← История

История · id 380

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [565 - 628 هـ]

بدر الدين العيني

Полный текст (1 226 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وقال ابن خلكان (١): وكانت وفاة تورانشاه يوم الخميس مستهل صفر، ويقال: خامس صفر سنة ست وسبعين وخمسمائة. وتورانشاه بضم التاء المثناة من فوقها (٢) وسكون الواو وبعدها راء مهملة، ثم بعد الألف نون ساكنة، وبعدها شين معجمة وألف ساكنة وهاء، ومعناه ملك الشرق، وشاه لفظ أعجمي ومعناه الملك. وتوران اسم لبلاد الترك، والعجم يسمون الترك تركان، ثم حرفوه (٣) فقالوا: توران. وقد علم أن المضاف إليه يقدم على المضاف في لغتهم. فافهم.

стр. 282

فصل فيما وقع من الحوادث في السنة السابعة والسبعين بعد الخمسمائة * استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله، وأصحاب البلاد على حالهم، غير أن الملك الصالح بن نور الدين محمود مات في هذه السنة. ذكر وفاة الملك الصالح بن نور الدين صاحب حلب والكلام فيه على أنواع: الأول في ترجمته: هو السلطان الملك الصالح إسماعيل ابن السلطان الملك العادل نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي، صاحب حلب وما والاها، وكان أبوه نور الدين ﵀ قد عهد بالملك له، وعمره يوم مات أبوه إحدى عشرة سنة، وكان مولده في سنة ثمان وخمسين وخمسمائة، وقد ذكرنا أنه انتقل من دمشق إلى حلب، ودخل قلعتها يوم الجمعة مستهل المحرم سنة سبعين وخمسمائة، وخرج السلطان صلاح الدين من مصر، وملك دمشق وغيرها من بلاد الشام، ولم يبق عليه سوى مدينة حلب. الثاني في سيرته: قال ابن خلكان (١): كان محسنا محمود السيرة. وقال النويري (٢): وكان من أعف الملوك، ومن يشابه أباه فما ظلم. وصف له الأطباء في مرضه شرب الخمر، فاستفتي بعض الفقهاء في شربها تداويا فأفتاه بذلك، فقال له: أيزيد مشربها في أجلى أو ينقص منه شيئا؟ قال: لا. قال: فوالله لا أشربها وألقى الله وقد شربتُ ما حرمه عليَّ. وفي تاريخ بيبرس (٣): أفتاه بذلك فقيه من مدرسي الحنفية، فقال: أرأيت إن قَدَّر اللهُ قرب الأجل، أيؤخره شرب الخمر؟ فقال الفقيه: لا. فقال له ما ذكرنا.

стр. 283

وذكر ابن الأثير (١): أنه لما اشتد به المرض وضعف، وصف له الأطباء قليل خمر، فقال: لا أفعل حتى أسأل الشافعية. فأفتوه بالجواز، وسأل العلاء الكاشاني فأفتاه أيضا، فلم يفعل. وقال السّبط (٢): أخطأ الكاشاني فإن الخمر لا يباح عند أبي حنيفة ﵁ وجميع أصحابنا للتداوى، وكذا عند مالك وأحمد، وعند الشافعي يجوز للضرورة، وعندنا أن الله لم يجعل شفاء الأمة فيما حُرِّم عليها. وفي تاريخ المؤيد (٣): وكان حليما عفيف اليد والفرج واللسان، ملازما لأمور الدين، لا يعرف له شيء مما يتعاطاه الشباب. الثالث في وفاته: وقال ابن خلكان (٤): توفي يوم الجمعة الخامس والعشرين من رجب سنة سبع وسبعين وخمسمائة، وذكروا أنه لم يبلغ عشرين سنة، ودفن في المقام الذي بالقلعة، ثم نقل إلى رباطه المعروف به تحت القلعة، وهو مشهور هناك. وفي المرآة (٥): وكان مرضه القولنج، بدأ به في تاسع رجب. وقال المؤيد في تاريخه (٦): في رجب توفى الملك الصالح وعمره تسع عشرة سنة، ولما اشتد به مرض القولنج وصف له الأطباء الخمر، فمات ولم يستعمله. وفي تاريخ ابن كثير (٧): وكانت وفاته بقلعة حلب، ودفن بها، وكان سبب وفاته فيما قيل أن الأمير علم الدين سليمان بن جندر سقاه سُما في عنقود عنب في الصيد. وقيل: بل سقاه ياقوت الأسدي في شراب. وقيل: في خشكنانكة (٨) فاعتراه قولنج فما زال كذلك حتى مات. وهو شاب حسن الصورة بهي المنظر، ولم يبلغ عشرين سنة،

стр. 284

ولما يئس من نفسه استدعى الأمراء فحلفهم لابن عمه عز الدين مسعود صاحب الموصل؛ لقوة سلطانه وتمكنه، ليمنعها من صلاح الدين. وخشي أن يبايع لابن عمه الآخر عماد الدين زنكي صاحب سنجار -وهو زوج أخته وتربية والده- فلا يمكنه حفظها من صلاح الدين. فلما مات استدعى الحلبيون عز الدين مسعود بن قطب الدين مودود صاحب الموصل، فجاء إليهم فدخل حلب في أبهة عظيمة، وكان يوما مشهودا، وذلك في العشرين من شعبان من هذه السنة، فتسلم خزائنها وحواصلها وما فيها من السلاح. وكان تقي الدين عمر بمدينة منبج، فهرب إلى حماة، فوجد أهلها قد نادوا بشعار عز الدين صاحب الموصل. وأطمع الحلبيون عز الدين مسعود في أخذ دمشق لغيبة صلاح الدين بالديار المصرية، وأعلموه بمحبة أهل الشام لهذا البيت الأتابكي، فقال: بيننا وبينه أيمان وعهود، وأنا [لا] (١) أغدر به. فأقام بحلب شهورا، وتزوج بأم الملك الصالح في شوال، ثم سار إلى الرقة فنزلها، وجاءته رسل أخيه عماد الدين؛ يطلب منه أن يقايضه من حلب إلى سنجار، وألح في ذلك، وتمنّع أخوه ثم رضي على كره منه، فسلم إليه حلب، وسلمه عماد الدين سنجار والخابور والرقة وسروج، وغير ذلك من البلاد. وعاد عز الدين مسعود إلى حلب (٢)، ولما سمع السلطان صلاح الدين بهذه الأمور ركب من الديار المصرية في عساكره، فسار حتى أتي (٣) الفرات. وفي تاريخ بيبرس: تسلم عماد الدين، صاحب سنجار، حلب عوضا عن سنجار، وذلك أنه لما رحل عز الدين مسعود إلى الرقة جاءته رسل أخيه عماد الدين؛ يطلب أن يسلم إليه حلب، ويأخذ عوضا عنها سنجار، فلم يجبه إلى ذلك. فقال: إن لم تسلموا إليَّ حلب، وإلا سلمت أنا سنجار إلى صلاح الدين. فأشار الأمراء على عز الدين بتسليم حلب إليه، فاستقر الأمر على تسليمها لعماد الدين، وأخذ سنجار عوضا عنها. وبلغ

стр. 285

ذلك صلاح الدين، فخاف على دمشق، وبرز من مصر وسار إلى الشام في محرم السنة الآتية، على ما نذكره إن شاء الله تعالى (١). ذكر ماجريات صلاح الدين منها أنه لما استهلت هذه السنة كان صلاح الدين مقيما بالقاهرة، مواظبا على سماع الأحاديث، وجاء كتاب من نائبه بالشام عز الدين فرخشاه؛ يهنئه بما مَنَّ الله تعالي به على الناس من كثرة ولادة النساء من التوأم، جبرًا لما كان أصابهم في العام الماضي من الوباء والفناء، وبأن الشام مخصب بإذن الله، جبرًا من الله تعالى لما كان أصابهم في العام الماضي من الجدب والغلاء (٢). ومنها أن في شوال منها توجه صلاح الدين إلى الإسكندرية، و [خيم بظاهرها عند عمود السواري] (٣)، فشاهد ما أمر به من تحصين سورها وعمارة أبراجها وقصورها، وسمع موطأ الإمام مالك ﵀ على الشيخ أبي طاهر بن عوف عن الطرطوشي، وسمع ذلك معه العماد الكاتب، وأرسل القاضي الفاضل إلى السلطان صلاح الدين رسالة؛ يهنئه بهذا السماع (٤). ومنها أن صلاح الدين ولى أخاه سيف الإسلام ظهير الدين طغتكين بن أيوب نيابة اليمن، فملَّكه عليها وأرسله إليها؛ وذلك لاختلاف نوابها واضطراب أصحابها بعد وفاة الملك المعظم توران شاه أخي السلطان صلاح الدين، الذي كان افتتحها، فسار طغتكين إليها فوصلها في سنة ثمان وسبعين، فسار فيها أحسن سيرة، وأكمل بها المعدلة والسريرة، فاحتاط على أموال [حِطَّان] (٥) بن منقذ [الكناني] (٦) نائب زَبيد، وكانت

стр. 286

تقارب ألف ألف دينار. وأما نائب عدن فخر الدين عثمان الزنجيلي (١)؛ فإنه خرج من اليمن قبل قدوم طغتكين فسكن الشام، وله أوقاف مشهورة باليمن ومكة، وإليه تنسب المدرسة الزنجيلية (٢)، خارج باب توما، تجاه الطعم (٣)، وكان قد حصل منها أموالا [جزيلة] (٤). وفي تاريخ بيبرس: وفيها سير صلاح الدين (٥) جماعة من أمرائه منهم صارم الدين خُتْلجُ (٦) وغيره إلى اليمن؛ لاختلاف نواب شمس الدولة بها، وكان الاختلاف بين عز الدين عثمان الزنجيلي وحطان بن منقذ، وجرت بينهما حرب، ورام كل واحد منهما أن يتغلب على ما بيد الآخر، فاتفقت وفاة ختلج، وتولي (٧) حطان بن منقذ إمارة زبيد، وأطاعه الناس لجوده وشجاعته، وقبض صلاح الدين على سيف الدولة مبارك بن منقذ الكناني؛ لأنه كان نائبا عن شمس الدولة باليمن، فترك أخاه حطانًا بها، وجاء إلى شمس الدولة إلى مصر. فلما اتفقت وفاة شمس الدولة صار إلى صلاح الدين، فقيل له أنه أخذ مال اليمن وأدخل، فاعتقله صلاح الدين، ثم صالحه على ثمانين ألف دينار، فأخذها منه وأطلقه. قلت: حطان المذكور هو ابن كامل بن منقذ الكناني من بيت صاحب شيزر. ومنها أنه ولد لصلاح الدين ولدان وهما: الملك المعظم توران شاه، والملك المحسن أحمد، وكان بين ميلادهما سبعة أيام، فزينت البلاد واستمر الفرح والسرور (٨). وفي تاريخ الدولتين (٩): الملك المحسن أبو العباس أحمد ظهير الدين ولد بمصر في ربيع الأول من هذه السنة، وهو لأم الأشرف. والملك المعظم أبو منصور توران شاه فخر

стр. 287

الدين، ولد في مصر في ربيع الأول من هذه السنة، ومات سنة ثمان وخمسين وستمائة، وهي السنة التي أخرب العدو من التتار - مدينة حلب وغيرها. ذكر بقية الحوادث منها (١) أن الإفرنج غدرت ونقضت عهودهم، وقطعوا السبل على المسلمين برا وبحرا، سرا وجهرا، فأمكن الله من بطسة عظيمة، لهم فيها نحو من ألفين وخمسمائة نفس من رجالهم المعدودين، منهم من ألقاهم الموج إلى ثغر دمياط قبل خروج السلطان صلاح الدين من مصر، فأحيط بها، فغرق بعضهم، وحصل في الأسر [نحو] (٢) ألف وسبعمائة منهم (٣). ومنها أن قراقوش سار إلى بلاد إفريقية ففتح بلادًا كثيرة، وقاتل عسكر [ابن] (٤) عبد المؤمن، واستفحل أمره هنالك، وهو من جملة مماليك تقي الدين عمر ابن أخي السلطان صلاح الدين، ثم عاد إلى الديار المصرية فأمره صلاح الدين بأن يتمم السور المحيط بالقاهرة ومصر، وذلك قبل خروجه منها في هذه السنة، وكان ذلك آخر عهده بها حتى توفاه الله وذلك بعد أن أراه بلوغ مناه قبل حلول الوفاة، فأقر عينه من أعدائه، وفتح على يديه بيت المقدس وما حوله وما حواه. ولما خيم بارزًا من مصر أحضر أولاده حوله فجعل يشمهم ويقبلهم ويضمهم، فأنشد بعضهم: تَمَتَّعْ من شَمِيم [عُرَارِ نَجْدٍ (٥)] … فما بعدَ العَشِيَّة من عُرارِ فكان الأمر كما قال؛ لم يعد إلى مصر بعد هذا العام، بل كان مقامه بالشام.

стр. 288

ومنها (١) أن فرخشاه بن أخي السلطان صلاح الدين ونائبه بدمشق سار إلى أعمال كرك ونهبها؛ لما بلغه أن الفرنج تطرقوا لأن يسيروا إلى مكة وإلى المدينة -على ساكنها أفضل الصلاة والسلام- فجمع العساكر الدمشقية، وسار إلى بلدهم ونهبه وخَرَّبه، وعاد إلى طرف بلاد الإسلام، وأقام بها ليمنع البرنس (٢) من التعرض إلى المسلمين. وأما الذين سيرهم الفرنج إلى الحجاز؛ فأهلك الله تعالى جميع من سيروا، وقتلوا وأسروا. ومنها أنه تواصف الناس كثرة الفأر، وشكي أهل الزراعات جائحتهم (٣) به، وأنه كان يرحل من بقعة إلى بقعة، فيغطى الأرض ويجور على مواضع مملوءة زروعًا (٤)، فلا يترك منها شيئا، ويمر بأخرى فيتركها قاعا صفصفًا. ومنها أنه استوت عدة جيش صلاح الدين على ثمانية آلاف وستمائة وأربعين طواشية، وقرا غلامية (٥). ومنها أن صاحب ماردين حصر قلعة البيرة، وكانت لشهاب الدين الأرتقي (٦)، وهو ابن عم قطب الدين إيلغازي بن ألبي بن تمرتاش بن إيلغازي بن أرتق صاحب ماردين (٧)، وكان في طاعة نور الدين محمود بن زنكي، فمات شهاب الدين الأرتقي، وملك القلعة بعده ولده، وصار في طاعة عز الدين مسعود صاحب الموصل، فلما كان في هذه السنة أرسل صاحب ماردين إلى عز الدين [مسعود] (٨) يستأذنه في حصر البيرة وأخذها، فأذن له، فسار، فنزل سُمَيْسَاط (٩) وكانت له، وأرسل عسكرها [إلى البيرة] (١٠) فحصرها، فسير

стр. 289

صاحبها إلى صلاح الدين، يطلب منه أن ينجده، "فسير رسولا فشفع فيه" (١)، فرحل صاحب ماردين عن البيرة. ومنها (٢) أن المسلمين فتحوا الشقيف (٣) من الفرنج، وذلك أن الفرنج لما بلغهم مسير صلاح الدين من مصر إلى الشام، جمعوا له، وحشدوا الفارس والراجل، واجتمعوا بالكرك بالقرب من الطريق لعلهم يظفرون منه بفرصة، فخلت بلادهم من ناحية الشام، فسمع فرخشاه الخبر، فجمع عساكر الشام، ثم قصد بلاد الفرنج، وأغار عليها، ونهب دَبُّورِية (٤) وما جاورها من القرى، وأسر الرجال وسبي النساء وغنم الأموال، وفتح منهم الشقيف، وأرسل إلى صلاح الدين بالبشارة. ومنها أن رباط المأمونية (٥) ببغداد فتحت في هذه السنة، [وكانت] (٦) دار سنقر المستنجدي (٧)، قُبض عليه وأخذ منه من العين مائة ألف دينار، ومن المتاع والخيل والأثاث ما قيمته أكثر من ذلك وعُملت رباطا للصوفية. ومنها (٨) أنه كان بالمِزة (٩) خطيب يقال له العالم. زَوَّرَ على صلاح الدين خطًا بزيادة في جامكيته، ووقف عليه فرخشاه، فهَّم بالإيقاع به فهرب إلى القاهرة، واستجار بالسلطان فأجاره، وقال: ما أخيب قصدك. وكتب له توقيعا بما طلب.

стр. 290

ومنها (١) أن البرنس صاحب الكرك -لعنه الله- عزم على قصد تيماء من أرض الحجاز؛ ليتوصل منها إلى المدينة النبوية -على صاحبها أفضل الصلاة والسلام- فجهزت له سرية من دمشق تكون حاجزة بينه وبين أرض الحجاز، فصده ذلك عن قصده، لعنه الله. وفيها .................. (٢) وفيها حج بالناس طاشتكين. ذكر من توفي فيها من الأعيان أبو البركات عبد الرحمن (٣) بن أبي الوفاء محمد بن [عبيد (٤)] الله بن محمد ابن [عبيد الله] (٥) بن أبي سعيد بن الحسن [بن سليمان الأنباري] (٦)، الملقب كمال الدين، النحوي؛ كان من الأئمة المشار إليهم في علم النحو، وسكن بغداد من صباه إلى أن مات، وتفقه على مذهب الإمام الشافعي، بالمدرسة النظامية ببغداد، وتصدر لإقراء النحو على أبي منصور الجواليقي، وصحب أبا السعادات هبة الله بن الشَّجرى، وأخذ عنه وانتفع بصحبته، وتبحر في علم الأدب، واشتغل عليه خلق كثير وصاروا علماء. وصنف في النحو كتاب "أسرار العربية"، وله كتاب "الميزان" في النحو أيضا، وله كتاب في "طبقات الأدباء"، جمع فيه المتقدمين والمتأخرين مع صغر حجمه، وكُتُبه كلها نافعة. "وكانت نَفْسُه مباركة" (٧) ما يقرأ (٨) عليه أحد إلا تميز (٩). وانقطع في آخر عمره في بيته مشتغلا بالعلم والعبادة، وترك الدنيا ومجالسة أهلها، ولم يزل على سيرة جيدة (١٠)،

стр. 291

وتوفي في تاسع (١) شعبان من سنة سبع وسبعين وخمسمائة ببغداد، ودفن بباب أبرز بترية الشيخ أبي إسحق الشيرازي، وخلت بغداد عن مثله. وفي المرآة (٢): وكان إماما في كل فن مع الزهد والورع والعبادة، والصبر على الفقر مع القدرة، ولا يقبل بر أحد، وكان يحضر دعوة الخليفة في كل سنة مرة، فيبعث إليه بالخلع والذهب، فيرد الجميع، وكان [يستديم] (٣) الصوم ويفطر على أي شيء كان، وبابه مفتوح لطلاب العلم لا يرد أحدا، ﵀ تعالي.

стр. 292

فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة الثامنة والسبعين بعد الخمسمائة * استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله، وأصحاب البلاد على حالهم، والسلطان صلاح الدين خرج من مصر إلى الشام فى خامس المحرم من هذه السنة، وكان ذلك آخر عهده بمصر، لم يعد إليها بعد ذلك. وفى تاريخ المؤيد (١): وفى خامس المحرم سار السلطان صلاح الدين من مصر إلى الشام، ومن عجيب الاتفاق أنه لما برز من القاهرة وخرجت أعيان الناس لوداعه، أخذ كل منهم يقول شيئاً فى الوداع وفراقه، وفى الحاضرين [٢٢٣ و] معلمٌ لبعض أولاد السلطان، فأخرج رأسه من بين الحاضرين وأنشد: تَمتَّعْ من شَمِيمِ عُرارِ نجد … فما بعدَ العشِيَّة من عُرارِ فتطيَّر صلاح الدين وانقبض بعد انبساطه، وتنكد المجلس على الحاضرين، فلم يعد صلاح الدين "بعدها" (٢) إلى مصر مع طول المدة، وسار السلطان وأغار فى طريقه على بلاد الفرنج، وغنم ووصل إلى دمشق فى حادى عشر صفر من هذه السنة (٣). وفى المرآة (٤): وفى خامس المحرم من هذه السنة خرج صلاح الدين من مصر، ونزل البِرْكة قاصداً إلى الشام، وخرج أرباب الدولة لوداعه، وأنشد الشعراء أبياتا فى الوداع، فسمع قائلا يقول فى ظاهر الخيم: تمتع (٥) إلى آخره. وطلب القائل، فلم يوجد، فوجم السلطان وتَطَيّر الحاضرون، فكان كما قال اشتغل السلطان بالشرق والإفرنج، ولم يعد بعدها إلى مصر.

стр. 293

وسار السلطان على أيلة والحسا (١) ووادى موسى (٢)، وكان فرخشاه بدمشق، فبلغه أن الفرنج قد اجتمعوا عند الكرك؛ لقصد السلطان، فخرج من دمشق فنزل طبرية وعكا ودَبُّورِية، فقصدوه فالتقاهم وكسرهم، وقتل منهم ألوفًا، وأسر وساق عشرين ألفا من الأنعام وغيرها، وفتح حصنا مشرفًا على السواد على شقيف، يقال له حصن جلدك، وقتل من فيه، وأسكنه المسلمين وجعلهم طلائع، وساق إلى بُصْرى، فالتقى السلطان عندها فسُرَّ به، ودخلا دمشق فى صفر. وفى تاريخ ابن كثير (٣): أغار صلاح الدين فى طريقه على أطراف بلاد الفرنج بأرض الكرك، وجعل أخاه تاج الملوك (٤) بورى بن أيوب على الميمنة يسير ناحية عنه، ليتمكنوا من بلاد العدو، فالتقوا على الأزرق (٥) بعد سبعة أيام، ووصل السلطان إلى دمشق فى حادى عشر صفر منها، وقيل فى سابع [عشر] (٦). ذكر ماجريات صلاح الدين من الغزوات وغيرها بعد دخوله دمشق منها أنه خرج من دمشق فى العشر الأول من ربيع الأول، ونزل قرب طبرية، وشن الإغارة على بلاد الإفرنج مثل بيسان (٧) وجينين (٨) والغور (٩)، فغنم منها وقتل جماعة. وقال ابن كثير (١٠): واقتتل مع الفرنج تحت حصن كوكب (١١)، فقتل خلق من الفريقين،

стр. 294

ولكن كانت الدائرة للمسلمين، ثم رجع مؤيدا منصورا إلى دمشق، ثم سار إلى بيروت وحصرها وأغار على بلادها، ثم عاد إلى دمشق. وفى تاريخ بيبرس: وفيها سار صلاح الدين من دمشق إلى بيروت فحاصرها ونهب ماوجد، وأمر أسطول مصر أن ينزلوا عليها ويحاصروها، فكان وصوله لها قبل وصولهم، وكان عازما على حصارها إلى أن يفتحها، وأتاه الخبر بأن بُطسةً عظيمة ألقاها البحر إلى دمياط، خرج من فيها من الفرنج للحج إلى بيت المقدس، فأسروا من بها، فكانت (١) عدة الأسرى ألفا وستمائة وستة [وسبعين] (٢) أسيراً، فضربت بذلك البشائر. ومنها أنه سار إلى البلاد الحلبية والجزرية؛ [٢٢٣ ظ] ليأخذها، وذلك أن المواصلة والحلبية قد كاتبوا الفرنج حتى تغزوا على أطراف البلاد؛ ليشغلوا السلطان صلاح الدين بنفسه عنهم، فكان سَيْرُه على بلاد البقاع، ثم إلى حماة ثم إلى حلب، فحاصرها ثلاثاً، ورأى أن العدول إلى غيرها أولى به، فسار حتى قطع الفرات من البيرة، وصار معه مظفر الدين كوكبورى صاحب حران. وكاتب ملوك تلك الأطراف واستمالهم، فأجابه نور الدين محمد بن قرا أرسلان صاحب حصن كيفا، وصار معه، ونازل السلطان مدينة الرُّها وحاصرها وملكها وسلمها إلى مظفر الدين كوكبورى. ثم سار إلى الرقة وأخذها من قطب الدين ينال بن حسان المنبجى، فسار هو إلى عز الدين مسعود صاحب الموصل، ثم سار صلاح الدين إلى خابور وملكها، وملك أيضاً قرقيسيا (٣)، وماكسين (٤)، وعربان (٥)، واستولى على الخابور جميعها، ثم سار إلى نصيبين وحاصرها وملك المدينة، ثم ملك القلعة وأقطعها أميراً كان معه يقال له أبو الهيجاء السمين.

стр. 295

ثم سار عن نصيبين وقصد الموصل، وقد استعد صاحبها مسعود ومجاهد الدين قيماز للحصار، فأقام عليها منجنيقا، وأقاموا عليه من داخل المدينة مجانيق، وضايق الموصل، فلما رأى طول الحصار رحل عنها إلى سنجار وحاصرها وملكها، واستناب بها سعد الدين بن معين الدين، وكان من أكبر الأمراء. ثم سار صلاح الدين إلى حران، وعزل عن نصيبين في - طريقه - أبا الهيجاء السمين، ثم عاد إلى حلب وقد استحوذ على بلاد الجزيرة كلها، وخضعت له الملوك هناك. ولما وصل إلى حلب تسلمها من صاحبها عماد الدين زنكى، وقد كان قايض أخاه عز الدين مسعود بها إلى سنجار كما ذكرنا في العام الماضي، فاستوسقت (١) له الممالك شرقا وغربا وبُعدا وقربا، وتمكن حينئذ من قتال أعدائه من الفرنج - لعنهم الله - وتملكه حلب وغيرها إنما كان في السنة الآتية على ما نذكره إن شاء الله تعالى (٢). وفى تاريخ بيبرس: عبر صلاح الدين الفرات وملك الديار الجزرية، وسبب ذلك أن مظفر الدين كوكبورى بن زين الدين على بن بكتكين - مقطع حران - أرسل إلى صلاح الدين؛ يعلمه أنه معه وأنه محب لدولته، ووعده النصر، وأنه إذا عبر الفرات يعينه ويعرفه أخذ البلاد، فرحل عن بيروت، وَرُسُل مظفر الدين متواترة إليه؛ تحثه على القدوم، فجدَّ السير يُظهر أنه يريد حصر حلب. ولما قارب الفرات سار إليه مظفر الدين واجتمع به، فقصد البيرة، وكان صاحبها مع صلاح الدين وفى طاعته، فعبر هو وأصحابه من الجسر الذى عند البيرة. وكان عز الدين مسعود ومجاهد الدين قايماز، لما بلغهما وصول صلاح الدين إلى الشام، قد جمعا العسكر وسارا إلى نصيبين، ليكوناً على أهبة لئلا يتعرض صلاح الدين إلى حلب، ثم تقدما إلى دارا (٣) فنزلا [٢٢٤ و] عندها، فجاءهما أمر لم يكن في

стр. 296

الحساب، فلما بلغهما عبور الفرات عادا إلى الموصل، وأرسلا إلى الرها عسكرا يحميها ويمنعها، فلما سمع صلاح الدين ذلك قوى طمعه في البلاد، وكاتب الملوك أصحاب الأطراف ووعدهم وبذل لهم البذول على نصرته، فأجابه نور الدين بن قرا أرسلان صاحب حصن كيفا؛ لقاعدة كانت بينهما لما كان عنده بالشام، فقصد آمد وحصرها وقاتلها أشد القتال، وكان بها مقطعها الأمير فخر الدين "مسعود" (١) الزعفرانى، فطلب الأمان وسلم البلد، وصار في خدمة صلاح الدين، ولما ملك المدينة زحف إلى القلعة، فسلمها إليه الدزدار الذى بها على مال أخذه. ولما ملكها صلاح الدين سلمها إلى مظفر الدين كوكبورى مع حران. ثم سار إلى الرقة وبها مقطعها قطب الدين ينال المنبجى، فسار عنها إلى عز الدين مسعود وملكها صلاح الدين، وسار إلى الخابور، وقرقيسيا، وماكسين، وعربان، فملك جميع ذلك. فلما استولى على الخابور جميعه سار إلى نصيبين فملك المدينة لوقتها، وحصر القلعة أياما، فملكها وأقام بها؛ ليصلح شأنها، ثم أقطعها أبا الهيجاء السمين، وسار عنها. ومنها أنه لما ملك نصيبين جمع أمراءه وأرباب المشورة، فاستشارهم بأى البلاد يبدأ، بالموصل أو بسنجار أو بجزيرة ابن عمر؟ (٢) فاختلفت آراؤهم، فقال له مظفر الدين: لا ينبغى أن نبدأ بغير الموصل، فإنها في أيدينا لا مانع لها، وأن عز الدين مسعود ومجاهد الدين قيماز متى سمعا بمسيرنا إليها تركاها وسارا عنها إلى بعض القلاع [الجبلية] (٣)، ووافقه ناصر الدين محمد بن شيركوه، وكان قد بذل لصلاح الدين مالاً كثيرًا؛ ليقطعة الموصل إذا ملكها، فأجابه صلاح الدين إلى ذلك، فأشار بهذا الرأى لما في نفسه، وسار صلاح الدين إلى الموصل، وكان عز الدين صاحبها ومجاهد الدين نائبه قد جمعا عسكرا كثيرًا من فارس وراجل، وأظهرا من آلات الحصار ما حارت له الأبصار،

стр. 297

وبذلا الأموال الكثيرة، وشحنا ما بقى بأيديهم من البلاد كالجزيرة، وسنجار، وغيرها، بالرجال والسلاح والأموال، ولما قارب صلاح الدين الموصل ترك عسكره، وانفرد هو ومظفر الدين وناصر الدين ابن عمه، ومعهم نفر من أعيان دولته، وقربوا من البلد، فرأى ماهاله من عظم البلد، ورأى السور قد مُلئ من الرجال، وليس فيه شُرافة إلا وعليها مقاتل سوى من عليه من عامة البلد، فعلم أنه لا يقدر عليه، وأنه متى نازله وعاد عنه انكسر ناموسه، ثم رجع إلى معسكره وصبح البلد، فنازله وضايقه، ونزل محاذيا باب كندة، وأنزل صاحب الحصن بباب الجسر، وأنزل أخاه تاج الملوك عند الباب العمادى، وأنشب القتال، فلم يظفر، وأقام أياما ولم ينل منها شيئاً. [٢٢٤ ظ] وترددت الرسل إلى عز الدين مسعود ومجاهد الدين في الصلح، فطلب عز الدين إعادة البلاد التى أخذت منهم، فأجاب صلاح الدين إلى ذلك بشرط تسليم حلب إليه، فامتنع عز الدين ومجاهد الدين، ولم ينتظم صلح ولا تم أمره، فلما رأى صلاح الدين أنه لا ينال من الموصل غرضا، وأن من بسنجار من العساكر الموصلية يقطعون طريق من يقصده من عساكره وأصحابه، سار عن الموصل إليها، وسنذكر ما جرى بعد ذلك في السنة الآتية إن شاء الله تعالى (١). ذكر بقية الحوادث منها أن البرنس صاحب الكرك، عليه اللعنة، عمل مراكب في بحر القلزم؛ ليقطعوا الطريق على التجار والحجاج، وذلك لما عجز عن إيصال المسلمين الأذى في البر، فوصلت أذيتهم إلى عيذاب، وخاف أهل المدنية النبوية من شرهم، فأمر العادل أبو بكر ابن أيوب - أخو صلاح الدين - نائب مصر، الأمير حسام الدين لؤلؤ صاحب الأسطول، أن يعمل مراكب في بحر القلزم، لمحاربة برنس، ففعل ذلك، فظفروا بهم في كل موطن، قتلوا منهم وحرّقوا وغرّقوا وسبوا وقهروا وأسروا في مواطن كثيرة ومواقف هائلة، وأمن البر والبحر بإذن الله (٢). وأرسل صلاح الدين إلى أخيه العادل أبى بكر يشكر من مساعيه، وأرسل إلى ديوان الخليفة يعرفهم بما أنعم الله به عليهم من الفتوحات برًا وبحرًا.

стр. 298

وفى المرآة (١): في هذه السنة كانت وقعة الحاجب لؤلؤ مع الفرنج، خرج إبرنس صاحب الكرك إلى أيلة، فأقام بها ومعه الأخشاب على الجمال والصناع، فعمل المراكب، وكان قصده مكة والمدينة والغارات في البحر، فلما تم عملها ركب فيها ووصل إلى عيذاب في بحر القلزم، فأخذ مراكب التجار، ونهب وقتل وأسر، وسار يريد جدة. وبلغ الخبر إلى سيف الدين العادل أخى السلطان، فأمر [الحاجب حسام الدين لؤلؤاً] (٢) فركب في بحر القلزم، وسار خلفهم، وساعده الريح فأدركهم وقد أشرفوا على مدينة النبي ( ﷺ )، فهرب بعضهم في البر، وأسر الباقين، فأخذ مائة وسبعين أسيرا، وخَلَّص أموال التجار وردها عليهم، واستولى على مراكبهم، وعاد إلى القاهرة. وكتبوا إلى صلاح الدين بذلك، فقال: تُضرب رقاب الأسرى بعضهم بالقاهرة، وبعضهم بمكة، وبعضهم بالمدينة، ففعلوا. وكتبوا بذلك إلى الخليفة. وفى تاريخ المؤيد (٣): وكان حسام الدين لؤلؤ مُظَفَّرًا فيه شجاعة، فسار في طلبهم مُجِدًا وأوقع بالذين يحاصرون أيلة، فقتلهم وأسرهم، ثم سار في طلب الفرقة الثانية، وكانوا قد عزموا على الدخول إلى الحجاز ومكة والمدينة، وسار "لؤلؤ" (٤) يقفو أثرهم فبلغ رابغ (٥) فأدركهم بساحل الحوراء (٦)، وتقاتلوا أشد القتال، فَظَفَّرَهُ الله بهم وقتل لؤلؤ أكثرهم وأخذ الباقين أسرى، وأرسل بعضهم إلى منى لينحروا بها، وعاد بالباقين إلى مصر فقتلوا عن آخرهم. [٢٢٥ و] وفى تاريخ بيبرس: قال ابن [الذروى] (٧) يمدح لؤلؤ بأبيات منها: مَرِّيومٌ من (٨) الزمان عجيبٌ … كاد يُبْدِى فيه السُّرورَ الجمادُ قُلتُ بعدَ التكبيرِ لما تَبدَّى … هَكَذَا هَكَذَا يكونُ الجهادُ!!

стр. 299

ومنها (١) أن عز الدين صاحب الموصل اجتمع هو [وشاه أرمن] (٢) صاحب خلاط على قتال صلاح الدين؛ وسبب ذلك أن رسل عز الدين ترددت إلى شاه أرمن تستنجده وتستنصره على صلاح الدين، فأرسل شاه أرمن إلى صلاح الدين عدة رسل في الشفاعة بالكفِّ عن الموصل، وما يتعلق بعز الدين، فلم يجبه إلى ذلك، وغالطه، فأرسل إليه أخيراً مملوكا له، يقال له سيف الدين بكتمر الذى ملك خلاط بعده (٣)، فأتاه وهو يحاصر سنجار يطلب إليه أن يتركها ويرحل عنها، وقال له: إن رحل عنها وإلا فتهدده بقصده ومحاربته، فأبلغه بكتمر الشفاعة، فَسَوَّفَ في الإجابة رجاء أن يفتحها، فلما رأى بكتمر ذلك أبلغه الرسالة بالتهديد، وفارقه غضبان، ولم يقبل منه خلعة ولا صلة، وأخبر (٤) صاحبه الخبر، فسار إلى ماردين، وصاحبها قطب الدين بن ألبى، وهو ابن أخت شاه أرمن، وابن خال عز الدين وحموه، وحضر صحبة شاه أرمن دولة شاه صاحب بَدْليس (٥) وأرزن (٦)، وسار عز الدين من الموصل في عسكره جريدة من الأثقال. فلما سمع صلاح الدين باجتماعهم سير إلى ابن أخيه تقى الدين وهو بحماة يستدعيه، ورحل إلى رأس عين، فلما سمعوا برحيله تفرقوا، فعاد شاه أرمن إلى خلاط، واعتذر بأنه يجمع العساكر ويعود، وعاد عز الدين إلى الموصل، وأقام قطب الدين بماردين، وسار صلاح الدين فأقام تحت ماردين أياما (٧). وفيها ............... (٨) وفيها: حج بالناس من العراق طاشتكين (٩).

стр. 300

ذكر من توفى فيها من الأعيان أحمد بن محمد بن على أبو طالب الفقيه الحنفى المعروف بابن الكجلو (١)؛ من أهل المدائن. قال ابن النجار: كان يتولى الخطابة بها مدة، ثم قدم بغداد واستوطنها، وكان يسكن بمدرسة سعادة على شاطئ دجلة، وكان أديبا فاضلا له شعر حسن، وحدَّث عن أبى غالب محمد بن الحسن الماوردى بيسير، وتوفى يوم الخميس السبعة عشر خلت من ذى الحجة من هذه السنة، ومن أشعاره من قصيدة: لَهِيبُ فُؤادٍ حَرُّه ليس يَبْرُدُ … وذائِبُ دمْعٍ بالأسى ليس يَجْمُدُ وما كُلُّ مرتاحٍ إلى المجدِ ماجدٌ … ولا كُلُّ من يهوَى السيادَة سَيِّدُ وَمَنْ يزرع المَعْروفَ بَذْرًا فإنَّه … على قدْر ما قَدْ قَدَّمَ البذْرَ يحْصُدُ والكُجْلُو بضم الكاف وسكون الجيم وضم اللام وبعدها واو. القطب النيسابورى، واسمه مسعود بن محمد بن مسعود أبو المعالى الفقيه الشافعى (٢)، ولد سنة خمس وخمسمائة بنيسابور، وأبوه من طُرَيْثيث (٣)، وتفقه القطب بنيسابور، وسمع الحديث، ودرَّس [٢٢٥ ظ] بالنظامية "التى بنيسابور" (٤) نيابة عن [الجُوينى] (٥)، وقدم دمشق في سنة أربعين وخمسمائة، ووعظ بها، وما كان الوعظ من فنه، وحضر نور الدين مجلسه، ودرَّس بالمجاهدية (٦)، ثم بالزاوية الغربية في الجامع بعد وفاه نصر المقدسى (٧)، ثم سافر إلى حلب ودرس بالمدرستين اللتين لنور الدين وأسد الدين، ثم عاد إلى دمشق فحَّدث ودرَّس بها، فتوفى يوم عيد الفطر، وصلى عليه بجامع

стр. 301

دمشق، وكان "يومًا" (١) مشهودًا، ودفن بمقابر الصوفية عند المنيبع (٢)، وتزوج الفخر بن عساكر بنته، وذكره ابن عساكر وأثنى عليه، وقال (٣): إنه رأى أبا نصر بن القشيري والمشايخ. ممدود الذهبى البغدادى (٤)؛ كان مجاب الدعوة، أتهم بسرقة، وأتى به إلى باب النوبى، ومُد ليضرب، فرفع النقيب يده ليضربه، فيبست يده، فقال له حاجب الباب: مالك؟ فقال: قد يبست يدى، فرفعوه من الأرض، فعادت يده صحيحة، فمدوه، وعاد النقيب ليضربه، فيبست يده، فعلوا به ذلك ثلاث مرات، فلما كان في المرة الثالثة بكى حاجب الباب، وقام له وأجلسه إلى جانبه واعتذر له، وكتب إلى الخليفة فأخبره، فأمره أن يحسن إليه، وكانت وفاته في هذه السنة. أبو منصور هاشم بن المستضئ (٥)، أخو الإمام الناصر لدين الله؛ مات في هذه السنة، وكان شابا حسنا دينًا، وأشار ابن العطار بتوليته الخلافة، فلم يتم ذلك، فتوفى في شعبان، ودفن عند أبيه المستضئ. فخر الدولة بن الحسن بن هبة الله بن محمد بن على بن المطلب أبو المظفر؛ وكان أبوه أبو المعالى وزيرا، وأخوه أبو المكارم على أستاذ الدار، وكان فخر الدولة فاضلا سديد الرأى، كثير الصدقات دائم المعروف سخيا، ذا مروءة ظاهرة، وله ببغداد آثار جميلة منها؛ جامعهُ المعروف بفخر الدولة غربى بغداد، غرم عليه أموالاً عظيمة، ومنها رباطه شرقى بغداد عند عقد المصطنع عند دار الذهب، ووقف عليهما أوقافا كثيرة. وكانت وفاته في شوال، ودفن بجامعه غربى بغداد، وله شباك يشرف على دجلة (٦). وقال السبط (٧): قد رأيت هذا الجامع في سنة خمس وأربعين وخمسمائة، وقد استولت دجلة عليه، فأخربت بعضه والظاهر أنها تخرب الباقى.

стр. 302

ابن بَشْكُوال، أبو القاسم خلف بن عبد الملك بن مسعود بن موسى بن بشكوال (١) بن يوسف بن داحَة بن داكة بن نصر بن عبد الكريم بن وافد الخزرجى القرطبى؛ كان من علماء الأندلس، وله التصانيف المفيدة، منها "كتاب الصلة" الذى جعله ذيلا على "تاريخ علماء الأندلس" تصنيف القاضى أبى الوليد عبد الله المعروف بابن الفرضى (٢)، وقد جمع فيه خلقا كثيرا. وله تاريخ صغير في أحوال الأندلس، وما أقْصَر فيه، وكتاب "الغوامض والمبهمات" ذكر فيه من جاء ذكره في الحديث مبهماً وعينه، ونسج فيه على منوال الخطيب البغدادى في كتابه الذى وضعه على هذا الأسلوب، وجزء لطيف ذكر فيه من روى "الموطأ" عن مالك بن أنس ﵀ ورتب أسماءهم على حروف المعجم، فبلغت عدتهم ثلاثة (٣) وسبعين رجلاً، ومجلد لطيف سماه " [كتاب] (٤) المستغيثين بالله تعالى عند [المهمات] (٥) والحاجات"، وغير ذلك من المصنفات. وتوفى ليلة الأربعاء لثمانية خلون من شهر رمضان من هذه السنة [٢٢٦ و] بقرطبة، ودفن يوم الأربعاء بعد صلاة الظهر بمقبرة ابن عباس، بالقرب من قبر يحيى بن يحيى. وداحة: بفتح الدال المهملة وبعد الألف حاء مهملة أيضاً مفتوحة ثم هاء ساكنة. وداكة: مثلها إلا أن عوض الحاء كاف. وبشكوال: بفتح الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة وضم الكاف وبعد الواو ألف ولام. وتوفى والده أبو مروان عبد الملك بن مسعود صبيحة يوم الأحد، ودفن عشاء يوم الاثنين لأربعة بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائه، وعمره نحو ثمانين سنة.

стр. 303

الشيخ أحمد بن الرفاعى؛ هو أبو العباس أحمد بن أبى الحسن على بن أبى العباس أحمد المعروف بابن الرفاعى، كان رجلاً صالحا شافعى المذهب، وكان متواضعًا سليم الصدر، مجردًا من الدنيا، وما ادخر شيئاً قط. وقال ابن خلكان (١): أصله من العرب، وسكن في البطائح (٢)، بقرية يقال لها أم عبيدة، وتبعه خلق كثير من الفقراء، فتسموا بالرفاعية البطائحية، ولأتباعه أحوال عجيبة؛ من أكل الحيات وهى حية، والنزول إلى التنانير وهى تتضرم بالنار فيطفئونها. ويقال: إنهم في بلادهم يركبون الأسود وغير ذلك. ولم يكن له عقب وإنما العقب لأخيه، وأولاده يتوارثون المشيخة. وفى المرآة (٣): ويتسلق أحدهم في أطول (٤) النخل، ثم يلقى نفسه إلى الأرض ولا يتألم، ويجتمع عنده في كل سنة في المواسم خلق عظيم. حكى لي بعض أشياخنا قال: حضرت عنده ليلة نصف شعبان وعنده نحو من مائة ألف إنسان. وقال ابن خلكان (٥): ولهم مواسم يجتمع عندهم من الفقراء عالم لا يعد ولا يحصى، ويقومون بكفاية الكل. قلت: ولطائفتهم موسم عظيم في كل سنة يسمونه المحَيى، بموضع يقال له تريب، بين عينتاب والبيرة التى على الفرات، يجتمع هناك كل سنة أمم لا يحصون، وينضم إليهم من أهل تلك البلاد أناس كثيرون، فتقام هناك أسواق عظيمة فيها بيع وشراء، وينصبون الخيام والأخصاص ونحوها، فأخبرنى أناس أن طائفة منهم يأكلون الحيات وهى حية، ويأكلون جمرات النار، ويحمون الصفائح الحديد ويقعدون عليها، ويجعلون في أعناقهم أطواقًا من حديد محماة مثل النار، ونحو ذلك من الأشياء الخارقة للعادة، ويقيمون هناك سماعاً ورقصا بأنواع الشهيق والزفير والبعبعة، مع [تزيد] (٦) أفواههم، ونحو ذلك من الأشياء المنكرة المبتدعة.

стр. 304

وقال ابن خلكان (١): وكان للشيخ - مع ما كان "عليه" (٢) من الاشتغال بعبادته - شعر، فمنه: إذا جَنَّ ليلى هامَ قلبى بذكْرِكُمُ … أنُوح كما ناحَ الحمامُ المطَوّقُ وفَوْقى سحابٌ يمطر الهمَّ والأسَى … وتحتى بحارٌ [بالأسى] (٣) تتدفَّقُ سَلُوا أمَّ عمرو كيف بات أسيرُها … تُفَكُّ الأسارى دونَه وهو مُوثَقُ فَلَا هو مَقْتُولٌ فَفى القَتْل راحَهُ … ولا هُوَ ممنونٌ عليهِ فَيُطْلَقُ وفى المرآة (٤): وكان سبب وفاته أن عبد الغنى بن محمد بن نقطة (٥) الزاهد مضى إلى [٢٢٦ ظ] زيارته، فأنشده أبياتاً منها: إذا جن ليلى هام قلبى بذكركم، إلى آخر ماذكرناه، فبكى الشيخ ومرض، وكانت وفاته يوم الخميس ثانى عشر جمادى الأولى، وقد جاوز تسعين سنة (٦)، وكانت وفاته بأم عبيدة بفتح العين المهملة وكسر الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وبعد الدال المهملة المفتوحة هاء. والبطائح: بفتح الباء الموحدة، عدة قرى مجتمعة في وسط الماء بين واسط والبصرة، ولها شهرة بالعراق. والرِفاعى: بكسر الراء نسبة إلى رِفاعة (٧)، إما إلى أجداده، وإما إلى رفاعة اسم قبيلة. فافهم. الملك المنصور عز الدين فرخشاه بن شاهنشاه بن أيوب؛ صاحب بعلبك، ونائب السلطان صلاح الدين على دمشق، وهو عمه، ووالد الملك الأمجد (٨) بهرام شاه،

стр. 305

صاحب بعلبك أيضاً بعد أبيه، وإليه تنسب المدرسة الفرخشاهية (١) بالشرف (٢) الشمالى، وإلى جانبها التربة الأمجدية لولده، وهما للحنفية والشافعية، وقد كان فرخشاه شهماً شجاعا بطلا ذكيا فاضلا كريما ممدّحاً، امتدحه الشعراء لجوده وفضله وإحسانه، وكان من أكبر أصحاب الشيخ تاج الدين أبى اليمن الكندى، عرفه من مجلس القاضى الفاضل. ومن محاسنه صحبته لتاج الدين المذكور، وله فيه مدائح، ومن شعره قوله: أنا في أسْرِ السِّقَامِ … مِنْ هَوَى (٣) هذا الغلامِ رَشَأٌ ترشقُ عَيْنا … هُ فؤادى بسِهَامِ كُلَّمَا أَرْشَفنى فَا … هُ على حَرِّ الأوامِ ذُقْتُ منه الشَّهْدَ … في الثلْجِ المُصَفَّى بالمُدامِ وكان ابنه الأمجد شاعرا جيدا، وقد ولاه عم أبيه - صلاح الدين - بعلبك بعد موت أبيه، واستمر فيها مدة طويلة (٤). وفى المرآة (٥): وكان فرخشاه من الأفاضل الأماثل، كثير الصدقات متواضعًا سخيا جوادا مقداما متنصلا من المظالم، وكان شاعرا فصيحا. قال العماد: أنشدنى في قلعة دمشق، ونحن بين يدى صلاح الدين: إذَا شِئْتَ أن تُعطِى الأمُور حُقوقَها … وَتُوقِع حُكْمَ العَدْلِ أحْسَن موقِعهْ فَلَا تَصْنَع المعروفَ مَعَ غَيْر أهْلِه … فَظُلْمُك وضعُ الشئ في غيرِ مَوضِعهْ (٦) وقال في وصف دمشق:

стр. 306

دِمشقُ سقاكِ الله صوبَ غمامةٍ … فما غائِبٌ عنها لدىَّ رشيدُ عسى مُسْعِدًا لي أَنْ أبيتَ بأرضِها … ألَا إنَّنى لوصَحَّ لي لَسَعِيْدُ (١) وله أشعار كثيرة مدونة. وكانت وفاته بدمشق في جمادى الأولى من هذه السنة، ودفن بقبته على الميدان في الشرف الشمالى. [قال المؤلف (٢)]: انتجز توريق هذا الجزء على يد مُسَطِّره، ومؤلفه العبد الفقير إلى رحمة ربه الغنى أبى محمد محمود بن أحمد العينى يوم الاثنين الثامن من شهر رمضان عام إحدى وثلاثين وثمانمائة بالقاهرة المحروسة، بداره المجاورة لمدرسته البدرية بحارة كتامة، بالقرب من الجامع الأزهر، يتلوه الجزء الذى أوله: (فصل فيما وقع من الحوادث في السنة التاسعة والسبعين بعد الخمسمائة من الهجرة النبوية)، على يد أفقر عبيد الله وأحوجهم إلى عفوه ومغفرته محمد بن أحمد بن محمد الأخميمى الأنصارى الخزرجى الحنفى، عامله الله والمسلمون بلطفه الجَلىّ والخفىّ، في يوم الثلاثاء المبارك السابع والعشرين من شهر صفر الأغر، ختم بالنصر والظفر سنة ثمان وتسعين وثمانمائة، حامدا الله تعالى، ومصليا على رسوله ومسلم ومحمدلاً ومحسبلاً ومحوقلاً.

стр. 307

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ توطئة رأيت أن أكتب هذه التوطئة للسفر الثانى من مخطوط عقد الجمان الخاص بالعصر الأيوبى والذى يغطى الفترة التى تبدأ من عام ٥٧٩ هـ إلى عام ٥٨٩ هـ. ورؤيتى هذه راجعة إلى ما يلى: أولاً: إن غالبية المحققين قد اعتادوا على كتابة مقدمة ودراسة أحياناً في بداية الجزء الأول فقط، ثم يعرضون بقية الأجزاء تباعاً، دون أن يخط قلمهم بشيء يتصل بهذه الأجزاء إلا أننى رأيت أنه من الأوفق كتابة هذه التوطئة لأن نسخة المخطوط الرئيسة التى اعتمدت عليها في تحقيق الجزء الأول تنتهى عند سنة ٥٧٨ هـ، بينما النسخة الأخرى أي غير الرئيسة رقم ١٥٨٤ تاريخ تتناول السفر الثانى الذى يبدأ بسنة ٥٧٩ هـ وينتهى في سنة ٥٨٩ هـ/ ١١٨٣ م - ١١٩٣ م. ولذلك اعتبرتها هى النسخة الرئيسة. ثانياً: إن هذه الفترة لها من الأهمية ما ليس لغيرها نظراً لشهودها أحداثاً جساماً ومعالم يتميز بها تاريخ المسلمين، بسبب ما حدث فيها من صد هجمة شرسة استهدفت قلب العالم الإسلامى مستتره وراء شعار الصليب والصليب منها براء. ثالثاً: تميزت هذه الفترة بأخطر ما تعرض له العالم الإسلامى على المستويين الداخلى والخارجى، وإن كان الجانب الخارجى غير مقطوع الصلة بتداعيات الجانب الداخلى. فالجانب الداخلى اتسم بالضعف والتفكك في العالم الإسلامى نتيجة لوجود خلافتين عباسية في بغداد، وفاطمية في القاهرة، مما أشعل الصراع بينهما فكرياً وعسكرياً، فالخلافة العباسية كانت تعتنق المذهب السنى، والخلافة الفاطمية كانت تعتنق المذهب الشيعى الباطنى. وكما هو واضح كان البون بين الجانبين شاسعاً، إذ لم يقتصر الصراع على الجانب الفكرى بل تعداه إلى الجانب العسكرى والسياسى، مما أدى إلى إضعاف كلا الجانبين، وأصبح العالم الإسلامى بذلك مهيئاً لتلقى الكوارث التى جاءت من قبل جيوش أوربا الطامعة في الثروة واغتصاب الأرض وانتهاك العرض. رابعاً: بناء على ما تقدم نجد أن هذا السفر يتحدث عن البطل الذى كان العالم الإسلامى في انتظاره ليرأب الصدع الداخلى والخارجى في آن واحد خاصة أننا ألمحنا

стр. 308

إلى أن الجانبين غير مبتوتين عن بعضهما البعض، فكان صلاح الدين الأيوبى هو البطل الذى انفرد دون كثير من الأبطال بأنه كان ضرورة عصره إذ جاء في الوقت المناسب الذى يتطلبه العالم الإسلامى حينئذ. فأول هدف حققه هو رأب الصدع الفكرى بالقضاء على الخلافة الفاطمية، وبذلك أعاد للعالم الإسلامى وحدته الفكرية متمثلة في إعادة السيادة إلى المذهب السنى. كما تمثلت في إعادة الوحدة السياسية لشرق العالم الإسلامى بقضائه على الحكام الصغار للدويلات المنفصلة عن بعضها البعض، بل التى كان يناوئ بعضها البعض. وبتحقيق ذلك أصبح الجو مهيئاً لخوض معارك الجهاد ضد الغزاة الصليبيين، تلك المعارك التى انتهت بكسر شوكة الغزاة وبإعادة الهيبة والكرامة إلى المسلمين بفضل الجهاد الذى أوقف صلاح الدين حياته عليه، فلم يره الناس طوال حياته إلا راكباً سرج فرسه، وقد لبس ملابس الجندية، التى لم يخلعها إلا مرة واحدة قبيل وفاته في دمشق. والآن أترك للقارئ أن يرى ما سجله العينى المؤرخ في هذا السفر الذى بين أيدينا، وما به من أحداث عظام رواها المؤرخ عن شهود عيان لهذه الحقبة أو عن كتب ألفت في هذه الفترة، وسجل أحداثها، وبذلك يكون العينى أقرب إلى الصواب فيما سجله. ولا يفوتنى أن أتقدم بالشكر للزميلات الباحثات الفضليات بلجنة التاريخ بمركز تحقيق التراث اللاتى شاركن في إنجاز هذا العمل بكل إخلاص وتفان. وهن: د. لبيبة إبراهيم مصطفى محمد أ. نعمات عباس محمد أ. نفيسة محمد محمد صميدة أ. المرحومة / تماضر زكريا غنام والسيدة / إيزيس سامح زكى التى قامت بالنسخ وشاركت في الفهارس. والله من وراء القصد. المحقق دكتور/ محمود رزق محمود في ٨ ذو القعدة ١٤٢٤ هـ الموافق ١/ ١/ ٢٠٠٤ الهرم - الأريزونا

стр. 309

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [(١) فصل فيما وقع من الحوادث في السنة التاسعة والسبعين بعد الخمسمائة ] (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله العباسى، والسلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب في الشرق؛ لأجل فتح البلاد التى ليست تحت يده. ذكر فتوحات صلاح الدين ﵀ في هذه السنة منها فتح [آمد] (٢): قال ابن كثير (٣): في الرابع عشر من محرم هذه السنة، تسلم السلطان صلاح الدين مدينة آمد وحِصْنَها صلحاً بعد قتال وحصار شديد، من يد صاحبها [ابن نيسان] (٤)، بعد ما حمل ما أمكنه من حواصله وأمواله وأثقاله مدة ثلاثة أيام. ولما تسلم السلطان البلد وجد فيه شيئاً كثيراً من الحواصل وآلات الحرب والسلاح، حتى قيل إنه وجد برجاً مملوءاً بنصول النشاب، وبرجاً آخر فيه مائة ألف شمعة وأشياء يطول شرحها، ووجد فيها خزانة فيها ألف ألف مجلد، وأربعون ألف مجلد، فوهبها كلها للقاضى الفاضل، فانتخب منها حمل سبعين حماراً. ثم وهب السلطانُ البلد بما فيه لنور الدين محمد بن قرا أرسلان، وكان قد وعده بها، فقيل له: إن الحواصل لم تدخل في وعدك، فقال: لا نبخل بها عليه وقد صار من أصحابنا وأنصارنا، وكان في خزانتها ثلاثة آلاف ألف دينار (٥)، فامتدحه الشعراء على ذلك وعلى حسن صنيعه الجميل. ومن أحسن ما قاله بعضهم في ذلك من جملة قصيدة له في السلطان:

стр. 310

قل للملوك تنحوا عن ممالككم … فقد أتى آخذ الدنيا ومعطيها وفى المرآة (١): وفى يوم الأحد عاشر المحرم تسلم السلطان آمد ودخل إليها، وجلس في دار الإمارة ثم سلمها وأعمالها إلى نورالدين محمد بن قرا أرسلان، وكان قد وعده بها لما جاء إلى خدمته، ولما أخذها صلاح الدين خرج الرئيس محمود بن على، ومحمد بن كيكلدى منها بأموالهما وحريمهما إلى الموصل، وأعانهما صلاح الدين بدواب تنقل بعض قماشهما، فحملا ما خف حمله، وعجزا عن حمل كثير من الذخائر والأسلحة. وفى تاريخ المؤيد (٢): في العشر الأول من محرم هذه السنة، ملك صلاح الدين آمد بعد حصار وقتال، وسلمها إلى نور الدين محمد بن قرا أرسلان بن داود بن سقمان بن أرتق صاحب حصن كيفا. وفى تاريخ ابن العميد (٣): وفى سنة تسع وسبعين وخمسمائة سار السلطان الملك الناصر صلاح الدين من مصر إلى الرها ففتحها، ثم سار إلى الموصل فنازلها، واستشفع صاحبها عز الدين مسعود بن مودود من الخليفة الناصر لدين الله، فشفع فيه الخليفة، فرحل صلاح الدين عن الموصل، ونزل على سنجار [٣] فحاصرها، ثم تسلمها وأحسن إلى رعيتها، ثم توجه إلى حرزم (٤) فأخربها، ثم كتب إلى الخليفة يطلب منه آمد. فأجابه الخليفة وبعث إليه بتقليدها، فوصل إليه التقليد في ذى الحجة من هذه السنة. ثم سار السلطان إلى آمد فنازلها لثلاث بقين من ذى الحجة، وفتحها بالأمان في العشر الأول من محرم سنة ثمانين وخمسمائة، وسلمها إلى نور الدين بن قرا أرسلان صاحب حصن كيفا (٥). ومنها فتح عينتاب: ولما فرغ صلاح الدين من أمر آمد، سار وقطع الفرات قاصداً حلب، واجتاز في طريقه بعينتاب وبها ناصح (٦) الدين محمد بن خمارتكين، فنزل إليه وقام بالضيافة،

стр. 311

فأبقاها عليه. وجاءه ابن الساعاتى (١) الشاعر فأنشده هذه القصيدة: ما بعد لقياك للعافين من أمل … ملك الملوك وهذى دولة الدول (٢) من حاتم عندما كفَّاك واهبة … حتى غدا مثلاً ناهيك من مثل من يطلق الألف بعد الألف في طلق … كم بين طل الندى والوابل الهطل ذر الصوارم في أغمادها فلقد … جلوتها من برود الهام في حُلَل ما خفت، مذ كنت، غير الله من أحد … لذاك خافك حتى النوم في المقل فلو توخيت هدم السد معتزماً … لزال خوفاً وطوعاً أن تقول زل فانهض (٣) إلى حلب في كل سابغة … سروحها قلل تغنى عن القلل بكر المعاقل ما خطبها مكاثرة … بكل أصمى أصم الكعب معتدل فما سواك لها بعل وقد عطلت … فحلها وتلافيها من العطل ومنها: فليعلم القدس أي الفتح منتظر … حلوله وعلى الآفاق فليطل وافاك يوسف يا بيت الخليل فلا … تأيس وأمل فيه صادق الأمل وفى تاريخ المؤيد (٤): لما فتح صلاح الدين آمد، سار إلى الشام وقصد تل خالد، من أعمال حلب، وملكها، ثم سار إلى عينتاب وحصرها وبها [ناصرالدين] (٥) محمد، أخو الشيخ إسماعيل، الذى كان خازن نور الدين محمود بن زنكى وصاحبه، وكان قد تسلم عينتاب من نور الدين، فبقيت معه إلى الآن، فحاصرها السلطان ودخلها بتسليم صاحبها إليه، فأقره السلطان عليها، وبقى في خدمة السلطان، ومن جملة أمرائه، ثم سار السلطان إلى حلب.

стр. 312

ومنها فتح حلب: ولما فرغ السلطان من أمر عينتاب سار إلى حلب وحصرها، وبها صاحبها عماد الدين زنكى بن مودود [٤]. وقال ابن كثير (١): سار السلطان في بقية المحرم إلى مدينة حلب فنازلها وحاصرها، وقاتله أهلها قتالاً [شديداً] (٢)، وجرح أخو السلطان تاج الملوك بورى بن أيوب جرحاً بليغاً فمات منه بعد أيام، ثم اتفق الحال بين السلطان وبين صاحبها عماد الدين زنكى بن مودود بن زنكى بن آقسنقر على عوض أطلقه السلطان، وهو أن يرد عليه سنجار ويسلمه [حلب] (٣)، فخرج عماد الدين زنكى وجاء إلى خدمة السلطان وعزاه في أخيه ونزل عنده في المخيم، ونقل أثقاله إلى سنجار، وزاده السلطان [الخابور] (٤) والرقة ونصيبين وسروج (٥)، واشترط عليه إرسال العسكر في الخدمة للغزاة، وودعه السلطان. وكان أهل حلب ينادون على عماد الدين زنكى: "يا حمار بعت حلب بسنجار" (٦). وكان تسلم السلطان حلب في صفر، وصعد إلى قلعتها يوم الاثنين السابع والعشرين من صفر، وعمل له الأمير طمان (٧) وليمة عظيمة وكان يوماً مشهوداً، ثم أن السلطان ﵀ أسقط عن حلب وعن سائر بلاد الجزيرة المكوس والضرائب، وكذلك عن بلاد الشام ومصر، ثم أرسل إلى عساكره ليجتمعوا إليه؛ ليتصدى لقتال الفرنج الملاعين؛ لأنهم عاثوا في البلاد يميناً وشمالاً في غيبة السلطان واشتغاله ببلاد الجزيرة. وكان السلطان قد بشر بفتح بيت المقدس حين فتح حلب، وذلك أن الفقيه مجد الدين بن جهبل الشافعى (٨) رأي في تفسير أبى الحكم العربى عند قوله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ الآية (٩)، البشارة بفتح بيت المقدس في سنة ثلاث وثمانين

стр. 313

وخمسمائة، واستدل على ذلك بأشياء، فكتب في ورقة وأعطاها للفقيه عيسى الهكارى؛ ليبشر بها السلطان، فلم يتجاسر على ذلك؛ خوفاً من عدم المطابقة، فأعلم بذلك القاضى [محيى الدين بن الزكى] (١) فنظم معناها في قصيدة يقول فيها: وفتحكم حلب الشهباء في صَفَرٍ … قضى لكم بافتتاح القُدس في رَجَب وقدمها للسلطان فتشوقت همة السلطان إلى ذلك، فلما افتتحها كما سيأتى - إن شاء الله تعالى - أمر القاضى فخطب يومئذ وكان يوم الجمعة، ولما بلغه أن ابن جهبل هو الذى اطلع على ذلك أولاً، أمره أن يُدَرِّس فدَرَّس على الصخرة درساً عظيماً، وأجزل له العطاء وأحسن عليه الثناء (٢). وفى تاريخ بيبرس: وفى هذه السنة سار صلاح الدين من تل خالد إلى حلب، واستدعى إليها العساكر من جميع الجهات، فاجتمع عليها خلق عظيم وتحقق عماد الدين أنه ليس له به قبل، فأشار إلى حسام الدين طمان أن يسفِّر له مع صلاح الدين في إعادة بلاده إليه وتسليم حلب منه، فرفع الحديث، وتقررت القاعدة. ولم يشعر أحد من [٥] العسكر ولا من الرعية حتى تم الأمر واستعاض، فاستعلم العسكر من عماد الدين فأعلمهم وأذن لهم في تدبير أنفسهم، فأرسلوا عنهم وعن الرعية عز الدين جرديك، وزين الدين بلك، فاستحلفوا صلاح الدين على العسكر وعلى أهل البلد، وخرجت العساكر إلى خدمته بالميدان الأخضر فخلع عليهم، ونقل عماد الدين أقمشته وآلاته من القلعة، ثم نزل إلى السلطان، وسير معه في الميدان وأنزله عنده في الخيمة، وقدم له تقدمة سنية وخيلاً، وخلع على جماعة من أصحابه، وسار يومه إلى سنجار. وطلع صلاح الدين القلعة وتسلمها في صفر من هذه السنة (٣). ومدحه السعيد بن سناء الملك بقصيدة أولها (٤):

стр. 314

بدولة الترك عزت [ملة] (١) العرب … وبابن أيوب ذلت شيعة الصُلب [وافخر ففتحك] (٢) ذا فخر لمفتخر … ذخرُ لمدخر كسب لمكتسب بك العواصم طابت بعد ما خبثت … [بمالكيها] (٣) ولولا أنت لم تطب ومنها: وافى الفرات فألقى فيه ذا لُجب … [يظل] (٤) يهزأ من تياره اللجب إلى بلاد أجابت قبل أن دعيت … للخاطبين ولولا الخوف لم تُجب ثم استجابت فلا حصن بممتنعٍ … منها عليه ولا ملك بمحتجب ومنها: أتى إليها يقود البحر ملتطماً … [والبيض كالموج والبيضات كالحبب] (٥) ومنها: ولابن أيوب دانت كل مملكة … بالصفح والصلح أو بالحرب والحُرب ومنها: ففتحكم حلباً بالسيف في صفر … مبشر بفتوح القدس في رجب وكان هذا الفأل صادقاً، واتفق فتوح القدس في شهر رجب على ما سنذكره إن شاء الله تعالى. وقيل إن هذه القصيدة للقاضى محيى الدين ابن القاضى زكى الدين قاضى القضاة بدمشق (٦).

стр. 315

وفى المرآة (١): نازل صلاح الدين حلب في سادس عشر المحرم، ونزل بالميدان الأخضر، وباشر القتال بكرة وعشيا، وزحف يوماً أخوه تاج الملوك بورى فجاءه سهم في عينه فوقع مريضاً، فمات في الثالث والعشرين من صفر. ثم علم عماد الدين زنكى أنه لا طاقة له به، وقال لحسام الدين طُمان: أخرج إلى صلاح الدين وسله في الصلح. فخرج سراً ولم يعلم به أحد، فقرر الصلح وأن يرد عليه سنجار وأعمالها والخابور ونصيبين، وأنه يسلم إليه قلعة حلب، وعلم الناس، فأصبح، وخرجوا إلى صلاح الدين فخلع عليهم. وجعل أهل حلب تحت القلعة إجَّانة (٢). وثياباً وصابوناً، وصاحوا على عماد الدين [٦]: يا فاعل يا صانع انزل فاغسل الثياب مثل [المخانيث] (٣) ما يصلح لك غير هذا، وعملوا فيه الأشعار وغنوا بها في الأسواق: وبعتَ بسنجارَ خيرَ القلاع … ثَكَلْتُكَ من بائعٍ مشترِى (٤). فلما كان اليوم الثالث والعشرون (٥) من صفر توفى تاج الملوك أخو السلطان فحزن عليه حزناً عظيماً وجلس للعزاء وكان يبكى ويقول: "ما وفَّت حلب بشعرة من أخى"، وقيل إنه قال: "ما غلت حلب ببورى". والأول أليق بالسلطان؛ لأنه ما كان في البيت مثل بورى. وسار عماد الدين إلى سنجار وأقام السلطان بالمخيم غير مكترث بحلب؛ لما جرى عليه من وفاة أخيه، ثم صعد القلعة سلخ صفر فأنشده القاضى زكى الدين محمد ابن على القرشى قاضى قضاة دمشق أبياتاً منها: [وفتحكم] (٦) حلبًا بالسيف في صفر … مبشر بفتوح القدس في رجب فعجب الناس من رمية من غير رام، فكان كما قال ولكن بعد أربع سنين. وهو الذى خطب بالقدس لما فتحه السلطان. وولى السلطان القضاء بحلب محيى الدين بن زكى الدين، والقلعة سيف الدين أركس، والديوان ناصح الدين إسماعيل بن العميد، وأعطى

стр. 316

تل باشر وتل خالد لبدر الدين دُلدُرُمْ بن بهاء الدين بن ياروق (١)، وأعطى قلعة أعزاز لعلم الدين سليمان بن [جَنْدَر] (٢)، ثم رحل عن حلب يوم السبت الثانى والعشرين من ربيع الآخر، ودخل دمشق ثالث جمادى الأولى (٣). وفى تاريخ المؤيد (٤): لما استقر الصلح بين صلاح الدين وعماد الدين عمل عماد الدين دعوة للسلطان واحتفل، فبينما هم في سرورهم إذ جاء إنسان فَأَسَرَّ إلى السلطان بموت أخيه بورى فوجد عليه في قلبه وجداً عظيماً وأمر بتجهيزه [سراً] (٥). ولم يعلم السلطان في ذلك الوقت أحداً ممن كان في الدعوة بذلك لئلا يتنكد عليهم ما هم فيه، وكان يقول: "ما وقعت علينا حلب رخيصة بموت بورى". وكان هذا من السلطان من الصبر العظيم (٦). ومنها فتح حارم: ولما ملك السلطان حلب أرسل إلى حارم وبها سُرْخك الذى ولاه الملك الصالح بن نور الدين محمود في تسليم حارم، وجرت بينهما مراسلات فلم ينتظم بينهما حال، وكاتب سُرْخك الفرنج، فوثب عليه أهل القلعة وقبضوا عليه، وسلموا حارم إلى السلطان فتسلمها. وفى تاريخ بيبرس: وكان السلطان قد أنفذ إلى حازم من يتسلمها، فدافع الوالى الذى بها، فسار بنفسه إليها فتسلمها وعاد إلى حلب. (٧)

стр. 317

ذكر مسير السلطان صلاح الدين إلى دمشق ولما أخذ السلطان حارم وعاد إلى حلب، رتب فيها ولده الظاهر غازى ومعه الأمير سيف الدين يزكج (١)، ثم رحل عنها وسار نحو دمشق. وقال ابن كثير (٢): رحل السلطان من حلب [٧] في أواخر ربيع الآخر بجيوشه وعساكره، وقد جعل فيها ولده الملك الظاهر غازى، وولى قضاءها لمحيى الدين بن الزكى، فاستناب له فيها نائباً (٣)، ورجع هو مع السلطان في خدمته، فاجتاز بحماة ثم بحمص ثم على بعلبك، ثم دخل دمشق في ثالث جمادى الأولى في أبهة عظيمة، [وفي] (٤) نيته الخروج سريعًا إلى قتال الإفرنج. ذكر ما فعل السلطان صلاح الدين بعد دخوله دمشق ولما دخل السلطان دمشق في التاريخ المذكور وأقام أياماً برز منها في أول جمادى الآخرة في جحافل قاصداً نحو القدس الشريف، فانتهى إلى بَيْسان (٥) فنهبها وخربها وشن الإغارات على تلك النواحى، ثم سار ونزل على عين جالوت (٦) وأرسل بين يديه سرية هائلة، فيها الأمير جرديك النورى في طائفة من النورية، وجاولى مملوك عمه أسد الدين شيركوه، فوجدوا جيش الكرك من الفرنج قاصدين إلى أصحابهم نجدة لهم، [فالتقوا] (٧) معهم، فقتلوا من الإفرنج خلق كثيرًا وأسروا مائة أسير ولم يفقد من المسلمين سوى شخص واحد، ثم عادوا في آخر ذلك اليوم. (٨) وبلغ السلطان أن الإفرنج قد اجتمعوا لقتاله وتصدى لهم [فنكصوا (٩)] عنه، فقتل منهم خلقاً كثيراً، وجرح (١٠) مثلهم، فرجعوا ناكصين على أعقابهم خائفين منه غاية المخافة.

стр. 318

وفى تاريخ بيبرس: لما خرج السلطان من دمشق عبر نهر الأردن ورأى أهل تلك النواحى قد فارقوها خوفاً، فقصد بيسان فأخربها وأغار على ما هناك، فاجتمع الفرنج وجاءوا إلى قبالته فلما رأوا كثرة من معه من العسكر لم يقدموا عليه، فأقام عليهم وأحاطت بهم عساكره ترميهم بالسهام وتناوشهم القتال فلم يخرجوا، وأغار المسلمون على تلك الأعمال وتالوا منها ما لم يكونوا يطمعون فيه من الغنائم والنهب وعادوا، فأعطاهم دستوراً ليستريحوا، ودخل دمشق فأقام بها إلى شهر رجب من هذه السنة (١). وفى المرآة (٢): لما وصل السلطان إلى بيسان هرب أهلها، فقدم بين يديه جرديك النورى وجاولى الأسدى وجماعة من النورية، فجاءوا إلى عين جالوت والفرنج على الفولة (٣) وصادفوا على عين جالوت طائفة من الإفرنج، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة وأسروا مائة فارس. ورحل السلطان إلى الفولة يطلب المصاف، فتحصن الفرنج بالداخل (٤) ولم يخرج منهم أحد، فرحل السلطان إلى الطور (٥) لعله أن يخرج منهم أحد، فلما كان في الليل ساروا طالبين عكا، ورحل السلطان خلفهم يقاتل الساقة (٦)، فقتل منهم جماعة، فدخلوا عكا وعاد السلطان على صعب (٧) فنهب وأحرق وعاد إلى دمشق. ذكر مسير السلطان إلى الكرك وفى رجب من هذه السنة، سار السلطان إلى الكرك فحاصرها، وفى صحبته تقى الدين عمر ابن أخيه، وقد كتب إلى أخيه الملك العادل أبى بكر [٨] ليحضر إليه؛ ليوليه حلب وأعمالها وفق ما كان طلبه منه، فحضر العادل إليه: واستمر الحصار على كرك مدة شهر رجب فلم يظفر منها بطلب، وبلغه أن الإفرنج كلهم اجتمعوا؛ ليمنعوا منه

стр. 319

الكرك، فكر راجعاً إلى دمشق في منتصف شعبان، وسار معه أخوه العادل، وأرسل ابن أخيه الملك المظفر تقى الدين عمر إلى مصر، نائباً عنه، وفى صحبته القاضى الفاضل. ووصل السلطان إلى دمشق وبعث أخاه العادل على مملكة حلب وأعمالها، واستقدم ولده الملك الظاهر إليه وكذلك نوابه ومن يعز عليه. وإنما أعطى السلطان صلاح الدين أخاه العادل حلب؛ ليكون قريبًا منه فإنه كان لا يقطع أمراً دون مشورته، واقترض (١) السلطان صلاح الدين من أخيه العادل مائة ألف دينار، وتألم الظاهر على مفارقة حلب، وكانت إقامته في حلب ستة أشهر، ولكنه لا يظهر ما في نفسه، ولكن يظهر ذلك على صفحات وجهه وفلتات لسانه. (٢) وفى تاريخ بيبرس: لما توجه صلاح الدين إلى الكرك استدعى أخاه العادل أبا بكر من مصر، وكان قد أرسل إليه يطلب منه مدينة حلب وقلعتها فأجابه إلى ذلك وأمره أن يخرج معه بأهله وماله، فوافاه إلى الكرك في العسكر المصرى، فكثر جمعه وحصر الحصن من الربض (٣) ونصب عليه المجانيق، ثم رحل عنه وعاد إلى دمشق واستصحب أخاه العادل معه، وسير ابن أخيه تقى الدين إلى مصر نائباً عنه، وأعطى أخاه العادل حلب وقلعتها وأعمالها ومنبج وأعمالها وسيره إليها، وأحضر ولده الظاهر منها إلى دمشق. ذكر بقية الحوادث منها: أن عز الدين مسعود صاحب الموصل قبض على نائبه مجاهد الدين قايماز وكان إليه الحكم في جميع البلاد، وكان الذى أشار عليه بذلك عز الدين محمود وشرف الدين [أحمد] (٤) بن أبى الخير وهما من أكابر أمرائه لهوى أنفسهما، ولما أراد القبض عليه لم يقدم على ذلك لقوة مجاهد الدين، فأظهر أنه مريض وانقطع عن الركوب عدة

стр. 320

أيام فدخل إليه مجاهد الدين وحده، وكان لا يُمنع في الدخول عليه ولا على النساء، فلما دخل عليه قبض عليه وركب لوقته إلى القلعة واحتوى على الأموال التى لمجاهد الدين وخزائنه، وولى عز الدين محمود القلعة وجعل ابن صاحب العراق أمير حاجب، وكان تحت مجاهد الدين إربل وأعمالها، ومعه فيها يوسف بن زين الدين على، وهو صبى صغير ليس له من الحكم شيء، والحكم والعسكر إلى مجاهد الدين، وتحت حكمه أيضاً جزيرة ابن عمر، وهى لمعز الدين سنجر شاه بن غازى بن مودود، صبى صغير، وبيده أيضاً شهرزور [٩] وأعمالها وبها نوابه، ودقوقا (١) وبها نائبه، وقلعة عقر الحميدية (٢) ونائبه فيها، ولم يكن بقى لعز الدين صاحب الموصل بعد أن أخذ صلاح الدين البلاد الجزرية سوى الموصل، وكانت قلعتها بيد مجاهد الذين وهو على الحقيقة الملك، فلما قبض عليه عز الدين امتنع صاحب إربل والجزيرة من طاعته، وأرسل الخليفة (٣) إلى دقوقا من حاصرها وأخذها، ولم يحصل لعز الدين مسعود مما كان بيد المجاهد قايماز غير شهرزور، وصارت إربل وجزيرة ابن عمر أضر شيء على صاحب الموصل، وأرسل صاحبها إلى صلاح الدين بالطاعة له والكون في خدمته. وكان الخليفة الناصر لدين الله قد سير صدر الدين شيخ الشيوخ (٤) ومعه بشير الخادم إلى صلاح الدين في الصلح مع عز الدين صاحب الموصل، فأجاب صلاح الدين إلى الصلح على أن تكون إربل والجزيرة معه، وتقرر الصلح. وإنما قوى طمع صلاح الدين في الموصل، لقبض صاحبها على مجاهد الدين، فلما تبين لعز الدين مسعود الضرر الذى ترتب على إمساك المجاهد قايماز، أمسك الذين أشاروا عليه باعتقاله، وأفرج عنه من الاعتقال، ثم رحل صلاح الدين عن الموصل (٥)، ونازل سنجار على ما ذكرناه عن قريب. (٦)
следующие страницы →