وفيه غرائب وعجائب. وقال ابن الساعي: وكان شيخا عالما فاضلا، وكان فقيرا يأكل من أجرة النسخ، وخط عليه ابن الجوزي (٥) في منتظمه، ورماه بالعظائم، وأورد من أشعاره ما فيه مشابهة لابن الراوندي (٦) في الزندقة، قال: وقرأ "الشفاء" لابن سينا؛ وكُتب الفلاسفة، وتغير اعتقاده، وكان يبدر من فلتات لسانه ما يدل على سوء عقيدته، وتارة يسقف من جنس ابن الراوندي، وتارة يشير إلى عدم بعث الأجساد، وتارة يعترض على القضاء والقدر. قال: وقال لي يوما: أنا لا أخاصم إلا من فوق الفلك. وقال: ما أدري من أين جئنا؟! وإلى أي مطبق (٧) يريدون أن يحملونا. قال: فلما تحقق هذا عندي هجرته سنين، ولما مات

стр. 246

ما صليت عليه. ومع هذه الفواحش والاعتقاد السَيِّئ كان يُظهر الفقر ويطلب من الناس، فلما مات وجدوا له ثلثمائة دينار، ومات في ربيع الآخر، ودفن بباب حرب، وقال ابن [الجوزي] (١): يوم السبت ثالث عشر ربيع الآخر. محمد بن أسعد بن محمد بن أبي منصور (٢) العطاري المعروف بحفدة؛ ولد بطوس (٣)، وكانت له معرفة جيدة بالخلاف (٤)، وَأَنِسَ بالتفسير، وكان يعظ بتبريز، وناظر طويلا ودرس وأفتى، وقدم بغداد بعد الستين وخمسمائة فناظر بها، وتوفي بتبريز في رجب منها. محمد بن محمد بن هبة الله بن أحمد بن الزيتوني أبو الثناء (٥)؛ سمع الحديث ووعظ وانقطع في مسجده، وتوفي في رمضان من هذه السنة ببغداد. محمد بن أبي نصر، أبو سعد بن المعوج (٦)؛ حاجب الباب. ضربه الباطنية يوم قتل الوزير أبي المظفر، كما نذكره الآن، وحمل إلى داره بنهر معلى (٧)، فدفن بها. محمد بن أحمد بن عبد الجبار أبو المظفر الحنفي المعروف بالمشطب (٨)؛ كان من الفضلاءِ المشاهير، تفقه ودرس وأفتى وناظر، وتوفي في هذه السنة، وقد جاوز الثمانين، وذكر في طبقات الحنفية أنه من أهل سِمنان (٩)، ورحل إلى مرو، وتفقه على أبي الفضل الكرماني وجال في بلاد خراسان، ثم دخل بغداد واستوطنها، وولي التدريس بمدرسة زيرك بسوق العميد، وحَدَّث عن أبي عبد الله الحسين بن محمد بن فرحان

стр. 247

السمناني، وأبي نصر أحمد بن الحسين بن رجب السمرقندي، سمع منه عمر بن على القرشي، وكان مولده في سنة أربع وتسعين وأربعمائة بسمنان، وتوفي يوم السبت الحادي عشر من جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة، ودفن بمقبرة الخيزران (١). ومن إنشادِهِ: يا أَيُّها الباحثُ عن مقْصِدِى … ليَقْتَدِى فيه بمِنْهَاجِي مِنهاجِي العقْلُ وقمْعُ الهوَى … فَهَلْ لمِنْهَاجِي مِنْ هَاجِ عَضُدُ الدولة أبو الفرج الوزير محمد بن عبد الله بن هبة الله بن المظفر [ابن] (٢) رئيس الرؤساء، أبي القاسم بن المسلمة (٣)؛ وزير الخليفة المستضيء، ولد في جمادى الآخرة سنة أربع عشرة وخمسمائة، وكان أبوه أستاذ دار (٤) المقتفى، وتولى المستنجد فأقره على ذلك، فلما آلت الخلافة إلى المستضيء بأمر الله استوزره، وكان يحفظ القرآن، وسمع الحديث، وله مروءة وإكرام للعلماءِ والفقراءِ، خرج من بيته إلى الحج يوم الثلاثاءِ رابع ذي القعدة، فضربه الباطنية (٥) أربع ضربات على باب قطفتا (٦)، فحمل إلى داره هناك، ولم يتكلم إلا أنه قال: الله الله. وقال: ادفنوني عند أبي، ثم مات بعد الظهر، ودفن عند أبيه بمقبرة الرباط عند الجامع. وفي المرآة (٧): لما ولى المستضيء استوزره، وشرع ظهير الدين أبو بكر صاحب المخزن في عداوته، فغير قلب الخليفة عليه، فطلب الحج في هذه السنة، فأذن له، فتجهز جهازا عظيما؛ اشترى ستمائة جمل لحمل المنقطعين وزادهم، وحمل معه

стр. 248

جماعةً من العلماءِ والزهاد، ومارستانا فيه جميع ما يحتاج إليه، ومن الرواية والقرب والزاد وغيره ما لم يحمله وزير. فلما كان يوم الأربعاءِ رابع ذي القعدة ركب في شبارة (١) وعبر في دجلة إلى الجانب الغربي، وجميع أهل بغداد من الجانبين يدعون له ويبكون عليه؛ لأنه كان محسنًا إليهم بماله وجاهه ومروءته، قريبا من الناس، ولما صعد من الشبارة عند [القلعة] (٢) ركب وأرباب الدولة بين يديه، وخدم الخاصة، والنقيبان (٣)، وقاضي القضاة، ما عدا ظهير الدين بن العطار، فإنه لم يودعه. فلما ركب ضُرب البوق على عادة الوزراء، فلما وصل إلى باب قطفتا خرج عليه رجل صوفي وبيده قصة (٤)، فقال: مظلوم، فقال الغلمان: هات قصتك، فقال: ما أسلمها إلا إلى الوزير، فقال: دعوه تعال. فجاءَ إليه، فوثب عليه وضربه بسكين في خاصرته، فصاح الوزير: قتلني، وسقط من دابته، وانكشف رأسه، فغطاه بكمه، وبقي على قارعة الطريق ملقى، وتفرق من كان معه إلا حاجب الباب ابن المعوج، "فإنه" (٥) رمى بنفسه عليه، فضربه الباطني بسكين فجرحه، وظهر له رفيقان، فقتلوا وأحرقوا، وحمل الوزير إلى داره بقطفتا وحمل الحاجب إلى داره. وكان الوزير قد رأى في تلك الليلة في منامه كأنه يعانق عثمان بن عفان (﵁) وكان قد اغتسل قبل أن يخرج من داره، وقال: هذا [غسل] (٦) الإسلام، وأنا مقتول بغير شك. ولم يسمع منه لما جُرِح غير قوله: الله الله، ادفنوني عند أبي. وكانت وفاته يوم الخميس، فغسل وكفن وحمل إلى جامع المنصور (٧)، "وصلى عليه ولده الأكبر، ودفن

стр. 249

عند أبيه، مقابل جامع المنصور" (١). وحضر أرباب الدولة بأسرهم، وابن العطار صاحب المخزن، وجلس أولاده للعزاء يوم الجمعة. واختلفوا في سبب قتله، فقال قوم: أن يتامش واطأ (٢) الإسماعيلية على قتله لِما كان بينهما، فبعث الخليفة فقبض على يتامش، وأخذ أمواله وحبسه في التاج (٣). وقال آخرون: إنما وضع الإسماعيلية عليه ابن العطار صاحب المخزن وهو الظاهر، أسند الوزير الحديث عن أبي القاسم بن الحصين (٤) وغيره. وكان فاضلًا عادلا، وخرج ولده إلى الشام، وهو على بن محمد، فأحسن إليه صلاح الدين. الأمير شهابُ الدين محمود بن تكش الحارمي؛ خال السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب. كان من خيار الأمراء وشجعانهم، وقد أقطعه ابن أخته حماة حين فتحها، وقد حاصره الفرنج هناك وهو مريض، وكادوا يأخذون البلد، ولكن هزمهم الله بعد أربعة أيام -كما ذكرنا- فانصرفوا خائبين (٥)، وتوفي شهاب الدين المذكور بعد ذلك في هذه السنة، وأعطى صلاح الدين حماة لناصر الدين منكورش بن خمارتكين صاحب صهيون (٦)، وقيل: إنما أعطاها لتقى الدين عمر، وكان ناصر الدين نائبا عنه، والله أعلم. كمشتكين الخادم؛ خادم نور الدين محمود بن زنكي، وكان من أكابر خدامه، ولاه قلعة الموصل نيابة عنه، فلما مات نور الدين هرب إلى حلب، وأقطعه الملك الصالح حَارِمَ، وأقام بها وعصى عليه، فلما حصره الفرنج صالحه -كما ذكرناه- ثم قتله الملك الصالح كما ذكرناه. فاطِمَةُ بنت نصر بن العطار (٧)؛ توفيت يوم الأربعاء السادس عشر من رمضان منها، ودفنت عند أبيها، وشاع عنها الذكر الجميل والزهد في الدنيا، ما خرجت من بيتها في عمرها إلا ثلاث مرات لضرورة، وما كانت تلتفت إلى زينة الدنيا، رحمها الله.

стр. 250

فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الرابعة والسبعين بعد الخمسمائة * استهلت هذه السنة والخليفة هو المستضيء بأمر الله، والسلطان صلاح الدين بالشام، وجاءَه كتاب من القاضي الفاضل وهو بالديار المصرية؛ يهنئه بوجود مولود له، وهو أبو سليمان داود، وهو مُوَّفٍ لاثني عشر ولدا، وقد ولد "له" (١) بعده عدة ذكور أيضا، فإنه توفي (٢) عن سبعة عشر ولدًا ذكرًا وابنة صغيرة، وهي مؤنسة خاتون، التي تزوجها ابن عمها الملك الكامل محمد ابن الملك العادل، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، وذكر هذا في تاريخ الدولتين (٣) في السنة الماضية نقلا عن عماد الكاتب. وفي رمضان وصلت الخلع السنية من الخليفة إلى السلطان صلاح الدين وهو بدمشق، وزيد في ألقابه معز أمير المؤمنين، وخلع أيضا على أخيه توران شاه، ولقب بمصطفى أمير المؤمنين (٤). وفي هذه السنة أسقط صلاح الدين المكوس والضرائب عن الحجاج بمكة، وقد كان يؤخذ منهم (٥) شيء كثير، ومَنْ عجز عن أدائه حبس، وربما فاته الوقوف بعرفة، وعوض السلطان أميرها بمال يُحمل إليه من مصر، وبغلال في كل سنة ثمانية آلاف إردب، ليكون عونًا له ولأتباعه، وقرر أيضا قدر ذلك للمجاورين، يحمل إليهم كل سنة. ذكر عِصيَان ابن المقدم على صلاح الدين ﵀ وفيها عصى شمس الدين بن المقدم (٦) ببعلبك، وكان صلاح الدين قد أعطاه إياها، وقدم صلاح الدين إلى دمشق، فأرسل إليه يطلبه، فاعتذر خوفا من شمس
следующие страницы →