← История

История · id 380

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [565 - 628 هـ]

بدر الدين العيني

Полный текст (1 226 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

مزق التقويم والزّيـ … ـج، فقد بان الخطأ (١) إنما التقويم والزّيـ … ـج هَباوٌ وهوا قلت: للسبعة إبرا … مٌ، ومنعٌ، وعطا ومتى ينزلْن في الميـ … ـزان يستولى الهوا وتثير الرمل حتّى … يمتلى منه الفضا (٢) ويعمّ الأرضَ جفٌّ (٣) … وخرابٌ، وبلا ويصير القاع كالقُفِّ (٤) … وكالطّود القَوَا (٥) [وحكمتم] (٦)، فأبي الحا … كم إلّا ما يشا ما أتي الشرع ولا جا … ءت بهذا الأنبيا فبقيتم ضحكةً يضـ … ـحك منها العلما حسبكم خبزيًا وعارًا … ماتقول الشعراء (٧) فعلي اصطرلاب [بطليـ … ـموس] (٨) والزيج العفا (٩) وعليه الخزي ماجا … دت (١٠) على الأرض السما

стр. 352

وقال أبو الغنائم (١) محمد بن المعلم الشاعر، في أبي الفضل المنجم وكان رئيس القوم:- قل لأبي الفضل قولا يَعْرُب (٢) … مضى جمادي وجاءنا رجب وما جرت زعزعة (٣) كما حكموا … ولابدا كوكب له ذنب كلا، ولا أظلمت ذُكَاءُ ولا … أبدت أذيً في قِرانها الشهب يقضى عليها من ليس يعلم ما … يقضى عليه، هذا هو العجب! قد بان كذب المنجمين، وفي … أي مقال قالوا [فما] (٤) كذبوا مدبر الأمر واحدٌ، وليس للسبـ … ـــــعة في كل حادث سبب لا المشترى سالم، ولا زحل … باق، ولا زهرة، ولا قُطُبُ تبارك الله؛ حصحص الحق وانجا … ب التمادي وزالت الرِّيب [٢٨] فليُبْطل المُدَّعون ما وضعوا … في كتبهم ولتُحَرّق الكتبُ (٥) وفيها سار على بن إسحاق الملثم (٦) إلى إفريقية بعد خروجه من بجاية، واجتمع إليه جماعة من العرب، وانضاف إليهم الترك الذين كانوا قد دخلوا من مصر مع شرف الدين قراقوش (٧)، ودخل أيضاً من أتراك مصر مملوك لتقى الدين ابن أخي صلاح الدين اسمه بُوزابه، وكثر جمعهم وقويت شوكتهم. فلما اجتمعوا بلغت عدتهم مبلغاً كثيراً، وكلهم كاره لدولة الموحدين، فاتبعوا جميعهم على بن إسحاق الملثم؛ لأنه من بيت المملكة والرئاسة القديمة، ولقبوه أمير المسلمين. وقصدوا بلاد إفريقية فملكوها جميعاً شرقا وغرباً، إلا مدينتين؛ تونس والمهدية، فإن الموحدين أقاموا بها، وحفظوها على خوف وضيق وشدة.

стр. 353

وانضاف إلى الملثم كل مفسد في تلك الأرض، ومن يريد الفتنة والنهب والشر. فخرَّبوا البلاد والحصون والقرى، وهتكوا الحُرَم، وقطعوا الأشجار. وكان الوالي على إفريقية عبد الواحد [بن عبد الله الهنتاتي] (١)، وهو بمدينة تونس، فأرسل إلى يعقوب صاحب المغرب وهو بمراكش يعلمه الحال. وقصد الملثم جزيرة باشَوّ (٢)، وهي بقرب تونس، تشتمل على قرى كثيرة فنازلها وأحاط بها، وطلب أهلها منه الأمان فأمنهم، فلما دخلها العسكر نهبوا ما فيها من الأموال والغلات والدواب، وسلبوا الناس حتى ثيابهم، وامتدت أيديهم إلى النسوان والصبيان، فقصدوا لضرورتهم مدينة تونس. فأما الضعفاء، فكانوا يستعطفون من الناس، وأما الأقوياء، فكانوا يخدمون ويعملون بما يقتاتون. ودخل عليهم الشتاء فأهلكهم البرد، ووقع فيهم الفناء، فمات منهم اثني عشر ألفاً، هذا من موضع واحد، فما الظن بالباقي؟. ولما استولى الملثم على إفريقية قطع خطبة عبد المؤمن وأولاده وخطب للإمام الناصر لدين الله (٣)، وأرسل إليه يطلب الخلع والأعلام السود. وقصد في هذه السنة مدينة قفصة فحصرها، فأخرج أهلها من بها من الموحدين، [من عساكر] (٤) ولد عبد المؤمن، وسلموها إلى الملثم، ورتب فيها جنداً من الملثمين والأتراك، وحصنها بالرجال. وأما يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن فإنه لما وصله الخبر اختار من عسكره عشرين ألف فارس من الموحدين، وقصد قلة العسكر لقلة القوت في البلاد، ولما جرى فيها من التخريب وكان ما سنذكره إن شاء الله تعالى. وفيها ................................. (٥) وفيها حج بالناس من العراق طاشتكين، ومن الشام ست الشام وولدها حسام الدين اين لاجين وجماعة (٦) من المعتبرين.

стр. 354

ذكر من توفي فيها من الأعيان أبو محمد (١) عبد الله بن أبي الوحش بَرّي بن عبد الجبار بن بَرّي المقدسي ثم المصرى؛ أحد أئمة اللغة [٢٩] والنحو في زمانه، وعليه كان تعرض المسائل بعد ابن بابشاذ (٢)، وكان كثير الاطلاع عالماً بهذا الشأن، مطرحاً للتكلف في كلامه، لا يعرج على الإعراب فيه إذا خاطب الناس، وله التصانيف المفيدة منها: الحواشي الفائقة على كتاب صحاح الجوهرى، أتى فيها بالعجائب والغرائب، واستدرك عليه فيها مواضع كثيرة، وهي دالة على سعة علمه وغزارة مادته وعظم اطلاعه. واشتغل عليه خلق كثير منهم: أبو موسى الجزُولي صاحب المقدمة في النحو. وكان عارفاً بكتاب سيبويه وعلله، وإليه كان التصفح في ديوان الإنشاء، لا يصدر كتاب من الدولة إلى ملك من ملوك النواحي إلا بعد أن يتصفحه ويصلح ما لعله فيه من خلل خفي. وهذه كانت وظيفة ابن بابشاذ. وولد بمصر في الخامس من رجب سنة تسع وتسعين وأربعمائة، وتوفي بها ليلة السبت السابعة والعشرين من شوال سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة. وبَرى بفتح الباء الموحدة وتشديد الراء المكسورة وبعدها ياء وهو اسم علم يشبه النسبة. أبو السعود الحريمى الطاهري (٣)؛ كان عطاراً فأقامه الله تعالى فانقطع إليه، وصحب الشيخ عبد القادر وأخذ عنه الطريق، وصار المشار إليه بعده. وكانت له كرامات وإشارات وقبول قائم عند الخاص والعام، وكان طريقته الفناء لا يأكل حتى يُطعم، ولا يشرب حتى يُسقى، ولا يلبس ثوباً حتى يجعل في عنقه. وكان بين يدي الله بمنزلة الميت بين يدي الغاسل، لا يزال مستقبل القبلة على طهارة، لا يتكلم إلا جواباً. وكان حسن الأخلاق، كريم الطباع متواضعاً، توفي ليلة الأربعاء عاشر شوال، ودفن بمقابر باب حرب، وبنوا عليه قبة عالية، وقبره ظاهر يُزار. سمع الشيخ [عبد القادر] (٤) وطبقته، وحَدَّث بشيء يسير، واشتغل بحاله عن الرواية ﵀ رحمة واسعة.

стр. 355

الحسن (١) بن على بن بركة بن عَبِيده بفتح العين، أبو محمد المُقْرِئ الكرخى النحوي؛ قرأ القرآن على أبي محمد النحوي، والنحو على أبي السعادات بن الشجري، وسمع الحديث على قاضى المارستان وغيره، واستفاد منه خلق كثير، وكانت وفاته في شوال: وله شعر جيد منه في وصف المشيب هذه الأبيات: وما شنآن الشيب من أجل لونه … ولكنه داع إلى الموتِ مسرعُ إذا ما بدت منه الطليعة آذنت … بأن المنايا بعدها تتطلعٌ فإن قصها المقراض جاءت بأختها … وتطلع يتلوها ثلاثٌ وأربعٌ وإن خُضبت خال الخضاب لأنه … يغالب صنع الله واللهُ أصنعُ ويضحي كريش الديك فيه تَلَمُّعُ … وأفظع ما يُكساه ثوبٌ ملمعُ (٢) ابن رئيس الرؤساء (٣)، واسمه على بن محمد بن عبد الله بن هبة الله بن المظفر ابن رئيس الرؤساء، أبي القاسم علي بن الحسن، ابن المسلمة، أبو نصر، ابن الوزير أبى الفرج الذي قتلته الباطنية في أيام المستضئ وهو خارج إلى مكة. ولما قُتِل أبوه دخل في طريقة التصوف، وبني رباطاً بالقصر من دار الخلافة للصوفية، ورتب فيه جماعة منهم، ولم يدخل في شيء من الولايات. وكان قد سمع ببغداد أبا الوقت، وأبا الفضل الأرموى وغيرهما، وسمع منه أبو القاسم البَندنجي وغيره. وخرج من بغداد ولم يعلم به أحد، فوصل إلى دمشق، فأكرمه صلاح الدين واحترمه، بحيث أن صلاح الدين كان إذا أكل طعاماً وأكل ابن الوزير معه غسل يده معه في الطشت، فحسده شمس الدين بن هبيرة، وبلغ السلطان فقال: هذا وزير ابن وزير ابن وزير - إلى أن انقطع نَفَسُهُ - مع الدين المتين والزهد في الدنيا وغيره. وأقام عند السلطان محترماً إلى أن توفي في جمادى الآخرة، ودفن بقاسيون، وصلى السلطان عليه، وقد بلغ أربعًا وأربعين سنة.

стр. 356

البهلوان محمد بن أيلد كز (١)، الملقب شمس الدين، وكان حاكماً على العراق وأذربيجان والرى وأصفهان، وكان اسم الملك واقعاً على [طغرلبك] (٢) بن أرسلان بن [طغرلبك] (٣) بن ملكشاه، ولكنه كان تحت حِجْر البهلوان، ويأكل البلاد باسمه، وكان ظالماً فاتكاً. ولما احتضر أوصى إلى أخيه لأمه قِزل، ومات بهمذان، وخَلَّفَ ما لم يخلفه أحد من الأموال مما لا يحصى، وترك خمسة آلاف مملوك، وثلاثين ألف فرس وبغل و [جمل] (٤). وأقام أخاه مقامه. وفي تاريخ بيبرس (٥): وفي أول هذه السنة توفي شمس الدين محمد البهلوان، وملك أخوه لأمه مظفر الدين قِزل. وكان البهلوان صاحب بلد الجبل وهمذان والرى وأصفهان وأذربيجان وأرَّان (٦) وغيرها من البلاد، وكان عادلاً حسن السيرة ذا سياسة حسنة، وكانت تلك البلاد في أيامه آمنة والرعايا مطمئنة. وكان السلطان طغرل بك بن أرسلان بن طغرل بن محمد بن ملكشاه معه ليس له إلا الخطبة فقط، وليس له من الأمر شيء، فلما مات البهلوان وملك أخوه قِزل أرسلان، كره طغرل مكان الحجر عليه، وخرج عن حكمه، وانضم إليه جماعة من الأمراء والجند البهلوانية، فاستولى على بعض البلاد، وجرت بينه وبين قِزل خطوب، ثم اتهم الأمراء البهلوانية بمباطنة قِزل أرسلان، فجمعهم وقتلهم، وقتل وزيره عز الدين، وأخاه صبرا، فنفرت منه قلوب خواصه، وانحازوا إلى قِزل أرسلان، وكان ذلك من أَكَدَّ أسباب استيلاء قِزل أرسلان وتمكنه. قلت: قد اختلف كلام المؤرخين في سيرة البهلوان؛ فذكر صاحب المرآة (٧) أنه كان ظالماً فاتكاً كما ذكرنا. وذكر بيبرس أنه كان عادلاً حسن السيرة. وكذلك ذكر المؤيد في

стр. 357

تاريخه (١). وابن كثير (٢) أيضاً في تاريخه. وقِزل أرسلان اسمه عثمان، وهو بكسر القاف والزاي المعجمة، وفي آخره لام، ومعناه الأحمر. وأرسلان معناه الأسد، والبهلوان بفتح الباء الموحدة.

стр. 358

[٣١] [ فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الثالثة والثمانين بعد الخمسمائة (¬*)] (١) استهلت هذه السنة وكان أولها يوم السبت، وكان يوم النيروز (٢)، وذلك أول سنة الفرس، واتفق أنه أول سنة الروم أيضاً، وهذا اليوم الذي نزلت فيه الشمس برج الحمل، وكذلك كان القمر في برج الحمل أيضاً. قال ابن الأثير (٣): وهذا شيء يبعد وقوع مثله. [ذكر غزوات صلاح الدين وفتوحاته] (٤) كان السلطان ﵀ قد جمع عساكره في آخر السنة الماضية، ولما استهلت هذه السنة - التي أولها يوم السبت - برز السلطان من دمشق في هذا اليوم، وقيل برز في أثناء الشهر، أعني محرم هذه السنة، فسار إلى رأس الماء (٥)، فنزل ولده الأفضل هناك في طائفة من الجيش، وتقدم السلطان ببقية الجيش إلى بصرى، ثم خيم على قصر أبي سلامة ينتظر قدوم الحاج، وفيهم أخته ست الشام وابنها حسام الدين محمد بن عمر بن لاجين، ليَسلَموا من معرة إبرنس الكرك (٦). وفي تاريخ بيبرس: وفي هذه السنة تقدم أمر صلاح الدين إلى جميع البلاد بأن يحضروا للغزاة في سبيل الله، فحضر من النجدات عسكر الموصل وعسكر ديار بكر مقدمهم الأمير زين الدين (٧) صاحب حران، وعسكر الشام مقدمهم اين دَلْدُرم، وعسكر

стр. 359

مصر وحلب وغيرها. وخرج من دمشق وقصد الكرك على ما نذكره عن قريب إن شاء الله (١). وفي المرآة (٢): خرج السلطان من دمشق غرّة المحرم بعساكر الشام، ونزل بُصرى يرتقب وصول الحاج، وقد كان بلغه أن إبرنس يرتقب وصولهم، فخاف من غدره، ووصل الحاج في أواخر المحرم، وخلا سرّ السلطان منهم، فسار إلى الكرك على ما نذكره. وذكر صاحب النوادر السلطانية (٣): لما كان المحرم سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة عزم صلاح الدين على قصد الكرك، فسير إلى حلب من يستحضر العسكر، وبرز من دمشق في منتصف المحرم، فسار حتى نزل بأرض منيطرا (٤) لاجتماع العساكر المصرية والشامية. وأمر العساكر المتواصلة إليه بشن الغارة على ما في طريقهم من البلاد الساحلية، ففعلوا ذلك، وأقام ﵀ بأرض الكرك حتى وصل الحاج الشامي إلى الشام، وأمنوا غائلة العدو. ووصل قَفْل مصر الشتوى، ووصل معهم بيت الملك المظفر، وما كان له بالديار المصرية. وتأخرت عنه العساكر الحلبية بسبب اشتغالهم بالفرنج بأرض أنطاكية، وبلاد ابن لاون (٥)؛ وذلك أنه كان قد مات - لعنه الله - ووصى لابن أخيه بالملك. وكان الملك المظفر بحماة، وبلغ الخبر السلطان، فأمرهم بالدخول إلى بلاد العدو وإخماد ثائرته، وكان وصول تقي الدين إلى حلب في [سابع عشر] (٦) من محرم هذه السنة، فنزل دار عفيف الدين بن زريق وأقام بها إلى ثالث صفر، ثم انتقل [٣٢] إلى دار طمان (٧). وفي تاسع صفر سار الملك المظفر بعسكر حلب إلى حارم وأقام بها، ليعلم العدو أن هذا الجانب ليس بمهمل. وعاد السلطان إلى الشام، وكان وصوله إلى السواد في خامس عشر ربيع الأول من هذه السنة.

стр. 360

وفي يوم الخميس سابع عشره نزل بعشترا، ولقيه ولده الملك الأفضل ومظفر الدين وجميع العساكر. وفي منتصف ربيع الآخر عرض السلطان العساكر على تل يعرف بتل تسيل، وتقدم إلى أرباب الميمنة بحفظ موضعهم، وإلى أصحاب الميسرة كذلك، وإلى أصحاب القلب بمثله. ثم ذكر صاحب هذا التاريخ (١) وقعة حطين، ولم يذكر ما جرى قبل هذه الوقعة من الأمور، ونحن نذكرها مفصلة بعون الله ولطفه. ذكر محاصرة الكرك لما قدم الحاج في أواخر صفر، نزل السلطان على الكرك، وقطع ما حوله من الأشجار ورعي الزروع وأكلوا الثمار، وجاءته العساكر المصرية فتلقاهم بالقريتين، واجتمع عنده خلق كثير من العرب والترك والكرد وغيرهم. وكذلك فعل بشوبك ما فعل بالكرك من المضايقة والمحاصرة، وإذهاب ضياء تلك الضياع، وإزالة نقاء تلك البقاع. وأقام على هذه الحالة في ذلك الجانب شهرين، والملك الأفضل ولده مقيم برأس الماء في جمع عظيم من العسكر، وتوافت الجيوش الشرقية فنزلوا عند الأفضل، وقعدوا ينتظرون الإشارة من السلطان (٢). ذكر بعث الأفضل إلى أعمال طبرية سرية ثم إن الملك الأفضل بعث سرية (٣) نحو أعمال طبرية وأمرهم بالغارة على الغِرَّة، وجعل مقدمهم مظفر الدين بن زين الدين على كوجك، وجعل على عسكر دمشق قايماز النجمي، وعلى عسكر حلب دُلْدَّرم الياروقي، فساروا وصَبَّحوا صفورية (٤)، فخرج إليهم الفرنج في جمع عظيم من الداوية. والإستبارية وغيرهما، فوقع حرب عظيم وكاد المسلمون أن ينهزموا وينفلوا، فثبت قايماز النجمي في صدورهم، وكذلك مظفر الدين

стр. 361

حمل عليهم من ناحية، ودُلدروم من ناحية، فقتلوا وغنموا وأسروا وسبوا ورجعوا سالمين غانمين. وجاء الخبر بالفتح والظفر للسلطان صلاح الدين وهو بالكرك، وكان هذا مقدمةً للفتح (١). وفي تاريخ بيبرس: ندب السلطان ولده الأفضل للغارة على عكا والسواحل، وسير صحبته مظفر الدين كوكبري، فلما وصلوا صفورية التقوا الفرنج ووقع القتال، فهزم الله الإفرنج وقتلوا منهم جماعة كثيرة؛ منهم مقدم الإستبارية، وأسر الباقون. وسُيّرت البشائر إلى البلاد، ولما انتهى الخبر إلى السلطان، رجع عن الكرك ولحق بالعسكر الذي مع ولده الأفضل وقد تلاحقت إليه العساكر والنجدات. وفي المرآة (٢): كان السلطان صلاح الدين قد أَمر ولده الأفضل عند مسيره إلى الكرك أن ينزل على رأس الماء بطائفة من العسكر، [٣٣] ينتظر باقي العساكر الشرقية، فأنهض الأفضل منهم طائفة للغارة على طبرية، وجعل مقدم العساكر الشرقية مظفر الدين، وعلى عسكر الشام صارم الدين قايماز النجمي، فنازلوا طبرية، وتقدم بدر الدين دُلْدُرم مقدم عسكر حلب إلى طبرية، فخرج إليه مقدم الداوية والإستبارية ومعهم جماعة فقاتلوهم، فقتلهم دلدرم وأسر بعضهم، وسار إلى صفورية ففعل كذلك، وعاد بالأساري إلى الأفضل وهو على شعب الشقيفات (٣). وجاء السلطان تسيل، قرية غربي نوي، وصعد على تلها، وعرض العساكر وسَّرَّ بما رأي، واندفع يوم الجمعة السابع والعشرين من ربيع الأول نحو "فيق" (٤). ورحل الأفضل بالعساكر معه، فالتقوا على الأقحوانة، وكان يقصد المسير إلى العدو يوم الجمعة تبركاً بأدعية الخطباء، وخيم على ساحل البحيرة في اثني عشر ألفاً من الفرسان، وأما الرجالة فيقال أنهم كانوا في ثمانين ألفاً ما بين فارس وراجل، فنزلوا صفورية، وتقدم السلطان إلى طبرية.

стр. 362

ذكر محاصرة طبرية وفتحها لما تقدم السلطان إلى طبرية نصب عليها المجانيق ونقب أسوارها، ففتحها يوم الخميس "الرابع عشر" (١) من ربيع الآخر، وتمنعت القلعة عليه وبها زوجة القومص، وتقدم الفرنج فنزلوا لُوبيه (٢) يوم الجمعة عند طلوع الشمس، وملك المسلمون عليهم الماء، وكان يوماً حاراً، والتهب الغور عليهم، وأضرم مظفر الدين النار في الزرع، وباتوا طول الليل والمسلمون حولهم. فلما طلع الفجر يوم السبت، قاتلوا إلى الظهر، ثم صعدوا (٣) إلى تل حطين (٤) على ما نذكر الآن. وقعة حطين وقال ابن كثير (٥): لما سار السلطان إلى طبرية فتحها، وقد كانت طبرية تقاسم بلاد حوران (٦) والبلقاء وما حولها من الجولان (٧)، وتلك الأراضي كلها بالنصف، فأراح الله المسلمين من تلك المقاسمة وتوفرت عليهم. وقال العماد (٨): وكانت الست صاحبة طبرية قد حمتها، ونقلت إليها كل ما ملكته وحوته، فلما جاء إليها السلطان أمنها على أصحابها وأموالها، وخرجت بنسائها ورجالها، وسارت الست إلى طرابلس - بلد زوجها القومص - بمالها وحالها، وعادت طبرية آهلة آمنة بأهل الإيمان، ثم عين السلطان لولايتها صارم الدين قايماز النجمي وهو من أعيان الأمراء.

стр. 363

وقال ابن كثير (١): ولما اجتمع السلطان بولده الأفضل خيم على عشترا، وسمع الفرنج بذلك، فاجتمعوا كلهم وتصالحوا فيما بينهم، ودخل بينهم قومص صاحب طرابلس الذي نقض العهد، وإبرنس الكرك في جمع عظيم، قيل: كانوا خمسين ألفاً. وقيل: ثلاثاً وستين ألفاً، وقد خوفهم القومص بأس المسلمين، فاعترض عليه إبرنس الكرك، فقال له: [لا أشك] (٢) إنك تحب المسلمين وتخوفنا من كثرتهم، والنار لا تخاف من كثرة الحطب. فقال القوم لهم: ما أنا إلا واحد منكم، وسترون غب ما أقول لكم. وكانت طبرية لقومص، وكان قد هادن السلطان ودخل في طاعته - كما ذكرنا - فأرسلت الفرنج إليه والقسوس والبطرك ينهونه عن [٣٤] موافقة السلطان. وأصل ملك قومص طبرية أنه كان لطبرية ملك يقال له أماري بن فلك، هلك في آخر سنة تسع وستين وخمسمائة، وخلف ولداً مجذوماً قد سقطت أعضاؤه، فوضع الفرنج التاج على رأسه، ورضوا به مع عيبه، حتى لا يخرج الملك من بيتهم، فبقى بينهم زهاء عشر سنين ملكاً مطاعاً (٣)، فلما أحس بهلاكه أحضر البطريق والقسوس وأكابر دولته، وكان له ابن أخت صغير، وقال لهم: يكون هذا ملكاً ولكن القومص يكفله إلى أن يكبر، فإذا كبر يستقل بالملك دونه. فلما سمع قومص الوصية بذلك قبلها وسكن بطبرية، وتزوجت أم الصغير بقومص، فأراد قومص أن يستبد بالملك فلم يوافقه الداوية، وقالوا يلزمك العمل بشروط الوصية، فكفل بالأمر وهو مغلوب، ورغب في مقاربة السلطان ومهادنته؛ ليتقوى بذلك على المُلك. فاشتد أمره إلى أن مات الصغير، فانتقل المُلك منه إلى أمه، وبطل ما كان في نية قومص من استبداده بالملك، فانتقل المُلك إليها واجتمع الفرنج عليها، فقالت لهم: زوجى أقدر على الملك وهو أحق به. وأخذت التاج من رأسها فوضعته على رأسه، ثم إن الملك الكبير طالب قومص بحساب ما تولاه، فاستنصر قومص عليه بالسلطان صلاح الدين، فهادنه وتقرب منه. ثم لما اجتمعت العساكر الإسلامية من الشامية والمصرية والجزرية، جاء الملك إلى قومص بنفسه وقبح له رأيه في مهادنته مع السلطان، ورجَّعه عن ذلك، حتى اتفقت الإفرنج كلهم على المسلمين (٤).

стр. 364

ذكر وقعة حطين ولما اجتمع الفرنج لملتقى السلطان بفارسهم وراجلهم وساروا إلى السلطان، ركب السلطان من عند طبرية وسار إليهم يوم السبت لخمس بقين من ربيع الآخر، والتقى الجمعان واشتد القتال، ولما رأى القومص شدة الأمر حمل على من قدامه من المسلمين، وكان هناك تقي الدين صاحب حماه فأخرج له وعطف عليهم، فنجا القومص ووصل إلى طرابلس وبقى مدة ومات غُبنًا لعنه الله. وأخذ المسلمون بالفرنج من كل ناحية وأبادوهم قتلاً وأسراً، وكان في جملة من أسر ملك الفرنج الكبير والبرنس أرناط صاحب الكرك وصاحب جُبيل وابن الهنفري ومقدم الداويه وجماعة من الاستباريه (١)، وما أصيب الفرنج من حين خرجوا إلى الشام وهي سنة إحدى وتسعين وأربعمائة إلى الآن بمصيبة مثل هذه الوقعة، وهي الوقعة العظيمة التي فتح الله بها الساحل وبيت المقدس. وقال ابن الأثير (٢): وكان في جملة الأساري جميع ملوكهم سوي قومص صاحب طرابلس فإنه انهزم في أول الوقعة وأخذ صليبهم الأعظم عندهم، وهو الذي يزعمون أنه هو الذي صُلب عليه المصلوب، وقد غلفوه بالذهب ورصعوه باللآلى والجواهر النفيسة ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦)﴾ (٣). وقال ابن واصل (٤): ذكر العماد أن السلطان الملك [٣٥] الناصر خلص في هذه التوبة ثلاثين ألف أسير من المسلمين، وأسر من الكفار مائة ألف أسير، وكان يوماً عظيماً حتى إنه ذكر أن بعض الفلاحين رآه بعضهم وهو يقود نيفاً وثلاثين أسيراً من الفرنج، قد ربطهم بطنب خيمة، وباع بعضهم أسيراً بنعل لبسها في رجله. وفي المرآة (٥): ولما فتح الله للمسلمين ونصرهم على الإفرنج جيء إلى السلطان بصليب الصلبوت، وهو مرصع بالجواهر واليواقيت في غلاف من ذهب، وهو عند

стр. 365

النصارى مثل المسيح. والذي أسر الملك درباس الكردي، والذي أسر إبرنس إبراهيم غلام المهراني، فلما رآهم السلطان نزل وسجد شكراً لله تعالى، وجاء إلى خيمته فاستدعاهم فجلس الملك عن يمينه وإيرنس الكرك إلى جانب الملك، ونظر السلطان إلى الملك وهو يلهث عطشاً، فأمر له بقدح من ثلج وماء فشربه وسقي الإيرنس. فقال السلطان: ما أذنت لك بسقيه فلم سقيته؟ وكان السلطان قد نذر أن يقتل الإبرنس بيده، فقال له: يا ملعون يا غدار حلفت وغدرت ونكثت، وجعل يعدد عليه غدراته، ثم قام إليه فضربه بالسيف حلَّ كتفه، وتقدم المماليك وقطعوا رأسه وأطعموا جثته للكلاب، فلما رآه الملك قتيلاً خاف وطار عقله، فأمنه السلطان وقال: هذا غدار وكذاب غدر غير مرة (١). وقال ابن كثير (٢): ولما تمت الوقعة أمر السلطان بضرب مخيم عظيم وجلس فيه على سرير المملكة، وعن يمينه أسرّة وعن يساره مثلها، وجيء بالأسارى يسحبون في قيودهم فضربت أعناقهم، فيهم جماعة من مقدمي الداوية والإستبارية بين يديه صبراً ولم يترك منهم من كان يذكر الناس عنه ذكراً، ثم جيء بالملوك فأجلسوا عن يمينه ويساره على مراتبهم؛ فأجلس ملكهم الكبير عن يمينه، وتحته أرناط برنس الكرك، وبقية الملوك عن يساره. فجيء [إلى] (٣) السلطان بشراب من الجلاب (٤) مثلوج فشرب، ثم ناول الملك فشرب، ثم ناول أرناط فشرب، فغضب السلطان وقال: أنا سقيتك ولم آمرك أن تسقيه هذا لا عهد له عندي. ثم تحول السلطان إلى خيمة داخل الخيمة واستدعى أرناط، فلما أوقف بين يديه قام إليه بالسيف وقال: أنا أنوب عن رسول الله ﷺ ثم دعاه إلى الإسلام، فامتنع، فقتله وأرسل برأسه إلى الملوك وقال إنَّ هذا تعرض نسب رسول الله ﷺ فقتلته (٥). وقال العماد: قام السلطان فضرب عنقه بيده. قلت: إنما فعل ذلك بيده إقامة لنذره الذي نذر حين مرض كما ذكرناه، ثم قتل السلطان جميع من كان في

стр. 366

الأسرى من الداوية والإستبارية صبراً، وأراح الله المسلمين من هذين الجنسين النجسين، ولم يُسلم ممن عرض عليه الإسلام منهم إلا القليل فيقال: إنه بلغ القتلى ثلاثين ألفاً، وكذلك الأسرى كانوا ثلاثين ألفاً، وكان جيش الإفرنج ثلاثة وستين ألفاً، فقتلهم ومن سلم منهم مع قلتهم [٣٦] أكثرهم جرحي، فماتوا ببلادهم بعد رجوعهم، ثم أرسل برؤوس الأسرى ورؤوس أعيان القتلى وصليب الصلبوت صحبة القاضي ابن أبي عصرون إلى دمشق؛ ليُودعوا في قلعتها، فدخل بالصليب منكوساً بين يدي القاضي إلى دمشق، وكان يوماً مشهوداً (١). وذكر في النوادر (٢) ما ملخصه: أن صلاح الدين اندفع قاصداً نحو بلاد العدو في وسط نهار الجمعة السابع عشر من ربيع الآخر من هذه السنة، وكان بلغه أنهم اجتمعوا بأسرهم في مرج صفورية بأرض عكا، فقصدوا نحو المصاف معهم، فسار ونزل من يومه على بحيرة طبرية عند قرية تسمى الصنبرة (٣)، ورحل من هناك ونزل غربي طبرية على سطح الجبل، وكان نزوله يوم الأربعاء الحادي والعشرين من ربيع الآخر، ولما رآهم لا يتحركون نزل جريدة على طبرية، وترك الأطلاب على حالها قبالة وجه العدو. وزحف على طبرية فأخذها في ساعة من النهار، ثم التقى العسكران على سطح جبل طبرية الغربي منها، وذلك في آخر الخميس الثاني والعشرين من ربيع الآخر. وحال الليل بين الفريقين، فتبايتا على مصاف شاكين في السلاح إلى صبيحة الجمعة الثالث والعشرين منه، فركب العسكران وتصادما وذلك بأرض قرية تسمى اللُوبيا، فحال الليل بينهما أيضاً. ولما كان صباح السبت الرابع والعشرين منه، ووقع القتال نصرالله المسلمين بعونه ولطفه، فلم ينج منهم واحداً، واعتصمت طائفة أخرى بتل يقال له: تل حطين - وهي قرية. عنده قبر شعيب ﵇، ثم ذكر مثل ما ذكرنا. ثم قال: ولما كان يوم الأحد الخامس والعشرين من ربيع الآخر نزل السلطان على طبرية، وتسلم في بقية ذلك اليوم قلعتها وأقام بها إلى يوم الثلاثاء (٤). وقال ابن الساعاتي الشاعر يمدح السلطان، ويذكر وقعة حطين وغيرها وهي هذه:

стр. 367

جَلتْ عَزماتُك الفتحَ المُبِينَا … فَقَدْ قَرّتْ عُيونُ المؤْمِنينا (١) ردَدْتَ أخِيذَةَ الإسلام لَمّا … غدا صَرفْ الْقَضاء بها ضمينا (٢) وهانَ بِكَ الصليبُ وكان قِدْمّاِ … يَعِزُّ على العَوالى أنْ يَهُونَا ومنها: وصرتَ بوجْنَةِ الأيام خَالاً … وفي جيد العُلا عِقْداً ثميناً وما طبريةُ إلا هدىٌّ … تَرفَّعَ عَنْ أكُفِّ اللامِسِينا فَضضت خِتَامَها قَسْراً ومَنْ ذَا … يَصُدُّ: الليث أنْ يَلجَ (٣) العَرِينا لقد أنكَحتها سُمْرَ المعالي (٤) … فكانَ نتاجها الحربَ الزَّيُونا قسَتْ حتى رَأَتْ كُفْؤا فلانَتْ … وغايةُ كُلِّ قاس أنْ يَلِينَا ومنها يهُزّ مَعَاطِفَ القُدْسِ ابتِهَاجًا … ويَرْضَى عَنْك مكَّةُ والْحُجُونا [٣٧] فلَو أنَّ الجمادَ يُطِيقُ نُطْقًا … لنادَتْكَ ادخُلُوها آمِنينَا ومنها: ففي بَيسان ذا قُوامِنْك بُؤْسَا … وفي صَفَد أَتَوْكَ مُصَفَّديِنا (٥) لقد جَاءتْهُمُ الأحْداثُ جَمعاً … كأنّ صروفها كانت كمِينَا ومنها: وقَد جردَّتَ عَزْماً نَاصِرِياً … يُحدِّثُ عن سَنَاهُ طُور سِينَا وأذْعَن كوْكَب لَمَّا تَهَاوَتْ … نجومُ مُلُوكِها لَك مُذْعِنِينَا فكنت كيوسفَ الصديق لما … له هوت الكواكب ساجدينا لقد فَضَلتَ قَوافِيك القَوافي … كما فضَلَ العبيرُ الياسَمِينا فأحْسِنْ واثقا بالله صُنْعاً … فليسَ يضيعُ أجرُ المحْسنِيِنا لقد أتْعَبْتَ مَن طَلَبَ المَعَالي … وحَاولَ أن يَسُوسَ المُسْلِمينا

стр. 368

ذكر فتح عكا وفيها لغتان المد والنسبة إليها: عكَّاوي وعكة بالهاء. ولما فرغ السلطان من أمر طبرية سار إلى عكا، فنزل عليها يوم الأربعاء سلخ ربيع الآخر ففتحها صلحًا يوم الجمعة، وأخذ ما كان بها من حواصل وأموال وذخائر ومتاجر، واستنقذ من كان بها من المسلمين فوجدوا بها أربعة آلاف أسير منهم، ففرج الله عنهم، وأمر بإقامة الجمعة بعكا فكانت أول جمعة أقيمت بالساحل بعد أن أخذه الفرنج من نحو تسعين سنة. وقال العماد الكاتب: وكان السلطان جعل للفقيه ضياء الدين عيسى الهكاري كل ما يتعلق بالداوية من منازل وضياع، فأخذها بما فيها من غلال (١) ومتاع، ووهب عكا لولده [الملك] (٢) الأفضل. وقال: ودخلناها يوم الجمعة مستهل جمادى الأولى فأقمنا بها الجمعة، وأعدنا الكنيسة العظمى [مسجداً] (٣) جامعاً. وخطب جمال الدين عبد اللطيف، ابن الشيخ أبي النجيب السهروردي (٤)، فإنه تولى بها القضاء والخطبة. وفي المرآة (٥): نازل السلطان صلاح الدين عكا يوم الأربعاء سلخ ربيع الآخر وليس بها من يحميها؛ لأن وقعة حطين أبادتهم، وكانوا ثلاثين ألف فطلبوا منه الأمان على نفوسهم وما يقدرون على حمله فأمنهم، فدخلها يوم الجمعة غرة جمادى الأولى، وغنم المسلمون أموالًا لا تحصى. ولما دخلوا عكا ركز كل واحد رمحه على دار فأخذها وما فيها، ولم يحضر هذا الفتوح العادل سيف الدين (٦) أخو السلطان، وكان بمصر، فجاء

стр. 369

ففتح في طريقه مجدل بابا (١) ويافا على ما نذكره، وحضره الملك العزيز (٢) لأنه مقدم مع العسكر المصري، ومضى إلى مصر وما عاد، اجتمع بأبيه وفارق أباه في شعبان والسلطان على صور (٣). وكتب العماد الكاتب إلى بغداد كتاباً أوله ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥)﴾ (٤). والحمد لله على إنجاز هذا الوعد، وعلى نصرته لهذا الدين الحنيف من قبل ومن بعد، وجعل من بعد عسر يسرا، وأحدث [زمن] (٥) بعد أمر أمراً، وهوَّن الأمر الذي ما كان الإسلام يستطيع عليه صبراً، وخوطب [النبي] (٦) بقوله: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (٣٧)﴾ (٧) فالأولى في عصر النبي ﷺ والصحابة، والأخرى في هذه الدولة التي عتق فيها من رق الكتابة والزمان كهيئته قد استدار، والحق ببهجته قد استنار، والكفر قد ردَّ ما عنده من الشعار، والخادم ينشرح (٨) في هذا الفتح العظيم والنصر الكريم ما يشرح صدر المؤمنين، ويسوء وجوه الكافرين، ويورد من البشرى ما أنعم الله به من يوم الخميس الثالث والعشرين من ربيع الآخر سلخه، وتلك سبعة أيام وثمانية أيام حسوما، عدموا فيها نفوسا وجسوما، فأصبحوا وقد هَوَوْا في الهاوية كأنهم أعجاز نخل خاوية، وأصبحت البلاد إلى الإسلام ضاحكة كما كانت بالكفر باكية. ففي يوم الخميس فتحت طبرية ويوم الجمعة والسبت كانت الكسرة التي ما أبقت منهم بقية، لا يقوم لهم بعدها قائمة، ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ (٩) وهي أم البلاد وأخت إرم ذات العماد، إلى غير ذلك من الكلمات.

стр. 370

ذكر فتح مجدل يابا ثم إن السلطان ﵀ أرسل أخاه الملك العادل فنازل مجدل يابا وفتحه عنوة بالسيف. وقال ابن كثير (١): وجاء العادل إلى السلطان بعد وقعة حطين وفتح عكا، ففتح بنفسه حصوناً كثيرة. وقال العماد الكاتب (٢): ولما فتح السلطان مدينة عكا، أقام ببابها مخيماً، وعلى فتح سائر بلاد الساحل مصمماً، وقد كان كتب إلى أخيه الملك العادل سيف الدين أبي بكر وهو بمصر بما فتح الله له، فوصلت البشري بوصوله - أي بوصول العادل - باشراً، وللواء الحمد ناشرًا، وأنه فتح حصن مجدل يابا ومدينة يافا عنوة، واغتنمها غزوة، ثم إن السلطان فرق أمراءه إلى فتح بلاد، ففتح كل واحد منهم حصنًا أو قلعة على ما نذكره الآن إن شاء الله. ذكر فتح ناصرة وصفورية أرسل السلطان مظفر الدين كوكبوري إلى الناصرة [وصفورية]، (٣) ومعه حسام الدين طمان، فاستباحا حماها واستبي دماءهما، ففتحهما وغنم ما فيهما من الأموال والذخائر، وجاء إلى السلطان والأساري بين يديه مقرنين في الأصفاد، مقادين في الأقياد. وفي تاريخ المؤيد (٤): وفرق السلطان عسكره ففتحوا الناصرة وقيسارية وهيفاء (٥) وصفورية ومعليا (٦) والفولة وغيرها من البلاد المجاورة لعكا بالسيف، وغنموا وقتلوا وأسروا أهل هذه الأماكن (٧).

стр. 371

ذكر فتح قيسارية أرسل السلطان بدر الدين دلدروم الياروقي وغرس الدين قليج وجماعة من الأمراء إلى قيسارية، فافتتحوها بالسيف، وغنموا وأسروا وسبوا (١). ذكر فتح نابلس أرسل السلطان حسام الدين محمد بن عمر بن لاين على سمت نابلس، ووصل إلى سبسطية (٢) [٣٩] فتسلمها وتعجل مغنمها، فوجد مشهد زكريا النبي ﵇ قد اتخذه القسوس كنيسة، وأعاده مشهداً، ورده مسجداً، ووضع فيه منبراً، ثم أناخ على نابلس وحاصرها وطال عليه حصارها، ولم يزل عليها مقيماً ولقتالها مديماً، إلى أن استأمنوا منه فأمنهم، ففتحوا له القلعة، وملكها حسام الدين. ثم إن السلطان استنابه على نابلس ومعاملتها (٣). ذكر فتح الفُولة (٤) وغيرها من البلاد وكانت الفولة أحسن القلاع وأحصنها وأملأها بالرجال والعدد، وهي للداوية حصن حصين ومكان مكين، وكان فيها مشتاهم ومصيفهم، ومقراهم ومضيفهم. فلما أتفق يوم المصاف خرجوا بأجمعهم إلى مصرعهم، فلما كسروا وأسروا وخسروا، أسلموا الحصن بما فيه إلى السلطان، وكانت فيه ذخائر عظيمة، ثم تسلم السلطان جميع ما كان في تلك الناحية من البلاد مثل: دبورية (٥) وجينين (٦) وذَرْعين (٧) والطور واللجون (٨) وبَيْسان

стр. 372

والقيمون (١) وجميع ما للطبرية وعكا من الولايات، والزيب (٢) والبعنة وإسكندرونة (٣) ومنواث (٤) وغير ذلك. ذكر فتح تبنين ولما خلصت تلك الممالك والأعمال للسلطان، رسم لابن أخيه الملك المظفر عمر ابن شاهنشاه بقصد حصن تبنين، وأن يتوكل على الله ويستعين. قال العماد (٥): فوصلنا إلى تبنين في ثلاث مراحل، ونزلنا عليها بالنوازل وبسطنا من المجانيق عليها أيدي الغوائل. فلما آيسوا من الحياة وعاينوا الممات سألوا الأمان من السلطان، واستمهلوا خمسة أيام لينزلوا بأموالهم فأمهلوا، وأطلقوا أسارى المسلمين، فلما جلوا البقعة وأخلوا القلعة، سيرهم السلطان ومعهم من العسكر المنصور من أوصلهم إلى صور (٦)، ورتب في الموضع مملوكه سنقر، ووصاه بتأنيس النافر، وتعكيس الكافر، وأن يصلح خندقها وسورها (٧). وفي النوادر (٨): نزل السلطان عليها يوم الأحد حادي عشر جمادى الأولى، وهي قلعة منيعة، وكان بها رجال أبطال شديدون في دينهم، فاحتاجوا إلى معاناة شديدة، ونصره الله عليهم، وتسلمها يوم الأحد ثامن عشر الشهر المذكور عنوة، وأسر من بقي بها بعد القتل، ثم رحل منها إلى مدينة صيدا متوكلاً على الله (٩).

стр. 373

ذكر فتح صيدا نزل عليها السلطان بعسكره يوم الأربعاء الحادي والعشرين من جمادى الأولى، فجاء رسل صاحبها بمفاتيحها وفتحت أبوابها، ودخل فيها المسلمون، وأقيمت بها الجمعة والجماعة. [ذكر فتح بيروت] (١) ثم رحل السلطان من صيدا إلى بيروت، فنزل عليها يوم الخميس الثاني والعشرين من جمادى الأولى، وتسلمها يوم الخميس التاسع والعشرين منه، وذلك بعد قتال عظيم وحصار شديد ونقب لأسوارها. وظهر في تلك الأيام خراب شديد من الداوية، فأخر الأمر [٤٠] لما اشتد بهم الحال خرج أحد المقدمين يستدعى الأمان، فأمّنهم السلطان فنزلوا على الطاعة، وسلَّموا البلد في التاريخ المذكور. وفي النوادر (٢): لما فرغ بال السلطان من هذا الجانب رأي قصد عسقلان (٣)، ولم ير الاشتغال بصور بعد أن نزل عليها ومارسها في هذا الوقت؛ لأن العسكر كانوا تفرقوا في الساحل، وذهب كل إنسان يأخذ لنفسه شيئاً، وكانوا قد ضرسوا من القتال وملازمة الحرب، وكان قد اجتمع في صور كل فرنجى بقى في الساحل فرأى قصد عسقلان لأن أمرها كان أيسر. وكان السلطان فتح جُبيل (٤) يوم الثلاثاء السابع عشر (٥) من جمادى الأولى، وكان صاحب جبيل اسمه أوْك وهو الذي سلم جبيل إلى السلطان وهو على بيروت.

стр. 374

ذكر فتح عسقلان وغزة والداروم نزل السلطان عليها يوم الأحد السادس عشر من جمادى الآخرة، واجتمع السلطان بأخيه العادل عليها، وامتنع أهلها أشد الامتناع، وقاتلوا قتالاً عظيما. فضيق السلطان عليها بالرجال والقتال، ونصب المجانيق ونقب الأسوار، فلما ضاق عليهم الحال رأسلهم الملك المأسور وقال: قد بان عُذركم حين نقب السور. فترددت بينهم الرسالات، فقال لهم الملك المأسور: [لا تخالفوا ما به] (١) أشير عليكم من الأمر، فاسمعوني وأطيعوني، واحفظوا رأسي فهو رأس مالكم، فإني إذا تخلّصت خلّصت، وإذا استُنقذت أنْقذت (٢). وخرج المقدمون منهم وشاوروا الملك، فسلموا عسقلان على خروجهم بأموالهم سالمين، وذلك يوم السبت لانسلاخ جمادى الآخرة (٣). وممن استشهد على عسقلان من الأمراء الكبار إبراهيم بن حسين المهراني (٤)، وهو أول أمير افتتح بالشهادة، وختم بالسعادة. وكان السلطان قد أخذ في طريقه إلى عسقلان الرملة، ويُبْني (٥)، وبيت لحم (٦)، والخليل (٧)، وأقام بها حتى تسلم حصون الداوية، وغزة، والنطرون (٨)، وبيت جبريل (٩). وكان قد استصحب معه مقدم الداوية، وشرط أنه إذا سَلَّمَ معاقلهم أطلقه، فسلم هذه المواضع الوثيقة. ثم اجتمع بالسلطان ابنه الملك العزيز عثمان صاحب مصر على عسقلان، فقرت عينه بولده، واعتضد بعضده، وكان قد استدعى الأساطيل المنصورة فوافت، والحاجب

стр. 375

لؤلؤ (١) المقدم فيها، وغنم الجيش والمسلمون من هذه الأماكن، وسبوا شيئاً كثيراً لايُحد ولا يوصف، واستبشر الإسلام وأهله شرقاً وغرباً بهذا النصر العظيم والفتوحات الهائلة. وترك السلطان جيوشه ترتع في هذه الفتوحات والغنائم الكثيرة مدة شهور؛ ليستريحوا ويجمعوا أنفسهم وخيولهم؛ ليتأهبوا لفتح بيت المقدس الشريف، وأشاع في الناس أن السلطان على عزم فتح بيت المقدس، فقصده العلماء والصلحاء والمتطوعة من كل فج عميق، فعند ذلك قصد السلطان بيت المقدس بمن معه على (٢) [٤١] ما نذكره إن شاء الله تعالى. وفي تاريخ بيبرس: ولما فتح السلطان عكا فرق عساكره إلى جميع الحصون الساحلية، فتسلموها أولاً فأول (٣)، ولم يعد للفرنج قدرة على الدفاع، ولا سبيل إلى الاجتماع. فتسلموا نابلس (٤) وقيسارية (٥) وصفورية (٦) والناصرة (٧)، واستخلف في عكا ولده الأفضل، ثم رحل فنزل على تبنين فحاصرها إلى أن تسلمها، ثم نزل على صيدا فتسلمها، ثم سار إلى بيروت فتسلمها، وتسلم أصحابه جبيل، ورحل إلى عسقلان فنازلها وتسلمها، ثم تسلم الرملة ثم الداروم (٨). ووصل إليه ولده العزيز من مصر وهو على عسقلان مهنئاً بالفتح، فأقام عليها إلى أن تسلم أصحابه غزة وبيت جبريل والنطرون بغير قتال، وكان بين فتوح عسقلان وبين أخذ الفرنج لها ثمان وأربعون (٩) سنة.

стр. 376

وفي المرآة: وكان بين أخذ الفرنج وبين خلاصها منهم خمس (١) وثلاثون سنة، لأنهم ملكوها في جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وخمسمائة. وفوض السلطان القضاء والخطابة إلى جمال الدين عبد الله بن عمر قاضي اليمن، وتسلم (٢) السلطان هذه الأماكن المذكورة في أربعين يوماً، أولها ثامن عشرين جمادى الأولى، وآخرها ثامن رجب (٣). وفي تاريخ المؤيد (٤): وفيها حضر المركيس في سفينة إلى عكا، ولم يعلم المركيس بذلك، واتفق هجوم الهواء، فراسل المركيس الملك الأفضل وهو بعكا، يقترح أمراً بعد آخر، والملك الأفضل يجيب المركيس إلى ذلك، إلى أن هب الهواء فأقلع المركيس إلى صور، واجتمع عليه الفرنج الذين بها، وملك صوراً. وكان وصول المركيس إلى صور، وإطلاق الفرنج الذين أخذ السلطان بلادهم بالأمان، وحملهم إلى صور، من أعظم أسباب الضرر التي حصلت حتى راحت عكا وقوى الفرنج بذلك. ذكر فتح بيت المقدس شرفه الله واستنقاذه من أيدي النصاري بعد ثنتين وتسعين سنة ولما فتح السلطان صلاح الدين ﵁ ما حول بيت المقدس من الأماكن المباركة، أمر العساكر فاجتمعت والجيوش المتفرقة في البلدان للمغانم فائتلفت، وسار نحو البيت المقدس بتلك العساكر، فنزل غربي بيت المقدس يوم الأحد الخامس عشر من شهر رجب من هذه السنة، أعني سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، وقد حصنت الفرنج - لعنهم الله - الأسوار بالمقاتلة، وكانوا ستين ألف مقاتل دون بيت المقدس أو يزيدون، وكان صاحب البلد يومئذ رجلاً (٥) يقال له: بالْيان بن بارزان (٦)، ومعه من سلم من وقعة حطين من الداوية والإستبارية، فأقام السلطان بنزله المذكور خمسة أيام، ثم سلم إلى كل طائفة من الجيش المنصور ناحية من أبرجة السور، ثم تحول إلى ناحية الشمال؛

стр. 377

لأنه رآها أوسع وأنسب للمجال، وقاتل الفرنج دون البلد قتالاً هائلاً، واستشهد بعض أمراء المسلمين، فحنق عند ذلك كثير من أمراء الإسلام (ص ٦٢] واجتهدوا في القتال، وقد نصب المجانية والعرادات (١)، فبادر السلطان ﵀ بأصحابه إلى الزاوية الشرقية الشمالية من السور فنقبها، فسقط ذلك الجانب وخَرَّ البرج برمته (٢). وفي المرآة (٣): وكان المنجمون قد قالوا للسلطان تفتح القدس وتذهب عينك الواحدة فقال: رضيت أن أفتحه وأعمى. وكان قد نزل على غربيه أولاً، ثم انتقل إلى شماليه من باب العمود إلى برج الزاوية، ومن هذا المكان أخذه الفرنج وكان مشحوناً بالبطارقة من الخيالة والرجالة، بما يزيد على ستين ألفاً غير النساء والذرية، وقاتلوا قتالاً شديداً. وفي تاريخ بيبرس: قتل في أول يوم عز الدين عيسى بن مالك (٤) -[كان أبوه] (٥) صاحب قلعة جعبر (٦) - فحزن السلطان عليه. وفي النوادر (٧): وكان نزول السلطان على القدس يوم الأحد الخامس عشر من رجب، فنزل بالجانب الغربي، ثم انتقل - لمصلحة رآها - إلى الجانب الشمالي، وكان انتقاله يوم الجمعة العشرين من رجب، ونصب عليه المنجنيقات وضايقه بالزحف والقتال وكثرة الرماة، حتى أخذ النقب في السور مما يلى وادي جهنم في قرية شمالية (٨). ولما شاهد الفرنج ذلك، قصد أكابرهم السلطان وتشفعوا إليه أن يعطيهم

стр. 378

الأمان، فامتنع وقال: لا أفتحها إلَّا بالسيف عنوة، كما فتحتموها عنوة، ولا أترك بها أحداً من النصارى إلا قتلته كما قتلتم أنتم من المسلمين. فطلب صاحبها باليان بن بارزان من السلطان الأمان ليحضر عنده فأمنه، فلما حضر ترفق له وتشفع إليه بكل ممكن، فلم يجبه إلى الأمان لهم. فقالوا: لئن لم تعط الأمان رجعنا فقتلنا كل أسير من المسلمين بأيدينا، وهم قريب من أربعة آلاف أسير، وقتلنا زرارينا وخربنا الدور والأماكن الحسنة، وأتلفنا ما بأيدينا من الأموال، وألقينا قبة الصخرة، وبعد ذلك نقاتل قتال الموت فلا يقتل واحد منا حتى نقتل أعداداً منكم. فماذا يرتجي بعد هذا من الخير؟. فلما سمع السلطان ذلك أجاب إلى الصلح، على أن يبذل كل رجل منهم عن نفسه عشرة دنانير، وعن المرأة خمسة دنانير، وعن كل صغير وصغيرة دينارين، وأن تكون الغلات والأسلحة والدور للمسلمين ويتحولوا منها إلى مأمنهم وهو مدينة صور، فكتب الصلح على ذلك، ومن لا يبذل ما شرط عليه إلى أربعين يوماً فهو أسير، فكان من أسر بهذا الشرط ستة عشر ألف إنسان من الرجال والنساء والولدان. ودخل السلطان والمسلمون البلد يوم الجمعة قبل وقت الصلاة بقليل، وذلك يوم السابع والعشرين من رجب (١). قال العماد (٢): وهو ليلة الإسراء برسول الله ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى إلى السموات العلى. وقال الشيخ شهاب الدين أبو شامة (٣): وهذا أحد الأقوال في الإسراء والله أعلم. وكان في القدس بعض نساء الملوك من الروم، قد ترهبت ومعها من الأموال والجواهر والعبيد والخدم شيء كثير، فطلبت [٤٣] الأمان لنفسها ولمن معها، فأمنها السلطان وسيرها إلى مأمنها. وخرجت زوجة الملك المأسور [كي] (٤)، وهي ابنة الملك أماري، وكانت الأخرى قد ترهبت وتزهات، ومعها من الأموال والجواهر والخيول والخدم شيء كثير (٥). فخرجت واستأذنت السلطان في اجتماعها بزوجها، وكان محبوساً في برج نابلس، فأذن لها وسارت وأقامت عند زوجها حتى تخلص.

стр. 379

وكان على رأس قبة الصخرة صليب كبير من الذهب، فتسلق المسلمون وقلعوه، والفرنج ينظرون إليهم، فصاح الناس كلهم صيحة كادت الأرض أن تميد بهم، أما المسلمون فصاحوا سروراً بالتكبير والتهليل، وأما الفرنج فصاحوا تغيناً وتوجعاً (١). وقال ابن كثير ﵀: ولم تتفق صلاة الجمعة يومئذ، يعني يوم دخولهم، خلافاً لبعضهم ممن زعم (٢) أنها أقيمت يومئذ، وأن السلطان خطب بنفسه بالسواد يومئذ، والصحيح أن الجمعة لم يتمكن إقامتها (٣) يومئذ لضيق الوقت، وإنما أقيمت في الجمعة المقبلة، وكان الخطيب القاضي محيي الدين بن على القرشي المعروف بابن الزكي كما نذكره قريباً. ونظف المسجد لأقصى يومئذ مما كان فيه من الصلبان والرهبان والخنازير، وخربت دور الداوية كانوا قد ابتنوها غربي المحراب الكبير، وكانوا اتخذوا المحراب سرابا (٤) ومستراحا (٥)، فنظف المسجد من ذلك كله، وأعيد إلى ما كان عليه في الأيام الإسلامية والدولة المحمدية. وغسلت الصخرة بالماء الطاهر. وأعيد غسلها بماء الورد الفاخر، وأبرزت للناظرين، وقد كانت مستورة محجوبة (٦) عن الزائرين (٧). وفي المرآة: ودخل السلطان الصخرة وغسلها بماء الورد، وقيل: غسلها بلحيته وهو يبكي. ومحى الصور منها. وقد كان الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي ﵀ قد عمل منبراً بحلب وتعب عليه مدة، وقال: هذا لأجل القدس الشريف، فأرسل السلطان صلاح الدين وأحضره من حلب، وجعله في الجامع الأقصى. ولما كان في الجمعة الثانية، وأرادوا أن يقيموا به الجمعة، حضر المسلمون بالحرم الشريف من كل فج عميق، فاجتمع من الأعمال الإسلامية عدد لا يحصى، فلما أذن

стр. 380

الظهر حضر السلطان بقبة الصخرة، وكان جماعة من الأكابر والعلماء قد رشحوا أنفسهم للخطبة في ذلك اليوم، وألفوا خطباً يخطبون بها، فلما كان وقت الخطبة رسم السلطان اللقاضي محيي الدين بن زكي الدين أن يخطب، فرقى المنبر بأهبة السواد العباسية، وخطب خطبة بديعة، ثم أن السلطان ﵀ أقام حرمته فوق ما كانت (١). وفي المرآة (٢): وكان حضر مع السلطان هذا الفتح زهاء على عشرة آلاف عمامة من جميع الأجناس، وتطاول جماعة من الأعيان إلى الخطابة، فتذكر السلطان قول ابن زكي الدين: وفتحه حلباً بالسيف في صفر … مبشر بفتوح القدس في رجب قال القاضي الفاضل: فقد أنطق الله السلطان بالغيب، فأعطاه الخطابة. وابن زكي الدين قاضي القضاة بدمشق. وقال ابن القادسي في ذيله: إن صلاح الدين خطب بالبيت المقدس. وهو وَهْم منه. ثم إن السلطان [٤٤] فرق الأموال التي أخذها من الإفرنج، وكانت نيفاً وثلاثمائة ألف دينار، على العلماء والفقهاء والصوفية (٣). ذكر ما فعله السلطان صلاح الدين بعد فتحة القدس فمن ذلك تفرقته الأموال التي أخذها من الإفرنج كما ذكرنا، ومن ذلك أنه جلس بعد صلاة الجمعة بعد أن خطب الخطيب ودعى للخليفة العباسي وللسلطان الملك الناصر صلاح الدين، وسمع وعظ الشيخ زين الدين أبو الحسن علي بن نجا المصرى (٤)،

стр. 381

لأنه بعد صلاة الجمعة جلس على كرسي للوعظ بإذن السلطان، فوعظ الناس وكان وقتاً مشهوداً، واستمر القاضي محيي الدين بن زكي الدين يخطب بالناس في أيام الجمع أربع جمع، ثم قرر السلطان للقدس خطيباً مستقراً. وأمر الفقيه ضياء الدين عيسى الهكاري فعمل حول الصخرة شبابيك من حديد، ورتب لها إماماً وراتباً، ووقف عليه رزقاً جيداً، وكذلك على إمام محراب الأقصى. وعمل للشافعية المدرسة الصلاحية (١)، ويقال لها الناصرية أيضاً، وكان موضعها كنيسة حنة (٢) أم مريم ﵍، ووقف على الصوفية رباطاً كان دار البترك إلى جانب القمامة، وأجرى على الفقهاء والفقراء الجامكيات والجرايات. وأرصد الختم والربعات في أرجاء المسجد الأقصى، لمن يقرأ أو ينظر فيها من المقيمين والزائرين. وتنافس بنو أيوب فيما يفعلونه من الخيرات بالقدس الشريف للقادمين والظاعنين والقاطنين، وعزم السلطان على هدم قمامة، وجعلها دكاً لتنحسم مادة النصارى عن بيت المقدس، فقيل له: إن هؤلاء لا يتركون الحج إلى هذه البقعة ولو تركتها قاعاً صفصفاً، وقد فتح أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ القدس وترك القمامة على حالها. فتركها صلاح الدين أيضاً تأسياً بأمير المؤمنين، أحد الخلفاء الراشدين، ولم يترك بها من النصارى سوى أربعة أنفس يخدمونها، وحال بين النصارى وبينها، وهدم المقابر التي كانت لهم عند باب الرحمة (٣) وعَقّى آثارها، وهدم ما كان هناك من القباب وعجل دمارها (٤). ومن ذلك أن السلطان أمر للعماد الكاتب أن يكتب كتاباً إلى بغداد بالفتح، وكان القاضي الفاضل بدمشق مريضاً لم يحضر هذا الفتح، فكتب في أوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ﴾

стр. 382

آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (١) إلى قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ (٢) الحمد لله الذي أنجز لعباده الصالحين وعد الاستخلاف، وقهر بأهل التوحيد أهل الشرك والخلاف، وخص سلطان الديوان العزيز بهذه الخلافة، وبدل الأمن به من المخافة، وادخر هذا الفتح الأسني والنصر الأهني لخادم المقام النبوي، ومنحه أخلص أوليائه وأخص أصفيائه بعد أن انقرض من الملوك الماضية والقرون الخالية على حسرة تمنيه وفوات ترجيه، وتقاصرت عنه الهمم وتخاذلت عنه ملوك الأمم. فلله الحمد الذي حقق بفتحه ما كان في النفس، وبدل وحشة الكفر فيه [٤٥] من الإسلام بالأنس، وجعل عز يومه ماحيًا ذل أمسه، وأسكنه العالم والفقيه، بعد البطرك والقس وعباد الصليب والشمس، وأخرج أهل يوم الجمعة من أهل يوم الأحد، وقمع من كان يقول بالتثليث أهل قل هو الله أحد. وقد فتح الخادم بأمر الله من الداروم إلى طرابلس، وجميع ما حوت مملكة الفرنج إلى نابلس، وغسلت الصخرة بدموع الباكين من المؤمنين، ونزع لباس البأس عنها بإفاضة ثواب المحسنين، ورجع الإسلام الغريب منه إلى داره، وطلع قمر الهدي من سراره، وعادت الأرض المقدسة إلى ما كانت عليه من التقديس، وأمنت المخاوف بها وفيها فصارت صباح السُرَي ومناخ التعريس (٣)، وأقصى عن المسجد الأقصى الأقصون من الله الأبعدون، وتوافد إليه المصطفون المقربون، وخرس الناقوس برحيل المسيحيين، وخرج المفسدون بدخول المصلحين، وقال المحراب لأهله: مرحبًا وأهلًا، وشمل جماعة المسلمين ما جمع الله لهم فيه شملًا، ورفعت الأعلام الإسلامية على منبره، فأخذت من بِرِّه أوفي نصيب، وتلت بألسنة عربها ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ (٤)، وغسلت الصخرة بدموع المتقين من دنس الكافرين، وبَعُد أهل الإلحاد من قربها بقرب الموحدين، وذكر بها ما نسي من عهد المعراج النبوي والإعجاز المحمدي، وعاد الإسلام بإسلام البيت المقدس إلى تقديسه، ورجع ببنائه من التقوى إلى تأسيسه، وذكر العماد فصولًا في هذا المعنى (٥).

стр. 383

نكتة غريبة قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة في الروضتين (١): وقد تكلم شيخنا أبو الحسن علي بن محمد السخاوي في تفسيره فقال: وقع في تفسير أبي الحكم الأندلسي يعني ابن بَرّجان - في أول سورة الروم أخبارًا عن فتح بيت المقدس وأنه يُنزع من أيدي النصارى سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة. قال السخاوىّ: ولمُ أره أخذ ذلك من علم الحروف، وإنما أخذه فيما زعم من قوله [تعالى] (٢): ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ (٣) فبنى الأمر على التاريخ كما يفعله المنجمون، ثم ذكر أنهم يُغلبون في سنة كذا، ويَغلبون في سنة كذا على ما تقتضيه دوائر التقدير، ثم قال: وهذه نجابة وافقت إصابة إن صح أنه قال قبل وقوعه وكان في كتابه قبل حدوثه. قال: وليس هذا من قبيل علم الحروف ولا من باب الكرامات لأنها لا تنال بحساب. قال: وقد ذكر في تفسير سورة القدر إنه لو علم الوقت الذي نزل فيه القرآن لعلم الوقت الذي يرفع فيه (٤). ذكر رحيل السلطان من القدس طالبًا صُور لما قرر السلطان صلاح الدين أمور القدس الشريف، انفصل عنه في الخامس والعشرين من شعبان، وسار حتى أتى على عكا ثم سار منها إلى صُور، وكانت قد تأخرت [٤٦] من بين تلك النواحي، وقد استحوذ عليها من بعد وقعة حطين رجل من التجار يقال مركيس، فحصنها وضبط أمرها وحفر حولها خندقًا من البحر إلى البحر، وجاء السلطان بجيشه فحاصرها مدةً وستدعى الأسطول من الديار المصرية في البحر فاحتاط بها برًا وبحرًا، فعدت الإفرنج في بعض الليالي علي خمس شواني من الأسطول، فملكتها، فأصبح المسلمون واجمين، وقد دخل البرد، وقلّت الأزواد، وكثرت الجراحات، وكَلَّ الأمراء من الحصارات، فسألوا من السلطان أن ينصرف بهم إلى

стр. 384

دمشق في هذا الوقت، حتى يستريحوا ثم يغدوا إليها بعد هذا الحين، فأجابهم على تمنع منه، وذلك أن السُور من الصور كان قد هدم أكثره، ولم يبق إلا الفرج والنجح، فتوجه إلى دمشق (١). وفي المرآة (٢): وفي شعبان سار السلطان إلى صور فوصلها غرة رمضان فوجدها مدينة حصينة، وهي في البحر مثل السفينة، والبحر المحيط بها من جوانبها، وليس لها طريق في البر إلا من مكان واحد فيه سبعة أبراج، وبها المركيس وكان شجاعًا حازمًا، وقد انضم إليه جميع من كان بالقدس والساحل من الفرنج (٣). وفي النوادر (٤): قدم الملك الظاهر غازي ابن السلطان صلاح الدين صاحب حلب على أبيه، وهو على صور، في الثامن عشر من شهر رمضان، وسرّ بوصوله إليه سرورًا عظيمًا، وكان قد تركه بحلب ليسدّ ذلك الجانب لاشتغاله هو بأمر الساحل، وكان السلطان خلّف أخاه العادل في القدس؛ لتقرير قواعده، فاستدعاه، فوصل إليه في خامس شوال. وسيرَ من حاصر هُونين (٥)، فسلمت بأمان في الثالث والعشرين من شوال، وكان السلطان قد قدم على الأصطول إنسانًا يقال له الفارس بدران، وكان ناهضًا جلدًا في البحر. وكان ريس البحريين يقال له: عبد المحسن، وكان قد أكد الوصية في أخذ الحذر منهم، فغفلوا عن أنفسهم في الليل، فخرج أصطول الكفار من صُور فكبسهم وأخذ المقدمين، وأخذوا منهم خمس قطع وقتلوا خلقًا كثيرًا من الأصطول الإسلامي، وذلك في السابع والعشرين من شوال، فلما علم السلطان ما تم على المسلمين ضاق صدره وأشار بالرحيل، ليأخذ العسكر جزءًا من الراحة ويستعدوا لهذا الأمر استعدادًا جديدًا، فرحل عنها بعد أن رمى المنجنيقات وسيرها وأحرق ما لا يمكن نقله، وكان رحيله يوم الأحد ثاني ذي القعدة، ففرق العساكر وأعطاهم دستورًا، وسار كل قوم إلى بلادهم، وأقام هو مع جماعة من خواصه بعكا حتى دخلت سنة أربع وثمانين وخمسمائة (٦)

стр. 385

وقال ابن كثير (١): ولما وصل السلطان إلى عكا نزل بقلعتها، وأسكن ولده الأفضل برج الداوية، وولي نيابتها عز الدين جرديك، وقد أشار بعضهم على السلطان بتخريب عكا؛ خوفًا من عود الفرنج إليها، فكاد أن يفعل ولم يفعل، فليته فعل، بل وكل بعمارتها وتجديد محاسنها بهاء الدين قراقوش التقوى، ووقف دار الإستبار نصفين على الفقراء والفقهاء، [٤٧] وجعل دار الأسقف مارستانا، ووقف على ذلك كله أوقافا دارة، وولي نظر ذلك لقاضيها جمال الدين ابن الشيخ أبى النجيب، وعاد إلى دمشق مؤيدًا منصورًا ﵀ (٢). ذكر ما جرى بعد دخول السلطان دمشق ولما انفصل السلطان عن عكا وتوجه إلى دمشق، جاءته رسل الملوك بالتهاني من سائر الأقطار والأمصار بالتحف والهدايا (٣). وفي المرآة (٤): ووصل إلى السلطان من بغداد تاج الدين أبو بكر أخو العماد الكاتب، فالتقاه السلطان وأكرمه، وكان معه رسالة تذكرة، مشحونة بالعتاب على أسباب منها: أن الخليفة عتبه لأجل ابن البوشنجي ويلقب بالرشيد، وكان صبيًا لا يؤبه إليه، فخرج إلى الشام واتصل بصلاح الدين، وقيل له: هذا من بيت كبير (٥)، وكان أديبًا فأعجب السلطان، فسأله أن يبعثه إلى بغداد في رسالة، فبعثه، فشق على الخليفة وقال: ما كان عنده غير هذا، وقصر في حقه. فلما عاد إلى السلطان تكلم بكلمات وقال: ما التفت علىّ. ومنها أن كل من هرب من بغداد ولجأ إلى السلطان يقبل عليه مثل: ميرك، وابن رئيس الرؤساء، وابن هبيرة، وابن أبي النجيب، وأمثالهم.

стр. 386

ومنها مشاركته في لقب الخليفة بالناصر، وأشياء من هذا الجنس، ثم قال في آخره: "يمنّ علينا بفتح القدس، وهل فتحها إلا بعساكر الديوان وتحت راياته! ". فاستشاط السلطان غضبًا، وقد كان يرجو أن يأتيه كتاب الخليفة يشكره على ما فعل. ثم قال السلطان لأخى العماد: أما ابن البوشنجي فمن عندكم جاء، وقيل لي: إنه من بيت كبير. وصحبني وسألني إنفاذه إلى بغداد ليمَّن على أهله ويتجمل بكم، فما أمكنني رد سؤاله، وأما الذين التجؤا إلىَّ من أرباب البيوت فإن الإنسان قد يلتجيء إلى كوخ عجوز في البرية فتجيره من القتل، فأنا فعلت فعل العرب، وحفظت الذمام، وعرفت حق من قصدني ولجأ إلى، وصنتهم أيضًا عن ألسن الناس، فيصير ذلك عارًا عليكم. وأما مشاركتي في اللقب فوالله إنني ما اخترته ولا اقترحته، ولكن لما أَزلتُ دولة عدوّه القائمة من مائتي سنة (١) ويسير، وفعلت ما فعلت، لقبنى المستضيء بهذا اللقب، وكتبَ من بغداد إلى نور الدين بذلك، ولم يكن في زمانكم، ثم لو وقع هذا ففي عسكري عشرة آلاف تركماني وكردي لقب كل واحد صلاح الدين، فلمَ لا أُنكر عليه. وأما قوله: إنني فتحت القدسَ تحت راياته وعسكره، فأين راياته وعسكره! والله ما فتحته إلا بعساكري وتحت راياتي. وأوعد السلطانُ وأبرق، وتأكدت الوحشة بَينه وبين الخليفة باطنًا، وأمسك السلطان نفسه ظاهرًا، فكتب كتابًا إلى الخليفة يقول فيه: المحاققة توجب المفارقة، وإغلاق هذا الباب خير من فتحه، واندمال هذا الجرح خير وأولى من اتساعه وخرقه. وقال السبط: وقد ذكر محمد بن القادسي قصة ابن البوشنجي فقال: كان [٤٨] أمرد في دروب بغداد، فطلعت لحيته فخرج إلى الشام، فخدم يوسف بن أيوب، وسأله أن يرسله إلى الديوان في رسالة فأرسله، فقامت القيامة على الديوان، فلما عاد ابن البوشنجي إلى الشام أكثر كلامه، فما مضى إلا أسبوع حتى جاءته نشابة فذبحته، وكان ذلك عقوبة لما بسط به لسانه. قلت: وهذه من هنات ابن القادسيّ، فإنه كان عاميًا يتعمد المثالب، وقد أساء الأدبَ في مواضع منها قوله: كان أمرد في دروب بغداد. ومنها قوله على السلطان يوسف بن أيوب، وما ذكره ببعض ألقابه.

стр. 387

ومنها قوله: جاءته نشابة فذبحته. جعل الشهادة في سبيل الله عقوبة. وهذه الواقعة كانت في هذه السنة، وابن البوشنجي استشهد في سنة ست وثمانين وخمسمائة بعد أخذ الفرنج عكا من السلطان. ومن العجائب في هذه الواقعة أنني اجتمعت بشيخ دار الحديث المظفريّة بالموصل في سنة خمس وستمائة، وجرت مذاكرة في غزوات صلاح الدين، فقال: حضرت معه في مرج عكا والفرنج قد أخذوا عكا، فبينما أنا قاعد في سوق العسكر وإذا شابّ من أحسن الشباب قد جلس إلى جانبي، فذكرته فوجدته فاضلًا فصيحًا من أهل بغداد من بيت البوشنجي، قلت: فما اللقب؟ قال: يَقْبح بي أن ألقب نفسي، فأقسمت عليه فقال: يقال: الرشيد. فقلت: وما الذي جاء بك إلى هاهنا؟ فقًال: سمعت أن السلطان يعرف أقدار أولاد الناس ويحسن إليهم، ورغبت أيضًا في الشهادة، فأتيت إليه فأحسن إلىَّ وأكرمني وأعطاني، ثم قال: أخاف أن تنقضي هذه الغزوات وما تحصل لي شهادة، فأسأل الله تعالى أن يرزقني الشهادة، فقد تاقت نفسي إليها. قال: فدعوت الله أن يختار له ما فيه الخيرة، ثم قلت: يا سيّدي أنشدني شيئًا من شعرك، فقال: نعم. وأنشد هذه الأبيات: قِفوا فاسألوا عن حال قلبي وضَعْفِه … فقد زاده الشوق الأسى فوق ضعفه وقولوا لمن أجرى الشِفاءَ بوَصله … مريضك قد أشفي على الموت فاشْفِه أخو سقم أجفاه إخفاؤه الهوى … نحولا ومَن يخفي المحبّةَ تُجفِه وما شغفي بالدار إلّا لأهلها … وما جزعى بالجزع إلا لخشفِه يَعِزُّ على قلبي المقام بذِي النقا … إذا لم يقم ذاك الغزالُ بحقْفِه وما أمّ رِيم أشفقت منه فالتجت … إلى شامخ نادر من نحو كهفه تَغارُ عليه من نسيم وَمرّة … وتُشْفِقُ من إيماض برقٍ وخطفِه بأوجع مني قوم بانوا ورُبّما … يوجع يوم البَين إلفٌ لإلفِه ثم قام من عندي باكيًا وقصد الفرنج فاستشهد، رحمه الله تعالى.

стр. 388

ذكرُ بَقِية الحَوادِثِ منها إنه كانت وقعة عظيمة ببلاد الهند بين الملك شهاب الدين الغوري (١) صاحب [٤٩] غَزْنة (٢)، وبين ملك الهند الكبير واسمُه كَولَة (٣) وكان شجاعًا شهمًا، فاقتتلوا والهند في عدد كثير، وكان معهم أربعة عشر فيلًا، فانهزمت ميمنة المسلمين ومَيسرتهم، فقيل للملك: انج بنفسك. فما زاده إلا إقدامًا، فحمل على الفِيلة فجرح بعضها، وجرح الفيل لا يندمل، فرماه بعض الفيّالة بحربة في ساعده، فخرجت من الجانب الآخر، فخرّ صريعًا، فحملت الهنود عليه ليأخذوه، فجاحف عنه أصحابه ليَحموه، فجرت عنده حرب لم يسمع بشدتها في حَرْب، فغلب المسلمون فخلّصوا ملكهم، واحتملوه علي كواهلهم في محفّة عشرين فرسخًا (٤)، وقد نزف الدم، فلما تراجع إليه جيشه، أخذ في تأنيب الأمراء، وحلف ليأكلن كل أمير عليقة فرسه، وما أدخلهم غزنة إلا حُفَاة مشَاةً (٥). وفي تاريخ بيبرس: وفي هذه السنة سارَ شهاب الدين الغُورى ملك غزنة إلى بلاد الهند، وقصد ولاية السوالك (٦)، واسم ملكهم كَولة، فلما دخل المسلمون بلاده ملكوا مدينة تَبْرنده، وَسَرستي (٧) وكوُه رام، فلما سمع ملكهم جمع العساكر وسار إلى المسلمين، فالتقوا وقامت الحرب على ساق، ثم ذكر مثل ما ذكرنا، إلى أن قال: فلما وصل إلى لَهَاوُور (٨) أخذ الأمراء الغُورية وحَمَّلَهم الشعير على ظهورهم؛ نكالًا بما تخاذلوا وانهزموا، وقال لهم: ما أنتم أمراء، بل أنتم حمير، وأقام بها ليستريح الناس (٩).

стр. 389

ومنها أنه قوي أمر السلطان طغرل بن أرسلان شاه بن طغرل بك ابن السلطان محمد ابن السلطان ملكشاه ابن السلطان ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل بن سلجوق، وكثر جمعهُ ومَلك كثيرًا من البلاد، وأرسل قزل أرسلان بن إلدِكز إلى الخليفة يستنجده ويخوفه من طغرل، ويبذل من نفسه الطاعة والتصرف على ما يختار الخليفة، وأرسل طغرل رسولًا إلى بغداد يقول: أريد أن يتقدم الديوان بعمارة دار السلطان لأسكنها إذا نزلت. فأكرم الإمام الناصر رسول قزل أرسلان، ووعده بالنجدة، ورَدّ رسول طغرل بغير جواب وأمر بنقض دار السلطنة، فهدمت إلى الأرض وعُفِيّ أثرها. وفي المرآة (١): وفيها أخرب الخليفة دار السلطنة ببغداد التي عمرّها الديالمة والسلجوقية، وإنما قصد قطع الأطماع عنها. ومنها أنه وصل يعقوب بن يوسف صاحب الغرب إلى مدينة تونس في العسكر الذي انتخبه، فأرسل ستة آلاف فارس مع ابن أخيه (٢) إلى عليّ بن إسحق الملثم؛ ليقاتله، وكان بقَفصة، فساروا إليه فوافوه ومعهم الموحّدون وهو في جماعة من الترك، فلما التقوا انهزم الموحدون وقتل جماعة من مقدّميهم، فلما سمع يعقوب الخبر أقام بمدينة تونس إلى نصف رجب، ثم خرج فيمن معه من العساكر يطلب الملثم والأتراك، فوصل إليهم، فالتقوا بالقرب [من مدينة (٣)] قابس، فاقتتلوا [٥٠] فانهزم الملثم ومن معه، وأكثر الموحدون فيهم القتل حتى كادوا يفنونهم، فلم ينج منهم إلا القليل، فقصدوا البرّ. ورجع يعقوب من يومه إلى قابس ففتحها، وأخذ أهل قراقوش وأولاده وحملهم إلى مدينة مراكش، وتوجه إلى مدينة قفصة، فحصرها ثلاثة أشهر، وقطع أشجارها، وخرّب ما حولها، فسير إليه الترك الذين فيها يطلبون الأمان لأنفسهم ولأهل البلد، فأجابهم إلى ذلك وأخرجهم منها سالمين، وسيرهم إلى الثغور لما رأى من شجاعتهم (٤) ونكايتهم في العدو، وتسلم البلد وقتل من فيه من الملثمين، وهدم أسوارَه. وظهر ما أنذر به المهدي بن تومرت، فإنه قال: إنها تخرب أسوارُها، وتقطع أشجارها.

стр. 390

فلما فرغ يعقوب من أمر قفصة، واستقامت إفريقية، عادوا إلى مراكش، فكان وصوله إليها في سنة أربع وثمانين وخمسمائة (١). ومنها أنه وقعت فتنة بعرفات يوم عرفة، وقتل شمس الدين محمد بن المقدم، أحد أكابر الأمراء الصلاحية، فإنه لما فتح القدس طلب دستورًا (٢) ليحج ويحرم من القدس، ويجمع في سنة بين الجهاد والحج وزيارة الخليل والنبي صلى الله عليهما وسلم، فأذن له. وكان قد اجتمع في تلك السنة حاج عظيم بالشام، فأراد المذكور الرحيل قبل أمير الحاج العراقي، فضرب كؤساته (٣) قبله، فسير له ينهاه عن الرحيل قبله، وكان أمير الركب العراقيّ طاشتكين (٤)، فقال له: أنت ليس لك تعلّق معي، أنت أمير الحاج العراقي، وأنا أمير الحاج الشامي، وكل منّا يفعل ما يراه. وسار ولم يقف ولم يسمع قوله، فركب طاشتكين في أصحابه، وتبعه من غوغاء الحاج العراقىّ خلق كثير، فلما قربوا منهم خرج الأمر عن الضبط وعجزوا عن تلافيه، فهجم العراقيون على الشاميين وفتكوا بهم ونهبوا أموالهم، وخرج ابن المقدم ليكف أصحابه عن القتال، ولو أذن لهم لانتصف منهم، لكنه راقب الله تعالى، فجرح وأثخن بالجراحة، فأخذه طاشتكين إلى خيمته ليمرّضه ويستدرك الفارط، وسار من ليلته، فلما كان الغد مات بمنى ودفن بمقبرة المعلى (٥). ومنها أن امرأة من سواد بغداد ولدت بنتًا لها أسنان (٦). ومنها أن الخليفة الناصر قتل أستاداره مجد الدين أبا الفضل بن الصاحب، ولم يكن للخليفة معه حكم، وظهرت له أموال عظيمة فأخذ جميعها، واستوزر الخليفة أبا المظفر (٧) عبيد الله بن يونس ولقبه جلال الدين، ومشي أرباب الدولة في ركابه حتى
следующие страницы →