بالسيف حتى قتل جماعةً، ثم تكاثروا عليه فقتلوه، وَوَجَدَ السلطان عليه لمكان شجاعته، وعاد السلطان من الوقعة إلى مخيّم ضرب له قريب المكان، وأقام هناك إلى يوم الأربعاء تاسع عشر جمادى الأولى المذكور، وركب يتشوف على القوم -على عادته- فتبعه خلق عظيم من الرجَّالة والغزاة والسُوقة، وأمرَ السلطان بردهم، فلم يرتدوا، وذلك لأن المكان كان صعبًا ليس للرجالة فيه ملجأ، ثم هجم الرجالة على الجسر، وناوشوا العدوّ، وعبر منهم جماعة إليهم، وجرى بينهم قتال شديد، واجتمع من الفرنج خلق كثير، فحملوا عليهم حملة واحدةً على غِرةً من السلطان، فإنه كان بعيدًا منهم، ولم يكن معه عسكر، وأسروا من المسلمين جماعةً وقتلوا جماعةً، وعُدّ من كان قتل من الرجالة في ذلك اليوم، فكانوا مائة وثمانين نفرًا، وقتل من الفرنج أيضًا عدّة عظيمة، وغرق أيضًا منهم عدة، وكان ممن قتل منهم مقدّم الألمانية (١)، وكان عندهم عظيمًا.
ذكر مسير السُلطان جريدة إلى عكا
ولما رأى السلطان ما حلَّ بالمسلمين في تلك الوقعة النادرة، جمع أصحابه وشاورهم وقرّر معهم أن يهجم على الفرنج، ويعبُر الجسر ويقاتلهم ويستأصل شأفتهم، وكان الفرنج قد رحلوا عن صُور، ونزلوا قريب الجسر، وبين الجسر وصور مقدار فرسخ أو أزيد منه بشيء يسير، فلما صمم العزم على ذلك، أصبح في يوم الخميس السابع والعشرين من جمادى الأولى على ذلك، وركب وسار وتبعه الناس والمقاتلة والعساكر، ولما وصل أواخر الناس إلى أوائلهم وجدوا اليزك عائدا، وخيامهم قد قلعت، فسئلوا عن سبب ذلك، فذكروا أن الإفرنج رحلوا راجعين إلى صُور ملتجئين إلى سورها، معتصمين بقربها، ولما رأى السلطان ذلك منهم رأى أن يسير إلى عكا ليلحظ ما بُني من سورها، ويحث على الباقي، ويعود فراح على تبنين ولم يرجع على مرج عيون، فمضى إلى عكا ورتب أحوالها، وأمر بتتمة [٦٩] عمارة سورها، وأمر بالاحتياط، ثم عاد إلى العسكر المنصور إلى مرج عيون، وأقام منتظرًا مهلة صاحب الشقيف (٢).
стр. 422
ذكر وقعة أخرى
ولما كان يوم السبت السادس من جمادى الآخرة بلغ السلطان أن جماعةً من رجَّالة العدو يتبسطون ويَصلون إلى تبنين (١) يحتطبون، وفي قلبه من ما جرى على رجالة المسلمين شيء عظيم، فرأى أن يقرر قاعدة وكمين يرتبه لهم ويأخذهم فيه، ثم بلغه أن وراءهم خيل يحفظونهم، فعمل كمينا يصلح للقاء الجميع، ثم أنفذ إلى عسكر تبنين وتقدم إليهم أن يخرجوا في نفر يسير مُتغيرين على تلك الرجالة، وأن خيل العدو إذا تبعتهم ينهزمون إلى جهة عيّنها لهم، وأن يكون ذلك صبيحة يوم الاثنين الثامن من جمادى الأخرى، وأرسل إلى عسكر عكا أن يسيروا حتى يكونوا وراء عسكر العدوّ حتى إن تحركوا في نصرة أصحابهم قصدوا خيمهم، وركب هو وجحفله سحر يوم الاثنين شاكين في السلاح متجردين، ليس معهم خيمة إلى الجهة التي عينها لهزيمة عسكر تبنين، وسار حتى قطع تبنين، ورتب العسكر ثمانية أطلاب، واستخرج من كل طُلْب عشرين فارسًا من الشجعان الجياد الخيل، وأمرهم أن يتراءوا للعدو حتى يظهروا إليهم ويُناوشوهم وينهزمون بين أيديهم حتى يصلوا إلى الكمين، ففعلوا ذلك، وظهر لهم من الفرنج معظم عسكرهم مقدّمهم الملك، [وكان] (٢) قد بلغهم الخبرُ، فتعبوا تعبية القتال، وجرى بينهم وبين هذه السريّة اليسيرة قتال شديد، والتزمت السرية القتال، وأنفوا عن الانهزام بين أيديهم، وحملتهم الحميّة على مخالفة السلطان، واتصل الحرب بينهم إلى آخر النهار، ولم يرجع منهم أحد إلى العسكر ليخبرهم بما جرى.
واتصل الخبر بالسلطان في آخر الأمر وقد هجم الليل، فبعث إليهم بعوثا كثيرة، ولما علم الفرنج بأوائل المدد عادوا منهزمين ناكصين على أعقابهم بعد أن جرت مقتلة عظيمة من الجانبين، وكان القتلى من الفرنج على ما ذكر من حضر زهاء عشرة أنفس، ومن المسلمين ستة نفر اثنان من اليزك وأربعة من العرب، منهم الأمير زامل (٣)، وكان شابا حسنًا، مقدِّم عشيرته، وكان سبب قتله أنه تقنطرت به فرسه، ففداه ابن عمه بفرسه، فتقنطرت به أيضا فرسُه، وأسر هو وثلاثة من أهله.
стр. 423
فلما بَصَر الفرنج بمدد العسكر قتلوهم خشية الاستنقاذ، وجرح خلق كثير من الطائفتين وخيل كثيرة، وكان للسلطان مملوك يسمّى أيبك [الساقي] (١) أثخن بالجراح حتى اندسّ بين القتلى وجراحاته تشخب دمًا، وبات ليلته أجمع على تلك الحالة إلى صبيحة يوم الثلاثاء، فتفقده أصحابُه فلم يجدوه، فَعرَّفوا السلطان فأنفذ من يكشف خبره، فوجدوه بين القتلى، فحملوه إلى المخيَّم، وعافاه الله، وعاد السلطان إلى المخيَّم يوم الأربعاء عاشر الشهر المذكور منصورا، فرحا مسرورا، جزاه الله خيرا (٢) [٧٠].
وقال ابن كثير (٣): وقتل مع زامل أمير العرب، الأمير حجىّ بن منصور بن ربيعة، والأمير مُطرف بن رفيع بن مُرّ بن ربيعة وآخر معهم (٤).
ذكر مسير الإفرنج إلى عكا والنزول عليها ورحيل السلطان إلى قِبَالتِهم
ولما وصل الخبر إلى السلطان أن العدو قد ركب نحو عكا، وذلك يوم الأربعاء ثامن رجب، وكان قد اجتمع بصور من أهل البلاد، التي أخذها السلطان بالأمان، خلق عظيم حتى صاروا في عالم لا يحصون كثرة، وأرسلوا إلى البحر يبكون ويستنجدون وصوّروا صورة المسيح وصورة عربيّ يضرب المسيح وقد أدماه، وقالوا: هذا نبي العرب يضرب المسيح، فخرجت النساء من بيوتهن ووصل من الفرنج في البحر عالم لا يحصون كثرة، وساروا إلى عكا من صور ونازلوها في منتصف رجب، وضايقوا عكا، وأحاطوا بسورها من البحر إلى البحر، ولم يبق للمسلمين إليها طريق فسار إليهم السلطان [ونزل] (٥) قريبا من الإفرنج بمرج عكا على تل كيسان (٦).
стр. 424
وقال صاحب النوادر (١): كتب السلطان إلى سائر أرباب الأطراف بأن يتقدموا إلى العساكر الإسلامية بالمسير إلى المخيّم، وقال: سار السلطان بالليل وأصبح صبيحة يوم الاثنين الثالث عشر من رجب سائرا إلى عكا من طبرية، إذ لم يكن ثمة طريق يتسع العسكر إلا هو، وسّير جماعةً على طريق تبنين يَستشرفون العدو، ويواصلون بأخبارهم، قال: وسرنا حتى أتينا الحُولة (٢) منتصف النهار، فنزل بها ساعة ثم رحل، وسار طول الليل حتى أتى موضعا يقال له: مُنْية صبَاح يوم الثلاثاء الرابع عشر من رجب.
وفيه بلغنا أن الإفرنج نزلوا على عكا يوم الاثنين ثالث عشر من رجب.
وسار هو جريدة من المنية حتى اجتمع ببقية العسكر الذين كان أنفذهم على طريق تبنين بمرج صَفُورية، فإنه كان واعدهم إليه، ولم يزل حتى شارف العدوّ من الخروبة (٣) وبعث بعض العسكر، فدخل عكا على غرة من العدو تقوية لمن فيها، ولم يزل يبعث [إليها] (٤) بعثا بعد بعث حتى حَصَّل [فيها] (٥) خلق كثير، وعدد وافر، ورتب العسكر، ميمنةً وميسرة وقلبا، وسار من الخروبة، وقد كان نزل عليها يوم الأربعاء خامس عشر الشهر، فسار منها حتى أتى تلا يقال له: تل كيسان في أوائل مرج عكا، فنزل عليه وأمر الناس أن ينزلوا على هذه التعبئة، وكان آخر الميسرة على طرف النهر الحلو، وآخر الميمنة يقارب تل العياضية (٦)، واحتاط العسكر الإسلامي المنصور بالعدو المخذول، وأخذوا عليهم الطرق من الجوانب، وتلاحقت العساكر الإسلامية واجتمعت، ورتب اليزك الدائم والجاليش (٧) في كل يوم مع العدو، وحُصر العدو في خِيامهم من كل جانب، بحيث لا يقدر أن يخرج منها واحد إلا ويجرح أو يقتل.
стр. 425
وكان معسكر العدوّ المخذول على شطر من عكا، وخيمة ملكهم على تل المصلبين (١) قريبا من باب البلد، وكان عدد راكبهم ألفي فارس، وعدد راجلهم ثلاثين ألفا، ومددهم من البحر لا ينقطع، وجرى بينهم وبَيْن اليزك مقاتلات عظيمة متواترة، والبُعوث تتواصل من المسلمين والملوك والأمراء من الأقطار متتابعة، فأول [٧١] من نزل واصلا الأمير الأجل الكبير [مظفر الدين بن زين الدين، ثم قدم بعده الملك المظفر] (٢) تقي الدين صاحب حماة في جحفله، وتتابعت الأمراء والعساكر الإسلامية.
وفي أثناء هذا الحال توفي حسام الدين سنقر الخلاطي بإسهال شديد، فأسف عليه المسلمون أسفا شديدًا، فإنه كان شجاعا ديّنا، ثم أن الفرنج تكاثروا، واستفحل أمرهم واستداروا بعكا بحيث منعوا من الدخول والخروج منها، وذلك يوم الخميس سلخ رجب.
فلما رأى السلطان ذلك ضاق صدره، وثارت همته العالية لفتح الطريق إلى عكا؛ ليستمر السابلة (٣) إليها بالميرة والنجدة، فاستحضر أمراءه وأصحاب الرأي، وشاورهم في مضايقة القوم، واتفقوا على أن يضايقوا بحيث ينفصل الأمر بالكلية، أويفتح الطريق إلى عكا (٤).
ذِكُر قيام الحرب لأجل فتح الطريق
ولما أصبح نهار الجمعة مستهل شعبان من هذه السنة، أصبح السلطان على عزم القتال، فرتب عسكره ميمنةً وميسرة وقلبا، واتفقوا على أن تكون الملاقاة وقت الصلاة والخطباء تخطب، وهو وقت قبول الدعوات، فحملوا حملات عظيمة، وهم كالسّور المحيط ما عليه متسلق، والمسلمون كالبنيان المرصوص ما فيه خلل، وكالحلقة المفرغة ما إليها مدخل، فلم يتحرك الملاعين من موضعهم، ودامت الحرب بينهم، وكلما قتل واحد وقف آخر مكانه، حتى دخل الليل وحجز بينهم، فأصبحوا يوم السبت على الحرب كما أمسوا، واشتدت الحرب أكثر مما كان، وأنفذ السلطان طائفة من شجعان المسلمين إلى البحر من شمالي عكا، فلم يكن هناك [للعدو] (٥) خيم، لكن
стр. 426
عسكرهم ممتدة من كل ناحية، فحمل المسلمون عليهم حملة صادقةً، فانهزموا إلى تَلّ المصلّبين نحو القبة، وأخلوا ذلك الجانب، وانفتح الطريق إلى عكا من [باب] (١) القلعة المسماة بقلعة الملك إلى باب قراقوش الذى جدده. وصار الطريق مهيعا (٢) يمرّ فيه السوقي ومعه الحوائج، ويمر به الرجل الواحد والمرأة، واليزك بين الطريق وبين العدو.
ودخل السلطان ﵀ في ذلك اليوم عكا، ورقي على السُور، ونظر إلى عسكر العدو، وفرح المسلمون بنصر الله، وخرج العسكر الذين كانوا بها إلى خدمة السلطان، ثم استدار العسكر الإسلامي حول العسكر الإفرنجي، وأحدقوا بهم من كل جانب (٣).
ذِكرُ الوقعة العُظمى
ولما كان يوم الأربعاء العشرين من شعبان (٤) من هذه السنة، برزت الإفرنج بأجمعهم، وضربوا مع السلطان مصافًا، وحملوا على القلب، فأزالوه وأخذوا يقتلون في المسلمين إلى أن بلغوا خيمة السلطان، فانحاز السلطان إلى جانب، وانضاف إلى جماعة، وانقطع مدد الفرنج، واشتغلوا بقتال الميمنة، فصاح السلطان: يآل الإسلام، فركبت الناس بأجمعهم، وحمل السلطان على الفرنج الذين خرقوا القلب، وانعطف عليهم العسكر، فأفنوهم قتلًا، وكان كل واحد من المسلمين قتل أربعين أو خمسين من الفرنج، وكان قتلى الفرنج تقدير عشرة آلاف، ووصل المنهزمون من المسلمين بعضهم إلى طبرية، وبعضهم وصل إلى دمشق، ولم يكن وقف من المسلمين ثابتين غير نحو ألف نفس، فردّت مائة ألف. وجافت الأرض بعد هذه [٧٢] الوقعة من قتلى الفرنج، فلحق السلطان مرض وحدث له قولنج، فأشار عليه الأمراء بالانتقال من ذلك الموضع، فوافقهم ورحل عن عكا رابع عشر رمضان إلى الخروبة، فلما رحل السلطان تمكن الفرنج حينئذ من حصار عكا، وانبسطوا في تلك الأرض، ولم يعلم السلطان أن ذلك كان من
стр. 427
أكبر المصالح للعدو المخذول، فإنهم اغتنموا هذه الفترة، فحفروا جول مخيّمهم خندقا يجمعُ جيشهم من البحر إلى البحر محدقًا، واتخذوا من ترابه سورًا شاهقًا، وجعلوا له أبوابا يخرجون منها إذا أرادوا، وتمكن الأمر وقوى الخطب (١).
وقال صاحب النوادر (٢): مشاهدة عن أخبار هذه الوقعة العظيمة وملخصه أنه لما كان يوم الأربعاء الحادي والعشرين من شعبان تحركت عساكر الإفرنج، واصطفوا خارج خيامهم: قلبًا وميمنة وميسرةً، وفي القلب الملك وبين يديه الانجيل محمولا مستورًا بثوب أطلس مغطى، يمسكه (٣) أربعة أنفس أربعة أطرافه، يسيرون بين يدي الملك.
وامتدت الميمنة في مقابلة الميسرة التي لعسكر الإسلام من أولها إلى آخرها، وكذا امتدت ميسرتهم في مقابلة ميمنة المسلمين إلى آخره، وملكوا رؤوس التلال، وكان طرف ميمنتهم إلى النهر، وطرف ميسرتهم إلى البحر. والسلطان ﵀ رتب عسكره في مقابلتهم، فوقف هو في القلب، وفي الميمنة ولده الملك الأفضل، ثم ولده الملك الظافر، ثم عسكر المواصلة يقدمهم ظهير الدين بن البلنكري (٤)، ثم عسكر ديار بكر في خدمة قطب الدين بن نور الدين صاحب الحصن، ثم حسام الدين بن لاجين صاحب نابلس، ثم الطواشي قايماز النجمي، وجموع عظيمة متصلين بطرف الميمنة، وكان في طرفها الملك المظفر تقي الدين بجحفله وعسكره، وهو يطل على البحر.
وأما أوائل الميسرة: فكان مما يلي القلب سيف الدين على [بن أحمد] (٥) المشطوب من كبار ملوك الأكراد ومقدميهم، والأمير مجلي وجماعة المهرانية والهكَّارية، ومجاهد الدين يرنقش (٦) مقدم عسكر سنجار -وجماعة من المماليك، ثم مظفر الدين بن زين الدين بجحفله وعسكره.
وأواخر الميسرة: كبار المماليك الأسدية، كسيف الدين بازكج، ورسلان بغا، وجماعة الأسدية الذين يُضرب بهم المثل.
стр. 428
وفي مقدم القلب الفقيه عيسى وجمعُه هذا، والسلطان يطوف على الأطلاب بنفسه يحثهم على القتال، ويدعوهم إلى النزال، ويرغبهم في نصرة دين الله.
ولم يزل القوم يتقدمون، والمسلمون يقدمون حتى علا النهار، ومضى منه مقدار أربع ساعات، وعند ذلك تحركت ميسرة العدو على ميمنة المسلمين، وأخرج لهم الملك المظفر الجاليش، وجرى بينهم قلبات كثيرة، وتكاثروا على الملك المظفر -وكان في طرف الميمنة على البحر- فتراجع عنهم شيئا، إطماعًا لهم لعلهم يبعدون عن أصحابهم، فينال منهم غرضا، فلما رآه السلطان قد تأخر ظن به ضعفا، فأمده بأطلابٍ عدةٍ من القلب حتى قوى جانبه، وتراجعت ميسرة العدو [٧٣] واجتمعت على تَلّ مشرف على البحر.
ثم جاءت منهم حملة على عسكر ديار بكر، وكانت بهم غرة عن الحرب، فلم يصبروا وانكسروا كسرةً عظيمة، وسري كسرهم إلى انكسار معظم الميمنة، واتبع العدو المنهزمين إلى العياضيّة، وصعدت طائفة منهم إلى خيم السلطان، فقتلوا طشت دار (١) كان هناك. وفي هذا اليوم استشهد إسماعيل المكبِّس (٢) وابن رواحة (٣). وأما الميسرة فإنها ثبتت، فإن الحملة لم تصادمها.
وأما السلطان فإنه أخذ يطوف الأطلاب يُنهضهم ويحثهم على الجهاد، وينادي فيهم "يأل الإسلام"، ولم يبق معه إلا خمسة أنفس، وهو يطوف على الأطلاب، ويتخارق الصفوف، ثم أوى إلى تحت التل الذي كان عليه الخيام. وأما المنهزمون، فإنهم بلغوا إلى الأُقحوانة (٤)، فقطعوا جسر طبريّة، وقوم وصلوا إلى دمشق.
وأما المُتبعون فاتبعوهم إلى العياضيّة، ثم رجعوا عنهم، وقتلوا في الطريق جماعة من الغلمان والخاربنديّة (٥) والساسة المنهزمين، ثم جاءوا على رأس السوق، فقتلوا
стр. 429
جماعةً وقتل منهم جماعة أيضا فإن السوق كان فيه خلق عظيم، ولهم سلاح. ثم لما رأوا أن الميسرة الإسلامية ثابتة علموا أن الكسرة لم تتم، فعادوا منحدرين من التل يطلبون عسكرهم.
وأما السلطان فإنه كان واقفا تحت التلّ ومعه نفر يسير، وهو يجمع الناس ليُعودوا إلى الحملة على العدو، ولما رآهم نازلين من التل أرادُوا لقاءهم، فصبّرهم السُلطان إلى أن ولّوا ظهورهم، فحملوا عليهم، وعاد الملك المظفر بجمعه من الميمنة، وتراجع الناس من كل جانب، فنصر الله الإسلام، وظل الناس في قتل وضرب وجرح، إلى أن اتصل المنهزمون السالمون إلى عسكر العدو، ثم رجع الناس عنهم بعد صلاة العصر، يخوضون في القتلى وهم فرحون مسرورون. وعاد السلطان إلى خيمته في ذلك اليوم فرحا مسرورا، فافتقدوا المسلمين، فكان مقدارُ ما فقد من الغلمان والمجهولين مائة وخمسين نفرا، ومن المعروفين استشهد ظهير الدين -أخو الفقيه عيسى- وكان قد وقع من فرسه، وقتل عليه جماعة من أقاربه، وقتل أيضا الأمير مجليّ، هذا الذي قتل من المسلمين.
وأما من العدو فحرز سبعة آلاف نفر. قال الراوي (١): ورأيتهم وقد حملوا إلى شاطئ النهر ليلقوا فيه، فحرزتهم دون سبعة آلاف.
ثم أن السلطان سارع في الكتب والرسل في رَدّ المنهزمين من المسلمين، حتى ردّوا البعض من عقبة فيق (٢). وكان الغلمان والحواشي نهبوا أموال الناس، فأمر السلطان بجمع ذلك كله، وأمر بالنداء بالوعيد والتهديد، فأحضروا شيئا كثيرا حتى صار بين يدي السلطان مثل التل، ثم أمر بردها على أصحابها، وصار مَن عرف شيئا وأعطي علامته أعطاه، وكان ذلك يوم الجمعة الثالث والعشرين من شعبان.
ثم تحول السلطان إلى موضع يقال له الخروبة، وهو موضع قريب من مكان الوقعة، ونزل هناك يوم السبت الرابع والعشرين منه، ثم في سلخ الشهر [٧٤] جمع أعيان عسكره وقال: إن هؤلاء الكفار قد نزلوا في بلادنا، ووطئوا أرض الإسلام، ولا بد من الاهتمام بقلع هؤلاء، والله قد وجب علينا ذلك، وأنتم تعلمون أن هذه عساكرنا وليس وراءنا نجدة
стр. 430
ننتظرها سوى الملك العادل، وهو واصل إن شاء الله، وهذا العدو إن بقي وطال أمره إلى أن ينفتح البحر جاءهم مدد عظيم، والرأي كل الرأي عندي مناجزتهم، فليتكلم كل منكم ما عنده في ذلك، وكان ذلك في ثالث عشر تشرين من الشهور الشمسية، فامتخضت الآراء، ثم اتفقت أن المصلحة تأخير العسكر إلى الخروبة لتتراجع أنفسهم إليهم، فقد أخذ منهم التعب، واستولى على نفوسهم الضجر، ولهم خمسون يوما تحت السلاح وفوق الخيل، والخيل قد ضجرت من عَرْك اللُّجم، وسئمت نفوسها ذلك، ويصل الملك العادل ويشاركنا في الرأي، فوافقهم السلطان على ذلك لكونه قد حصل له مرض من كثرة ما حمل على قلبه، وما عاناه من التعب وحمل السلاح، فأقام هناك منتظرا أخاه الملك العادل إلى يوم الاثنين عاشر رمضان (١).
ثم أن السلطان أرسل إلى مصر يطلب أخاه العادل، ويستعجل الأصطول، فوصل إليه الأسطول في خمسين قطعة مع الأمير حسام الدين لؤلؤ، وكان مظفرا شجاعا، وظفر ببُطسة للفرنج، فأخذها ودخل بها إلى عكار، فقويت قلوب المسلمين لذلك، وكذلك وصل الملك العادل بعسكر مصر في منتصف شهر شوال (٢).
وقال العماد: وكان وصول الأصطول المنصور من مصر يوم الثلاثاء السادس عشر من ذي القعدة في المراكب المستعدة بالبأس والشدّة، وكانت عدته خمسين شينيًا، فأول ما ظفر الأسطول المنصور بشينيّ للفرنج عظيم الشأن، فقتل مقاتليه، فوقعت بُطسته الكبرى ببطسة كبيرة، تشتمل على ميرة لهم وذخيرة واسعة. وتفرقت سُفن الفرنج أيدي سبأ. وفي مدة هذا الحصار وصل إلى الإفرنج في مراكب ثلاثمائة امرأة إفرنجية مستحسنات الوجوه، اجتمعن من الجزائر، [وسبَّلن] (٣) أنفسهنّ لله تعالي بزعمهن، والتزمن أن لا يمنعن أنفسهن ممن أرادَ وطأهن من مقاتلي الفرنج، وزعمن أن هذه قرْبة للمسيح ما فوقها قربة، لا سيما إذا أمكن ممن اجتمعت فيه عزيمة مع إقدام على القتال (٤).
стр. 431
ذكر وُصُول خبر ملك الأَلمان لعنه الله
وفي رمضان من هذه السنة وصل من حلب كتب من ولده الملك الظاهر غازي (١)، يخبر فيها أنه قد صح أن ملك الألمان قد خرج إلى القسطنطينية في عدّة عظيمة، قيل: مائتا ألف، وقيل: مائتان وستون ألفا، يريدون البلاد الإسلامية (٢) وقيل: أنهم في ثلثمائة ألف مقاتل، وفيهم ستون ألف فارس مدرع مقنع، وجاءت كتب أيضا من صاحب قلعة الروم مقدّم الأرمن، يبدى نصيحة وإشفاقا وتخوفا على البلاد، واحتراما، ويقطع أن الواصلين في كثرة، وأن الناهضين إلى طريقهم في عثرة، وأبرق في كتبه وأرعد، وأبدع بخطابه [٧٥] وأبعد (٣). ولا شك أنه إلى جنسه النجس مائل، وبملاءة أهل ملته قائل.
ولما وصل هذا الخبر كاد الناس يضطربون على أنهم يصدقون أو يكذبون، واشتد ذلك على السلطان وعظم عليه، ورأى استنفار الناس للجهاد، وإعلام الخليفة بذلك.
قال قاضي القضاه بهاء الدين أبو المحاسن يوسف بن رافع بن تميم صاحب النوادر: استندبنى السلطان لذلك، وأمرني بالمسير إلى صاحب سنجار، وصاحب الجزيرة، وصاحب الموصل، وصاحب إربل، واستدعائهم إلى الجهاد بأنفسهم وعساكرهم. وأمرني بالمسير إلى بغداد الإعلام الخليفة الناصر لدين الله. قال: وكان مسيري في الحادي عشر من رمضان من هذه السنة، ويسّر الله الوصول إلى الجماعة المذكورين، فأجابوا. وسار عماد الدين زنكي -صاحب سنجار- بعسكره وجمعه في تلك السنة (٤). وسار ابن أخيه - سنجر شاه -صاحب الجزيرة- بنفسه يجرّ عسكره. وسير صاحب الموصل عز الدين ابنه علاء الدين خُرّم شاه بمعظم عسكره، وسار صاحب إربل بنفسه وعسكره، قال: وحضرت الديوان [العزيز] (٥) ببغداد، وأعلمت الخليفة بذلك، ووعد بكل جميل، ثم عدت إلى خدمة السلطان، وكان وصولي (٦) إليه يوم الخميس خامس
стр. 432
ربيع الأول من سنة ست وثمانين وخمسماية، وكانت العساكر قد تجهزت فسبقتُهم وعرفته بأجابتهم بالسمع والطاعة، وتأهبهم للمسير، فسُرّ بذلك وفرح فرحا شديدا (١). وانسلخت هذه السنة، والحال على ما هو عليه، ولا ملجأ من الله إلا إليه.
ذكر بقية الحوادث
منها أن في المحرّم أمر الخليفة أن يعهد إلى ولده أبي نصر محمد (٢)، وأن أمير المؤمنين أنعم النظر للمسلمين بتفويض عهده والإمامة من بعده إلى ولده عُدة الدنيا والدين أبي نصر محمد، لِما علم من عقله الراجح، وهديه الواضح، وبعث الخليفة ضياء الدين عبد الوهاب بن على الصوفى، ويعرف بابن سكينة، نسخًا إلى صلاح الدين في الخطبة، وبعث إلى جميع الآفاق، فالتقاه السلطان وخطب له على المنابر، وكان الخطيب بدمشق عبد الملك بن زيد [الدولعي] (٣)، وبعث السلطان جواب الرسالة مع ضياء الدين بن الشهروزي، وبعث معه بصليب كان على صخرة بيت المقدس، فجُعِلَ في باب النوبي تطأه الأقدام ويُهان وهو بحاله إلى هلم جرا.
وقال ابن كثير (٤): وفي صفر قدم من جهة الخليفة رسل يعلمون صلاح الدين بولاية العهد إلى عدّة الدين الملقب بالظاهر ابن الإمام الناصر لدين الله، فأمر السلطان لخطيب دمشق أن يخطب له بعد الخليفة، فخطب يوم الجمعة ثالث صفر، ونثر عليه الدنانير والدراهم، ثم جهز السلطان مع الرسل تحفا عظيمة وهدايا سنية، وأرسل بأساري من الفرنج على هيئتهم في حال حربهم، وأرسل بصليب الصلبوت فدفن تحت عتبة باب النوبي في دار الخلافة، فكان يُداس بعدما كان يقبل ويُباس، وصار يُبصق عليه بعدما كان يسجد عليه [٧٦]، وكان هذا الصليب من نحاس مطليًا بالذهب.
ومنها أن الخليفة بني داره التي استجدها إلى جانب التاج، وسماها الدار البيضاء.
ومنها أنه تسلم نواب الخليفة قلعة تكريت، وكان قد حصرها العسكر مدة، ومات صاحبها عيسى بن مودود وولي مكانه أخوه أرغش، فقتله إخوته.
стр. 433
ومنها أن السلطان صلاح الدين ولي دمشق بدر الدين مودود -أخا العادل لامّه- شحنكية دمشق.
ومنها أن في جمادى الأولى ولد للملك العزيز ولد سماه محمدًا، ولقبه ناصر الدين، وهو الذي اجتمع عليه أصحاب العزيز عند موته في سنة خمس وتسعين وخمسمائة.
ومنها أنه وصل إلى حضرة السلطان صلاح الدين من عند سلطان العجم ركن الدنيا والدين طُغْرل بن أرسلان بن طغرل بن محمد بن ملكشاه، أمير من خواصه يقال له أيلْدُكز أمير العلم. وضرب له من الخيم الخاصة سرادق، وقدمت إليه الضيافات، ومضمون رسالته: أنه خانته من أمرائه ومماليكه العامة والخاصة، وأن عمه -أخا أبيه من أمه- قد استولى على ممالكه، وضيّق عليه سعة مسالكه، وقد وصل إلى قرب إربل حد مملكتهم، وأراد الوصول إلى الموصل، لكنه نزل في بيوت عز الدين حسن بن يعقوب بن قفجاق، ينتظر منكم الإشفاق، وعز الدين حسن من خدم دولتكم الكريمة، والمستمسكين بعصمتكم الجسيمة. وأنا عنده مقيم، وعلى سنن الأمل مستقيم، فإن استقدمتْني إليك قدمت، وإن أمرت أمراء الأطراف بمشايعتي وجدت من النصر ما عدمت. وأردف رسولا برسول، وكرّر سؤالًا فيما التمسه من سؤل.
فاعتذر السلطان بما هو فيه من شغل الجهاد، فكتب إلى [زين] (١) الدين يوسف صاحب إربل (٢)، وإلى حسين بن قفجاق، وإلى نائبه بشهرزور، بالتوفر على خدمته والارتياد لمصلحته وإشاعة معونته.
ثم ندب كبيرًا للسفارة بينه وبين مظفر الدين قزل أرسلان، وهو جمال الدين أبو الفتح إسمعيل بن محمد بن عبد كوُيه. ويسعى بينهما في المصلحة والمصالحة، فلم يزل إلى أن سهل الأمر فيما بينهما وكاد الصلح أن ينتظم، فعّنّ للسلطان طغرل أن ركب وقصد عمه قِزل بهمذان، من غير استيشاق بعهد، إخمادًا لنار الفتنة، فلما وصل إليه قبض عليه واعتقله، واستبد قزل بأمر الملك. وسيأتي ما جرى عليهما في موضعه إن شاء الله تعالى.
стр. 434
وفيها ...................
............................................................. (١)
وفيها حج بالناس طاشتكين، وحجت فيها أيضا والدة الخليفة الناصر، ومعها ألف وثمانمائة جمل عليها الزاد والماء والمال والثياب، وسار في خدمتها الخادم صندل وطاشكين وطغرل صاحب البصرة، وفعلت خيرًا كثيرًا.
ذكر من توفي فيها من الأعيان
أحمد بن عبد الرحمن بن وهبان، أبو العباس المعروف بابن أفضل الزمان. قال ابن الأثير (٢): وكان عالما متبحرًا في علوم كثيرة، في الفقه والأصول، والحساب، [٧٧] والفرائض والنجوم والهيئة والمنطق وغيرها، وقد جاور بمكة وأقام بها إلى أن مات ﵀، وكان من أحسن الناس صحبة وخلقًا.
ابن أبي عصرون (٣) هو: القاضي شرف الدين أبو سعد عبد الله بن محمد بن هبة الله ابن أبي عصرون. قال ابن خلكان: عبد الله بن أبي السري محمد بن هبة الله بن مطهر ابن علي بن أبي عُصْرون بن أبي السري التميمي الحديثي ثم الموصلي، الفقيه الشافعي الملقب شرف الدين، كان من أعيان الفقهاء وفضلاء عصره، وممن سار ذكره وانتشر أمره. وتفقه أولًا على القاضي المرتضي أبي محمد عبد الله بن القاسم الشهرزوري، وعلى أبي عبد الله الحسين بن خميس الموصلي، ثم على [أسعد] (٤) الميهني وأخذ الأصول عن أبي الفتح بن برهان الأصولي، وقرأ الخلاف وغيره وتوجه إلى مدينة واسط وقرأ على قاضيها الشيخ أبي على الفارقي، وأخذ عنه فوائد (المهذب)، ودرس بالموصل في سنة ثلاث وعشرين وخمسمائه، وأقام بسنجار مدة ثم انتقل إلى حلب في سنة خمس وأربعين. ثم قدم دمشق إلى ملكها العادل نور الدين محمود بن زنكي في صفر سنة تسع وأربعين وخمسمائة، ودرس بالزاوية الغربية من جامع دمشق،
стр. 435
وتولى أوقاف المساجد. ثم رجع إلى حلب وأقام بها. وصنف كتبًا كثيرة في المذهب منها: "صفوة المذهب في نهاية المطلب" في سبع مجلدات، و"كتاب الانتصار" في أربع مجلدات، وكتاب "المرشد" في مجلدين، وكتاب "الذريعة في معرفة الشريعة"، وصنف "التيسير" في الخلاف أربع مجلدات، وكتابا سماه "ما أخذ النظر"، و "مختصرًا في الفرائض"، وكتابا كبيرا سماه "المُغْرب في نصرة المذهب" (١)، ولم يكمله، ونهب فيما نهب له بحلب. فاشتغل عليه خلق كثير وانتفعوا به، وتعين بالشام وتقدم عند نور الدين صاحب الشام، وبنى له مدرسة بحلب، ومدارس بحماة وحمص وبعلبك وغيرها، وتولي القضاء بسنجار ونصيبين وحران وغيرها من ديار بكر، ثم عاد إلى الشام -إلى دمشق- في سنة سبعين وخمسمائة، وتولى القضاء بها في سنة ثلاث وسبعين عقيب انفصال القاضي ضياء الدين أبي الفضائل القاسم بن تاج الدين يحيى بن عبد الله بن القاسم الشهرزوري. ثم عَمىَ في آخر عمره قبل موته بعشر سنين، وابنه محمد ينوب عنه وهو باق على القضاء، وصنف جزءًا لطيفا في جواز قضاء الأعمى، وهو على خلاف مذهب الشافعي.
وقال ابن خلكان: ورأيت في كتاب "الزوائد" تأليف أبي الحسين العمراني صاحب كتاب "البيان" وجها أنه يجوز وهو غريب، ولم أره في غير هذا الكتاب. وقد ذكره ابن عساكر في "تاريخ دمشق"، وذكره العماد في "الخريدة" وأثنى عليه، وأورد له شيئًا من شعره: -
أؤمِّل أن أحيا ففي كل ساعة … تمرّ بي الموتي تهزّ نعوشها
وهل أنا إلا مثلهم غير أن لي … بقايا ليالٍ في الزمان أعيشها
وأورد له أيضا:
يا سائلي كيف حالي بعد فرقته قد … حاشاك مما بقلبي في تناسيكا (٢)
[٧٨] قد أقسم الدمع لا يجفو الجفون أسى … والنوم لا زارها حتى ألاقيكا
وكانت ولادته ليلة الاثنين [الثاني والعشرين] (٣) من شهر ربيع الأول سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة بالموصل. وتوفي ليلة الثلاثاء الحادية عشرة من شهر رمضان سنة خمس وثمانين وخمسمائة بمدينة دمشق، ودفن بمدرسته التي أنشأها داخل البلد،
стр. 436
وهي معروفة به، والحديثي: نسبة إلى حديثة الموصل، وهي بليدة على دجلة بالجانب الشرقي قرب الزاب الأعلى، وهي غير الحديثة التي في الفرات التي يقال لها حديثة النوُّرة، وهي قلعة حصينة على فراسخ من الأنبار في وسط الفرات، والماء محيط بها.
الفقيه (١) ضياء الدين عيسى الهكاري، من أصحاب أسد الدين شيركوه، دخل معه إلى مصر وحظي عنده، ثم كان ملازمًا للسلطان صلاح الدين يوسف حتى توفي في ركابه، وكان ممن تفقه على الشيخ أبي القاسم البرزي الجذري. وكان الفقيه عيسى من الفضلاء النبلاء والأمراء الكبراء. وقال العماد (٢): توفي الفقيه عيسى بمنزلة الخروبة، سحرة يوم الثلاثاء تاسع ذي القعدة سنة خمس وثمانين وخمسمائه، وحمل من يومه إلى القدس، فدفن به، وكان من الأعيان ومن مقربي السلطان. وفي المرآة (٣): وكان لقبه ضياء الدين وحضر فتوح القدس والغزوات وكان صلاح الدين يحبه ويحسن الظن به ويستشيره، وكان الله قد أقامه لقضاء حوائج الناس ويفرج عن المكروبين مع الورع والعفة.
المبارك بن المبارك بن المبارك -ثلاث مرات- أبو طالب الكرجي (٤) بالجيم صاحب الفقيه أبي الحسن بن الخلّ، قرأ القرآن وسمع الحديث وتفقه على شيخه ابن الخل، وكتب فأحسن وخلف أبي الحسن ابن البواب، وكان يُعلم أولاد الخليفة الخط -محمدًا ولى العهد، وعليًا- وخلف شيخه أبا الحسن ابن الخلّ في مدرسته بباب العامة التي بناها كمال الدين أبي طلحة، وأضيف إليه تدريس النظامية، وولي رباط الأخلاطية، وبنى له إلى جانبه دار فسكنها، وكان زاهدا عابدا ورعا، وكان الخليفة يدين له ويحسن الظن به، وكان يؤم برباط الأخلاطية، خرج من داره في ذي القعدة، فدخل الرباط ليصلى بهم العصر، فلما وقف في المحراب عرضت له سُعلة فتغير فحمل إلى داره، فتوفي وله نيف وثمانون سنة، وحضر جنازته جميع أرباب الدولة ولم يتخلف سوى الخليفة، وجاء الخليفة في آخر النهار فصلى عليه.
стр. 437
الأمير (١) موسك بن جَكو والد الأمير عماد الدين داود بن موسك، ابن خال السلطان صلاح الدين، حفظ القرآن وسمع الحديث، وكان محسنًا إلى الناس يقضي حوائجهم ويتلطف بهم وكان ملازما للسلطان في غزواته لم يتخلف عنه في شيء منها وكان دينا صالحا جوادا مرض بمرج عكا مرضًا شديدا فأمره السلطان أن يمضي إلى دمشق يتطب فجاء إلى دمشق، فتوفي بها ودفن بقاسيون ﵀، وكانت وفاته في شعبان من هذه السنة.
الأمير (٢) حسام الدين طُمان صاحب الرقة [٧٩] النوري، كان شجاعا جوادا محسنا محبا للخير كثير الصدقات مائلا إلى العلماء والفقهاء، بني مدرسة بحلب لأصحاب أبي حنيفة ﵁. وكان السلطان صلاح الدين يحبه ويعتمد عليه، ولما احتضر والسلطان في مقابلة الإفرنج طلب حصانه وزرديته ليركب ويشهد من حرصه على الغزاة، فلم يقدر لضعفه، فجعل يبكي ويتأسف على موته على فراشه، وكان من شجعان المسلمين. توفي في ليلة النصف من شعبان، ودفن في تل العياضية وحزن السلطان والمسلمون عليه.
الأمير سنُقر الخلاطي، توفي ليلة الاثنين السابع والعشرين من رجب من هذه السنة، وذلك أيضًا حين كان السلطان على عكا ﵀.
أبو طالب (٣) محمود بن علي ابن أبي طالب بن عبد الله ابن أبي الرجا التميمي الأصبهاني، المعروف بالقاضي، صاحب الطريقة في الخلاف، وصنف فيه التعليقة التي شهدت بفضله وتبريزه على أكثر نظرائه، وجمع فيها بين الفقه والتحقيق، وكان عمدة المدرسين في إلقاء الدروس عليها، ومن لم يذكرها [فإنما] (٤) كان لقصور فهمه عن إدراك دقائقها، واشتغل عليه خلق كثير وانتفعوا به، وصاروا علماء ومشاهير. وكان له في الوعظ اليد الطولى، وكان متفننًا في العلوم، ودرس بأصبهان مدة، وتوفي في شوال من هذه السنة.
стр. 438
الإربلي (١) الشاعر وهو: محمد بن يوسف بن محمد بن قائد، الملقب موفق الدين الإربلي الشاعر المشهور، وكان إماما مقدمًا في علم العربية، ومن أعلم الناس بالعروض وأحذقهم بنقد الشعر وأعرفهم بجيده من رديئه. واشتغل بعلوم الأوائل، وحل كتاب إقليدس، وهو شيخ أبي البركات ابن المستوفي صاحب "تاريخ إربل"، أقام بشهرزُور مدة ثم رحل إلى دمشق، ومدح السلطان صلاح الدين، ﵀، ذكر النويري وغير وفاته في هذه السنة، وكان أبوه محمد تاجرًا يتردد إلى البحرين (٢) لتحصيل اللآلي من المغاصات.
стр. 439
فصل فيما وقع من الحوادث في السنة السادسة والثمانين بعد الخمسمائة
استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله، السلطان صلاح الدين مقيم بعسكره بمنزلة الخروبة، وكل من الملك العادل والملك الأفضل والملك المظفر في خيمته المضروبة، وعكا محصورة، وجموع الفرنج على (١) حصارها محشورة، وهلك من الفرنج المحاصرين في الوقائع خلق كثير لأن القتال لم ينقطع والتواقع لم يرتفع.
ذكر وقعة الرمل (٢)
كان السلطان صلاح الدين ﵀ يركب أحيانا للصيد، ولكن لا يبعد من المخيّم، وركب يوما في صفر على عادته، فتصيد وطال له الصيد فأبعد. واليزك على الرمل وساحل البحر من الميسرة، على حذرهم واحتياطهم، فإذا الفرنج خرجوا في عدد لا يحصى وقت العصر، فتسامع المسلمون بهم فزحفوا إليهم، وحملوا عليهم، وطردوهم إلى خيامهم من خلفهم وأمامهم. ولم يزل بينهم حملة وردة ورمية حتى فنى النشاب، فلما علم الفرنج بذلك حملوا حملة واحدة ردوا بها المسلمين إلى النهر، فثبت من العادلية [٨٠] في وجوه القوم صف مرصوص البنيان، فوقع بينهم قتال عظيم، واستشهد جماعة من الشجعان، وذلك لأنهم ردّوا الفرنج إليهم فلقوا فرسانا، وصرعوا شجعانا (٣) "، ونزلوا واشتغلوا بالغنيمة، فحملت الفرنج عليهم حملة منكرة فأشغفتهم عن الوثوب والانتهاض، وأظلم الليل، وافترق الفريقان عن قتلى، وكان ممن استشهد من المسلمين الحاجب أيدغمش المجدي ﵀ ومملوك للسلطان كان يدعي أرغش وكان خيرًا صالحًا. ومن عجائب هذه الوقعة أن مملوكًا للسلطان يسمي سراسنقر كان من الأبطال المشهورين، عثر به جواده فصار راجلًا، فقبض عليه من أسرة وسحبه من شعره، وجاء آخر وسَلَّ سيفه عليه ليضربه، فضرب يد قابض شعره فسيّبه. واشتدّ يعدو وهم يعدون وراءه ليقتلوه، وفاتهم بعون الله تعالى (٤).
стр. 440
ذكر فتح شقيف أرنون (١)
وفي يوم الأحد خامس عشر ربيع الأول تَسَلَّم صلاح الدين بالأمان شقيف أرنون، وكان الحصار مستمرًا عليه من السنة الماضية، وكان السلطان حَبس صاحبها أرناط في دمشق على ما فصلناه. فلما تسلَّم السلطان شقيف أرنون أفرج عن أرناط، وصار إلى صور وكان هذا من أدهى الإفرنج، وأخبرهم بأيام الناس، وربما قرأ في كتب الحديث وتفسير القرآن، ومع هذا كان غليظ الجلد كافر القلب، قبحه الله.
وفي النوادر (٢): لما كان التاريخ المذكور علم الفرنج المستحفظون بالشقيف أنه لا عاصم لهم من أمر الله، وأنهم [إن] (٢) أخذوا عنوة [ضُربت رقابهم] (٢)، [فطلبوا] (٣) الأمان. وكانوا علموا من حال صاحبهم أنه قد عُذِّب أشد العذاب، فاستقرت القاعدة على أن [الشقيف يُسلَّم] (٤)، [و] (٤) يطلق صاحبهم وجميع من فيه من الفرنج، ويترك ما فيه من أنواع المال والذخائر، فآمنهم السلطان على ذلك، وسَلَّموا الشقيف، وعاد صاحبهم والفرنج الذين كانوا به إلى صور.
ذكر حال عكا وكيفية الوصول إليها
كان السلطان قد قوّى عكا بتسيير الغلات والأقوات إليها، وملأها بالذخائر والأسلحة. ثم انقضى الشتاء، وانفتح البحر، وحان زمان القتال، كتب السلطان إلى العساكر يستدعيهم من الأطراف، ولما تواصل أوائل العساكر وقوى جيش الإسلام، رحل السلطان ﵀ نحو العدو فنزل بتل كيسان، وذلك في الثامن عشر من ربيع الأول من هذه السنة، ورتب عساكره (٥).
وكان خبر البلد قد انقطع من السلطان وامتنع عليه دخول البلد والمدد، فعند ذلك انتدب العوّامون بالسباحة، وكانوا يحملون نفقات الأجناد على أوساطهم، ويخاطرون
стр. 441
بأنفسهم، ويحملون كتبًا وطيورًا، ويعودون بكتب وطيور. وكان أهل عكا يكتبون إلى السلطان ويكتب السلطان إليهم على أجنحة الحمام. وتعرف الأحوال بذلك (١).
وقال ابن كثير (٢): فلما انحسر الشتاء، وانكسر البرد، وانتشى الربيع، أمر السلطان باجتماع العساكر، وكانوا قد تفرقوا فتوافوا، فكان أول من وصل الملك المجاهد [٨١] أسد الدين شيركوه (٣) بن محمد بن شيركوه صاحب حمص والرحبة، وسابق الدين عثمان (٤) صاحب شيزر، وعز الدين إبراهيم [بن المقدم] (٥). ووفد معهم جموع من الأجناد والأعيان وحشود من العرب والتركمان. ثم رحل السلطان ونزل على تل كيسان في التاريخ المذكور، وترتبوا في النزول ميمنة وميسرة وقلبًا، وكان الملك الأفضل في أول الميمنة، وأخوه الملك الظافر (٦) في أول الميسرة.
ذكر وصول رسول الخليفة
لما كان يوم الاثنين السادس عشر من ربيع الأول من هذه السنة وصل رسول من بغداد من عند الخليفة الناصر، وهو الشريف فخر الدين نقيب مشهد باب التين ببغداد، وذلك في جواب رسالته مع ضياء الدين الشهرزوري، وأرسل الخليفة معه أحمالا من النفط والرماح الخطية ومعه نفاطة متقنون لهذه الصناعة غاية الإتقان، ومرسوم بعشرين ألف دينار وذلك في رفقة من الديوان العزيز يتضمن الإذن للسلطان في أن يقترض عشرين ألف دينار، ينفقها في الجهاد، ويحيل بها على الديوان العزيز، فقبل السلطان جميع ما وصل مع الرسول، واستعفي عن الرقعة. وفي المرآة (٧): ومع الرسول توقيع بعشرين ألف دينار تقترض من التجار على الخليفة، فشق على السلطان وقال: أنا في يوم واحد أخرج
стр. 442
مثل هذا وأضعافه وما أنا مضرور، ورد عليه جميع ما جاء به، فأشار عليه بعض أصحابه بأخذ النفط للغزاة، فأخذه ورد التوقيع وقال: يرحم الله العاضد وصل إليَّ منه في عشرين يوم بمقام الفرنج على دمياط ألف ألف دينار ومثلها عروض.
ذكر وصول الأمراء
وفي يوم الثلاثاء [ثاني عشرين] (١) من ربيع الآخر قدم عماد الدين زنكي بن مودود بن زنكي، صاحب سنجار بمن استنهضه من العساكر في جمع عظيم، ولقبه السلطان وأكرمه غاية الإكرام، ورتب له العسكر في لقائه، فكان أول من لقيه من العسكر المنصور قضاته وكتابه، ثم لقيه أولاده بعد ذلك، ثم لقيه السلطان، ثم سار به حتى أوقفه على العدو، ثم عاد معه إلى خيمته، وأنزله عنده، وكان صنع له سماطا لأتعابه، فحضر هو وجميع أصحابه، وكان قد بالغ في إكرامه حتى بسط له طراحة مستقلة إلى جانبه، وبسط له ثوبا أطلس عند دخوله، ثم ضربت له خيمته على طرف الميسرة عند جانب النهر. وقدَّم إليه عشرة من الخيول العربية، وخمسة عشر بقجة قماش، ثم وصل من بعده ابن أخيه معز الدين سنجر شاه بن غازي بن مودود صاحب الجزيرة بعساكره الكثيرة، وذلك يوم الأربعاء سابع جمادي [الأول] (٢). ولقيه السلطان وأكرمه وأنزله في خيمة ضرّبت له إلى جانب عمه عماد الدين.
ثم وصل الملك السعيد علاء الدين خرمّ شاه ابن صاحب الموصل عز الدين مسعود ابن مودود، وذلك يوم الجمعة تاسع جمادى الأولى. وكان أبوه أرسله نائبًا عنه مقدما على عسكره، ففرح السلطان بقدومه، وتلقاه من بُعد، وأنزله عنده في خيمة ضُربت له بين خيام ولديه الملك الأفضل والملك الظاهر، وقدّم له تحفًا سنية (٣).
وكان ابنه الملك الظاهر غازي صاحب حلب، والملك مظفر الدين بن علي كوجك صاحب حران، قدما قبل احتراق الأبراج التي صنعتها الإفرنج.
стр. 443
وقضيتها أن البحر لما انفتح تواترت الإفرنج والنصارى من كل جزيرة، ينصرون أصحابهم، ويمدوّنهم بالقوة والميرة، وعملت الإفرنج ثلاثة أبرجة من خشب وحديد، عليها جلود مسقاة [٨٢] بالخل والخمر، لئلا يعمل فيها النفط والنار، وطموا خندق عكا، وسحبوا الأبراج على العجل إلى السور، فأقبلت أمثال الجبال فأشرفت على البلد، وفي كل برج خمسمائة مقاتل، فأيس المسلمون من البلد وقد حيل بينهم وبين السلطان، وركب السلطان والعساكر واجتهدوا في الوصول إلى البلد فلم يقدروا ورماهم الزراقون الذين في البلد بالنفط فلم يحترق منها شيء (١). فأهم أمرها المسلمين وكانوا عليها حنقين، فأعمل السلطان حيلهُ وفكره في إحراقها وإهلاكها فاستحضر النفاطين ووعدهم الأموال الجزيلة، فانتدب شاب نحاس من دمشق يعرف بعلي [ابن] (٢) عريف (٣) النحاسين، والتزم بإحراقها وإهلاكها، فأخذ النفط الأبيض وخلط إليه أدوية عرفها، وغلاه في ثلاثة قدور من النحاس حتى صار نارا تأجج، ورمي كل برج منها بقدر من تلك القدور بالمنجنيق من داخل عكا، فأحرق الأبراج الثلاثة -بإذن الله تعالى- حتى صارت نارًا لها ألسنة في الجو متصاعدة، فصرخ المسلمون صرخة واحدة بالتهليل والتكبير، واحترق في كل برج من مقاتليهم سبعون (٤) كفورا. ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ (٥) وذلك يوم الاثنين [الثاني] والعشرين من ربيع الأول من هذه السنة (٦). وكانت الفرنج قد تعبوا فيها سبعة أشهر، فاحترقت في يوم واحد.
وفي المرآة (٧): وكان هذا الشاب بعكا ليس له في الديوان اسم، وكان عارفا بالنفط والحريق، وقال لقراقوش انصب لي منجنيقًا فأنا أحرق هذه الأبراج. وقال له: قد عجز الصُناع فمن أنت؟ فقال: انظروا [لقد عملت قدور الله تعالى] (٨) وأنا وما أريد منكم
стр. 444
شيء، وما يضركم أن أرمي بها في سبيل الله، فإن نفعت وإلا فاحسبني واحدًا منهم. فقال قراقوش: ما يضرنا ذلك، ثم نصب له المنجنيق وكان قد هيأ تلك القدور فرمي قدرة واحدة في برج فاحترق بمن فيه، ثم فعل ذلك بالثاني، والثالث، "فكبر المسلمون وسمع السلطان وكبروا العساكر" (١) وفرح قراقوش والأمراء وطموه بالخلع والأموال، فلم يأخذ شيئًا وقال: أنا فعلت هذا لله تعالى ولم آخذ عليه شيئًا في الدنيا، وكان السلطان أيضًا قد عرض عليه العطية السنية فامتنع من قبولها، وقال إنما عملت هذا ابتغاء وجه الله تعالى فلا أريد منكم جزاء ولا شكورا.
ذكر وصول الأصطول من مصر
كان السلطان قد أمر بتعمير أصطول آخر من مصر، تصل فيه الميرة، والذخيرة والعدد الكثيرة. فلما كان ظهر يوم الخميس ثامن جمادى الأول، ظهر الأصطول فركب السلطان في جحافله ليشغل الفرنج عن قتال الأصطول، وعمّر الفرنج أيضًا أصطولا، وصفّ شوانيه على البحر عرضا وطولا، وأرادوا أن يلاقوا الأصطول المنصور، فجاءت مراكب الموحدين ونطحت مراكبهم وطحنتها، وأخذ المسلمون لهم مركب وأخذ الإفرنج للمسلمين مركبا وكان التقصير من الرؤساء. واتصل الحرب في البرّ إلى حين غروب الشمس، وعاد المسلمون مسرورين وقتل من الإفرنج عدد كثير لعنهم الله.
وقال القاضي بهاء الدين (٢) [٨٣] ﵀: التقى الأصطولان في البحر والعسكران في البرّ، واضطرمت نار الحرب، وباع كل فريق روحه براحته الأخروية، ورجح حياته الأبدية على حياته الدنياوية، وجرى بين الأصطولين قتال شديد، انقشع عن نصرة الأصطول الإسلامي وأخذ منه شيني، وقتل من فيه ونهب جميع ما فيه وظفر [من] (٣) العدو أيضا بمركب كان واصلا من قسطنطينية، ودخل الأصطول [المنصور] (٤) إلى عكا واتصل القتال بين العسكرين من خارج البلد إلى أن حجز بينهما الليل، وقد قتلوا من الإفرنج خلقًا كثيرا؛ لأنهم قاتلوا في ثلاثة مواضع في البحر والبر من داخل عكا.
стр. 445
ذكر قصة ملك الألمان
صح الخبر أن ملك الألمان عبر من قسطنطينية الخليج، وأنه وصل بجمعه إلى مضايق صعب عليه العبور، فقيل إنهم أقاموا في قفار ومواضع صعبة شهرا، عدموا فيها الطعام ولم يجدوا بها إلا ضُرًا، وكان التركمان الأوجية (١) على طريقهم يمنعون من تشريقهم، فاضطروا إلى المقام بغير زاد، فصاروا يذبحون خيولهم ويأكلونها، ويكسرون قنطارياتهم لفقدان الحطب ويشعلونها، فترجلت منهم ألوف، وكان ذلك في البرد الشديد وزمان الثلج والجليد، وعدموا دواب لحمل الأثقال، ونقل عُدد الرجال فدفنوا من ذلك شيئا كثيرا، وأحرقوا منها، وكان ظنهم أنهم إذا عادوا أخذوا ما دفنوه، فأخذ المسلمون ما دفنوه وكانوا في عدد كثير، فما أثر فيهم ذلك ولا صدهم عن مقصدهم، وما زالو يسيرون حتى بلغوا إلى بلاد صاحب الروم قُونية وغيرها. وهو قليج أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان بن قتلمش بن سلجوق (٢).
وفي المرآة (٣): وكانوا في ستمائة ألف مقاتل جاءوا من إفرنجة، فخاف منهم ملك القسطنطينية، فقالوا له لا تخف نحن ما جينا إلا لنخلص القدس وصليب الصلبوت ونهلك بلاد المسلمين (٤).
وكان بين السلطان صلاح الدين وبين ملك قسطنطينية مراسلة ومكاتبة، وكان وصل منه رسول إلى السلطان بمرج عيون في رجب سنة خمس وثمانين وخمسمائة، في جواب رسول كان أنفذه السلطان إليه بعد تقرير القواعد وإقامة قانون الخطبة في جامع في قسطنطينية، وكانت الخطبة أقيمت وأكرم الرسول إكرامًا زائدًا، وكان السلطان قد أنفذ مع الرسول خطيبًا ومنبرًا وجمعا من المؤذنين والقراء، وكان يوم دخولهم القسطنطينية يوما عظيمًا، ولما رقى الخطيب المنبر، حضر هناك جمع كثير من التجار والمسلمين المقيمين بها، وأقام الخطيب الدعوة العباسيّة، وبعد ذلك كله جاء رسول صاحب القسطنطينية
стр. 446
الذي ذكرناه الآن، ومعه ترجمان يترجم [عنه] وهو شيخ [٨٤] حسّن الوجه وعليه زيّهم الذي يختص بهم، ومعه كتاب مختوم بالذهب، دون عرض كتاب بغداد، مترجمًا في ظاهره وباطنه بسطرين، بينهما فرجة (١)، وضع فيها الختم من الذهب المطبوع كما يطبع الخاتم في الشمع، وعلى الختم صورة الملك وصورة السطرين المذكورين: "من إيثاكيوس الملك المؤمن بالمسيح الإله المتوج من الله المنصور العالى أبدا، أقعقوس المدبر من الله القاهر الذي لا يغلب، ضابط الروم بذاته أنكليوس إلى النسيب سلطان مصر صلاح الدين".
وأما الذي في باطن الكتاب، فإنه كان يتضمن إظهار المحبة والمودة، ثم ذكر خبر ملك الألمان وقال: "لا تحمل على قلبك منهم، فإن إدبارهم على قدر نيتهم وآرائهم. وأنهم قد خسروا كثيرا من الأموال والدواب والرجال، وبلغوا بالشدة وقد تخلصوا من أيدي أجناد بلادي بالغضب، وقد ضعفوا بحيث أنهم لا يصلون إلى بلادك، وإن وصلوا كانوا ضعافًا في شدة بعد شدة". وأكرم السلطان رسوله، وأقام بحقه كما هو العادة بين الملوك (٢).
ووصل أيضا كتاب إلى السلطان من مقدم الأرمن، وهو صاحب قلعة الروم التي على طرف الفرات. وصورته: "الكتاب الداعي المخلص [الكاغيكوس] (٣): مما أطالع به علوم مولانا ومالكنا السلطان الناصر جامع كلمة الإيمان، رافع علم العدل والإحسان، صلاح الدنيا والدين، سلطان الإسلام والمسلمين، أدام الله إقباله، وضاعف جلاله، وصان مهجته وكماله، وبلغه نهاية آماله بعظمته وجلاله: [من] (٤) أمر ملك الألمان فإنه دخل بلاد الهنكر (٥) غضبًا، وأذعن له ملك الهنكز، ودخل تحت طاعته، وأخذ من ماله ورجاله ما اختار، ثم إنه دخل أرض مقدم الروم، وفتح البلاد ونهبها، وأقام بها وأجلاها، وأحوج ملك الروم إلى أن أطاعه وأخذ رهائنه، ولده وأخاه وأربعين نفرًا من خلصانه وأخذ
стр. 447
منه خمسين قنطارا ذهبا، وخمسين قنطارًا فضة، وثيابًا طُلسًا مبلها عظيما، واغتصب المراكب وعاد بها إلى هذا الجانب، وصحبته الرهائن إلى أن دخل حدود بلاد الملك قليج أرسلان، ورد الرهائن، وبقى سائرًا ثلاثة أيام وتركمان الأوج يلقونه بالأغنام والأبقار والخيل والبضائع، فداخلهم الطمع، وجمعوا من جميع البلاد، ووقع بينهم وبين التركمان، وضايقهم التركمان ثلاثة وثلاثين يوما، ثم ذكر ما وقع بينه وبين قليج أرسلان على ما نذكره إن شاء الله تعالى (١).
ذكر ما جرى بينهم وبين قليج أرسلان
ولما وصلوا إلى بلاد قليج أرسلان وكان محكومًا عليه من ولده قطب الدين ملكشاه، وهو يدبر أمره، عارضهم وتعرض لقتالهم وطاردهم ليضيق عليهم، ثم اندفع من بين أيديهم ودخلوا قونية واعتصم قليج أرسلان بقلعتها، وتراسل هو وملك الألمان، [٨٥] واتفقا بالمواثيق والأيمان على أن يُوافقه على العبور إلى الأقاليم الشامية والبلاد الإسلامية، وعلى أن يسير من بلاده إلى بلاد لافون ملك الأرمن، وأعطاه عشرين مقدمًا من أكابر أمرائه ليكونوا معه حتى يصل إلى الماء، وأمر الناس بمبايعتهم على ما يسومونه، وأقام لهم الأسواق فساروا في رفق ورفاهية، ولما وصل الملعون إلى بلاد الأرمن غدر بالرهائن وساقهم محمولين مع الظعائن (٢)، واحتج عليهم بأن التركمان سرقوا منهم في طريقه (٣).
وفي تاريخ بيبرس: ولما قربوا من قونية خرج إليهم قطب الدين ملكشاه بن قليج أرسلان ليمنعهم، فلم يمكنه ذلك لكثرتهم، فراسله ملك الألمان فأرسل إليه هدية وهادنه وطلب منه من يسير معه إلى بيت المقدس، ثم سار إلى بلاد الأرمن (٤). وفي المرآة (٥): ولما دخلوا بلاد قليج أرسلان لم يكن لديهم طاقة، فاحتاج إلى مسالمتهم وكتب إلى السلطان يعتذر بالعجز عنهم، وساروا طالبين الشام ووقع فيهم الوباء وندوابهم.
стр. 448
وذكر في النوادر (١): ولما قربوا من قونية جمع قطب الدين بن قليج أرسلان العساكر وقصده وضرب معه مصافًا عظيمًا، فظفر به الملك (٢) وكسره كسرة عظيمة، وسار حتى أشرف على قونية، فخرج إليه جموع كثيرة من المسلمين، فردهم مكسورين وهجم قونية بالسيف، وقتل منهم عالما عظيما من المسلمين، وأقام بها خمسة أيام، فطلب منه قليج أرسلان الأمان، فأمّنه واستقرت بينهم قاعدة أكيدة، وأخذ منه [رهائن] (٣)، عشرين من أكابر دولته. وأشار على الملك أن يجعل طريقه على طرسوس والمصيصة، ففعل ذلك وقبل منه (٤).
ذكر وصول ملك الألمان إلى بلاد الأرمن
وصل إلى الأرمن وملكها يومئذ لافون بن اصطفان بن ليفون (٥) فأظهر له الطاعة، ومشى في خدمته إلى أن قرب من طرسوس. وفي المرآة (٦): ووصلوا إلى نهر طرسوس فتحصن منه ابن ليفون بقلعة من قلاعه لأنه أرمني وهم روم. قلت التوفيق بين الكلامين، إنه تحصن منه أولا، خوفًا، ثم طلب منه الأمان فأمنه، ونزل إلى خدمته وأقام بواجبه. (٧)
ذكر هلاك ملك الألمان
لما وصل ملك الألمان إلى طرسوس اجتاز هناك بنهر شديد الجرية، فدعته نفسه الخبيثة أن يسبح فيه، فنزله وصار فيه، فحمله الماء إلى جذم شجرة هناك، ففشخت (٨) رأسه، وأخذت أنفاسه وراحت روحه إلى الهاوية، وأراح الله المسلمين منه، وكان شيخًا مسنًا.
стр. 449
وفي تاريخ بيبرس (١): ثم سار إلى أنطاكية، وكان في طريقهم نهر فنزلوا عنده، فعبر الملك النهر ليغتسل، فمرض فمات وكفى الله شره [٨٦].
وفي المرآة: أراد الملك أن يسبح في نهر طرسوس وكان ماؤه باردا، فنهره وقالوا لا تفعل، فأنت متعوب، فقال لا بدّ من ذلك، فسبح فيه، فأخذته الحمى، فأقاموا على النهر بسببه، فأوصى إلى ولده الذي كان في صحبته، ومات، فسلقوه في خلّ وحملوا (٢) عظامه ليدفنوها في القدس. وذكر صاحب النوادر (٣). نزل على شط بعض الأنهار، فأكل خبزًا ونام ساعة، وانتبه، فتاقت نفسه إلى الاستحمام في الماء البارد، ففعل ذلك وخرج، وكان من أمر الله أن تحرك عليه مرض عظيم من الماء البارد فمكث أياما قلائل ومات، ولما شاهد لافون ملك الأرمن هذا، هرب وتحصّن في بعض حصونه واحتمى هناك.
ذكر إقامة ابن المَلك مقامَه
ولما هلك اللعين المذكور أقيم ولده الأصغر في الملك بعده، وقد تمزق شملهم وتفرق جمعهم (٤).
وفي المرآة (٥): ولما مات اختلفوا على ولده؛ لأنه كان له أخ أكبر منه، وكانوا يميلون إليه، فتأخر عنه أكثرهم، ودخل أنطاكية في جيش قليل. وفي تاريخ بيبرس (٦): وكان معهم ولده فصيروه ملكا عليهم، فاختلفوا عليه ومال بعضهم إلى أخيه، فسار فيمن بقى معه وعرض جماعته، فكانوا نيفا وأربعين ألفا، ووقع فيهم الوباء، وتخطفهم عسكر حلب وغيرهم، ثم ساروا إلى طرابلس، فلم يبق منهم سوى ألف، ثم ركبوا البحر وقصدوا عكا، ثم أجمعوا على العود إلى بلادهم في البحر، فغرق بهم المركب ولم ينج منهم أحد. وأرسل قليج أرسلان صاحب الروم يُعلم السلطان صلاح الدين بذلك، وبلغ الفرنج هلاكهـ فأشعلوا النيران حزنا عليه (٧).
стр. 450
وفي تاريخ ابن كثير (١): وأما ولد ملك الألمان، فإنه مرض أياما في بلد الأرمن، وهلك أصحابه جوعا ووقع الموت في خيلهم، وحُمل الملك وهو مريض، وساروا أمامه في ثلاث نوب لكثرتهم، ومعظم رجّالتهم حاملون العَصِىَّ وركاب حمير، وهم غير عارفين بالطريق، والناسُ يلتقطونهم ويتخطفونهم، ووصلوا إلى أنطاكية، وضاق بالإبرنس صاحب أنطاكية ذرعا، فلم يجد عندهم مرعى، وطلب منه القلعة، فأخلاها له، ونقل ماله إليها، وسأله أن يجعل طريقه على حلب، فخاف وأبدى الخلاف، وقبل وصوله إلى أنطاكية فلّت جموعه وجنوده، وبليت بحشد التركمان حشوده، واجتازت الفرقة الأولى منهم على بغراس من تحت قلعتها، فخرج رجالها عليهم، على قلتهم، فأسروا منهم أكثر من مائتي أسير وقيل أنهم حسبوا، أن بغراس باقية على حالها مع الداوية، فجاؤا إليها سحرا بأحمالهم وأموالهم السنيّة، فلم يشعر وَاليها إلا بالبغال على الباب واقفة، فخرج إليها وتسلمها بغير طعن ولا ضرب، وتخلى عنها أصحابها لما عرفوا الحال، ولم يعرّجوا على حرب.
وهلك بأنطاكية الكُند الكبير [٨٧]، مقدم العسكر، وحصل للإبرنس صاحب أنطاكية أموال كثيرة من الذخائر المودعة وغيرها، ثم سار هؤلاء الملاعين على طريق الساحل، فخرجت عليهم خيل اللاذقية وجبلة وسقتهم أنواع العذاب، فجدّوا في السير حتى وصلوا إلى طرابلس، وقد نقص نصفهم، وخاف الملك من المسير على الطريق، لما افترق جموعه، فركب البحر في عدد يسير لا يزيد على ألف، واختلط مع الإفرنج على عكا، فسقط اسمه وبطل حكمه، وكذلك شأن من يكفر بالله. وقال ابن كثير: وصل ملك الألمان في [خمسة آلاف] (٢) مقاتل، وإن ملوك الإفرنج كلهم كرهوا قدومه عليهم، لما يخافون من سطوته وزوال دولتهم بدولته، ولم يفرح به إلا المركيس صاحب صور الذي [أنشأ] (٣) هذه الفتنة، وأثار هذه المحنة لعنه الله، فإنه تقوى به وبكيده، وكان خبيرا
стр. 451
بالحروب والقتال، وقد أحدث (١) أشياء كثيرة من آلات الحرب، لم تخطر ببال أحد، منها أنه نصب دبابات أمثال الجبال تسير بعجل، ولها زلوم من حديد ينطح السور، فيكسر ويلثم جوانبه، فمنَّ الله العظيم بإحراقها وإتلافها وأراح الله المسلمين من (١) شرها.
ذكر مسير العساكر إلى أطراف البلاد التي في طريق ملك الألمان
لما تحقق السلطان صلاح الدين ﵀ وصول ملك الألمان إلى بلاد لافون -ملك الأرمن- وقربه من البلاد الإسلامية، جمع أمراء دولته وأرباب الآراء، وشاورهم في ماذا يصنع، فاتفق الرأي على أن بعض العسكر يسير إلى البلاد المتاخمة لطريق عسكر العدو الواصل، وأن يقيم هو ﵀ على منازلة العدو باقي العسكر المنصور. فكان أول من سار صاحب منبج، وهو ناصر الدين بن تقي الدين، ثم عز الدين بن المقدم، صاحب كفرطاب وبعرين وغيرهما، ثم مجد الدين صاحب بعلبك، ثم سابق الدين صاحب شيزر، ثم اليَارُوقية من جملة عسكر حلب، ثم عسكر حماة، وسار ولده الملك الأفضل إلى دمشق لمرض عرض له، ثم بدر الدين شحنة دمشق لمرض عرض له أيضًا، وسار بعد ذلك ولده الملك الظاهر إلى حلب لحفظ الطرق وكشف الأخبار، وسار بعد ذلك الملك المظفر لحفظ ما يليه من البلاد (٢)، وكان آخر من سافر ليلة السبت [التاسع] (٣) من جمادى الأخرى من سنة ست وثمانين وخمسمائة.
ولما سارت هذه العساكر خفَّتْ ميمنة السلطان، فإن معظم من سار كانوا منها. فأمر السلطان أخاه الملك العادل أن ينتقل إلى منزلة تقي الدين في طرف الميمنة، وكان عماد الدين زنكي في طرف [الميسرة] (٤)، ووقع في العسكر مرض عظيم، فمرض مظفر الدين ابن زين الدين صاحب حران وشفي، ومرض بعده الملك الظافر ولد السلطان وشفي، ومرض خلق كثير من الأكابر وغيرهم، [٨٨] إلا أن المرض كان سليمًا بحمد الله، وكان
стр. 452
المرض عند العدوّ أكثر وأعظم مع كونه مقرونا بموتان عظيم، وأقام السلطان ﵀ مصابرًا على ذلك، مرابطًا للعدو.
وفي تاريخ ابن كثير (١): عزم السلطان على استقبالهم بالردّ، وصدّهم عن القصر، ثم ثبت عزمه على أن يعود الذين لهم بلاد على طريق هؤلاء الملاعين، فأول من سار ناصر الدين محمد والد الملك المظفر صاحب منبج، ثم فلان وفلان على ما ذكرنا الآن. ثم رحل الملك المظفر تقي الدين لحفظ ثغر اللاذقية وجبلة، وكان هو آخر من سَار ليلة السبت التاسع من جمادى الآخرة، ورتب السلطان منازل العساكر الحاضرة على ما ذكرنا، وتقدم بهدم سُور طبرية، وهدم يافا وأرسوف وقيسارية، وهدم سُور صيدا وجُبيل (٢)، ونقل أهلها إلى بيروت.
وفي المرآة (٣): وانقطعت أخبار عكا عن السلطان، فندب أقوامًا للسباحة وأعطاهم المال في أوساطهم والطيور في أعناقهم ليردوا الأخبار، فعلم بذلك الفرنج، فاحترزوا بشباك نصبوها في المينا، فإذا جاء سابح وقع فيها، فامتنع الناس. وبعث قراقوش يشكو قلة الميرة، فرتب لهم السلطان بُطسة كبيرة، وجعل فيها نصارى من أهل بيروت كانوا قد أسلموا، فقال لهم ارفعوا الصلبان على البطسة كأنكم قاصدون الفرنج، ففعلوا ذلك، فخرج إليهم الإفرنج في الشواني، فقالوا: نراكم قاصدين البلد، فقالوا: وما أخذتموه بعد؟ قالوا: لا. فقالوا: وراءنا بطسة أخرى ردوها عن البلد، فذهبوا عنهم، فردوا القلوع إلى البلد ودخلوا إلى المينا (٤)، وكبر المسلمون وامتاروا أياما (٥).
ذكر الوقعة العادلية
ولما كان يوم الأربعاء العشرين من جمادى الآخرة من هذه السنة، علم عدو الله أن العساكر تفرقت في أطراف البلاد للعدو، وأن ميمنة السلطان قد خفت، أجمع رأيهم على أنهم يهجمون على طرف الميمنة بغتة. فخرجوا ظهيرة يوم الأربعاء، وامتدوا ميمنة
стр. 453
وميسرة وقلبا، وانبثوا في الأرض، وكانوا عددا عظيمًا، واستخفوا طرف الميمنة، وكان في طرفها مخيم الملك العادل، فلما بصر الناس بهم خرجوا من خيامهم كالأسود من أجسامها، وركب السلطان صلاح الدين ﵀ ونادى مناديه: يآل الإسلام، وركبت الجيوش وطلبت الأطلاب، وكان السلطان أول راكب. وقال قاضي القضاة بهاء الدين: ولقد رأيته وقد ركب من خيمته وحوله نفر يسير من خواصه، والناس لم يستتم ركبوهم، وهو كالفاقدة ولدها الشاكلة، ثم ضرب الكوس، فأجابته كوسات الأمراء من أماكنها، وركب الناس.
وأما الفرنج -لعنهم الله- فإنهم سارعوا في القصد إلى الميمنة، حتى وصلوا قبل استتمام العساكر حتى وصلوا إلى مخيم الملك العادل، ودخلوا في وطاقه (١)، وامتدت أيديهم في السوق [٨٩] وأطراف الخيم بالنهب والغارة، وقيل وصلوا إلى الخيمة الخاص وأخذوا من شرابخاناته (٢) شيئا.
وأما الملك العادل فإنه لما علم بذلك، ركب وخرج من خيمته، واستركب من يليه من الميمنة، كالطواشي قايماز النجمي، ومن يجرى مجراه من أسود الإسلام، ووقف وقوف مخادع حتى يوغل بهم طمعهم في [المخيم] (٣)، واشتغلوا بالنهب في الأقمشة والفواكه والمطاعم، فعند ذلك صاح العادل بالناس، وحمل بنفسه يقدمه ولده الكبير شمس الدين، وحمل بحملته، وهجموا على العدو هجمة الأسود على فرائسها، وأمكنهم الله منهم، ووقعت الكسرة، فعادوا يشتدون نحو خيامهم، هاربين على أعقابهم، [وسيف الله] (٤) يلتقط الأرواح من الأشباح، ويفصل بين الأجساد والرؤوس، ويفرق بين الأبدان والنفوس. ولما بصر السلطان بذلك، نادي في الناس: يآل الإسلام وأبطال الموحدين، هذا عدو الله قد أمكن الله منه، وقد داخلهم الطمع حتى غشوا خيامكم، فكان من المبادرين إلى إجابته جماعة من مماليكه وخاصته، ثم طُلب عسكر الموصل يقدمهم علاء الدين ولد عز الدين، ثم عسكر مصر يقدمهم سنقر الحلبي،
стр. 454
وتتابعت العساكر، وتجاوبت الأبطال، ووقف السلطان في القلب، فعند ذلك قامت الحرب على سوقها (١). قال الراوى (٢): فلم يكن [إلا] (٣) ساعة حتى رأينا القوم صرعي ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ (٤)، وامتدوا مطرحين، أولهم من خيام الملك العادل، وآخرهم عند خيامهم، وكانت المسافة بين المضربين فرسخًا، وربما زادوا على ذلك، وقتلى الإفرنج مطروحون فيها ولم ينج منهم إلا النادر.
قال قاضي القضاة بهاء الدين: ولقد خُضتُ في تلك الدماء بدابتي، فاجتهدتُ أن أعُدَّهم فما قدرت على ذلك لكثرتهم، وشاهدت فيهم امرأتين مقتولتين. وحكي لي من شاهد منهم أربع نسوة يقاتلن وأسرت منهم اثنتان. وأسر من الرجال في ذلك اليوم نفر يسير، فإن السلطان [[كان] أمر [الناس]] (٥) أن [لا يستبقوا أحدًا] (٦)، هذا كله في الميمنة وبعض القلب.
وأما الميسرة فما اتصل الصائح بهم إلا وقد نجز الأمر. وكانت هذه الوقعة فيما بين الظهر والعصر، وانفصلت الحرب بعد العصر، ولم يفقد من المسلمين في هذا اليوم سوى عشرة أنفس، غير معروفين. وأما أهل عكا فإنهم كانوا يشاهدون الوقعة من أعالي السور، فخرجوا إلى مخيم العدو، وجرى بينهم مقتلة عظيمة، وكانت النصرة للمسلمين، فأخذوا جمعا من النسوان والأقمشة حتى القدور وفيها الطعام. واختلف الناس في عدد القتلى منهم، فقيل: كانوا ثمانية آلاف، وقيل: سبعة آلاف.
وقال قاضي القضاة بهاء الدين: ولقد شاهدتُ منهم خمسة صفوف أولها عند خيمة العادل، وآخرها [٩٠] عند خيامهم. ولقد رأيتُ إنسانا عاقلًا جنديا "يسعى" (٧) بين الصفوف من القتلى ويعدهم، فقلت له: كم عددت؟ فقال: إلى هاهنا أربعة آلاف ونيفا وستين قتيلًا. وكان قد عد صفين، وهو في الصف الثالث، لكن ما مضى من الصفوف كان أكثر عددا من الباقي.
стр. 455
ولما كان يوم الخميس الحادي والعشرين من جمادى الآخرة، ورد في عصره نجّاب من حلب، ومعه كتاب يتضمن أن جماعة عظيمة من العدو الشمالي، خرجوا لنهب أطراف البلاد الإسلامية، ونهض العسكر الإسلامي في حلب، وأخذوا عليهم الطريق، فلم ينج منهم أحد إلا من شاء الله ، فضربت البشائر، ولم يُر يوم أحسن منه. وجاء في بقية ليلة ذلك اليوم من اليزك قايماز الحرَّاني، وذكر أن العدو قد سأل [من جانب السلطان] (٢) مَنْ يصل إليهم، ليسمع منهم حديثا في سؤال الصلح، لضعفٍ حلَّ بهم، ولم يزل أعداء الله من ذلك الوقت مكسورين الجناح، منهاضين الجانب، حتى وصل إليهم كُنْد يقال له: كُنْدهِري.
ذكر وصول الكُنْدهُرِي
هذا كان ملكا من ملوك الفرنج ومن أعيانهم، وصل في البحر في مراكب عدة، ومعه من الأموال والذخائر والمير والأسلحة والرجال عدد عظيم، فقوى بوصوله جأش الإفرنج، وحدثتهم نفوسهم بكبس العسكر الإسلامي ليلًا، وكثر هذا الحديث على ألسنة المستأمنين والجواسيس. فجمع السلطان الأمراء وأرباب الرأي واستشارهم فيما يفعل، وكان آخر الرأى أنهم يوسعون الحلقة، ويتأخرون عن العدو، رجاء أن يخرجوا ويبعدوا عن خيامهم فيُمكِّن الله منهم، ووافقهم السلطان على ذلك. فرحل إلى جبل الخَروبّة بالعساكر بأسرها، وذلك في يوم الأربعاء السابع والعشرين من جمادى الآخرة من هذه السنة، وترك بقية من العسكر في تلك المنزلة كاليَزَك، مقدار ألف فارس، يتناوبون لحفظ النوبة. هذا والكتب متواصلة من عكا على أجنحة الطيور وأيدى السُّبَاح، والمراكب اللطاف تخرج ليلًا وتدخل سرقة منهم.
وكان الكندهري المذكور، قد أنفق على منجنيق كبير عظيم الشكل -على ما نقل الجواسيس والمستأمنون- ألفًا وخمسمائة دينار، وأعدَّه ليقدمه على البلد. ولما رأى المسلمون أنهم سلطوا على البلد المنجنيقات من كل جانب، وتناوبوا عليها بحيث لا يتعطل رميُها لا ليلا ولا نهارا، وذلك في أثناء رجب من هذه السنة، "وضايقوا على البلد، حركتهم النخوة الإسلامية" (١). واتفقوا على أنهم يخرجون فارسهم وراجلهم على
стр. 456
غرة وغفلة منهم. وكان مقدم العسكر الأسفهسلار (١) الكبير حسام [٩١] الدين أبو الهيجاء المقدم في الكرم والشجاعة، ووالي البلد وحارسه الأمير الكبير بهاء الدين قراقوش، وفتحوا الأبواب وخرجوا دفعة واحدة من كل جانب. ولم يشعر الفرنج إلا والسيف فيهم حاكم، وسهم قضاء الله فيهم نافذ. وتقدموا إلى أن ولجوا في خيامهم، ولما رأوهم كذلك ذهلوا عن المنجنيقات وحراستها، فوصلت إليها شهب الزّراقين والنفاطين، حتى اضطرمت فيها النيران، وأحرقت منها ما شيدته الأعداء في المدة الطويلة في أقرب آن. وقتل منهم في ذلك اليوم سبعون فارسا، وأسر خلق عظيم، وكان في جملة الأسرى رجل مذكور فيهم، ظفر به شخص من آحاد الناس ولم يعلم بمكانته، ولما انفصل الحرب سأل الفرنج عليه هل هو حيّ أم لا؟ فعرف الذي [هو] (٢) عنده أنه رجل كبير، وخاف أن يُغلب عليه ويؤخذ منه، فسارع إلى قتله، فقتله، وبذل الفرنج فيه أموالًا عظيمة، ولم يزالوا يسألون ذلك حتى رموا إليهم رأسه (٣)، فضربوا بنفوسهم الأرض، وحثوا على رؤوسهم ووجوههم التراب، ووقعت عليهم بسبب ذلك خمدة عظيمة، واستخفَّهم المسلمون بعد ذلك، فهجموا عليهم من كل جانب، ولاسيما العرب، فإنهم يدقون فيهم من كل ناحية يسرقون وينهبون ويأسرون ويقتلون، فانحلت عزيمتهم وضعفت قواهم، ولاسيما لما أحرق المسلمون ذلك المنجنيق العظيم، الذي صنعه الكندهري كما ذكرنا.
ذكر وصول البُطَسَ من مصر
كتب الأمير بهاء الدين قراقوش متولي عكا إلى السلطان في العشر الأول (٤) من شعبان من هذه السنة، أنه لم يبق عندهم من المؤنة إلا ما يكفيهم إلى ليلة النصف، فلما وصل الكتاب إلى السلطان أسّره في نفسه، ولم يُبده لأحد خوفا من شيوع ذلك، فيبلغ إلى العدو، فيقفوا على المسلمين وتضعف القلوب. وكان قد كتب إلى أمير الأسطول بالديار المصرية ليتقدم بميرة إلى عكا، فوصلت ثلاث بُطَس ليلة النصف، فيها من الميرة ما يكفي أهل البلد طول الشتاء، وهي في صحبة الأمير لؤلؤ الحاجب، فلما
стр. 457
أشرفت على الناس، تقدم إليها أسطول الفرنج ليحاجز عن البلد ويُتلِف البُطَسَ، فاقتتلوا في البحر قتالا عظيما، والمسلمون في البر يبتهلون إلى الله تعالى ، والفرنج أيضا يصرخون في البر والبحر، وقد ارتفع الضجيج، فنصر الله المسلمين وسلمت مراكبهم، وطابت الريح للبُطَس فسارت، فأحرقت المراكب الإفرنجية المحيطة بالميناء (١)، ودخلت البلد سالمة وفرح بها أهل البلد والجيش فرحا عظيما. وكان السلطان ﵀ قد جهز قبل هذه الثلاث بُطَسٍ المصريات بُطْسةً عظيمة من بيروت، فيها أربعمائة غرارة [٩٢] قمح، وشيء كثير من الجبن والبصل والشحم والقديد والنُشّاب والنفط، وكانت هذه البطسة من بُطَسِ الفرنج المغنومة، وأمر من فيها من التجار أن [يتزيوا] (٢) بزي الفرنج، حتى أنهم حلقوا لحاهم وشدّوا الزنانير، واستصحبوا معهم في البطسة شيئا من الخنازير، وقدموا بها على مراكب الفرنج، فاعتقدوا أنهم منهم، وهي سائرة كأنها السهم إذا خرج من الرميّة، فحذرهم الفرنج غائلة المِينَاء من ناحية المسلمين، فاعتذروا بأنهم مغلوبون معها، والريح قوية لا يمكنهم أن يقفوا ولا ينصرفوا، وما زالوا كذلك حتى ولجوا الميناء وأفرغوا ما كان معهم من الميرة، والحرب خُدْعة. قال صاحب النوادر (٣): وكان ذلك في العشر الأخير من رجب.
ذكر احتراق بُطسَة عظيمة للفرنج
كان ميناء عكا يكتنفها بُرجان، يقال لأحدهما برج الذُبّان، فاتخذ الفرنج بطسةً عظيمة لها خرطوم وفيه حركات، إذا أرادوا أن يضعوه على شيء من الأسوار أو الأبرجة، كلبوه فيصل إلى ما أرادوه، فعظم أمر هذه البطسة على المسلمين، ولم يزالوا في أمرها محتالين حتى أرسل اللهُ عليها شواظًا من نار فأحرقها وغَرّقها، وذلك أن الافرنج أعدُّوا فيها نفطا كثيرا وحطبا جزلا، وأخرى خلفها فيها حطب محض، حتى إذا أراد المسلمون المجاحفة (٤) عن الميناء بمراكبهم، أرسلوا النفط على تلك البُطسة الحطبية، فاحترقت وهي سائرة بين طس المسلمين، فتحرقها، وبطسة أخرى لهم فيها مقاتلةٌ تحت قبو قد
стр. 458
أحكموه فيها، فلما أرسلوا النفط على برج الذُبّان انعكس الأمر عليهم -بقدرة الرحمن- وذلك لشدة الهواء تلك الليلة، فما تعدت النار بطستهم، فاحترقت، وتعدى الحريق إلى الأخرى، فغرقت، ووصل إلى بُطسة المقاتلة، فتلفت وهلكت بمن فيها، فأشبهوا بمن سلف من الكفار (١). كما قال تعالى ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢).
ذكرُ قصة عيسى العوَّام ﵀
وكان عوام قيم في العوم، يقال له عيسى، وكان يدخل إلى عكا بالكتب والنفقات على وسطه ليلا، على غرةٍ من الإفرنج، وكان يغوص ويخرج من الجانب الآخر من مراكب العدو، وكان ذات ليلة شدّ على وسطه ثلاثة أكياس، فيها ألف دينار وكُتب مشمعة للعسكر، فنزل في البحر، فجرى عليه أمر أهلكه، وأبطأ خبره عن المسلمين، وذلك لأن عادته أنه إذا دخل البلد أرسلوا طيرا يُعرف بوصوله، فلم يجئ الطير فتحققوا أنه هلك. ولما كان بعد أيام بينما الناس على طرف البحر في البلد، إذا البحر قد قذف إليهم ميتًا غريقا، فتسارعوا إليه، فأخرجوه، فوجدوه عيسى العوام، ووجدوا على وسطه الذهب [٩٣] والكتب المشمّعة، وكان الذهب نفقة المجاهدين، فما رُؤي مَن أَدّى الأمانة في حال حياته وقدر اللهُ له أداءها بعد وفاته إلا هذا الرجل، وكان ذلك في العشر الأخير من رجب من هذه السنة (٣).
ذكر اشتداد الحصار على عكا
وفي ثالث رمضان من هذه السنة، اشتد الحصار من الإفرنج للبلد حتى نزلوا إلى الخندق، فبرز إليهم أهل البلد، فقتلوا منهم خلقا كثيرا، وتمكنوا من حريق الكبش الذي اتخذوه لحصار الأسوار، وسرى حريقه إلى السَفُّود (٤)، فارتفعت له لهبة عظيمة في عنان
стр. 459
السماء، ثم اجتذبه المسلمون إليهم بكلاليب من جديد في سلاسل، فحصَّلوه عندهم. وألقوا عليه الماء البارد فبرد بعد أيام، فكان فيه من الحديد مائة قنطار بالدمشقي (١).
وقال العماد (٢) الكاتب ﵀: وعمل الفرنج دبابةً هائلة، في رأسها شكل عظيم يقال له الكبش، وله قرنان في طول رمحين كالعمودين العظيمين الغليظين. وهذه الدبابة في هيئة الخربشت (٣) الكبير، وقد سقفوها مع كبشها بأعمدة الحديد، ولبَّسوا رأس الكبش بعد الحديد بالنحاس. فحاصل الكلام أبطل المسلمون سعيهم في ذلك، وأحرقوها كما ذكرنا، ولله الحمد.
وفي أثناء ذلك حصل للسلطان سوء مزاج من كثرة ما يكابده من الأمور التي هي أَمرُّ من الأُجاج، فطمع العدو المخذول في الإسلام، فتجرد منهم جماعة للقتال، وثبت آخرون على الحصار، وأقبلوا في عدد كثير وعدد غزير، وكانوا صوروا القدس في ورقة عظيمة، وصوّروا فيه صورة القمامة التي إليها يحجون ويُعظمون شأنها، وفيها قبر المسيح الذي دفن فيه بعد صلبه على زعمهم الفاسد، وذلك القبر أصل حجهم وهو الذي يعتقدون نزول النور عليه في كل سنة في عيد من أعيادهم، فصوروا القبر، وصوروا عليه فرسًا عليه فارس مسلم راكب عليه وقد وطئ قبر المسيح، وقد بال الفرسُ على القبر، وأظهروا هذه الصورة وراء البحر في الأسواق والمجامع، والقسوس يحملونها رؤوسهم مكشفة وعليهم المسُوح، وينادون بالويل والثبور، فهاج بذلك خلائق لا يحصون، ولما كثروا على المسلمين، رتّب السلطان الجيش ميمنة وميسرة وقلبا وجناحين.
فلما رأى الفرنج ذلك فروا من موقف الحرب، فقتل منهم خلق كثير وجمّ غفير، ولما دخل فصل الشتاء وانشمرت مراكبُ الإفرنج عن البلد، خوفا من الهلاك؛ بسبب اغتلام البحر، سأل من في البلد من المسلمين السلطان، أن لا يخرجهم ويريحهم مما هم فيه من الحصر العظيم، والمقاتلة ليلا ونهارًا، وأن يرسل إلى البلد بدلهم، فَرقٌ لهم السلطان، وعزم على ذلك. وكانوا قريبا من عشرين ألف مسلم ما بين أمير ومأمور، فجهز
стр. 460
جيشا آخر غيرهم، قالوا: ولم يكن ذلك [٩٤] برأي جيد، ولكن ما قصد السلطان إلا خيرًا؛ لأن هؤلاء الذين يدخلون البلد جُدد الهمّ، ولهم قوة العزم، وكانوا في راحة بالنسبة إلى أولئك، ولكن أولئك كانت لهم خبرة بالبلد والقتال، وكانوا قد تمرنوا على ما هم فيه من المصابرة للأعداء برًا وبحرًا. وجهزت لهؤلاء الداخلين سبع بُطسٍ فيها ميرة تكفيهم سنة كاملة، فقدر الله تعالى أنها لما توسطت البحر واقتربت من ميناها، هاجت ريح عظيمة في البحر، فتلعبت بتلك البطس على عظمها، فاختبطت واضطربت وتصادمت، وغرقت وغرق من فيها من البحارة جميعهم وما فيها من الميرة، فدخل بسبب ذلك وهن عظيم على المسلمين، واحتدّ مرض السلطان، وازداد مرضا إلى مرضه، وكان ذلك عنوانًا على أخذ البلد، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وذلك في ذي الحجة من هذه السنة، وكان المقدم على الداخلين إلى عكا الأمير سيف الدين على بن أحمد بن المشطوب (١).
وذكر صاحب (٢) النوادر: أن دخوله كان يوم الأربعاء السادس عشر من محرم سنة سبع وثمانين وخمسمائة، وفي ذلك اليوم خرج المقدم الذي كان بها، وهو الأمير حسام الدين أبو الهيجاء وأصحابه ومَنْ كان بها من الأمراء، ودخل مع المشطوب خلق كثير من الأمراء وأعيان الناس.
ذكر بقية الحوادث في هذه السنة
منها أن في يوم الخميس السادس عشر من رمضان من هذه السنة، وصل كتاب على جناح طير من حماة، وكان قد جاء إليها من حلب، يذكر فيه أن الإبرنُس -صاحب أنطاكية- خرج بعسكره نحو القرى الإسلامية، لشن الغارة عليها، فبصرت به العساكر ونواب الملك الظاهر غازي -ولد السلطان- فكمنت الكمناء، وخرجوا عليهم، فلم يشعر الإبرنس بهم إلا والسيف قد وقع، فقُتل من عسكره خمسة وسبعون نفرًا، وأُسر خلق كثير، واستعصم هو بنفسه في موضع يسمى شيحا، حتى اندفعوا وساروا إلى بلدهم (٣).