← История

История · id 380

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [565 - 628 هـ]

بدر الدين العيني

Полный текст (1 226 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

ومنها مشاركته في لقب الخليفة بالناصر، وأشياء من هذا الجنس، ثم قال في آخره: "يمنّ علينا بفتح القدس، وهل فتحها إلا بعساكر الديوان وتحت راياته! ". فاستشاط السلطان غضبًا، وقد كان يرجو أن يأتيه كتاب الخليفة يشكره على ما فعل. ثم قال السلطان لأخى العماد: أما ابن البوشنجي فمن عندكم جاء، وقيل لي: إنه من بيت كبير. وصحبني وسألني إنفاذه إلى بغداد ليمَّن على أهله ويتجمل بكم، فما أمكنني رد سؤاله، وأما الذين التجؤا إلىَّ من أرباب البيوت فإن الإنسان قد يلتجيء إلى كوخ عجوز في البرية فتجيره من القتل، فأنا فعلت فعل العرب، وحفظت الذمام، وعرفت حق من قصدني ولجأ إلى، وصنتهم أيضًا عن ألسن الناس، فيصير ذلك عارًا عليكم. وأما مشاركتي في اللقب فوالله إنني ما اخترته ولا اقترحته، ولكن لما أَزلتُ دولة عدوّه القائمة من مائتي سنة (١) ويسير، وفعلت ما فعلت، لقبنى المستضيء بهذا اللقب، وكتبَ من بغداد إلى نور الدين بذلك، ولم يكن في زمانكم، ثم لو وقع هذا ففي عسكري عشرة آلاف تركماني وكردي لقب كل واحد صلاح الدين، فلمَ لا أُنكر عليه. وأما قوله: إنني فتحت القدسَ تحت راياته وعسكره، فأين راياته وعسكره! والله ما فتحته إلا بعساكري وتحت راياتي. وأوعد السلطانُ وأبرق، وتأكدت الوحشة بَينه وبين الخليفة باطنًا، وأمسك السلطان نفسه ظاهرًا، فكتب كتابًا إلى الخليفة يقول فيه: المحاققة توجب المفارقة، وإغلاق هذا الباب خير من فتحه، واندمال هذا الجرح خير وأولى من اتساعه وخرقه. وقال السبط: وقد ذكر محمد بن القادسي قصة ابن البوشنجي فقال: كان [٤٨] أمرد في دروب بغداد، فطلعت لحيته فخرج إلى الشام، فخدم يوسف بن أيوب، وسأله أن يرسله إلى الديوان في رسالة فأرسله، فقامت القيامة على الديوان، فلما عاد ابن البوشنجي إلى الشام أكثر كلامه، فما مضى إلا أسبوع حتى جاءته نشابة فذبحته، وكان ذلك عقوبة لما بسط به لسانه. قلت: وهذه من هنات ابن القادسيّ، فإنه كان عاميًا يتعمد المثالب، وقد أساء الأدبَ في مواضع منها قوله: كان أمرد في دروب بغداد. ومنها قوله على السلطان يوسف بن أيوب، وما ذكره ببعض ألقابه.

стр. 387

ومنها قوله: جاءته نشابة فذبحته. جعل الشهادة في سبيل الله عقوبة. وهذه الواقعة كانت في هذه السنة، وابن البوشنجي استشهد في سنة ست وثمانين وخمسمائة بعد أخذ الفرنج عكا من السلطان. ومن العجائب في هذه الواقعة أنني اجتمعت بشيخ دار الحديث المظفريّة بالموصل في سنة خمس وستمائة، وجرت مذاكرة في غزوات صلاح الدين، فقال: حضرت معه في مرج عكا والفرنج قد أخذوا عكا، فبينما أنا قاعد في سوق العسكر وإذا شابّ من أحسن الشباب قد جلس إلى جانبي، فذكرته فوجدته فاضلًا فصيحًا من أهل بغداد من بيت البوشنجي، قلت: فما اللقب؟ قال: يَقْبح بي أن ألقب نفسي، فأقسمت عليه فقال: يقال: الرشيد. فقلت: وما الذي جاء بك إلى هاهنا؟ فقًال: سمعت أن السلطان يعرف أقدار أولاد الناس ويحسن إليهم، ورغبت أيضًا في الشهادة، فأتيت إليه فأحسن إلىَّ وأكرمني وأعطاني، ثم قال: أخاف أن تنقضي هذه الغزوات وما تحصل لي شهادة، فأسأل الله تعالى أن يرزقني الشهادة، فقد تاقت نفسي إليها. قال: فدعوت الله أن يختار له ما فيه الخيرة، ثم قلت: يا سيّدي أنشدني شيئًا من شعرك، فقال: نعم. وأنشد هذه الأبيات: قِفوا فاسألوا عن حال قلبي وضَعْفِه … فقد زاده الشوق الأسى فوق ضعفه وقولوا لمن أجرى الشِفاءَ بوَصله … مريضك قد أشفي على الموت فاشْفِه أخو سقم أجفاه إخفاؤه الهوى … نحولا ومَن يخفي المحبّةَ تُجفِه وما شغفي بالدار إلّا لأهلها … وما جزعى بالجزع إلا لخشفِه يَعِزُّ على قلبي المقام بذِي النقا … إذا لم يقم ذاك الغزالُ بحقْفِه وما أمّ رِيم أشفقت منه فالتجت … إلى شامخ نادر من نحو كهفه تَغارُ عليه من نسيم وَمرّة … وتُشْفِقُ من إيماض برقٍ وخطفِه بأوجع مني قوم بانوا ورُبّما … يوجع يوم البَين إلفٌ لإلفِه ثم قام من عندي باكيًا وقصد الفرنج فاستشهد، رحمه الله تعالى.

стр. 388

ذكرُ بَقِية الحَوادِثِ منها إنه كانت وقعة عظيمة ببلاد الهند بين الملك شهاب الدين الغوري (١) صاحب [٤٩] غَزْنة (٢)، وبين ملك الهند الكبير واسمُه كَولَة (٣) وكان شجاعًا شهمًا، فاقتتلوا والهند في عدد كثير، وكان معهم أربعة عشر فيلًا، فانهزمت ميمنة المسلمين ومَيسرتهم، فقيل للملك: انج بنفسك. فما زاده إلا إقدامًا، فحمل على الفِيلة فجرح بعضها، وجرح الفيل لا يندمل، فرماه بعض الفيّالة بحربة في ساعده، فخرجت من الجانب الآخر، فخرّ صريعًا، فحملت الهنود عليه ليأخذوه، فجاحف عنه أصحابه ليَحموه، فجرت عنده حرب لم يسمع بشدتها في حَرْب، فغلب المسلمون فخلّصوا ملكهم، واحتملوه علي كواهلهم في محفّة عشرين فرسخًا (٤)، وقد نزف الدم، فلما تراجع إليه جيشه، أخذ في تأنيب الأمراء، وحلف ليأكلن كل أمير عليقة فرسه، وما أدخلهم غزنة إلا حُفَاة مشَاةً (٥). وفي تاريخ بيبرس: وفي هذه السنة سارَ شهاب الدين الغُورى ملك غزنة إلى بلاد الهند، وقصد ولاية السوالك (٦)، واسم ملكهم كَولة، فلما دخل المسلمون بلاده ملكوا مدينة تَبْرنده، وَسَرستي (٧) وكوُه رام، فلما سمع ملكهم جمع العساكر وسار إلى المسلمين، فالتقوا وقامت الحرب على ساق، ثم ذكر مثل ما ذكرنا، إلى أن قال: فلما وصل إلى لَهَاوُور (٨) أخذ الأمراء الغُورية وحَمَّلَهم الشعير على ظهورهم؛ نكالًا بما تخاذلوا وانهزموا، وقال لهم: ما أنتم أمراء، بل أنتم حمير، وأقام بها ليستريح الناس (٩).

стр. 389

ومنها أنه قوي أمر السلطان طغرل بن أرسلان شاه بن طغرل بك ابن السلطان محمد ابن السلطان ملكشاه ابن السلطان ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل بن سلجوق، وكثر جمعهُ ومَلك كثيرًا من البلاد، وأرسل قزل أرسلان بن إلدِكز إلى الخليفة يستنجده ويخوفه من طغرل، ويبذل من نفسه الطاعة والتصرف على ما يختار الخليفة، وأرسل طغرل رسولًا إلى بغداد يقول: أريد أن يتقدم الديوان بعمارة دار السلطان لأسكنها إذا نزلت. فأكرم الإمام الناصر رسول قزل أرسلان، ووعده بالنجدة، ورَدّ رسول طغرل بغير جواب وأمر بنقض دار السلطنة، فهدمت إلى الأرض وعُفِيّ أثرها. وفي المرآة (١): وفيها أخرب الخليفة دار السلطنة ببغداد التي عمرّها الديالمة والسلجوقية، وإنما قصد قطع الأطماع عنها. ومنها أنه وصل يعقوب بن يوسف صاحب الغرب إلى مدينة تونس في العسكر الذي انتخبه، فأرسل ستة آلاف فارس مع ابن أخيه (٢) إلى عليّ بن إسحق الملثم؛ ليقاتله، وكان بقَفصة، فساروا إليه فوافوه ومعهم الموحّدون وهو في جماعة من الترك، فلما التقوا انهزم الموحدون وقتل جماعة من مقدّميهم، فلما سمع يعقوب الخبر أقام بمدينة تونس إلى نصف رجب، ثم خرج فيمن معه من العساكر يطلب الملثم والأتراك، فوصل إليهم، فالتقوا بالقرب [من مدينة (٣)] قابس، فاقتتلوا [٥٠] فانهزم الملثم ومن معه، وأكثر الموحدون فيهم القتل حتى كادوا يفنونهم، فلم ينج منهم إلا القليل، فقصدوا البرّ. ورجع يعقوب من يومه إلى قابس ففتحها، وأخذ أهل قراقوش وأولاده وحملهم إلى مدينة مراكش، وتوجه إلى مدينة قفصة، فحصرها ثلاثة أشهر، وقطع أشجارها، وخرّب ما حولها، فسير إليه الترك الذين فيها يطلبون الأمان لأنفسهم ولأهل البلد، فأجابهم إلى ذلك وأخرجهم منها سالمين، وسيرهم إلى الثغور لما رأى من شجاعتهم (٤) ونكايتهم في العدو، وتسلم البلد وقتل من فيه من الملثمين، وهدم أسوارَه. وظهر ما أنذر به المهدي بن تومرت، فإنه قال: إنها تخرب أسوارُها، وتقطع أشجارها.

стр. 390

فلما فرغ يعقوب من أمر قفصة، واستقامت إفريقية، عادوا إلى مراكش، فكان وصوله إليها في سنة أربع وثمانين وخمسمائة (١). ومنها أنه وقعت فتنة بعرفات يوم عرفة، وقتل شمس الدين محمد بن المقدم، أحد أكابر الأمراء الصلاحية، فإنه لما فتح القدس طلب دستورًا (٢) ليحج ويحرم من القدس، ويجمع في سنة بين الجهاد والحج وزيارة الخليل والنبي صلى الله عليهما وسلم، فأذن له. وكان قد اجتمع في تلك السنة حاج عظيم بالشام، فأراد المذكور الرحيل قبل أمير الحاج العراقي، فضرب كؤساته (٣) قبله، فسير له ينهاه عن الرحيل قبله، وكان أمير الركب العراقيّ طاشتكين (٤)، فقال له: أنت ليس لك تعلّق معي، أنت أمير الحاج العراقي، وأنا أمير الحاج الشامي، وكل منّا يفعل ما يراه. وسار ولم يقف ولم يسمع قوله، فركب طاشتكين في أصحابه، وتبعه من غوغاء الحاج العراقىّ خلق كثير، فلما قربوا منهم خرج الأمر عن الضبط وعجزوا عن تلافيه، فهجم العراقيون على الشاميين وفتكوا بهم ونهبوا أموالهم، وخرج ابن المقدم ليكف أصحابه عن القتال، ولو أذن لهم لانتصف منهم، لكنه راقب الله تعالى، فجرح وأثخن بالجراحة، فأخذه طاشتكين إلى خيمته ليمرّضه ويستدرك الفارط، وسار من ليلته، فلما كان الغد مات بمنى ودفن بمقبرة المعلى (٥). ومنها أن امرأة من سواد بغداد ولدت بنتًا لها أسنان (٦). ومنها أن الخليفة الناصر قتل أستاداره مجد الدين أبا الفضل بن الصاحب، ولم يكن للخليفة معه حكم، وظهرت له أموال عظيمة فأخذ جميعها، واستوزر الخليفة أبا المظفر (٧) عبيد الله بن يونس ولقبه جلال الدين، ومشي أرباب الدولة في ركابه حتى

стр. 391

قاضي القضاة (١)، وكان ابن يونس من جهلة الناس، وكان يمشي ويقول: لعن الله طول العمر (٢). وفيها مدح العماد الكاتب السلطان صلاح الدين، وذكر فتحه القدس بقصيدة، أولها قوله: أطيب بأنفاس تطيب لكم نفسًا … وتعتاض من ذكراكُمُ وَحْشتى أُنسًا وأسأل عنكم عافيات دوارسَا … غدت بلسانِ الحال ناطقةً خرسَا [٥١] أرى حدثان الدهر ينسى حديثُه … وأما حديثُ الغَدر منكم فلا يُنْسَا تزول الجبال الراسيات وثابتٌ … رَسيسُ غرام في فؤادي لكم أَرْسا بكيت على مستودعات قلوبكم … كما قد بكتْ قدمًا على صَخْرها الخنسا ومنها: فلا تحبسوا عني الجميل فإنني … جعلت على حُبّى لكم مُهْجتي حَبَسا رأيت صلاح الدين أشرفَ مَنْ غدا … وأفضل مَنْ أضحي وأكرم من أمسا (٣) سجيته الحُسنى وشيمته الرِضى … وبطشه الكُبرى وعزته (٤) القعسا ومنها: جنودُك أملاكُ السماء تَظنُّهم … عُدَاتك جِنّ الأرض في القتل لا الإنْسا ومنها: ولا يَستحق القُدس غيرُك في الوَرى … فأنت الذي منْ دونهم فتح القُدسا ومن قبل فتح القدس كنت مقدسًا … فلا عدمت أَخلاقك الطهرَ والقدسا وطهّرته من رجسهم بدمائهم … فأذهبتَ بالرجس الذي ذهب الرجسا

стр. 392

وعادت ببَيتِ الله أحكام دينه … فلا بَطركا أبَقيْتَ فيه ولا قَسّا فَدمِّرْ على الباقين واجتثّ أصلهم … فإنك قد صيّرت دينارَهم فلسا وبعد الفرنج الكُرجَ (١) فاقصد بلادَهم … بعَزمِك واملأ من دمائهم الرسَّا وفيها: ............. (٢) وفيها حج بالناس من العراق طاشتكين، وكان أمير الركب الشامي شمس الدين محمد ابن المقدّم، وقُتل كما ذكرناه مفصلا، وكان في الحاج (٣) القاضي بهاء الدين بن شداد، ولما عاد اتصل بخدمة السلطان صلاح الدين. ذكرُ من توفي فيها منَ الأَعْيان الشيخ عبد المغيث (٤) بن زهير الحَرْبي، كان من صلحاء الحنابلة، وكان يُزار، وله مصنف في فضل يزيد بن معاوية أتى فيه بعجائب وغرائب، وقد ردّ عليه ابن الجوزي في هذا الكتاب، فأصاب وأجاد، ومن أحسن ما اتفق لعبد المغيث هذا أن بعض الخلفاء وأظنه الناصر (٥) جاءه للزيارة مختفيًا، فعرفه الشيخ ولم يُعلمه أنه قد عرفه، فسأله الخليفة عن يزيد أيُلعَنُ أم لا؟ فقال: لا أُسوِّغ لعنته؛ لأني لو فتحت هذا الباب لَلَعن الناسُ خليفتنا، قال: ولم؟ قال: لأنه يفعل أشياء منكرة منها كذا وكذا، ثم شرع يعدّ على الخليفة ما يقع منه من المنكرات لينزجر عنها، فتركه الخليفة وخرج من عنده، وقد أثَّر كلامه له، ثم كانت وفاته في المحرم من هذه السنة (٦). الشيخ علي بن خطاب بن طغر، الناسك، أحد الزهاد ذوى الكرامات، وكان مقامه بجزيرة ابن عمر (٧). قال ابن الأثير (٨): لم أر مثله في حسن [٥٢] خلقه وسمته وكرمه وعبادته.

стр. 393

قَاضي القُضَاة ببغداد أبو الحسن علي (١) بن أحمد بن علي بن محمد الدامغاني الحنفي، كان عالمًا فاضلًا صائنًا كامل العقل عفيفًا نزِها جميل السيرة، محمود الأفعال، حسن المعرفة بالقضاء والأحكام، كريم الأخلاق، مهيبًا، وقورًا، جميلًا. سمع الحديث من أبي القاسم هبة الله، والأنماطي وغيرهما، وحدّث باليسير، ولي القضاء برَبْع الكَرْخ (٢) بعد وفاة والده يوم الأحد منتصف جمادى الأولى سنة أربعين وخمسمائة، ولم يزل على ذلك إلى أن تولى قضاء القضاة يوم الاثنين منتصف ذي الحجة سنة ثلاث وأربعين، وخلع عليه بالديوان، وشافهه الخليفة بالولاية عوضا عن قاضي القضاة أبي القاسم علي بن الحسن الزينبي بحكم وفاته، وعمره إذ ذاك ثلاثون سنة، فلم يزل على قضاء القضاة إلى أن عزله المستنجد يوم الثلاثاء الرابع والعشرين من جمادى الأخرى سنة خمس وخمسين وخمسمائة. فكانت مدة ولايته إحدى عشرة سنة وستة أشهر، فلزم بيته بنهر القلائين (٣)، منعكفًا على الاشتغال بالعلم، وكان يقول: أنا على ولايتي وكل القضاة نوابي؛ لأن القاضى إذا لم يظهر فسقه لا يجوز عزله. ثم أعيد بولاية جديدة يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة سبعين وخمسمائة، واستمر على ذلك إلى أن توفي عشية يوم السبت الثامن والعشرين من ذي القعدة سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، وصلى عليه يوم الأحد بجامع القصر، وحمل إلى مقبرة الشوينزِيَّة (٤)، فدفن عند جده لأمّه أبي الفتح، وكان مولده في سنة ثلاث عشرة وخمسمائة (٥).

стр. 394

الفقيه أبو الفتح نصر بن فتيان بن مطر الحنبلي المعروف بابن المنِّي (١)، كان زاهدًا عالمًا، عابدًا، مولده سنة إحدى وخمسمائة، وتوفي في خامس رمضان منها. وممن تفقه عليه من المشاهير: الشيخ موفق الدين بن قدامة، والحافظ عبد الغني، ومحمد بن خلف بن راجح، والناصح عبد الرحمن بن النجم بن عبد الوهاب، وعبد القادر ابن الشيخ عبد القادر وغيرهم (٢). شيخ الفتيان ببغداد عبد الجبار بن صالح، من أهل باب الأزج (٣)، لبس منه الإمام الناصر سراويل الفتوة (٤)، وكان شيخ صالحًا يعمل في البساتين، وكانت له صومعة بباب كلواذا (٥) يَتعبّد فيها، وحج في هذه السنة، وتوفي بمكة، فدفن بالمعلى (٦). ابن نقطة (٧) عبد الغني بن أبي بكر بن شجاع الزاهد، كانت له زاوية ببغداد يأوي إليها الفقراء، وكان ديّنا جوادًا، لم يكن ببغداد في عصره مَن يقاومه في التجريد، كان يفتح عليه قبل غروب الشمس بألف دينار، فيفرقها والفقراء صيام، فلا يدخر لهم منها شيئًا، ويقول: نحن لا نعمل بأجرة. يعني لا نصوم وندخر ما نفطر عليه، وكانت والدة (٨) الخليفة الناصر تحسن الظن به، زوَّجته جارية من خواصها، ونقلت معها جهازًا يُساوي عشرة آلاف دينار، فما حال الحول وعنده منها سوى هاون (٩)، فجاء فقير فوقف على الباب، وقال: لي ثلاثة أيام ما أكلت شيئًا. فأخرج إليه الهاون وقال: لا تشنع على الله،

стр. 395

كُلْ بهذا ثلاثين يومًا، وكان له أخ يقال له: أبو منصور بن نقطة مُزَكلِشْ ينشد في الأسواق ويُسحّر [٥٣] الناس في رمضان، فقيل له: ألا تستحي؟! أخوك زاهد العراق وأنت تُزكلش في الأسواق. فقال مواليا: قد خاب من شبه الجزعة إلى درة … وسَامَ قحبةَ إلى مستحسنة حرّة أنا مغنى وخي زاهد إلى مَرّة … في الدار بيرين ذي حلوة وذي مُرة وكانت وفاته يوم الثلاثاء الرابع من جمادى الآخرة، ودفن بزاويته. ابن التعاويذي (١) الشاعر، أبو الفتح محمد بن عبيد الله بن عبد الله الكاتب المعروف بابْن التعاويذي، الشاعر المشهور، وكان أبوه مولى لابن (٢) المظفر واسمه نُشتَكِين (٣)، فسمي والده عبيد الله، وهو سبط أبي محمد المبارك بن المبارك بن على بن نصر السراج الجوهري الملقب جمال الدين، وإنما نسب إلى جده المذكور لأنه كفله صغيرة، ونشأ في حجره فنسب إليه. وكان أبو الفتح (٤) المذكور شاعر وقته، لم يكن فيه مثله، جمع شعره بين جزالة الألفاظ وعذوبتها، ورقة المعاني ودقتها، وكان كاتبًا بديوان المقاطعات (٥) ببغداد، وعمي في آخر عمره سنة تسع وسبعين، وله في عَماه أشعار كثيرة، يرثى عينيه، ويندب زمان شبابه وتصرفه، وكان قد جمع ديوانه بنفسه قبل العمى، وصنف كتابًا سماه "الحجبة والحجاب" وهو قليل الوجود. وكانت ولادته في العاشر من رجب يوم الجمعة سنة تسع عشرة وخمسمائة، وتوفي في ثاني شوال سنة ثلاث أو أربع وثمانين وخمسمائة ببغداد، ودفن في باب أبرز. والتعاويذي نسبة إلى كتبه التعاويذ، وهي الحُروز (٦) واشتهر (٧) بها أبو محمد المبارك بن المبارك المذكور (٨).

стр. 396

أبو الفضل (١) أستادار بن الصاحب، واسمه هبةُ الله بن علىّ بن هبة الله الملقب بمجد الدين. ولاه المستضيء أستاذ الدار، وأقره الناصر وقربه تقريبًا زائدًا، فبسط يده في الأموال وسفك الدماء، وسبّ الصحابة ظاهرة، وبطر بطرًا شديدا، وكثرت السعايات فيه إلى الخليفة، وأشير عليه بقتله، فاستدعى يوم السبت تاسع عشر ربيع الأول إلى دار الخلافة، فعلم أنه مقتول، فاغتسل غسل الميت وودّع أهله، وخرج فمر على دار الطبل (٢) قبيل الظهر، فقال لعريف الطبالين: دخل الوقت. فقال: قد قرب. فتطيّر، فلما حُصّل في بعض الدهاليز (٣) وثب عليه ياقوت شحنة بغداد فقتله، وماجت بغداد، فأخرج رأسه فعلّق على باب النوبي، فسكن الناس. وعمره إحدى وأربعون سنة، ووجد في داره ما لم يُوجد في دور الخلفاء، فمن العين ألف ألف دينار وخمسمائة دينار، ومن الخيل والبغال [المماليك] (٤) والجواهر والثياب مثل ذلك. الأمير شمس الدين (٥) بن محمد بن عبد الملك بن المقدم، أحد نواب السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب قتل في مكة في هذه السنة، وكان أمير الحاج على ما ذكرناه مفصلا. وفي المرآة (٦): وهو الذي سلم سنجار إلى نور الدين، وصلاح الدين أعطاه بعلبك ثم عوضه عنها ببارين وغيرها، وصلاح الدين لما توجه إلى الشرق استنابه بالشام، وله المواقف المشهورة في الغزوات، وحضر حطين والقدس وعكا وفتوح الساحل، ولما حج وقع الحربُ [٥٤] بينه وبين طاشتكين أمير حاج العراق، وقتل من الفريقين جماعة، ورماه مملوك طاشتكين بسهم فوقع في عينه فخرّ صريعًا، وجاء طاشتكين فحمله إلى

стр. 397

مني، فتوفي يوم الخميس، يوم عيد الله الأكبر، وصلى عليه (١) بمسجد الخيف (٢)، ودفن بالمعلى. ولما بلغ السلطان صلاح الدين خبره بكى بكاء عظيمًا، وحزن حزنًا كبيرا، وقال: قتلني الله إن لم أنتصر له، وتأكدت الوحشة بينه وبين الخليفة، فقال: أنا الجواب، ثم استعد للجواب. الأميرُ محمود أخو جاولي، استشهد في هذه السنة، وسبب ذلك أن السلطان وكله بحصر قلعة كوكب (٣) التي على الغور، وكانت فيها الإستبارية، وقد كانوا تمنعوا بشدتهم ومنعتهم، وكانت قلعتهم هذه منيعة عاليًا مرتفعًا، ولما ملك صلاح الدين الساحل، وهلك الباطل، وافتتحت طبريّة وأعمالها، تمنعت من ذلك قلعتان: قلعة صفد (٤) بالداوية، وقلعة كوكب بالإستبارية، وتعذر فتحهما، ورتّب السلطان علي صفد جماعة يعرفون بالناصريّة ومقدمتهم مسعود الصلتي، ورتب على كوكب هذه محمودًا المذكور، وكان ديّنا صالحًا مشكور السيرة، فأقام بحصنٍ قريب من كوكب يُقال له: [عفربلا (٥)]، وكان يَسْهر أكثر ليله متهجدًا، وقد جعل منزله مَسجدا. فلما كان آخر ليلة من شوال وكانت ليلة مظلمة مدلهمة، خرج أهل كوكب وقت السحر، ومضوا إليه والناسُ رقود والحراسُ هجُود، فما أحس محمود إلا وقد هجم الفرنج عليهم، فجاءتهم الشهادة، وبقي الأميرُ حتى استشهد محصورًا. وكان أمر الله قدرة مقدورا، ونقلوا إلى القلعة ما وجدوه من سلاح ومتاع وخيل وكراعة (٦)، فلما عرف السلطان ما أصابهم ندب إلى الكوكب صارم الدين قايْماز النجْمي، فضايقها وحصرها، ولم يزل عليها مقيمة إلى أن يسّر الله بفتحها كما نذكره إن شاء الله تعالى (٧).

стр. 398

فَصْلٌ فيما وقعَ من الحَوادِثِ في السنة الرابعة والثمانين بعد الخمسمائة (¬*) استهلت هذه السنة، والخليفة هو الناصر لدين الله، والسلطان صلاح الدين مقيم على عكا. ذكر غزوات صلاح الدين وفتوحاته في هذه السنة وسار السلطان من عكا في المحرم، وحاصر حصن كوكب، فرآه منيعًا صعبًا، ووقته مشغول بغيره، فوكل به الأمير قايماز النجمي في خمسمائة فارس يُضيّقون عليه المسالك، وكذلك بصفد، وكانت الداوية خمسمائة فارس مع طغرل الجاندار (١)، يمنعون وصول الميرة والتقاوي. وبعث إلى الكرك والشوبك جيشًا آخر يُحاصِرونهما، ويضيقون على أهليهما ليتفرّغ من أموره لقتال هذه الأماكن (٢) وحصارها. وسار منها في ربيع الأول ودخل دمشق، ففرح الناس به، وكتب إلى ملوك الأطراف باجتماع العساكر، وأقام في دمشق خمسة أيام ثم خرج على ما نذكره، وفي المرآة (٣): وكان الذي أرسله صلاح الدين إلى الكرك والشوبك صهره، يُقال له [٥٥] كوحَبَا. وفي النوادر: ولما خرج السلطان من دمشق نزل على بُحيرَة قَدَس غربيّ حمص، وأتته العساكر بها، وأولهم عماد الدين زنكي ابن مودود بن زنكي صاحب سنجار ونصيبين. ولما تكامل عسكره رحل ونزل تحت حصن الأكراد، وشنّ الغارات على بلاد الإفرنج، وسار من حصن الأكراد، فنزل على أنطرسوس (٤) سادس جمادى الأولى، فوجد الفرنج قد أخلوا أنطرطوس، فسار إلى مرقب (٥)، فوجدهم قد أخلوها أيضًا، فسار إلى صَوْب جبَلة (٦) وأخذها في الثامن عشر من جمادى الأولى حال وصوله على ما نذكره (٧).

стр. 399

وقال العماد الكاتب: وأشرفنا على جبلة يوم الجمعة (١) الثامن عشر، وتسلمنا الحصن في ذلك اليوم، وأقام السلطان بها أيامًا. وفي النوادر (٢): ولما كان مستهل ربيع الآخر نزل السلطان على تل قبالة حصن الأكراد، ثم سير إلى الملك الظاهر ولده، والملك المظفر بأن يجتمعا وينزلا على تيزِينَ قبالة أنطاكية لحفظ ذلك الجانب، فسارا حتى نزلا تيزين في هذا التاريخ، وسَارت عساكر الشرق حتى اجتمعت بالسلطان في هذه المنزلة (٣)، فأقام في منزلته هذه ربيع الآخر أجمع، وصعد في أثنائه إلى حصن الأكراد، وحاصرها يومًا يحبسها به، فما رأى الوقت يحتمل حصاره. واجتمعت العساكر من الجوانب، وأغارَ على بلد طرابلس في هذا الشهر دفعتين، ودخل البلادُ مغيرًا ومختبرًا لمن بها من العساكر، وتقوية العساكر. ولما كان يوم الجمعة الرابع من جمادى الأولى، رحل على تعبية لقاء العدو، ورتّب الأطلاب وسارت الميمنة أولًا، ومقدّمها عماد الدين زنكي، والقلب في الوسط، والميسرة في الأخير ومقدّمها مظفر الدين بن زين الدين، وسار الثقل في وسط القلب حتى أتى المنزل، ثم رحل في صبيحة السبت، ونزل على العُريمة (٤) فلم يقاتلها ولم يعرض لها، ولكن أقام عليها بقية يوم السبت، ورحل عنها يوم الأحد، ووصل إلى أنطرسوس (٥) ضحوة نهار الأحد السادس من جمادى الأولى. ذكر فتح أنطرسوس ولما وصل إلى أنطرسوس في التاريخ المذكور، فوقف قبالتها ينظر إليها. وكان في عزمه الاجتياز، ثم اختار النزول، فأمر الميمنة والميسرة بالنزول على البحر من الجانبين، ونزل هو أيضًا في جانب آخر، فأحدقتها العساكر من البحر إلى البحر، وهي مدينة راكبة على البحر ولها بُرجان حصينان كالقلعتين، ثم أمر الناس بالزحف والقتال وشدّوا عليها جدًا، وما استتم نصب الخيم حتى صعد الناس السُورَ وأخذوها عنوة، وغنم العسكر جميع ما فيها، وخرج الناس والأسرى بأيديهم وأموالهم. وترك الغلمان نصب الخيم،

стр. 400

واشتغلوا بالنهب والكسب، وفي السلطان بقوله؛ فإنه كان قد عرض عليه الغداء فقال: نتغدى بأنطرسوس إن شاء الله. وعاد إلى خيمته فرحًا مسرورًا، ثم أمر بتخريب سُور البلد وتخريب بيعة عظيمة عندهم [٥٦] كانوا يحجون إليها من أقطار بلادهم، وأمر بوضع النار في البلد فأحرق جميعه، فأقام عليهًا إلى الرابع عشر من جمادى الأولى، ثم سار يريد جبلة، وكان وصوله إليها في الثامن عشر من جمادى الأولى، الجمعة (١). ذكرُ فتح جبلة يوم الجمعة ولما وصل السلطان إلى جبلة في التاريخ المذكور، أخذ البلد يوم وصوله، وكان فيها مسلمون يقيمون فيها، وقاض يحكم بينهم (٢). وفي المرآة (٣): وكان قاضيها منصور بن ثبيل، فأرسل إلى السلطان يُشير عليه بقصدها، وقيل: إن القاضي والأعيان خرجوا إليه وهونوا عليه أمرها، وأخذ القاضي من السلطان أمانًا لأهل جبلة، وكان إبرنس (٤) أنطاكية قد سلمها إلى القاضي ووثق به في حفظها، فنازلها وفتحها في التاريخ المذكور، وامتنع الحصن عليه يومًا، ثم سلموه إليه يوم السبت بالأمان بعون الله وفضله، وأقام عليها إلى الثالث والعشرين من الشهر المذكور. ثم سارَ عنها فَطلب اللاذقية. ذكر فتح اللاذقية (٥) نزل السلطان عليها يوم الخميس الرابع والعشرين من جمادى الأولى، وهي بلدة لها مينا وقلعتان متصلتان على تَل يشرف على البلد، فنزل ﵀ مُحدقًا بالبلد، وأخذت العساكر منازلهم مستديرين على القلعتين من جميع نواحيها إلا من ناحية البلد، واشتد القتال وعظم الزحف، وأخذوا البلد دون القلعتين، وغنم الناس منه غنيمةً

стр. 401

عظيمةً، فإنه كان بلد التجار: وفرق بين الناس الليل، وأصبحوا يوم الجمعة مقاتلين مجتهدين في النقوب من شمالي القلاع، وتمكن منها النقب حتى بلغ طوله ستين ذرًاعًا وعرضه أربعة أذرع، واشتد الزحف عليهم حتى صعدوا الجبل وقاربوا السور، وتواصل القتال حتى صاروا يتحاذفون بالحجارة بالأيدي، فلما رأوا ذلك استغاثوا وطلبوا الأمان عشيّة الجمعة الخامس [والعشرين] (١) من الشهر المذكور، وطلبوا قاضي جَبلَة، فدخل إليهم ليقرّر لهم قاعدة الأمان، فأجيبوا إلى ذلك، فدخل القاضي وقرر الحال معهم على أنهم يُطلَقُون بنفوسهم ونسائهم وذراريهم وأموالهم، عدا الغلال والذخائر وآلات السلاح والدواب، وأطلق لهم السلطان دوابًا يركبونها إلى مأمنهم. ثم رقي عليها العَلّم الإسلامي المنصور في بقية السبت السادس [والعشرين] (٢) منه، وأقاموا عليها إلى يوم الأحد السابع والعشرين من جمادى الأولى (٣). وقال العمادُ (٤) ﵀: ولما رحل السلطان من جبلة أتى اللاذقية وفتحها في الرابع والعشرين من جمادى الأولى، وهي ثلاث قلاع متلاصقات على طول التل، فلما عرفوا أنهم مدركون طلبوا الأمان، وذلك يوم الجمعة الخامس والعشرين عشيةً، ودخل جماعة منهم في عقد الذمة، وانتقل الباقون إلى أنطاكية. ثم رتب السلطان جماعةٍ من خواص مماليكه، وأخرج من القلاع أهل الكفر وأسكنها أهل التوحيد، وولي بها سنقر الخِلاطي مملوكه، ثم ركب السلطان إلى البلد [٥٧] وطافه، وهزّ إلى إحسانه أعطافه، ثم رحل نحو صهيون (٥). ذكر فَتح صَهْيُون ولما سار السلطان راحلًا من اللاذقية نزل على صهيون يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من جمادى الأولى، واستدار العسكر بها من سائر نواحيها بكرة الأربعاء، ونصب عليها ستة مناجيق، وهي قلعة حصينة منيعة في طَرف جبل، خنادقها أودية هائلة واسعة

стр. 402

عميقة، وليس لها خندق محفور إلا من جانب واحد، مقدار طوله ستون ذراعًا، وهي نَقْر في صَخر، ولها ثلاثة (١) أسوار: سوران دون رَبضها، وسورٌ دون القُلة (٢)، وكان على قلتها علم طويل منصوب، فحين أقبل العسكر الإسلامي وقع. قال صاحب النوادر (٣): شاهدت ذلك حين وقع، فاستبشر المسلمون بذلك وعلموا أنه النصر والفتح، واشتد القتال عليها من سائر الجوانب، فضربها منجنيق ولده الملك الظاهر صاحب حلب، وكان قد لحقه قبيل فتح جَبَلة بجفله وعسكره، وحضر فتوحها. ولما كان بكرة الجمعة، ثاني جمادى الآخرة، عزم السلطان على الزحف، وركب وتقدم وأمر المنجنيقات بتواتر الضربات، وما كان ساعة إلا وقد رقى المسلمون على أسوار الريض، واشتد الزحف وهجم المسلمون الرَبض. وانضم من كان فيه إلى القلعة، وأستدار المقاتلة حول أسوار القلعة، فلما عاينوا الهلاك طلبوا الأمان، فبذل لهم السلطان الأمان، على أن يسلموا بأنفسهم وأموالهم ويؤخذ من الرجل منهم عشرة دنانير، وعن المرأة خمسة دنانير، وعن الصغير ديناران، وسلّمت القلعة. وأقام السلطان حتى تسلم قلاعًا غيرها، وهي بلاطنس (٤)، وعيذو (٥)، وقلعة الجماهر (٦) وغير ذلك. وقال العماد (٧): وكان تسلم قلعة عيذو يوم السبت، وقلعة بلاطنس يوم الاثنين، وقرر في كل حصن من تسلمه، وما مكنوا من الخروج حتى أحضروا ما قرّر عليهم، وتولي جباية ذلك شجاع الدين طُغرل الجاندار. وقال العماد (٨): ثم سُلِّم حصْن صَهْيَون بجميع أعماله وسائر ما حواه من ذخائره وأماله إلى الأمير ناصر الدين مَنكورسْ بن خُمارْتكين (٩).

стр. 403

ذكر فتح بكَاس (١) ولما رحل السلطان من صهيون ثالث جمادى الآخرة، وصل إلى قلعة بَكاس سادس جمادى الآخرة، وهي قلعة حصينة عَلى جانب العاصي، ولا نهر يخرج من تحتها، ونزل السلطان على العاصى (٢). قال النويري (٣): تسلمها يوم الجمعة تاسع الشهر المذكور، وكان أهلها [أخلوها (٤)] قبل وصول السلطان وتحصّنوا بقلعة شُغْر (٥). وفي النوادر (٦): صعد السلطان جريدة إلى القلعة، وهي على جبل مطل على العاصي، فأحدق بها من كل جانب، وقاتلها قتًالًا شديدا بالمنجنيقات والزحف إلى يوم الجمعة، ثم يسر الله فتحها عنوة، وأُسِر مَن فيها بعد قتل من قُتل منهم، وغنم جميع ما كان فيها. ذكرُ فتْح شغْر ولما تحصنت الفرنج بقلعة شغر، وهي قلعة شامخة منيفة، خيّم السلطان بخيمة خفيفة إلى الجبل لحصار القلعة، فحاصرها وأخذها بالأمان [٥٨] في الثالث عشر من جمادى الآخرة يوم الثلاثاء، ثم سلم السلطان حصْن بَكاس وحصن شُغْر إلى غرس الدين قلب الساقي. وفي النوادر (٧): وكان لبَكَاس قُلَيعةٌ تسمى الشُغر، قريبًا منها يعبر إليها بجسرٍ، وهي في غاية المتعة ليس إليها طريق، فسلطت عليها المنجنيقات من الجوانب، ورأوا أنهم لا ناصر لهم، فطلبوا الأمان وذلك في يوم الثلاثاء، وسألوا أن يؤخروا ثلاثة أيام لاستئذان مَنْ بأنطاكية، فأذن السلطان في ذلك، وكان تمام فتحها وصعود العلم السلطاني على قلتها يوم الجمعة السادس عشر منه بعون الله وفضله (٨).

стр. 404

ذكر فتح سَرمْانية ولما فتح السلطان حصن شغر أرسل ولده الملك الظاهر صاحب حلب فحاصر سرمانية وأخذها بالأمان، وهدمَ الحصن وعفّى أثره. وفي النوادر (١): أرسل صلاح الدين ولده المذكور إلى قلعة تسمى سَرْمانية يوم السبت سابع عشر جمادى الأخرى، فقاتلها قتالًا شديدًا، وضايقها مضايقةً عظيمةً، وتسلمها يوم الجمعة الثالث والعشرين من الشهر المذكور، [فاتفقت] (٢) فتوحات الساحل من جبلة إلى سرمانية في أيام الجُمع، وهي علامة قبول دعاء خطباء المسلمين، وسعادة السلطان ﵀، حيث يسّر له الفتوح في اليوم الذي يضاعف فيه ثواب الحسنات، وهذا من نوادر الفتوحات في الجُمع المتوالية، ولم يتفق مثلها في تاريخ. وكان في هذه الحصون المذكورة من أسرى المسلمين عدد لا يحصى، فأطلقوا وأعطوا النفقة والكسوة (٣). ذكرُ فتح حِصْن بُرْزيَة (٤) ثم سار السلطان من شغر إلى بُرزية، وهي قلعة حصينة في غاية القوة والمنعة على سن جبل شاهق، يضرب بها المثل في جميع بلاد الإفرنج والمسلمين، يحيط بها أودية من سائر جوانبها وذرع عُلُوِّ تَلها (٥)، فكان خمسمائة ذراع ونيفًا وسبعين ذراعًا (٦). وقال العماد (٧): وكان وصول السلطان إليها يوم السبت الرابع والعشرين من جمادي الآخرة، وملكها يوم الثلاثاء السابع والعشرين منه، قال: فأحدقنا بهًا وبالجبل ونصبنا عليها المجانيق في سفحها، ولما رأى السلطان أنه لا وصول إليها بالمجانيق، وأن الاشتغال به يُطيل الزمان مال إلى الزحْف، فقسم الناسَ ثلاثة أقسام، وجعل النوبة

стр. 405

الأولى لعماد الدين زنكي صاحب سنجار والملك العادل، وتقدم السلطان بنفسه في النوبة الثانية، واشتد القتال وضاق بها الحال، ولما أيقنوا بأنهم ملكوا طلبوا الأمان وكفّوا عنهم. وكانت زوجة صاحب حصن بُرزية أختَ زوجة الإبرنس صاحب أنطاكية، وقد سُبيُت وخُبّيَت، فما زال السلطان يطلبُها حتى أظهروها وأحضروها، فمنَّ عليها بالإعتاق، وحل عنها وعَن زوجها قيد الوثاق، وأحضر أيضًا ابنة لهما وزوجها وعدّةً من أصحابهم، وأدخلهم معها في الإطلاق، وسَيّرَ معهم إلى أنطاكية مَنْ أوفدهم على أهلهم، فسرت بأختها زوجة البرنس. وأنعم السلطان [٥٩] بهذا الحصن على عز الدين المذكور عن قريب. ذكْر فَتح قَلْعَة دَرْبِسَاك (١) ولمّا رحل السلطان من حصن برزية عبَر من عند شقيف دركوش (٢) إلى شرقي العاصي، وجاء إلى جسر الحديد (٣) وأقام هناك أيامًا حتى تلاحق به العسكر، ثم سار إلى دربساك ونزل عليها يوم الجمعة الثامن من شهر رجب، وهي قلعة منيعة مرتفعة، وهي عُش الداوية، وقاتلها قتالًا شديدًا وضايَقها مضايقةً عظيمةً، وأمر بالنقب تحت برج، وتمكن النقب منها حتى وقع، وحمَوه بالرجال المقاتلة، ووقف في الثغرة رجال يحمونها عن من يصعد فيها (٤). قال صاحب النوادر (٥): ولقد شاهدتهم وكلما قتل منهم رجل قام غيره مقامه، وهم قيام عوض الجدار مكشوفين، إلى أن اشتدّ بهم الأمرُ حتى طلبوا الأمان، فأمنهم السلطان وشرط عليهم أن ينزلوا بأنفسهم وبثياب أبدانهم لا غير. فعند ذلك رقي عليها العلم الإسلاميّ يوم الجمعة أيضًا الثاني والعشرين من رجب، وأعطاها لعلم الدين سليمان بن جندر (٦)، ثم سار عنها بكرة السبت الثالث والعشرين (٧) من رجب متوجهًا إلى بُغَراس.

стр. 406

ذِكرُ فَتح قلعةِ بْغرَاس وهي قلعة منيعة على رأس جبل شامخ، قريبة من أنطاكية، كثيرة العُدّة والرجال، فنزل العسكرُ في مرج لها، وصعد السلطان في جريدة عسكره إلى الجبل، ووقف بإزاء الحصن ينصب عليه المجانيق من جميع جهاته، وعين يَزَكا (١) لجانب أنطاكية كيلا يحصل تشويش من جهة أنطاكية، فضرب اليزك على باب أنطاكية بحيث لا يقدر أحد أن يخرج منها. قال صاحب النوادر (٢): وأنا كنت في اليَزك في بعض الأيام ولم يزل السلطان يقاتل أهل بغراس مقاتلة شديدة (٣) حتى ضاق بهم الحال، فخرج مقدم الداوية يستأذن في الحضور، فأذن له، ولما حضر طلب الأمان فأمنهم السلطان على حكم دَربساك، ورقي العلم السلطاني عليها في الثاني من شعبان، ثم سلّم السلطان قلعة بغراس لعلم الدين سليمان آنفًا، فتسلّم الحصنين دريساك وبغراس، وكان علم الدين هذا صاحب أعزاز، وتسلمهما بذخائرهما، ووجد في بغراس خاصةً من الغلّة اثني عشر ألف غرارة (٤) سوي ما فيها من سائر الأقوات (٥). ذِكرُ مُهادَنة صاحب أَنطاكِية ولما فرغ السلطان من أمر بغراس عزم على التوجه إلى أنطاكية، وكان الإبرنس (٦) صاحبها عجل بإرسال أخي زوجته يَسأل من السلطان الهدنة والصلح على أن يطلق كل أسير عنده، فأجابه السلطان إلى ذلك، ووقع الصلح إلى ثمانية أشهر، وكان الإبرنس هذا من أعظم ملوك الإفرنج في هذه البلاد، وكان أهل طرابلس سلموا إليه طرابلس أيضًا بعد مَوت قومص صاحبها، وجعل الإبرنس ابنه في طرابلس (٧)، وقال صاحب النوادر (٨):

стр. 407

وكانت هدنتهم إلى سبعة أشهر على أنه إن جاءهم من ينصرهم [٦٠] وإلا سلّموا (١) البلد إلى السلطان ﵀. ذكرُ رحيل السّلْطان مُتَوجّهًا إلى دمشْقَ لما فرغ السلطان من أمْرِ بُغراس ومُهادنة صاحب أنطاكية، رحل قاصدًا الشامَ، فأتى حلب ودخلها في حادي عشر شعبان، ثم أعطى دستورًا للعسكر، وودع عماد الدين زنكي بن مودود بن زنكي بعد أن أنعم عليه بأنواع التحف والأمتعة الدواب، ويقال: إنما دخل السلطان حلب لأن ولده الملك الظاهر سأله ذلك، فأتاها وأقامَ بقلعتها ثلاثة أيام، وولده يقوم بالضيافة حق القيام، ولم يبق في العسكر إلا من ناله شيء من نعمته، وبالغ في ذلك حتى أشفق عليه والده، ثم سار السلطان من حلب في الرابع عشر من شعبان قاصدًا دمشق فاعترضه ابن أخيه الملك المظفر تقي الدين وأصعده إلى قلعة حماة، واصطنع له طعامًا حسنًا وأحضر له سماع الصوفية، وبات فيها ليلةً واحدةً، وأعطاه السلطان جبلة واللاذقية، ثم سار على طريق بعلبك حتى أتاها وأقام بمرجها يومًا، ودخل إلى حمامها، ثم سار منها حتى أتى دمشق قبل دخول رمضان بأيام يَسيرة فأقام بها حتى دخل رمضان، وما كان يرى بتبطيل وقته عن الجهاد مهما أمكنه، وكان قد بقي له من القلاع القريبة من حوران التي يخاف عليها من جانبها صَفد وكوكب، فرأى أن يُشغل الزمان بفتح المكانين في الصوم (٢). وقال ابن كثير (٣): ولما دخل السلطان دمشق أشاروا عليه بتفريق العسكر ليُريحوا ويَستريحوا. فقال السلطان: إن العمر قصير، والأجل غير مأمون، فخرج من دمشق لغزوته في أوائل رمضان يريد صفَد (٤). ذكر فتح صَفد ولما خرج من دمشق أتي علي صفد في أثناء شهر رمضان، وهي قلعة منيعة قد تقاطع حولها بالأودية، فأحدق العسكر بها، ونصَب عليها المجانيق، ولم يزل القتال متواصلًا بالنُوَب مع الصوم حتى سلموها بالأمان في الرابع عشر من شوال من هذه

стр. 408

السنة (١). وقال ابن كثير (٢): مازال السلطان عليها بالقتال والمضايقة حتى فتحها صلحًا في الثامن من شوال. ثم سلّمت القلعة إلى شجاع الدين طغرل الجاندار. ذكر فتح قلعة كوكب ولما فرغ السلطان من أمر صفد سار إلى كوكب وعليا الأمير قايماز النجمي، وقد ذكرنا أن السلطان خلاه عليها يُحاصرها، ونزل السلطان على سطح الجبل، وجرّد العسكر وأحدقوا بالقلعة وضايقوها بالكلية، وكانت الأمطار متواليةً، والوحول كثيرةً بحيث تمنع الماشي والراكب إلا بمشقة كبيرة، وعانى السلطان شدائدَ وأهولًا من شدّة الرياح وتراكم الأمطار، وكون العدو متسلطًا عليهم بعلوّ مكانه، وجرح خلق من العسكر، وقتل جماعة ولم يزل السلطان راكبًا مركب الجد حتى تمكن النقب [من] (٣) سورها، ولما أحسّوا بالنقب وقد تمكن من [السور] (٤) علموا أنهم مأخذون، فطلبوا الأمان، فأجابهم إلى ذلك وآمنهم وتسلمها [٦١] في منتصف ذي القعدة وسيَّر أهلها إلى صُورَ، وكان اجتماع هذه القلاع كلها في صور (٥). وقال ابن كثير: وكان حصن كوكب [معقل] (٦) الإستبارية، كما أن صفد معقل (٧) الداوية، وكانوا أبغض أجناس الإفرنج إلى السلطان، لا يكاد يترك منهم أحدا [إلا قتله] (٨) إذا وقع من المأسورين (٩). ولما فتحت قلعة كوكب عرضها السلطان على جماعة فلم يقبلوها، فولاها قايماز النجمي عن كراهة (١٠). ذكر فتح الكرك لما كان السلطان سار إلى البلاد الشمالية جعل على الكرك وغيرها مَنْ يحاصرها، وخلّى أخاه الملك العادل في تلك البلاد يُباشر ذلك، فأرسل أهل الكرك يطلبون الأمان،

стр. 409

فأمر العادل المباشرين لحصارها بأن يَتسلّموها، فتسلموا الكرك والشّوبك وغيرهما مما في تلك الجهات (١). وقال العماد (٢): وكان الملك العادل مقيمًا بتبنين (٣) بالعسكر، محترزًا على البلاد من غائلة الفرنج، مُقويا للأمراء المرتّبين على الحصون، وكَان صهره سَعد الدين كُمشْبَه [الأسدي] (٤) بالكرك موكلًا، وبأهله مُنكلًا، فتوسلوا بالملك العادل حتى دخلوا في الحكم، وخرجوا على السَلْم (٥). وكان فتح الكرك في أثناء شهر رمضان (٦). وفي تاريخ بيبرس (٧). قد كان الملك الناصر صلاح الدين رتب على الكرك العساكر صحبة سَعد الدين كمشبه صهر الملك العادل، فحضروها ليلًا ونهارًا مدة حتى فنيت منها الأزواد، وأكل أهلها جميع الحيوان الذي عندهم، فأذعنوا للتسليم وسلّموا، وكفى الله المسلمين شرهم. ذكر ما فعَل صَلاح الدّين بعد هَذه الفتوحات في هذه السنة قد ذكرنا أنه لما فرغ من أمر بغراس ومُهادنة صاحب أنطاكية، توجه إلى دمشق، وجعل طريقه على حلب، كان معه الأمير مهنيّ أميرالمدينة وكُنيته أبو فليته الحُسَيني، وكان ميمون النقيبة مبارك الطلعة، وكان السلطان قد تيمّن بطلعته فما حضر معه بلدًا إلا فتحه، ثم جعل السلطان طريقه على المعرّة، فزار عمر بن عبد العزيز ﵁، والشيخ أبا زكرياء (٨) المغربي.

стр. 410

وقال العماد الكاتب (١): ولما خرجنا من حلب قصد السلطان زيارة الشيخ الفقيه الزاهد التقى أبي زكرياء المغربي، وهو في مسجده عند قبر عمر بن عبد العزيز ومَشهده. وفي تاريخ المؤيد (٢): جعل السلطان طريقه لما رحل من حلب على قبر عمر بن عبد العزيز ﵁، فزاره وزار الشيخ الصالح أبا زكرياء المغربي، وكان مقيمًا هناك، وكان من عباد الله الصالحين، وله كرامات ظاهرة. وكان القاضي الفاضل مع السلطان في هذه المواقف المذكورة، فكتب عن السلطان إلى أخيه سيف الإسلام صاحب اليمن يَسْتدعيه إلى الشام لنصرة أهل الإسلام، فإنه قد عزم على حصار أنطاكية بنفسه، ويكون تقي الدين محاصرًا طرابلس إذا انسلخ هذا العام. ثم عزم القاضي الفاضل على الدخول إلى الديار المصرية، فسَار السلطان معه لتوديعه، ثم عدل السلطان إلى القدس الشريف (٣)، فصلى فيه الجمعة وعيّد فيه عيد الأضحى. ثم سار ومعه أخوه الملك العادل إلى عسقلان، ثم أقطع أخاه الكرك عوضًا عن عسقلان، وأمره بالانصراف ليكون عونًا لابنه الملك العزيز في الديار المصريّة على حوادث الزمان، ثم عاد السلطان فأقام بمدينة [٦٢] عكا حتى انسلخت هذه السَّنة. وفي النوادر (٤): وكان دخول السلطان بيت المقدس وصحبته أخوه الملك العادل في ثامن ذي الحجة من هذه السنة، وصلّينا الجمعة في قبة الصخرة الشريفة، وصلينا صلاة العيد بها يوم الأحد، ثم عاد السلطان إلى خيمته وأقام بقية يومه. ثم سار يوم الاثنين الحادي عشر من ذي الحجة طالبا عسقلان؛ لينظر في أحوالها ويودّع أخاه، فأقام بها أيامًا يَلُمّ شعثها ويصلح أحوالها، وودع أخاه العادل وأعطاه الكرك وأخذ منه عَسقلان، ثم عاد يطلبُ عكا على طريق السّاحل، فأقامَ بها إلى أن مضى أكثر المحرّم من السنة الآتية (٥)، ورتّب بها بهاء الدين قراقوش واليًا، وأمره بعمارة السُور والإطناب فيه، ومعه حسام الدين بشارة، ثم سار يُريد دمشق بعد وصول طائفة من عسكر مصر أودعهم في عكا بصدد

стр. 411

حفظها، ودخل دمشق في مستهل صفر من السنة الآتية على ما نذكره إن شاء الله تعالى (١). ذكرُ بقية الحوادث منها أن طائفة من الرافضة بمصر (٢) خرجت، يريدون أن يُعيدوا دولة الفاطميين الذين حكموا في الديار المصرية والشامية وغيرهما، واغتنموا غيبة الملك العادل عن مصر، واستخفوا أمر الملك العزيز عثمان ابن السلطان صلاح الدين، فبعثوا اثني عشر رجلًا ينادون في الليل: يا آل علىّ، [بنياتهم] (٣) أن العامّة تجيبهم إلى ما عزموا عليه، فلم يلتفت إليهم أحد، فلما رأوا ذلك انهزموا فأُدركوا، وأخذوا، وقيّدوا، وحُبسوا. ولما بلغ أمرهم إلى السلطان ساءه ذلك. وكان القاضي الفاضل عنده بَعد ولم يفارقه لأجل سفره إلى مصر، فقال له: أيها الملك ينبغي أن تفرح ولا تحزن، فإنه لم يصغ إلى دعوة هؤلاء الجَهلة أحدٌ من رعيتك، ولا التفتوا إليهم، ولو أنك بعثتَ من قِبلك جواسيس يختبرون رعيتك لسرّك ما بلغك عنهم، فسرّي به عنه ذلك ورجع إلى قوله، ولهذا أرسله إلى مصر ليكون له عينًا وعونًا معينًا (٤). ومنها أن في الثامن والعشرين من رمضان عزل إسفنديار عن كتابة الإنشاء، ورتب مكانه أبو الفضل بن القصاب، وخلع عليه ولقّب مؤيد الدين. قال ابن القادسي: كان إسفنديار من أهل الدين والعلم، فلما ولى لبس الحرير وتختم بالذهب، وكان يركب في غير شيء، ويدخل في دَرب دَرب ليصاخ بين يديه، بسم الله، بسم الله. ومنها أن في شوال جلس ابن الجوزي في دار الوزير ابن حديدة ونسَبه إلى الأنصار، وقال في حديث السقيفة: إن أبا بكر ﵁ قال للأنصار يوم السقيفة: "نحن الأمراء وأنتم الوزراء" ثم قال: "وما يصلح لدولة الإمام الناصر إلا الأنصار". وقرئ بين يديه في ذلك اليوم: "والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصًر". وقال كلام آخر في هذا المعنى.

стр. 412

ومنها أن الخليفة جهز ابن يونس، وكان استوزره إلى همذان، فخرج نصف الليل ليلة الثلاثاء الثامن والعشرين من المحرّم من هذه السنة، قالوا: القمر بربع المريخ. وساق العساكر للقاء السلطان طغريل بن أرسلان بن طغريل السلجوقي [٦٣] بالقرب من همذان، وكان طغريل قد بعث إلى الخليفة يَطلب السلطنة، فأخرج الأموال وجهز جيشًا عظيمًا، وقدم عليهم ابن يونس جلال الدين عبد الله، وكان في جملة الأمراء طغريل صاحب البصرة وأمير الحاج طاشتكين، فأنفا من تقديم ابن يونس عليهما، ولم يُقراه. فقال ابن يونس: والله لأرمينَّهم في المهالك. وسار إلى باب همذان، والتقوا هناك فقَصَّر طغريل وطاشتكين، والتقاهم السلطان فكسَرهم ومزقهم كل ممزّق، وقتلوا وأسروا، وأخذ الوزيرُ ابنُ يونس وكان محلوق الرأس، فأحضر بين يدي السلطان، فألبَسه طرطورًا أحمر فيه جلاجلَ وجَعل يَضحك عليه، ولم يصل إلى بغداد من العسكر إلا القليل؛ تقطعوا في الجبال وماتوا عطشًا وجوعًا (١). وفي تاريخ المؤيد (٢): وكانت ملاقاتهم بقرب همذان في الثامن من ربيع الأول. وفي تاريخ بيبرس: وأقبل طغربل فالتقاهم بمَرْج عند همدان، فلم يثبت له عسكر بغداد، فانهزموا. وفيها ................. (٣). ................ وفيها حج بالناس من العراق طاشتكين. ذِكر مَنْ تُوفي في هذه السّنة من الأعيان الحافظ أبو بكر محمد بن موسى بن عثمان بن حَازم الحازمي الهمذاني، صَاحب التصانيف على صغر سنه، منها: "العجالة في النسب" (٤)، و "الناسخ والمنسوخ" (٥) وغيرهما، وكان مولده سنة ثمان أو تسع وأربعين وخمسمائة، وتوفي في الثامن والعشرين

стр. 413

من جمادى الأولى من هذه السنة ببغداد، ودفن في الشونيزية إلى جانب سمنون بن حمزة مقابل قبر جنيد ﵁، وفرّق كتبه على أصحاب الحديث، ونسبته إلى جدّه حازم بالحاء المهملة والزاي المعجمة (١). الشيخ محمد بن قائد الزاهد (٢)، من أهل أوَانا (٣) قرية بالدُجَيْلُ (٤)، وكان صاحب كرامات وإشارات ومجاهدات ورياضات وكلام على الخواطر وبيان عما في الضمائر، وكان يجتمعُ عنده في المواسم خلق عظيم، وكان قد أُقعِد زمانًا، وكان يُحمل في محفة إلى الجامع يوم الجمعة، واستشهد في هذه السنة على يدي اثنين من الإسماعيلية أرسلهما سِنان (٥) إليه في زىّ الصُوفية، وقتلا معه تلميذه عبد الحميد، وكان سبب ذلك أن شخصًا يُقال له زَرزُور أتى إلى جامع أُوانا فوعظ فيه وسبّ الصحابة، فبلغ الشيخ ذلك فأمر العوام فرجموه، وهرب إلى سنان مقدّم الإسماعيلية وحكى له ذلك، فأرسل سنان اثنين وأتيا وأقاما عند الشيخ بالرباط (٦) تسعة أشهر يَصُومان ويصليان وهو لا يعرفهما، وكانا يتوقعان فرصةً، وقال الشيخ لأصحابه: يوم الأربعاء تَحْدُثُ ها هنا حادثة عظيمة. وكان عنده ودائع الناس فردّها على أصحابها، وقال لخادمه عبد الحميد: لك فيما يجري ها هنا نصيب. ولما كان يوم الجمعة جاء أحد الاثنين إلى الرباط فأغلق بابه، وجاء الآخر إلى الشيخ فقال: يا سيدي ناولني يدك لأقبلها، فأعطاه يده فصافحه باليسار، فقال: ويحك أين اليمين؟!. فقال: هو ذا، فأخرج يده اليمنى وفيها السكين فضربه بها في جوفه،

стр. 414

وسقط ما في بطنه بين يديه ومات، وضرب الآخر عبد الحميد فقتله، فوقع الصائح وهربا، ومرابين البساتين على فلاح يسقى بُستانًا وبيده مَرٌّ (١) يعدل به [٦٤] الماء. فرآهما مُريبين، فحمل على أحدهما فضربه بالمرّ، ففلق رأسه فوقع ميتًا، وحمل الآخر على الفلّاح فاتقاه بالمَرّ فقتله، ثم وقف الفلاح يفكر ويقول: لم قتلت هذين وعليهما زيّ الفقر؟! ثم أنه لما سمع الصياح والصراخ جاء إلى الرباط فسأل، مَن قتل الشيخَ؟ قالوا: كان عنده فقيران من صفتهما كذا وكذا، فقال: تعالوا فجاؤا، فرأوهما مقتولين، فتعجبوا وقالوا له: علمت الغيب. قال: لا والله، بل أُلهمت إلهامًا. فأحرقوهما. وكان والي "أُوانا" شخصًا يقال له: مسعود الخادم، غضب عليه الخليفة، فاستصفى أمواله ومات تحت الضرب، وألقى في دجلة، وكان عمر الشيخ حين قُتل قد جاوز التسعين والله أعلم. خالص بن عبد الله، خادم الإمام الناصر ولقبه مجاهد الدين، مات في هذه السنة، وكان قريبًا من الخليفة، فسلم إليه مماليكه الخواص، وكان سليم الصدر ديّنا (٢). صاحب تكريت عيسى بن مودود (٣)، ويلقب بفخر الدين، كانت له أخوة على وأرغش وغيرهما، فاغتاله على فقتله، وأظهر أن غلمانه قتلوه، وكان حسَن السيرة جوادًا لا يدخر شيئًا، ولا يرد سائلًا، ولا يخيب قاصدًا، وكان فاضلًا، ومن شعره: أرى الأيامَ محكوم عليها … ولا حكم لها فعلامَ عَتبُ فلا تتوهمن الأمر سهلًا … والله إن الأمرَ صعب قضاءُ الله مقدورٌ علينا … ولكن فيه للإنسان كسبُ أُسَامَةُ بن مُنْقِذ (٤)، وهو أبو المظفر أسامة بن مُرشد بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ الكناني الكلبي الشَّيْزري، الملقب مؤيد الدولة مجد الدين، من أكابر بني منقذ أصحاب قلعة شيزر وعلمائهم وشجعانهم، له تصانيف عديدة في فنون الأدب، وله ديوان

стр. 415

شعر في جزءين ذكره ابن المستوفى (١) وأثنى عليه، وعدّه في جملة من ورد عليه وأورد له مقاطيع من شعره. وذكره العماد في الخريدة (٢)، وقال بعد الثناء عليه سكن دمشق ثم انتقل إلى مصر، فبقى بها مؤمرًا يشار إليه بالتعظيم إلى أيام الصالح بن رُزيك، ثم عاد إلى الشام، وسكن دمشق، ثم رماه الزمان إلى حصن كيفا، فأقام بها حتى ملك السلطان صلاح الدين دمشق، فاستدعاه وقد شيّخ فجاوز الثمانين. وقال العماد (٣): وقد كنت أتمنى أبدًا لقياه، حتى لقيته في صفر سنة إحدى وسبعين وسألته عن مولده، فقال: يوم الأحد السابع والعشرين من جمادى الآخرة سنة ثمان وثمانين وأربع مائة بقلعة شيزر. وتوفي ليلة الثلاثاء الثالث والعشرين من شهر رمضان سنة أربع وثمانين وخمسمائة بدمشق، ودفن من الغد بجبل قاسيون. وتوفي والده أبو أسامة مرشد سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة. وقال ابن خلكان (٤): ورأيت ديوانه بخطه، ونقلت منه (٥): لا تَستعرْ جَلَدا على هجرانهم … فقُواكَ تضعفُ (٦) عن صُدودٍ دائمِ واعلم بأنكَ إنْ رَجَعتَ إليهمُ … طوعًا وإلا عُدْتَ عَوْدةَ رَاغمِ [٦٥] وقال: ونقلت من خطه لنفسه، وقد قلع ضرسه، وقال: عملتهما ونحن بظاهر أخلاط، وهو معنى غريب يصلح أن يكون لغزًا في الضرس: وصاحب لا أَملّ الدهْرَ صُحْبتَه … يَشْقى لِنفْعي ويَسعي سعي مُجتهدِ لم أَلْقَه مُذ تَصاحَبْنا فحين بَدا … لناظِرَيَّ افترقنا فُرقةَ الأَبدِ ورُوي: مذ وقعَت عَيْني عليه افترقنا فرقة الأبد (٧). أبو محمد عبد الله بن علي بن عبد الله بن سويدة التكرِيتي (٨): كان عالمًا

стр. 416

بالحديث وله تصانيف حسنة، وهو شيخ ابن الأثير، وقد ذكره في هذه السنة وقال: توفي فيها شيخنا أبو محمد المذكور (١). علاء الدين يُتامِش (٢): توفي بمصر، وحمل تابوته إلى مشهد الحسين (٣) بن على ﵄. الأخلاطيّة زوجة الإمام الناصر: توفيت في هذه السنة واسمها سلجوقي (٤) خاتون بنت قليج أرسلان بن مسعود صاحب الروم (٥). وفي المرآة (٦): قدمت بغداد في سنة ثلاث وثمانين، وحجت وعادت إلى حصن كيفا، ومات زوجها فعادت إلى بغداد في سنة أربع (٧) وثمانين، فتزوجها الخليفة (٨) فحظيت عنده، فحكَّمها في داره، وفي الحرائر والدولة. فتوفيت يوم الاثنين ثاني ربيع الأول فجأة، وحزن عليها الخليفة حزنًا لم يحزن رجل على امرأته مثله، بحيث أقامت دورها ومقاصيرها سنين لم تفتح. وكانت كثيرة الصدقات والمعروف، وبنت تربةً عند عون ومعين الدين (٩)، ودفنت بها، فبنى الخليفة إلى جانبها رباطًا للصوفية، ووقف على التربة وعليه أوقافًا عظيمةً، ونقل إلى التربة الكُتُب النفيسةَ، وأمر الناسَ بالتردد إلى تربتها في كل ليلة رجب ونصف شعبان، ويحضر الوزير وأرباب الدولة والوُعاظ والفقهاء والقراء، ويحضر الخليفة مختفيًا فيجلس في شباك، ويتكلم الوُعاظ وينشد الشعراء من وقت العصر إلى غروب الشمس، ويمضي الوزير وأرباب الدولة، ويبقى الوعاظ والقراء يعظون بطول الليل، فإذا كان وقت السحر فرقت فيهم الحلاوات الكثيرة، والخشانك (١٠) وغير ذلك. وعمل لها سبيلًا يخرج عنها في كل سنة تنفق فيه أموال كثيرة (١١).

стр. 417

فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الخامسة والثمانين بعد الخمسمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة الناصر لدين الله، والسلطان صلاح الدين يوسف مقيم على عكّا، والأمر مستقيم. فوصل إليه جماعة من مصر، فأمرهم بالإقامة فيها محافظة على الحماية، وأمر بهاء الدين قراقوش بإتمام بناء السور، وولي الأمير حسام الدين بشارة بعكا واليًا، ثم خرج السلطان وسار على طبريّة ودخل دمشق مستهل صفر من هذه السنة (١). وفي تاريخ بيبرس (٢) أن السلطان قدم عكا في أول هذه السنة، والصحيح أن السنة دخلت وهو مقيم على عكا. وذكر صاحب النوادر (٣) أنه كان مع السلطان، وأنه وصل إلى عكا في أواخر ذي الحجة من السنة الماضية، [٦٦] وأنه أقام بعكا معظم المحرم من سنة خمس وثمانين وخمسمائة. ثم سار حتى دخل دمشق في مستهل صفر منها، وأقام حتى دخل ربيع الأول، وفيه جاء رسل الخليفة إليه كما نذكره إن شاء الله تعالى (٤). ذكر خروج السُّلطان صَلاح الدين لأهل شقيف أرنون قال ابن كثير (٥): أقام السلطان شهر صفر في دمشق، ثم خرج منها في ثالث ربيع الأول يوم الجمعة، وأتي مرج برغوث (٦) وأقام به إلى يوم السبت حادي عشر الشهر، ثم رحل على سَمْت بَانياس (٧)، وأتي مرج عيون وخيّم بقرب الشقيف، وذلك يوم الجمعة

стр. 418

سابع عشر ربيع الأول، وكان الشقيف في يد صاحب صيدا "أرناط" (١)، فنزل إلى خدمة السلطان وبذل له تسليم الشقيف بعد مدة ضربها، خديعةً منه. فلما بقي للمدة ثلاثة أيام استحضره السلطان، فقال له في التسليم، فقال: لا يوافقني عليه أهل الحصن، فأمسكه السلطان وبعث به إلى دمشق فحبس به، ثم تحول السلطان من مخيّمه إلى أعلى الجبل يوم الأربعاء الثامن من رجب لمحاصرة الحصن، ورتّب لها عدة من الأمراء وأمرهم بملازمته في الصيف والشتاء إلى أن تسلمه بعد سنة بحكم السَلْم، وأطلق صاحبه وأجرى عليه حكم الحِلْم. وفي تاريخ بيبرس: (٢) لما نزل إلى السلطان صاحب الشقيف، وهو أرناط صاحب صيدا، أظهر الطاعة والمودة وقال: أنا محبّ لك ومعترف بإحسانك، وأخاف أن يعرف المَركيسُ صاحب صُورَ ما بيني وبينك، فينال أولادي وأهلي منه أذىً فإنهم عنده، وأشتهي أن تمهلني حتى أتوصل إلى تخليصهم، وحينئذ أحضر أنا وإياهم إلى خدمتك ونسلم الحصنَ، وأكون في خدمتك ونقنع بما تعطنا من إقطاع، فظن صدقه فأجابه إلى ما سأل. وأقام بمرج عيون ينتظر الميعاد وهو قلق مُفكِرٌ لقرب المدة -أعنى مدة المهادنة- التي بينه وبين صاحب أنطاكية، فأمر تقي الدين ابن أخيه أن يسير فيمن معه من عساكره وعساكر الشرق، ويكون مقابل أنطاكية لئلا يغير صاحبها على بلاد الإسلام عند انقضاء مدّة الهدنة، وكان بلغه أن الفرنج اجتمعوا بمدينة صُور، وما يتصل بهم من الأمداد في البحر، وأن صاحب عَسقلان الذي كان أسَره ومَنّ عليه اجتمع مع المركيس بصُور، وأنهم خرجوا في خلق لا يحصى، وكان يخشى أن يترك الشقيف وراء ظهره ويتقدم إلى صور، وفيها الجموع المتوفرة فتقطع الميرة عنه، وكان أرناط صاحب الشقيف مجتهدًا في تحصينه وتحصيل ما يُقويه من الأقوات والسلاح، وبلغ ذلك الناصر، فأحضره قبل انقضاء المدة، فقال له: تُسَلم الحصن. فاعتذر، وذكر ما ذكرناه الآن (٣).

стр. 419

وقال صاحب النوادر (١): نزل صاحب الشقيف بنفسه، فما حسسنا به إلا وهو قائم على باب خيمة السلطان، فأذن له، فدخل واحترمه وأكرمه، وكان من كبار الإفرنج وعقلائها، وكان يعرف بالعربية وعنده [٦٧] إطلاع على شيء من التواريخ والأحاديث. قال: وبلغني أنه كان عنده مسلم يقرأ له ويُفهمه، وكان عنده تَأتَ (٢)، فحضر بين يدي السلطان، وأكل معه الطعام، ثم خلابه وذكر أنه مملوكه، وأنه تحت طاعته وأنه يُسلم المكان إليه من غير تعب، واشترط أن يعطي موضعًا يسكنه بدمشق، فإنه بعد ذلك لا يقدر على مساكنة الإفرنج، وكان قد تردد إلى الخدمة ثلاثة أشهر من تاريخ اليوم الذي أتى إليه، وكان كل وقت يناظرنا في دينه، ونناظره في بطلانه، وكان حسن المحاورة، متأدبًا في كلامه. ذكرُ مَا تجدَّد للسُّلطان مُدّة إقامته بمرج العُيُون من الأحوال وبلغه أنه اجتمع من كان سلم من الإفرنج على ملكهم الذي خلص من الأسر، وقالوا: نحن في جمع خارج عن الحصر، وقد تواصلت إلينا أمداد البحر، فانهض بنا إلى إزالة هؤلاء عنّا، وجاء من كان بطرابلس وخيّموا على صُور، وجرت بين المركيس المقيم بها وبين الملك مراسلات، فلم يمكنه من دخول البلد ثم احتج بأنه من قَبَل الملوك الذين من وراء البحر، وأنه منتظر لما تُبرمونه من الأمر، ثم اتفقوا على أن يقيم المركيس بصور، وأنهم يجتمعون على حرب المسلمين، وقتالهم، ويتساعدون على رّمّ ما تشعث من أحوالهم، ويقصدون بلدًا إسلاميًا من الساحل، والمركيسُ يَمدهم من صُور بالمدَد بَعد المدَد، وبجميع ما يحتاجون إليه من الميرة والأسلحة والعُدَد، ووصل هذا الخبر يوم الاثنين السابع عشر من جمادى الأولى من اليزك، قالوا أن جمع الفرنج قد نهض كاليل المعتكر، وأنهم على قصد صيدا للحصر، فركب السلطان في الحال، فقبل وصول السلطان، اتقعت اليزكية بهم، فكسرتهم وأسروا منهم سبعة من سباعهم، واستشهد من المماليك الخواص أيبك الأخرش (٣)، وقد كان شجاعًا شهمًا، وانفصلت الحرب قبل وصول السلطان.

стр. 420

وعاد السلطان إلى خيم ضربت له بقرب اليزك، وأقام إلى يوم الأربعاء تاسع [عشر] (١) الشهر، وركب في ذلك اليوم ليطلع من الجبل على القوم، ولم يكن له نية القتال، فلم يستصحب معه من يستظهر به من الرجال، وتبعه خلق كثير من غزاة البلاد بغير علمه؛ وظنوا أن السلطان إنما ركب للقتال وعلى عزمه، وكان الفرنج قد بصروا بالقوم، فطمعوا فيهم، [وأنفذ] (٢) السلطان بعض الأمراء إلى الغزاة الرجالة ليعودوا، فما قبلوا، وحمل عليهم العدو فأسروهم وقتلوهم، وختم الله لهم بالشهادة، وحمل الحاضرون من الأمراء والعسكر على الإفرنج حملةً واحدةً، وتزاحموا على الجسر، فغرق منهم زهاء ثمانين في النهر. والحرب سجال، فيوم لنا، ويوم علينا، ولم يكن لأولئك الغرقاء (٣) بقتال الفرنج دُرْبة. وممن لقي الله بالشهادة، وختم له بالسعادة، الأمير غازي بن سعد الدولة بن مسعود بن البَصّار (٤) [٦٨] وكان شابًا شجاعًا، فلم يُصِب الكفار من المسلمين منذ أصيبوا غير هذه الكرّة (٥). وفي النوادر (٦): لما كان يوم الاثنين السَابع عشر من جمادى الأولى بلغ السلطان من جانب اليَزك أن الفرنج قد قطعوا الجسر الفاصل بين أرض صور وأرض صيدا، وهي الأرض التي نحن عليها، فركب السلطان وصاح الجاووش بالناس، فركب العسكر يُريدون نحو اليَزك، فوصل العسكر وقد انفصلت الوقعة، وذلك أن الفرنج عبر منهم جماعة الجسر، فنهض لهم اليزك الإسلاميّ، وكانوا في عدة وقوة، فقاتلوهم قتالًا شديدًا، وقتلوا منهم خلقًا كثيرًا، وجرّحوا أضعاف ما قتلوا، ورموا في النهر جماعة، فغرقوا، ولم يقتل من المسلمين إلا مملوك السلطان، يعرف بأيبك الأخرش، وكان شجاعًا باسلًا، مجربًا للحرب [فارسا] (٧)، تقنطر به فرسُه، فلجأ إلى صخرة، فقاتل بالنشاب حتى فني، ثم

стр. 421

بالسيف حتى قتل جماعةً، ثم تكاثروا عليه فقتلوه، وَوَجَدَ السلطان عليه لمكان شجاعته، وعاد السلطان من الوقعة إلى مخيّم ضرب له قريب المكان، وأقام هناك إلى يوم الأربعاء تاسع عشر جمادى الأولى المذكور، وركب يتشوف على القوم -على عادته- فتبعه خلق عظيم من الرجَّالة والغزاة والسُوقة، وأمرَ السلطان بردهم، فلم يرتدوا، وذلك لأن المكان كان صعبًا ليس للرجالة فيه ملجأ، ثم هجم الرجالة على الجسر، وناوشوا العدوّ، وعبر منهم جماعة إليهم، وجرى بينهم قتال شديد، واجتمع من الفرنج خلق كثير، فحملوا عليهم حملة واحدةً على غِرةً من السلطان، فإنه كان بعيدًا منهم، ولم يكن معه عسكر، وأسروا من المسلمين جماعةً وقتلوا جماعةً، وعُدّ من كان قتل من الرجالة في ذلك اليوم، فكانوا مائة وثمانين نفرًا، وقتل من الفرنج أيضًا عدّة عظيمة، وغرق أيضًا منهم عدة، وكان ممن قتل منهم مقدّم الألمانية (١)، وكان عندهم عظيمًا. ذكر مسير السُلطان جريدة إلى عكا ولما رأى السلطان ما حلَّ بالمسلمين في تلك الوقعة النادرة، جمع أصحابه وشاورهم وقرّر معهم أن يهجم على الفرنج، ويعبُر الجسر ويقاتلهم ويستأصل شأفتهم، وكان الفرنج قد رحلوا عن صُور، ونزلوا قريب الجسر، وبين الجسر وصور مقدار فرسخ أو أزيد منه بشيء يسير، فلما صمم العزم على ذلك، أصبح في يوم الخميس السابع والعشرين من جمادى الأولى على ذلك، وركب وسار وتبعه الناس والمقاتلة والعساكر، ولما وصل أواخر الناس إلى أوائلهم وجدوا اليزك عائدا، وخيامهم قد قلعت، فسئلوا عن سبب ذلك، فذكروا أن الإفرنج رحلوا راجعين إلى صُور ملتجئين إلى سورها، معتصمين بقربها، ولما رأى السلطان ذلك منهم رأى أن يسير إلى عكا ليلحظ ما بُني من سورها، ويحث على الباقي، ويعود فراح على تبنين ولم يرجع على مرج عيون، فمضى إلى عكا ورتب أحوالها، وأمر بتتمة [٦٩] عمارة سورها، وأمر بالاحتياط، ثم عاد إلى العسكر المنصور إلى مرج عيون، وأقام منتظرًا مهلة صاحب الشقيف (٢).

стр. 422

ذكر وقعة أخرى ولما كان يوم السبت السادس من جمادى الآخرة بلغ السلطان أن جماعةً من رجَّالة العدو يتبسطون ويَصلون إلى تبنين (١) يحتطبون، وفي قلبه من ما جرى على رجالة المسلمين شيء عظيم، فرأى أن يقرر قاعدة وكمين يرتبه لهم ويأخذهم فيه، ثم بلغه أن وراءهم خيل يحفظونهم، فعمل كمينا يصلح للقاء الجميع، ثم أنفذ إلى عسكر تبنين وتقدم إليهم أن يخرجوا في نفر يسير مُتغيرين على تلك الرجالة، وأن خيل العدو إذا تبعتهم ينهزمون إلى جهة عيّنها لهم، وأن يكون ذلك صبيحة يوم الاثنين الثامن من جمادى الأخرى، وأرسل إلى عسكر عكا أن يسيروا حتى يكونوا وراء عسكر العدوّ حتى إن تحركوا في نصرة أصحابهم قصدوا خيمهم، وركب هو وجحفله سحر يوم الاثنين شاكين في السلاح متجردين، ليس معهم خيمة إلى الجهة التي عينها لهزيمة عسكر تبنين، وسار حتى قطع تبنين، ورتب العسكر ثمانية أطلاب، واستخرج من كل طُلْب عشرين فارسًا من الشجعان الجياد الخيل، وأمرهم أن يتراءوا للعدو حتى يظهروا إليهم ويُناوشوهم وينهزمون بين أيديهم حتى يصلوا إلى الكمين، ففعلوا ذلك، وظهر لهم من الفرنج معظم عسكرهم مقدّمهم الملك، [وكان] (٢) قد بلغهم الخبرُ، فتعبوا تعبية القتال، وجرى بينهم وبين هذه السريّة اليسيرة قتال شديد، والتزمت السرية القتال، وأنفوا عن الانهزام بين أيديهم، وحملتهم الحميّة على مخالفة السلطان، واتصل الحرب بينهم إلى آخر النهار، ولم يرجع منهم أحد إلى العسكر ليخبرهم بما جرى. واتصل الخبر بالسلطان في آخر الأمر وقد هجم الليل، فبعث إليهم بعوثا كثيرة، ولما علم الفرنج بأوائل المدد عادوا منهزمين ناكصين على أعقابهم بعد أن جرت مقتلة عظيمة من الجانبين، وكان القتلى من الفرنج على ما ذكر من حضر زهاء عشرة أنفس، ومن المسلمين ستة نفر اثنان من اليزك وأربعة من العرب، منهم الأمير زامل (٣)، وكان شابا حسنًا، مقدِّم عشيرته، وكان سبب قتله أنه تقنطرت به فرسه، ففداه ابن عمه بفرسه، فتقنطرت به أيضا فرسُه، وأسر هو وثلاثة من أهله.

стр. 423

فلما بَصَر الفرنج بمدد العسكر قتلوهم خشية الاستنقاذ، وجرح خلق كثير من الطائفتين وخيل كثيرة، وكان للسلطان مملوك يسمّى أيبك [الساقي] (١) أثخن بالجراح حتى اندسّ بين القتلى وجراحاته تشخب دمًا، وبات ليلته أجمع على تلك الحالة إلى صبيحة يوم الثلاثاء، فتفقده أصحابُه فلم يجدوه، فَعرَّفوا السلطان فأنفذ من يكشف خبره، فوجدوه بين القتلى، فحملوه إلى المخيَّم، وعافاه الله، وعاد السلطان إلى المخيَّم يوم الأربعاء عاشر الشهر المذكور منصورا، فرحا مسرورا، جزاه الله خيرا (٢) [٧٠]. وقال ابن كثير (٣): وقتل مع زامل أمير العرب، الأمير حجىّ بن منصور بن ربيعة، والأمير مُطرف بن رفيع بن مُرّ بن ربيعة وآخر معهم (٤). ذكر مسير الإفرنج إلى عكا والنزول عليها ورحيل السلطان إلى قِبَالتِهم ولما وصل الخبر إلى السلطان أن العدو قد ركب نحو عكا، وذلك يوم الأربعاء ثامن رجب، وكان قد اجتمع بصور من أهل البلاد، التي أخذها السلطان بالأمان، خلق عظيم حتى صاروا في عالم لا يحصون كثرة، وأرسلوا إلى البحر يبكون ويستنجدون وصوّروا صورة المسيح وصورة عربيّ يضرب المسيح وقد أدماه، وقالوا: هذا نبي العرب يضرب المسيح، فخرجت النساء من بيوتهن ووصل من الفرنج في البحر عالم لا يحصون كثرة، وساروا إلى عكا من صور ونازلوها في منتصف رجب، وضايقوا عكا، وأحاطوا بسورها من البحر إلى البحر، ولم يبق للمسلمين إليها طريق فسار إليهم السلطان [ونزل] (٥) قريبا من الإفرنج بمرج عكا على تل كيسان (٦).

стр. 424

وقال صاحب النوادر (١): كتب السلطان إلى سائر أرباب الأطراف بأن يتقدموا إلى العساكر الإسلامية بالمسير إلى المخيّم، وقال: سار السلطان بالليل وأصبح صبيحة يوم الاثنين الثالث عشر من رجب سائرا إلى عكا من طبرية، إذ لم يكن ثمة طريق يتسع العسكر إلا هو، وسّير جماعةً على طريق تبنين يَستشرفون العدو، ويواصلون بأخبارهم، قال: وسرنا حتى أتينا الحُولة (٢) منتصف النهار، فنزل بها ساعة ثم رحل، وسار طول الليل حتى أتى موضعا يقال له: مُنْية صبَاح يوم الثلاثاء الرابع عشر من رجب. وفيه بلغنا أن الإفرنج نزلوا على عكا يوم الاثنين ثالث عشر من رجب. وسار هو جريدة من المنية حتى اجتمع ببقية العسكر الذين كان أنفذهم على طريق تبنين بمرج صَفُورية، فإنه كان واعدهم إليه، ولم يزل حتى شارف العدوّ من الخروبة (٣) وبعث بعض العسكر، فدخل عكا على غرة من العدو تقوية لمن فيها، ولم يزل يبعث [إليها] (٤) بعثا بعد بعث حتى حَصَّل [فيها] (٥) خلق كثير، وعدد وافر، ورتب العسكر، ميمنةً وميسرة وقلبا، وسار من الخروبة، وقد كان نزل عليها يوم الأربعاء خامس عشر الشهر، فسار منها حتى أتى تلا يقال له: تل كيسان في أوائل مرج عكا، فنزل عليه وأمر الناس أن ينزلوا على هذه التعبئة، وكان آخر الميسرة على طرف النهر الحلو، وآخر الميمنة يقارب تل العياضية (٦)، واحتاط العسكر الإسلامي المنصور بالعدو المخذول، وأخذوا عليهم الطرق من الجوانب، وتلاحقت العساكر الإسلامية واجتمعت، ورتب اليزك الدائم والجاليش (٧) في كل يوم مع العدو، وحُصر العدو في خِيامهم من كل جانب، بحيث لا يقدر أن يخرج منها واحد إلا ويجرح أو يقتل.

стр. 425

وكان معسكر العدوّ المخذول على شطر من عكا، وخيمة ملكهم على تل المصلبين (١) قريبا من باب البلد، وكان عدد راكبهم ألفي فارس، وعدد راجلهم ثلاثين ألفا، ومددهم من البحر لا ينقطع، وجرى بينهم وبَيْن اليزك مقاتلات عظيمة متواترة، والبُعوث تتواصل من المسلمين والملوك والأمراء من الأقطار متتابعة، فأول [٧١] من نزل واصلا الأمير الأجل الكبير [مظفر الدين بن زين الدين، ثم قدم بعده الملك المظفر] (٢) تقي الدين صاحب حماة في جحفله، وتتابعت الأمراء والعساكر الإسلامية. وفي أثناء هذا الحال توفي حسام الدين سنقر الخلاطي بإسهال شديد، فأسف عليه المسلمون أسفا شديدًا، فإنه كان شجاعا ديّنا، ثم أن الفرنج تكاثروا، واستفحل أمرهم واستداروا بعكا بحيث منعوا من الدخول والخروج منها، وذلك يوم الخميس سلخ رجب. فلما رأى السلطان ذلك ضاق صدره، وثارت همته العالية لفتح الطريق إلى عكا؛ ليستمر السابلة (٣) إليها بالميرة والنجدة، فاستحضر أمراءه وأصحاب الرأي، وشاورهم في مضايقة القوم، واتفقوا على أن يضايقوا بحيث ينفصل الأمر بالكلية، أويفتح الطريق إلى عكا (٤). ذِكُر قيام الحرب لأجل فتح الطريق ولما أصبح نهار الجمعة مستهل شعبان من هذه السنة، أصبح السلطان على عزم القتال، فرتب عسكره ميمنةً وميسرة وقلبا، واتفقوا على أن تكون الملاقاة وقت الصلاة والخطباء تخطب، وهو وقت قبول الدعوات، فحملوا حملات عظيمة، وهم كالسّور المحيط ما عليه متسلق، والمسلمون كالبنيان المرصوص ما فيه خلل، وكالحلقة المفرغة ما إليها مدخل، فلم يتحرك الملاعين من موضعهم، ودامت الحرب بينهم، وكلما قتل واحد وقف آخر مكانه، حتى دخل الليل وحجز بينهم، فأصبحوا يوم السبت على الحرب كما أمسوا، واشتدت الحرب أكثر مما كان، وأنفذ السلطان طائفة من شجعان المسلمين إلى البحر من شمالي عكا، فلم يكن هناك [للعدو] (٥) خيم، لكن
следующие страницы →