← История

История · id 380

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [565 - 628 هـ]

بدر الدين العيني

Полный текст (1 226 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ما صليت عليه. ومع هذه الفواحش والاعتقاد السَيِّئ كان يُظهر الفقر ويطلب من الناس، فلما مات وجدوا له ثلثمائة دينار، ومات في ربيع الآخر، ودفن بباب حرب، وقال ابن [الجوزي] (١): يوم السبت ثالث عشر ربيع الآخر. محمد بن أسعد بن محمد بن أبي منصور (٢) العطاري المعروف بحفدة؛ ولد بطوس (٣)، وكانت له معرفة جيدة بالخلاف (٤)، وَأَنِسَ بالتفسير، وكان يعظ بتبريز، وناظر طويلا ودرس وأفتى، وقدم بغداد بعد الستين وخمسمائة فناظر بها، وتوفي بتبريز في رجب منها. محمد بن محمد بن هبة الله بن أحمد بن الزيتوني أبو الثناء (٥)؛ سمع الحديث ووعظ وانقطع في مسجده، وتوفي في رمضان من هذه السنة ببغداد. محمد بن أبي نصر، أبو سعد بن المعوج (٦)؛ حاجب الباب. ضربه الباطنية يوم قتل الوزير أبي المظفر، كما نذكره الآن، وحمل إلى داره بنهر معلى (٧)، فدفن بها. محمد بن أحمد بن عبد الجبار أبو المظفر الحنفي المعروف بالمشطب (٨)؛ كان من الفضلاءِ المشاهير، تفقه ودرس وأفتى وناظر، وتوفي في هذه السنة، وقد جاوز الثمانين، وذكر في طبقات الحنفية أنه من أهل سِمنان (٩)، ورحل إلى مرو، وتفقه على أبي الفضل الكرماني وجال في بلاد خراسان، ثم دخل بغداد واستوطنها، وولي التدريس بمدرسة زيرك بسوق العميد، وحَدَّث عن أبي عبد الله الحسين بن محمد بن فرحان

стр. 247

السمناني، وأبي نصر أحمد بن الحسين بن رجب السمرقندي، سمع منه عمر بن على القرشي، وكان مولده في سنة أربع وتسعين وأربعمائة بسمنان، وتوفي يوم السبت الحادي عشر من جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة، ودفن بمقبرة الخيزران (١). ومن إنشادِهِ: يا أَيُّها الباحثُ عن مقْصِدِى … ليَقْتَدِى فيه بمِنْهَاجِي مِنهاجِي العقْلُ وقمْعُ الهوَى … فَهَلْ لمِنْهَاجِي مِنْ هَاجِ عَضُدُ الدولة أبو الفرج الوزير محمد بن عبد الله بن هبة الله بن المظفر [ابن] (٢) رئيس الرؤساء، أبي القاسم بن المسلمة (٣)؛ وزير الخليفة المستضيء، ولد في جمادى الآخرة سنة أربع عشرة وخمسمائة، وكان أبوه أستاذ دار (٤) المقتفى، وتولى المستنجد فأقره على ذلك، فلما آلت الخلافة إلى المستضيء بأمر الله استوزره، وكان يحفظ القرآن، وسمع الحديث، وله مروءة وإكرام للعلماءِ والفقراءِ، خرج من بيته إلى الحج يوم الثلاثاءِ رابع ذي القعدة، فضربه الباطنية (٥) أربع ضربات على باب قطفتا (٦)، فحمل إلى داره هناك، ولم يتكلم إلا أنه قال: الله الله. وقال: ادفنوني عند أبي، ثم مات بعد الظهر، ودفن عند أبيه بمقبرة الرباط عند الجامع. وفي المرآة (٧): لما ولى المستضيء استوزره، وشرع ظهير الدين أبو بكر صاحب المخزن في عداوته، فغير قلب الخليفة عليه، فطلب الحج في هذه السنة، فأذن له، فتجهز جهازا عظيما؛ اشترى ستمائة جمل لحمل المنقطعين وزادهم، وحمل معه

стр. 248

جماعةً من العلماءِ والزهاد، ومارستانا فيه جميع ما يحتاج إليه، ومن الرواية والقرب والزاد وغيره ما لم يحمله وزير. فلما كان يوم الأربعاءِ رابع ذي القعدة ركب في شبارة (١) وعبر في دجلة إلى الجانب الغربي، وجميع أهل بغداد من الجانبين يدعون له ويبكون عليه؛ لأنه كان محسنًا إليهم بماله وجاهه ومروءته، قريبا من الناس، ولما صعد من الشبارة عند [القلعة] (٢) ركب وأرباب الدولة بين يديه، وخدم الخاصة، والنقيبان (٣)، وقاضي القضاة، ما عدا ظهير الدين بن العطار، فإنه لم يودعه. فلما ركب ضُرب البوق على عادة الوزراء، فلما وصل إلى باب قطفتا خرج عليه رجل صوفي وبيده قصة (٤)، فقال: مظلوم، فقال الغلمان: هات قصتك، فقال: ما أسلمها إلا إلى الوزير، فقال: دعوه تعال. فجاءَ إليه، فوثب عليه وضربه بسكين في خاصرته، فصاح الوزير: قتلني، وسقط من دابته، وانكشف رأسه، فغطاه بكمه، وبقي على قارعة الطريق ملقى، وتفرق من كان معه إلا حاجب الباب ابن المعوج، "فإنه" (٥) رمى بنفسه عليه، فضربه الباطني بسكين فجرحه، وظهر له رفيقان، فقتلوا وأحرقوا، وحمل الوزير إلى داره بقطفتا وحمل الحاجب إلى داره. وكان الوزير قد رأى في تلك الليلة في منامه كأنه يعانق عثمان بن عفان (﵁) وكان قد اغتسل قبل أن يخرج من داره، وقال: هذا [غسل] (٦) الإسلام، وأنا مقتول بغير شك. ولم يسمع منه لما جُرِح غير قوله: الله الله، ادفنوني عند أبي. وكانت وفاته يوم الخميس، فغسل وكفن وحمل إلى جامع المنصور (٧)، "وصلى عليه ولده الأكبر، ودفن

стр. 249

عند أبيه، مقابل جامع المنصور" (١). وحضر أرباب الدولة بأسرهم، وابن العطار صاحب المخزن، وجلس أولاده للعزاء يوم الجمعة. واختلفوا في سبب قتله، فقال قوم: أن يتامش واطأ (٢) الإسماعيلية على قتله لِما كان بينهما، فبعث الخليفة فقبض على يتامش، وأخذ أمواله وحبسه في التاج (٣). وقال آخرون: إنما وضع الإسماعيلية عليه ابن العطار صاحب المخزن وهو الظاهر، أسند الوزير الحديث عن أبي القاسم بن الحصين (٤) وغيره. وكان فاضلًا عادلا، وخرج ولده إلى الشام، وهو على بن محمد، فأحسن إليه صلاح الدين. الأمير شهابُ الدين محمود بن تكش الحارمي؛ خال السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب. كان من خيار الأمراء وشجعانهم، وقد أقطعه ابن أخته حماة حين فتحها، وقد حاصره الفرنج هناك وهو مريض، وكادوا يأخذون البلد، ولكن هزمهم الله بعد أربعة أيام -كما ذكرنا- فانصرفوا خائبين (٥)، وتوفي شهاب الدين المذكور بعد ذلك في هذه السنة، وأعطى صلاح الدين حماة لناصر الدين منكورش بن خمارتكين صاحب صهيون (٦)، وقيل: إنما أعطاها لتقى الدين عمر، وكان ناصر الدين نائبا عنه، والله أعلم. كمشتكين الخادم؛ خادم نور الدين محمود بن زنكي، وكان من أكابر خدامه، ولاه قلعة الموصل نيابة عنه، فلما مات نور الدين هرب إلى حلب، وأقطعه الملك الصالح حَارِمَ، وأقام بها وعصى عليه، فلما حصره الفرنج صالحه -كما ذكرناه- ثم قتله الملك الصالح كما ذكرناه. فاطِمَةُ بنت نصر بن العطار (٧)؛ توفيت يوم الأربعاء السادس عشر من رمضان منها، ودفنت عند أبيها، وشاع عنها الذكر الجميل والزهد في الدنيا، ما خرجت من بيتها في عمرها إلا ثلاث مرات لضرورة، وما كانت تلتفت إلى زينة الدنيا، رحمها الله.

стр. 250

فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الرابعة والسبعين بعد الخمسمائة * استهلت هذه السنة والخليفة هو المستضيء بأمر الله، والسلطان صلاح الدين بالشام، وجاءَه كتاب من القاضي الفاضل وهو بالديار المصرية؛ يهنئه بوجود مولود له، وهو أبو سليمان داود، وهو مُوَّفٍ لاثني عشر ولدا، وقد ولد "له" (١) بعده عدة ذكور أيضا، فإنه توفي (٢) عن سبعة عشر ولدًا ذكرًا وابنة صغيرة، وهي مؤنسة خاتون، التي تزوجها ابن عمها الملك الكامل محمد ابن الملك العادل، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، وذكر هذا في تاريخ الدولتين (٣) في السنة الماضية نقلا عن عماد الكاتب. وفي رمضان وصلت الخلع السنية من الخليفة إلى السلطان صلاح الدين وهو بدمشق، وزيد في ألقابه معز أمير المؤمنين، وخلع أيضا على أخيه توران شاه، ولقب بمصطفى أمير المؤمنين (٤). وفي هذه السنة أسقط صلاح الدين المكوس والضرائب عن الحجاج بمكة، وقد كان يؤخذ منهم (٥) شيء كثير، ومَنْ عجز عن أدائه حبس، وربما فاته الوقوف بعرفة، وعوض السلطان أميرها بمال يُحمل إليه من مصر، وبغلال في كل سنة ثمانية آلاف إردب، ليكون عونًا له ولأتباعه، وقرر أيضا قدر ذلك للمجاورين، يحمل إليهم كل سنة. ذكر عِصيَان ابن المقدم على صلاح الدين ﵀ وفيها عصى شمس الدين بن المقدم (٦) ببعلبك، وكان صلاح الدين قد أعطاه إياها، وقدم صلاح الدين إلى دمشق، فأرسل إليه يطلبه، فاعتذر خوفا من شمس

стр. 251

الدولة؛ لأنه طلب منه بعلبك فامتنع، فخرج صلاح الدين من دمشق، ونزل على بعلبك، وأقام سبعة أشهر يحاصرها، فنفذ ما عنده، فأرسل إلى السلطان يطلب العوض، فأعطاه بَارين (١) وكفر طاب (٢)، وخرج شمس الدين بن المقدم إليها، وسَلَّمَ صلاح الدين بعلبك إلى أخيه شمس الدولة. وقال ابن كثير (٣): وكان صلاح الدين نازلا على ظاهر حمص، ولم يجيء إلى خدمته ابن المقدم المذكور؛ لأنه بلغه أن أخاه توران شاه طلب بعلبك منه فأطلقها له، فامتنع ابن المقدم من الخروج إليه لذلك. وجاء السلطان إلى دمشق، ثم حضر إلى بعلبك بنفسه، فحصره فيها من غير قتال، حتى جاءت الأمطار والثلوج والبرد، فعاد إلى دمشق في رجب، ووكل بالبلد من يحصره بغير قتال، ثم حصل التعويض، فخرج كما ذكرنا. ذكر تجهيز صلاح الدين ابن أخيه فرخشاه بن شاهنشاه بن أيوب لغزو الإفرنج وفي هذه السنة جهز صلاح الدين المذكورَ بين يديه؛ لقتال الفرنج الذين قد عزموا على قتال المسلمين، وعاثوا في نواحي دمشق وقراها بالفساد، وأمره أن يداريهم حتى يتوسطوا البلاد، ولا يقاتلهم حتى يقدم عليه، فلما التقوا عاجلوه بالقتال، فكسرهم وقتل من ملوكهم صاحب الناصرة (٤)، وهو [الهنفري] (٥)، وكان من أكابر ملوكهم، وركب صلاح الدين ﵀ في إثر ابن أخيه، فما وصل إلى الكسوة حتى تلقته الرؤوس على الرماح والغنائم والأسرى.

стр. 252

وفي المرآة: (١) بلغ صلاح الدين أن الهنفرى يريد أن يغير على دمشق، فبعث عز الدين فرخشاه ابن أخيه بعساكر دمشق، [إلى قرن الحرة] (٢) وقال له يقيم عند مرج عيون (٣)، فإن جاؤوك فأرسل كتب الطيور إلىَّ، ولا تواقعهم (٤) حتى آتيك، فسار ونزل مرج عيون، فلم يشعر إلا بطلائع الهنفري قد خالطته، ووقع القتال، فلم يقدر فرخشاه على إعلام صلاح الدين، فقاتلهم بنفسه، وجرح الهنفري جراحة موثقة (٥)، فأخذوه وانهزموا، وغنمهم فرخشاه، ومات الهنفري بعد أيام، وجاء صلاح الدين فنزل قصر يعقوب (٦)، وبعث السرايا والغلات إلى بلد الإفرنج. ذكر بناء الإفرنج قلعة عند بيت الأحزان (٧) وفي هذه السنة بنت الإفرنج -لعنهم الله- قلعة عند بيت الأحزان للداوية (٨)، فجعلوه مرصادًا لحرب المسلمين وقطع طرقاتهم عليهم، ونقضت ملوكهم العهد التي كانت بينهم وبين صلاح الدين، وأغاروا على نواحي البلدان من كل جانب؛ ليشغلوا المسلمين عنهم وتتفرق جيوشهم، فلا تجتمع في بقعة واحدة. فرتب السلطان ابن أخيه تقي الدين عمر بثغر حماة، ومعه شمس الدين بن المقدم، وسيف الدين علي بن أحمد المشطوب. وبثغر حمص ابن عمه ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه، وبعث

стр. 253

إلى أخيه سيف الدين أبي بكر، وهو الملك العادل نائب مصر (١)، يأمره أن يرسل إليه بألف وخمسمائة فارس يستعين بهم على قتال الإفرنج. وكتب إلى الإفرنج يأمرهم بتخريب هذا الحصن الذي بنوه للداوية، فامتنعوا إلا أن يبذل لهم ما غرموه عليه، فبذل لهم [ستين] (٢) ألف دينار، فلم يقبلوا، فوصَّلهم إلى مائة ألف دينار، فأبوا، فقال له ابن أخيه تقي الدين عمر: ابذل هذه في أجناد المسلمين، وسر إلى هذا الحصن، ففعل ذلك (٣). ثم استهلت سنة خمس وسبعين وخمسمائة، وكان السلطان صلاح الدين نازلا بجيشه على تل [القاضي (٤)] بِبَانِياس، ثم قصده الإفرنج بقضهم وقضيضهم، فنهض إليهم فالتقاهم، فما هو إلا أن تواجه الفريقان حتى أنزل الله تعالى نصره، فانهزمت الإفرنج وقتل منهم خلق كثير، وأسر منهم جماعة من ملوكهم، منهم: مقدم الداوية، ومقدم الاستبارية، وصاحب الرملة، وصاحب طبرية، وقسطلان (٥) يافا، وآخرون من ملوكهم، وخلق من شجعانهم وأبطالهم، ومن فرسان القدس جماعة كثيرون قريبًا من ثلثمائة أسير (٦) من أشراف (٧) النصارى. وفي تاريخ بيبرس: وكان فيمن أسر بادين بن بارْزان (٨)، وأود (٩)، [و] (١٠) ابن القمصية (١١)، وأخو صاحب جبيل (١٢)، فحملوا إلى قلعة دمشق، فاعتقلوا بها. فأما ابن بارزان فاستفك نفسه بجملة عظيمة وبألف أسير، واستفك ابن القومَصية أيضًا، ومات أُوْد في السجن (١٣).

стр. 254

وقال العماد الكاتب: لما أُسِرَ هؤلاءِ استعرضهم السلطان في الليل، حتى أضاءَ الفجر، وصلى يومئذ الصبح بوضوءِ العشاءِ. وقد كان السلطان جالسًا ليلتئذ (١) في نحو العشرين، وهم في هذه العدة، فسلمه الله منهم، ثم أرسلهم (٢) إلى دمشق، ليُعْتَقَلوا (٣) بقلعتها، فافتدى ابن بارزان صاحب الرملة نفسه بعد سنة بمائة ألف دينار، وخمسين ألف دينار صورية (٤)، وإطلاق ألف أسير من بلاده. وكذا افتدي جماعة منهم أنفسهم بأموال جزيلة وتحف جليلة. ومنهم من مات في السجن فانتقل منه إلى سجِّين (٥). واتفق أنه في اليوم الذي ظفر فيه السلطان على الفرنج بمرج عيون هذا، ظفر الأصطول على بَطسَة (٦) للإفرنج في البحر وأخرى معها، فغنموا منها ألف أسير من السبي، وعاد إلى الساحل مؤيدًا منصورًا. وقد امتدح الشعراء السلطان في هذه الغزوة بمدائح كثيرة، وكتب بذلك إلى بغداد، فدقت البشائر بها فرحًا وسرورًا. وقد كان الملك المظفر تقي الدين عمر غائبا عن هذه الوقعة، مشتغلا بما هو أعجب منها؛ وذلك أن ملك الروم قليج أرسلان بعث يطلب حصن رَعْبَان (٧)، وزعم أن نور الدين محمود اغتصبه منه، وأن ولده قد أغضى (٨) له عنه، فلم يجبه إلى ذلك السلطان. فبعث صاحب الروم عشرين ألف مقاتل يحصرونه، فأرسل السلطان تقي الدين عمر في ثمانمائة (٩) فارس، منهم سيف الدين علي بن أحمد

стр. 255

المشطوب، فالتقوا بهم، فهزموهم بإذن الله. فاستقرت يد الملك الناصر صلاح الدين على حصن رعبان، وقد كان مما عُوِّضَ به ابن المقدم عن بعلبك. وكان تقي الدين عمر يفتخر بهذه الوقعة، ويرى أنه قد هزم عشرين ألفا، وقيل: ثلاثين ألفا بثمانمائة. وكان السبب في ذلك أنه بَيَّتَهُم وأغار عليهم وهم غارّون (١)، فما لبثوا أمامَه، بل فروا منهزمين عن آخرهم، فأكثر فيهم القتلى، واستحوذ على جميع ما تركوه في خيامهم. ثم ركب صلاح الدين في جحافله إلى الحصن الذي كانت الفرنج قد بنوه في سنة أربع وسبعين وخمسمائة، وحفروا فيه بئرًا، وسلموه إلى الداوية، فقصده السلطان فحاصره ونقبه من جميع جهاته، وألقى فيه النيران، فجعله دكًا وخربه إلى الأساس، وغنم ما فيه من الحواصل، فكان فيه مائة ألف قطعة من السلاح ومن المأكل كل شيءٍ، وأخذ منه سبعمائة أسير، فقتل بعضا، وأرسل إلى دمشق الباقين، ثم عاد إلى دمشق مؤيدا منصورا. غير أنه مات من أمرائه عشرة؛ بسبب ما نالهم من الحر والوباء في مدة الحصار، وكانت أربعة وعشرين يومًا (٢). وعاد الناس إلى زيارة مشهد يعقوب (﵇) على العادة القديمة، وكان الحصن المذكور الذي بناه الإفرنج قريبا من صفد، وكان عرض سوره عشرة أذرع، وارتفاعه أربعون ذراعا (٣)، وكان بيت الأحزان -الذي يزعمون أن يعقوب- (﵇) -كان- ينفرد فيه ويبكي على يوسف (٤) - كنيسةً، فجعله السلطان مسجدًا. وقد امتدحه الشعراء، فقال بعضهم وهو أحمد بن نقادة الدمشقي: هَلاكُ الفرنجِ أَتَى عاجِلًا … وَقدْ آَنَ تَكْسِيرُ صُلْبانِها ولو لم يكُنْ قدْ دَنا حَتْفُها … لما عمَّرَتْ بيتَ أحْزانِها (٥)

стр. 256

ذكر الأمور المزعجة منها كان غلاء شديد بسبب قلة المطر (١)، وعَمَّ العراق والشام وديار مصر، واستمر إلى سنة خمس وسبعين، فجاءَ المطر، ورخصت الأسعار، ولكن تعقب ذلك وباء شديد، وعم البلاد مرض واحد هو [السرسام] (٢)، فما ارتفع إلا في سنة ست وسبعين، فمات في ذلك الوباء خلق كثير، وأمم لا يعلم عددهم إلا الله . وفي المرآة (٣): وفي هذه السنة وقع الغلاء ببغداد والوباء، فأكل الناس أولادهم، وماتوا على الطرق. ومنها أنه زلزلت أرمينية وبلاد إربل، وتصادمت الجبال بحيث كان بين الجبلين مسافة، فتقلعهما الزلزلة فيصطدمان، ثم يعودان إلى مكانهما. ومنها أنه انكسف القمر بعد ثلث الليل الأخير، ليلة النصف من ربيع الأول (٤)، فبقي على حاله إلى أن غاب بعد طلوع الشمس. وانكسفت الشمس يوم الأربعاء التاسع والعشرين من ربيع الأول وقت العصر، فبقيت إلى وقت الغروب. وقال ابن الجوزي (٥): وحكى لى ثقات أن الأرض زلزلت بعد العصر يوم السبت ثاني عشر ذي القعدة أربع مرات، ولم أحس أنا بذلك. ومنها أن امرأة ولدت في بطن واحد ثلاثة أولاد، ابن وبنتان، فعاشوا بعض يوم، وذلك في جمادى الأولى، قاله ابن الجوزي (٦)، وذكر أنها في جيرانهم.

стр. 257

ذكر بقية الحوادث منها أن تاريخ ابن الجوزي انتهى في هذه السنة، وهو الذي سماه "كتاب المنتظم في تاريخ الأمم". ومنها أن الفرنج قصدوا مدينة حماة، وكثر جمعهم من الفرسان والرجالة، طمعا في النهب والغارة، فشنوا الغارة ونهبوا وأحرقوا وأسروا وقتلوا. فلما سمع العسكر المقيمون بحماة ساروا إليهم، متوكلين على الله تعالى لأنهم كانوا عدة قليلة، وصدقوا القتال، فنصرهم الله، وانهزمت الإفرنج، وكثر القتل والأسر، واستردوا منهم ما غنموه، ووصل صلاح الدين إلى حماة، وأمر بإحضار الأسارى وقتلهم، فأحضروا وقتلوا (١). ومنها أن في سلخ ذي القعدة خطب المستضئ لولده أبي العباس أحمد الناصر بإشارة جهة الخليفة بنفشة، وكان الخليفة قد مرض في شوال. ومنها أن السلطان ختن ولده الملك العزيز عثمان، فاتخذ له يوسف بن الحسين -ويعرف بابن المجاور- معلما (٢)، وتسلم فرخشاه بعلبك. .......................................... (٣) وفيها حج بالناس من العراق طاشتكين، ومن الشام صفي الدين بن القايض، وزير صلاح الدين الملك. ذكر من توفي في هذه السنة من الأعيان أحمد بن عيسى بن أبي غالب أبو العباس الأبروزي الضرير (٤)؛ قرأ القرآن، وسمع الحديث، وتفقه، وناظر، وكان فيه دين، توفي يوم الجمعة عاشر رجب، ودفن بمقبرة أحمد بن حنبل - (﵁) -.

стр. 258

أسعد بن بلدرك (١) أبو أحمد الجبريلي؛ سمع الحديث، وكان شيخًا ظريفا حسن الذاكرة، جيد البادرة، سريع المبادرة، توفي في هذه السنة عن مائة سنة وأربع سنين. محمد بن نسيم بن عبد الله أبو عبد الله الخياط؛ عتيق الرئيس أبو الفضل بن [عبسون] (٢)، سمع الحديث، وقارب الثمانين، سقط من درجة، فمات، ﵀. أبو الحسن علي، الملقب جلال الدين (٣) بن أبي جعفر محمد، الملقب جمال الدين بن على بن منصور، وكان جمال الدين هذا وزير صاحب الموصل. وقد ذكرنا ترجمته في سنة تسع (٤) وخمسين وخمسمائة. وأما جلال الدين أبو الحسن هذا فهو ابن جمال الدين، كان من الأدباء والفضلاء البلغاء الكرماء، وله ديوان رسائل أجاد فيه، جمعه ابن الأثير الجزري صاحب "جامع الأصول"، وسماه "كتاب الجواهر واللآلئ من الإملاء المولوى الوزيرى الجلالي". وكان ابن الأثير في أول أمره كاتبا بين يديه، يملي رسائله وإنشاءه عليه، وقد أشار إلى ذلك في أول كتابه هذا، وبالغ في وصف جلال الدين المذكور، وفَضَّلَهُ على من تقدمه من الفصحاء، وكان جلال الدين وزير سيف الدين غازي بن قطب الدين [مودود (٥)] بن عماد الدين زنكي، وتوفي في هذه السنة بمدينة دنيسر، وحمل إلى الموصل، ثم نقل إلى المدينة النبوية -على ساكنها أفضل الصلاة والسلام- ودفن في تربة والده. ودُنَيْسَر بضم الدال المهملة وفتح النون وسكون الياء آخر الحروف، وفتح السين المهملة وفي آخره راء. وهي مدينة بالجزيرة الفراتية بين نصيبين ورأس عين، يطرقها التجار من جميع الجهات وهي مجمع (٦) الطرقات، ولهذا قيل لها دُنيسَر، وهو لفظ مركب عجمي، وأصله دُنْياسر، ومعناه رأس الدنيا، وعادة العجم في الأسماء المضافة أن يؤخروا المضاف عن المضاف إليه، وسَرْ بالعجمي "رأس" (٧).

стр. 259

حَيصَ بَيصَ (١) الشاعر؛ أبو الفوارس سعد بن محمد بن سعد بن الصيفي التميمي، الملقب شهاب الدين، المعروف بحيص بيص الشاعر المشهور، وكان فقيها شافعي المذهب، تفقه بالرى على القاضي محمد بن عبد الكريم الوزان، وتكلم في مسائل الخلاف، إلا أنه غلب عليه الأدب ونظم الشعر، وأجاد فيه مع جزالة لفظه، وله رسائل فصيحة بليغة. ذكره الحافظ أبو سعد بن السَّمعاني في كتاب "الذيل"، وأثنى عليه، وحدث بشيء من مسموعاته، وقرئ عليه ديوانه ورسائله، وأخذ عنه الناس أدبًا وفضلا كثيرا، وكان من أخبر الناس بأشعار العرب واختلاف لغاتهم، ويقال إنه كان فيه تيه وتعاظم، ولا يخاطب أحدا إلا بالكلام العربي، وكان يلبس زى العرب ويتقلد سيفًا، وكان يزعم أنه من تميم، فسُئل أبوه عن ذلك، فقال: ما سمعته إلا منه، فقال بعض الشعراء يهجوه فيما ادعاه من ذلك: كم تُطيلُ الطَّراطيرَ وما … فيك شَعْرةٌ من تميمِ (٢) فكُل الضَّبَّ وابلع (٣) الحنْظلَ اليا … بِسَ واشرَبْ إن (٤) شِئْتَ بَولَ الظَّليمِ (٥) ليسَ ذا وجهُ مَنْ يُضيفُ ولا يُقْـ … ـرِى ولا يدْفَع الأَذَى عن حريمِ ومن شعر حيص بيص المستجاد: سلامةُ المرءِ سَاعةً عجبُ … وكل شيء [لِحَتْفِهِ] (٦) سبَبُ يَفِرُّ والحادثاتُ تَطلبُهُ … يَفرُّ مِنْها ونحوَها الهربُ وكيفَ يبْقَى على تَقلبِهِ … مسَلَّمًا مَنْ حياتُه عطبُ (٧)

стр. 260

ومن شعره أيضا: لا تلبس الدهرَ على غِرَّةٍ … فيها (١) لموتِ الحيِّ مِن بُدِّ ولا يُخادعْكَ طويلُ البَقا … فتحسبَ الطولَ من الخُلدِ يقرُبُ ما كانَ لهُ آخرٌ … ما أقْرَبَ المهْدَ مِنَ اللَّحْدِ وقال ابن خلكان (٢): وإنما قيل له حيص بَيْص لأنه رأى الناس يوما في حركة مزعجة وأمر شديد، فقال: ما للناس في حيص بيص، فبقي عليه هذا اللقب، ومعنى هاتين الكلمتين الشدة والاختلاط. تقول العرب: وقع الناس في حيص بيص، أي في شدة واختلاط. وتوفي ليلة الأربعاء سادس عشر شعبان سنة أربع وسبعين وخمسمائة ببغداد، ودفن في مقابر قريش. شُهْدَة بنت أحمد بن الفرج بن عمر الإبري (٣)؛ يقال لها فخر النساء الكاتبة سمعت الحديث الكثير، وكتبت الخط الحسن، وكانت مخالطة لدار الخلافة، وكان لها برٌّ ومعروف وصدقات، وكانت جليلة القدر، توفيت ليلة الاثنين الرابع عشر من محرم هذه السَّنة، وصلى عليها بجامع المنصور، وأزيل الشباك الذي في مقصورة الخطابة، فيقال أن الخليفة صلى عليها وشهدها أرباب الدولة، ودفنت بباب أبرز، سمعت مشايخ العراق وجعفر بن أحمد السراج، وروت عنه مصارع العشاق، وسمعت من طراد الزينبي وغيرهما، وقرئ عليها الحديث سنين، وعمّرت حتى قاربت المائة، وذكرها ابن الجوزي (٤) في مشيخته وقال: أخبرتنا شُهدة الكاتبة بقراءتي عليها في صفر سنة سبع وخمسين وخمسمائة. وقال السبط (٥): وروى لنا عنها جماعة، وكانت صالحة ثقة.

стр. 261

فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الخامسة والسبعين بعد الخمسمائة * استهلت هذه السنة والخليفة هو المستضيء، ولكنه توفي في هذه السنة. ذكر وفاة الخليفة والكلام فيه على أنواع: الأول في ترجمته: هو أمير المؤمنين أبو محمد الحسن بن أمير المؤمنين، يوسف المستنجد بالله بن أمير المؤمنين، أبي عبد الله محمد المقتفي لأمر الله (١)، وباقي النسب قد ذكرناه غير مرة، وأمُّه أم ولد تدعى خاتون - كذا في عيون المعارف. وقال ابن كثير (٢): وأمُّه أرمنيَّة تدعى غضة (٣)، وكان مولده في شعبان سنة ست وثلاثين وخمسمائة. بويع له بالخلافة يوم مات أبوه، وجلس بكرة يوم الأحد تاسع ربيع الآخر سنة ستين وخمسمائة. الثاني في سيرته: كان جوادا عادلا، شريف النفس، حسن السيرة، ليس للمال عنده قدر، حليمًا مشفقًا على الرعيَّة، أسقط المكوس والضرائب، وكان متواضعا. وقال ابن كثير (٤): وكان من خيار الخلفاء، أمَّارًا بالمعروف، نَهَّاءً عن المنكر، دَرَّاءً عن الناس البِدعَ والمصائب، وكان حليما وقورا كريما. وفي تاريخ ابن العميد: كان عادلا جوادا مؤثرًا للخير، أكثر من الخير والعدل ببغداد ما لم يُرَ مثله في الزمن المتطاول، ونادى برفع المكوس والمظالم، وردَّ أملاكا كثيرة كانت قد اغتصبت، وفرق أموالا جزيلةً على بني هاشم والفقهاء والصوفيّة وغيرهم، خطب له بالديار المصرية والشامية واليمن.

стр. 262

الثالث في وفاته: توفي ليلة الأحد ثاني ذي القعدة من هذه السَّنة. وقال ابن كثير (١): ولما كان يوم السَّبت سلخ شوال من هذه السنة مات الخليفة المستضيء بأمر الله، وكان مرضه بالحمّى، ابتدأ بها في يوم عيد الفطر، ولم يزل الأمر يتزايد به حتى استكمل في مرضه شهرًا، فمات في سلخ شوال، وله من العمر تسع وثلاثون سنة. وكانت مدة خلافته تسع سنين وثلاثة أشهر (٢) وسبعة عشر يومًا، وغُسل وصلي عليه من الغد، ودفن بدار القصر التي بناها، وذلك عن وصيته التي أوصى بها، وترك من بعده ولدين، أحدهما: وليُّ العهد عدة الدين والدنيا أبو العباس أحمد الناصر لدين الله، والآخر: أبو منصور هاشم. وفي تاريخ ابن العميد: وفي سنة خمس وسبعين لثلاثة مضين من جمادى الآخرة كانت وفاة المستضيء بأمر الله، فكانت مدة خلافته تسع سنين وثمانية أيام، أولها يوم الجمعة وآخرها يوم السبت، لتتمة خمسمائة وأربع وسبعين سنة وتسعة أشهر وستة وعشرين يوما للهجرة، ولتمام ست آلاف وستمائة وإحدى وسبعين سنة وسبعة أشهر وثلاثة أيام للعالم شمسية. وفي المرآة (٣): وتوفي المستضيء في ثاني ذي القعدة عن ست وثلاثين سنة، وكانت خلافته تسع سنين وستة أشهر وعشرين يوما، ودفن في داره، ثم نقل بعد ذلك إلى تربته المجاورة لجامع عز الدولة، وقد وزِّر له جماعة من الرؤساء. ذكر خلافة الناصر لدين الله أبي العباس أحمد بن المستضيء بأمر الله، وهو الرابع والثلاثون من خلفاء بني العباس، بويع له يوم توفي أبوه في سلخ شوال منها، بايعه الأمراء والوزراء والخاصة والعامة، وكان قد خُطب له في حياة أبيه على المنابر قبل موته بيسير، فقيل إنما عهد إليه قبل موته بيوم. وقيل بأسبوع، ولكن قدَّر الله أنه لم يختلف عليه اثنان، ولقب بالخليفة الناصر لدين الله.

стр. 263

وقال ابن كثير (١): ولما توفي المستضيء أرادت زوجته الجهة بنفشا أن تكتم ذلك، فلم تُمكَّن منه، ووقعت فتنة كبيرة ببغداد، ونهبت العامة دورا كثيرة وأموالًا جزيلة، فلما كان يوم الجمعة الثاني والعشرين من شوال خطب لولي العهد أبي العباس أحمد بن المستضيء، وهو الخليفة الناصر لدين الله، وكان يوما مشهودا، نثر الذهب على الخطباء والمؤذنين ومن حضر ذلك عند ذكره على المنبر والتنويه باسمه. وفي المرآة: (٢) وكانت بيعته يوم الاثنين ثاني ذي القعدة وله ثلاث أو اثنان وعشرون سنة، وتولى أخذ البيعة له ظهير الدين بن العطار (٣) صاحب المخزن على الرغم منه؛ لأنه كان يميل إلى أخيه الأمين أبي منصور، خائفا من أبي العباس، وحضر القضاة والأشراف وبنو هاشم وغيرهم، وأخوه أبو منصور، وضياءُ الدين بن الشهرزوري، رسول السلطان صلاح الدين، وبايعوه. وقبض في ذلك اليوم على سعد الشرابي، وكان المستضيء أراد أن يعهد إلى الأمير أبي منصور، فقالت له بنفشا: الله الله أن تعدل عن أبي العباس، فرأى لها ذلك، وبعث شيخ الشيوخ عبد الرحيم وصندل الخادم إلى صلاح الدين بالبيعة. وفي يوم الجمعة سابع ذي القعدة قبض على ظهير الدين بن العطار صاحب المخزن، وعلي مسعود النقيب. وفي تاريخ المؤيد (٤): وكان قد حكم في دولة المستضيء ظهير الدين أبو بكر منصور ابن نصر المعروف بابن العطار بعد قتل عضد الدين الوزير، فلما مات المستضيء قام ظهير الدين بن العطار وأخذ البيعة لولده الإمام الناصر لدين الله. ولما استقرت البيعة للناصر حكم أستاذ الدار مجد الدين أبو الفضل، فقبض في سابع ذي القعدة على ظهير الدين بن العطار، ونُقل إلى التاج، وأُخرج ميتا على رأس حمال ليلة الأربعاء [ثاني عشر ذي القعدة] (٥)، فثارت به العامَّة وألقوه عن رأس الحمال، وشدُّوا في ذكره حبلا وسحبوه

стр. 264

في البلد، وكانوا يضعون في يده مغرفة، يعني أنها قلم، وقد غَمَس تلك المغرفة في العذرة، ويقولون: وقِّعْ لنا يا مولانا، هذا فعلهم به مع حسن سيرته فيهم، وكفه عن أموالهم، ثم خلص منهم ودُفِن. وفي المرآة (١): ابن العطار هو صاحب المخزن، ونائب الوزارة، واسمه منصور بن نصر بن الحسين أبو بكر، ويلقب بظهير الدين، وكان هو الذي تسبب (٢) لقتل الوزير ابن رئيس الرؤساء، وكان في عزمه أن يولى الخلافة أبا منصور، فانخرمت عليه القاعدة، فلما بويع الإمام الناصر لم يحضر واعتذر بالمرض، وإنما كان به مرض القلب، حيث تيقن الهلاك، وقبض عليه الخليفة في السابع من يوم بيعته، ووكل به في حجرة في داره، وقبض على أصحابه، ونهبت دورهم، ونهبت العامة داره وأحرقوا سقوفها، وكانت على دجلة. فلما كانت ليلة السبت ثامن ذي القعدة نُقل إلى التاج وقُيِّد، وأُخرج ليلة الأربعاء حادي عشر ذي القعدة ميتا، وفيه آثار الضرب، فسلم إلى [أخيه فغسله وكفنه] (٣). فلما كان وقت الفجر من يوم الأربعاء أخرج في تابوت على رؤوس الحمالين؛ ليذهبوا به إلى قبر أحمد بن حنبل، وبلغ التابوت إلى [عقد] (٤) الحديد، فصاح بعض الناس يا عوام هذا ابن العطار الذي سلط عليكم مسعود النقيب، فأخذ أموالكم وفعل وفعل، ورجمه بآجُرَّة وتتابع الآجُر، فرمى الحمالون وانهزموا، فجردوه من الكفن، وجعلوا في رجله شريطا وشحطوه (٥) في دروب بغداد، وصاحوا عليه يا عجيل بن عجيل، وشوهوا به (٦) ومثلوا به أقبح مثله، وكان مسيئا إلى الخلق الخاص والعام والعسكر والرعية، ثم أنهم جمعوا له حطبًا ليحرقوه، بعد أن قطعوه قطعا قطعا، فركب فطرس شحنة بغداد وأراد أن يخلصه منهم، فرجموه وقاتلوه إلى الليل، فحجز الليل بينهم (٧)، ويقي من لحمه قطعة، فجاء [الناس] (٨) فحملوها إلى مقابر أحمد، فدفنوها بها.

стр. 265

وظهير الدين [هذا] (١) هو ابن الشيخ نصر بن العطار الحراني (٢) صاحب الصدقات، والمعروف بالبر والصلات والفضائل والكرامات. ذكر بقية الحوادث منها أن في ذي القعدة نزل توران شاه أخو السلطان صلاح الدين عن بعلبك، وطلب عوضها الإسكندرية، فأجابه السلطان صلاح الدين إلى ذلك، وأقطع بعلبك لعز الدين فرخشاه بن شاهنشاه بن أيوب، فسار إليها فرخشاه، وسار شمس الدولة توران شاه إلى الإسكندرية، وأقام بها إلى أن مات بها (٣). ومنها أنه كانت زلزلة عظيمة انهدم بسببها قلاع كثيرة وقرى، ومات خلق كثير، وسقط من رؤوس الجبال صخور كبار، وصارت بين الجبال في البرية مع بعد ما بينها من الأقطار (٤) ومنها أنه أصاب الناس غلاء شديد وفناء عظيم، فلله الأمر من قبل ومن بعد ....... (٥) وفيها حج بالناس طاشتكين من العراق، ومن الشام صفي الدين بن القايض وزير صلاح الدين (٦). ذكر من توفي فيها من الأعيان إبراهيم بن على أبو إسحق السلمي؛ الفقيه الشافعي المعروف بابن الفراء الآمدي (٧) ثم البغدادي، كان فقيها بارعا فاضلا مناظرا فصيحا بليغا شاعرا مطبقا، مات في هذه السنة عن أربع وسبعين سنة، وصلى عليه أبو الحسن القزويني مدرس النظامية (٨).

стр. 266

إسحق وإسماعيل ابنا أبي منصور موهوب بن الجواليقي؛ فأما إسحق، فكنيته أبو طاهر، ولد في سنة تسع عشرة وخمسمائة، وقرأ عليه ابنه الأدب والحديث، وسمع من [ابن] (١) الحصين وغيره، ومات في رجب، ودفن في باب حرب. وأما إسماعيل: فكنيته أبو محمد، ولد سنة إحدى عشرة وخمسمائة، وقرأ عليه ابنه الأدب، وبرع فيه، وسمع من [ابن] (١) الحصين، وابن السمرقندي وغيرهما، وأقرأ الأدب بعد أبيه، وروى عنه جماعة منهم عبد العزيز بن الأخضر، وكان يثني عليه ويقول: هو في النسك والعبادة أبلغ من أبيه. وقال ابن كثير (٢): لقب إسماعيل المذكور حجة الإسلام، أحد أئمة اللغة في زمانه، والمشار إليه من بين أقرانه بحسن الدين، وقوة اليقين، وعلم اللغة والنحو، وصِدْق اللهجة، وخلوص النية، وحسن السيرة. المبارك بن علي بن الحسين (٣) بن عبد الله بن محمد أبو محمد بن الطباخ البغدادي؛ نزيل مكة ومجاورها، وحافظ الحديث بها، والمشار إليه بالعلم فيها، مات في هذه السنة، وكان يوم جنازته يوما مشهودا. محمد بن الحسين أبو الفرج الهيتي؛ وُلد بهيت (٤) سنة خمس وتسعين وأربعمائة، وسكن بغداد، وكان فاضلا، له نظم ونثر، فمن النظم: يا رَاقِدًا أَسْهرَ لى مُقلةً … [عَزِيزةً] (٥) عندي وأبْكاها ما آن للهجرانِ أَنْ ينقَضِي … عن مُهْجةٍ هَجْرُك أضنَاها إنْ كُنتَ ما تَرحَمني فَارتَقِبْ … يا قَاتِلى في قَتْلِى اللهَ

стр. 267

ومن النثر: من كان الصمت شجرته، كانت السلامة ثمرته. في احتراز اللبيب ما يغنيه عن الطبيب. من ترك المرا استمال الورى. وكانت وفاته في شعبان، ودفن بباب حرب، سمع عبد الوهاب الأنماطي وغيره، وروى عنه مشايخ السبط (١). محمد بن محمد بن عبد الكريم أبو الفرج بن الأنباري؛ كاتب الإنشاء بديوان الخليفة، ولد سنة سبع وخمسمائة، وهو من بيت الرئاسة والكتابة، ناب في الديوان من حين توفي والده سديد الدولة سنة ثمان وخمسين وخمسمائة إلى هذه السنة، وكانت وفاته في ذي القعدة، وصلى عليه بجامع القصر، ودفن عند والده بمقابر قريش، سمع أبا محمد بن أحمد السمرقندي وطبقته، وكان فاضلا عاقلا نزها عفيفا. محمد بن علي بن أحمد بن علي بن محمد أبو الفتح الدامغاني بن قاضي القضاة [أبي الحسن] (٢)؛ من بيت الرئاسة والفضل والقضاء، استنابه أبوه في القضاء، وكان فاضلًا نزها عفيفًا، توفي وهو شاب في شوال، ودفن بنهر القلائين، وبها كانت منازلهم. علم بنت عبد الله بن المبارك؛ زوجة الزبيدي شيخ الوزير ابن هبيرة، كانت تضاهي رابعة العدوية، تقرأ القرآن، ولا تفتر من الذكر، ولم يكن في زمانها مثلها، وكانت صابرة على الفقر ورعة، توفيت ببغداد، وعمرها (٣) مائة سنة وست سنين، لم يتغير عليها من حواسها شيء، بل كأنها يوم ولدت. وفي المرآة (٤): مرض ولدها أحمد بن الزبيدي، فاحتضر، وجاء وقت الصلاة فقالت: يابني ادخل في الصلاة، فدخل وكبر فمات، فخرجت إلى النساء وقالت: هنينني. قلن: بماذا؟ قالت: مات ولدي في الصلاة، ﵂ وعن ولدها.

стр. 268

فصل فيما وقع من الحوادث في السنة السادسة والسبعين بعد الخمسمائة * استهلت هذه السنة والخليفة هو الإمام الناصر لدين الله العباسي، وسلطان مصر والشام الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، وصاحب حلب الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين محمود، وصاحب الروم -صاحب قونية وأقصراي- قليج (١) أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان، وصاحب مملكة العجم ابن بهلوان، وصاحب الغورية ابن سام، وصاحب الموصل والجزيرة غازي بن مودود، وصاحب خلاط شاهرمَنْ، وصاحب ماردين أيلغازي بن نجم الدين إلبي، وصاحب حصن كيفا وآمد نور الدين محمد بن قرا أرسلان، وصاحب إربل زين الدين يوسف بن علي كوجك، وصاحب مكة الأمير داود بن عيسي بن محمد بن أبي هاشم، وصاحب الغرب أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن، وصاحب غزنة شهاب الدين الغوري. ذكر ماجريات صلاح الدين ﵀ منها أنه سار بعساكره إلى أن وصل [إلى] (٢) رَعْبَانَ؛ منجدًا نور الدين محمد بن قرا أرسلان صاحب حصن كيفا على قليج أرسلان "بن" (٣) مسعود ملك الروم، وسبب ذلك أن نور الدين بن قرا أرسلان تزوج بابنة قليج أرسلان، ثم أحب مغنية وتركها (٤) نسيا منسيا، فشكت حالها إلى أبيها، فعزم على قصد بلاده، فأرسل نور الدين إلى صلاح الدين؛ يستنجده ويسأله كف يد قليج أرسلان، فأرسل صلاح الدين إلى قليج أرسلان في ذلك، فأعاد الجواب: إنني كنت عند تزويجه ابنتي دفعت إليه عدة حصون، ولابد من إعادتها إليَّ. وكان صلاح الدين قد هادن الفرنج، فسار في عساكره نحو بلاد قليج أرسلان، وهي ملطية وسيواس وقونية وما بينها، فلما سمع قليج أرسلان بقربه منه، أرسل

стр. 269

إلى بعض أمرائه، وذكر له بعض الحديث الذي جرى منه، فقال صلاح الدين للرسول: قل لصاحبك: لئن لم يرجع عن بلاده، لأسيرن إلى ملطية، ولا أنزل عن فرسي إلا في البلد (١). وكان الرسول قد عاين جيشا عظيما، وكان عاقلا أديبًا، فقال لصلاح الدين: أريد أقول للسلطان كلاما لم يرسلني به أستاذي، فقال له: قل، فقال: تعطيني الأمان. فقال: قل وأنت آمن. فقال: يا مولانا أما هو قبيح بمثلك، وأنت أعظم السلاطين قدرًا وأكبرهم شأنًا، أن يسمع الناس عنك أنك صالحت الفرنج، وتركت الغزو ومصالح المملكة، وأعرضت عن كل ما فيه صلاح لك ولرعيتك وللمسلمين عامة، وخسرتَ أنت وعسكرك الأموال العظيمة؛ لأجل قحبة مغنية، ما يكون عذرك عند الله تعالى، ثم عند الخليفة وملوك الإسلام وكافة العالم؟ وهَبْ أن أحدًا ما يواجهك بهذا، أمَا يعلمون أن الأمر كذا، ثم احسب أن قليج أرسلان مات، وهذه ابنته قد أرسلتني إليك؛ تستجيرُك وتسألك أن تنصفها من زوجها، فإن فعلتَ فهو الظن، وإن لم يكن أفيَحْسُنُ بك أن تردَّها. فقال صلاح الدين: الحق بيدك، وإن الأمر لكما تقول، ولكن هذا الرجل دخل على، واستجار بي، ويقبح بي تركه، ولكني أجتمع به وأصلح الحال بينكم على ما تحبون، وأعينكم عليه (٢)، ووعد من نفسه بكل جميل. واجتمع الرسول بنور الدين بن قرا أرسلان، وتردد القول بينهم، فاستقر له أنه يخرج المغنية بعد سنة، وإن لم يفعل ينزل صلاح الدين عن نصرته، ويكون هو وقليج أرسلان عليه. ولما تقرر الحال على ذلك قصد صلاح الدين بلاد ابن لاون، وذلك أنه كان قد استمال قومًا من التركمان، وبذل لهم الأمان (٣)، وأمرهُم أن يرعوا مواشيهم في بلاده، وهي بلاد حصينة منيعة كثيرة الوعر، ثم غدر بهم، وسبى حريمهم، وأخذ أموالهم، وأسر رجالهم، وقتل منهم جماعة، فنزل صلاح الدين على النهر الأسود (٤)، وبث بلاده، فخاف ابن لاون على حصن له على رأس جبل أن يؤخذ، فخرّبه وأحرقه، وهو يسمى

стр. 270

حصن النَّقِير (١)، وسمع صلاح الدين بذلك فأسرع السير، فأدركه قبل أن ينقل ما فيه من ذخائر وأقوات فغنمها، وانتفع المسلمون بما غنموه، فأطلق ابن لاون من عنده من أسرى التركمان، وأعاد السبي والأموال. وعاد صلاح الدين وتوجه إلى مصر ومعه الملك الظاهر غازي والملك العزيز ولداه، واستخلف على الشام ودمشق عز الدين فرخشاه بن شاهنشاه بن أخيه (٢). ومنها أن في رجب قدمت رسل الخليفة الناصر لدين الله ومعهم خلع وهدايا إلى الملك الناصر صلاح الدين، فلبس السلطان خلع الخليفة بدمشق، وزينت له البلاد، وكان يوما مشهودًا (٣). وفي المرآة (٤): وفيها وصل شيخ الشيوخ وصحبته رسول الخليفة إلى الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، ومعهما خلع وهدايا فلبس السلطان الخلع بدمشق، وزينت له المدينة، وكان يومًا مشهودا. ومنها أن السلطان سار من الشام إلى الديار المصرية، لينظر في أحوالها وأمورها، ويصوم بها رمضان، ومن عزمه أن يحج عامه ذلك إلى بيت الله الحرام، واستناب علي الشام ابن أخيه عز الدين فرخشاه بن شاهنشاه بن أيوب. وكتب القاضي الفاضل عن الملك العادل أبي بكر نائب مصر إلى أهل اليمن ومكة؛ يعلمهم بعزم السلطان على الحج في هذا العام إلى المسجد الحرام، ليتأهبوا للملك، ويهتموا به. واستصحب السلطان معه صدر الدين أبا القاسم عبد الرحيم شيخ الشيوخ ببغداد، الذي قدم في الرسلية من جهة الخليفة؛ ليكون في خدمته إلى الديار المصرية، وفي صحبته إلى الحجاز الشريف، فدخل السلطان مصر، وتلقاه الجيش، وكان يوما مشهودا. وأما صدر الدين فإنه لم يقم بها إلا قليلا، حتى توجهه إلى الحجاز الشريف في البحر، فأدرك الصيام بالمسجد الحرام (٥).

стр. 271

وفي المرآة (١): وإنما ركب شيخ الشيوخ البحر من مصر، ومضى إلى مكة؛ لنذر كان عليه، وأقام إلى أيام الموسم، وحج وعاد إلى بغداد (٢). ذكر بقية الحوادث منها أن عرب سُليم (٣) نافقت بالبحيرة، واجتمعوا في ستة آلاف فارس، فخرج إليهم أبو الهيجاء السمين في ألفي فارس، فكسرهم ونهبهم. ومنها أن أبا يعقوب يوسف بن عبد المؤمن (٤) سار إلى إفريقية، وملك قَفْصَة (٥)، وكان سبب ذلك أن صاحبها على بن المعز بن المعتز لما رأى دخول الترك إلى إفريقية واستيلاءهم على بعضها، وانقياد العرب [إليهم] (٦)، طمع في الانفراد عن يوسف، والاستبداد دونه؛ لأنه كان في طاعته، فأظهر ما في نفسه وخالفه، وأظهر العصيان، ووافقه أهل قفصَة، فقتلوا كل من كان عندهم من الموحدين أصحاب أبي يعقوب، وكان ذلك في سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، [فأرسل والي بجاية] (٧) إلى يوسف (٨) بن عبد المؤمن [يخبره] (٩) باضطراب أمور البلاد واجتماع العربان إلى قراقوش التركي، ودخوله إفريقية، واستيلائه، فشرع يوسف (١٠) في سَد الثغور التي يخافها بعد مسيره، ثم تجهز وجمع العساكر، وسار إلى إفريقية، ونزل على مدينة قفصة وحصرها ثلاثة أشهر؛ لأنها مدينة حصينة، وأهلها أنجاد، وقطع أشجارها. ولما اشتد على صاحبها على بن المعتز الأمر، خرج منها مختفيا لم يدر به أحد من أهل البلد، وسار إلى خيمة يوسف، وعرَّف

стр. 272

الحاجب أنه قد حضر إلى أمير المؤمنين، فدخل الحاجب وأعلم يوسف به، فعجب منه كيف أقدم على الحضور عنده بغير عهد!، وأمر بإدخاله عليه، فدخل وقبَّل يده، وقال: قد حضرت إلى أمير المؤمنين؛ أطلب العفو عني وعن أهل بلدي، وأن يفعل ما هو أهله، واعتذر إليه، فَرَقَّ له وعفا عنه وعن أهل البلد، وتسلمها أول سنة ست وسبعين، وسير علي بن المعز صاحبها إلى بلاد المغرب، فكان فيها مكرمًا عزيزًا، وأقطعه ولاية كبيرة، ورتب يوسف بقفصة طَائفة كبيرة من أصحابه، وحضر مسعود بن زمام أمير العرب إليه، فعفا عنه وسيره إلى مراكش (١)، وسار يوسف إلى المهدية (٢)، فأتاه بها رسول صاحب صقلية؛ يلتمس الصلح منه، وهادنه عشر سنين، وعاد يوسف إلى المغرب مسرعًا، لأن بلاد إفريقية كانت مجدبة، فتعذر القوت والعلف على عسكره، فرحل عنها (٣). ومنها أن امرأة قدمت إلى القاهرة وهي عديمة اليدين، وكانت تكتب برجليها كتابة حسنة، فحصل لها مال جزيل من الملوك والخواتين (٤)، فقال العماد الكاتب: أُخْمِلتُ (٥) في مِصر ومَنْ يلتمسْ … غِناهُ في غربتِه يخْمُلِ كتابتي قَدْ كَسَدتْ سُوقها … وحِيلَتي بارَتْ ولم أعْطُلِ (٦) كيف يَبِينُ الفضْلُ في بلدةٍ … نِساؤُها يكتُبْن بالأَرْجُلِ ومنها أن قراقوش التقوي سار إلى بلاد المغرب، فحاصر قابس (٧) وقلاعا كثيرة حولها، واستحوذ على أكثرها، فاتفق أنه أسر من بعض الحصون غلامًا أمرد (٨)، فأراد

стр. 273

قتله، فقال له أهل الحصن: لا تقتله، وخذ لك عشرة آلاف دينار، فأبي، فوصَّلوه إلى مائة ألف دينار، فأبى إلا قتله فقتله، فلما قتله نزل صاحب الحصن وهو شيخ كبير، ومعه مفاتيح ذلك الحصن، فقال له: خذ هذه فإني شيخ كبير" (١) وإنما كنت أحفظه لأجل هذا الصبي الذي قتلته، ولي أولاد أخي أكره أن يملكوه بعدي، فأقره فيه، وأخذ أموالا كثيرة (٢). ومنها أن الخليفة ابتدأ في هذه السنة بعمارة المسناة (٣) في الجانب الغربي من بغداد، وهي قائمة إلى هلم جرا. ومنها أنه ابتدأ بعمارة تربة المستضيء المجاورة لجامع فخر الدولة. وتولى عمارتها ابن الصاحب أستاذ الدار، ونقل تابوته إليها. وفيها .......... (٤). وفيها حج بالناس من العراق طاشتكين، ومن الشام سيف الدين على المشطوب. ذكر من توفي فيها من الأعيان مبارك بن علي بن الحسين بن الطباخ أبو محمد البغدادي (٥)؛ نزيل مكة، أقام بها أربعين سنة يؤم الناس، حطيم لا يراه أحد في غير المحرم، ويعتمر كل يوم ويتعبد ولا يراه أحد، فتوفي فيها بشوال، ودفن بالمعلي، سمع أبا القاسم بن الحصين وطبقته، وكان صالحًا ثقة. [سعيد] (٦) بن عبد الله بن القاسم: أخو كمال الدين الشهرزوري قاضى الشام، وهذا أصغر أخوة كمال الدين، ولد سنة ست وخمسمائة، وكنيته أبو الرضى، قدم بغداد وتفقه بها، وسمع شيوخها، وخرج إلى خراسان، فأقام عند محمد بن يحيى النيسابوري (٧) مدة

стр. 274

فكان يحترمه ويقول: هذا من بيت الرياسة والفضل، ثم عاد إلى الموصل، وقد برع وصار أَوجَهَ أهل بيته، وقدم رسولا من الموصل إلى بغداد مرارًا، وتوفي بالموصل، وكان ثقة جليلا نبيلا. أحمد بن محمد أبو المظفر البغدادي؛ ولد سنة عشر وخمسمائة في شعبان، وسمع الحديث الكثير ورواه، وبنى مسجدا ببغداد في درب الرياحين يعرف به، وهو قائم إلى هلم جرَّا، وتوفي بالمخزن محبوسا بعدما ذهب بصره، ودفن بباب حرب، سمع أبا القاسم بن الحصين، وابن السمرقندي، وقاضى المارستان، وغيرهم، وكان صالحًا ثقة. السِّلَفي أحمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم سِلَفة الأصفهاني، الملقب صدر الدين أبو الطاهر السِلفي (١)؛ أحد الحفاظ المكثرين، رحل في طلب الحديث، ولقي أعيان المشايخ، وكان شافعى المذهب، ورد بغداد واشتغل بها على الكيَا أبي الحسن "على" (٢) الهراسي (٣) في الفقه، وعلى الفقيه الخطيب أبي زكريا يحيى بن على التبريزي اللغوي في اللغة، وروي عن أبي محمد جعفر بن السراج وغيره من الأئمة الأماثل، وجاب البلاد، وطاف الآفاق، ودخل ثغر الإسكندرية في ذي القعدة سنة إحدى عشرة وخمسمائة، وكان قدومه إليها في البحر من مدينة صُور، وأقام بها، وقصده الناس من الأماكن البعيدة، وسمعوا عليه وانتفعوا به، ولم يكن له مثل في آخر عمره في عصره، وبنى له العادل أبو الحسن علي بن سلار -وزير الظافر العبيدي صاحب مصر- في سنة ست وأربعين وخمسمائة مدرسة بالثغر المحروس المذكور، وفوضها إليه، وهي معروفة به إلى الآن (٤). وقال ابن خلكان (٥): أدركتُ جماعة من أصحابه بالشام والديار المصرية، وسمعت عليهم وأجازوني، وكان كتب الكثير، ونقلتُ من خطه فوائد جَمة، ومن جملة ما نقلت من خطه لأبي عبد الله محمد بن عبد الجبار الأندلسي عن قصيدة:

стр. 275

لَوْلا اشْتغالى بالأميرِ ومَدْحِه … لأَطْلتُ في ذاك الغزالِ تَغَزُّلي لَكنَّ أَوصافَ الجلالِ عَذُبْنَ لِي … فَتَركتُ أوصافَ الجمالِ بمَعْزِلِ وكان كثيرًا [ما] (١) ينشد: قالوا نفوسُ الدَّار سكانُها … وأنتم عندي نفوسُ النُفوسِ (٢) وأماليه وتعاليقه كثيرة، وكانت ولادته سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة تقريبا بأصفهان، ويقال: مولده سنة ثمان وسبعين. والله أعلم، وتوفي ضحوة نهار الجمعة، وقيل: ليلة الجمعة خامس شهر ربيع الآخر سنة ست وسبعين وخمسمائة بثغر الإسكندرية، ودفن في وَعْلة (٣)، وهي مقبرة داخل السور عند الباب الأخضر، فيها جماعة من الصالحين كالطرطوشي وغيره ﵃. وقد ترجمه الحافظ ابن عساكر في تاريخه ترجمةً حسنةَ وإن كان قد مات قبله بخمس سنين، فذكر رحلته في طلب الحديث، ودورانه للأقاليم، وأنه كان يتصوف أولا، ثم أقام بالإسكندرية، وتزوج امرأة ذات يسار، فحسنت حاله، ووقفت عليه مدرسة هنالك (٤)، وذكر طرفًا من أشعاره، منها قوله: أَتأْمنُ إلمام المنية بغْتةً … وأمْنُ الفَتَى جُهلٌ ولو (٥) خَبَرَ الدَّهرَا وليسَ يُحابِى الدَّهرُ في دَوَرانِه … أراذِلَ أهليه ولا السادةُ الزُّهْرا وكيفَ وقد ماتَ النبي [( ﷺ )] وصَحبُه … وأزواجُه طرًا وفاطمةُ الزهْرَا ومن شعره الذي أورده ابن عساكر قوله:

стр. 276

يا قاصِدًا علم الحديثِ يَذُمُّهُ … إِذْ ضَلَّ عن طُرْقِ الهدايةِ وَهْمُهُ إِنَّ العلومَ كما عَلِمْتَ كثيرةٌ … وأجَلَّهَا فِقْهُ الحديثِ وعِلْمُهُ مَنْ كانَ طالِبُه وفيه تَيَقُّظٌ … فأتمُّ سَهْمٍ في المعاني سَهْمُهُ لَوْلَا الحديثُ وأهلُه لم يسْتَقِمْ … دِينُ النبيِّ وَشَذَّ عَنَّا حُكْمُهُ وإذا اسْتَرابَ بقولِنا مُتَحَذْلِقٌ … فَأَكَلُّ (١) فَهْمٍ في البسيطةِ فَهْمُهُ والسِّلَفِيّ بكسر السين المهملة وفتح اللام وكسر الفاء، نسبة إلى سلفة، لقب جده إبراهيم. وفي المرآة (٢): لقب جده أحمد كان يعرف به، ويلقب به؛ وذلك لأن شفته الواحدة كانت مشقوقة، فصارت مثل الشفتين، غير الأخرى الأصلية، فقالوا له بالعجمية: سِه لَبَهْ، فلفظ سه هو الثلاثة بالعَجمي، ولب هو الشفة، فلما عربوه قالوا: سِلفَة. أسقطوا الهاء من سه، وأبدلوا الباء في لبه فاءً، فقالوا: سلفة. والنسبة إليه السلفي (٣). وَوَعْلة بفتح الواو وسكون العين المهملة وبعدها لام وفي آخرها هاء، وهي مقبرة منسوبة إلى عبد الرحمن بن وَعْلة السبئي المصري صاحب ابن عباس، وقيل غير ذلك. سيف الدين غازي بن قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكي بن آقسنقر؛ صاحب الموصل، تقلد المملكة بعد وفاة أبيه مودود، وهو والد سنجر شاه، صاحب جزيرة ابن عمر (٤)، أقام في الملك عشر سنين وشهورًا، وأصابه مرض مزمن، وتوفي يوم الأحد ثالث صفر سنة ست وسبعين وخمسمائة، وتولى بعده أخوه عز الدين مسعود (٥).

стр. 277

وقال ابن كثير (١): وكان سيف الدين غازي المذكور شابا حسنًا مليح الشكل تام القامة، مدور اللحية، مكث في الملك عشر سنين، ومات عن ثلاثين سنة، وكان عفيفا في نفسه، مهيبا وقورًا، لا يلتفت إذا ركب ولا إذا جلس، غيورًا لا يدع أحدًا من الخدام يدخل على النساء، وكان لا يقدم على سفك الدماء، وينسب إلى شيء من البخل، فأجلس مكانه في المملكة أخاه عز الدين مسعود، وجعل مجاهد الدين قيماز نائبه ومدبر مملكته. وجاءت رسل الخليفة يلتمسون من صلاح الدين أن يبقى سروج (٢) والرها والرقة، وحران والخابور ونصيبين في يده، كما كانت في يد أخيه، فامتنع السلطان من ذلك، وقال: هذه البلاد هي حفظ [ثغور] (٣) الإسلام، وإنما كنت تركتها في يده؛ ليساعدنا على غزو الإفرنج، فلم يكن يفعل ذلك، وكتب إلى الخليفة يعرفه بذلك. وفي تاريخ بيبرس: وكان مرض غازي السِل، وأراد أن يعهد بالملك إلى ابنه الأكبر معز الدين سنجرشاه، وكان عمره حينئذ اثنتي عشرة سنة، فخاف من صلاح الدين يوسف بن أيوب، ولم يجبه أخوه مسعود إلى ذلك، فأشار عليه أكابر دولته بأن يجعل الملك في أخيه عز الدين مسعود، وأن يجعل لولديه بعض البلاد، وأن يكون مرجعهما إلى عز الدين عمهما، والمتولى لأمرهما مجاهد الدين قيماز، ففعل ذلك، وأعطى جزيرة ابن عمر وقلاعها لولده سنجرشاه، وقلعة الحميدية (٤) لولده الصغير ناصر الدين، وكان مجاهد الدين قيماز الحاكم في الجميع. وقال ابن الأثير (٥): كان قد علق به سل، وطالت علته، وأجدبت البلاد قبل موته، وخرج الناس يستسقون، وخرج سيف الدين معهم، فاستغاث إليه الناس، وقالوا: كيف يستجاب لنا والخمور والخواطيء والمظالم بيننا؟! فقال: قد أبطلتها. ورجعوا إلى البلد

стр. 278

وفيهم رجل صالح يقال له: أبو الفرج الدقاق، فأحرق الخمور لا غير، ونهب العوام دكاكين الخمارين، فاستدعى الدقاق والى القلعة، وقال له: أنت جَرَّأْتَ العوام على السلطان. وضرب على رأسه، فانكشفت رأسه، وأطلق ونزل مكشوف الرأس، فقيل له: غطى رأسك، فقال: لا والله لا غطيتها حتى يُنتقم لي ممن ظلمني. فمات الدزدار (١) والذي ضربه بعد قليل، ومرض سيف الدين وتوفي. ذكر حكايته مع الشيخ أبي أحمد الحداد الزاهد: كان أبو أحمد قد انقطع في قرية من بلد الموصل، يقال لها الفضلية (٢)، ومنها أصله، وهي على فراسخ من الموصل. قال السبط (٣): حدثني أبو بكر القديمى وإسماعيل الشعار، وكانا قد صحبا الشيخ أبا أحمد، "قالا: كان سيف الدين يزور الشيخ أبا أحمد" (٤)، فقال له يوما: "يا" (٥) سيف الدين أي فائدة في زيارتك وأنت تشرب الخمر، وتبيح المحرمات، وتمكس (٦) المسلمين؟ فإن كنت تدع هذا وإلا فلا تجيء إلى عندى. فقال: يا سيدي أنا تائب إلى الله من جميع ما قلت، وترك الجميع وعاد إلى ما كان عليه. وكان للشيخ طاقة على باب الزاوية، ينظر من يجيء من دمشق، قال: فبينما نحن عنده يوما، إذا بسيف الدين قد أقبل، وصعد على الدرج، فقال: يا أبا بكر أغلق الباب في وجهه وقل له مالك عندي شغل، وادفعه إلى أسفل الدرج. قال أبو بكر القديمي: فخرجت فاستحييت منه، فقال لي سيف الدين: يا شيخ أفعل بي ما أمرك الشيخ وأدار ظهره إلىَّ، فدفعت في ظهره، حتى أنزلته إلى أسفل الدرج، فقعد يبكي، وصاح الجند بأسرهم، فأشار لهم (٧) أن

стр. 279

اسكتوا، ثم قال لي: يا شيخ أبو بكر اصعد إلى الشيخ، وقل له: فما لي توبة؟ قال: فصعدت إليه وأخبرته، فقال: قل له يجوز، قد أذنت له. قال: فخرجت وقلت له: بسم الله، فدخل على الشيخ، فبكى وقبَّل يده، وتاب إلى الله تعالى، وعاد إلى الموصل، وأقام مدة يسيرة، ومات يوم الأحد ثالث صفر، ولم يبلغ ثلاثين سنة، وكانت ولايته عشر سنين وشهورًا. وأراد أن يعهد إلى ابنه سنجر شاه، فامتنع أخوه عز الدين مسعود من ذلك، وقال له مجاهد الدين قيماز وأكابر الأمراء: قد علمت استيلاء صلاح الدين على البلاد وقربه منا، وسنجر شاه صبي لا رأي له، وأخوك عز الدين كبير السن، صاحب رأي وشجاعة، فاعهد إليه واجعله وصيًا على أولادك، ففعل. وكانت الرعية قد خافت من عز الدين مسعود؛ لإقدامه على سفك الدماء وحدَّته. فلما ولي تغيرت أخلاقه، فصار رفيقًا بالرعية، قريبًا منهم، محسنا إليهم. ولما مات سيف الدين كان صلاح الدين في حدود الروم، فأرسل إليه مجاهد الدين قيماز الفقيه أبا شجاع بن الدهان البغدادي (١)، فطلب منه أن يكون مع عز الدين، كما كان مع أخيه سيف الدين، ويبقى عليه الجزيرة وما بيده من حران والرها والرقة وخابور ونصيبين وقاطع الفرات، فقال صلاح الدين: أما ما خلف له من بلاد الموصل فهو باق على حاله، وأما ما ذكره من بلاد الجزيرة فإنما كانت بيده بشفاعة الخليفة، على شرط أن يقوى ثغور المسلمين بالمال والعساكر، أما الآن فالخليفة قد فوَّض أمرها إلىَّ، لا أفعل "فيها" (٢) إلا ما أراه من المصلحة. الملك المعظم توران شاه؛ مات في هذه السنة. وقال ابن كثير (٣): السلطان الأكبر الملك المعظم شمس الدولة (٤) توران شاه بن أيوب، الذي افتتح بلاد اليمن عند أمر أخيه السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، فمكث فيها حينًا، واقتني

стр. 280

منها أموالا جزيلة، ثم استناب فيها، وأقبل نحو أخيه إلى الشام؛ شوقا إليه. وكان قدومه إليه في سنة إحدى وسبعين وخمسمائة كما ذكرنا، فشهد معه مواقف مشهودة وغزوات محمودة، واستنابه على دمشق مدة، ثم سار إلى مصر فاستنابه على الإسكندرية (١) فلم توافقه، وكان يعتريه القُولَنج (٢) فمات بها في هذه السنة، فدفن فيها. ثم نقلته أخته ست الشام بنت أيوب فدفنته بتربتها التي بالشامية البرانية (٣) بدمشق، فقبره القبليّ، والوسطاني قبر زوجها ابن عمها ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه، صاحب حمص والرحبة، والمؤخر قبرها، رحمها الله. والتربة الحسامية منسوبة إلى ولدها حسام الدين عمر بن لاجين، وهي إلى جانب المدرسة من غربيّها، وقد كان الملك تورانشاه كريما جوادا ممدَّحا شجاعا باسلًا، عظيم في [الهيبة] (٤)، كبير النفس واسع الصدر. وقال فيه ابن سعدان الحلبي: هو المَلكُ إِنْ تَسْمَع بكسرى وقيصر … فإنهما في الجودِ والبأسِ عَبْدَاهُ وما حاتمٌ (٥) ممن يُقاسُ بمثلِه … فخُذْ ما رأيناه ودَعْ ما رويناهُ ولُذْ بِذُرَاهُ مستجيرًا فِإنَّه … يُجِيرُك مِنْ جَوْرِ الزمانِ وعَدْواهُ ولا (٦) تتحَمَّلْ للسحائبِ مِنَّةً … إذا هطلت (٧) جُودًا سَحَائبُ جَدْواهُ ويُرسِلُ كَفْيه بما اشْتُق منْهُما … فَلِليُمْنْ يمناه (٨) ولِلْيُسْرِ يُسْراهُ ولما بلغ خبر موته إلى أخيه السلطان صلاح الدين، وهو مخيم بظاهر حمص، حزن حزنا شديدًا عليه، وجعل ينشد باب المراثي من الحماسة، وكانت محفوظته.

стр. 281

وقال ابن خلكان (١): وكانت وفاة تورانشاه يوم الخميس مستهل صفر، ويقال: خامس صفر سنة ست وسبعين وخمسمائة. وتورانشاه بضم التاء المثناة من فوقها (٢) وسكون الواو وبعدها راء مهملة، ثم بعد الألف نون ساكنة، وبعدها شين معجمة وألف ساكنة وهاء، ومعناه ملك الشرق، وشاه لفظ أعجمي ومعناه الملك. وتوران اسم لبلاد الترك، والعجم يسمون الترك تركان، ثم حرفوه (٣) فقالوا: توران. وقد علم أن المضاف إليه يقدم على المضاف في لغتهم. فافهم.

стр. 282

فصل فيما وقع من الحوادث في السنة السابعة والسبعين بعد الخمسمائة * استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله، وأصحاب البلاد على حالهم، غير أن الملك الصالح بن نور الدين محمود مات في هذه السنة. ذكر وفاة الملك الصالح بن نور الدين صاحب حلب والكلام فيه على أنواع: الأول في ترجمته: هو السلطان الملك الصالح إسماعيل ابن السلطان الملك العادل نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي، صاحب حلب وما والاها، وكان أبوه نور الدين ﵀ قد عهد بالملك له، وعمره يوم مات أبوه إحدى عشرة سنة، وكان مولده في سنة ثمان وخمسين وخمسمائة، وقد ذكرنا أنه انتقل من دمشق إلى حلب، ودخل قلعتها يوم الجمعة مستهل المحرم سنة سبعين وخمسمائة، وخرج السلطان صلاح الدين من مصر، وملك دمشق وغيرها من بلاد الشام، ولم يبق عليه سوى مدينة حلب. الثاني في سيرته: قال ابن خلكان (١): كان محسنا محمود السيرة. وقال النويري (٢): وكان من أعف الملوك، ومن يشابه أباه فما ظلم. وصف له الأطباء في مرضه شرب الخمر، فاستفتي بعض الفقهاء في شربها تداويا فأفتاه بذلك، فقال له: أيزيد مشربها في أجلى أو ينقص منه شيئا؟ قال: لا. قال: فوالله لا أشربها وألقى الله وقد شربتُ ما حرمه عليَّ. وفي تاريخ بيبرس (٣): أفتاه بذلك فقيه من مدرسي الحنفية، فقال: أرأيت إن قَدَّر اللهُ قرب الأجل، أيؤخره شرب الخمر؟ فقال الفقيه: لا. فقال له ما ذكرنا.

стр. 283

وذكر ابن الأثير (١): أنه لما اشتد به المرض وضعف، وصف له الأطباء قليل خمر، فقال: لا أفعل حتى أسأل الشافعية. فأفتوه بالجواز، وسأل العلاء الكاشاني فأفتاه أيضا، فلم يفعل. وقال السّبط (٢): أخطأ الكاشاني فإن الخمر لا يباح عند أبي حنيفة ﵁ وجميع أصحابنا للتداوى، وكذا عند مالك وأحمد، وعند الشافعي يجوز للضرورة، وعندنا أن الله لم يجعل شفاء الأمة فيما حُرِّم عليها. وفي تاريخ المؤيد (٣): وكان حليما عفيف اليد والفرج واللسان، ملازما لأمور الدين، لا يعرف له شيء مما يتعاطاه الشباب. الثالث في وفاته: وقال ابن خلكان (٤): توفي يوم الجمعة الخامس والعشرين من رجب سنة سبع وسبعين وخمسمائة، وذكروا أنه لم يبلغ عشرين سنة، ودفن في المقام الذي بالقلعة، ثم نقل إلى رباطه المعروف به تحت القلعة، وهو مشهور هناك. وفي المرآة (٥): وكان مرضه القولنج، بدأ به في تاسع رجب. وقال المؤيد في تاريخه (٦): في رجب توفى الملك الصالح وعمره تسع عشرة سنة، ولما اشتد به مرض القولنج وصف له الأطباء الخمر، فمات ولم يستعمله. وفي تاريخ ابن كثير (٧): وكانت وفاته بقلعة حلب، ودفن بها، وكان سبب وفاته فيما قيل أن الأمير علم الدين سليمان بن جندر سقاه سُما في عنقود عنب في الصيد. وقيل: بل سقاه ياقوت الأسدي في شراب. وقيل: في خشكنانكة (٨) فاعتراه قولنج فما زال كذلك حتى مات. وهو شاب حسن الصورة بهي المنظر، ولم يبلغ عشرين سنة،

стр. 284

ولما يئس من نفسه استدعى الأمراء فحلفهم لابن عمه عز الدين مسعود صاحب الموصل؛ لقوة سلطانه وتمكنه، ليمنعها من صلاح الدين. وخشي أن يبايع لابن عمه الآخر عماد الدين زنكي صاحب سنجار -وهو زوج أخته وتربية والده- فلا يمكنه حفظها من صلاح الدين. فلما مات استدعى الحلبيون عز الدين مسعود بن قطب الدين مودود صاحب الموصل، فجاء إليهم فدخل حلب في أبهة عظيمة، وكان يوما مشهودا، وذلك في العشرين من شعبان من هذه السنة، فتسلم خزائنها وحواصلها وما فيها من السلاح. وكان تقي الدين عمر بمدينة منبج، فهرب إلى حماة، فوجد أهلها قد نادوا بشعار عز الدين صاحب الموصل. وأطمع الحلبيون عز الدين مسعود في أخذ دمشق لغيبة صلاح الدين بالديار المصرية، وأعلموه بمحبة أهل الشام لهذا البيت الأتابكي، فقال: بيننا وبينه أيمان وعهود، وأنا [لا] (١) أغدر به. فأقام بحلب شهورا، وتزوج بأم الملك الصالح في شوال، ثم سار إلى الرقة فنزلها، وجاءته رسل أخيه عماد الدين؛ يطلب منه أن يقايضه من حلب إلى سنجار، وألح في ذلك، وتمنّع أخوه ثم رضي على كره منه، فسلم إليه حلب، وسلمه عماد الدين سنجار والخابور والرقة وسروج، وغير ذلك من البلاد. وعاد عز الدين مسعود إلى حلب (٢)، ولما سمع السلطان صلاح الدين بهذه الأمور ركب من الديار المصرية في عساكره، فسار حتى أتي (٣) الفرات. وفي تاريخ بيبرس: تسلم عماد الدين، صاحب سنجار، حلب عوضا عن سنجار، وذلك أنه لما رحل عز الدين مسعود إلى الرقة جاءته رسل أخيه عماد الدين؛ يطلب أن يسلم إليه حلب، ويأخذ عوضا عنها سنجار، فلم يجبه إلى ذلك. فقال: إن لم تسلموا إليَّ حلب، وإلا سلمت أنا سنجار إلى صلاح الدين. فأشار الأمراء على عز الدين بتسليم حلب إليه، فاستقر الأمر على تسليمها لعماد الدين، وأخذ سنجار عوضا عنها. وبلغ

стр. 285

ذلك صلاح الدين، فخاف على دمشق، وبرز من مصر وسار إلى الشام في محرم السنة الآتية، على ما نذكره إن شاء الله تعالى (١). ذكر ماجريات صلاح الدين منها أنه لما استهلت هذه السنة كان صلاح الدين مقيما بالقاهرة، مواظبا على سماع الأحاديث، وجاء كتاب من نائبه بالشام عز الدين فرخشاه؛ يهنئه بما مَنَّ الله تعالي به على الناس من كثرة ولادة النساء من التوأم، جبرًا لما كان أصابهم في العام الماضي من الوباء والفناء، وبأن الشام مخصب بإذن الله، جبرًا من الله تعالى لما كان أصابهم في العام الماضي من الجدب والغلاء (٢). ومنها أن في شوال منها توجه صلاح الدين إلى الإسكندرية، و [خيم بظاهرها عند عمود السواري] (٣)، فشاهد ما أمر به من تحصين سورها وعمارة أبراجها وقصورها، وسمع موطأ الإمام مالك ﵀ على الشيخ أبي طاهر بن عوف عن الطرطوشي، وسمع ذلك معه العماد الكاتب، وأرسل القاضي الفاضل إلى السلطان صلاح الدين رسالة؛ يهنئه بهذا السماع (٤). ومنها أن صلاح الدين ولى أخاه سيف الإسلام ظهير الدين طغتكين بن أيوب نيابة اليمن، فملَّكه عليها وأرسله إليها؛ وذلك لاختلاف نوابها واضطراب أصحابها بعد وفاة الملك المعظم توران شاه أخي السلطان صلاح الدين، الذي كان افتتحها، فسار طغتكين إليها فوصلها في سنة ثمان وسبعين، فسار فيها أحسن سيرة، وأكمل بها المعدلة والسريرة، فاحتاط على أموال [حِطَّان] (٥) بن منقذ [الكناني] (٦) نائب زَبيد، وكانت
следующие страницы →