المسلمون الذين دخلوا أسوارهم، فقتلوها وأخذوا قوسها، وحملوه إلى السلطان، فتعجب من ذلك عجباً عظيماً (١). وكذلك كان هناك إفرنجى راجل صعد سور خندقهم، وإلى جانبه جماعة يناولونه الحجارة، وهو يرميها على المسلمين الذين يلاصقون سور خندقهم، ولقد حكى من كان من الداخلين سورهم، أنه وقع فيه زهاء خمسين سهماً وحجراً، وهو يتلقاها، ولا يمنعه ذلك عما هو بصدده من الذبِّ والقتال، حتى ضربه مسلم تراق بقارورة نفط فأحرقه (٢) ".
ولما اشتد زحفهم على البلد، وتكاثروا عليه من كل جانب، وقلت رجال البلد، ضعفت نفوسهم لما رأوا الهلاك حقيقة، واستشعروا الضعف والخذلان، وتمكن العدوّ من الخنادق فملأوها، وتمكنوا من سور البلد الباشورة، فنقبوا وأشعلوا فيه النار، ووقعت بَدَنَة (٣) من الباشورة، ودخلوا فيها وقتل منهم فيها زهاء مائة وخمسين نفساً؛ وكان منهم ستة أنفس من كبارهم، فقال لهم واحد منهم: "لا تقتلونى [١١٥] حتى أُرحِّل الفرنج عنكم بالكلية"، فبادر رجل من الأكراد فقتله، وقتل الخمسة الباقية. وفى غد ذلك اليوم نادى الفرنج: "احفظوا هؤلاء الستة فإنا نُطلقكم كلُّكم بهم" فقالوا: "قد قتلناهم"، فحزنوا لذلك حزناً عظيماً، وبطلوا عن الزحف بعد ذلك ثلاثة أيام.
ذكر خروج سيف الدين المشطوب إليهم
ولما قتل المسلمون الستة المذكورين، اشتد حنق الفرنج عليهم جداً، وجاء الليل فحال بين الفريقين، ولما أصبح الصباح خرج أمير المسلمين بالبلد سيف الدين أحمد ابن على المشطوب، فاجتمع يملك الإفرنج الافرنسيس وطلب منه الأمان على أنفسهم ويتسلمون منه البلد، فلم يجبه إلى ذلك، وقال: بعدما سقط السور جئت تطلب الأمان. فأغلظ له الأمير سيف الدين في الكلام، ورجع إلى البلد في حالٍ الله بها عليم. ولما أخبر أهل البلد بذلك خافوا خوفاً شديدًا، وأرسلوا إلى السلطان يُعلمونه (٤) بذلك، وقال
стр. 492
صاحب النوادر (١): ولما جرى ذلك أخذ جماعة من أهل البلد بَركُوسًا، وهو مركب صغير، وركبوا فيه ليلاً خارجين إلى العسكر الإسلامى، وذلك في ليلة الخميس التاسع من جمادى الآخرة من هذه السنة، وكان فيهم من المعروفين [عز الدين] (٢) أرسل، وابنُ الجاولى الكبير، وسنقر الوُشاقى؛ فأما أَرْسل وسنقر فإنهما لمّا وصلا العسكر تغيّبا ولم يُعرف لهما مكان، خشيةً من نقمة السلطان ﵀، وأما ابن الجاولى فإنه ظفر به ورُمى في الزَرْدخاناه.
وفى سحرة تلك الليلة، ركب السلطان مُشعرًا أنه يريد [كبس] (٣) القوم، ومعه المساحى وآلات طمّ الخنادق، فما ساعده العسكر على ذلك، وتخاذلوا عن ذلك، وقالوا: "تخاطر بأهل الإسلام كلهم، ولا مَصلحةَ في ذلك". وفى ذلك اليوم خرج من ملك الإنكتار ثلاثة رسل فطلبوا فاكهة وثلجاً، وذكروا أن مقدم الإستبارية يخرج في الغد - يعنى يوم الجمعة - فيتحدث معكم في الصلح، فأكرمهم السلطان. ودخلوا سوق العسكر، وتفرجوا فيه، وعادوا تلك الليلة إلى عسكرهم. وفى ذلك اليوم تقدم صارم الدين قايماز النجمى حتى يدخل هو وأصحابه إلى أسوارهم عليهم، وترجَّل جماعة من أمراء الأكراد كالجناح وأصحابه، وهو أخو المشطوب، وزحفوا حتى بلغوا أسوار الفرنج، ونصب قايماز [النجمى] (٤) علمه بنفسه على سورهم، وقاتل قطعةً من النهار، وفى ذلك اليوم وصل عز الدين جُرْديك النورى، وسوق الزحف قائم، فترجَّل هو وجماعته، وقاتل قتالاً شديدًا، واجتهد الناس في ذلك اليوم اجتهاداً عظيماً.
ولما كان يوم الجمعة العاشر من جمادى الآخرة، خرج منهم ثلاثة رسل واجتمعوا بالملك العادل، وتحدثوا معه ساعةً زمانيةً، وعادوا إلى أصحابهم، ولم ينفصل الحال في ذلك اليوم.
ولما كان يوم السبت الحادى عشر من جمادى الآخرة، لبست الإفرنج بأسرهم لباس الحرب، وتحركوا حركة عظيمةً واصطفوا، وتصرّم هذا النهار [١١٦] ولم ينفصل الحال.
стр. 493
ولما كان يوم الأحد الثانى عشر من جمادى الآخرة، وصل من البلد كتب يقولون فيها: "إنا قد [تبايعنا] (١) على الموت، فلا نزال نقاتل حتى نقتل، ولا نسلّم هذا البلد ونحن أحياء، فانظروا أنتم كيف تصنعون في شغل العدوّ عنا، ولا تخضعوا لهؤلاء الملاعين، وبالله المستعان. فلما سمع السلطان هذا الخبر حطّ منديله على عينيه وبكى بكاء شديدًا. وقال إنا لله وإنا إليه راجعون. وفى يوم الثلاثاء الرابع عشر من جمادى الآخرة قدمَ الأمير سابق الدين صاحب شيزر. وفى يوم الأربعاء خامس عشره قدم بدر الدين دُلدرم ومعه تركمان كثير، وكان السلطان قد أنفذ إليه ذهباً كثيراً أنفق فيهم. وقدم في يوم الخميس سادس عشر أسد الدين شيركوه (٢)، ومع هذا اشتد الحال على أهل البلد، فأرسل السلطان إليهم أن يخرجوا من البلد في البحر، ولا يتأخروا من هذه الليلة، فتشاغل كثير منهم في جمع الأمتعة والأسلحة، وتأخروا عن المسير في تلك الليلة. فما أصبح الخبر إلا عند الإفرنج من مملوكين صغيرين، سمعا بما رسم به السلطان، فهربا إليهم، فأخبراهم بذلك، فاحتفظوا على البحر احتفاظاً عظيماً، فلم يتمكن أحد من أهل البلد أن يتحرك بحركة ولا خرج منها شيء بالكلية. فلما أصبح السلطان بعث إلى ملوك الإفرنج يطلب منهم الأمان لأهل البلد، على أن يُطلق عدتهم من الأسرى الذين تحت يده من النصارى، ويزيدهم على ذلك صليب الصلبوت (٣). فأبوا إلا أن يُطلق كل أسير تحت يده، ويُعيد إليهم جميع البلاد الساحلية التى أخذت منهم، وبيت المقدس. فأبى السلطان من ذلك. وترددت المراسلات في ذلك والحصار يتزايد على أسوار البلد، وقد تهدّم شيء كثير منها، وكلما يتهدم شيء يُعيد المسلمون عوضَه، وصَبروا على ذلك صبراً عظيماً.
ولما كان يوم الجمعة السابع عشر من جمادى الآخرة، صالحهم أهل البلد على أنهم يُسلمون البلد وجميع ما فيه من العدد والآلات والمراكب، ومائتى ألف دينار، وألف وخمسمائة أسير مجاهيل الأحوال، ومائة أسير معيّنين، وصليب الصلبوت، على أن يخرجوا بأنفسهم سالمين، وما معهم من الأموال والأقمشة المختصة بهم وذراريهم ونساءهم، وضمنوا للمركيس اللعين بعشرة آلاف دينار لأنه كان واسطةً، ولأصحابه أربعة
стр. 494
آلاف دينار. واستقرت القاعدة على ذلك بينهم وبين الإفرنج. ولما وقف السلطان على ذلك أنكر إنكاراً عظيماً، وجمع أرباب المشورة من أرباب دولته، وعرّفهم بذلك، وعزم على أن يكتب في تلك الليلة مع القوَّام وينكر عليهم المصالحة على هذا الوجه، فما أحسوا بذلك إلا وقد ارتفعت أعلام الكفر وصلبانه على أسوار البلد، وذلك في ظهيرة يوم الجمعة المذكور الآن. وصاح الإفرنج [١١٧] صيحة واحدةً، وعظمت المصيبة على المسلمين، واشتدّ حرب الموحدين، ووقع في العسكر الصياح والعويل والبكاء والنحيب، ودخل المركيسُ اللعينُ البلد ومعه أربعة أعلام للملوك، فنصب علماً على القلعة، وعلما على مئذنة الجامع، وعلماً على برج الداويّة، وعلماً على برج القتال عوضاً عن علم الإسلام. وتحيّز المسلمون الذين بها إلى ناحية من البلد معتقلين مضيقاً عليهم، وقد أسرت النساء والأبناء وغنمت منهم الأموال، وقيدت الأبطال، وأهينت الرجال. ولما رأى السلطان ذلك رأى أن التأخر عن تلك المنزلة التى هو فيها مصلحة، فإنه لم يبق وجه في المضايقة، فأمر بنقل الأثقال ليلاً إلى المنزلة التى كان عليها أولاً بشفرعم (١)، وأقام هو جريدة في مكانه لينظر ماذا يكون من أمر العدوّ وحال أهل البلد، فانتقل الناس في تلك الليلة إلى الصباح. وفى ذلك اليوم خرج ثلاثة نفر ومعهم [أقوش] (٢) حاجب بهاء الدين قراقوش - وكان لسانه - مستنجزين ما وقع عليه [عهد] (٣) الصلح من المال والأسرى، فأقاموا ليلةً ثم ساروا إلى دمشق يبصرون الأسرى، وكان مسيرهم يوم الثلاثاء الحادى والعشرين من جمادى الآخرة.
ولما كان يوم الخميس سلخ جمادى الآخرة، خرج الفرنج من جانب البحر شمالى البلد، ومن جانب القبة، وانتشروا انتشاراً عظيماً راجلهم وفارسهم، وضربوا أطلاباً للقتال، فأخبر اليَزك بذلك للسلطان، فدقوا الكوسات وركب السلطان وأنفذ إلى اليزك [وقواه] (٤) برجال كثيرة، وتوقف هو حتى ركبت العساكر الإسلاميّة واجتمعوا، فوقع بين اليَزك وبين الإفرنج وقعة عظيمة وقتال شديد قبل اتصال العساكر باليَزك، فقتل اليزك منهم زهاء خمسين نفراً وجرح خلق عظيم. وفى ذلك اليوم وصل رسل الإفرنج الذين
стр. 495
مضوا إلى دمشق لتفقد حال أسراهم، ووصل معهم من أعيان أسراهم أربعة نفر، ثم لم تزل الرسل تتردد بين الطائفتين حتى كان يوم الجمعة تاسع رجب من هذه السنة.
وفى ذلك اليوم خرج حسام الدين حسين بن باريك المهرانى، ومعه اثنان من أصحاب ملك الإنكتار، فأخبر أن ملك الفرنسيس سَار إلى صُور، وطلبوا أن يشاهدوا صليب الصلبوت، وأنه هل هو في العسكر أو حُمل إلى بغداد؟ فأحضر صليب الصلبوت، فلما رأوه سجدوا له، وألقوا أنفسهم إلى الأرض، ومرغوا وجوههم في التراب، وبعثوا يطلبون من السلطان ما أحضره من المال والأسرى والصليب، فامتنع السلطان إلا أن يُرسلوا إليه مَنْ بأيديهم من الأسارى أو يبعثوا إليه برهائن عنده على ذلك، فقالوا: لا، ولكن ترسل ذلك وترضى بأمانتنا، ففهم منهم أنهم يريدون الغدر والمكر، فلم يرسل ذلك إليهم. وأمر برد الأسارى إلى دمشق [١١٨] وبالصليب معهم مهاناً، ولما رأوا ذلك أخرجوا خيامهم إلى ظاهر خنادقهم مُبرزّين، وذلك في نهار الأربعاء الحادى والعشرين من رجب من هذه السنة، وكان الذى برز ملك الإنكتار ومعه خلق عظيم من الخيّالة والرجّالة، وأحضروا ثلاثة آلاف من المسلمين في صعيد واحد، فأوقفوهم وهم موثوقون في الحبال وحملوا عليهم حملة الرجل الواحد، فقتلوهم صبراً ضرباً وطعناً، وذلك يوم الثلاثاء السابع والعشرين من رجب (١).
وقال صاحب النوادر: وكانوا قدموا خيامهم حتى توسطوا المرج بين تل كيسان وتل العياضية، وكان اليزك الإسلامى قد تأخر (٢) إلى تل كيسان، ولما كان يوم الخميس التاسع والعشرين من رجب ركبت الإفرنج بأسرهم وقلعوا خيامهم، وحملوها على دوابهم، وساروا حتى قطعوا النهر إلى الجانب الغربى وضربوا الخيام على طريق عسقلان، وأظهروا العزم على المسير على شاطئ البحر، ولم يستبقوا من المسلمين إلا من كان أميراً أو سريًّا، أو من كان له صنعة وهم يحتاجون إليها، أو امرأة أو صبياً، ثم رحلوا نحو عسقلان (٣).
стр. 496
ذكر رحيل الإفرنج صَوْب عَسْقلان
لما كان يوم الأحد مستهل شعبان من هذه السنة، اشتعلت نيران الإفرنج في سُحرة ذلك اليوم، وكانت عادتهم أنهم إذا أرادوا الرحيل أشعلوا النيران، ولما أخبر السلطان بذلك أمر أن لا يبقى أحد إلا على ظهر مركبه، فهلك من الناس في ذلك اليوم قماش كثير ولاسيما من السوقة لقلّة الظهر. ثم سارت الإفرنج في ذلك اليوم قاصدين عسقلان، وركب السلطان أيضاً بعساكره وهم يُسايرونهم ويُعارضونهم منزلة منزلة ومرحلةً مرحلةً، وكانت مدة إقامة السلطان على عكا صابراً مرابطاً سبعةً وثلاثين شهراً، وجملة من قتل من الفرنج في هذه المدة خمسون ألفاً، وسار السلطان حتى أتى القيمون (١) عصر ذلك النهار، فنزل وقد ضرب له دهليز وشقة دائرة حوله لاغير، واستحضر الجماعة وأكلوا شيئاً، واستشارهم فيما يفعل، فاتفقوا على أنهم يرحلون بكرة غد، وقد رتَّب حول الفرنج يَزَكا يبيتون حولهم ويرتبون أمرهم. ولما كان صباح الاثنين الثانى من شعبان أرحل السلطان الثقل وأقام هو يترصد أخبار العدوّ، فلم يصل إليه شيء من خبرهم حتى [علا] (٢) النهار، ثم سار في إثر الثقل حتى أتى قريةً يقال لها الصبّاغين، فجلس ساعةً يترقب أخبارهم فلم يأت خبرٌ، فسار حتى أتى منزلة يقال لها عيون الأساود.
قال قاضى القضاة بهاء الدين (٣) ﵀: ولما بلغنا المنزل رأى السلطان خيماً فسأل عنها، فقيل أنها خيم الملك العادل، فعدل إليه، فأقام عنده ساعةً ثم أتى خيمته، وفُقِدَ الخبز في هذا المنزل بالكلية. وغلا الشعير حتى بلغ الربع بدرهم، وبلغ الرطل من البقسماط بدرهمين. ثم ركب السلطان وسار إلى موضع يسمى الملاحة يكون منزلاً [١١٩] للعدو إذا رحلوا من حَيْفا، وكان السلطان قد سبق لتفقد المكان، وأنه هل يصلح للمصاف أم لا، وتفقد أراضى قيسارية بأسرها إلى الشعراء، وعاد إلى المنزل بعد دخول وقت العشاء.
стр. 497
قال قاضى القضاة بهاء الدين (١): وكنت في خدمته وسألته عما بلغه من خبر العدوّ، فقال: وصل إلينا من أخبرنا من أصحابنا أنهم ما رحلوا من حَيفا إلى عصر يومنا هذا - يعنى يوم الاثنين ثانى شعبان. وبات تلك الليلة وأصبح مقيماً بتل الزلزلة ينتظر العدوّ، ونادى بالعرض، فركب الناس على ترتيب المصاف ميمنةً وميسرة وقلباً، ثم عاد إلى الخيمة، وعاد الناس وقد علا النهارُ، ثم صلى السلطان الظهر، وجلس يُطلق أثمان الخيول المجروحة وغيرها إلى عشاء الآخرة؛ من مائة دينار إلى مائة وخمسين وزائداً وناقصاً، ثم اتفق الرأى على رحيل الثقل في عصر ذلك اليوم إلى مجدل يابا (٢). ونزل الثقل بالمجدل بكرة النهار، وأقام هو بالمنزل جريدة إلى الصباح، ثم رحلوا إلى جهة العدوّ، فرحل الثقل من وقت العشاء ولم يبق مع السلطان إلا خف من الأقمشة، وبات في منزله إلى الصباح يوم الأربعاء الرابع من شعبان.
ثم ركب وسار إلى رأس النهر الجارى إلى قيسارية (٣)، ونزل جريدة هناك. وبلغ الرطل من البقسماط إلى أربعة دراهم، والربع من الشعير إلى درهمين ونصف، ولم يوجد الخبز أصلاً، ونزل في خيمته قريب صلاة الظهر، وأكل شيئاً وصلى الظهر، وركب إلى طريق العدو، فلم يعد إلى أن دخل وقت العصر، فجلس ساعةً ثم ركب في آخر نهار الأربعاء المذكور، ولما نزل أتى باثنين من الفرنج قد أخذهما اليزك، فأمر بضرب رقابهما، وأصبح مقيماً بتلك المنزلة ثم ركب في وقت عادته، وأشرف على قيسارية وقد وصله الخبر بأن العدوّ لم يرحل بعد من الملّاحة، وأحضر عنده اثنان أيضاً. فقُتلا أشر قتلة. ثم أحضر بين يديه منهم فارس مذكور، وسأل عنه عن أحوال القوم وعن السعر، فأخبر بالترجمان أن أول يوم من رحيلنا من عكا كان الإنسان يشبع بستة قراطيس (٤)، فلم يزل السعر يَغلو حتى صار يشبع بثمانية قراطيس. وسأله عن سبب تأخرهم في المنازل فقال: لانتظارهم وصول المراكب بالرجال والميرة. وسأل عن القتلى والجرحى في يوم رحيلهم، فقال: كثير. وسأل عن الخيل التى هلكت في ذلك، فقال: مقدار أربع مائة فرس. ثم أمر يضرب عنقه.
стр. 498
ثم ركب السلطان بعد صلاة العصر يوم الخميس خامس شعبان إلى أن نزل وأتى باثنين، فأمر بقتلهما، وذكر له في وقت السحر أن العدو تحركوا نحو قيسارية وقارب أوائلهم البلد، فرحل إلى تلّ قريب من التلّ الذى كانوا عليه، وضربت الخيام، ومضى السلطان يرتاد الأراضى الكائنة في طريق العدو لينظر أيها تصلح للمصاف، ونزل قريب الظهر، واستدعى أخاه الملك العادل، وعلم الدين سليمان [١٢٠] بن جندر، وأخذ رأيهما. ثم صلى الظهر، وركب للتشوف على العدو وتنسم أخبارهم، وأتاه اثنان منهم قد أُخِذا، فأمر بقتلهما، ثم باثنين آخرين كذلك، وذلك في يوم الجمعة سادس شعبان. وجئ باثنين آخرين في آخر النهار فقتلا أيضاً، ثم لما أصبح نادى الجاووش (١) لعرض أجناد الحلقة (٢) لاغير. فركب إلى جهة العدو، ووقف على تلول مُشرفة على قيسارية، وكان الإفرنج قد وصلوا إليها يوم الجمعة، ولم يزل يعرض هناك إلى أن علا النهار، ثم نزل وأكل شيئاً ثم ركب إلى أخيه وعاد بعد صلاة الظهر، فصلى الظهر ثم أتى بأربعة عشر من الإفرنج وامرأة فرنجّية بينهم أسيرة، وهى بنت فارس مشهور، ومعها أسيرة مسلمة قد أخذتها فأُطلقت المسلمة، ودفع الباقون إلى الزرْدخاناه (٣)، وهؤلاء أوتى بهم من بيروت، أخذوا في مركب من جملة عدد كثير، فقتلوا في نهار السبت سابع شعبان.
ولما كان صبيح يوم الأحد الثامن من شعبان، ركب السلطان على عادته ثم نزل، فجاء من أخبر أن العدوّ على حركة، وأتى ثانى آخر وأخبر أنهم ساروا، فأمر بالكوس فَدُقّ، وركب وركب الناس معه وساروا.
стр. 499
قال القاضى بهاء الدين (١): وكنتُ في خدمته حتى أتى بمن معه إلى عسكر العدو، فصف الأطلاب حوله، وأمر بقتالهم، وأخرج الجاليش، وكان النشاب بينهم كالمطر، وكان على الفرنج الكبورة (٢) الثخينة والزرديات السابغة المحكمة، بحيث يقع النشاب ولا يؤثر، وهم يرمون بالزَنبورك فتجرح خيول المسلمين.
قال القاضى: ولقد شاهدتهم وينغرز نشابة في ظهر واحد منهم ونشابتان وثلاثة إلى عشرة وأكثر، وهو يسير على هيئته من غير انزعاج. وكانوا قد انقسموا ثلاثة أقسام: الأول الملك العتيق جُفرى وأهل الساحل معه في المقدمة، والإنكتارُ والفرنسيسيّة معه في الوسط، وأصحاب طبرية وطائفة أخرى في الساقة، وفى وسط القوم برج على عجلة كالمنارة عليها علمهم، وسوق الحرب قائمة بين الطائفتين، وهم يسيرون سيراً [رفقاً] (٣)، ومراكبهم تسير في مقابلتهم في البحر إلى أن أتوا المنزل ونزلوا، وكانت منازلهم قريبة لأجل رجالتهم، فإن المستريحين منهم كانوا يحملون أثقالهم وخيمهم على ظهورهم لقلة الظهر بينهم. فانظر إلى هؤلاء الأشقياء وإلى صبرهم على هذه الأعمال من غير أجر ومن غير دنيا ودين، وكان منزلهم ذلك قاطع نهر قيسارية (٤).
ولما كانت صبيحة الاثنين التاسع من شعبان وصل من أخبر أنهم ركبوا سائرين، فركب السلطان أول الصبح وطلب الأطلاب وأخرج من كل طلب جاليشاً، وسار يطلب القوم وهم سائرون على عادتهم ثلاثة أطلاب، ثم لم يزل المسلمون يعكرون عليهم ويحملون عليهم إلى أن أتوا إلى نهر يقال له نهر [١٢١] القصب (٥)، فنزلوا عليه وقد قام قائم الظهيرة. وفى ذلك اليوم قتل من فرسان الإسلام وشجعانهم أياز الطويل من مماليك السلطان، ودفن على تل مشرف على البركة، ونزل السلطان بالثقل على البركة، وهو
стр. 500
موضع تجتمع فيه مياه كثيرة، وأقام هناك إلى بعد صلاة العصر، ثم رحل وأتى نهر القصب فنزل عليه، وكان المسلمون يشربون من أعلاه والإفرنج من أسفله، وليس بينهم إلا مسافة يسيرة. وبلغ الربع من الشعير في هذه المنزلة إلى أربعة دراهم، والخبز كثير موجود، والرطل منه بنصف درهم. وأقام السلطان ينتظر رحيل الفرنج حتى يرحل في مقابلتهم، وباتوا تلك الليلة هناك، ووقع حرب بين طائفتين منهم ومن المسلمين، فقتل من الفرنج جماعة، ومن المسلمين اثنان، وأسر منهم ثلاثة، فسأل السلطان عنهم، فأخبروا أن ملك الإنكتار كان قد حضر عنده بعكا اثنان بدويان، فأخبرا بقلة عدد العسكر الإسلامى، ولما جرى بالأمس ما جرى طلب البدويين فضرب أعناقهما، وأخبروا أن المجروحين منهم كانوا زهاء ألف نفس والمقتولين جماعة.
ولما كان ظهر يوم الثلاثاء العاشر من شعبان رأى السلطان التقدم على العدوّ، فدق الكوس، ورحل ودخل في شعرا أرسوف (١) حتى توسطها إلى تل عند قرية تسمى دير الراهب (٢)، فنزل هناك، وأقام ينتظر بقية العساكر إلى صباح الأربعاء الحادى عشر من شعبان، وجاء من أخبار العدو أنهم مقيمون على نهر القصب، وأنه لحقهم نجدة من عكا في ثمانى بُطس كبار، ويزك الإسلام حولهم يواصلون بالأخبار التى تتجدد، وجرى بين اليزك وحَشّاشة الإفرنج قتال، وجرحت جماعة من الطائفتين.
وكان مقدم اليزك علم الدين سليمان بن جندر، فأرسلوا (٣) إليه من يسمع كلامه (٤)، وحاصل سؤالهم الاستئذان بالاجتماع بالملك العادل، فأذن له السلطان في المضى إليهم، فجاء إلى اليزك، وبلغ الخبر إلى ملك الإنكتار فاجتمعا بنجوة من أصحابهما، وكان يترجم بينهما ابن الهَنفرى، وهو من فرنج الساحل، من كبارهم.
стр. 501
قال قاضى القضاة (١): ورأيته يوم الصلح وهو شاب حسن، إلا أنه محلوق اللحية على شعارهم. وكان كلام الرسول في الصلح طلبُ عَودِ البلاد إليهم كما كانت، وأن المسلمين ينصرفون إلى بلادهم، فلما سمع العادل هذا الكلام أغلظ في الجواب، وجرت منافرة اقتضت أنهم رحلوا.
أما الإفرنج فإنهم نزلوا على موضع يسمى البركة، مشرف على البحر. وأصبح السلطان في صبيحة يوم الجمعة الثالث عشر من شعبان في قرية تسمى بركة، وأقام مُطَلَّب الأطلاب متطلعاً إلى أخبار الإفرنج، فأحضر عنده اثنان منهم قد مسكهما اليَزك، فأمر بضرب أعناقهما.
ذكر وقعة أرسُوف
ولما كان يوم السبت الرابع عشر من شعبان، [١٢٢] بلغ السلطان أنهم قد تحركوا للرحيل نحو أرسوف، فركب ورتّب الأطلاب للقتال، وعزم في ذلك اليوم على مصافة القوم، وأخرج من كل طُلب جاليشًا، وسار الإفرنج حتى قاربوا شعراء أرسوف وبَساتينها، وأطلق عليهم الجاليش النشاب، ولزّتهم الأطلاب من كل جانب، والتحم القتال، واضطرمت نارها من الجانبين، وقتل منهم طائفة وجرح آخرون، واشتدوا في السير لعلهم يبلغون المنزلة فينزلون، واشتد بهم الأمرُ، والسلطان ﵀ يطوف من الميمنة إلى الميسرة ويحث الناس على الجهاد.
وقال قاضى القضاة بهاء الدين (٢): لقيتُه مراراً وليس معه إلا صَبِيَّان بجنيبين (٣) لا غير، ولقيتُ أخاه وهو على مثل حاله والنشاب يتجاوزهما. ولم يزل الأمر يشتد بالإفرنج، وطمع فيهم المسلمون طمعاً عظيماً، حتى وصل أوائل راجلهم إلى بساتين أرسوف، ثم اجتمعت الخيالة وتواضعوا على الحملة، فحملوا حملةً واحدة من الجوانب كلها؛ فحملت طائفة على الميمنة، وطائفة على الميسرة، وطائفة على القلب، فاندفع الناس بين أيديهم.
стр. 502
قال قاضي القضاة (١): واتفق أني كنتُ في القلب، ففرّ القلب فرارًا عظيمًا، فنويت التحيز إلى الميسرة، وكانت أقرب إلىَّ، فوصلتها وقد انكسرت كسرةً عظيمةً، ثم نويت التحيز إلى الميمنة، فرأيتها وقد فرت أشدّ فرارًا من الكل، ثم نويت التحيّز إلى [طُلُب] (٢) السلطان، وكان ردْءًا (٣) للأطلاب كلها كما جرتَ عادته بذلك، فأتيتُه ولم يبق معه إلا سبعة عشر مقاتلًا لا غير، لكن الأعلام كلها باقية والكُوساتُ تدق لا تفتر. ثم وقف الإفرنج خوفًا من الكمين، وقاتلوا وهم واقفون، ثم حملوا (٤) حملة ثانية، ففروا (٥) وهم يقاتلون في فرارهم، ثم وقفوا وحملوا حملة ثالثة حتى بلغوا إلى [رؤوس] (٦) روابي هناك وأعالي تلول، ووقفوا هناك.
وأما المسلمون بعد أن فرّوا، فكان كل من رأى طُلب السلطان واقفًا والكوسات تدق، يستحي أن يتجاوزه، ويخاف غائلة ذلك ويعود إلى الطُلب، فاجتمع عند الطلب خلق عظيم، ووقف الإفرنج قبالتهم على [رؤوس] (٧) التلال والرّوابي، والسلطان ﵀ واقف في طلبه لا يتحرك، حتى رجعت الناس بأسرهم. وخاف الإفرنج أن يكون في الشعراء كمين، فتراجعوا يطلبون المنزلة، وعاد السلطان إلى تل في أوائل الشعراء، ونزل عليه بلا خيمة.
وقال قاضي القضاة: ولقد كنتُ في خدمته وأسلّيه وهو لا يقبل، وظللت عليه بشيء (٨)، وأُحضر بين يديه شيء من الطعام، فتناول شيئًا يسيرا، وبعث الناس خيولهم للسقي، فإن الماء كان بعيدًا، وجلس ينتظر الناس حتى يعودوا من السقي، والجرحى يحضرون [١٢٣] بين يديه وهو يداويهم ويحملهم. وقتل في ذلك اليوم رجّالة كثيرة، وجرحت جماعة من الطائفتين. وكان ممن ثبت في هذه الوقعة الملك العادل، والطواشي قايماز النجمي، والملك الأفضل - ولد السلطان - صدم في ذلك اليوم وانفتح دمل كان في وجهه، وسال منه دم كثير على وجهه وهو صابر محتسب. وثبت أيضًا في
стр. 503
ذلك اليوم طُلب الموصل ومقدمه علاء الدين، وشكره السلطان على ذلك. وتفقد الناس بعضهم بعضا، فَوُجد وقد استشهد جماعة من العسكر عرف منهم: أمير شكار مُوَسّك، وكان رجلًا شجاعًا معروفًا، وقايماز العادلي وكان مذكورًا، وأبغوش وكان شجاعًا، أسف السلطان عليه. وجرح خلق كثير وخيول كثيرة، وقتل من العدو جماعة وأسر واحد فَأُحِضر، فأمر السلطان بضرب عنقه، وأخذت منهم خيول أربعة، ثم أمر السلطان أن يتقدم الثقل إلى العوجاء (١)، وكان الإفرنج نزلوا على قبلي أرسوف، ونزل الثقل قاطع النهر المعروف بالعوجاء في منزلة خضرة على جانب النهر.
ووصل السلطان في آخر النهار، وازدحم الناس على القنطرة، ونزل السلطان على تل مشرف على النهر ولم يعبر الخيمة، وأقام السلطان إلى سحرة ليلة الأحد الخامس عشر من شعبان من هذه السنة، ثم دَقّ الكوس وركب، وركب الناس، وسار راجعًا إلى جهة العدو حتى وصل إلى أرسوف، وصَفّ الأطلاب للقتال رجاء خروج الإفرنج ومسيرهم حتى يصاد مهم، فلم يرحل الملاعين في ذلك اليوم لما نالهم من التعب والجراحات، فأقام السلطان قبالتهم إلى آخر النهار، ثم عاد إلى منزلته التي بات بها، فبات بها ليلة الاثنين السادس عشر.
ولما كان يوم الاثنين دَقّ الكوس وركب، وركبت الناس، وسار نحوهم. وبلغ إليه خبرهم أنهم رحلوا طالبين جهة يافا، وسار حتى قاربهم جدًا، ورتب الأطلاب ترتيب القتال، وأخرج الجاليش، وأحدق العسكر الإسلامي بالقوم، وألقوا عليهم من النشاب ما كاد أن يسد الأفق، وقاتلوهم قتالًا عظيمًا، والملاعين لم يحملوا بل حفظوا نفوسهم وساروا مصطفين على عادتهم حتى أتوا نهر العوجاء، وهو النهر الذي كان منزل المسلمين أعلاه، فنزلوا في أسفله، وعبر بعضهم النهر، وأقام الباقون من الجانب الشرقي.
وعاد السلطان أيضًا إلى الثقل، ونزل في خيمته وأكل الطعام، ثم أتي بأربعة من الإفرنج وقد أخذتهم العرب، ومعهم امرأة، [فدفعوا] (٢) إلى الزردخاناه، وأقام السلطان
стр. 504
بقية اليوم في تلك المنزلة، وكتب الكتب إلى الأطراف باستحضار بقية العساكر، وحَضَرَ من أخبره أنه قتل من الإفرنج يوم أرسوف خيول كثيرة، وأن العرب تتبعوها فعدوها فزادت على مائة، وجرح أيضًا من خيل المسلمين شيء كثير، ثم أمر السلطان برحيل [١٢٤] الجمال إلى الرملة، وبات في تلك المنزلة.
ولما كان يوم الثلاثاء السابع عشر من شعبان، صلى الصبح ورحل، ورحل معه الثقل الصغير، وسار يريد الرملة، وأتي باثنين من الإفرنج فأمر بضرب أعناقهما. وجاء خبر من اليزك بأن الإفرنج رحلوا قاصدين يافا، وسار السلطان إلى الرملة ونزل في الثقل الكبير، وأتي باثنين من الإفرنج أيضًا فسألهما عن أحوال القوم، فذكرا أنهم ربما يقيمون في يافا أيامًا، وفي أنفسهم عمارتها وإشحانها بالرجال والعُدَد (١).
فأحضر السلطان أرباب المشورة وشاورهم في أمر عسقلان، هل تخرب أم تبقى؟ واتفق الرأي على أن يتخلف الملك العادل ومعه طائفة من العسكر قريبًا من العدو لأجل الأخبار، وأن يسير السلطان إلى عسقلان ويخرِّبها خشية من أن يتولاها الإفرنج فيأخذوا من بها من المسلمين، ويأخذوا بها القدس الشريف، ويقطعوا بها طريق مصر، فعند ذلك أمر السلطان برحيل الثقل الجمالي من أول الليل، وأمر ولده الملك الأفضل أن يسير عقيب الثقل في نصف الليل.
ثم سار السلطان في سحرة يوم الأربعاء الثامن عشر من شعبان، ووصل إلى يُبْنَي (٢) فنزل بها، وأخذ الناس راحة، ثم رحل وسار حتى أتي أرض عسقلان بعد صلاة العصر، وقد ضربت خيمته بعيدًا منها شمالي البلد في أرض طيبة، فبات بها مهمومًا بسبب تخريب عسقلان، وما نام تلك الليلة إلا قليلًا (٣).
قال قاضي القضاة بهاء الدين: فطلبني في تلك الليلة وقت السحر، وشرع في حديث عسقلان وتخريبها، وأحضر ولده الملك الأفضل وشاوره في ذلك وقال: والله لإن أفقد أولادي بأسرهم أَحبّ إلىَّ من أن أهدم منها حجرًا واحدًا، ولكن إذا قضى الله بذلك وعيّنه لحفظ مصلحة المسلمين فكيف أصنع (٤)؟.
стр. 505
ذكر تخريب عسقلان (١)
ثم استخار السلطان، فأوقع الله في قلبه أن المصلحة في تخريبها لعجز المسلمين عن حفظها عن الإفرنج، فاستحضر الوالى بها - يُدْعي قيصر - من كبار مماليكهـ وذوي الآراء منهم، فأمره أن يضع فيها المعاول، وذلك في سحرة ليلة الخميس التاسع عشر من شعبان، وقسم السور على الناس، وجعل لكل أمير وطائفة من العسكر بدنة معلومة، وبرجًا معلومًا يخربونه، ودخل الناس البلد ووقع فيه الضجيج والبكاء، وكانت بلدة نضرة حسنة خفيفة على القلب، محكمة الأسوار، عظيمة البناء، مرغوبًا في سكنها، فلحق الناس حزن عظيم، وعظم عويل أهلها وبكاؤهم على مفارقة أوطانهم، وشرعوا في بيع ما لا يمكن حمله، وبيع ما يساوي عشرة دراهم بدرهم واحد، ورمي الناس أقمشتهم بالثمن البخس حتى بيع [اثنا] (٢) عشر طيرًا من الدجاج بدرهم واحد. واختبط البلد، وخرج أهله إلى العسكر بذراريهم ونسائهم خشية [١٢٥] أن يهجم الإفرنج البلد، وبذلوا في الكرى أضعاف ما يُساوي، فقوم إلى مصر، وقوم إلى الشام، وقوم يمشون لم يقع لهم كراء، وجرت أمور كثيرة وبليَّة عظيمة لعلها لم يكن مثلها. وكان السلطان بنفسه وولده الملك الأفضل يستعملان الناس في التخريب والحث عليه، خشية أن يسمع الإفرنج فيحضرون ولا يمكن تخريبها، وبات الناس على أشد حال من التعب والنصب.
وفي تلك الليلة، حضر من الملك العادل مَنْ أخبر أن الإفرنج تحدثوا معه في الصلح، وأن ابن الهنفري جاء إليه وتحدث معه في ذلك. فرأى السلطان أن ذلك مصلحة لما رأى في أنفس الناس من الضجر والملالة من القتال والمصابرة، وكثرة ما علاهم من الديون، وكتب إليه يسمح له في الحديث في ذلك، وفوَّض أمر ذلك إليه. وأصبح يوم الجمعة العشرين من شعبان على الإصرار على التخريب واستعمال الناس فيها. وأباح لهم الهُرْي (٣) الذي كان ذخيرة في البلد، للعجز عن نقله وضيق الوقت والخوف من لحوق الإفرنج. وأمر بتحريق البلد، فأضرمت النيران في البيوت والآدر، فاضطرمت النيران فيها، وأرمي الناس غالب أقمشتهم للعجز عن نقلها.
стр. 506
وفي أثناء ذلك الأخبار تتواتر من جانب الإفرنج بعمارة يافا، وأن كل وقت يجري بينهم وبين اليزك وقعات.
قال قاضي القضاة بهاء الدين: ولم يزل التخريب والتحريق يعملان في عسقلان وأسوارها إلى سلخ شعبان من هذه السنة، وكانت عظيمة البناء بحيث أن بعض سوره كان عرضه تسعة أذرع، وفي مواضع عشرة أذرع، وذكر بعض الحجارين للسلطان - وأنا حاضرٌ - أن عرض السور الذي ينقبون فيه مقدار رمح. قال القاضي: ووصل في أثناء ذلك جرديك بكتاب فيه أن الإفرنج قد تفسحوا وصاروا يخرجون من يافا ويغيرون على البلاد القريبة منها، فلو تحرك السلطان لعله يبلغ عرضه منهم في غِرّتهم، فعزم السلطان على الرحيل، وعلى أن يُخَلِّف حجارين في عسقلان. ومعهم مَنْ يحميهم حتى يستقصوا في التخريب. ثم رأى أن يتأخر إلى أن يحرق البُرج المعروف بالإستبار، وكان برجًا مشرقًا على البحر كالقلعة المنيعة.
ثم أصبح السلطان يوم الاثنين مستهل رمضان من هذه السنة، أمر ولده الملك الأفضل أن يُباشر ذلك بنفسه وخواصه. قال القاضي: ولقد رأيته يحمل الخشب هو وخواصه لتحريق البرج، ولم يزل الناس ينقلون الأخشاب ويحشونها في البرج حتى أمتلأ، ثم أطلقت فيها النار، وبقيت النار تشتعل فيها يومين وليلتين.
ثم (١) رحل السلطان ليلة الثلاثاء الثاني من رمضان من نصف الليل، ووصل إلى يُبْنَي ضحوة نهار الثلاثاء، ونزل في خيمة أخيه الملك العادل واستخبر منه الأخبار، ثم قام ونزل في خيمته، [١٢٦] وبات تلك الليلة في تلك المنزلة.
ذكر رحيل السلطان إلى الرملة
ولما أصبح السلطان يوم الأربعاء الثالث من رمضان (٢)، رحل إلى جهة الرملة، فسار حتى أتاها ضحوة النهار ونزل بالثقل الكبير هناك نزول إقامة، ورتب العسكر ميمنة وميسرة وقلبًا، ومد السماط للناس، ثم أخذ بعض راحة. ثم ركب بين الصلاتين (٣) وسار إلى لدّ، فرآها ورأى بيعتها وعِظَم بنائها، فأمر بتخريبها وتخريب قلعة الرملة أيضًا، ووقع
стр. 507
الخراب في الموضعين في ذلك اليوم، وفرق الناس لتخريب المكانين، وأباح ما فيهما من التبن والشعير في الأهراء (١) السلطانية، وأمر من كان بهما من المقيمين بالانتقال إلى المواضع العامرة، وما كان بقي في المكانين إلا نفر يسير، ثم عاد السلطان إلى خيمته.
ولما أصبح يوم الخميس الرابع من رمضان، أقام [الحجارون] (٢) في المكانين، ورتب عندهم من يستخدمهم في ذلك، وهو يتردد إليهم في الأصائل، ثم وقع له أن يسير خفية في نفر يسير ليشاهد أحوال القدس الشريف، وخلف أخاه العادل في العسكر يحث الناس على الخراب، فسار من أول الليل حتى أتي بيت نوبة فبات بها حتى أتى الصبح وصلى، وسار حتى أتى القدس الشريف في يوم الجمعة خامس رمضان المذكور، وصلى الجمعة. وأقام ذلك اليوم يتفقد أحوال الناس وأحوال القدس في عمارته وميرته وعدته وغير ذلك، وظفر بنفر من النصارى معهم كتب إلى الإفرنج، فضرب أعناقهم. ولم يزل مقيمًا في القدس إلى يوم الاثنين الثامن من رمضان. ولما كان يوم الاثنين خرج قاصدًا العسكر بعد صلاة الظهر، فبات في بيت نوبة (٣).
ذكر مجيء معز الدين صاحب ملطية
وفي يوم الاثنين المذكور وصل صاحب ملطية معز الدين قيصر شاه بن قليج أرسلان وافدًا على السلطان، مستنصرًا [به] (٤) على إخوته وأبيه؛ لأنهم كانوا قصدوا أخذ بلده منه، فلقيه الملك العادل عند لُدّ، واحترمه وأكرمه، ثم لقيه بعده الملك الأفضل ولد السلطان، وضربت خيمتُه قريبًا من لُدّ.
وفي تاريخ النويري (٥): وسبب قدومه أن والده فرّق مملكته على أولاده وأعطى ولده هذا ملطية، ثم تغلب بعض إخوته على أبيه وألزمه أن يأخذ ملطية من أخيه المذكور، فخاف من ذلك، فسار إلى السلطان ملتجئًا إليه فأكرمه السلطان وزوجه بابنة أخيه الملك العادل. وعاد معز الدين إلى ملطية في ذي القعدة وقد انقطع طمع أخيه فيه.
стр. 508
وقال ابن الأثير (١): ولما ركب السلطان صلاح الدين ليُودع معزّ الدين قيصرشاه المذكور، ترّجل معز الدين له، فترجّل السلطان صلاح الدين ﵀، ولما ركب عضده قيصر شاه وركبه، وكان علاء الدين [خرمشاه] (٢) بن عز الدين مسعود صاحب الموصل مع السلطان إذ ذاك، فسوى ثياب السلطان، فقال بعض الحاضرين في نفسه: ما بقيت تبالي يا ابن أيوب بأى موتة تموت، يُركِبكَ مَلكٌ سجلوقي، ويُصلح قماشك مَلِكٌ أتابكيٌ زنكي (٣). [١٢٧]
وفي يوم قدوم معز الدين وصل الخبر إلى العسكر أن جماعة من الحشاشين من الإفرنج خرجوا يحشّون، فحمل عليهم اليزك الإسلامي، ووصل الخبر إلى عسكرهم فخرجت في نصرتهم جماعة، وجرى بينهم وبين اليزك قتال، وذكر بعض الأسرى أنه كان معهم ملك الإنكتار، وأن شخصًا من المسلمين قصد طعنه، فحال بينه وبينه فرنجي، فَقُتِلَ الفرنجى وجرح هو (٤).
ذكر عود السلطان إلى العسكر
ولما كان يوم الثلاثاء تاسع رمضان المذكور، وصل السلطان إلى العسكر، ولقيه الناس مستبشرين بقدومه، وأقام يحثُّ على الخراب. ولم تزل أخبار العدو عنده، ولم تزل تقع بين اليزك وبين الإفرنج وقعات، ويسرق العرب من خيولهم وبغالهم ورجالهم (٥). وفي أثناء ذلك اليوم وصل رسول من المركيس، يذكر أنه يصالحهم بشرط أن يعطي صيدا وبيروت، على أن يجاهر الفرنج بالعداوة، ويقصد عكا ويحاصرها ويأخذها منهم. فأجاب السلطان وسير إليه العدل النجيب، وكان المركيس هذا خبيثًا ملعونًا، وكان لما استشعر من الإفرنج أَخْذِ بلده صور منه، استعصم بها وانحاز عن الفرنج، ولذلك أجاب السلطان إلى كلامه وسير العدل النجيب مع رسوله يوم الجمعة ثاني عشر رمضان، واشترط عليه أن يبدأ بمجاهرة عداوة القوم، وحصار عكا وأخذها، وإطلاق من بها مَنْ الأسرى، وكذلك مَنْ كان بصور من الأسرى، فإذا فعل ذلك يُسَلِّم إليه صيدا وبيروت (٦).
стр. 509
ولما كان يوم السبت الثالث عشر من رمضان، تأخر السلطان بالعسكر إلى الجبل ليتمكن الناس من إنفاد دوابهم إلى العلوفة، فإنهم كانوا على الرملة قريبين من الإفرنج، فنزل السلطان على تل بجبل النطرون (١) بالثقل الكبير وجميع العسكر ما عدا اليزك، وذلك بعد خراب الرملة ولُدّ، ويوم نزوله هناك أمر بتخريب النطرون، وكانت قلعة منيعة (٢).
وفي السابع عشر من رمضان جاء الخبر من اليزك بأخبار طيبة؛ منها خبر هلاك الإفرنسيس، وكان موته في أنطاكية عن مرض عرض له.
ومنها أن ملك الإنكتار عاد إلى عكا، وذلك لما صح عنده مراسلة المركيس إلى السلطان فيما ذكرنا (٣).
ذكر مسير الملك العادل إلى القدس
وفي يوم الجمعة التاسع عشر من رمضان، اقتضى الحال تَفَقُّد أحوال القدس والنظر في عمائره، فتعين لذلك الملك العادل، فسار إليه وعاد منه إلى العسكر يوم الأحد الحادي والعشرين من رمضان.
وفي أثناء هذه الأيام وصل كتاب من الملك المظفر تقي الدين، يخبر أن قزل أرسلان صاحب ديار العجم قفز عليه أصحابه فقتتلوه، وكان قتله في أوائل شعبان من هذه السنة (٤).
وفي هذا اليوم وصلت مراكب للعدو، قيل: إنها وصلت من عكا، وإن ملك الإنكتار فيها بجماعة عظيمة [١٢٨] وقصده عمارة عسقلان، وقيل: قصده أخذ القدس (٥).
ووصل جماعة من الأساري كانوا في عكا أخذهم اليزك في موضع يقال له: الزيب (٦). ووصل رسول قزل أرسلان، كان قد سيره قبل موته، ورسول ابن أخيه أينانج،
стр. 510
ورسول من ملك الإنكتار، ومعه حصان إلى الملك العادل في مقابل هدية كان أحضرها إليه. ووصل خبر وفاة حسام الدين بن لاجين بدمشق بسبب مرض عرض عليه، فحزن عليه السلطان. ووصل كتاب من سأمه يذكر فيه أن الإبرنس صاحب أنطاكية - لعنه الله - أغار على جبلة واللاذقية، وأنه كسر كسرة عظيمة، وقتل منه جماعة وعاد إلى أنطاكية مخذولًا (١).
ووصل رسول من ملك الإنكتار يقول: "خربت البلاد وهلك المسلمون والإفرنج، وتلفت الأموال، وقد بلغ الأمر غايته وما تم شيء من الوسط سوى القدس والصليب والبلاد. أما القدس فإنه متعبدنا ما تفرغ (٢) عنه ولو لم يبق منا أحد. وأما البلاد فيعاد إلينا من حد الأردن، وأما الصليب فإنه خشبة، لا مقدار لها عندكم وهو عندنا عظيم، فيمن السلطان بهذه الأشياء علينا، ونصطلح ونستريح من هذا العناء الدائم.
ولما وقف السلطان على هذا أجاب بأن القدس لنا كما هو لكم، بل هو أعظم عندنا مما هو عندكم، فإنه مَسْرى نبينا ﷺ ، ومجمعُ الملائكة، فلا يُتصور أن نتركه، ولا نقدر على التلفظ بذلك بين المسلمين. وأما البلاد فهي لنا في الأصل واستيلاؤكم عليها طارئٌ لضَعْفِ مَنْ كان بها من المسلمين في ذلك الوقت، وأما الصليب فحرقه عندنا قربة عظيمة لا يجوز لنا أن نفرط فيها إلا لمصلحة راجعة إلى الإسلام (٣).
ذكر هروب شيركوه بن باخل الكردي من عكا
وكان أسيرًا فيها، ووصل إلى عسكر الإسلام في أواخر يوم الجمعة السادس والعشرين من رمضان، وكان من الأمراء، من الأكراد الزرزارين (٤)، وأخبر أنه هرب ليلة الأحد الحادي والعشرين من رمضان، وكان ادخر له حبلا في مخدة، وكان الأمير حسين بن باريك ادخر له حبلًا في بيت الطهارة، فاتفقا على الهروب، ونزلا من طاقة كانت في
стр. 511
بيت الطهارة، وانحدرا من السور الأول، وعَبَر شيركوه من الباشورة (١)، وكان ابن باريك حالة نزوله انقطع به الحبل، ونزل شيركوه سليمًا، وأنه أتى إليه وحركه فلم يتحرك، فخاف إن مكث أُخذ، فتركه وانصرف واشتد هربًا في قيوده حتى أتي تل العياضية وقد طلع الصبح، فكمن في الجبل حتى علا النهار وكسر قيوده، وسار فستر الله عليه حتى أتى العسكر في الوقت المذكور، وأخبر أن سيف الدين بن المشطوب (٢) ضُيّق عليه، وقطعوا عليه قطيعة عظيمة من خيل وبغال وأموال، وأن ملك الإنكتار أتي عكا وأخذ كل مَنْ كان له بها؛ مِنْ خَدَمِهِ ومماليكهـ وأقمشته، ولم يَخّل له فيها شيئًا، وأن فلاحي الجبل يُمدّونه بالميرة مَدًا عظيمًا. وأن طغرل [١٢٩] السلاحدار أخذ خواصّ مماليك السلطان، فهربوا قبل هروب شيركوه (٣).
ذكر بقية الأخبار
منها أن يوم الاثنين التاسع والعشرين من رمضان، استدعى الملك العادل قاضي القضاة بهاء الدين وأحضر جماعة من الأمراء؛ علم الدين سليمان، وسابق الدين، وعز الدين بن المقدم، وحسام الدين بشارة، وقال لهم: إن ملك الإنكتار أرسل إليه يقول له: إن العادل يتزوج بأخته، وكان قد استصحبها معه من صقلية، وكانت زوجة صاحبها ومات عنها، وأن يكون مستقرها بالقدس، وإن أخاها يعطيها بلاد الساحل التي في يده من عكا إلى يافا وعسقلان وغير ذلك، ويجعلها ملكة الساحل، وإن السلطان يُعطى الملك العادل جميع ما في يده من بلاد الساحل، ويجعله ملك الساحل، ويكون ذلك مضافًا إلى ما في يده من البلاد والإقطاعات، وإنه يسلم إليهم صليب الصلبوت، وتكون القرايا للداوية والإستبار، وأنا أفك أساراكم وأنتم تفكون أسارانا، فإذا استقر الصلح على هذا يرحل ملك الإنكتار إلى بلاده في البحر، وينفصل الأمر (٤). قال القاضي: حمل الملك العادل هذه الرسالة علينا، وجعلني المتكلم فيها.
стр. 512
قال القاضي: فلما حضرنا عند السلطان عرضت عليه هذا الحديث، فبادر إلى الرضى بهذه القاعدة معتقدًا أن ملك الإنكتار لا يوافق على ذلك أصلًا، وأن هذا منه هُزْؤٌ ومكر. قال: ثم عدنا إلى الملك العادل وعَرَّفناه بذلك (١).
ولما كان يوم الأربعاء الثاني من شوال، سار ابن النحّال رسولًا من جانب العادل والسلطان أيضًا إلى ملك الإنكتار، فلما عرف بقدومه أنفذ إليه من قال له: إن الملكة أخت الملك عرض عليها أخوها حديث النكاح، فسخطت من ذلك وغضبت، وأنكرت أن يكون ذلك إنكارًا شديدًا، وحلفت أنه لا يكون أصلًا. ثم قال أخوها: إن كان الملك العادل يتنصّرُ فأنا أتمم ذلك. فعاد الرسول بذلك وأخبر العادل والسلطان به، وتحقق ما قاله السلطان (٢).
ومنها أن في يوم السبت خامس شوال وصل الخبر من الأصطول الإسلامي أنه استولى على مراكب الإفرنج، وفيها مركب يعرف بالمسطح، قيل: إنه كان فيه خمسمائة نفر وأكثر، وإنه قتل منهم خلق عظيم، واستبقى منهم أربعة أنفس وهم كبار مذكورون، فسُرَّ المسلمون بذلك وضربت البشائر (٣).
ومنها أن في يوم الأحد سادس شوال جمع السلطان أكابر الأمراء وأرباب الآراء من دولته وشاورهم في أن الإفرنج قد أجمعوا على الخروج، وأنه كيف يصنع في ذلك؟ فاتفقت آراؤهم على الإقامة في منزلتهم بعد تخفيف الأثقال، فإن خرجوا لاقوهم.
وفي عشية هذا اليوم استأمن من الإفرنج اثنان فارسان، وأخبرا أنهم على عزم الخروج يوم الثلاثاء، وأنهم زهاء عشرة آلاف فارس، ولكن لا يُعرف قصدهم. ثم جاء أسير مسلم هرب منهم وأخبر أنهم قد أظهروا الخروج إلى الرملة، ثم يتفقون فيها على موضع يقصدونه. ولما تحقق السلطان ذلك [١٣٠] أمر بتجهّز العسكر وشدّ الرايات، وإنه يقف قبالتهم إن خرجوا. وسار يوم الاثنين (٤) حتى أتي قِبلي كنيسه الرملة، فخيم هناك
стр. 513
وبات ليلته. ولما كانت صبيحة يوم الثلاثاء [الثامن] (١) من شوال رتب الأطلاب للقتال، وسلّم اليزك للملك العادل، وتبعه مَنْ يُريد الغزاة، وكان وصل جماعة من الروم يريدون الغزاة فخرجوا في جملة من خرج، فلما وصلوا إلى خيام الإفرنج هجم عليهم المماليك السلطانية (٢)، ورموا عليهم النشاب، وقامت الإفرنج وركبوا وصاحوا صيحة الرجل الواحد، وحملوا في جمع كثير، [فنجا] (٣) من سبق به جواده، وظفروا بجماعة قتلوا منهم ثلاثة نفر على ما قيل، ونقلوا خيامهم إلى يازور (٤)، وأقام السلطان بلقاء منازلهم إلى الصباح (٥).
ولما كان يوم الجمعة الحادي عشر من شوال، ركب السلطان نحوهم فأشرف عليهم ثم عاد. قال القاضي: ثم استدعاني وجماعة من الأمراء، وأمر الناس بإبعادهم عن الخيمة، فأخرج كتابًا من قبائه وفضّه، ووقف عليه، وبدرت (٦) دموعه وغلبة البكاء والنحيب حتى وافقه الآخرون على ذلك، مِنْ غير علم السبب. ثم ذكر أن الملك المظفر قد توفي إلى رحمة الله، وأمر بكتم ذلك عن الناس؛ لئلا يصل الخبر إلى العدو، وكانت وفاته في تاسع عشر رمضان يوم الجمعة على ما نذكره إن شاء الله (٧).
ومنها أن في يوم السبت الثاني عشر من شوال، وصل من دمشق كتاب من النواب بها، وفي طيِّه كتاب من بغداد من الديوان العزيز النبوى، يتضمن فصولًا ثلاثة: الأول: الإنكار على الملك المظفر في مسيره إلى بكتمر. والثاني: الإنكار على مظفر الدين في مسك حسن بن قفجاق، والأمر بإعادته إلى الكرخاني (٨). والثالث: فيه الأمر بإحضار
стр. 514
القاضي الفاضل إليهم (١) ليُقال له أشياء. فأجاب السلطان عن الأول بأنا لم نأمره بذلك. وعن الثاني بأن ابن قفجاق لا يخفى ما تصدى له من الفساد في الأرض. وعن الثالث بأنه (٢) كثير الأمراض وقوته تضعف عن الحركة (٣).
ومنها أن في السادس عشر من شوال أمر السلطان لحلقة بالكمين للعدوّ في بطون أودية هناك، واستصحبوا جمعًا من العرب، فلما استقر الكمين في موضعه ظهرت العرب في مناوشتهم، وكان منهم جماعة تخرج للاحتشاش والاحتطاب فنزل عليهم العرب، ووقع الحرب وقام الصياح، فركب جماعة من خيالة الإفرنج وانهزمت العرب بين أيديهم إلى جهة الكمين، فخرج الكمين ووقع الصياح وانهزموا بين أيديهم نحو خيامهم، ثم ركب منهم خلق عظيم فالتحم القتال، وقتل جمع من الطائفتين، وأُسرت جماعة من العدو وأُخذت منهم خيول كثيرة، وانفصل الحرب قبيل الظهر من نهار الأربعاء السادس عشر من شوال. واستشهد في هذه الوقعة أبان المهراني وكان شجاعًا معروفًا، وجاولي غلام الغيدى، وصرع أياز المعظمي، وجرح عدّة جماعة، وقتل من العدو زهاء ستين نفرة، وأسر فارسان معروفان، واستأمن اثنان بخيولهما وعدتهما.
ومنها أنه وصل في بقية هذا اليوم رسول من عند ملك الإنكتار إلى الملك العادل يعتب عليه من جهة الكمين، وأنه [١٣١] يطلب الاجتماع به فأذن له (٤).
ولما كان يوم الجمعة الثامن عشر من شوال، سار الملك العادل ومعه من الأطعمة والتجملات والتحف مما تحمل من ملك إلى ملك، وجاء إليه ملك الإنكتار في خيمته فأكرمه العادل واحترمه، ووصل معه أيضًا من طعامهم الذين يختصون به، فأتحف به الملك العادل على وجه المطايبة، فتناول منه العادل، وتناول هو وأصحابه من طعام العادل، وقدَّم إليه ما كان حمله معه، وتحادثا معظم ذلك النهار، وتفاصلا عن تواد ومطايبة.
стр. 515
ومنها أن في يوم السبت التاسع عشر من شوال، حضر صاحب صيدا بين يدي السلطان ومعه جماعة، وأكرمه السلطان إكراما عظيما، وقدم بين يديه طعامًا، ولما رفع الطعام "خلا" (١) بهم، وكان من حديثه أن السلطان يصالح المركيس صاحب صور، وقد انضم إليه جماعة من أكابر الإفرنج، وكان من شرط الصلح معه إظهار عداوته للإفرنج البحريّة، وبذل له السلطان موافقة على ذلك.
ومنها أن في عشية ذلك اليوم، وصل رسول ملك الإنكتار وهو ابن الهنفرى، وهو من أكابرهم وملوكهم، ومن أولاد ملوكهم، وفي صحبته شيخ كبير ذكروا أن عمره مائة وعشرون سنة، فأحضره السلطان، وكانت رسالته أن الملك يقول: "إني أحب صداقتك ومودّتك، وأنت قد ذكرت أنك أعطيت هذه البلاد الساحلية لأخيك، فأريد أن تكون حكمًا بيني وبينه، وتقسم البلاد بيني وبينه، ولابد أن يكون لنا علقة بالقدس، ومقصودي أن تقسم البلاد بحيث لا يكون عليك لوم من المسلمين، ولا علىَّ لوم من الإفرنج"، فأجابه في الحال بوعد جميل، ثم أذن لهم بالعود في الحال.
قال قاضي القضاة بهاء الدين ﵀: ثم التفتَ إلىَّ السلطانُ في المجلس وقال لي: "متى صالحناهم لم نأمن غائلتهم، فإني لو حدث بي حادث الموت لا تكاد تجتمع هذه العساكر، وتقوى الإفرنج، والمصلحة الثبات على الجهاد حتى نخرجهم من الساحل أو يأتينا الموت". هذا كان رأيه وغرضه ﵀ (٢).
ولما كان يوم الاثنين "الحادي والعشرين (٣) " من شوال، جمع السلطان الأمراء الكبار وأرباب المشورة في الدولة، وذكر لهم القاعدة التي التمسها المركيس واستقر الأمر من جانبه عليها، وهي أخذ صيدا، وأن يكون معنا على الفرنج، ويقاتلهم ويجاهرهم بالعداوة، وذكر لهم القاعدة التي التمسها ملك الإنكتار؛ وهي أن يكون له من القرايا الساحلية مواضع معينة، وتكون لنا الجبليات بأسرها، وتكون القرى كلها مناصفة، وعلى
стр. 516
هذين القسمين يكون لهما "قُسوس" (١) في "بيع (٢) " القدس الشريف وكنائسه، وشرح لهم السلطان هاتين القاعدتين، وأخذ رأيهم في ترجيح أحد القسمين وهما من جانب ملك الإنكتار ومن جانب المركيس. فرأى أرباب الرأى أنه إن كان صلح فليكن مع ملك الإنكتار، فإن مصافاة الفرنج للمسلمين بحيث يخالطونهم بعيدة [١٣٢]، وصحبتهم غير مأمونة. وانفض الناس، وبقى الأمر مترددًّا في الصلح، والرسل تتواصل في تقرير قواعد الصلح؛ وهي أن ملك الإنكتار كان قد بذل أخته للملك العادل بطريق التزويج، وأن تكون البلاد الساحلية والفرنجية لهما، أما الفرنجية فلها من جانب الملك، وأما الإسلامية فللملك العادل من جانب السلطان. وكان آخر رسائلهم من الملك أن قال: "إن معاشر دين النصرانية أنكروا علىَّ كون أختي تحت مسلم بدون مشاورة الباب، وهو كبير دين النصرانية ومقدمه، وها أنا أسير إليه رسولا يعود في ستة أشهر، فإن أذن في ذلك فبها ونعمت، وإلا زوجتك ابنة أختي، وما أحتاج في ذلك إلى إذن الباب".
هذا كله وسوق الحرب قائم والقتال عمال، وصاحب صيدا يركب مع الملك العادل في الأحيان، ويشرف على الإفرنج وقتال المسلمين لهم، وكلما رآه الإفرنج مع الملك العادل تحركوا للصلح؛ خوفًا من انكسار الشوكة لهم. ولم يزل الحال كذلك إلى يوم الجمعة الخامس والعشرين من شوال، ففي يوم الجمعة أصبح السلطان عازمًا على الرحيل، وسار إلى تل الجزر لارتياد المنزل، فنزلت الناس كلهم مع السلطان، ولما عرف الإفرنج بعود السلطان رحلوا عائدين، وأقام السلطان بتل الجزر، ثم وصل إلى جهة القدس الشريف، ورحل الإفرنج إلى بلادهم. واشتد الشتاء وعظمت الأمطار، وأعطى السلطان دستورًا للعسكر، وأقام بالقدس في هذا الشتاء أجمع، ونزل السلطان في دار القساقس قريبًا من القمامة، وكان نزوله في ذي القعدة من هذه السنة، وشرع في تحصينه وتعميق خنادقه، وعمل فيه بنفسه وأولاده وأمرائه، وعمل القضاة والعلماء والصوفية بأنفسهم، وكان وقتًا مشهودًا، واليزك حول البلد من ناحية الإفرنج، وفي كل وقت يستظهرون على الإفرنج ويقتلون منهم ويأسرون ويغنمون. وانقضت السنة والأمر على ذلك، وأرصد ملك الإنكتار في يافا عساكر، ثم عاد إلى عكا لينظر في أحوالها وأقام مدة.
стр. 517
ذكر بقية الحوادث في هذه السنة
منها أنه استقر الحال مع الملك المظفر تقي الدين صاحب حماة أن يأخذ الرها وحران وشميساط، وينزل عن خبزه الذي بالشام، بُصري وعمان والبلقاء، ومن حلب المعرّة ومنبج، والمستقر بيده حماة وسلمية واللاذقية وجبلة وبلاطنس وبك إسرائيل، ثم لم يلبث أن أدركته الوفاة على ما نذكره في الوفيات إن شاء الله تعالى.
ومنها أن السلطان صلاح الدين أرسل إلى ولده الظاهر أن يخرب حصن بُغراس، فبلغ ذلك ابن ليفون صاحب سيس، فسار إليها فأخذها بغير قتال.
ومنها أن السلطان أخرب عسقلان كما ذكرنا، وأخرب غزة والداروم أيضًا، واهتم بعمارة القدس الشريف [١٣٣].
ومنها أن السلطان عزل أبا حامد محمد بن عبد الله بن أبي عصرون عن قضاء دمشق، وولي محيي الدين بن زكي الدين، قالوا: وسبب عزل ابن أبي عصرون مداخلته الجند، واشتغاله بما يشتغل به الأمراء؛ من اتخاذ الخيول والمماليك والترك، ومباشرة الحروب، ومعاملة الأمراء ومدانيتهم، فتهزم السلطان منه وعزله.
ومنها أن أمير مكة داود بن عيسى بن فليتة بن قاسم بن محمد بن أبي هاشم الحسني تعدّى، فأخذ أموال الكعبة حتى انتزع طوقًا من فضة كأن على دارة الحجر الأسود، وقد لَمّ شعثه به حين ضربه ذلك القرمطي بالدبوس، فلما بلغ السلطان خبره من الحجيج حين رجعوا عزله وولي أخاه مكثرًا، ونقض القلعة التي كان أخوه بناها على جبل أبي قبيس، فأقام داود بنخلة حتى توفي بها.
وفيها حج بالناس من العراق طاشتكين.
ذكر من توفي فيها من الأعيان
الخبوشاني، أبو البركات محمد بن الموفق بن سعيد بن علي بن الحسن بن عبد الله الخبوشاني الملقب نجم الدين، الفقيه الشافعي، قال ابن خلكأن (١): كان فقيهًا
стр. 518
فاضلًا كثير الورع، تفقه على محمد بن يحيى بن منصور النيسابوري الشافعي، أستاذ المتأخرين الذي تفقه على الإمام الغزالي، وكان الخبوشاني يستحضر كتاب "المحيط في شرح الوسيط" تصنيف شيخه النيسابوري المذكور، حتى نقل عنه أنه عدم الكتاب فأملاه من خاطره. وله كتاب "تحقيق المحيط" وهو كبير. قال القاضي: رأيته في ستة عشر مجلدًا. ولما استقر السلطان صلاح الدين ﵀ يملك الديار المصرية قربّه وأكرمه، وكان يعتقد في علمه ودينه، ويقال: إنه أشار بعمارة المدرسة المجاورة لضريح الإمام الشافعي ﵀ وعَمَّرها في سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة. وفي هذه السنة أيضا بني المارستان الذي في القصر بالقاهرة، فلما عمَّرها فوض تدريسها إليه. وكانت ولادته في الثالث عشر من رجب سنة عشر وخمسمائة من الهجرة بأستوا خبوشان.
وفي المرأة: كان الخبوشاني يلقب بالنجم، قدم الديار المصرية وأظهر الناموس وتزهّد، وكان يركب الحمار فنفق (١) على السلطان وأهله، وأعطاه السلطان مالًا فبني به المدرسة التي إلى جانب الشافعي. وكان كثير الفتن، منذ دخل مصر إلى أن مات ما زالت الفتن قائمة بينه وبين الحنابلة، وابن الصابوني، وزين الدين بن نجيّة، ويكفّروه ويكفرهم. وكان طائشًا متهورًا، نبش ابن الكيزاني وأخرج عظامه من عند الشافعي، وكان يصوم ويفطر على خبز الشعير، فلما مات وجدوا له ألوف دنانير، وبلغ صلاح الدين فقال: ياخيبة المَسْعى، وكان يبعث إليه بالصدقات فيأخذها لنفسه، ولما توجه سيف الإسلام إلى اليمن جاء إليه يُودعه ويستقصي حوائجه، فقال له الخبوشاني: لي إليك حاجة، قال: ما هي؟ قال: تضرب رقبة كل مَنْ في المدينة ومكة، وتأخذ أموالهم وتسبي نساءهم، وقد أبحت لك ذلك، فقام سيف الإسلام من عنده وهو يسبه، وقال: انظروا إلى هذا الرقيع يبيح دماء جيران الله ودماء أهل [١٣٤] بيت رسول الله ﷺ وكانت وفاته في صفر، وسكنت الفتن واصطلح الناس، وقالوا: هذا فتوح ثاني. وكان سيء الأخلاق قبيح العشرة. وقال ابن خلكان: وكانت وفاته يوم الأربعاء الثاني والعشرين من ذي القعدة من سنة سبع وثمانين وخمسمائة بالمدرسة المذكورة، ودفن في قُبّة تحت رجلى الشافعي ﵁ وبينهما شباك.
стр. 519
والخُبوشاني نسبة إلى خُبوشان بضم الخاء المعجمة والباء الموحدة وسكون الواو وبعد الشين المعجمة ألف ونون، وهي بليدة بناحية نيسابور، وأستوا بضم الهمزة وسكون السين المهملة وفتح التاء المثناة من فوق أو ضمها، ناحية كثيرة القرى من أعمال نيسابور.
وقال ابن كثير (١): ولما توفي الخبوشاني طلب التدريس جماعة، فشفع الملك العادل عند أخيه السلطان صلاح الدين في شيخ الشيوخ أبي الحسن علي بن حَمُويه، فولاه إياها ثم عزل عنها بعد موت السلطان. واستمرت عليها أيدى بنى السلطان واحدًا بعد واحد، ثم خَلُصت بعد ذلك وعادت إليها الفقهاء والمدرسون.
شهاب الدين المَقْتُول (٢)، أبو الفتوح يحيى بن حَبش بن أميرك، الملقب شهاب الدين السُهْرَوردي الحكيم، المقتول بحلب، وقيل: اسمه أحمد. وقيل: كنيته اسمه، وهو أبو الفتوح. وذكر أبو العباس أحمد الخزرجي الحكيم في كتاب "طبقات الأطباء" أن أسم السهروردى المذكور عمر، ولم يذكر اسم أبيه، والصحيح الذي ذكرناه أولًا. قاله ابن خلكان: وكان من علماء عصره، قرأ الحكمة وأصول الفقه على الشيخ مجد الدين الجبلي بمدينة مَراغة، من أعمال أذربيجان، إلى أن برع فيهما. وهذا مجد الدين هو شيخ فخر الدين الرازي، وعليه تخرج وبصحبته انتفع، وكان إمامة في فنون. وقال في "طبقات الأطباء": وكان السهروردي أوحد أهل زمانه في العلوم الحكمية، جامعًا للفنون الفلسفية، بارعًا في الأصول الفقهية، مفرط الذكاء، فصيح العبارة، وكان علمه أكثر من عقله، ويقال: إنه كان يعرف علم السيمياء (٣)، وحكى بعض فقهاء العجم أنه كان في صحبته وقد خرجوا من دمشق، قال: فلما وصلنا إلى القابون - وهي القرية التي على باب دمشق في طريق من يتوجه إلى حلب - لقينا قطيع غنم مع التركمان، فقلنا للشيخ: يا مولانا تريد من هذا الغنم رأسًا نأكله، فقال: معي عشرة دراهم خذوها واشتروا بها رأس غنم، وكان هناك تركماني فاشترينا منه رأسًا بها، ومضينا قليلًا فلحقنا رفيق له وقال:
стр. 520
رُدّوا الرأس وخذوا أصغر منه، فإن هذا ما عرف يبيعكم، يساوي هذا الرأس أكثر من هذا. فتقولنا نحن وإياه، فلما عرف الشيخ ذلك قال لنا: خذوا الرأس وامشوا وأنا أقفُ معه وأرضية، فتقدمنا نحن وبقى شيخنا يتحدث معه ويطيب قلبه، فلما أبعدنا قليلًا تركهـ وتبعنا، وبقى التركماني يمشي خلفه ويصيح به وهو لا يلتفت عليه، ولما لم يكلمه لحقه تغيظ، وجذب يده اليسرى وقال: أين تروح وتخليني؟ وإذا بيد الشيخ قد انخلعت من عند كتفه وبقيت [١٣٥] في يد التركماني ودمهما يجرى، فبهت التركماني، وتحيّر في أمره ورمى اليد وخاف، فرجع الشيخ وأخذ تلك اليد بيده اليمنى ولحقنا، وبقي التركماني راجعًا وهو يلتفت إليه حتى غاب عنه، ولما وصل الشيخ إلينا رأينا في يده اليمني منديلًا لا غير. وقال ابن خلكان: ويحكى عنه مثل هذا أشياء كثيرة، والله أعلم بصحتها. وله تصانيف، من ذلك كتاب "التنقيحات في أصول الفقه"، وكتاب "التلويحات"، وكتاب "الهياكل"، وكتاب "حكمة الإشراق" وغير ذلك، وتنسب إليه أشعار، ومن شعره المذكور ما يستعمله المنشدون في المجالس وهو قوله:
أبدًا تَحِنُّ إليكم الأرواحُ … ووصالكُم ريحانُها والرَّاحُ
وقلوبُ أهلِ ودادِكم تشتاقكم … وإلى لذيذ لقائكُم (١) ترتاحُ
وارَحْمتا للعاشقين تَكَلّفوا … سَتْرَ المحبّة والهوى فَضَّاحُ
بالسِّر إن باحُوا تُباحُ دِماؤهم … وكذا دماءُ البائحين تُباحُ
وإذا هُم كتموا تحدّث عَنهُم … عِند الوُشاةِ المدمَعُ السفّاحُ
وَبَدَت شواهِدُ للسِّقام عليهم … فيها لِمُشكل أمرهم إيضاحُ
خفض الجناح لكُم وليس عليكُم … للصَبِّ في خَفْضِ الجَنَاحُ جُنَاحُ
فإلى لقاكم نفسُه مرتاحةً … وإلى رضاكُم طَرْفُه طَماحُ
عودوا بنور الوَصل من غَسَقِ الجوى … فالهجرُ لَيْلٌ والوِصالُ صَباحُ
صافاهُمُ فصفوا له فقلوبُهم … في نورها المِشكاةُ والمِصْبَاحُ
وتمتعوا فالوقت طابَ بقربكم … رَاقَ الشَّرابُ ورّقت الأقداحُ
стр. 521
يا صَاحِ ليس على المُحِبِّ ملامةٌ … إن لاحَ في أُفقِ الوصالِ صِباحُ
لا ذَنْبَ للْعُشاق إن غلب الهوى … كتمانَهُم [فنما] (١) ننمي الغرام وباحُوا
سَمحُوا بأنفسهم وما بخلوا بها … لمّا دَرَوا أن السّماح رَباحُ
ودَعاهُم داعي الحقائق دعوة … فغدوا بها مستأنسين وراحُوا
ركبوا على سُفن الوَفا فدموعُهم … بَحرٌ وشدة شوقهم مَلّاحُ
والله ما طلبوا الوقوف ببابه … حتى دُعوا وأتاهُمُ المُفتاحُ
لا يطربون بغير ذكر حبيبهم … أبدًا فكل زمانهم أفراحُ
حضروا وقد غابت شواهدُ ذاتهم … فتهتكوا لما رأوه وَصاحوا
أفناهمُ عنهم وقد كشفت لهم … حجبُ البقا فتلاشت الأرواح
[١٣٦] فتشبّهوا إن لم تكونوا مثلَهم … إن التشبهَ بالكرام فَلاحُ
قم يا نديمي إلى المدام فهاتها … في كأسها [قد] (٢) دارت الأقداح
من كرم إكرام بدِنّ ديانة … لها خمرة قد داسَها الفَلّاحُ
وقال ابن خلكان، ﵀: وله في النظم والنثر أشياء لطيفة لا حاجة إلى الإطالة بذكرها. وكان شافعي المذهب، ويلقب بالمؤيد بالملكوت، وكان يُتهم بانحلال العقيدة والتعطيل، [ويعتقد] (٣) مذهب الحكماء المتقدمين، واشتهر ذلك عنه، فلما وصل إلى حلب أفتى علماؤها بإباحة قتله بسبب اعتقاده وما ظهر لهم من سوء مذهبه، وكان أشد الجماعة عليه [الشيخين] (٤)؛ زين الدين ومجد الدين ابنا جَهْبَلْ.
وقال الشيخ سيف الدين الآمدى: اجتمعتُ بالسُهرْوردي في حلب، فقال لي: "لابد أن أملك الأرض"، فقلتُ له: من أين لك هذا؟ قال: "رأيت في المنام كأنّي شربت ماء البحر". فقلتُ: لعل هذا يكون اشتهار العلم أو ما يناسب هذا. فرأيته لا يرجع عما وقع في نفسه، ورأيته كثير العلم قليل العقل. ويقال: إنه لما تحقق القتل كان كثيرًا ما ينشد:
стр. 522
أرى قدمي أَراقَ دَمِي … وهانَ دَمِي فها ندمي
والأول مأخوذ من قول أبي الفتح علي بن محمد البُسْتي:
إلى حتفي مشي قدمي … أرى قدمي أراق دمي
فلم [أنفك] (١) من ندم … وليس بنافعي ندمي
وكان ذلك في دولة الملك الظاهر غازي ابن السلطان صلاح الدين يوسف، فحبسه ثم خنقه بإشارة والده صلاح الدين، وكان ذلك في خامس رجب سنة سبع وثمانين وخمسمائة بقلعة حلب، وعمره ثمان وثلاثون سنة. ويقال: إن صلاح الدين أمر بقتله فقتل وصلب أيامًا.
وقال ابن خلكان: وأقمتُ بحلب سنين للاشتغال بالعلم الشريف، ورأيت أهلها مختلفين في أمره، وكل واحد يتكلم على قدر هواه؛ فمنهم من ينسبه إلى الزندقة والإلحاد، ومنهم من يعتقد فيه الصلاح وأنه من أهل الكرامات، ويقولون: ظهر له بعد قتله ما يشهد له بذلك. وأكثر الناس على أنه كان ملحد لا يعتقد شيئًا. نسأل الله العفو والعافية.
وحَبَش بفتح الحاء المهملة والباء الموحدة وبالشين المعجمة. وأَمِيرَكْ معناه أُمَيِّر تصغير أمير، والعجم تلحق الكاف في آخر الاسم للتصغير.
القاضي أبو القاسم قاضي حماة، واسمه الحسين بن حمزة بن الحسين، كان فاضلًا جوادًا سمحًا، لا يُنزِل قِدْرَهُ من النار، يُضَيِّفُ الخلائق من الخاص والعام، وما اجتمع أحد بحماة من الأكابر إلا وأضافه. وكان السلطان صلاح الدين يحبه ويحترمه، كذا أخوه الملك العادل، وتقي الدين صاحب حماة.
قال صاحب المرآة (٢): وبلغني أن العادل اجتاز بحماة فأرسل إلى القاضى يقول: "أريد الحمام خلوة"، فأخلاه، فما خرج العادل من الحمام إلا وقد جهز له من الفواكه والأطعمة والحلاوات [١٣٧] فأكفاه وأصحابه. وما كان يقبل برّ أحد لا من صلاح الدين ولا غيره، ومات بحماة في هذه السنة وخلف ولدًا ذكرًا وللولد أولاد.
стр. 523
أسعد بن المَطْران الطبيب، ويُلقب بالموفق، وكان نصرانيًا أسلم على يد السلطان، وكان غزير المروعة، حسن الأخلاق، كريم العشرة، جوادًا متعصبًا للناس عند السلطان ويقضي حوائجهم، وكان صحبه صبّي من المسلمين اسمه عمر، وكان حسن الصورة فأحسن إليه، وكان الموفق يحب أهل البيت ويبغض ابن عُنَين الشاعر لخبث لسانه، وقبح هجائه، وثلبه الأعراض الناس، ويحرّض السلطان على نفيه من البلاد. وقال: أليس هو القائل:
سلطاننا أعرج وكاتبه … أعمش والوزير منجذب
فهجاه ابن عنين وقال:
قالوا الموفقُ شيعيٌ فقلت لهم … هذا خلاف الذّى للناس منه ظهر
وكيف يجعل دين الرفضِ مذهبه … وما دعا إلى الإسلام غيرُ عُمر
وكان الموفق يعود الفقراء المرضى، ويحمل إليهم من عنده الأشربة والأدوية حتى أجرة الحمام، وزَوَّجهُ السلطانُ بجارية له يقال لها جوزة، وكانت من حظايا السلطان، ونقل معها جهازًا عظيمًا. ومات في ربيع الأول بدمشق، ودفن بقاسيون على قارعة الطريق عند دار زوجته جوزة. ولما مات اشترت زوجته دارًا وبنت إلى جانبها مسجدًا وبنت له تربة، وهي تعرف اليوم بدار جوزة. وقال السبط: ولما قدمت الشام في سنة ثلاث وستمائة كانت جوزة باقية، وكانت صالحة زاهدة عابدة.
الأمير سليمان بن جندر، من أكابر أمراء حلب، ومشايخ الدولتين النورّية والصلاحية، وهو والد علم الدين بن سليمان، وشهد سليمان مع صلاح الدين حروبه، وهو الذي أشار بخراب عسقلان لتتوفر العناية على حفظ القدس، ولما صعد السلطان إلى القدس مرض سليمان، فطلب المسير إلى حلب، فأذن له السلطان فسار، فتوفي بغباغب (١) في أواخر ذي الحجة، وحُمِلَ إلى حلب فدفن بها.
الأمير حسام الدين محمد بن عمر بن لاچين، صاحب نابلس، وأمه ست الشام بنت أيوب، أخت السلطان صلاح الدين، واقفة الشاميتين بدمشق، توفي ليلة الجمعة
стр. 524
تاسع عشر رمضان، ففجع السلطان به وبابن أخيه تقي الدين عمر؛ لأنهما ماتا في ليلة واحدة، وقد كان له من أكبر الأعوان وأعز الإخوان، ودفن حسام الدين في التربة الحساميّة، وهي التي أنشأتها له بمحلة العونية، وهي الشامية البرانية (١). وكانت وفاته بدمشق، وكان شجاعًا مقدامًا.
الأمير الكبير الصَفِّى بن الفائض، نائب دمشق، وكان من أكبر أصحاب السلطان صلاح الدين قبيل المُلك، ثم استنابه على دمشق.
وفي المرآة: الصفى بن الفائض، وزير صلاح الدين واسمه نصر الله، وكان خدم السلطان لما كان شحنة دمشق وأمده بالمال، فرأى له ذلك، فلما ملك استوزره، وكان شجاعًا ثقة دينًا أمينًا، ولما نزل الفرنج دَاريا [١٣٨] والسلطان في الشرق، جمع من أهل دمشق سوادًا عظيمًا، وجمع إلى ظاهر البلد، فظنوهم عسكرًا فرحلوا. وكان كثير المعروف، وكتب أملاكه لمماليكه؛ لأنه لم يكن له ولد، وبني بالعقيلة مسجدًا ودفن به في رجب، ويعرف اليوم بمسجد الصفى. وكانت وفاته في الثالث والعشرين من رجب، ﵀.
الملك مظفر الدين قزل أرسلان، واسمه عثمان بن أيلد كز، قتل في شعبان من هذه السنة، وهو الذي ملك أذربيجان وهمذان وأصفهان والرى بعد أخيه محمد البهلوان، وكان قد قوى عليه السلطان طغريل السلجوقي وهزم عسكر بغداد - كما ذكرنا - ثم أن قزل أرسلان هذا تغلّب واعتقل السلطان طغريل بن أرسلان بن طغريل في بعض البلاد، وسافر قزل أرسلان بعد ذلك إلى أصفهان، وتعصب على الشافعية، وأخذ جماعة من أعيانهم فصلبهم، وعاد إلى همذان وخطب لنفسه بالسلطنة، ودخل لينام على فراشه، وتفرق عنه أصحابه، فدخل إليه من قتله على فراشه، ولم يعرف قاتله، والله أعلم. ويقال: نُسب قتله إلى الإسماعيلية. ويقال: إلى غيرهم. ولما أصبحوا قتلوا صاحب بابه، وجلس قُتلغ أينانج بن البهلوان موضعه، ومضى أخوه نصرة الدين أبو بكر إلى أذربيجان وأران (٢)، واستولى عليهما، ثم جمع ومضى على سَمت همذان فلقي قتلغ
стр. 525
أينانج وعسكره بين أَبْهَرْ (١) زنجان (٢) فَكَسره وهزمه، ومضى إلى همذان وجلس على سرير ملكه، وذلك في سنة ثمان وثمانين على ما سيأتي إن شاء الله تعالى.
الملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب، كان عزيزًا عند عمّه السلطان صلاح الدين، استنابه بمصر وغيرها من البلاد، ثم أقطعه حماة ومُدنًا كثيرة معها حولها، ومن بلاد الجزيرة، وكان مع عمه على عكا، ثم أستأذنه في الإشراف على بلاده المجاورة للفرات، فلما صار إليها اشتغل بها، وامتدت عينه إلى أخذ غيرها من أيدي الملوك الذين يجاورونه فقاتلهم، فاتفق موته وهو على ذلك، والسلطان صلاح الدين متغضب عليه بسبب اشتغاله بذلك عنه.
وقال العماد الكاتب (٣): توفى الملك المظفر تقي الدين عمر يوم الجمعة التاسع عشر من شهر رمضان، وهو على محاصرة ملازكرد من عمل أرمينية، وكتم ولدُه الملك المنصور ناصر الدين محمد وفاته إلى أن خرج من ذلك الإقليم سالمًا، وبعث إلى السلطان يسأله في إبقاء بلاد أبيه بيده، فلم يجب السلطان إليه.
وقال النويري: قد سار الملك المظفر تقي الدين عمر إلى البلاد المرتجعة من كُوكبُوري، التي زاده إياها عمّه السلطان من وراء الفرات، وهي حرّان وغيرها، فامتدت عين الملك المظفر إلى بلاد مجاورة، واستولى على سويداء (٤) وحاني (٥)، واتقع مع بكتمر صاحب أخلاط، فكسره وحصره في أخلاط، وتملك معظم البلاد ثم رحل عنها، ونزل ملازكرد - وهي لبكتمر - وضايقها، وكان [١٣٩] في صحبته ولده الملك المنصور محمد، فعرض للملك المظفر مرض شديد وتزايد به، حتى توفي يوم الجمعة لإحدى عشرة ليلة بقيت من رمضان، فأخفى الملك المنصور وفاته، ورحل عن ملازكرد، ووصل به إلى حماة، فدفن بها بظاهرها، وبني إلى جانب التربة مدرسة مشهورة هناك.
стр. 526
وكان الملك المظفر شجاعًا شديد البأس، ركنًا عظيمًا من أركان البيت الأيوبي، وكان عنده فضل وأدب، وله شعر حسن. ثم أرسل الملك المنصور إلى السلطان صلاح الدين واشترط عليه شروطًا نسبهُ السلطانُ فيها إلى العصيان، وكان أمره مضطربًا (١) بالكلية، فراسل الملك المنصور عمّه الملك العادل في استعطاف خاطر السلطان، فما برح العادل بأخيه السلطان يراجعه ويشفع في الملك المنصور حتى أجابه السلطان، وقرر للملك المنصور حماة وسلميّة والمعرة ومنبج وقلعة نجم. وارتجع السلطان البلاد الشرقية وما معها وأقطعها أخاه الملك العادل، بعد أن شرط السلطان أن الملك العادل ينزل عما الله من الإقطاع بالشام، خلا الكرك والشوبك والصلت والبلقاء إلى القدس، شرفه الله.
ولما استقر ذلك سار الملك العادل إلى البلاد الشرقية لتقرير أمورها فقررها، وعاد إلى خدمة السلطان في آخر جمادى الآخرة من السنة القابلة. ولما قدم العادل على السلطان صلاح الدين كان الملك المنصور صاحب حماة صحبته، فلما رأى السلطان الملك المنصور بن تقي الدين عمر نهض واعتنقه وبكي، وأكرمه وأنزله في مقدمة. عسكره. وقال بيبرس في تاريخه: توفى الملك المظفر تقي الدين المذكور بأرض أخلاط في حصار ملازكرد، ودفن بميافارقين ثم نقل إلى حماة، ﵀.
стр. 527
فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الثامنة والثمانين بعد الخمسمائة
استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله العباسي، وصاحب مصر والشام وغيرها من البلاد السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، وهو مقيم في القدس الشريف في دار الأقِسَّاء بجوار قمامة، وقد قسم السور بين أولاده وأجناده وهو يعمل فيه بنفسه، ويحمل الحجر بينه وبين قربوس (١) سرجه، والناس يقتدون به، والعلماء والفقراء يعملون بأنفسهم. والإفرنج لعنهم الله حول البلد من ناحية عسقلان، حول القدس وما والاها، لا يتجاسرون أن يتقدموا من اليزك والحرس الذين للسلطان حول القدس، إلا أنهم على نية محاصرة القدس مصممون، ولكيد الإسلام مجمعون، وهم والحرس تارة يَغلبون وتارة يُغلبون، وتارة يَنهبون وتارة يُنهبون (٢).
ذكر رحيل الفرنج إلى عسقلان
قال العماد الكاتب ﵀: رحل الإفرنج يوم الثلاثاء ثالث المحرم من الرملة إلى عسقلان، ونزلوا يوم الأربعاء بظاهرها وتشاوروا في إعادة عمائرها. وكان سيف الدين يازكوج (٣) وعلم الدين قيصر والأسدية [١٤٠] نازلين في بعض أعمالها، مجدين في نقل غلالها. وركب ملك الإنكار عصر يوم الخميس ومعه حزبه من جند إبليس، فشاهد دخانًا على البعد، فساق متوجهًا إلى تلك الجهة، وتبعه عسكره. فما شعر أصحابنا إلا بالكبسة بغتة، وذلك وقت المغرب وهم مجتمعون على الإفطار، وكانوا نازلين في موضعين، فلم ير العدو إلا أحد القسمين فقصده بحزبه، فعرف القسم الآخر هجوم العدو، فركبوا إلى العدو فدفعوه حتى ركب رفقاؤهم المقصودين، واجتمعوا وردوا العدو، ثم تكاثر الفرنج عليهم فاندفعوا من بين أيديهم وساقوا أثقالهم قدامهم، وما فقد من المسلمين إلا أربعة أنفس ونجا الباقون. وكانت نوبة عظيمة رفع الله خطرها (٤).
стр. 528
ذكر السرايا الثلاث
بتاريخ يوم الثلاثاء عاشر المحرم، ركب السلطان صلاح الدين من القدس على عادته في نقل الحجارة والجد في العمارة، ومعه أولاده الملوك والأمراء والقضاة والعلماء والصوفية والزهاد والأولياء، ولما دخل وقت الظهر نزل في خيمة ضربها ولده الملك الظاهر بالصحراء، وأحضر فيها السماط، ورعي ناسًا من الأمراء فحضروا وأكلوا، وصلي السلطان الظهر هناك وركب عائدًا إلى داره، وأمر بتجهيز السرايا. فتجرد عز الدين جرديك في سرية فأغار بهم يوم الأربعاء الحادي عشر من المحرم على يُبني (١)، وفيها الإفرنج بنية السكني، فغنموا اثني عشر أسيرًا وخيلًا ودوابًا كثيرة.
وفي يوم الثلاثاء ثاني صفر، أغارت السرية، وفيها عز الدين جرديك وعسكر القدس وجماعة من المماليك، على ظاهر عسقلان، وغنموا ثلاثين أسيرًا وخيولًا وبغالًا. وفي ليلة الأحد رابع عشر صفر، باتت سرية فيها فارس الدين ميمون (٢) القصري بتل الجَزَر (٣)، وساروا حتى أصبحوا على يُبني، وكمنوا وصبروا إلى أن استرسل الإفرنج إلى الطريق وأمنت، ثم ظهرت السرية على قافلة الإفرنج فكبسوها وأخذوها بأسرها مع رجالها وأحمالها وبغالها وأثقالها. ثم أغاروا على يافا، فقتلوا وهتكوا وغنموا وعادوا بالغنيمة والسبايا، وعجزت جماعة من المشي فضربوا أعناقهم صبرا (٤).
ذكر خروج على بن أحمد المعروف بالمشطوب من الأسر
وفي ربيع الآخر وصل الأمير سيف الدين على المذكور إلى السلطان بالقدس الشريف وقد خلص من الأسر، وكان أسيرة حين كان نائبا على عكا، فافتدى نفسه منهم بخمسين ألف دينار، فأعطاه شيئًا كثيرة منها، ثم استنابه على نابلس فتوفي بها في شوال منها (٥).
стр. 529
وقال العماد الكاتب: قرر سيف الدين على المذكور قطيعة خمسين ألف دينار، فأدى منها ثلاثين، وأعطى رهائن على عشرين، ووصل إلى القدس واجتمع بالسلطان يوم الخميس مستهل شهر ربيع الآخر، فقام إليه واعتنقه وأقطعه نابلس وأعمالها، ثم عيَّن السلطان ثلث نابلس لمصالح للبيت المقدس وتشييد سوره (١).
ذكر عصيان الملك المنصور ابن الملك المظفر تقي الدين وما جرى له وعليه في ذلك
وفي النوادر: ويوم وصول المشطوب، كتب السلطان إلى ولده الملك الأفضل بأن يسير إلى الفرات ويتسلم البلاد من الملك المنصور ابن الملك المظفر تقي الدين، وكان قد أظهر العصيان بسبب الخوف على نفسه من السلطان [١٤١] وأظهر ذلك، وكتب إلى الملك الظاهر بحلب - وكان قد سافر إليها - أنه إن أحتاج أخوك إلى معونة أعنه. وجهز السلطان صلاح الدين ولده الأفضل بحملة كبيرة، وسار باحترام عظيم حتى وصل إلى حلب، وأكرمه أخوه الملك الظاهر إكرامًا عظيمًا، وعمل له ضيافة تامة، وقدم بين يديه تقدمة سنية (٢). وأما الملك المنصور فإنه لما بلغه موجدة (٣) السلطان عليه، أرسل إلى الملك العادل رسولًا يستشفع به ليطيب قلب السلطان، ويعطيه إما حران والرها وشميساط، وإما حماة ومنبج وسلمية والمعرة، فراجع الملك العادل السلطان مرارًا بسببه فلم يفعل ذلك ثم كثرت الشفاعة إليه من جميع الأمراء، وهزت له شجرة الكرم، فرجع إلى خُلقه الحسن وحلف له على حران والرها وشميساط، على أنه إذا عبر الفرات أعطى المواضع المذكورة ويتخلى عن البلاد التي في يده، ودخل في هذا الضمان الملك العادل، ثم التمس العادل خط السلطان فأبى، وألح عليه، فمزق نسخة اليمين في التاسع والعشرين من ربيع الآخر، وانفصل الحال وانقطع الحديث.
стр. 530
وقال قاضي القضاة بهاء الدين: كنت المتردد بينهما في ذلك، وأخذ من السلطان الغيظ، كيف يُخاطب بمثل ذلك من جانب بعض أولاد أولاده (١)؟ قال القاضي: ثم أرسلني السلطان إلى العادل والأمراء بأن يتشاوروا في أمر الملك المنصور، فاجتمعوا في خدمة العادل، فانتدب الأمير حسام الدين أبو الهجاء وقال: نحن عبيد السلطان ومماليكهـ وذاك صبي، وربما حمله خوفه حتى انضاف إلى جانب آخر، ونحن ما نقدر على الجمع بين قتال المسلمين والكفار، فإن أراد السلطان قتال المسلمين يصالح الكفار ونسير نحن إلى ذلك الجانب ونقاتل بين يديه، وإن أراد ملازمة الغزاة صالح المسلمين ويسامحهم. فاتفق الجميع على هذا الكلام. فعند ذلك دق قلب السلطان، وجُددت نسخة يمين لابن تقي الدين وحلف له بها، وأعطى خطه بما استقر من الأمر. ثم أن العادل طلب من سلطان البلاد التي كانت بيد ابن تقي الدين، وتكررت مراجعات العادل في ذلك. قال القاضي: وكنت الرسول بينهما، وكان آخر ما استقر أنه يتسلم تلك البلاد وينزل عن كل ما هو شامي الفرات، ماعدا الكرك والشوبك والصلت (٢) والبلقاء، وخاصّته بمصر، وذلك بعد أن قرر على نفسه في كل سنة ستة آلاف غرارة غلة، تحمل للسلطان من الصلت والبلقاء إلى القدس، وأخذ خط السلطان بذلك. ثم سار بنفسه ليصلح ابن تقي الدين ويطيب قلبه، وكان مسيره في الثامن من جمادى الأولى من هذه السنة (٣).
ثم أن السلطان سير إلى الملك الأفضل يأمره بالعود من قصد تلك البلاد، وكان قد وصل إلى حلب - كما ذكرناه - فعاد مع انكسار في قلبه وتشوش في باطنه، فوصل إلى دمشق معتبًا ولم يحضر إلى خدمة السلطان، فلما اشتد خبر الإفرنج سير إليه وطلبه، فما وسعة التأخر، فسار مع من وصل من العساكر الشرقية إلى دمشق، وكان وصوله يوم الخميس التاسع عشر من جمادى الآخر، فلقيه السلطان قريب العازرية (٤) وترجل له جبرًا لقلبه [١٤٢] وتعظيمًا لأمره، وساروا في خدمته، وكان فيهم أخواه الملك الظافر وقطب الدين في ظاهر القدس من جهة العدو (٥).