غرة وغفلة منهم. وكان مقدم العسكر الأسفهسلار (١) الكبير حسام [٩١] الدين أبو الهيجاء المقدم في الكرم والشجاعة، ووالي البلد وحارسه الأمير الكبير بهاء الدين قراقوش، وفتحوا الأبواب وخرجوا دفعة واحدة من كل جانب. ولم يشعر الفرنج إلا والسيف فيهم حاكم، وسهم قضاء الله فيهم نافذ. وتقدموا إلى أن ولجوا في خيامهم، ولما رأوهم كذلك ذهلوا عن المنجنيقات وحراستها، فوصلت إليها شهب الزّراقين والنفاطين، حتى اضطرمت فيها النيران، وأحرقت منها ما شيدته الأعداء في المدة الطويلة في أقرب آن. وقتل منهم في ذلك اليوم سبعون فارسا، وأسر خلق عظيم، وكان في جملة الأسرى رجل مذكور فيهم، ظفر به شخص من آحاد الناس ولم يعلم بمكانته، ولما انفصل الحرب سأل الفرنج عليه هل هو حيّ أم لا؟ فعرف الذي [هو] (٢) عنده أنه رجل كبير، وخاف أن يُغلب عليه ويؤخذ منه، فسارع إلى قتله، فقتله، وبذل الفرنج فيه أموالًا عظيمة، ولم يزالوا يسألون ذلك حتى رموا إليهم رأسه (٣)، فضربوا بنفوسهم الأرض، وحثوا على رؤوسهم ووجوههم التراب، ووقعت عليهم بسبب ذلك خمدة عظيمة، واستخفَّهم المسلمون بعد ذلك، فهجموا عليهم من كل جانب، ولاسيما العرب، فإنهم يدقون فيهم من كل ناحية يسرقون وينهبون ويأسرون ويقتلون، فانحلت عزيمتهم وضعفت قواهم، ولاسيما لما أحرق المسلمون ذلك المنجنيق العظيم، الذي صنعه الكندهري كما ذكرنا.
ذكر وصول البُطَسَ من مصر
كتب الأمير بهاء الدين قراقوش متولي عكا إلى السلطان في العشر الأول (٤) من شعبان من هذه السنة، أنه لم يبق عندهم من المؤنة إلا ما يكفيهم إلى ليلة النصف، فلما وصل الكتاب إلى السلطان أسّره في نفسه، ولم يُبده لأحد خوفا من شيوع ذلك، فيبلغ إلى العدو، فيقفوا على المسلمين وتضعف القلوب. وكان قد كتب إلى أمير الأسطول بالديار المصرية ليتقدم بميرة إلى عكا، فوصلت ثلاث بُطَس ليلة النصف، فيها من الميرة ما يكفي أهل البلد طول الشتاء، وهي في صحبة الأمير لؤلؤ الحاجب، فلما
стр. 457
أشرفت على الناس، تقدم إليها أسطول الفرنج ليحاجز عن البلد ويُتلِف البُطَسَ، فاقتتلوا في البحر قتالا عظيما، والمسلمون في البر يبتهلون إلى الله تعالى ، والفرنج أيضا يصرخون في البر والبحر، وقد ارتفع الضجيج، فنصر الله المسلمين وسلمت مراكبهم، وطابت الريح للبُطَس فسارت، فأحرقت المراكب الإفرنجية المحيطة بالميناء (١)، ودخلت البلد سالمة وفرح بها أهل البلد والجيش فرحا عظيما. وكان السلطان ﵀ قد جهز قبل هذه الثلاث بُطَسٍ المصريات بُطْسةً عظيمة من بيروت، فيها أربعمائة غرارة [٩٢] قمح، وشيء كثير من الجبن والبصل والشحم والقديد والنُشّاب والنفط، وكانت هذه البطسة من بُطَسِ الفرنج المغنومة، وأمر من فيها من التجار أن [يتزيوا] (٢) بزي الفرنج، حتى أنهم حلقوا لحاهم وشدّوا الزنانير، واستصحبوا معهم في البطسة شيئا من الخنازير، وقدموا بها على مراكب الفرنج، فاعتقدوا أنهم منهم، وهي سائرة كأنها السهم إذا خرج من الرميّة، فحذرهم الفرنج غائلة المِينَاء من ناحية المسلمين، فاعتذروا بأنهم مغلوبون معها، والريح قوية لا يمكنهم أن يقفوا ولا ينصرفوا، وما زالوا كذلك حتى ولجوا الميناء وأفرغوا ما كان معهم من الميرة، والحرب خُدْعة. قال صاحب النوادر (٣): وكان ذلك في العشر الأخير من رجب.
ذكر احتراق بُطسَة عظيمة للفرنج
كان ميناء عكا يكتنفها بُرجان، يقال لأحدهما برج الذُبّان، فاتخذ الفرنج بطسةً عظيمة لها خرطوم وفيه حركات، إذا أرادوا أن يضعوه على شيء من الأسوار أو الأبرجة، كلبوه فيصل إلى ما أرادوه، فعظم أمر هذه البطسة على المسلمين، ولم يزالوا في أمرها محتالين حتى أرسل اللهُ عليها شواظًا من نار فأحرقها وغَرّقها، وذلك أن الافرنج أعدُّوا فيها نفطا كثيرا وحطبا جزلا، وأخرى خلفها فيها حطب محض، حتى إذا أراد المسلمون المجاحفة (٤) عن الميناء بمراكبهم، أرسلوا النفط على تلك البُطسة الحطبية، فاحترقت وهي سائرة بين طس المسلمين، فتحرقها، وبطسة أخرى لهم فيها مقاتلةٌ تحت قبو قد
стр. 458
أحكموه فيها، فلما أرسلوا النفط على برج الذُبّان انعكس الأمر عليهم -بقدرة الرحمن- وذلك لشدة الهواء تلك الليلة، فما تعدت النار بطستهم، فاحترقت، وتعدى الحريق إلى الأخرى، فغرقت، ووصل إلى بُطسة المقاتلة، فتلفت وهلكت بمن فيها، فأشبهوا بمن سلف من الكفار (١). كما قال تعالى ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢).
ذكرُ قصة عيسى العوَّام ﵀
وكان عوام قيم في العوم، يقال له عيسى، وكان يدخل إلى عكا بالكتب والنفقات على وسطه ليلا، على غرةٍ من الإفرنج، وكان يغوص ويخرج من الجانب الآخر من مراكب العدو، وكان ذات ليلة شدّ على وسطه ثلاثة أكياس، فيها ألف دينار وكُتب مشمعة للعسكر، فنزل في البحر، فجرى عليه أمر أهلكه، وأبطأ خبره عن المسلمين، وذلك لأن عادته أنه إذا دخل البلد أرسلوا طيرا يُعرف بوصوله، فلم يجئ الطير فتحققوا أنه هلك. ولما كان بعد أيام بينما الناس على طرف البحر في البلد، إذا البحر قد قذف إليهم ميتًا غريقا، فتسارعوا إليه، فأخرجوه، فوجدوه عيسى العوام، ووجدوا على وسطه الذهب [٩٣] والكتب المشمّعة، وكان الذهب نفقة المجاهدين، فما رُؤي مَن أَدّى الأمانة في حال حياته وقدر اللهُ له أداءها بعد وفاته إلا هذا الرجل، وكان ذلك في العشر الأخير من رجب من هذه السنة (٣).
ذكر اشتداد الحصار على عكا
وفي ثالث رمضان من هذه السنة، اشتد الحصار من الإفرنج للبلد حتى نزلوا إلى الخندق، فبرز إليهم أهل البلد، فقتلوا منهم خلقا كثيرا، وتمكنوا من حريق الكبش الذي اتخذوه لحصار الأسوار، وسرى حريقه إلى السَفُّود (٤)، فارتفعت له لهبة عظيمة في عنان
стр. 459
السماء، ثم اجتذبه المسلمون إليهم بكلاليب من جديد في سلاسل، فحصَّلوه عندهم. وألقوا عليه الماء البارد فبرد بعد أيام، فكان فيه من الحديد مائة قنطار بالدمشقي (١).
وقال العماد (٢) الكاتب ﵀: وعمل الفرنج دبابةً هائلة، في رأسها شكل عظيم يقال له الكبش، وله قرنان في طول رمحين كالعمودين العظيمين الغليظين. وهذه الدبابة في هيئة الخربشت (٣) الكبير، وقد سقفوها مع كبشها بأعمدة الحديد، ولبَّسوا رأس الكبش بعد الحديد بالنحاس. فحاصل الكلام أبطل المسلمون سعيهم في ذلك، وأحرقوها كما ذكرنا، ولله الحمد.
وفي أثناء ذلك حصل للسلطان سوء مزاج من كثرة ما يكابده من الأمور التي هي أَمرُّ من الأُجاج، فطمع العدو المخذول في الإسلام، فتجرد منهم جماعة للقتال، وثبت آخرون على الحصار، وأقبلوا في عدد كثير وعدد غزير، وكانوا صوروا القدس في ورقة عظيمة، وصوّروا فيه صورة القمامة التي إليها يحجون ويُعظمون شأنها، وفيها قبر المسيح الذي دفن فيه بعد صلبه على زعمهم الفاسد، وذلك القبر أصل حجهم وهو الذي يعتقدون نزول النور عليه في كل سنة في عيد من أعيادهم، فصوروا القبر، وصوروا عليه فرسًا عليه فارس مسلم راكب عليه وقد وطئ قبر المسيح، وقد بال الفرسُ على القبر، وأظهروا هذه الصورة وراء البحر في الأسواق والمجامع، والقسوس يحملونها رؤوسهم مكشفة وعليهم المسُوح، وينادون بالويل والثبور، فهاج بذلك خلائق لا يحصون، ولما كثروا على المسلمين، رتّب السلطان الجيش ميمنة وميسرة وقلبا وجناحين.
فلما رأى الفرنج ذلك فروا من موقف الحرب، فقتل منهم خلق كثير وجمّ غفير، ولما دخل فصل الشتاء وانشمرت مراكبُ الإفرنج عن البلد، خوفا من الهلاك؛ بسبب اغتلام البحر، سأل من في البلد من المسلمين السلطان، أن لا يخرجهم ويريحهم مما هم فيه من الحصر العظيم، والمقاتلة ليلا ونهارًا، وأن يرسل إلى البلد بدلهم، فَرقٌ لهم السلطان، وعزم على ذلك. وكانوا قريبا من عشرين ألف مسلم ما بين أمير ومأمور، فجهز
стр. 460
جيشا آخر غيرهم، قالوا: ولم يكن ذلك [٩٤] برأي جيد، ولكن ما قصد السلطان إلا خيرًا؛ لأن هؤلاء الذين يدخلون البلد جُدد الهمّ، ولهم قوة العزم، وكانوا في راحة بالنسبة إلى أولئك، ولكن أولئك كانت لهم خبرة بالبلد والقتال، وكانوا قد تمرنوا على ما هم فيه من المصابرة للأعداء برًا وبحرًا. وجهزت لهؤلاء الداخلين سبع بُطسٍ فيها ميرة تكفيهم سنة كاملة، فقدر الله تعالى أنها لما توسطت البحر واقتربت من ميناها، هاجت ريح عظيمة في البحر، فتلعبت بتلك البطس على عظمها، فاختبطت واضطربت وتصادمت، وغرقت وغرق من فيها من البحارة جميعهم وما فيها من الميرة، فدخل بسبب ذلك وهن عظيم على المسلمين، واحتدّ مرض السلطان، وازداد مرضا إلى مرضه، وكان ذلك عنوانًا على أخذ البلد، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وذلك في ذي الحجة من هذه السنة، وكان المقدم على الداخلين إلى عكا الأمير سيف الدين على بن أحمد بن المشطوب (١).
وذكر صاحب (٢) النوادر: أن دخوله كان يوم الأربعاء السادس عشر من محرم سنة سبع وثمانين وخمسمائة، وفي ذلك اليوم خرج المقدم الذي كان بها، وهو الأمير حسام الدين أبو الهيجاء وأصحابه ومَنْ كان بها من الأمراء، ودخل مع المشطوب خلق كثير من الأمراء وأعيان الناس.
ذكر بقية الحوادث في هذه السنة
منها أن في يوم الخميس السادس عشر من رمضان من هذه السنة، وصل كتاب على جناح طير من حماة، وكان قد جاء إليها من حلب، يذكر فيه أن الإبرنُس -صاحب أنطاكية- خرج بعسكره نحو القرى الإسلامية، لشن الغارة عليها، فبصرت به العساكر ونواب الملك الظاهر غازي -ولد السلطان- فكمنت الكمناء، وخرجوا عليهم، فلم يشعر الإبرنس بهم إلا والسيف قد وقع، فقُتل من عسكره خمسة وسبعون نفرًا، وأُسر خلق كثير، واستعصم هو بنفسه في موضع يسمى شيحا، حتى اندفعوا وساروا إلى بلدهم (٣).
стр. 461
ومنها أن في أثناء العشر الأخير (١) من رمضان، ألقت الريح بطستين فيهما رجال وصبيان ونساء وميرة عظيمة وغنم كثيرة، وكانوا قاصدين نحو العدو، فغنمها المسلمون، وكانوا قد ظفروا ببركوس (٢) للمسلمين، فيه نفقة ورجال، أرادوا الدخول إلى البلد، فأخذوه، فوقع الظفر بهاتين [البطستين] (٣) جبرًا عن ذلك.
ومنها أنه قوي عزم الإفرنج على الخروج إلى جهة المسلمين، وتغيّر مزاج السلطان بحمي صفراوية، فاقتضى الحال أن انتقلوا في عشية الاثنين تاسع رمضان من هذه السنة فنزلوا على أعلى جبل شفرعم (٤) و رؤوس التلال، للاستعداد للشتاء، والراحة والاستراحة عن الرحل.
وفي ذلك الزمان مرض زين الدين يوسف بن زين الدين -صاحب إربل- مرضا شديدا بحُمتين مختلفتين (٥)، وأستأذن في الرواح، فلم يؤذن [٩٥] له، ثم استأذن في الانتقال إلى الناصرة فأذن له في ذلك، وأقام بالناصرة أيامًا وهو مريض، فاشتد به الأمر إلى ليلة الثلاثاء الثامن والعشرين (٦) من رمضان من هذه السنة، ثم توفي إلى -رحمة الله- وعنده أخوه مظفر الدين، وحزن الناس عليه لشبابه وغربته. وأنعم السلطان على أخيه مظفر الدين ببلدة إربل، واستنزله على بلاده التي كانت في يده، وهي حران والرها وما يتبعهما من البلاد والأعمال، وضم إليه شهرزور أيضا، واستدعى الملك المظفر تقي الدين عمر ابن أخيه شاهنشاه ليكون نازلا مكانه، وأقام مظفر الدين كوكبوري بن زين الدين على بالمعسكر المنصور إلى قدوم تقي الدين، وقدم ضاحي النهار الثالث من شوال من هذه السنة، وفي صحبته مُعزّ الدين سنجرشاه بن سيف الدين غازي بن مودود
стр. 462
ابن زنكي صاحب الجزيرة (١) إذ ذاك. ثم تكرر سؤال معز الدين هذا في طلب الدستور، والسلطان يعتذر إليه بأن رسل العدو متكررة في معنى الصلح، فلا يجوز أن تنقض العساكر حتى يتبين على ماذا ينفصل الحال من سلم أو حرب، وهو لا يألو جهدا في طلب الدستور إلى أن كان يوم عيد الفطر من هذه السنة، وحضر سحرة ذاك اليوم في باب خيمة السلطان، فاستأذن في الدخول، فلم يؤذن له، وكرر الاستئذان، فأذن له، فدخل، واستأذن في الرواح شفاها، فذكر له السلطان وجوها تمنع من الرواح، فانكب على يده وقبلها كالمودع له ونهض من ساعته وسار، وأمر أصحابه أن أكفئوا القدور وفيها الطعام، وأقلعوا الخيام، وتبعوه على ذلك، فلما بلغ السلطان ذلك، كتب إليه: إنك قد قصدت الانتماء إلىَّ ابتداءً، وراجعتني في ذلك مرارًا، وأظهرت الخيفة على نفسك وبلدك من أهلك، فقبلتك وآويتك ونصرتك، فبسطت يدك في أموال الناس ودمائهم وأعراضهم، فنفذت إليك ونهيتك عن ذلك مرارا، فلم تنته، فاتفق وقوع هذه الواقعة للإسلام، فدعوناك، فأتيت بعسكر قد عرفته وعرفه الناس، وأقمت هذه المدة وقلقت هذا القلق، وانصرفت عن غير طيب نفس، وغير فصل حال مع العدو، فانظر لنفسك وانظر (٢) - من تنتمي إليه غيرى، احفظ نفسك ممن يقصدك فما بقى لي إلى جانبك التفات وسَلَّم الكتاب إلى نجاب، فلحقه قريبًا من طبرية، فقرأ الكتاب ولم يلتفت إليه، وسار على وجهه.
وكان الملك المظفر تقي الدين قد استدعي إلى الغزاة -كما ذكرنا الآن- فلقيه في عقبة فيق، وهو مُحِثُّ وليست عليه أمارات حسنة، وسأله عن حاله، ففهم من كلامه أنه سار والسلطان غير راض عليه، فقال له: "المصلحة أن ترجع (٣) [٩٦] إلى الخدمة وتلازمها إلى أن يأذن لك السلطان، فأنت صبيّ لا تعلم عائلة هذا الأمر، فلم يلتفت إليه، وأصر على الرواح، فخشن عليه الملك المظفر وقال: "ترجع من غير اختيار". وكان تقي الدين شديد البأس، مقداما على الأمور، فلما علم معز الدين أنه قابضه إن لم يرجع
стр. 463
باختياره، رجع معه حتى أتى العسكر، وخرج الملك العادل إلى لقاء الملك المظفر، فدخلا على السلطان، وسألاه الصفح عنه، فعفى عنه، وطلب أن يقيم في جوار تقي الدين، خشية على نفسه، فأذن له في ذلك وأقام في جواره إلى حين ذهابه.
وكذلك عماد الدين صاحب سنجار كان قد أصر على الرحيل، ودخل على السلطان فقبل يده، وسار من ساعته، فكتب السلطان وراءه كتابا وكتب بيده في ظهره:
"من ضاع مثلي من يديـ … ــــــــــــه فليت شعري ما استفادا"
فوقف عماد الدين عليه، وانقطعت مراجعته بالكلية.
ومنها أنه تواصلت الأخبار بضعف العدو المخذول، ووقع الغلاء في بلادهم وعسكرهم، حتى أن الغرارة من القمح بلغت في أنطاكية ستة وتسعين دينارا صورية، ولا يزيدهم ذلك إلا صبرا وإصرارا وعنادا.
ومنها أنهم لما ضاق بهم الأمر وعظم الغلاء، خرج منهم خلق عظيم مستأمنين من شدة الجوع (١)، وقد ذكرنا أن السلطان كان قد عرض له مرض فطمعوا بذلك، وظنوا أنه لا يستطيع النهوض، فخرجوا يوم الاثنين الحادي عشر من شوال من هذه السنة، بخيلهم ورجلهم متحملين أزوادًا وخيما، وكان خروجهم إلى الآبار التي استحدثها المسلمون تحت تل العجول (٢) لما كانوا نازلين عليه، فأخذوا معهم عليق أربعة أيام، فأخبر السلطان بخروجهم على هذا الوجه، فأمر اليزك أن ينزاحوا من بين أيديهم إلى تل كيسان، وكان اليزك على تل العياضية، وكان نزول العدو على الآبار بعد صلاة العصر من اليوم المذكور، وباتوا تلك الليلة واليزك حولهم جميع الليل، فلما طلع الصبح جاء من أخبره السلطان ﵀ بأنهم قد تحركوا للركوب، وكان ﵀ قد أمر الثقل في أول الليل أن يسيروا إلى الناصرة والقيمون (٣)، فرحل الثقل وبقى الناس، وأمر العساكر أن يركبوا ميمنة وميسرة وقلبا تعبئة للقتال، وركب السلطان وصاح الجاووش بالناس، فركبوا
стр. 464
وساروا حتى وقف بتل من جبال الخروبة، وابتدأت الميمنة بالمسير فساروا حتى بلغ آخرها الجبل، وسارت الميسرة حتى بلغ آخرها إلى النهر وقرب البحر (١).
وكان في الميمنة ولده الملك الأفضل صاحب دمشق، وولده الملك الظاهر غازي صاحب حلب، وولده الملك الظافر صاحب بصري، وولد عز الدين صاحب الموصل، علاء الدين خرم شاه، ثم الملك العادل أخوه في طرفها، ويليه قريب منه حسام الدين بن لاچين، والطواشي قايماز النجمي، وعز الدين جُرديك النوري [٩٧]، وحسام الدين بشارة صاحب "بانياس" (٢)، وبدر الدين دُلْدَروم -صاحب تل باشر- اليارُوقي، وجمع كثير من الأمراء، وكان في الميسرة عماد الدين زنكي صاحب سنجار، وابن أخيه مُعز الدين صاحب الجزيرة، وفي طرفها الملك المظفر تقي الدين ابن أخيه، وسيف الدين على بن المشطوب وجميع المهرانية، والهكارية، وخُشْتَرين وغيرهم من الأمراء الأكراد، وفي القلب الحلقة السلطانية. وأمر السلطان أن يخرج من كل عسكر جمع من الجاليش، ليدوروا حول العدو واليزك معهم، وأخفى بعض الأطلاب وراء التلال عساهم يجدون غرة من العدو، ولم يزل عدو الله يسير والناس يقاتلونهم من جميع جوانبهم. ولم يزالوا سائرين حتى نزلوا على تل هناك، وضربوا خيامهم ممتدة منه إلى النهر، وجرح منهم في ذلك اليوم خلق عظيم، وقتل أيضا خلق، وكانوا إذا جرح واحد منهم حملوه، وإذا قتل واحد منهم دفنوه وهم سائرون، حتى لا يظهر قتيل ولا جريح.
وكان نزولهم يوم الثلاثاء بعد الظهر، وتراجعت العساكر عنهم إلى مواطن المصابرة ومواقف الحراسة، وتقدم السلطان إلى الميسرة أن تستدير بهم بحيث يقع آخرهم على البحر، والميمنة تستدير بالنهر من الجانب الشرقي، والجاليش يقاتلونهم ويرمونهم بالنشاب، بحيث لا ينقطع النشاب عنهم أصلا. وبات الناس تلك الليلة على هذا المثال. وسار السلطان إلى رأس جبل الخروبة الذي كان نازلا عليها في العام الماضي، فنزل في خيمة لطيفة والناس حوله في خيم لطاف بمرأى [من] (٣) العدو، وأخبارهم تتواصل إليه في كل ساعة إلى الصبح.
стр. 465
ولما كان الصبح يوم الأربعاء وصل من خَبَّرهم أنهم تحركوا للركوب عند الصبح، فركب السلطان وذلك في صبيحة يوم الأربعاء الثالث عشر من شوال، ورتب الأطلاب وسار حتى أتي أقرب جبال الخروبة إليهم، بحيث يشاهد جميع أحوالهم، وكان السلطان ﵀ ملتاث (١) المزاج، ضعيف القوة، قوى القلب. ثم بعث إلى العساكر وأمرهم بالمقاتلة والمضايقة والحملة عليهم من كل جانب، وأمر الأطلاب أن تحتاط بهم بحيث أن لا تكون قريبة ولا بعيدة، ليكونوا ردًا للمقاتلة إلى أن تضاحي النهار. وسار العدو على شاطئ النهر من الجانب الغربي يطلبون جهة خيمهم، والقتال يشتد عليهم من كل جانب، فاشتدوا في قتالهم من سائر الجوانب إلا من جانب النهر، والتحم القتال، فصرع منهم خلق عظيم، وهو يدفنون قتلاهم ويحملون جرحاهم، وقد جعلوا راجلهم سورًا لهم، فضرب الناس بالزنبورك (٢) والنشاب حتى لا يتركون أحدا يصل إليهم، وخيالتهم [٩٨] يسيرون في وسطهم، بحيث لم يظهر منهم أحد في ذلك اليوم أصلا، والكوسات تخفق، والبوقات تنعر، والأصوات بالتهليل والتكبير [ترتفع] (٣)، هذا والسلطان يمد الجاليش بالأطلاب والعساكر التي عنده، حتى لم يبق معه إلا نفر يسير، وَعَلَمُ الفرنج مرتفع على عجلة هو مغروس فيها، وهي تسحب بالبغال، وهم يَذبون عن العَلَمِ، وهو عال جدًا كالمنارة، خرقته بياض مُلمّع بحمرة على شكل الصلبان، ولم يزالوا سائرين على هذا الوجه حتى وصلوا وقت الظهيرة إلى قبالة جسر دَعّوق، وقد ألجمهم العطش، وأخذ منهم التعب وأثخنتهم الجراح، واشتد بهم الأمر. ولقد قاتل المسلمون في ذلك اليوم قتالا شديدا، وأعطوا الجهاد حقه، وهجموا عليهم هجوما عظيما، واستداروا بهم كالحلقة، وهم لا يظهرون من رجالتهم، ولا يحملون، وجُرح في ذلك اليوم جماعة منهم إيَاز الطويل، ﵀، وجرح جراحات متعددة، وهو من فرسان الإسلام وشجعانه، ولم يزل الناس حولهم في ذلك اليوم حتى نزلوا ظهيرة ذلك النهار عند جسر دَعوق، وقطعوا الجسر وأخربوه، خوفا من عبور الناس إليهم، ورجع السلطان إلى تل الخروبة، وأقام عليهم يزكًا يحرسهم، وبات وأخبارهم تتواتر عليه حتى الصباح، وعزم في
стр. 466
تلك الليلة على كبس بقيتهم في الخيم، وكتب إلى البلد -أعني عكا- يعرّفهم بذلك حتى يخرجوا هم من جانب، وعسكر السلطان من جانب، فلم يصل من أهل البلد كتاب، فرجع عن ذلك العزم بسبب تأخير الكتاب.
ولما كان صباح الخميس رابع عشر شهر شوال، وصل من أخبر أن العدو في الحركة للرحيل، فركب السلطان وطلّب الأطلاب، وكفّ الناس عن القتال خشية أن يغتالوا، وأوقف الأطلاب في الجانب الشرقي من النهر يسيرون قبالة العدو. وكان ممن جرح من مُقَدّميهم في هذه السرية الكُنْدُهْرِي، والمركيس، وتخلّف ابنُ ملكِ الألمان في الخيم مع جمع كثير منهم، ولما دخل العدو إلى خيمهم كان لهم بها أطلاب مستريحة، فخرجت على اليزك الإسلامي وحملت عليهم، وانتشب القتال بين اليزك وبينهم، وجرى فيه قتال عظيم قتل فيه من العدو وجُرح خلق عظيم، وقتل من المسلمين ثلاثة نفر، وقتل منهم شخص كبير فيهم مقدّم عندهم، وكان على حصان عظيم ملبس بالزرد إلى حافره، وكان عليه لُبْس لم يُر مثله، وطلبوه من السلطان بعد انفصال الحرب فدفع إليهم جثته، وطلب رأسه فلم يُوجد. وعاد السلطان إلى مخيّمة، وأعيد الثقل إلى مكانه، وعاد كل قوم إلى منزلتهم.
ولما كان [٩٩] يوم الجمعة الثاني والعشرين من شوال من هذه السنة، رأى السلطان أن يضع للعدو كمينا، فأخرج جمعا من كماة العسكر وشجعانهم وأبطالهم، وأمرهم أن يسيروا في الليل ويكمنوا في سفح تل شمالي عكا بعيدًا من عسكر العدو، وأمرهم أن يظهر منهم نفر يسير، ويقصدونهم في خيمهم حتى إذا خرجوا انهزموا بين يديهم نحو الكمين، ففعلوا ذلك، وساروا حتى أتوا التل المذكور ليلا، فكمنوا تحته، ولما علا نهار السبت الثالث والعشرين من شوال، خرج منهم نفر يسير على خيل جياد، وساروا حتى أتوا مخيّم العدو ورموهم بالنشاب، فانتحى منهم مقدار مائتي فارس، وخرجوا إليهم شاكين في السلاح على خيل جياد، بعُدّة تامة وليس معهم راجل واحد، وداخلهم الطمع فيهم لقلتهم فانهزموا بين أيديهم، وهم يقاتلونهم حتى أتوا موضع الكمين، فخرج عليهم أبطال الموحدين، وصاحوا فيهم صيحة رجل واحد، وهجموا عليهم هجوم الأُسْد على فريستها، فثبتوا وصبروا وقاتلوا قتالا شديدا، ثم ولوا منهزمين، فمكّن الله
стр. 467
المسلمين منهم، ووقعوا فيهم ضربًا بالسيف حتى هلك منهم جمع عظيم، واستسلم الباقون للأسر فأسروهم، وأخذوا خيلهم وعُدَدهم. وجاء البشير إلى السلطان، فارتفعت الأصوات بالتهليل والتكبير، وركب [السلطان] (١) لملاقاتهم.
قال قاضي القضاة بهاء الدين (٢): وكنت في خدمته حتى أتي تل كيسان، واعتبر الأسارى، وكان فيهم مقدم عسكر الإفرنسيس، وخازن الملك أيضا، ثم نزل السلطان في مخيمة فرحا مسرورا، وأمر مناديا فنادى: "ألا من كان عنده أسير فليحضر به"، فأحضر الناس أسراهم، وأكرم المقدمين منهم، وأليس مقدم عسكر الإفرنسيس فروة خاصًا، وأمر لكل واحد من الباقين بفروة خرجية، فإن البرد كان شديدًا وكانوا عرايا موتي من البرد، وأحضر لهم طعاما فأكلوه، وأمر لهم بخيمة نصبت قريبا من خيمته، وكان يكارمهم في كل وقت ويحضر المقدم على الخوان في بعض الأوقات، ثم أمر بتقييدهم وحملهم إلى دمشق، وأذن لهم أن يُراسلوا أصحابهم، وأن يُحضروا لهم من عسكرهم ما يحتاجون إليه من الثياب وغيرها، ففعلوا ذلك وساروا إلى دمشق وحُبسوا هناك.
ومنها أن في اليوم السابع من ذي الحجة من هذه السنة سقطت قطعة من سور عكا، وهي قطعة عظيمة. وفي النوادر (٣): كان ذلك ليلة السبت السابع من ذي الحجة، فوقعت بثقلها على الباشورة (٤) فهدمت أيضا منها قطعة عظيمة، فداخل العدو الطمع، وجاؤا إلى البلد كقطعة الليل المدلهم من كل جانب، فقام أهل البلد [١٠٠] بهمم عالية فقتلوا منهم جماعة، وجرحوا خلقا عظيما حتى آيسوا من أن ينالوا شيئا من البلد، ووقف المسلمون في موضع القطع كالسَّد، وجمعوا جميع مَنْ في البلد من البنائين والصناع، ووضعوهم في ذلك المكان وحموهم بالنشاب والجُروخ (٥) والمناجيق، فما مرت إلا ليال يسيرة حتى فرغوا من بنائها بأحسن مما كان.
стр. 468
ومنها أنه وقع وباء عظيم في الجيشين، المسلمين والكافرين، وكان السلطان يقول في ذلك:
اقتلوني ومالكا … واقتلوا مالكا معي
ومنها أن في شهر ذي الحجة قدم القاضي الفاضل من الديار المصرية على السلطان، وكان قد طال شوق كل منهما إلى صاحبه، فأفضى كل واحد منهما إلى الآخر ما كان يُسره ويكتمه من الآراء التي فيها مصالح المسلمين. وقدم وزير الصدق على السلطان الموفق قدس الله روحهما.
ومنها أن في يوم الاثنين الثاني والعشرين من ذي الحجة عاد المستأمنون من الفرنج الذين أنهضهم السلطان في براكيس، ليغزوا في البحر ويكونوا أيضا جواسيس للمسلمين، فرجعوا وقد غنموا، وذكروا أنهم وقعوا بحراقة كبيرة ومعها براكيس وفيها تجار معهم أموال لا تحصى، فأسروا التجار وأخذوا الأموال وجذبوها إلى الساحل، فأنعم السلطان عليهم بهذه الأكساب، فلما رأوا ذلك من السلطان أسلم أكثرهم، وكانوا قد أحضروا برسم الهدية مائدة فضة عظيمة، وعليها مكية بقيمة غالية، ومعها طبق يماثلها في الوزن، وكل فضتها قاربت قنطارا، فقال السلطان: خذوها فأنتم بها أولى (١).
وقال صاحب النوادر: وكان قد استأمن من الفرنج خلق عظيم أخرجهم الجوع إلينا، وقالوا للسلطان: "نحن نخوض البحر في براكيس، ونكسب من العدو، فيكون المكسب بيننا وبين المسلمين" فأذن لهم في ذلك، وأعطاهم برا كيس، فساروا، ثم ذكر البقية مثل ما ذكرنا. قلت: البراكيس جمع بركُوس، وهو المركب الصغير (٢).
ومنها أن في الرابع والعشرين من ذي الحجة أخذ من الفرنج بَركُوسان فيهما نيف وخمسون نفرا. وفي الخامس والعشرين منه أخذ أيضا بركوس، وأخذ فيها من الفرنج مقدمون ورؤوس وهم نيف وعشرون، منهم أربعة خيالة، ومعهم ملوطة مكللة باللؤلؤ بأزرار من الجواهر قيل أنها من ثياب ملك الألمان، وأسر فيها رجل كبير قيل أنه [ابن اخته] (٣) وهو كبير الشأن.
стр. 469
ومنها أنه لما هجم الشتاء، وهاج البحر، آمنت أهل عكا من أن يبالغ في الحصار، وذلك من شدة الأمطار وتواترها، فعند ذلك أذن السلطان ﵀ للعساكر الإسلامية في العود إلى بلادهم، ليستريحوا ويُريحوا خيولهم إلى وقت العمل، فكان أول من سار عماد الدين صاحب سنجار، لما كان عنده من القلق في طلب الدستور، وكان مسيره يوم الاثنين الخامس عشر من شوال، وسار عقيبه في ذلك اليوم ابن أخيه سنجر شاه [١٠١] صاحب الجزيرة، وذلك بعد أن أفيض عليهما من التشريف والأنعام والتحف بما لم ينعم بها على غيرهما.
وسار علاء الدين ابن صاحب الموصل في مستهل ذي القعدة من هذه السنة (١) مشرّفا مكرما، معه التحف والطرائف. وتأخر من العساكر الملك المظفر تقي الدين إلى أن دخلت سنة سبع وثمانين، وتأخر أيضا ولد السلطان الملك الظاهر غازي صاحب حلب، إلى أن سار إلى حلب ضاحي نهار الأربعاء تاسع المحرم في السنة الآتية، وسار الملك المظفر في ثالث صفر من السنة الآتية، وهي سنة سبع وثمانين.
ثم اشتغل السلطان بإدخال البدل في البلد (٢)، وأخرج من كان بها من الأمراء الذين طال شكواهم إلى السلطان من طول الحصار، وملازمة القتال ليلا ونهارا، وأمر السلطان بإدخال المير والذخائر والنفقات والعدد إليها، وكان المقدم بها يومئذ الأمير حسام الدين أبو الهيجاء، فخرج هو وأصحابه ومن كان بها من الأمراء، وكان مقدم الداخلين من الأمراء الأمير سيف الدين على [بن] (٣) المشطوب، وكان دخولهم في يوم الأربعاء السادس عشر من المحرم من السنة الآتية، وأخذ كل أمير معه ميرة سنة كاملة. وانتقل الملك العادل بعسكره إلى حَيْفا على شاطئ النهر، وهو الموضع الذي تحمل منه المراكب وتدخل إلى البلد وإذا خرجت تخرج إليه، فأقام ثمة يحث الناس على الدخول ويحرس المير والذخائر، لئلا يتطرق إليها من العدو من يتعرض لها، وكان مما دخل إليها سبع بُطس مملوءة ميرةً وذخائر ونفقات، كانت وصلت من مصر، وكان السلطان قد عبأها في مدة مديدة، وكان دخولها يوم الاثنين الثاني من ذي الحجة من هذه السنة أعني ست وثمانين.
стр. 470
ولما علم العدو بذلك وهم المقاتلون من جانب البحر، اجتمعوا في خلق عظيم، وزحفوا على البلد من جانب البر زحفةً عظيمةً، وقاربوا الأسوار، وصعدوا في سلم واحد، فاندق بهم السلم، فتداركهم أهل البلد، فقتلوا منهم خلقا عظيما، وعادت بقيتهم خائبين خاسرين. وأما البطس فإن البحر هاج هيجا عظيما، فضرب بعضها ببعض على الصخر، فهلكت وهلك جميع ما كان فيها، وهلك فيها خلق كثير، قيل: كانت عدتهم ستين نفرا، وكانت فيها ميرة عظيمة لو سلمت لكانت كفت البلد سنة كاملة، ودخل على المسلمين بذلك وهن عظيم، وخزى السلطان خزيًا شديدا، وكان ذلك أول علامة أخذ البلد والظفر به.
ذكر الحوادث التي وقعت في بلاد الشرق (١)
منها أنه كانت الحرب بين غياث الدين وسلطان شاه أخي خوارزم شاه، فإن سلطان شاه كان قد تعرض إلى بلاد غياث الدين [١٠٢] ومعز الدين ملكى الغورية، [فتجهز] (٢) غياث الدين، وخرج من فيروزكوه (٣) إلى خراسان، وبقي يتردد بين بلادها، فتصافا واقتتلا، فانهزم سلطان شاه، وأخذ غياث الدين بعض بلاده، وعاد إلى غزنة (٤).
ومنها أن عسكر الخليفة الناصر لدين الله تسلموا حديثة عانة (٥)، بعد حصار شديد (٦).
ومنها أن عز الدين (٧) صاحب الموصل حصر الجزيرة (٨) أربعة أشهر، فاستقر الصلح على أن يكون لعز الدين نصف الجزيرة وأعمالها، ويكون لسنجر شاه نصفها (٩).
стр. 471
ومنها أنه كان عبور تقي الدين الفرات وملكهـ حران وغيرها من البلاد الجزرية ومسيرة إلى خلاط وموتة. وذلك أن صلاح الدين عمه أقطعه إياها بعد أخذها من مظفر الدين، مضافا إلى ما كان بيده من الشام، وقرر معه أن يقطعه للجند ليتقوى على الإفرنج، فلما عبر الفرات سار إلى ميافارقين، وكانت له، فتجدد طمعه إلى غيرها من البلاد المجاورة لها، فقصد مدينة حاني (١) من ديار بكر، فحصرها وملكها، فلما سمع سيف الدين بكتمر صاحب خلاط جمع عسكره، فكانت أربعة آلاف نفس من الفرسان، فاقتتلوا، فلم تقف عسكر خلاط لتقى الدين بل انهزموا قدامه، فتبعهم، فسار إلى خلاط فحاصرها، ولم يبلغ منها غرضا، فعاد عنها وقصد منَازكرْد (٢)، وضيق على أهلها، فمرض تقي الدين، فمات، واستقر ولده بحماة، ورجع عسكره إلى ميافارقين، وعاد بكتمر إليها، وقوى أمره وانتزح عنه ضده (٣).
ومنها أن في سابع المحرم منها دخل ألب أرسلان ابن السلطان طغريل إلى بغداد، وهو صبي صغير وعليه كفمن وبيده سيف مشهور كأنه يطلب عفو الخليفة، وجاء فنزل بباب النوبي وباس العتبة، فبكى أهل بغداد ورق له الخليفة وأنزله دار ابن العطار مقابل المخزن، وأكرمه وأحسن نُزله وعفى عن جرائم أبيه وما فعل بابن يونس، واستدعاه إلى باب الحجرة وخلع عليه خلعه السلطنة وطوقه بطوق من ذهب، واجتمع بولي العهد أبي نصر محمد.
ومنها أن الخليفة بني دار الفلك، ورتب فيها ابنه السيد العلوي، ويقال لها بيت الجدود.
وفيها حج بالناس من بغداد طاشتكين (٤).
стр. 472
ذكر من توفى فيها من الأعيان
قاضى القضاة محيى الدين محمد بن محمد بن عبد الله، أبو حامد قاضى القضاة بالموصل ابن قاضى القضاة كمال الدين الشهرزورى الشافعى (١) دخل بغداد للاشتغال فتفقه على الفقيه أبى منصور بن الرزاز وتميز، ثم أصعد إلى الشام، وولى قضاء دمشق نيابة عن والده، ثم انتقل إلى حلب وحكم بها نيابة عن أبيه أيضاً في شهر رمضان سنة خمس وخمسين وخمسمائة، وبه عزل ابن أبى جرادة المعروف بابن العديم [١٠٣]، وبعد وفاة والده انتقل إلى الموصل وتولى قضاءها، ودرس بمدرسة والده، وبالمدرسة النظامية بالموصل، وتمكن عند صاحب الموصل عز الدين مسعود بن قطب الدين مودود بن زنكى، واستولى على جميع الأمور، وتوجه من جهته رسولا إلى بغداد مرارا، وكان محيى الدين جواداً سرياً، قيل إنه أنعم في بعض رسالته إلى بغداد بعشرة آلاف دينار أميرية، على الفقهاء والأدباء والشعراء والمحاويج. ويقال إنه في مدة حكمه بالموصل لم يعتقل غريما على دينارين فما دونهما، بل كان يوفيهما عنه، ويحكى عنه مكارم كثيرة ورئاسة ضخمة، وكان من النجباء عريقا في النجابة تام الرئاسة، كريم الأخلاق رقيق الحاشية، له في الأدب مشاركة حسنة، وله أشعار جيدة، فمن ذلك ما قاله في وصف جرادة وهو تشبيه غريب:
لها فخذا بَكرٍ وسَاقا نعامةٍ … وقادِمتا نسَرٍ وجؤجؤ (٢) ضَيْغمٍ
حبتها أفاعي الرمل بطناً وأنعمت … عليها جياد الخيل بالرأس والفمِ (٣)
وله في وصف نزول الثلج من الغيم:
ولما شاب رأس الدهر غيظاً … لما قاساه من فقد الكرام
أقام يُميط عنه الشيب غيظا … ويَنثُر ما أماط على الأنام (٤)
стр. 473
وكانت ولادته سنة عشر وخمسمائة تقريبا، وقال العماد الكاتب في الخريدة مولده سنة تسع عشرة من شعبان وتوفى سحرة يوم الأربعاء رابع عشر جمادى الأولى سنة [ستة و] (١) ثمانين وخمسمائة بالموصل ودفن بداره بمحلة القلعة ثم نقل إلى مدينة الرسول ﵇. وذكر ابن الدُبَيْثى (٢) في تاريخه: أنه نقل إلى تربة عملت له ظاهر البلد. وقال ابن خلكان: حققت ذلك فوجدتُه كما قال ابن الدُبيثى وتربته خارج باب الميدان، بالقرب من تربة قضيب البان صاحب الكرامات.
أبو نصر العتابى، صاحب الزيادات، أحمد بن محمد بن عُمر أبو نصر العتابى البخارى وقيل أبو القاسم الإمام العلامة الزاهد، من أكابر الحنفية الذين سار ذكرهم، وله تصانيف منها، الزيادات الكتاب المشهور، رواها عنه جماعة منهم، حافظ الدين وشمس الأئمة الكَرْدرى وغيرهما، وله جوامع الفقه أربع مجلدات، وشرح الجامع الكبير وشرح الجامع الصغير وغيرها، توفى يوم الأحد وقت الظهر .... (٣) سنة ست وثمانين وخمسمائة ببخارى، ودفن بكلاباذ (٤) بمقبرة القضاة السبعة، أحدهم أبو زيد الدَبُوسى. والعتابى نسبة إلى أشياء منها إلى عتَّاب بن أسيد، ومنها إلى العتابيين محلة ببغداد، ومنها إلى محلة يقال لها دار عتاب كذا قاله السمعاني] (٥).
مسعود بن على بن عبيد الله أبو الفضل بن نادر (٦) الصفار الأديب الفاضل، ولد سنة خمسة عشر وخمسمائة، وبرع في الأدب وكتب خطا حسنا نحو من مائة ربعة ومصحف [١٠٤]، وأخذ اللغة عن ابن الجو اليقى وغيره، ومن شعره:
تولوا فأولوا الجسم من بعدهم ضنا … وحرًا شديدًا في الحشا يَتزايَد
وزاد بلائى بالذين أحبهم … وللناس فيما يدّعون مقاصد
وسمع قاضى المارستان وغيره وكان ثقة، توفى في المحرم ودفن بباب حرب (٧).
стр. 474
الأمير زين الدين يوسف بن زين الدين على كُوجك بن بكتكين صاحب أربل، وهو أخو مظفر الدين بن زين الدين، كان عند السلطان صلاح الدين في هذه السنة على الخروبة، فمرض في رمضان فارتحل من الخروبة إلى الناصرة، فأقام يمرّض نفسه، وكان عنده أخوه مظفر الدين يمرضه، فيقال أنه سقاه سما فمات، وظهرت على مظفر الدين أمارات ذلك، فإنه لم يكترث لموته ولا تأسف عليه، وبلغ السلطان فحزن عليه وبكى لأنه كان صاحبه ومصافيه وشاكره وداعيه، وحزن المسلمون عليه لمكان عفته وشبابه وغربته. وقال العماد (١): أتينا مظفر الدين نعزيه ظنا منا أنه قد حزن الأخ على أخيه، فكأننا جئنا نهنيه، وإذا به مشغول عن العزاء بحيازة أمواله وأسبابه والقبض على عماله وكتابه، ثم أرسل مظفر الدين إلى السلطان يطلب منه إربل وينزل عن حران والرّها، فأجابه إلى ذلك وسأله كتابا إلى صاحب إربل في هذا المعنى وأضاف إليه شهرزور وأعمالها (٢).
قال ابن كثير (٣): وارتجع ما كان بيد مظفر الدين، وهو حران والرها وشُميساط وأعطاها الملك المظفر تقى الدين عُمر زيادة على ما بيده وهو ميّافارقين، ومن الشام حماة ومَعرّة النعمان وسليمة ومنيج وقلعة نجم وجبلة واللاذقية وبلاطنس بكسرآئيل (٤).
الأمير سوار استشهد على عكا في هذه السنة، وكان من مماليك السلطان الخواص، وقال العماد (٥): استشهد على عكا سبعة من الأمراء من جملتهم سوار المذكور، وكذلك استشهد عدة من الأكراد الشجعان، وقال استشهد في اليوم التاسع من جمادى الأولى من هذه السنة القاضى المرتضى بن قريش الكاتب، وكان قاضيا بنايلس حاكما حاذقا فاضلا ورعا ﵀.
стр. 475
الأمير قزل بن ألد كز (١) صاحب العراق، أخو البهلوان كان قد استولى على أذربيجان وغيرها، وهو الذى حجز على طغربل السلجوقى، وكان فاسقا فاتكا، نام ليلة وهو سكران فأصبح مذبوحا، وقيل قتلته خاتون زوجته.
ملك الألمان الذى أقبل في مائتى ألف مقاتل، وقيل في ثلاثمائة ألف مقاتل كما ذكرنا، وقد أهلكه الله بالغرق كفرعون كما ذكرناه مفصلا (٢).
ابن ملك الألمان الذى تولى بعد هلاك أبيه على طرسوس، هلك في آخر هذه السنة لعنه الله.
وقال العماد (٣): هلك ابن ملك الألمان بعلة الخوف، ولعله من [عرض] (٤) الجوف في ثانى عشر ذى الحجة من هذه السنة، وأدرك أباه في الدرك الأسفل من النار وأبصر [١٠٥] في جهنم مصائر أمثاله من الكفار، وزاد بهلاكه ألم الألمانية، وانسد بموته فرج الافرنجية، وتبعه في السفر إلى سقر كندُ كبيرٌ يقال له كُند "تيباط" (٥) دافع القدر فما قدر. وهلك منهم بالأمراض المختلفة العدد الكثير لعنهم الله تعالى.
стр. 476
فصل فيما وقع من الحوادث في السنة السابعة والثمانين بعد الخمسمائة
استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله، والسلطان صلاح الدين يوسف ابن أيوب مقيم على عكا، والحصار مستمر على حاله من الجانبين، وقد استكمل دخول البدل إلى البلد، والملك العادل أخو السلطان مخيم إلى جانب البحر ليتكامل دخولهم ودخول ميرتهم.
ذكر وقعات متعددة في هذه السنة بين المسلمين والإفرنج
الأولى: وقعت في مستهل ربيع الأول منها، خرج المسلمون من عكا فهجموا على مخيم الإفرنج فقتلوا منهم خلقاً كثيراً، ونهبوا شيئاً كثيراً، وسبُوا اثنتى عشرة امرأة.
الثانية: وقعت في ثالث ربيع الأول بينهم وبين يزك السلطان. وذلك أنه خرج إليهم من الإفرنج خلق عظيم، وجرى بينهم وقعة شنيعة قتل فيها من الإفرنج جماعة، وقتل منهم رجل كبير على ما قيل، ولم يُفقد من المسلمين إلا خادم كان للسلطان، سمى قراقوش، وكان شجاعاً عظيماً له وقعات كثيرة عظيمة، استشهد في ذلك اليوم. وفى بعض التواريخ ولم يقتل من المسلمين في هذه الوقعة سوى طواشى صغير عثر به فرسُه (١).
الثالثة: وقعة أسد الدين شيركوه (٢) بن ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه الكبير، صاحب حمص. وكان من حديثه أن السلطان ﵀ كان قد رسم له أن يأخذ حذره من الفرنج بطرابلس، ويأخذ بحراسة المسلمين والفلاحين من تلك الناحية، وأنه قيل له أن أهل طرابلس قد أخرجوا دشارهم (٣) وخيلهم وأبقارهم إلى مرج هناك،
стр. 477
فخرج أسد الدين على غرة منهم، وهجم على دشارهم، فأخذ منها أربع مائة رأس من الخيل، ومائة رأس من البقر، فهلك من الخيل أربعون، وسلم الباقى، وعاد إلى البلد ولم يفقد من أصحابه أحد، ولكن قتل منهم جماعة. ووصل الكتاب بذلك إلى السلطان في الرابع من صفر من هذه السنة.
وفى ليلة هذا اليوم ألقت الريح مركباً لهم على الساحل فكسرته، وكان فيه خلق كثير منهم، فبصر بهم المسلمون، فوثبوا عليهم وأخذوهم على آخرهم (١).
وقال القاضى بهاء الدين (٢): ولقد حضرت وقد عرض منهم على السلطان خمسة عشر نفراً.
الرابعة: وقعة الملك العادل أخى السلطان. وذلك أنه بلغ السلطان يوم السبت تاسع ربيع الأول منها، أن العدو يخرجون طائفة بعد طائفة ويتفسحون لبعد المسلمين عنهم، فاقتضى رأيه أن أنفذ أخاه الملك العادل، وفى خدمته خلق كثير من العساكر، وأمره أن يكمن [للعدو] (٣) وراء التل الذى كانت فيه [١٠٦] الوقعة المعروفة به، وسار هو فكمن وراء تل العياضية. وكان معه من كبار أهله: الملك المظفر (٤) تقى الدين، وابنه ناصر الدين (٥) محمد، والملك الأفضل ولده. ومعه من صغار أولاده: الملك الأشرف محمد، والملك المعظم تورانشاه (٦)، والملك الصالح إسماعيل. وكان من المعممين (٧): القاضى الفاضل، والديوان، وقاضى القضاة بهاء الدين (٨).
стр. 478
وركب جماعة من الشجعان على الخيول الجياد وناوشوا العدو و باسطوه، فلم يخرج في ذلك اليوم أحد، وكأنه كان قد وشى إليهم بجلية الأمر. إلا أنه حصل في ذلك اليوم نوع نصرة للمسلمين، فإنه وصل في أثناء ذلك اليوم خمسة وأربعون نفراً من أسارى الإفرنج، فإنهم كانوا قد أسروا في بيروت وسُيّروا إلى السلطان ﵀.
قال قاضى القضاة بهاء الدين ﵀: ولقد شاهدتُ من السلطان في ذلك اليوم رقة قلب ورحمة لم يُر أعظم منها؛ وذلك أنه كان في الأسرى شيخ كبير طاعن في السن، لم يبق في فمه ضِرس، ولا له قوة إلا مقدار ما يتحرك بها لا غير، فقال للترجمان: سَلْه ما الذى حمله على المجئ وأنت في هذا السن؟ وكم من هاهنا إلى بلاده؟ فقال: أما بلادى فبينى وبينها مسيرة عدة أشهر، وأما مجيئى فإنما كان للحج إلى القمامة. فَرَقَّ له السلطان ومَنَّ عليه، وأطلقه وأعاده راكباً على فرس إلى عسكر العدو. ولقد سأل من السلطان أولاده الصغار، أن يأذن لهم من قبل في قتل الأسرى، فلم يأذن لهم. قال القاضى بهاء الدين: فسألتُه عن سبب المنع، وكنتُ حاجبهم فيما طلبوه، فقال: لأن (١) لا يعتادوا من الصغر سفك الدماء. ولقد جرت وقعات أخرى في هذه الأيام إلى أن أخذوا عكا من المسلمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله (٢).
ذكر وصول ملك الإفرنسيس
واسمه فيليب (٣)، وكان وصوله في الثانى عشر (٤) من ربيع الأول يوم السبت في ست بُطْشٍ ملعونة مشحونة بعبدة الصليب، وحين وصل إليهم لم يبق لأحد من ملوكهم حكم، وذلك لعظمته عندهم. وكان الإفرنج كل وقت يتواعدون المسلمين بقدومه، ولاسيما لليزك ومن يقاربهم من المسلمين، وكان هذا الملعون من كبار ملوكهم لا يتقدم عليه أحد.
стр. 479
ولما قدم، كان معه من الميرة ما يحتاج إليه هو وأصحابه، وكذلك من الخيل والسلاح. وكان قد صحب معه من بلاده بازًا (١) عظيماً عنده، هائل الخلقة أبيض اللون، نادر الجنس، وكان يعزه ويحبه حباً عظيماً، فانفلت من يده وطار، وهو يدعوه فلا يجيب حتى سقط على سور عكَّا، فأمسكه أهلها وأرسلوه إلى السلطان ﵀ وكان لقدومه استبشار عظيم بالظفر به، وتفاءلوا بذلك وبذل الفرنج فيه ألف دينار فلم يجابوا (٢).
ذكر قدوم كند فرند (٣)
قدم هذا اللعين بعد ملك الإفرنسيس [١٠٧] وهو أيضاً من أكابر ملوكهم، وكان مقدماً عظيماً عندهم مذكوراً، وكان حاصر حماة وحارم في عام الرملة (٤).
ثم وصلت سفن من ملك الإنكتار - لعنه الله - واسمه جبلرت، ولم يجئ هو لاشتغاله بجزيرة قبرس.
وقال العماد الكاتب: وصل الخبر أن ملك الإنكتار (٥) وصل إلى جزيرة قبرس في السادس والعشرين من ربيع الآخر في جمع عظيم، وتقدمته إلى الجزيرة مراكب وشوانى على قصد الجزيرة، فخرج صاحب قبرس إليها واستولى عليها، وغنم أموالها، وصدم رجالها.
فلما وصل مكث متحيرا واشتغل بالقتال، وأنفذ إلى الإفرنج الذين على عكا يطلب منهم نجدة، فأنفذوا له جفرى -أخا الملك العتيق (٦) - في جموع كثيرة، وامتدت
стр. 480
الحروب بينهم، ثم تراسلوا في الصلح. واجتمع صاحب الجزيرة يملك الإنكتار، وحمل له هدايا وتحفاً. ووسع له الأزواد وبذل له الأمداد (١).
وقال صاحب النوادر (٢): وكان ملك الإنكتار هذا شديد البأس بينهم، عظيم الشجاعة، قوى الهمة، له وقعات عظيمة، وجسارة على الحرب، ولكنه دون ملك الإفرنسيس في الملك والمرتبة، ولكنه أكثر مالاً منه، وأشهر في الحرب والشجاعة، وكان الفرنج على عكا منتظرين ما يكون بين الطائفتين منهم.
ولما كان يوم الأحد سلخ ربيع الآخر من هذه السنة، وصلت كتب من بيروت تخبر أنه قد أخذ من مراكب الإنكتار، القاصدة نحو عسكر العدو، خمس مراكب وطرادة، فيها خلق كثير من الرجال والنساء والميرة والأخشاب والآلات وغير ذلك، وفيها أربعون فرساً. وكان ذلك فتحاً عظيماً، استبشر به المسلمون.
ذكر وصول العساكر الإسلامية
لما انفتح البحر وطاب الزمان، وجاء أوان عود العساكر إلى الجهاد من الطائفتين، قدم من العساكر الإسلامية خلق كثير، فكان أول من قدم علم الدين سليمان بن جندر، من أمراء الملك الظاهر غازى (٣) ولد السلطان صاحب حلب، وكان شيخاً كبيراً مذكوراً، له وقائع، ذو رأى حسن، والسلطان يحترمه ويكرمه لقدم صحبته. ثم قدم بعده مجد الدين بن عز الدين فروخشاه بن شاهنشاه صاحب بعلبك، وتتابعت بعد ذلك العساكر الإسلامية من كل صوب (٤).
ذكر زحف العدو إلى عكا
لما كان يوم الخميس الرابع من جُمادى الأولى من هذه السنة، زحف العدو إلى البلد ونصبوا عليه مناجيق سبعاً (٥). ووصلت كتب عكا بالاستنفار العظيم، والتماس شغل العدو عنهم.
стр. 481
فأعلم السلطان العساكر بالعزم على الرحيل إلى مضايقة العدو، فسار حتى وقف على الخروبة، ورتب العساكر ميمنة وميسرة وقلباً، ثم أنفذ من كشف حال العدو وحال خنادقهم، هل فيها كمين لهم أم لا؟ فعادوا وأخبروا بخلوها عن الكمين. فسار بنفسه ومعه نفر يسير من مماليكه حتى أتى خنادقهم، وصعد تلاً كان يعرف بتل الفضول، وهو قُريب العدو مشرف على خيامهم، وشاهد المنجنيقات وما يعمل منها وما هو بطال، ثم عاد سائرا إلى مخيمه (١) [١٠٨].
قال قاضى القضاة بهاء الدين: وأنا في خدمته وفى صبيحة هذه الليلة، أتاه اللصوص برضيع له ثلاثة أشهر، قد أخذوه من أمه وسرقوه (٢).
ذكر قضية الرضيع
وذلك أنه كان للمسلمين لصوص يدخلون إلى خيام العدو فيسرقون منهم ما قد روا عليه، وكان من قضيتهم أنهم أخذوا ذات ليلة طفلاً رضيعاً له ثلاثة أشهر، وكانوا سرقوه من مهده وعرضوه على السلطان، وكانوا كل ما يأخذونه يعرضونه عليه، فيخلع عليهم ويعطيهم ما أخذوه. ولما علمت أمه بذلك وجدت عليه وجدة شديداً، وباتت تلك الليلة مستغيثة بالويل والثبور، حتى وصل خبرها إلى ملوكهم فقالوا لها: "إن سلطان المسلمين رحيم القلب، وقد أذنا لك في الخروج إليه، فاخرجى واطلبيه منه، فإنه يرده عليك". فخرجت وهى تستغيث إلى يزك المسلمين، فأخبرتهم بواقعتها بترجمان كان يترجم عنها، فأطلقوها وأنفذوها إلى السلطان، فأتته وهو راكب على تل الخروبة.
قال قاضى القضاة بهاء الدين (٣): وأنا في خدمته، وفى خدمته خلق عظيم، فبكت بكاء شديدًا ومرغت وجهها في التراب، فسأل عن قصتها، فأخبروه، فرقَّ لها ودمعت عينه، وأمر بإحضار الرضيع، فمضوا فوجدوه قد بيع في السوق، فأمر بدفع ثمنه إلى
стр. 482
المشترى، وأخذه منه، ولم يزل واقفاً حتى أحضر الطفل، وسلّم إليها، فأخذته وبكت بكاء شديدًا وضمته إلى صدرها، والناس ينظرون إليها ويبكون، فأرضعته ساعة. ثم أمر بها السلطان فحُملت على فرس، وألحقت بعسكرهم. فانظر إلى هذه الرحمة الشاملة والشفقة الكاملة، وانظر إلى شهادة الأعداء له بالرقة والكرم والرأفة والرحمة.
ومليحة شهدتْ لها ضرَّاتها … والحسن ليس لحقه من ناكرٍ
قال قاضى القضاة بهاء الدين: وفى ذلك اليوم وصل ظهير الدين بن البلنكرى، وكان مقدماً من أمراء الموصل، وصل مفارقاً لهم طالباً خدمة السلطان. ولما عاد السلطان إلى مخيمه، لم يمكث إلا ساعة حتى وصل إليه الخبر بتجديد الزحف على عكا، فعاد وركب من ساعته وسار نحو البلد، فوصل وقد انفصل الحرب بدخول الليل بين الطائفتين (١).
ذكر كيفية أخذ العدو مدينة عكا من يد السلطان قسراً
لما كان صبيحة يوم الثلاثاء التاسع من جمادى الأولى، بلغ السلطان أن الإفرنج قد ضايقوا البلد، وركَّبوا عليه المناجيق، فأمر الجاووش أن يصيح بالناس، وركب وركب لركوبه العسكر فارسهم وراجلهم، وسار حتى أتى الخروبة.
وقوى اليزك بتسيير جماعة من العسكر إليهم، فلم يخرج العدوّ، واشتد زحفهم على البلد، فضايقهم السلطان مضايقة عظيمة حتى قاتلهم قتالاً شديدًا. وهجم عليهم في خنادقهم، ولم يزل كذلك حتى عادوا عن الزحف ظهيرة نهار [١٠٩] الثلاثاء المذكور. وعاد السلطان إلى خيمة لطيفة ضربت له هناك يستظل بها من الشمس، فنزل لصلاة الظهر والاستراحة ساعة، وقوّىَ اليزك، وأمر الناس بالعود إلى المخيم لأخذ شيء من الراحة. فبينما هو كذلك إذ وصل من اليزك من أخبر أن القوم قد عادوا إلى الزحف، لما أحسوا بانصراف السلطان عنهم، أشد ما كانوا أولاً، فأمر العسكر بالعود إلى جهة العدو أطلابا أطلابا. وبات هو ﵀ وجميع العسكر على تعبئة القتال.
стр. 483
ثم سار العسكر في أواخر ليلة الأربعاء عاشر جمادى الأولى، إلى تل العياضية قبالة العدوّ، وضربت له خيمة لطيفة، وأمر الناس أن ينزلوا على التل حوله على العادة في منازلهم العام الماضى، لكن جرائد، مع بقاء الثقل على الخروبة، ونازل العدوّ في ذلك اليوم مُجمعين على القتال الشديد على البلد من جميع جوانبه، والسلطان يدور بين الأطلاب ويحثهم على الجهاد ويرغبهم فيه.
ولما رأى العدوّ تلك المنازلة خافوا من الهجوم على خيمهم، فتراجعوا عن الزحف، واشتغلوا بحفظ الخنادق، وحراسة الخيام. ولما رأى السلطان فتورهم عن الزحف، عاد إلى خيمته في تل العياضية، ورتب على خنادقهم من يخبر بحالهم ساعة فساعة. ثم أنهم بالغوا في مضايقة البلد، ومبالغتهم في طم خندقه بالأتربة وغير ذلك، حتى بموتى دوابهم، ونصبوا المجانيق والدبابات والسلالم، وجُلَّ همتهم في طم خندق البلد، ألقوا فيه كل شيء حتى آل أمرهم أنهم كانوا يلقون فيه موتاهم، وكان إذا جرح منهم واحد جراحة مثخنة مؤيسة ألقوه فيه.
وأما أهل البلد فإنهم انقسموا أقساماً؛ قسم ينزلون إلى الخندق ويقطِّعون الموتى والدواب التى يلقونها فيه [قطعاً، ليسهل نقلها] (١)، وقسم ينقلون ما يقطعون إلى البحر ويلقونه فيه، وقسم يَذُبُّون عنهم ويدافعون حتى يتمكنوا من ذلك، وقسم في المنجنيقات وحراسة الأسوار، ومع هذا يداخلهم التعب والنصب، وتكاثرت شكايتهم من ذلك، وقد ابتلوا ببلية لم يبل بمثلها أحد. هذا والسلطان ﵀ لا يقطع الزحف عنهم، والمضايقة على خنادقهم بنفسه وخواصه وأولاده ليلاً ونهاراً، فحصلت هذه الأمور الشديدة ليلاً ونهاراً إلى أن وصل ملك الإنكتار (٢).
ذكر وصول ملك الإنكتار
وقد وصل هذا اللعين يوم السبت الثالث عشر من جمادى الأولى، بعد مصالحته لصاحب قبرس كما ذكرنا. وكان في جمع عظيم في خمسة وعشرين شينيا، مملوءة بالرجال والسلاح والعدو، وأظهر الإفرنج بقدومه سروراً عظيماً وفرحوا فرحاً شديدًا، حتى
стр. 484
أنهم أوقدوا تلك الليلة نيراناً عظيمة في خيامهم (١)، وبلى الثغر منه بلاء لا يشبه ما قبله فعند ذلك حركت الكوسات (٢) في البلد، وكانت علامة بينهم وبين السلطان، فحرك السلطان أيضاً كوساته، واقترب من البلد ليشغلهم عنه، وقد أحاطوا به من كل مكان ونصبوا عليه سبع مجانيق وهى تضرب البلد [١١٠] ليلاً ونهاراً، ولاسيما على برج من جهة البر، حتى أثرت فيه أثراً بيناً. وشرعوا في ردم الخندق، بما أمكنهم من دواب ميتة ومن قتل منهم ومن مات أيضاً. وقاتلهم أهل البلد وهم ينقلون ما ألقوا فيه إلى البحر (٣).
ذكر ما جرى على البطسة الإسلامية
ولما كان السادس عشر من جمادى الأولى من هذه السنة، وصلت بطسة عظيمة للمسلمين من بيروت، مشحونة بالآلات والأسلحة، والمير والرجال، والأبطال المقاتلة وكان السلطان قد أمر بتعبئتها في بيروت وتسييرها، ووضع فيها من المقاتلة خلقاً عظيماً، حتى تدخل البلد مراغمة للعدو، وكانت عدة رجالها ستمائة وخمسين (٤) رجلاً، فاعترضها ملك الإنكتار اللعين في عدة [شوان] (٥). وكان الملعون واقفاً في البحر في أربعين مركباً لا يترك شيئاً يصل إلى البلد بالكلية، فاحتاطوا بتلك البطسة من جميع جوانبها، واشتدوا في قتالها.
وجرى القضاء والقدر بأن وقف الهواء، فقاتلوا قتالاً شديدًا، وقتل من العدوّ خلق عظيم، وأحرقوا من شوانيهم شينياً كبيراً فيه خلق كثير، فهلكوا عن آخرهم، وتكاثروا على أهل البطسة، وكان مقدمهم رجلاً جيداً شجاعاً مجرباً في الحرب. فلما رأى أمارات الغلبة عليهم، ورأى أنهم لابد أن يقتلوا، قال: "والله لا نُقْتَل في أيديهم ولا نموت إلا عن عز، ولا نسلم إليهم من هذه البطسة شيئاً". فوقعوا في البطسة من جوانبها
стр. 485
بالمعاول (١) ولم يزالوا كذلك حتى فتحوا فيها من كل جانب مثل الأبواب، فامتلأت ماءً، وغرق كل مَنْ فيها وما فيها [مِنَ] (٢) الالآت والمير وغير ذلك. ولم يظفر العدوّ منها بشيء أصلاً، وكان اسم المقدم يعقوب، من أهل حلب.
وتلقف العدوّ بعض من كان فيها، وخلَّصوه من الغرق، ومثلوا به وأنفذوه إلى البلد، ليخبروهم بالواقعة. وحزن الناس لذلك حزناً شديدًا، فإنا لله وإنا إليه راجعون (٣).
ذكر حريق الدبابة الكُفْرِية
وكان من لطف الله تعالى، أنه جبر المسلمين بأن مكنهم - في اليوم الذى جرى على البطسة الإسلامية ما ذكرناه - على حريق دبابة، كان الفرنج قد اصطنعوها، وكانت هائلة عظيمة أربع طبقات: الأولى من الخشب، والثانية من الرصاص، والثالثة من الحديد، والرابعة من النحاس، وكانت مشرفة على السور وفيها المقاتلة. وقد قلق أهل البلد منها وخافوا خوفاً شديدًا، بحيث أن أنفسهم حدثتهم من خوفهم من شرها أن يطلبوا الأمان من الفرنج ويُسلموا البلد، وكانوا قد قرَّبوها من السور بحيث لم يبق بينها وبين السور إلا مقدار خمسة أذرع، على ما يشاهد برأى العين.
وأخذ أهل البلد بتواتر ضربها بالنفط ليلاً ونهاراً، حتى قدر الله حريقها واشتعال النار فيها، وظهرت لها ذؤابة نار نحو السماء، وارتفعت الأصوات بالتكبير والتهليل، ورأى [١١١] المسلمون ذلك جبراً لذلك الوهن، ونعمة بعد نقمة (٤).
ذكر عدَّة وقعات بينهم وبين المسلمين من داخل وخارج
الأولى: كانت يوم الجمعة (٥) التاسع عشر من جمادى الأولى، فإنهم زحفوا على البلد زحفاً عظيماً، وضايقوه مضايقة شديدة، وكان قد استقر بينهم وبين المسلمين أن متى زحف العدوّ عليهم دقوا كوسهم، فضربوا كوسهم، فأجابه كُوس السلطان ﵀
стр. 486
- وركب العساكر، وضايقهم السلطان من خارج، وزحف عليهم حتى هجم المسلمون عليهم في خيامهم، وتجاوزوا خنادقهم، وأخذوا القدور من أثافيها (١). وحضر من الغنيمة المأخوذة عند السلطان شيء.
ولم يزل القتال يعمل حتى أيقن العدوّ أنهم قد هُجم عليهم وأُخذوا، فتراجعوا عن قتال البلد، وشرعوا في قتال العسكر، وانتشب الحرب بينهم، ولم تزل حتى قام قائم الظهيرة، وغشى الناس من الحر أمرٌ عظيم من الجانبين، فتراجعت الطائفتان إلى خيامهم، وقد أخذ منهم التعب والحر، وانقضى القتال في ذلك اليوم (٢).
الثانية: كانت يوم الاثنين الثالث والعشرين من جمادى الأولى، فدقوا الكوس على عادتهم، فجاوبه كوس السلطان، وثار القتال بين الطائفتين، ولَجّ العدوّ في مضايقة البلد ثقةً منهم أن المسلمين لا يهجمون على خيامهم، وأنهم يهابونهم. فكذَّب العسكر ظنونهم وهجموا على الخيام أيضاً ونهبوا منها، فتراجعوا إلى قتال المسلمين، ولُحق من المسلمين جماعة عظيمة داخل خنادقهم وأسوارهم، وجرت بينهم وقعة عظيمة قتل فيها اثنان من المسلمين، وجرحت جماعة، وقتل جماعة من الإفرنج.
وقال قاضى القضاة بهاء الدين: أعجب ما في هذه الوقعة أنه كان وصل ذلك [اليوم] (٣) رجل كبير مذكور من أهل مازندران (٤) يريد الغزاة، فوصل والحرب قائمة، فلقى السلطان واستأذنه في الجهاد، وحمل حملة عظيمة استشهد فيها في تلك الساعة. ولما رأى الإفرنج دخول المسلمين إلى خنادقهم وتوغلهم إلى داخل أسوارهم، حركتهم الحمية، وبعثتهم النخوة، فخرجوا إلى ظاهر أسوارهم، وحملوا على المسلمين حملة الرجل الواحد فثبت المسلمون لهم ثباتاً (٥) عظيماً، لم يتحركوا عن أماكنهم. والتحم القتال من الجانبين، وصبر المسلمون صبر الكرام، ودخلوا في الحرب بالاقتحام.
стр. 487
ولما رأى الإفرنج صبرهم وثباتهم، أنفذوا رسولاً في غضون ذلك، فبلغ الرسول أولاً إلى الملك العادل، فأخذه وأتى به إلى خدمة السلطان ومعه الملك الأفضل أيضاً. ومضمون رسالته: أن ملك الإنكتار يطلب الاجتماع بالسلطان، فأجاب السلطان في الحال بأن الملوك لا يجتمعون إلا عن قاعدة، ولا تحسن الحرب بعد الاجتماع والمؤاكلة، وإذا أراد ذلك فلابد من تقرير قاعدة قبل هذه الحالة، بترجمان يوثق به في الوسط، فإذا استقرت القاعدة وقع الاجتماع بعد ذلك إن شاء الله تعالى وتعظم (١).
[١١٢] الثالثة: كانت يوم السبت الثامن والعشرين من جمادى الأولى، فخرج فارسهم وراجلهم على المسلمين من جانب البحر شمالى البلد، ولما علم السلطان ذلك ركب، وركب العسكر وانتشب القتال بينهم، وقتل من المسلمين بدوىّ وكردىّ، وقتل من العدوّ جماعة وأسر آخرون (٢)، منهم واحد بلبسه وفرسه، ومثل بين يدى السلطان، ولم يزل القتال يعمل إلى أن حجز الليل بينهم (٣).
الرابعة: كانت يوم الأحد التاسع والعشرين من جمادى الأولى، فخرج منهم رجالة كثيرة على شاطئ النهر الحلو، فلقيهم طائفة من اليزَك وجرى بينهم قتال عظيم، ووصلت رجالة المسلمين، والتحم الحرب فأسروا مسلماً وقتلوه وحرقوه، وأسر المسلمون منهم واحداً فقتلوه وحرقوه.
قال القاضى بهاء الدين (٤): ولقد رأيت النارين تشتعلان في زمان واحد. ثم مرض ملك الإنكتار مرضاً شديدًا أشفى فيه على الهلاك، وجُرح الإفرنسيس. وفارقهم المركيس وسار إلى بلده صُورَ خوفاً منهم أن يخرجوا مُلكها من يده، وبعث ملك الإنكتار إلى السلطان ﵀ يذكر أن عنده جوارح قد جاء بها من البحر، وهو على نيّة إرسالها إليه، ولكنها قد ضعفت وهو يطلب لها دجاجاً وطيراً ليتقوى بذلك. فعرف السلطان أنه إنما يطلب ذلك لنفسه بتلطف وحيلة، فأرسل إليه بشيء كثير من ذلك، كرماً منه وسجية وحشمة. ثم أرسل يطلب فاكهة وثَلْجاً، فأرسل إليه أيضاً، فلم يُفد معه
стр. 488
الإحسان، بل لما عوفى عاد إلى شر مما كان عليه، واشتد الحصار ليلاً ونهاراً (١)، وأرسل مَنْ بالبلد يقولون: "إن لم تعملوا معنا شيئاً غداً، وإلا طلبنا من الإفرنج أماناً"، فشق ذلك على السلطان أمراً عظيماً، وذلك لأنه قد سَيّر إليها أسلحة الشام والديار المصرية وسائر السواحل، وما كان من غنيمة وقعة حطين، ومن بيت المقدس وهى مشحونة بذلك، فعزم السلطان على مهاجمة العدوّ. فلما أصبح ركب في جيشه، وهذه هى الوقعة الخامسة، ورأى السلطان أن الإفرنج قد ركبوا من وراء خندقهم، والرجالة منهم قد ضربوا سوراً حول الفرسان وهم قطعة من حديد لا ينفذها شيء، فأحجم عنهم لما يعلم من نكول جيشه، ولكنه ما رجع إلا عن قتال إلى أن حجز الليل (٢).
ذِكرُ قدُوم بقية عسكر المسلمين
ولما كان يوم الثلاثاء (٣) سلخ جمادى الأولى، قدم من عسكر سنجار مقدّمهم مجاهد الدين بُرُنقش (٤)، فلقيه السلطان، فاحترمه وأكرمه، وكان ديناً عاقلاً محباً للغزو. وأنزله السلطان في الميسرة، وذلك بعد أن أنزله في خيمته، وفرح بقدومه فرحاً شديدًا، ثم قدم بعد ذلك قطعة عظيمة من عسكر مصر وفيهم: علم الدين كُرجى، وسيف [١١٣] الدين سنقر (٥) الدوادار. ثم قدم بعد ذلك علاء الدين ابن صاحب الموصل في عسكرهم، فلقيه السلطان بالخروبة، ونزلوا هناك إلى بكرة الغد من اليوم الثانى من شهر جمادى الأخرى، ثم أصبح سائراً حتى أتى بجحفله قبالة العدوّ، [فعرض] (٦) عسكره هناك، وأنزله السلطان في خيمته، وحمل له من التحف ما يليق بكرمه، وأنزله في الميمنة. وفى يوم الجمعة ثالث جمادى الأخرى (٧) قدمت طائفة من عسكر مصر أيضاً، واشتد مرض ملك الإنكتار بحيث شغل الفرنج مرضه، وكان ذلك جبراً عظيماً ولطفاً جسيماً من الله تعالى، فإن البلد ضعف من كان فيه ضعفاً عظيماً، واشتد بهم الخناق
стр. 489
شدة عظيمة، وهدمت المنجنيقات من السور مقدار قامة الرجل، ومع هذا فاللصوص يدخلون عليهم في خيامهم، ويسرقون أقمشتهم وتفوسهم، ويأخذون الرجال بأن يجئ جماعة إلى واحد منهم وهو نائم، ويضعون على حلقه السكين ثم يوقظونه، ويقولون له بالإشارة: "إن تكلمت ذبحناك" ويحملونه ويخرجون به إلى عسكر المسلمين، وجرى ذلك مراراً عديدة (١).
ذكر قوة زحفهم على البلد لعنهم الله
ولم يزالوا يُوالون على الأسوار بالمنجنيقات المتواصلة الضرب، بتثقيل أحجارها حتى خلخلوا أسوار البلد وأضعفوا بنيانها، وأنهك التعب والسهر أهل البلد لقلة عددهم، وكثرة الأعمال عليهم، حتى إن جماعة منهم [بقوا] (٢) ليالى عدة لا ينامون أصلاً، لا ليلاً ولا نهاراً، والخلق الذين عليهم عدد كثير يتناوبون على القتال. ولما أحسوا بضعف المسلمين، شرعوا في الزحف من كل جانب، وانقسموا أقساماً، وتناوبوا فرقاً، كلما تعبت طائفة استراحت وقام غيرهم مقامهم، وشرعوا في ذلك شروعاً عظيماً براجلهم وفارسهم، وذلك في اليوم السابع من جمادى الآخرة من هذه السنة، هذا مع عمارتهم أسوارهم الدائرة على خنادقهم بالرجالة والمقاتلة ليلاً ونهاراً.
فلما علم السلطان بذلك، ركب، وركب العسكر بأسرهم، وجمع الراجل والفارس، ووعدهم، ورغبهم، وزحف على خنادق القوم حتى دخل فيها العسكر عليهم، وجرى في ذلك اليوم قتال عظيم من الجانبين، والسلطان ﵀ كالوالدة الثكلى، [يتحرك] (٣) بفرسه من طُلْب إلى طُلْب، ويحثُّ الناس على الجهاد. والملك العادل ﵀ حمل بنفسه في ذلك اليوم مرتين، والسلطان يطوف بين الأطلاب، وينادى بنفسه: يا آل الإسلام، وعيناه تذرفان بالدمع، وكلما نظر إلى عكا، وما حلَّ بها من البلاء، وما يجرى على ساكنيها من المصاب العظيم، اشتدَّ في الزحف، والحث على القتال، ولم يطعم في ذلك اليوم طعاماً ألبتة، وإنما شرب بعض شروب كان يشير بها الطبيب.
стр. 490
وقال قاضى [١١٤] القضاة بهاء الدين ﵀: وتأخرتُ عن حضور هذا الزحف لما عرانى مرض مشوَّش لمزاجى، وكنت في الخيمة المضروبة في تل الغياضية وأنا أشاهد الجميع، ولما هجم الليل عاد السلطان إلى الخيمة بعد عشاء الآخرة، وقد أخذ منه التعب والحزن، فنام لا عن غفو، ولما كان وقت السحر أمر بدق الكوسات فركب وركبت العساكر من كل جانب، وأصبحوا على ما أمسوا عليه.
وفي هذا اليوم وصلت مطالعة من البلد يقولون فيها: "إنا قد بلغ بنا العجز إلى غاية فما بعدها إلا التسليم، ونحن في الغد - يعنى يوم الأربعاء الثامن من جمادى الآخرة - إن لم تعملوا معنا شيئاً نطلب الأمان ونسلم البلد، ونشترى مجرد رقابنا". وكان هذا أعظم خبر ورد على المسلمين وأنكاه في قلوبهم، فإن عكا كانت قد احتوت على جميع سلاح الساحل والقدس ودمشق وحلب ومصر وجميع البلاد الإسلامية، واحتوت على كبار من أمراء الإسلام وشجعانهم، كسيف الدين المشطوب، وبهاء الدين قراقوش، وغيرهما. وكان قراقوش [ملزماً] بحراستها (١) منذ نزل العدوّ المخذول عليها، وحصل للسلطان من ذلك أمر عظيم، وخيف على مزاجه التشوش، وهو لا يقطع ذكر الله والرجوع إليه في جميع ذلك، وهو صابر محتسب ملازم مجتهد. ثم صاح في العسكر منادى في جهته، فركبت الأطلاب واجتمع الراجل والفارس، واشتد الزحف في ذلك اليوم، ولم يساعده العسكر في ذلك اليوم على الهجوم عليهم، فإن الرجالة من الإفرنج وقفوا كالسور المحكم البناء بالسلاح والزنبورك (٢)، والنشاب من وراء أسوارهم، وهجم عليهم بعضهم من بعض الأطراف، فثبت المسلمون وذبّوا غاية الذب. ولم يزل الحرب يعمل بينهم بقتل وجرح حتى حجز الليل بين الطائفتين (٣).
ومن الغرائب أن امرأة منهم واقفة داخل سورهم عليها ملوطة (٤) خضراء، ولم تزل ترمى المسلمين بقوس من خشب حتى خرجت جماعة منهم، فتكاثرت عليها
стр. 491
المسلمون الذين دخلوا أسوارهم، فقتلوها وأخذوا قوسها، وحملوه إلى السلطان، فتعجب من ذلك عجباً عظيماً (١). وكذلك كان هناك إفرنجى راجل صعد سور خندقهم، وإلى جانبه جماعة يناولونه الحجارة، وهو يرميها على المسلمين الذين يلاصقون سور خندقهم، ولقد حكى من كان من الداخلين سورهم، أنه وقع فيه زهاء خمسين سهماً وحجراً، وهو يتلقاها، ولا يمنعه ذلك عما هو بصدده من الذبِّ والقتال، حتى ضربه مسلم تراق بقارورة نفط فأحرقه (٢) ".
ولما اشتد زحفهم على البلد، وتكاثروا عليه من كل جانب، وقلت رجال البلد، ضعفت نفوسهم لما رأوا الهلاك حقيقة، واستشعروا الضعف والخذلان، وتمكن العدوّ من الخنادق فملأوها، وتمكنوا من سور البلد الباشورة، فنقبوا وأشعلوا فيه النار، ووقعت بَدَنَة (٣) من الباشورة، ودخلوا فيها وقتل منهم فيها زهاء مائة وخمسين نفساً؛ وكان منهم ستة أنفس من كبارهم، فقال لهم واحد منهم: "لا تقتلونى [١١٥] حتى أُرحِّل الفرنج عنكم بالكلية"، فبادر رجل من الأكراد فقتله، وقتل الخمسة الباقية. وفى غد ذلك اليوم نادى الفرنج: "احفظوا هؤلاء الستة فإنا نُطلقكم كلُّكم بهم" فقالوا: "قد قتلناهم"، فحزنوا لذلك حزناً عظيماً، وبطلوا عن الزحف بعد ذلك ثلاثة أيام.
ذكر خروج سيف الدين المشطوب إليهم
ولما قتل المسلمون الستة المذكورين، اشتد حنق الفرنج عليهم جداً، وجاء الليل فحال بين الفريقين، ولما أصبح الصباح خرج أمير المسلمين بالبلد سيف الدين أحمد ابن على المشطوب، فاجتمع يملك الإفرنج الافرنسيس وطلب منه الأمان على أنفسهم ويتسلمون منه البلد، فلم يجبه إلى ذلك، وقال: بعدما سقط السور جئت تطلب الأمان. فأغلظ له الأمير سيف الدين في الكلام، ورجع إلى البلد في حالٍ الله بها عليم. ولما أخبر أهل البلد بذلك خافوا خوفاً شديدًا، وأرسلوا إلى السلطان يُعلمونه (٤) بذلك، وقال
стр. 492
صاحب النوادر (١): ولما جرى ذلك أخذ جماعة من أهل البلد بَركُوسًا، وهو مركب صغير، وركبوا فيه ليلاً خارجين إلى العسكر الإسلامى، وذلك في ليلة الخميس التاسع من جمادى الآخرة من هذه السنة، وكان فيهم من المعروفين [عز الدين] (٢) أرسل، وابنُ الجاولى الكبير، وسنقر الوُشاقى؛ فأما أَرْسل وسنقر فإنهما لمّا وصلا العسكر تغيّبا ولم يُعرف لهما مكان، خشيةً من نقمة السلطان ﵀، وأما ابن الجاولى فإنه ظفر به ورُمى في الزَرْدخاناه.
وفى سحرة تلك الليلة، ركب السلطان مُشعرًا أنه يريد [كبس] (٣) القوم، ومعه المساحى وآلات طمّ الخنادق، فما ساعده العسكر على ذلك، وتخاذلوا عن ذلك، وقالوا: "تخاطر بأهل الإسلام كلهم، ولا مَصلحةَ في ذلك". وفى ذلك اليوم خرج من ملك الإنكتار ثلاثة رسل فطلبوا فاكهة وثلجاً، وذكروا أن مقدم الإستبارية يخرج في الغد - يعنى يوم الجمعة - فيتحدث معكم في الصلح، فأكرمهم السلطان. ودخلوا سوق العسكر، وتفرجوا فيه، وعادوا تلك الليلة إلى عسكرهم. وفى ذلك اليوم تقدم صارم الدين قايماز النجمى حتى يدخل هو وأصحابه إلى أسوارهم عليهم، وترجَّل جماعة من أمراء الأكراد كالجناح وأصحابه، وهو أخو المشطوب، وزحفوا حتى بلغوا أسوار الفرنج، ونصب قايماز [النجمى] (٤) علمه بنفسه على سورهم، وقاتل قطعةً من النهار، وفى ذلك اليوم وصل عز الدين جُرْديك النورى، وسوق الزحف قائم، فترجَّل هو وجماعته، وقاتل قتالاً شديدًا، واجتهد الناس في ذلك اليوم اجتهاداً عظيماً.
ولما كان يوم الجمعة العاشر من جمادى الآخرة، خرج منهم ثلاثة رسل واجتمعوا بالملك العادل، وتحدثوا معه ساعةً زمانيةً، وعادوا إلى أصحابهم، ولم ينفصل الحال في ذلك اليوم.
ولما كان يوم السبت الحادى عشر من جمادى الآخرة، لبست الإفرنج بأسرهم لباس الحرب، وتحركوا حركة عظيمةً واصطفوا، وتصرّم هذا النهار [١١٦] ولم ينفصل الحال.
стр. 493
ولما كان يوم الأحد الثانى عشر من جمادى الآخرة، وصل من البلد كتب يقولون فيها: "إنا قد [تبايعنا] (١) على الموت، فلا نزال نقاتل حتى نقتل، ولا نسلّم هذا البلد ونحن أحياء، فانظروا أنتم كيف تصنعون في شغل العدوّ عنا، ولا تخضعوا لهؤلاء الملاعين، وبالله المستعان. فلما سمع السلطان هذا الخبر حطّ منديله على عينيه وبكى بكاء شديدًا. وقال إنا لله وإنا إليه راجعون. وفى يوم الثلاثاء الرابع عشر من جمادى الآخرة قدمَ الأمير سابق الدين صاحب شيزر. وفى يوم الأربعاء خامس عشره قدم بدر الدين دُلدرم ومعه تركمان كثير، وكان السلطان قد أنفذ إليه ذهباً كثيراً أنفق فيهم. وقدم في يوم الخميس سادس عشر أسد الدين شيركوه (٢)، ومع هذا اشتد الحال على أهل البلد، فأرسل السلطان إليهم أن يخرجوا من البلد في البحر، ولا يتأخروا من هذه الليلة، فتشاغل كثير منهم في جمع الأمتعة والأسلحة، وتأخروا عن المسير في تلك الليلة. فما أصبح الخبر إلا عند الإفرنج من مملوكين صغيرين، سمعا بما رسم به السلطان، فهربا إليهم، فأخبراهم بذلك، فاحتفظوا على البحر احتفاظاً عظيماً، فلم يتمكن أحد من أهل البلد أن يتحرك بحركة ولا خرج منها شيء بالكلية. فلما أصبح السلطان بعث إلى ملوك الإفرنج يطلب منهم الأمان لأهل البلد، على أن يُطلق عدتهم من الأسرى الذين تحت يده من النصارى، ويزيدهم على ذلك صليب الصلبوت (٣). فأبوا إلا أن يُطلق كل أسير تحت يده، ويُعيد إليهم جميع البلاد الساحلية التى أخذت منهم، وبيت المقدس. فأبى السلطان من ذلك. وترددت المراسلات في ذلك والحصار يتزايد على أسوار البلد، وقد تهدّم شيء كثير منها، وكلما يتهدم شيء يُعيد المسلمون عوضَه، وصَبروا على ذلك صبراً عظيماً.
ولما كان يوم الجمعة السابع عشر من جمادى الآخرة، صالحهم أهل البلد على أنهم يُسلمون البلد وجميع ما فيه من العدد والآلات والمراكب، ومائتى ألف دينار، وألف وخمسمائة أسير مجاهيل الأحوال، ومائة أسير معيّنين، وصليب الصلبوت، على أن يخرجوا بأنفسهم سالمين، وما معهم من الأموال والأقمشة المختصة بهم وذراريهم ونساءهم، وضمنوا للمركيس اللعين بعشرة آلاف دينار لأنه كان واسطةً، ولأصحابه أربعة
стр. 494
آلاف دينار. واستقرت القاعدة على ذلك بينهم وبين الإفرنج. ولما وقف السلطان على ذلك أنكر إنكاراً عظيماً، وجمع أرباب المشورة من أرباب دولته، وعرّفهم بذلك، وعزم على أن يكتب في تلك الليلة مع القوَّام وينكر عليهم المصالحة على هذا الوجه، فما أحسوا بذلك إلا وقد ارتفعت أعلام الكفر وصلبانه على أسوار البلد، وذلك في ظهيرة يوم الجمعة المذكور الآن. وصاح الإفرنج [١١٧] صيحة واحدةً، وعظمت المصيبة على المسلمين، واشتدّ حرب الموحدين، ووقع في العسكر الصياح والعويل والبكاء والنحيب، ودخل المركيسُ اللعينُ البلد ومعه أربعة أعلام للملوك، فنصب علماً على القلعة، وعلما على مئذنة الجامع، وعلماً على برج الداويّة، وعلماً على برج القتال عوضاً عن علم الإسلام. وتحيّز المسلمون الذين بها إلى ناحية من البلد معتقلين مضيقاً عليهم، وقد أسرت النساء والأبناء وغنمت منهم الأموال، وقيدت الأبطال، وأهينت الرجال. ولما رأى السلطان ذلك رأى أن التأخر عن تلك المنزلة التى هو فيها مصلحة، فإنه لم يبق وجه في المضايقة، فأمر بنقل الأثقال ليلاً إلى المنزلة التى كان عليها أولاً بشفرعم (١)، وأقام هو جريدة في مكانه لينظر ماذا يكون من أمر العدوّ وحال أهل البلد، فانتقل الناس في تلك الليلة إلى الصباح. وفى ذلك اليوم خرج ثلاثة نفر ومعهم [أقوش] (٢) حاجب بهاء الدين قراقوش - وكان لسانه - مستنجزين ما وقع عليه [عهد] (٣) الصلح من المال والأسرى، فأقاموا ليلةً ثم ساروا إلى دمشق يبصرون الأسرى، وكان مسيرهم يوم الثلاثاء الحادى والعشرين من جمادى الآخرة.
ولما كان يوم الخميس سلخ جمادى الآخرة، خرج الفرنج من جانب البحر شمالى البلد، ومن جانب القبة، وانتشروا انتشاراً عظيماً راجلهم وفارسهم، وضربوا أطلاباً للقتال، فأخبر اليَزك بذلك للسلطان، فدقوا الكوسات وركب السلطان وأنفذ إلى اليزك [وقواه] (٤) برجال كثيرة، وتوقف هو حتى ركبت العساكر الإسلاميّة واجتمعوا، فوقع بين اليَزك وبين الإفرنج وقعة عظيمة وقتال شديد قبل اتصال العساكر باليَزك، فقتل اليزك منهم زهاء خمسين نفراً وجرح خلق عظيم. وفى ذلك اليوم وصل رسل الإفرنج الذين
стр. 495
مضوا إلى دمشق لتفقد حال أسراهم، ووصل معهم من أعيان أسراهم أربعة نفر، ثم لم تزل الرسل تتردد بين الطائفتين حتى كان يوم الجمعة تاسع رجب من هذه السنة.
وفى ذلك اليوم خرج حسام الدين حسين بن باريك المهرانى، ومعه اثنان من أصحاب ملك الإنكتار، فأخبر أن ملك الفرنسيس سَار إلى صُور، وطلبوا أن يشاهدوا صليب الصلبوت، وأنه هل هو في العسكر أو حُمل إلى بغداد؟ فأحضر صليب الصلبوت، فلما رأوه سجدوا له، وألقوا أنفسهم إلى الأرض، ومرغوا وجوههم في التراب، وبعثوا يطلبون من السلطان ما أحضره من المال والأسرى والصليب، فامتنع السلطان إلا أن يُرسلوا إليه مَنْ بأيديهم من الأسارى أو يبعثوا إليه برهائن عنده على ذلك، فقالوا: لا، ولكن ترسل ذلك وترضى بأمانتنا، ففهم منهم أنهم يريدون الغدر والمكر، فلم يرسل ذلك إليهم. وأمر برد الأسارى إلى دمشق [١١٨] وبالصليب معهم مهاناً، ولما رأوا ذلك أخرجوا خيامهم إلى ظاهر خنادقهم مُبرزّين، وذلك في نهار الأربعاء الحادى والعشرين من رجب من هذه السنة، وكان الذى برز ملك الإنكتار ومعه خلق عظيم من الخيّالة والرجّالة، وأحضروا ثلاثة آلاف من المسلمين في صعيد واحد، فأوقفوهم وهم موثوقون في الحبال وحملوا عليهم حملة الرجل الواحد، فقتلوهم صبراً ضرباً وطعناً، وذلك يوم الثلاثاء السابع والعشرين من رجب (١).
وقال صاحب النوادر: وكانوا قدموا خيامهم حتى توسطوا المرج بين تل كيسان وتل العياضية، وكان اليزك الإسلامى قد تأخر (٢) إلى تل كيسان، ولما كان يوم الخميس التاسع والعشرين من رجب ركبت الإفرنج بأسرهم وقلعوا خيامهم، وحملوها على دوابهم، وساروا حتى قطعوا النهر إلى الجانب الغربى وضربوا الخيام على طريق عسقلان، وأظهروا العزم على المسير على شاطئ البحر، ولم يستبقوا من المسلمين إلا من كان أميراً أو سريًّا، أو من كان له صنعة وهم يحتاجون إليها، أو امرأة أو صبياً، ثم رحلوا نحو عسقلان (٣).