← История

История · id 380

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [565 - 628 هـ]

بدر الدين العيني

Полный текст (1 226 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

تل باشر وتل خالد لبدر الدين دُلدُرُمْ بن بهاء الدين بن ياروق (١)، وأعطى قلعة أعزاز لعلم الدين سليمان بن [جَنْدَر] (٢)، ثم رحل عن حلب يوم السبت الثانى والعشرين من ربيع الآخر، ودخل دمشق ثالث جمادى الأولى (٣). وفى تاريخ المؤيد (٤): لما استقر الصلح بين صلاح الدين وعماد الدين عمل عماد الدين دعوة للسلطان واحتفل، فبينما هم في سرورهم إذ جاء إنسان فَأَسَرَّ إلى السلطان بموت أخيه بورى فوجد عليه في قلبه وجداً عظيماً وأمر بتجهيزه [سراً] (٥). ولم يعلم السلطان في ذلك الوقت أحداً ممن كان في الدعوة بذلك لئلا يتنكد عليهم ما هم فيه، وكان يقول: "ما وقعت علينا حلب رخيصة بموت بورى". وكان هذا من السلطان من الصبر العظيم (٦). ومنها فتح حارم: ولما ملك السلطان حلب أرسل إلى حارم وبها سُرْخك الذى ولاه الملك الصالح بن نور الدين محمود في تسليم حارم، وجرت بينهما مراسلات فلم ينتظم بينهما حال، وكاتب سُرْخك الفرنج، فوثب عليه أهل القلعة وقبضوا عليه، وسلموا حارم إلى السلطان فتسلمها. وفى تاريخ بيبرس: وكان السلطان قد أنفذ إلى حازم من يتسلمها، فدافع الوالى الذى بها، فسار بنفسه إليها فتسلمها وعاد إلى حلب. (٧)

стр. 317

ذكر مسير السلطان صلاح الدين إلى دمشق ولما أخذ السلطان حارم وعاد إلى حلب، رتب فيها ولده الظاهر غازى ومعه الأمير سيف الدين يزكج (١)، ثم رحل عنها وسار نحو دمشق. وقال ابن كثير (٢): رحل السلطان من حلب [٧] في أواخر ربيع الآخر بجيوشه وعساكره، وقد جعل فيها ولده الملك الظاهر غازى، وولى قضاءها لمحيى الدين بن الزكى، فاستناب له فيها نائباً (٣)، ورجع هو مع السلطان في خدمته، فاجتاز بحماة ثم بحمص ثم على بعلبك، ثم دخل دمشق في ثالث جمادى الأولى في أبهة عظيمة، [وفي] (٤) نيته الخروج سريعًا إلى قتال الإفرنج. ذكر ما فعل السلطان صلاح الدين بعد دخوله دمشق ولما دخل السلطان دمشق في التاريخ المذكور وأقام أياماً برز منها في أول جمادى الآخرة في جحافل قاصداً نحو القدس الشريف، فانتهى إلى بَيْسان (٥) فنهبها وخربها وشن الإغارات على تلك النواحى، ثم سار ونزل على عين جالوت (٦) وأرسل بين يديه سرية هائلة، فيها الأمير جرديك النورى في طائفة من النورية، وجاولى مملوك عمه أسد الدين شيركوه، فوجدوا جيش الكرك من الفرنج قاصدين إلى أصحابهم نجدة لهم، [فالتقوا] (٧) معهم، فقتلوا من الإفرنج خلق كثيرًا وأسروا مائة أسير ولم يفقد من المسلمين سوى شخص واحد، ثم عادوا في آخر ذلك اليوم. (٨) وبلغ السلطان أن الإفرنج قد اجتمعوا لقتاله وتصدى لهم [فنكصوا (٩)] عنه، فقتل منهم خلقاً كثيراً، وجرح (١٠) مثلهم، فرجعوا ناكصين على أعقابهم خائفين منه غاية المخافة.

стр. 318

وفى تاريخ بيبرس: لما خرج السلطان من دمشق عبر نهر الأردن ورأى أهل تلك النواحى قد فارقوها خوفاً، فقصد بيسان فأخربها وأغار على ما هناك، فاجتمع الفرنج وجاءوا إلى قبالته فلما رأوا كثرة من معه من العسكر لم يقدموا عليه، فأقام عليهم وأحاطت بهم عساكره ترميهم بالسهام وتناوشهم القتال فلم يخرجوا، وأغار المسلمون على تلك الأعمال وتالوا منها ما لم يكونوا يطمعون فيه من الغنائم والنهب وعادوا، فأعطاهم دستوراً ليستريحوا، ودخل دمشق فأقام بها إلى شهر رجب من هذه السنة (١). وفى المرآة (٢): لما وصل السلطان إلى بيسان هرب أهلها، فقدم بين يديه جرديك النورى وجاولى الأسدى وجماعة من النورية، فجاءوا إلى عين جالوت والفرنج على الفولة (٣) وصادفوا على عين جالوت طائفة من الإفرنج، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة وأسروا مائة فارس. ورحل السلطان إلى الفولة يطلب المصاف، فتحصن الفرنج بالداخل (٤) ولم يخرج منهم أحد، فرحل السلطان إلى الطور (٥) لعله أن يخرج منهم أحد، فلما كان في الليل ساروا طالبين عكا، ورحل السلطان خلفهم يقاتل الساقة (٦)، فقتل منهم جماعة، فدخلوا عكا وعاد السلطان على صعب (٧) فنهب وأحرق وعاد إلى دمشق. ذكر مسير السلطان إلى الكرك وفى رجب من هذه السنة، سار السلطان إلى الكرك فحاصرها، وفى صحبته تقى الدين عمر ابن أخيه، وقد كتب إلى أخيه الملك العادل أبى بكر [٨] ليحضر إليه؛ ليوليه حلب وأعمالها وفق ما كان طلبه منه، فحضر العادل إليه: واستمر الحصار على كرك مدة شهر رجب فلم يظفر منها بطلب، وبلغه أن الإفرنج كلهم اجتمعوا؛ ليمنعوا منه

стр. 319

الكرك، فكر راجعاً إلى دمشق في منتصف شعبان، وسار معه أخوه العادل، وأرسل ابن أخيه الملك المظفر تقى الدين عمر إلى مصر، نائباً عنه، وفى صحبته القاضى الفاضل. ووصل السلطان إلى دمشق وبعث أخاه العادل على مملكة حلب وأعمالها، واستقدم ولده الملك الظاهر إليه وكذلك نوابه ومن يعز عليه. وإنما أعطى السلطان صلاح الدين أخاه العادل حلب؛ ليكون قريبًا منه فإنه كان لا يقطع أمراً دون مشورته، واقترض (١) السلطان صلاح الدين من أخيه العادل مائة ألف دينار، وتألم الظاهر على مفارقة حلب، وكانت إقامته في حلب ستة أشهر، ولكنه لا يظهر ما في نفسه، ولكن يظهر ذلك على صفحات وجهه وفلتات لسانه. (٢) وفى تاريخ بيبرس: لما توجه صلاح الدين إلى الكرك استدعى أخاه العادل أبا بكر من مصر، وكان قد أرسل إليه يطلب منه مدينة حلب وقلعتها فأجابه إلى ذلك وأمره أن يخرج معه بأهله وماله، فوافاه إلى الكرك في العسكر المصرى، فكثر جمعه وحصر الحصن من الربض (٣) ونصب عليه المجانيق، ثم رحل عنه وعاد إلى دمشق واستصحب أخاه العادل معه، وسير ابن أخيه تقى الدين إلى مصر نائباً عنه، وأعطى أخاه العادل حلب وقلعتها وأعمالها ومنبج وأعمالها وسيره إليها، وأحضر ولده الظاهر منها إلى دمشق. ذكر بقية الحوادث منها: أن عز الدين مسعود صاحب الموصل قبض على نائبه مجاهد الدين قايماز وكان إليه الحكم في جميع البلاد، وكان الذى أشار عليه بذلك عز الدين محمود وشرف الدين [أحمد] (٤) بن أبى الخير وهما من أكابر أمرائه لهوى أنفسهما، ولما أراد القبض عليه لم يقدم على ذلك لقوة مجاهد الدين، فأظهر أنه مريض وانقطع عن الركوب عدة

стр. 320

أيام فدخل إليه مجاهد الدين وحده، وكان لا يُمنع في الدخول عليه ولا على النساء، فلما دخل عليه قبض عليه وركب لوقته إلى القلعة واحتوى على الأموال التى لمجاهد الدين وخزائنه، وولى عز الدين محمود القلعة وجعل ابن صاحب العراق أمير حاجب، وكان تحت مجاهد الدين إربل وأعمالها، ومعه فيها يوسف بن زين الدين على، وهو صبى صغير ليس له من الحكم شيء، والحكم والعسكر إلى مجاهد الدين، وتحت حكمه أيضاً جزيرة ابن عمر، وهى لمعز الدين سنجر شاه بن غازى بن مودود، صبى صغير، وبيده أيضاً شهرزور [٩] وأعمالها وبها نوابه، ودقوقا (١) وبها نائبه، وقلعة عقر الحميدية (٢) ونائبه فيها، ولم يكن بقى لعز الدين صاحب الموصل بعد أن أخذ صلاح الدين البلاد الجزرية سوى الموصل، وكانت قلعتها بيد مجاهد الذين وهو على الحقيقة الملك، فلما قبض عليه عز الدين امتنع صاحب إربل والجزيرة من طاعته، وأرسل الخليفة (٣) إلى دقوقا من حاصرها وأخذها، ولم يحصل لعز الدين مسعود مما كان بيد المجاهد قايماز غير شهرزور، وصارت إربل وجزيرة ابن عمر أضر شيء على صاحب الموصل، وأرسل صاحبها إلى صلاح الدين بالطاعة له والكون في خدمته. وكان الخليفة الناصر لدين الله قد سير صدر الدين شيخ الشيوخ (٤) ومعه بشير الخادم إلى صلاح الدين في الصلح مع عز الدين صاحب الموصل، فأجاب صلاح الدين إلى الصلح على أن تكون إربل والجزيرة معه، وتقرر الصلح. وإنما قوى طمع صلاح الدين في الموصل، لقبض صاحبها على مجاهد الدين، فلما تبين لعز الدين مسعود الضرر الذى ترتب على إمساك المجاهد قايماز، أمسك الذين أشاروا عليه باعتقاله، وأفرج عنه من الاعتقال، ثم رحل صلاح الدين عن الموصل (٥)، ونازل سنجار على ما ذكرناه عن قريب. (٦)

стр. 321

ومنها: أنه سار أسطول من مصر في البحر، فلقوا بطسه فيها نحو من ثلاثمائة من الفرنج نجدة لفرنج الساحل، فقاتلوهم، فظفر بهم المسلمون وأخذوهم أسرى، فقتلوا بعضهم، وأبقوا بعضهم أسرى، وغنموا ما معهم وعادوا إلى مصر سالمين. ومنها: أنه سارت جماعة كبيرة من الفرنج من نواحى الداروم (١) إلى نواحى مصر، ليغيروا وينهبوا، فسمع بهم المسلمون فخرجوا إليهم على طريق صدر (٢) وأيلة، فانتزح الفرنج من بين أيديهم على ماء يقال له العُسيلة (٣) وسبقوا المسلمين إليه، فأتاهم المسلمون وهم عطاش قد أشرفوا على الهلاك، فرأوا الفرنج قد ملكوا الماء، فأنشأ الله سحابة عظيمة بلطفه فمطروا منها حتى رَوُوا - وكان الزمان قيظًا والحر شديداً - وقاتلوا الفرنج فنصرهم الله عليهم، فقتلوهم ولم يسلم منهم إلا الشريد، وغنم المسلمون ما معهم من سلاح ودواب وعادوا منصورين قاهرين بفضل الله ورحمته. (٤) ومنها: أن الخليفة أمر في ذى الحجة أن لا يستخدم في الديوان يهودى ولا نصرانى، ولا يستعمل بهم في عمل من الأعمال، فأنهى إليه أن ابن رُطينا ليس له نظير في الكتابة، فكتب على المطالعة "مات ابن رطينا إيش نعمل نبطل الديوان" فأسلم ابن رطينا يومئذ. (٥) وفيها [١٠] حج بالناس ............................................... (٦) ذكر من توفى فيها من الأعيان الأبله الشاعر (٧): أبو عبد الله محمد بن بختيار بن عبد الله، المولّد، المعروف بالأبله البغدادى، الشاعر المشهور، أحد المتأخرين المجيدين، جمع في شعره بين الصناعة والرقة، وله ديوان شعر بأيدى الناس كثير الوجود، ومن شعره:

стр. 322

زار من أحيا بزَرْتَه … والدجي في لون طرته قمرُ يَثْنى معانقُهُ … بانة في ثني بُرْدِته بتُّ استجلى المُدام علَى … غِرّة الواشي وغُرَّته يا لها من زَوْرةٍ قصُرت … فأماتت طول جَفْوَتِه حين حلت عقد مصطبري … عقدت من سحر مقلته آه من خصرٍ له وعلى … خصرٍ (١) من برْد ريقته يا له في الحسن من صنم … كلُّنا في جاهليَّته (٢) وفي المرآة (٣): وكأن الأبله يصحب حاجب الباب ابن الدوامي ويمدحه، خرج معه بستان بباب محول (٤)، وكانت ليلة مقمرة فأخذ ينشد لابن الدوامي قصائد منها: زار من أحيي إلى آخره. فلما أنهاها قال له ابن الدوامي: يا حجة العرب هذه القصيدة لك. فقال: نعم. فصاح صائح من داخل البستان: يكذب ما هي له. فخاف ابن الدوامي وغلمانه وقاموا إلى الباب وهو مغلق فطافوا البستان فلم يروا أحدًا فعادوا وجلسوا، فقال له ابن الدوامي: أنشدنا أخرى، فأنشده، فقال: هذه لك؟ قال: نعم. فصاح ذلك الصوت بعينه: يكذب ما هي له. فقاموا وفتشوا فلم يجدوا (٥) أحدًا. فقال: أنشدنا أخرى، فأنشده ثالثة، فقال: هذه لك؟ قال: نعم. فصاح ذلك الصوت بعينه: يكذب ما هي له. فقال الأبله: خبره ما هي لي، فلمن هي؟ فقال: لي. قال: ومن أنت؟ قال: شيطانك الذي أعلمك قول الشعر. فقال له: صدقت، والله يحفظك علىَّ ولا يفرق بيني وبينك. قال: ابن الرومي الشاعر (٦): مرض الأبله، فدخلت عليه أعوده، فقال: ما بقيت أقدر أنظم شيئًا. قال: فقلت فما سببه؟ قال: إن تابعي قد مات. وتوفي بعد ذلك في جمادى الآخرة وترك ثلاثة آلاف دينار.

стр. 323

قال السبط (١): والدليل على صحة هذه الحكاية قول الشاعر: إني وكل شاعر من البشر … شيطانه أنثى وشيطاني ذَكْر ومن أبياته السائرة قوله: لا يَعرف الشوق إلا من يكابده … ولا الصبابة إلا من يعانيها (٢). وفي تاريخ ابن كثير (٣): وكانت [وفاته] (٤) في سنة تسع وسبعين وخمسمائة ببغداد، ودفن بباب أبرز محاذى التاجية، وقيل في سنة ثمانين وخمسمائة. وكان له ميل إلى بعض أبناء البغاددة، فعبر على بابه [فوجد (٥)] خلوة، فكتب على الباب: قال العماد الكاتب [١١] أنشدينها: دارك يا بدر الدجى جنة … بغيرها نفسي ما تلهو وقد روُيْ في خبرٍ أَنُّه … أكثر أهل الجنة البُلْهُ وإنما قيل له أبله؛ لأنه كان فيه طرف بَلهٍ، وقيل لأنه كان في غاية الذكاء، وهو من أسماء الأضداد. كما قيل للأسود: كافور. (٦) وكان يتزيا بزى الجند. الأمير شاهرمن: اسمه سقمان بن ظهير الدين بن إبراهيم بن سقمان القطبي، صاحب [خلاط] (٧)، توفي في هذه السنة (٨) وعمره أربع وستون سنة، وكان ملكه لها في سنة إحدى وعشرين وخمسمائة. وكان بكتمر (٩) مملوك أبيه بميافارقين لما مات شاهرمن، فلما سمع بموته سار من ميافارقين ووصل إلى خلاط، وكان أكثر أهلها

стр. 324

يريدونه، وكانت مماليك شاهر من متفقين معه، فأول وصوله استولى على خلاط وملكها، وجلس على كرسي شاهر من، واستقر في ملكه حتى قتل في سنة تسع وثمانين وخمسمائة كما سنذكره إن شاء الله (١) تعالى. تاج الملوك بوري بن أيوب، أخو السلطان صلاح الدين يوسف أيوب، وكنيته أبو سعيد، ولد في ذي الحجة سنة ست وخمسين وخمسمائة، وكان الله تعالى قد جمع فيه مكارم الأخلاق، ولطف طباع، وكرمًا وشجاعة، وفضلًا وفصاحة. وكان أديبًا شاعرًا مترسلًا. وله ديوان شعر ذكره العماد في الخريدة وأثنى عليه وأنشد مقطعات من شعره. منها: في شهر رمضان: رمضان بل مرضان إلا أنهم … غلطوا إذن في قولهم وأساؤا مرضان فيه تخالف فنهاره … سيل (٢) وأما ليله استسقاء وقال: شربت من الفراتْ ونيل مصر … أحب إلىَّ من شط الفرات ولي في مصر من أصبو إليه … ومن في قربه أبدًا حياتي فقلت وقد ذكرت زمان وصلٍ … تمادي بعده روح الحياةِ أرى ما أشتهيه يَفِرُّ منى … ومَنْ لا أشتهيه إلىَّ يأتي وقال وقد بالغ: يا غزالاً يميت طورًا ويحيى … وهو برء السقام سقم الصحيح هذه المعجزات ليست لظبي … إنما هذه فعال المسيح (٣) وقال ابن خلكان (٤): وكان بوري أصغر أولاد أبيه، كانت فيه فضيلة، وله ديوان شعر، فيه الغث والسمين، لكنه بالنسبة إلى مثله جيد.

стр. 325

وله في أحد مماليكه وقد أقبل من جهة الغرب راكبًا فرسًا أشهب:- أقبَلَ منْ أعشقهُ راكبًا … من [جهة (١)] الغرب على أشهبِ فقلتُ سبحانَك يا ذا العُلى … أشرقَتِ الشمسُ من المغربِ [١٢] وله: يا حياتي حين تَرْضي … ومَماتيِ حين تسْخَطْ آهِ من ورد على [خدَّ … يك (٢)] بالمِسْكِ مُنَقّط بين أجفانك سُلْطا … ن على ضَعْفي مُسَلّط قد تصبرت وإن بَرّ … حَ بي الشوق وأَفْرط فلعل الدهْرَ يَوْمًا … بالتلاقي منكَ يَغْلَط وله أشياء حسنة، وتوفي يوم الخميس الثالث والعشرين من صفر من هذه السنة على مدينة حلب، من جراحة أصابته، لما حاصرها أخوه السلطان صلاح الدين يوسف كما ذكرناه، وعمره ثلاث وعشرون سنة. بُوري بضم الباء الموحدة، وسكون الواو، وكسر الراء وفي آخره ياء ساكنة، وهو اسم للذئب بلغة الترك. (٣) *

стр. 326

فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الثمانين بعد الخمسمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله، وأصحاب البلاد على حالهم غير أن صاحب ماردين وصاحب الغرب ماتا في هذه السنة. ذكر وفاة صاحب ماردين وهو قطب الدين إيلغازي (١) بن نجم الدين ألبي بن تمرتاش بن إيلغازي بن أرتق صاحب ماردين، وكان ملكًا جوادًا شجاعًا عادلًا منصفًا عاقلًا، توفي في جمادى الآخرة من هذه السنة. وكان (٢) والده ألبي قد ملك في سنة سبع وأربعين وخمسمائة وبقي في ملك ماردين إلى مدة لم نقف على انتهائها، وملك بعده ابنه إيلغازي المذكور، واستمر فيها إلى أن مات في هذه السنة، وخلف أولادًا أطفالًا، فأقيم في الملك بعده ولده حسام الدين بولق أرسلان، وقام بتدبير المملكة وترتيبها مملوك والده نظام الدين ألبقش حتى كبر بولق أرسلان وكان به هرج وخبط، فمات. وأقام ألبقش بعده أخاه الأصغر ناصر الدين ارتق أرسلان بن إيلغازي ولم يكن له حكم بل الحكم إلى ألبقش وإلى مملوك الألبقش اسمه لؤلؤ، وكان قد تغلب على أستاذه ألبقش، بحيث كان لا يخرج ألبقش عن رأي لؤلؤ المذكور. ولم يكن لناصر الدين أرتق أرسلان صاحب ماردين في الحكم شيء، وبقي الأمر كذلك إلى سنة إحدى وستمائة فمرض ألبقش وأتاه ناصر الدين يعوده، فلما خرج من عنده خرج معه لؤلؤ فضربه ناصر الدين بسكين فقتله، ثم عاد إلى ألبقش فقتله وهو مريض، واستقل ناصر الدين أرتق أرسلان يملك ماردين من غير منازع. وفي تاريخ بيبرس: لما مات قطب الدين إيلغازي، ملك بعده ابنه حسام الدين بولق (٣) أرسلان وهو طفل، وقام بتربيته وتدبير ملكه نظام الدين ألبقش مملوك أبيه. وكان شاه أرمن - صاحب خلاط - خال قطب الدين فحكم في دولته، وأحسن ألبقش تربية الولد، وتزوج بأمه، فلما كبر الولد لم يمكنه البقش من المملكة لأنه كان أهوج. ولم يزل

стр. 327

الحال كذلك إلى أن مات الولد المذكور، وكان له أخ صغير أصغر منه أسمه قطب الدين، فرتبه ألبقش مكانه والله أعلم. (١) ذكر وفاة صاحب الغرب هو أبو يعقوب يوسف ابن السلطان عبد المؤمن [١٣] بن على القيسي الكومي (٢)، توفي في هذه السنة، وذلك أنه سار في هذه السنة إلى بلاد الأندلس، وعبر البحر في جمع عظيم من عساكره وقصد بلاد الإفرنج، فحصر شنترين (٣) من غرب الأندلس، وأصابه مرض فمات منه في ربيع الأول من هذه السنة، وحمل في تابوت إلى مدينة إشبيلية (٤) وكانت مدة مملكته اثنتين وعشرين سنة وشهورًا (٥). وكان فقيهًا حافظًا متفننًا (٦)؛ لأن أباه هذبه وقرن به وبإخوته أكمل رجال الحرب والمعارف، فنشأوا في ظهور الخيل بين أبطال الفرسان، وفي قراءة العلم بين أفاضل العلماء. وكان ميله إلى الحكمة والفلسفة أكثر من ميله إلى الأدب وبقية العلوم، وكان جمّاعًا متّاعًا ضابطًا لخراج مملكته، عارفًا بسياسة رعيته. وكان ربما يحضر حتى لا يكاد يغيب، ويغيب حتى لا يكاد يحضر، وله في غيبته نواب وخلفاء وحكام قد كان يفوِّض الأمور إليهم لما علم من صلاحهم لذلك. والدنانير اليوسفية المغربية منسوبة إليه. ثم إنه لما تمهدت له الأمور واستقرت قواعد ملكه، استرجع بلاد المسلمين من أيدي الإفرنج، لعنهم الله، وكانوا قد استولوا عليها. فاتسعت مملكته بالأندلس، وصارت سراياه تصل مغيرة إلى باب طليطلة (٧)، وهي كرسي بلادهم وأعظم قواعدهم، ثم إنه حاصرها، فاجتمع الإفرنج كافة عليه، واشتد الغلاء في عسكره، فرجع عنها، وعاد

стр. 328

إلى مراكش (١). وفي سنة خمس وسبعين قصد بلاد إفريقية وفتح مدينة قفصه، ثم دخل جزيرة الأندلس فحاصر مدينة شنترين شهرًا وذلك في سنة ثمانين وخمسمائة، وكان معه جمع كثيف، فأصابه مرض فمات منه في ربيع الأول كما ذكرنا. وشَنْتَرين بفتح الشين المعجمة وسكون النون وفتح التاء المثناة من فوق وكسر الراء وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره نون، وهي مدينة في غرب الأندلس (٢). قال ابن حوقل في كتاب المسالك والممالك: إن شنترين على البحر المحيط وبها يقع العنبر، ولا يعلم ببلد الروم والمحيط عنبر يقع في غير هذا الموضع. ويقع بشنترين في وقت من السنة دابة تحك الحجارة في وسط البحر، فيقع بها وبره في لين الخز ولون الذهب، فيجمع منه ما يُغْزَل وينسج ثيابًا، ويتلون الثوب ألوانًا. وكان ملوك بني أمية بالأندلس يحجرون عليه فلا ينقل ولا يشترى، ويزيد الثوب على ألف دينار لعزته وحسنه. (٣) وقال ابن خلكان (٤): حكي لي بعض الفضلاء من أهل الأندلس أنه رأى قطعة من هذه الثياب هناك، وأراد أن يصفها لي فما قدر [أن] (٥) يعبر عنها، ثم قال: لكنها أرفع وأنعم من نسج العنكبوت. . ذكر تولية ابنه يعقوب ولما مات أبو يعقوب يوسف (٦) المذكور، مات من غير وصية بالملك لأحد من أولاده، فاتفق رأي الموحدين على تمليك يعقوب ولده فملكوه، فقام بالملك أحسن قيام، وأقام راية الجهاد، وأحسن السيرة في الناس، وكان دينًا مقيمًا للحدود، فاستقامت له الأحوال وانقادت إليه الأندلس بأسرها مع سعة أقطارها، وشَحْن ثغورها بالرجال،

стр. 329

وأصلح أحوالها [١٤] وعاد إلى مراكش. وكان عادلاً دينًا محبًا للعلماء، فاستقامت له الأحوال إلى أن توفاه الله تعالى، وكانت كنيته أبا يوسف (١) قال ابن كثير: ملكوه في الوقت الذي مات فيه أبوه، لئلا يكونوا بغير ملك يجمع كلمتهم لقربهم من العدو، فقام بالملك أحسن قيام. (٢) ذكر غزوة صلاح الدين يوسف الكرك مرة أخرى ثانية وذلك لأنه رأى أن فتحها الآن أنفع للمسلمين؛ فإن الفرنج الذين فيها يقطعون الطريق على الحجيج والتجار في البراري والبحار، فأرسل إلى العساكر الحلبية والجزرية والمصرية. فقدم تقي الدين عمر من مصر، وكان نائبه فيها كما ذكرنا، ومعه القاضي الفاضل. وجاء من حلب الملك العادل أبو بكر أخوه. وقدمت ملوك الجزيرة وسنجار وتلك النواحي والأقطار [كلها] (٣) وأخذها كلها مع جيشه، فسار بهم إلى الكرك فأحدقوا بها في رابع عشر جمادى الأولى من هذه السنة، وركَّب عليها المجانيق وكانت تسعة، وأخذ في حصارها وضيق على أهلها، واشتد القتال فملك المسلمون الربض وبقي الحصن، وله خندق عمقه ستون ذراعًا، فألقي فيه الأحجار والأخشاب والأتربة. ورأي الفرنج شدة القتال وعرفوا عجزهم عن حفظ الحصن، فأرسلوا إلى ملكهم وفرسانهم يستمدونهم فاجتمعوا من كل مكان. فلما بلغ صلاح الدين خبر مسيرهم رحل عن الكرك إلى طريقهم، ليقاتلهم ويعود بعد أن يهزمهم إلى الكرك، فقرب منهم ولم يمكنه الدنو منهم لضيق الأرض وصعوبتها، وانتظر خروجهم من ذلك المكان فلم يخرجوا. فرحل وسار إلى مدينة نابلس، ونهب كل ما على طريقه من البلاد، فلما وصل إلى نابلس أحرقها وأخربها، وقتل وأسر وسبي (٤). وسار إلى سبسطية (٥)، وبها مشهد

стр. 330

زكريا ﵇، وكان فيها جماعة أسرى من المسلمين فاستنقذهم، وكان بها الأقساء (١) والرهبان وعندهم الودائع، فطلبوا الأمان، فأمَّنهم على أن يطلقوا من عندهم من الأسرى، ثم سلك الغور وطلع على عقبة فيق (٢)، وعاد على دمشق. وفي تاريخ بيبرس: لما فرغ من سبسطية رحل إلى جينين (٣)، فنهبها وعاد إلى دمشق، وبث سراياه يمينًا وشمالاً يغنمون ويخربون (٤) وفي تاريخ ابن كثير (٥): لما كان صلاح الدين على الكرك، بلغه أن الفرنج قد اجتمعوا له كلهم فارسهم وراجلهم، ليمنعوا منه الكرك، فانشمر عنها، وقصدهم ونزل على حُسبان (٦) تجاههم، ثم صار إلى ماء عين، فانهزمت الفرنج قاصدين إلى الكرك فأرسل وراءهم من قتل منهم مقتلة عظيمة. وأمر السلطان للجيوش بالإغارة على السواحل الخلوها من المقاتلة، فنهبوا نابلس وما حولها من القرى (٧) والرساتيق (٨)، ثم عاد السلطان إلى دمشق وأذن للعساكر بالانصراف إلى بلدانهم. وأمر ابن أخيه تقي الدين عمر - الملك المظفر - أن يعود إلى مصر بعسكره، وكذلك أمر لأخيه العادل أن يعود إلى حلب. وأقام السلطان بدمشق ليؤدي فرض الصيام، وقدمت على السلطان خلع الخليفة فلبسها، وألبس أخاه الملك العادل، وابن عمه ناصر الدين محمد بن شيركوه، [١٥] ثم خلع السلطان خلعة على نور الدين بن قرا أرسلان (٩) صاحب حصن كيفا وخِرْت برْت وآمد التي أطلقها له السلطان.

стр. 331

وفي المرآة (١): وكان عند صلاح الدين رسل الخليفة؛ شيخ الشيوخ عبد الرحيم، ويشير الخادم، وكانا مريضين فطلبا العود إلى بغداد فأذن لهما، فمات بشير [بالسخنة] (٢) وشيخ الشيوخ بالرحبة. وذكر في النوادر السلطانية (٣): أن دخول السلطان صلاح الدين إلى دمشق كان يوم السبت سابع جمادى الأخرى من سنة ثمانين وخمسمائة. وفي هذا الشهر وصل رسل الخليفة ومعهم الخلع. وفيه أيضًا وصلت رسل ابن زين الدين مستصرخًا إلى السلطان، يخبرون أن عسكر الموصل وعسكر قزل نزلوا على إربل مع مجاهد الدين قايماز، وأنهم نهبوا وأحرقوا، وأنه نصر عليهم وكسرهم. ذكر بقية الحوادث ومنها أنه وقع الصلح بين صلاح الدين وصاحب طرابلس، وذلك قبل مسيره إلى الكرك. ومنها أنه خرج على بن إسحاق (٤) المعروف بابن [غانية] (٥) وهو من أعيان الملثمين الذين كانوا ملوك المغرب، وهو حينئذ صاحب جزيرة ميورقة (٦) إلى بجاية فملكها. وسبب ذلك أنه لما سمع بوفاة يوسف بن عبد المؤمن عمَّر أسطوله فكان عشرين قطعة، فسار في جموعه فأرسى في ساحل بجاية، وخرجت خيله ورجاله من الشواني، وكانوا نحو مائتي فارس من الملثمين وأربعة آلاف راجل، فدخل بجاية بغير قتال لأن واليها كان قد سار قبل ذلك بأيام إلى مراكش، ولم يترك فيها جيشًا ولا ممانعًا لعدم عدو يحفظها منه. فجاءها الملثم ولم يكن في حسابهم أنه يُحَدِّث نفسه بذلك، فأرسى بها ووافقه جماعة من بقايا دولة بني حماد وصاروا معه وقويت نفسه بهم، فسمع به والى بجاية، فعاد من طريقه ومعه من الموحدين ثلاثمائة نفر، وجمع من العربان التي في

стр. 332

تلك الجهات نحو ألف فارس والتقوا فهزمهم الملثم، فساروا إلى مراكش، واستقر الملثم في بجاية، وجمع جيشه وخرج إلى أعمال بجاية، فأطاعه جميعها إلا [قسنطينية] (١) الهواء فحاصرها، وجاء جيش من الموحدين من مراكش إلى بجاية في البر والبحر، وكان بها يحيى وعبد الله أخوا علي ابن إسحاق الملثم، فخرجا منها هاربين ولحقا بأخيهما فرحل [عن قسنطينية] (٢) وسار إلى إفريقية. وكان سبب إرسال الجيش من مراكش أن والى بجاية وصل إلى يعقوب بن يوسف صاحب الغرب، وعرَّفه ما جرى ببجاية واستيلاء الملثمين عليها وخوفه عاقبة التواني، فجهز العساكر في البر في عشرين ألف فارس، والأسطول في البحر في خلق عظيم، فاستعادوها (٣). ومنها أن في هذه السنة كتب زين الدين بن نجية الواعظ كتابًا من مصر إلى صلاح الدين يشوقه إليها، وكان السلطان بدمشق. قال: "أدام الله أيام مولانا السلطان الملك الناصر، وقرنها بالتأييد والنصر والتسديد، أقوى ما يشتاق مولانا إلى مصر ونيلها [١٦] وخيرها وسلسبيلها، ودار ملكه ودارة فلكه، وبحرها وخليجها، ونشرها وأريجها، ومقسم مقاسمها وأنيس إيناسها، وقصور معزها ومنازل عنها، وجيزتها وجزيرتها، وبركها وبركتها، وتعلق القلوب بَقْليوبها، واستلاب النفوس لأسلوبها، وملتقى البحرين ومرتقى الهرمين، وروضة جنانها وجنة رضوانها، ومشاهدها ومجامعها، ومساجدها وجوامعها، ونواظر بساتينها، ومناظر ميادينها، وساحات سواحلها، وآيات فضائلها" (٤). وذكر ابن نجية كلامًا طويلاً من هذا الجنس. فكتب إليه السلطان: "ورد كتاب الفقيه زين الدين أدام الله توفيقه، لا ريب أن الشام أفضل، وأن أجر ساكنه أجزل، وأن القلوب إليه أميل، وأن زلاله البارد [أَعَلُّ] (٥) وأنهل، وأن الهواء في صيفه وشتائه أعدل،

стр. 333

وأن الجمال فيه أجمل والجمال به أكمل (١)، وأن القلب به أروح والروح به أقبل. ودمشق فعاشقها مستهام، وما على محبّها ملام، وما في ربوتها ريبة، ولكل نور فيها شيبه (٢)]. وساجعاتها على منابر الورق خطباء تطرب، وهزاراتها وبلابلها تُعجم وتُعرب، وكم فيها من جواري ساقيات وسوائي جاريات، وثمار بلا أثمان، وروح وريحان، وفاكهة ورمان، وخيرات حسان، وكون الله أقسم به فقال ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ (٣) يدل على فضله المكنون. وقال ﷺ "الشام صفوة الله من بلاده فشوق إليها خيرته من عباده" (٤). وعامة الصحابة ﵃ اختاروا المقام بالشام. وفتح دمشق بكر الإسلام، وما تُنكر أن الله ذكر مصر ولكن على لسان فرعون بقوله "أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ (٥) " لكن خرج هذا مخرج العتب له والذم، ألا ترى أن يوسف ﵇ البعاد نقل منها إلى الشام، ثم المقام بدمشق أقرب إلى الرباط، وأوجب للنشاط. وأين قطوم المقطم من سناء سنير [وأين ذرا منف من ذروة الشرف المنيف] (٦)، وأين لبانة (٧) لبنان من الهرمين، وهل هما إلا مثل السلعتين. وهل للنيل من طول نيله وطول ذيله برد [بردي] (٨) في نفع العليل، وما لذاك الكثير طلاوة هذا القليل. وإن فاخرنا بالجامع وقبة النسر ظهر بذلك قِصَرُ القصر، ولو كان لهم مثل [باناس] (٩) لما احتاجوا إلى قياس المقياس. ونحن لا نجفو الوطن كما جفاه، ولا نأبى فضله كما أباه، وحب الوطن من الإيمان. ونحن لا ننكر أن إقليم مصر إقليم عظيم الشأن، ولكن نقول كما قال المجلس الفاضلي: دمشق تصلح أن تكون بستانًا لمصر، ولا شك أن أحسن ما في البلاد

стр. 334

البستان. ولعل زين الدين يرجع إلى الحق ويوافق على ما هو الأحق (١). وقال السبط (٢): عاتب السلطان على ابن نجية كون أصله ومنشأه بدمشق وفضل عليها مصر، [١٧] وليست من طارفه ولا من بلاده، وقد كان أولى أن يتشوق إلى السلطان من غير وصف لما فيه مضاهاة لوطنه وبلاده (٣). وفيها (٤) .................................. وفيها حج بالناس الأمير طاشتكين أميرًا على الركب العراقي من دار الخلافة. ذكر من توفي فيها من الأعيان شيخ الشيوخ صدر الدين [عبد الرحيم] (٥) بن إسماعيل بن أبي [سعد] (٦) أحمد، كان قد سافر من عند الخليفة إلى السلطان صلاح الدين يوسف في رسالة ومعه بشير الخادم، ليصلحا بين السلطان صلاح الدين وبين عز الدين مسعود صاحب الموصل، فلم ينتظم حال، فاتفق أنهما مرضا بدمشق وطلبا المسير إلى العراق وسارا في الحر، فمات بشير الخادم بالسخنة، ومات صدر الدين بالرحبة بمشهد البوق (٧). وكان أوحد زمانه جمع بين رئاستي الدين والدنيا. شهاب الدين بشير الخادم مات في هذه السنة على ما ذكرناه الآن. [قطب الدين] (٨) إيلغازي صاحب ماردين، وقد مر ذكره عن قريب. السلطان أبو يعقوب صاحب المغرب وقد ذكرناه أيضًا [ ....... ] (٩) والله أعلم.

стр. 335

فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الحادية والثمانين بعد الخمسمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله، والسلطان صلاح الدين مخيم بظاهر حماة، وكان بلغه في أواخر السنة الماضية أن صاحب الموصل نازل إربل، فبعث صاحبها يستصرخ بالسلطان، فركب من فوره إليه في جنوده وعساكره، فسار إلى بعلبك، ثم إلى حمص، ثم إلى حماة، فأقام بها أيامًا ثم سار إلى حلب وتلقاه أخوه العادل، واجتمعت إليه العساكر فخرج منها في صفر لقصد الموصل، فقطع الفرات من البيرة، وجاء إلى حران، فقبض على صاحبها مظفر الدين [كوكبرى] (١) بن زين الدين، وهو أخو زين الدين [يوسف] (٢) صاحب إربل. وكان وصول السلطان إلى حران في الثاني والعشرين من صفر، وكان أمر لسيف الدين المشطوب (٣) أن يسير في مقدمة العسكر إلى رأس عين، وكان قَبضُه على صاحب حران في السادس والعشرين من صفر، وذلك لشيء كان جرى منه وحديث كان بلّغه عنه رسوله، فأنكر عليه وأخذ منه قلعة حران والرُها، ثم اعتقله تأديبًا له إلى مستهل ربيع الأول، ثم أخرجه وخلع عليه وطيب قلبه، وأعاد عليه قلعة حران وبلاده التي كانت بيده، ولم يتخلف له سوى قلعة الرها ووعده بها. (٤) وفي تاريخ ابن العميد: وكان صاحب حران مظفر الدين قد بذل خطه بخمسين ألف دينار يوم وصول السلطان إلى حران، فلم ير السلطان لذلك أثرًا فغضب عليه وقبض عليه واعتقله. ثم سار السلطان من حران في ثاني ربيع الأول إلى رأس عين، ووصل إليه في ذلك [اليوم] (٥) رسول قليج أرسلان صاحب الروم يخبره بأن ملوك الشرق بأسرهم قد اتفقت كلمتهم على قصد السلطان إن لم يَعد [١٨] عن الموصل وماردين، وأنهم على

стр. 336

عزم ضرب المصاف معه إن أصر على ذلك. فرحل السلطان يطلب دُنَيْسر (١)، فوصلها يوم السبت الثامن من ربيع الأول، وجاء إليه عماد الدين بن قرا أرسلان ومعه عسكر نور الدين صاحب ماردين، فالتقاهم السلطان وأكرمهم. (٢) وقال ابن كثير (٣): فتلقاه الملوك من كل ناحية، وجاء إليه عماد الدين أبو بكر بن قرا أرسلان صاحب بلاد بكر وآمد، ثم بلغه موت أخيه ابن قرا أرسلان، فطلب دستورًا ليأخذ مملكته فأعطاء. ثم سار السلطان فنزل على الإسماعيليات قريبًا من الموصل، وذلك يوم الثلاثاء الحادي عشر من ربيع الأول، وكان يصل من العسكر كل يوم نوبة جريدة تحاصر الموصل، وجاء إليه هناك صاحب إربل زين الدين. وأرسل السلطان ضياء الدين بن كمال الدين الشهرزوري (٤) إلى الخليفة، يعلمه بما عزم عليه من حصار الموصل، وإنما مقصوده ردّهم إلى طاعة الخليفة (٥) ونصرة الإسلام. ثم سار السلطان ونزل على الموصل وهو نزوله الثاني عليها، فحاصرها وكان القتال يعمل كل يوم، ويخرج المواصلة إليه غزاة يقاتلون. وأرسل عز الدين مسعود صاحب الموصل والدته وابنة عمه نور الدين محمود بن زنكي، وغيرهما من النساء الأتابكيات وجماعه معهن، يطلبون منه ترك الموصل وما بأيديهم، فردّهم خائبين. واستقبح الناس ذلك من صلاح الدين لاسيما وفيهن بنت نور الدين، وضايق على أهل الموصل. فبينما هم في ذلك إذ بلغه وفاة شاهر من صاحب خلاط، وجاءته كتب مقدميها يطلبونه، فشاور الأمراء، فأشاروا عليه بقصد أخلاط لما رأوا أنهم لا طمع لهم في الموصل وقالوا: ما يفوت الموصل. فسار إلى خلاط وفي مقدمته ناصر الدين محمد بن شيركوه، وتقي الدين عمر، فوصلوا ميافارقين وبها بَرُنقش (٦) مملوك صاحب آمد، فامتنع عليهم، وقال: أنا وصى يتامي أستاذي قطب الدين، وبعد هذا، فالأمر للخاتون والدتهم. فأرسل إليها صلاح الدين

стр. 337

خادمًا، ووعدها أن يتزوجها ويزوج ابنه إحدى بناتها، فأجابت وسلمت إليه ميا فارقين، وأعطاها الهتَّاخ (١)، وأعطي برنقش جبل جور (٢). وكان الحاكم على خلاط الوزير مجد الدين بن الموفق (٣)، وهو الذي كاتب السلطان، فبعث إليه الفقيه عيسى ليكشف الحال فغالطه، وقال: في القلعة سيف الدين بكتمر وبها ابنة البهلوان زوجة شاهر من، وربما جاء البهلوان، فعاد الفقيه إلى السلطان بغير شيء. وجاء البهلوان بعساكر أذربيجان وهمدان فنزل قريبًا من خلاط، وأرسل إلى السلطان يقول: هذه البلاد لإبنتي، وهي في القلعة، والمصلحة أن تُبقى المودة بيننا ودوام الصداقة (٤). فرجع السلطان إلى الجزيرة، ورجع البهلوان إلى بلاده بعد أن حمل إليه سيف الدين بكتمر أموالًا وهدايا. وولي السلطان على ميا فارقين وديار بكر مملوكه سنقر الخلاطي، وعاد إلى الموصل، وهذه المرة الثالثة وهي الأخيرة، فنزل الإسماعيلية، [١٩] وقيل نزل على [كفر زَمَّار] (٥) بدجلة، وكان الحر شديدًا، فأقام مدة، وعزم على أن يُشتي بذلك المكان. وفي هذه المنزلة أتاه سنجرشاه من الجزيرة، واستعد المواصلة للحصار، ومرض السلطان مرضًا شديدًا خِيفَ من غائلته، فرحل طالبًا حران وهو مريض، وكان يتجلد، ولم يركب في محفة، فوصل حران وهو شديد المرض، وبلغ غاية الضعف حتى أُيس منه ورُجِفَ بموته. وكان رحيله من كفر زَمَّار في مستهل شوال من هذه السنة. فوصل إليه أخوه الملك العادل من حلب ومعه أطباؤها. وفي المرآة (٦): ولما كان السلطان على كفر زمار أشار أمراء عز الدين مسعود عليه بأن يُخرج إليه النساء الأتابكيات يتشفعن (٧). إليه، فخرجن ومعهن والدة عز الدين مسعود فأكرمهن ووعدهن الإحسان، وقرر عماد الدين الصلح وخطب للسلطان بالموصل، وأعطى

стр. 338

لعز الدين شهرزور والبوازيج (١)، ووقف عليها قرية تعرف ببافيلا (٢). ورحل عن الموصل يريد الجزيرة .. وقال العماد الكاتب (٣): وكان السلطان قد لازم قراءة القرآن في شهر رمضان، واشتد الحر، فمرض مرضًا شديدًا فتناثر رأسه ولحيته وقيل إنه شفى، وضعف ضعفًا خيف عليه منه وأرجف بموته، وأقام على نصيبين وقد آيسنا منه، ثم حُمل في محفة إلى حران فنزل بظاهرها، وبني دارًا أسماها دار العافية. وفي تاريخ النويرى (٤): وجاءت رسل صاحب الموصل إلى السلطان وهو بحران بالإجابة إلى ما طلب؛ وهو أن يسلم صاحب الموصل إلى السلطان شهرزور وأعمالها، وولاية القرابلي، وجميع ما وراء الزاب، وأن يخطب للسلطان على جميع منابر الموصل وما بيده، وأن يضرب اسمه على الدراهم والدنانير. ورضى السلطان بذلك، وتقرر الصلح وأمنت البلاد. ثم رحل السلطان من حران وقد عوفي، وعاد إلى دمشق في السنة الآتية. وقال ابن كثير (٥): ولما استقر الصلح بين صلاح الدين وبين المواصلة - كما ذكرنا - انقطعت خطبة السلاجقة والأرتقية بتلك البلاد كلها. قال: ولما جاء إليه أخوه العادل من حلب ورآه في غاية الضعف، أشار عليه بأن يوصي ويعهد، فقال: ما أبالي وأنا أترك من بعدي أبا بكر وعمر وعثمان وعليا، وأراد بأبي بكر أخاه العادل صاحب حلب، وأراد بعمر تقي الدين عمر صاحب حماة وهو إذ ذاك نائب (٦) مصر وبها يقيم، وأراد بعثمان وعلى ابنيه الملك العزيز عثمان والملك الأفضل على. ونذر السلطان في ضعفه لئن شفاه الله تعالى من مرضه هذا ليصرفن همته كلها إلى قتال الفرنج الكفار، ولا يقاتل بعد ذلك مسلمًا، وليجعلن أكبر همته فتح بيت المقدس، ولو صرف في ذلك جميع ما

стр. 339

يملكه من الأموال والذخائر، وليقتلن البرنس صاحب الكرك (١) بيده؛ وذلك لأنه نقض العهد الذي عاهد السلطان عليه فغدر بقافلة تجار من مصر، فأخذ أموالهم وضرب رقابهم بين يديه صبرًا، وهو يقول: أين محمد كم ينصركم؟. وكان هذا النذر كله بإشارة القاضي الفاضل. ثم أن الله بكرمه [٢٠] وفضله عافاه مما كان ابتلاه به، فسارت البشائر بذلك في كل ناحية ودقت البشائر وزينت البلاد. قال ابن كثير (٢): ثم ركب السلطان من حران بعد العافية فدخل حلب، ثم اجتاز بحماة وحمص حتى دخل دمشق، وكان دخوله حلب يوم الأحد الرابع عشر من المحرم سنة ثنتين وثمانين، وكان يومًا مشهودًا (٣)، لشدة فرح الناس بعافيته ولقائه، فأقام بها أربعة أيام، ثم رحل في ثامن عشره نحو دمشق، فلقيه أسد الدين شيركوه بن ناصر الدين محمد بن شيركوه بتل السلطان ومعه أخته ومعه خدمة عظيمة، ومَنَّ عليه بحمص - موضع والده بحكم وفاته - ثم سار إلى دمشق فدخلها في الثاني من ربيع الأول من سنة ثنتين وثمانين وخمسمائة، وكان يومًا مشهودًا وصباحًا محمودًا (٤). وفيها كان المنجمون بدمشق قد حكموا بأن يهب هواء مزعج برمل يهلك الناس، فحفروا أسراب، واختفوا فيها، فظهر كذب المنجمين (٥). وفيها (٦) ............................ وفيها حج بالناس الأمير طاشتكين (٧). ذكر من توفي فيها من الأعيان السهيلي (٨) أبو القاسم وأبو زيد عبد الرحمن ابن الخطيب أبي محمد عبد الله ابن الخطيب أبي عمر أحمد بن أبي الحسن أصبغ بن حسين بن سعدون بن رضوان بن

стр. 340

فتوح، وهو الداخل إلى الأندلس، الخثعمي السهيلي الإمام المشهور صاحب كتاب "الروض الأنف" في شرح السيرة لابن هشام، وله كتاب "التعريف والإعلام فيما أُبهم من القرآن من الأسماء والأعلام"، وله كتاب "نتائج الفكر" بمسألة رؤية الله في المنام، رؤية النبي ﵇، وغير ذلك. وقال ابن دحية أنشدني وقال له: ما سأل الله بها حاجة إلَّا أعطاها له، وكذلك من استعمل إنشادها. يا من يرى ما في الضمير ويسمعُ … انت المُعَدّ لكل ما يُتَوَقَعُ يا من يُرجَىَّ للشدائد كلها … يا من إليه المُشْتكى والمفْزَع يا من خزائن رزقه في قول كُنْ … اُمْنُنْ فإنَّ الخير عندك أجمع مالي سوى فَقْرِي إليك وسيلةٌ … فبالافتقار إليك فَقرى أدفع مالي سوى قَرْعى لبابك حيلةٌ … فلئن رَدَدْتَ فأيَّ باب أقرَع؟ ومن الذي أدعو (١) وأهتف باسمه … إن كان فضلك عن فقيركَ يمنع؟ حاشى لمجْدِك أن يُقَنِّط عاصيًا … الفضلُ أجزلُ والمواهِبُ أوْسع (٢) وأشعاره كثيرة وتصانيفه ممتعة. وكان ببلده يتسَّوغ بالعفاف ويتبلغ بالكفاف، حتى نمي خبره إلى صاحب مراكش فطلبه إليها وأحسن إليه، وأقبل بوجه الإقبال [عليه] (٣) إليه، وأقام بها نحو ثلاثة أعوام. ومولده سنة ثمان وخمسمائة بمدينة مالقَة، وتوفي بحضرة مراكش يوم الخميس ودفن وقت الظهر السادس [٢١] والعشرين من شعبان سنة إحدى وثمانين وخمسمائة، وكان مكفوفًا. والخَثْعَمي: نسبة إلى خثعم بن أنمار، وهي قبيلة كبيرة. والسهيلي: بضم السين المهملة نسبة إلى سُهيل، قرية بالقرب من مالَقة، سميت باسم الكوكب لأنه لا يُرى في جميع الأندلس إلا من جبل مطل عليها. ومالقة: بفتح اللام مدينة كبيرة بالأندلس، وقال السمعاني: بكسر اللام، وهو غلط.

стр. 341

الحافظ الأصبهاني (١)، أبو موسى محمد بن أبي بكر عمر بن أبي عيسى أحمد ابن عمر بن محمد بن أبي عيسى الأصبهاني المديني الحافظ المشهور؛ كان إمام عصره في الحفظ والمعرفة، وله في الحديث وعلومه تواليف مفيدة، وصنف كتاب "المغيث" في مجلد، كَمَّل به كتاب الغريبين للهروي، واستدرك عليه، وهو كتاب نافع، وله كتاب "الزيادات" في جزء لطيف جعله ذيلاً على كتاب شيخه أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي الذي سماه كتاب "الأنساب" وذكر من أهمله وما أقصر فيه. ورحل عن أصبهان في طلب الحديث ثم رجع إليها وأقام [بها] (٢). وكانت ولادته في ذي القعدة سنة إحدى وخمسمائة. وتوفي ليلة الأربعاء تاسع جمادى الأولى من هذه السنة. وولادته ووفاته بأصفهان. والمَدِيْني بفتح الميم وكسر الدال نسبة إلى مدينة أصفهان، وقد ذكر السمعاني هذه النسبة إلى عدة مدن: أولهن مدينة الرسول ﷺ ، والثانية مرو، والثالثة نيسابور، والرابعة أصفهان، والخامسة مدينة المبارك بقزوين، والسادسة بخارى، والسابعة سمرقند، والثامنة نَسَف، وذكر أن النسبة إلى هذه المدن [كلها] (٣) المديني. وقال: أكثر ما ينسب إلى مدينة الرسول ﷺ "المدني". الفقيه مهذب الدين عبد الله بن أسعد الموصلي، مدرس حمص، وكان بارعًا في فنون ولاسيما في الشعر والأدب. مات في هذه السنة، كذا ذكره ابن كثير (٤). وقال ابن خلكان (٥): هو أبو الفرج عبد الله بن أسعد بن علي بن عيسى المعروف بابن الدهان الموصلي ويعرف بالحمصي أيضًا، الفقيه الشافعي المنعوت بالمهذب، كان فقيهًا فاضلًا، أديبًا شاعرًا، لطيف الشعر مليح السبك حسن المقاصد، غلب عليه الشعر فاشتهر به، وله ديوان صغير وكله جيد. وهو من أهل الموصل. ولما ضاقت به

стр. 342

الحال قصد الصالح بن رزيك وزير مصر ومدحه بالقصيدة الكافية، ثم تقلبت به الأحوال وتولى التدريس بمدينة حمص وأقام بها، فلهذا نسب إليها (١). وقال العماد الكاتب (٢): ولما وصل السلطان صلاح الدين إلى حمص وخيم بظاهرها، خرج إلينا أبو الفرج المذكور فقدمته إلى السلطان وقلت له: هو الذي يقول في قصيدته الكافية التي في ابن رزيك ......... (٣). [٢٢] أَأَمدحُ التُّركَ أبغي الفضلَ عِندهُمُ .... والشعرُ مازال عندَ التّركِ متروكا (٤) قال: فأعطاه السلطان وقال: حتى لا يقول أنه متروك. ثم مدح السلطان بقصيدته العينية التي يقول فيها: قل للبخيلة بالسلام تورعًا … كيف استبحتِ دمي ولم تتورَّعي وزعمتِ أن تصلي بعام قابل … هيهاتِ أن أبقى إلى أن ترجعي أبديعةَ الحسن التي في وجهها … دونَ الوجوه عناية (٥) للمبدع ما كان ضَرَّكِ لو غمزتِ بحاجبٍ … يومَ التفرقِ أو أشرتِ بأصبع وتَيَقّني أني بحبِّكِ مغرم … ثم اصنعي ما شئت بي أن تصنعي وله في غلام لسعته نحلة في شفته: بأبي من لسعته (٦) نحلة … آلمت أكرَمَ شيء وأجلّ أَثّرَتْ لسعتها (٦) في شفةٍ … ما براها الله إلا للقُبَلْ حسبتْ أن بفيه بَيْتَها … إذ رأت ريقَتَهُ مثل العسَلْ (٧) وتوفي بمدينة حمص في شعبان سنة إحدى، وقيل اثنتين وثمانين وخمسمائة، والأول أصح (٨).

стр. 343

[ابن الصابوني] (١) أبو الثناء محمود بن أحمد بن على بن إسماعيل بن عبد الرحمن الملقب بجمال الدين المحمودي بن الصابوني (٢) لأن جد أبيه [الأمه] (٣) الشيخ أبا عثمان الصابوني كان أحد الأئمة المشاهير، وإنما يقال له المحمودي لصحبة جده للسلطان نور الدين محمود بن زنكي (٤). سار إلى مصر فنزلها، وكان السلطان صلاح الدين يكرمه وأوقف عليه وعلى ذريته أرضًا فهى لهم الآن. ذكر ابن كثير (٥) وفاته في هذه السنة، ﵀. الأمير ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه، صاحب حمص والرحبة، وهو ابن عم السلطان صلاح الدين، وزوج اخته ست الشام بنت أيوب. توفي بحمص، نقلته زوجته ست الشام إلى تربتها بالمدرسة الشامية البرانية، فقبره هو الأوسط بينها وبين أخيها الملك المعظم تورانشاه صاحب اليمن. وقد خلف ناصر الدين محمد من الأموال والذخائر شيئًا كثيرًا ينيف على ألف ألف دينار، وكانت وفاته يوم عرفة فجأة. وقال النويري (٦): وفي هذه السنة ليلة عيد الأضحى، شرب بحمص صاحبها ناصر الدين محمد بن شيركوه بن شاذى فأصبح ميتًا. قيل إن السلطان دَسَّ عليه من سقاه سمًا، لما بلغه مكاتبته أهل دمشق في مرضه، ولما مات أقر السلطان حمص وما كان بيد محمد على ولده شيركوه بن محمد بن شيركوه، وعمره اثنتا (٧) عشرة سنة. وخلّف ناصر الدين محمد شيئًا كثيرًا من الدواب والآلات وغيرها، فاستعرضها السلطان عند نزوله بحمص في عودته من حران، وأخذ أكثرها [٢٣] ولم يترك إلا ما لا خير فيه.

стр. 344

وفي المرآة (١): وكان السلطان صلاح الدين يخافه؛ لأنه كان يدعي أنه أحق بالملك منه، وكان بلغ السلطان عنه هذا، وكان قد فارق السلطان في حران وجاء إلى حمص وتوفي يوم عرفة. بقي يتناثر لحمه، وقيل إنه سُمَّ، وقيل مات فجأة. نور الدين محمد بن قرا أرسلان بن داود، صاحب حصن كيفا وآمد، مات في هذه السنة، وملك بعده ولده سقمان، ولقبه قطب الدين، وكان صغيرًا فقام بتدبير دولته وزيرة القوام ابن سُماقا (٢) الأسْعردي. وفي تاريخ بيبرس: مات نور الدين محمد المذكور لما كان صلاح الدين محاصرًا للموصل، وخلف ولدين، فملك الأكبر منهما واسمه سقمان ولقبه قطب الدين، فلما بلغ أخاه وفاته سار ليملك بلاده فتعذر عليه أمرها، فسار إلى خِرْت برْت فملكها وهي بيد أولاده، ورجع صلاح الدين إلى ميافارقين فحضر إليه ولد نور الدين فأقره على ملك أبيه ومن جملته آمد. وكانوا خافوا أن يأخذها منهم فلم يفعل، وردهم إلى بلادهم وشرط عليهم أن يكونوا تحت أمره وطاعته، وجعل معهم من جهته أميرًا لقبه صلاح الدين من أصحاب والده. الأمير الكبير سعد الدين مسعود بن معين الدين أنر، وكان من الأمراء الكبار أيام نور الدين محمود، وصلاح الدين يوسف، وهو أخو الست خاتون التي كان تزوجها نور الدين محمود، ثم تزوجها السلطان صلاح الدين يوسف، كما ذكرنا. توفي في دمشق في جمادى الأخرى من هذه السنة، من جرح أصابه وهو في حصار ميافارقين (٣). الست خاتون عصمة الدين بنت معين الدين أنر، نائب دمشق وأتابك عساكرها من قبل نور الدين محمود كما تقدم. وقد كانت زوجة نور الدين كما تقدم، ثم خلف عليها من بعده صلاح الدين في سنة ثنتين وسبعين وخمسمائة، توفيت في هذه السنة، وكانت من أحسن النساء وأعفهن وأكثرهن صدقة؛ وهي واقفة الخاتونية الجوانية (٤)

стр. 345

بمحلة حجر الذهب، وخانقاه خاتون ظاهر باب النصر، في أول الشرف القبلي على [باناس] (١) ودفنت بتربتها في سفح قاسيون قريبًا من قبات الشركسية. ولها أوقاف كثيره. فأما الخاتونية البرانية (٢) التي هي على القنوات بمحلة صنعاء الشام، ويعرف ذلك المكان الذي هي فيه بتل الثعالب، فهي من إنشاء الست زمرد خاتون بنت جاولي، وهي أخت الملك دُقاق لأمه، وكانت زوجة زنكي والد نور الدين صاحب حلب، وقد ماتت قبل هذا الحين كما تقدم (٣). وفي المرآة (٤): ولها صدقات كثيرة، وبر عظيم بَنت بدمشق مدرسة لأصحاب أبي حنيفه ﵁ في حجر الذهب، قريبة من حمام زَرْكش وتعرف بمدرسة خاتون، وكانت وفاتها في رجب، وبلغ السلطان صلاح الدين [٢٤] وفاتها وهو مريض بحران؛ فتزايد مرضه، وحزن عليها وتأسف، وكان يُصْدِر عن رأيها.

стр. 346

فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الثانية والثمانين بعد الخمسمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله، والسلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب - صاحب مصر والشام وغيرهما - كان قد تعافى من مرضه ووجد نشاطًا، ورحل من البلاد الفراتية ووصل إلى حلب يوم الأحد الرابع عشر من محرم هذه السنة (١). وكان يومًا مشهودًا لشدة فرح الناس بعافيته ولقائه، فأقام بها أربعة أيام، ثم رحل في ثامن عشر المحرم نحو دمشق. فلقيه أسد الدين شيركوه بن محمد بن شيركوه بتل السلطان (٢)، ومعه أخته ومعه هدية هائلة، ومَنَّ عليه بحمص. فقام أيامًا يَعْتبر تركة أبيه، وكان قد خَلَّفَ أموالًا عظيمة وجواهر، ومناطق الذهب والفضة، فكان مبلغ التركة ألف ألف دينار. وكان القاضي نجم الدين بن عيسى حاضر القسمة، فقام يومًا فوقعت من تحت ذيله منطقة مجوهرة، فنسبه العادل إلى ما لا يليق به. وكان نجم الدين منزهًا عن ذلك لأنه كان غنيًا جوادًا شريف النفس، فحلف للعادل إنني ما علمت بها، وصدق، وإنما الحُساد وجدوا طريقًا للقول (٣). ثم سار يطلب جهة دمشق، وكان دخوله إليها في ثاني ربيع الأول، وكان يومًا لم ير مثله فرحًا وسرورًا، ثم قرر في ملك دمشق ولده الأفضل عليا. ونزل العادل أبو بكر عن حلب لصهره زوج ابنته الملك الظاهر غازي ابن السلطان صلاح الدين، وأرسل السلطان أخاه العادل صحبة ولده عماد الدين عثمان، الملقب بالملك العزيز، على ملك مصر، ويكون العادل أتابكه، وله إقطاع عظيمة جدًا. وعزل عن نيابتها تقي الدين عمرُ، فعزم عمر على الدخول إلى بلاد إفريقية، فلم يزل السلطان يكاتبه ويتلطف به ويترقق له حتى أقبل بجنوده نحوه، فأكرمه وأقطعه حماة وبلادًا كثيرة معها، وقد كانت له قبل ذلك بسنين، وزاده على ذلك مدينة ميافارقين (٤).

стр. 347

وقال النويري (١): ولما بعث السلطان ولده الملك العزيز صحبة العادل إلى مصر، استدعى تقي الدين من مصر، بسبب أن السلطان تغيَّر عليه في الباطن؛ فإنه ظن أنه إنما أخرج ولده من مصر ليتملك مصر إذا مات السلطان. وقيل إنه توقف عن الحضور وقصد اللحوق بمملوكه قراقوش المستولى على بعض بلاد إفريقية وبرقه من المغرب، وبلغ السلطان ذلك فساءه، وأرسل يستدعيه ويلاطفه فحضر إليه، ولما حضر إليه زاده على حماة منبج، ومعرة النعمان، وكفر طاب، وميافارقين، وجبل جور بجميع أعمالها. واستقر الملك العادل أبو بكر والملك العزيز عثمان بمصر. ولما أخذ السلطان حلب من أخيه العادل أقطعه عوضها حران والرها (٢). وفي تاريخ بيبرس (٣): سير السلطان صلاح الدين إلى ابن أخيه تقي الدين عمر يستدعيه من مصر إلى الشام، والسبب في ذلك أن صلاح الدين لما استنابه بمصر ضم إليه ولده الأفضل وكان أكبر ولده، فخاف صلاح الدين في مرضه أن يتولى تقي الدين البلاد ويحبس ولده الأفضل. [٢٥] فأرسل في طلبه لهذا السبب، وأشار عليه بعض أمرائه أن يعزل العادل من حلب، فوقعت هذه الإشارة من نفسه موقعًا موافقًا لغرضه. فلما حضر أخوه العادل إليه أوصى صلاح الدين ولده الظاهر غازي أن يلتمس من عمه حلب ليهبها له، فسأله ذلك فأجابه عمه العادل لوقته، وكتب له بها فتسلمها واستقر بها وأولاده من بعده. وكان تقي الدين يومئذ بمصر، فبلغه أن صلاح الدين يريد عزله عنها، فأراد أن يهرب إلى الغرب فإن قراقوش فتح بالمغرب مدنًا كثيرة، فأشار عليه أمراء مصر أن لا يروح إلى الغرب، وأن يمضي إلى أخيه ويستعطفه، فتجهز وخرج من مصر. وسير صلاح الدين ولده العزيز صحبة عمه العادل إلى مصر، ورتب ولده الظاهر غازي بحلب عوضًا عن عمه العادل. ولما وصل تقي الدين إلى صلاح الدين أنعم عليه بميافارقين. وفي النوادر السلطانية (٤): ولما تقرر الأمر المذكور بين هؤلاء الملوك قال العادل: اجتمعت بالملك العزيز والملك الظاهر وجلست بينهما وقلت للملك العزيز: أعلم

стр. 348

يامولاي أن السلطان قد أمرني أن أسير في خدمتك إلى مصر، وأنا أعلم أن المفسدين كثير، ولا يخلو غدًا ممن يقول عني ما لا يجوز ويخوفك مني، فإن كان لك عزم تسمع فقل لي حتى لا أجيء، فقال: لا أسمع. وكيف يكون ذلك؟ ثم التفتُ وقلتُ للملك الظاهر: أنا لا أعرف أن أخاك ربما يسمع (١) فيَّ أقوال المفسدين، وأنا فمالي إلا أنت، وقد قنعت منك بمنبج متى ضاق صدري من جانبه. فقال: مبارك، وذكر كل خير. وذكر في النوادر أيضًا: أن الملك الظاهر سار إلى حلب حتى أتى العين المباركة، وسيَّر في خدمته شحنةً حسام الدين بشارة، وواليًا عيسى بن بلاشوا (٢)، فنزل في يوم الجمعة بعين المباركة، وخرج الناس إلى لقائه في بكرة السبت تاسع جمادى الآخرة من هذه السنة، وصعد القلعة المحروسة صحوة النهار، وفرح الناس به فرحًا شديدًا (٣). وأما تقي الدين، فإنه لما وصل سار السلطان إلى لقائه، فلقيه بمرج الصُفَّر في ثالث عشرى (٤) شعبان من هذه السنة، وأعطاه حماة، وسار إليها، وكان قد عُقد بين الملك الظاهر وبعض بنات الملك العادل عقد نكاح فتمم ذلك ودخل بها يوم الأربعاء السادس والعشرين من شهر رمضان. ودخل الملك الأفضل على زوجته بنت ناصر الدين بن أسد الدين في شوال من هذه السنة. وفيها حضر القمص (٥) صاحب طرابلس إلى الملك الناصر صلاح الدين واتفق معه أن يفتح له جميع الساحل، وأطلق له الملك الناصر جميع الأسرى الذين كانوا عنده، وجرّد معه عسكرًا إلى الساحل، وفتح الطريق [٢٩] من مصر إلى الشام وسار فيها التجار. ثم إن القمص المذكور نافق وأخذ قافلة من التجار ودخل بلاد الإفرنج، فحلف الملك الناصر لئن ظفر به ليقتلنّه بيده. وكان ذلك سبب فتوح الساحل (٦).

стр. 349

وفيها كانت فتنة بين التركمان والأكراد ببلاد الجزيرة، والموصل، وديار بكر، وخلاط، والشام، وشهرزور، وأذربيجان، وقتل فيها من الخلق ما لا يحصى، ودامت عدة سنين، وانقطعت الطرق ونهبت الأموال وأريقت الدماء. ثم إن مجاهد الدين قايماز نائب صاحب الموصل، جمع عنده رؤساء الأكراد والتركمان وأصلح بينهم، وخلع عليهم، وانقطعت الفتنة (١). وفيها دخل سيف الإسلام إلى مكة ومنع من الأذان بحي على خير العمل، وقتل جماعه من العبيد. كانوا يؤذون الناس، وأغلق أمير مكة باب البيت، وصعدوا إلى أبي قبيس، فأرسل إليه وطلب المفتاح من صاحب مكة، فأبى من انفاذه، فقال سيف الإسلام لرسوله: قل لصاحبك إن الله نهانا عن أشياء فارتكبناها، وقال النبي ﷺ "لا تأخذوا المفتاح من بنو شيبة" (٢)، فتأخذه ونستغفر الله تعالى، فبعث إليه المفتاح (٣). وفيها قسم السلطان صلاح الدين البلاد بين أولاده وأهله برأي القاضي الفاضل، فإنه لما مرض أشاروا عليه بذلك. وفيها ظهر الخلاف بين الإفرنج وتفرقت كلمتهم. وكان ذلك سببًا لسعادة الإسلام. وفيها غدر إبرنس الكرك واسمه أرناط، وكان أخبث الإفرنج وأشرّهم، فقطع الطريق على قافلة جاءت من مصر إلى الشام وفيها خلق عظيم ومال كثير، فاستولى على الجميع قتلاً وأسرًا ونهبًا، فأرسل إليه السلطان يوبخه على ما فعل ويقول: أين العهود والمواثيق! رُدَّ ما أخذت. فلم يلتفت وشنّ الغارات على المسلمين وقتل منهم، فنذر السلطان دمه. وأقام السلطان بدمشق يجهز للقاء العدو، واستدعى العساكر من المشرق والمغرب. وفيها في يوم عاشوراء فرش الرماد في الأسواق وعلقت المسوح، وناح أهل الكرخ، وخرج النساء حاسرات يلطمن وينحن من باب البدرية (٤) إلى باب حجرة الخليفة، والخلع

стр. 350

تُفاض عليهن وعلى المنشدين من الرجال. وتعدى الأمر إلى سبّ الصحابة أبي بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وعائشة ﵃. وكان أهل الكرخ يصيحون ما بقي كتمان، وأقاموا امرأة يقال لها آمنة (١) من أهل الكرخ وكان ظهير الدين بن العطار قد كبس دار أبيها فأخرج منها كُتبًا في سب الصحابة، فقطع يديه ورجليه، ورجمه العوام حتى قتلوه. فقامت هذه المرأة على دكة تحت منظرة الخليفة في الريحانيين، وحولها ألوف من الرجال والنساء وهي تنشد أشعار العوني وغيرها، وتسب عائشة وتقول: العنوا راكبة الجمل، وتذكر حديث الإفك والنبي ﵇ بأقبح الشناعات (٢)، وكان كل ذلك منسوبًا إلى أستاذ الدار ابن الصاحب [٢٧] (٣). وفيها: حكم المنجمون في الآفاق بخراب العالم في جمادى الآخرة، وقالوا [تقترن] (٤) الكواكب السيارة الشمس والقمر وزحل والمريخ والزهرة وعطارد والمشتري في برج الميزان أو السرطان، وتؤثر تأثيرًا يضمحل به العالم، وتهب سموم محرقة تحمل رملًا أحمر. فاستعد الناس وحفروا السراديب وجمعوا فيها الزاد. وقد انقضت المدة ولم يحدث شيء، وظهر كذب المنجمين (٥). وقال العماد الكاتب: وكان المنجمون في جميع البلاد حكموا بخراب العالم في شعبان عند اجتماع الكواكب السبعة في الميزان بطوفان الريح في سائر البلاد، وذكر أن ناسًا من الجهلة تأهبوا لذلك بحفر مغارات وأسراب في الأرض خوفًا من ذلك. قال العماد (٦): فلما كانت تلك الليلة التي أشاروا إليها وأجمعوا عليها، لم تر ليلة مثلها في ركودها وهدِّوها. وقد نظم الشعراء في تكذيب المنجمين في هذه الوقعة وغيرها أشعارًا حسنة؛ من ذلك قول عيسى بن مودود (٧):

стр. 351

مزق التقويم والزّيـ … ـج، فقد بان الخطأ (١) إنما التقويم والزّيـ … ـج هَباوٌ وهوا قلت: للسبعة إبرا … مٌ، ومنعٌ، وعطا ومتى ينزلْن في الميـ … ـزان يستولى الهوا وتثير الرمل حتّى … يمتلى منه الفضا (٢) ويعمّ الأرضَ جفٌّ (٣) … وخرابٌ، وبلا ويصير القاع كالقُفِّ (٤) … وكالطّود القَوَا (٥) [وحكمتم] (٦)، فأبي الحا … كم إلّا ما يشا ما أتي الشرع ولا جا … ءت بهذا الأنبيا فبقيتم ضحكةً يضـ … ـحك منها العلما حسبكم خبزيًا وعارًا … ماتقول الشعراء (٧) فعلي اصطرلاب [بطليـ … ـموس] (٨) والزيج العفا (٩) وعليه الخزي ماجا … دت (١٠) على الأرض السما

стр. 352

وقال أبو الغنائم (١) محمد بن المعلم الشاعر، في أبي الفضل المنجم وكان رئيس القوم:- قل لأبي الفضل قولا يَعْرُب (٢) … مضى جمادي وجاءنا رجب وما جرت زعزعة (٣) كما حكموا … ولابدا كوكب له ذنب كلا، ولا أظلمت ذُكَاءُ ولا … أبدت أذيً في قِرانها الشهب يقضى عليها من ليس يعلم ما … يقضى عليه، هذا هو العجب! قد بان كذب المنجمين، وفي … أي مقال قالوا [فما] (٤) كذبوا مدبر الأمر واحدٌ، وليس للسبـ … ـــــعة في كل حادث سبب لا المشترى سالم، ولا زحل … باق، ولا زهرة، ولا قُطُبُ تبارك الله؛ حصحص الحق وانجا … ب التمادي وزالت الرِّيب [٢٨] فليُبْطل المُدَّعون ما وضعوا … في كتبهم ولتُحَرّق الكتبُ (٥) وفيها سار على بن إسحاق الملثم (٦) إلى إفريقية بعد خروجه من بجاية، واجتمع إليه جماعة من العرب، وانضاف إليهم الترك الذين كانوا قد دخلوا من مصر مع شرف الدين قراقوش (٧)، ودخل أيضاً من أتراك مصر مملوك لتقى الدين ابن أخي صلاح الدين اسمه بُوزابه، وكثر جمعهم وقويت شوكتهم. فلما اجتمعوا بلغت عدتهم مبلغاً كثيراً، وكلهم كاره لدولة الموحدين، فاتبعوا جميعهم على بن إسحاق الملثم؛ لأنه من بيت المملكة والرئاسة القديمة، ولقبوه أمير المسلمين. وقصدوا بلاد إفريقية فملكوها جميعاً شرقا وغرباً، إلا مدينتين؛ تونس والمهدية، فإن الموحدين أقاموا بها، وحفظوها على خوف وضيق وشدة.

стр. 353

وانضاف إلى الملثم كل مفسد في تلك الأرض، ومن يريد الفتنة والنهب والشر. فخرَّبوا البلاد والحصون والقرى، وهتكوا الحُرَم، وقطعوا الأشجار. وكان الوالي على إفريقية عبد الواحد [بن عبد الله الهنتاتي] (١)، وهو بمدينة تونس، فأرسل إلى يعقوب صاحب المغرب وهو بمراكش يعلمه الحال. وقصد الملثم جزيرة باشَوّ (٢)، وهي بقرب تونس، تشتمل على قرى كثيرة فنازلها وأحاط بها، وطلب أهلها منه الأمان فأمنهم، فلما دخلها العسكر نهبوا ما فيها من الأموال والغلات والدواب، وسلبوا الناس حتى ثيابهم، وامتدت أيديهم إلى النسوان والصبيان، فقصدوا لضرورتهم مدينة تونس. فأما الضعفاء، فكانوا يستعطفون من الناس، وأما الأقوياء، فكانوا يخدمون ويعملون بما يقتاتون. ودخل عليهم الشتاء فأهلكهم البرد، ووقع فيهم الفناء، فمات منهم اثني عشر ألفاً، هذا من موضع واحد، فما الظن بالباقي؟. ولما استولى الملثم على إفريقية قطع خطبة عبد المؤمن وأولاده وخطب للإمام الناصر لدين الله (٣)، وأرسل إليه يطلب الخلع والأعلام السود. وقصد في هذه السنة مدينة قفصة فحصرها، فأخرج أهلها من بها من الموحدين، [من عساكر] (٤) ولد عبد المؤمن، وسلموها إلى الملثم، ورتب فيها جنداً من الملثمين والأتراك، وحصنها بالرجال. وأما يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن فإنه لما وصله الخبر اختار من عسكره عشرين ألف فارس من الموحدين، وقصد قلة العسكر لقلة القوت في البلاد، ولما جرى فيها من التخريب وكان ما سنذكره إن شاء الله تعالى. وفيها ................................. (٥) وفيها حج بالناس من العراق طاشتكين، ومن الشام ست الشام وولدها حسام الدين اين لاجين وجماعة (٦) من المعتبرين.

стр. 354

ذكر من توفي فيها من الأعيان أبو محمد (١) عبد الله بن أبي الوحش بَرّي بن عبد الجبار بن بَرّي المقدسي ثم المصرى؛ أحد أئمة اللغة [٢٩] والنحو في زمانه، وعليه كان تعرض المسائل بعد ابن بابشاذ (٢)، وكان كثير الاطلاع عالماً بهذا الشأن، مطرحاً للتكلف في كلامه، لا يعرج على الإعراب فيه إذا خاطب الناس، وله التصانيف المفيدة منها: الحواشي الفائقة على كتاب صحاح الجوهرى، أتى فيها بالعجائب والغرائب، واستدرك عليه فيها مواضع كثيرة، وهي دالة على سعة علمه وغزارة مادته وعظم اطلاعه. واشتغل عليه خلق كثير منهم: أبو موسى الجزُولي صاحب المقدمة في النحو. وكان عارفاً بكتاب سيبويه وعلله، وإليه كان التصفح في ديوان الإنشاء، لا يصدر كتاب من الدولة إلى ملك من ملوك النواحي إلا بعد أن يتصفحه ويصلح ما لعله فيه من خلل خفي. وهذه كانت وظيفة ابن بابشاذ. وولد بمصر في الخامس من رجب سنة تسع وتسعين وأربعمائة، وتوفي بها ليلة السبت السابعة والعشرين من شوال سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة. وبَرى بفتح الباء الموحدة وتشديد الراء المكسورة وبعدها ياء وهو اسم علم يشبه النسبة. أبو السعود الحريمى الطاهري (٣)؛ كان عطاراً فأقامه الله تعالى فانقطع إليه، وصحب الشيخ عبد القادر وأخذ عنه الطريق، وصار المشار إليه بعده. وكانت له كرامات وإشارات وقبول قائم عند الخاص والعام، وكان طريقته الفناء لا يأكل حتى يُطعم، ولا يشرب حتى يُسقى، ولا يلبس ثوباً حتى يجعل في عنقه. وكان بين يدي الله بمنزلة الميت بين يدي الغاسل، لا يزال مستقبل القبلة على طهارة، لا يتكلم إلا جواباً. وكان حسن الأخلاق، كريم الطباع متواضعاً، توفي ليلة الأربعاء عاشر شوال، ودفن بمقابر باب حرب، وبنوا عليه قبة عالية، وقبره ظاهر يُزار. سمع الشيخ [عبد القادر] (٤) وطبقته، وحَدَّث بشيء يسير، واشتغل بحاله عن الرواية ﵀ رحمة واسعة.

стр. 355

الحسن (١) بن على بن بركة بن عَبِيده بفتح العين، أبو محمد المُقْرِئ الكرخى النحوي؛ قرأ القرآن على أبي محمد النحوي، والنحو على أبي السعادات بن الشجري، وسمع الحديث على قاضى المارستان وغيره، واستفاد منه خلق كثير، وكانت وفاته في شوال: وله شعر جيد منه في وصف المشيب هذه الأبيات: وما شنآن الشيب من أجل لونه … ولكنه داع إلى الموتِ مسرعُ إذا ما بدت منه الطليعة آذنت … بأن المنايا بعدها تتطلعٌ فإن قصها المقراض جاءت بأختها … وتطلع يتلوها ثلاثٌ وأربعٌ وإن خُضبت خال الخضاب لأنه … يغالب صنع الله واللهُ أصنعُ ويضحي كريش الديك فيه تَلَمُّعُ … وأفظع ما يُكساه ثوبٌ ملمعُ (٢) ابن رئيس الرؤساء (٣)، واسمه على بن محمد بن عبد الله بن هبة الله بن المظفر ابن رئيس الرؤساء، أبي القاسم علي بن الحسن، ابن المسلمة، أبو نصر، ابن الوزير أبى الفرج الذي قتلته الباطنية في أيام المستضئ وهو خارج إلى مكة. ولما قُتِل أبوه دخل في طريقة التصوف، وبني رباطاً بالقصر من دار الخلافة للصوفية، ورتب فيه جماعة منهم، ولم يدخل في شيء من الولايات. وكان قد سمع ببغداد أبا الوقت، وأبا الفضل الأرموى وغيرهما، وسمع منه أبو القاسم البَندنجي وغيره. وخرج من بغداد ولم يعلم به أحد، فوصل إلى دمشق، فأكرمه صلاح الدين واحترمه، بحيث أن صلاح الدين كان إذا أكل طعاماً وأكل ابن الوزير معه غسل يده معه في الطشت، فحسده شمس الدين بن هبيرة، وبلغ السلطان فقال: هذا وزير ابن وزير ابن وزير - إلى أن انقطع نَفَسُهُ - مع الدين المتين والزهد في الدنيا وغيره. وأقام عند السلطان محترماً إلى أن توفي في جمادى الآخرة، ودفن بقاسيون، وصلى السلطان عليه، وقد بلغ أربعًا وأربعين سنة.
следующие страницы →