← История

История · id 380

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [565 - 628 هـ]

بدر الدين العيني

Полный текст (1 226 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

بَرَدا (١)، وقد خُرِّب الحمام وما يجاوره من العمران في هذا الزمان، وكان غربى جسر الصّفى، مقابل الطاحونة المستجدة، خارج باب الفرج، بين البابين. ومنها أنه كان قيام العامة على الشيعة، وخروجهم إلى باب الصغير (٢) ونبشهم وثاب المرحّل من قبره وتعليقهم رأسه مع كلبين ميتين وذلك في ثالث عشر ربيع الآخر بعد صلب العجمى بيومين. (٣) وفيها قُصر النيل تقصيراً عظيماً حتى أنه لم يبلغ أربعة عشر ذراعاً. (٤) وفى تاريخ بيبرس: كانت غايته اثنى عشر ذراعاً واحداً وعشرين إصبعاً، وشرقت البلاد وحصل الغلاء (٥) وفيها حج بالناس من العراق سُنقر (٦) المسمى بوجه السبع، ومن الشام أسامة الجبلى. (٧) ذكر من توفى فيها من الأعيان الشيخ المسند المعمّر رحلة الوقت أبو الفرج عبد المنعم بن عبد الوهاب بن صَدَقَةَ بن الخضر بن كُلَيْب، الحرّانى الأصل، البغدادى المولد والدار والوفاة، عن ست وتسعين سنة، سمع الكثير وأسمع، وتفرد بالرواية عن جماعة من المشايخ، وكان من أعيان التجار وذوى الثروة (٨)، وكانت وفاته في ربيع الأول، ودفن بباب حرب، وكان ثقة صحيح السماع، وكان يأخذ على إسماعه جزء ابن عرفة ديناراً، وهو آخر من حدّث عنه. (٩)

стр. 702

الفقيه مجد الدين أبو محمد طاهر بن نصر الله بن جَهْبل (١)، مدرس القدس الشريف، وهو أول من درَّس بالصلاحية، وهو أبو الفقهاء بنى الجهبل، الذين كانوا بالمدرسة الجاروخية (٢)، ثم صاروا إلى العمادية (٣) والدماغية (٤) في هذا الزمان، ثم ماتوا ولم يبق إلا شرحهم. ومولد مجد الدين بحلب في نيف وثلاثين وخمسمائة. قلت: بنو الجهبل هم بهاء الدين نصر الله، وتاج الدين إسماعيل، وقطب الدين. والمدرسة الجاروجية بدمشق مشهورة، وكان مجد الدين فاضلاً في علم الوصايا والفرائض، ﵀. (٥) الشيخ الإمام الفقيه العلامة شهاب الدين أحمد الطوسى، شيخ الشافعية بديار مصر، وشيخ المدرسة المنسوبة إلى تقى الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب التى يقال لها منازل (٦) العز، وهو من أصحاب محمد بن يحيى تلميذ الغزالى، وكان له قدر ومنزلة عند ملوك مصر، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر إلى أن توفى في هذه السنة. (٧) وقال سبط ابن الجوزى (٨): قيل: كان لما قدم بغداد يركب بالسنجق والسيوف المسلله والغاشية (٩) المرفوعة والطوق في عنق البغلة، فمنع من ذلك، فسافر إلى مصر

стр. 703

ووعظ وأظهر مذهب الأشعرى، وثارت [عليه] (١) الحنابلة، وكان يجرى بينه وبين الزين بن نجية (٢) العجائب في السباب والتكفير. قال السبط (٣) [٢٤٦] وبلغنى أنه سئل أيما أفضل دم الحسين أم دم الحلاج؟ فاستعظم ذلك، وقال: كيف يجوز أن يقال هذا؟! قطرة من دم الحسين ﵁ أفضل من مائة ألف دم مثل دم الحلاج. فقال السائل: دم (٤) الحلاج كتب على الأرض الله، ولا كذلك دم الحسين. فقال الطوسى: المبهم يحتاج إلى التزكية. قلت: وهذا جواب في غاية الحسن في مثل هذا الوضع، على أنه لم يصح ما ذكر عن دم الحلاج. وكانت وفاته في الحادى والعشرين من ذى القعدة. (٥) وكان يوماً مشهوداً ركب فيه الملك العادل وكبراء الدولة، وخرج أهل مصر والقاهرة جميعاً مشيّعين جنازته إلى حيث دفن في القرافة. الشيخ ظهير الدين عبد السلام الفارسى شيخ الشافعية (٦) بحلب، أخذ الفقه عن محمد بن يحيى وتلّمذ للفخر الرازى، وقد رحل إلى مصر فعرض عليه أن يدرس بتربة الشافعى فلم يقبل، وصار إلى حلب فأقام بها إلى أن توفى في هذه السنة. (٧) الشيخ العلامة بدر الدين بن عسكر مدرس الحنفية بدمشق. قال أبو شامة: يعرف بابن [العقادة]. (٨) محمد بن عبد المنعم بن أبى الفضائل الصوفى الميهنى، شيخ رباط البسطامى ويلقب بالركن (٩)، كان جواد سمحاً، لم يكن من أبناء جنسه من يضاهيه في الكرم؛

стр. 704

ما طلب منه أحد شيئاً فمنعه حتى كان يخرج وفى رجلة مداس فيرجع حافياً، ويخرج وعليه ثوبان فيرجع عرياناً، وكانت له خلوات ومحاضرات، وسمع الحديث من شهده (١) وغيرها. وتوفى في ذى الحجة ودفن في الشونيزية عند والده أبى الفضائل. البلخى الواعظ، واسمه محمد بن عبد الله، ويلقب بالنظام وبابن الظريف. ولد ببلخ سنة ست وعشرين وخمسمائة، وقدم بغداد فوعظ بها في النظامية وباب بدر وجامع القصر ومدرسة أبى النجيب ودار ابن حديدة الوزير، وكان فصيحاً مليح الصوت، وكان متشيعاً، وأنشد يوما في النظامية: سقاهم الليل كاسات الثُّرى فغدت (٢) … منه سَكَارى كأن الليل خمارُ وصيّر (٣) الشوق أطواقاً عمائمهم … لا يعقلون أقام الحى أم ساروا ونسمة الفجر إن (٤) مرت بهم سحرا … تمايلوا وبدا للسُكر آثار (٥) فلم يبق في المجلس إلا من قام، وصاح وتواجد، وأنشد أيضاً: مددت يدى في الحب نحوك سائلا … وقلت لجفنى أدر دمعك (٦) سائلا تفقهت في علم الصبابة والهوى … فمن شاء فليلق علىَّ المسائلا وحكى أنه نقل إلى الخليفة عنه أنه يعاشر النساء ويرتكب المحرمات، فأرسل إليه الوزير وهو على المنبر فقال: قد رسم أن تخرج من البلد فأنشد: أبابك لا واديك بالجود مُفعم … لدى ولا ناديك بالرفد آهل لئن ضقت عنى والبلاد فسيحةً … وحسبك عاراً أننى عنك راحلُ وإن كنت بالسحر الحرام مُدَلّه … فعندى من السحر الحلال دلائل فواف بغير الأعين النُجل حُسنها .. فأى مكان خيمت فهو بابلُ

стр. 705

وأخرج إلى الجانب الغربى من بغداد فمات، ودفن في مقابر قريش في صفر من هذه السنة، ﵀. (١) عبد اللطيف بن (٢) إسماعيل بن شيخ الشيوخ أبي سعد، وعبد اللطيف أخو أبى القاسم عبد الرحيم شيخ الشيوخ، وكنيته عبد اللطيف أبو الحسن، ولقبه صفى الدين، ولد سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة، وسمع الحديث، وكان شيخ الرباط الذى بالمشرعة شرقى بغداد، خرج حاجاً من بغداد ثم ركب البحر إلى مصر فتاه بهم المركب أياماً ثم أرسى بالعيذاب، فزار الشافعى ثم زار الخليل [٢٤٧] ﵇ والقدس، وقدم دمشق فتوفى بها في ذى القعدة ودفن بمقابر الصوفية. (٣) كامل بن الفتح أبو تمام الضرير ويلقب بالظهير النحوى، بغدادىّ اشتغل بالأدب والشعر فبرع فيهما ومن شعره: وفى الأوانس من بغداد (٤) آنسة … ولها من القلب ما تهوى وتختار ساومتها نفثة من ريقها بدمى … وليس إلا خفى الطرف سمَسار عند العذول اعتراضات ولائمة … وعند قلبى جوابات وأعذار وكانت وفاته في جمادى الآخر، ودفن بباب حرب. الشيخ أبو جعفر (٥) أحمد بن على بن أبى بكر بن إسماعيل القرطبى، إمام الكلاسّة الزاهد العابد، توفى يوم الإثنين تاسع عشر رمضان، قرأ بالموصل القرآن بالروايات على يحيى بن سَعدون القرطبى (٦).

стр. 706

العَبْدىّ الشاعر الهمام (١) أبو الحسن على بن نصر بن عَقيل بن أحمد بن على ابن عبد القيس بن ربيعة بغدادىّ، قدم دمشق سنة خمس وتسعين وخمسمائة، ومعه ديوان شعر له فيه درر حِسان، وفرائد وعقبان، وقد تصدى لمدح الملك الأمجد صاحب بَعلْبكّ، ومن شعره: وما الناسُ إلا كاملُ الحظِّ ناقصُ … وآخر منهم ناقصُ الحظِّ كامِلُ وإنىِّ لَمُثْرٍ من حياءٍ وعِفّةٍ … وإن لم يكن عِندى من المالِ طائلُ (٢) وذكر القوصي في معجمه أنه دخل على قاضى القضاة محيى الدين محمد بن على القرشى وهو يملى رسالته المحيوية في التعزية الفاضلية فأنشده: ألا قل لنا عن الفاضل أقصر فإننّى … تيقنت حقاً أن نعْتك باطل إذا كان محيى الدين في الدست (٣) جالساً … فما مات في الدنيا من الناس فاضل القاضى الفاضل، والكلام فيه على أنواع: (الأول) في ترجمته: هو أبو على عبد الرحيم بن القاضى الأشرف بهاء الدين [أبى] (٤) المجد على بن القاضى السعيد أبى محمد الحسن [بن الحسن بن أحمد] (٥) بن الفرج بن أحمد اللخمى العسقلانى المولد المصرى الدار، المعروف بالقاضى الفاضل مجير الدين؛ وزير السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب (٦). وكانت ولادته يوم

стр. 707

الإثنين خامس عشر جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين وخمسمائة (١) بمدينة عسقلان، وتولى أبوه القضاء ببيسان أيضاً فلهذا نُسِبوا إليها. وفى المرآة: ولد القاضى ببَيسْان ونشأ بمصر. (٢) (الثانى) في بدء أمره ونشأته: قدم الديار المصريّة واشتغل على الموفق يوسف بن الخلال في صناعة الإنشاء. ثم تعلق بالخِرَم في ثغر الإسكندرية وأقام به مدة (٣)، ثم خدم شاور الوزير، وكان يكتب له ثم كتب في ديوان المكاتبات العاضدية، ولما وصل أسد الدين شيركوه إلى مصر اتخذه كاتباً، ثم خدم الملك الناصر صلاح الدين يوسف. وقال ابن كثير (٤): وآل به الأمر إلى أن وزّر لصلاح الدين يوسف بن أيوب، وتمكن عنده غاية التمكن حتى [أن] (٥) صلاح الدين ﵀ كان يقول في ملأ من الناس: "لا تظنوا أني ملكتُ البلاد بسيوفكم، بل بقلم الفاضل". (٦) وكان يستشيره في أموره، وكان كاتبه وصاحبه ووزيره ومشيره وجليسه وأنيسه، وكان أعز عليه من أهله وأولاده، وأكرم عليه من طرفه (٧) وتلاده (٨) [٢٤٨]. وتساعدا على فتح الأقاليم والبلدان، والحصون والمعاقل، هذا بحسامه وسنانه، وهذا بلسانه وقلمه وبنانه. وبعد وفاة صلاح الدين ﵀ استمر على ما كان عليه عند ولده الملك العزيز في المكانة والرفعة ونفاذ الأمر، ولما توفى العزيز وقام ولده الملك المنصور بالملك - بتدبير عمه الملك الأفضل نور الدين - كان أيضاً على حاله. ولم يزل كذلك إلى أن وصل الملك العادل وأخذ الديار المصرية، وعند دخوله القاهرة توفى الفاضل (٩) على ما نبينه إن شاء الله تعالى.

стр. 708

(الثالث): في سيرته: كان الفاضل ﵀ مع كثرة أمواله وجاهه ورئاسته كثير الصدقات والصلات والصيام والصلاة، مواظباً كل يوم وليلة على ختمة كاملة، مع ما يزيد عليها من نافلة، رحيم القلب حسن السيرة، طاهر الظاهر والباطن والسريرة. (١) وفى المرآة: وكان كثير العبادة تالياً للقرآن. (٢) وله مدرسة بديار مصر على الشافعية والمالكية وأوقاف على تخليص الأساري من النصارى. (٣) وقال ابن خلكان: وبنى بالقاهرة مدرسة بدرب ملوخيا. رأيت بخطه أنه استفتح التدريس بها يوم السبت مستهلَّ المحرم سنة ثمانين وخمسمائة. (٤) ومنها قيسارية تنسب إليه، و [هى] (٥) داخل باب زويلة يُسْرة الخارج منها. واليوم هى وقف على المارستان المنصورى بالقاهرة وبحذاها حمام للرجال، وحمام للنساء ينسبان إليه أيضاً (٦)، وقد اقتنى من الكتب نحواً من مائة ألف كتاب، وهذا شيء لم يفرح به أحد من الوزراء ولا العلماء ولا الملوك، ولا الكتاب. (الرابع) في فضائله: برز في صناعة الإنشاء، وفاق المتقدمين، وله فيه الغرائب مع الأكبار. وقال ابن خلكان (٧): أخبرنى شخص من الفضلاء الثقات المطلعين عليه وعلى حقيقة أمره أن مسودَّات الفاضل إذا جمعت ما تقصر عن مائة مجلد، وله تعليقات في الأوراق. وقال ابن كثير (٨): كان والده (٩) قاضياً بعسقلان فأرسل ولده في الدولة الفاطمية إلى الديار المصرية، فاشتغل بها بكتابة الإنشاء على الشيخ أبى الفتح بن قادوس وغيره، فساد أهل البلاد حتى بغداد، شرقاً وغرباً وبعداً وقرباً.

стр. 709

ولم يكن له في زمانه نظير، ولا عديل، ولا فيما بعده إلى وقتنا هذا مماثل، ولا مناظر ولا نديد. وفى المرآة (١): وقد استعان بآيات الكتاب في كثير من رسائله، ورسائله عشر مجلدات. وسمع قائلاً يقول بيت شعر وهو هذا البيت: لقد ضاع شعرى على بابكم … كما ضاع در على خالِصه (٢) فقال: لو فعلت عَينا هذا البيت، لأَبْصر، وقال العماد: كان الفاضل ممدّحا مدح بمائة ألف بيت من الشعر. وقال ابن كثير: امتدحه الشعراء فأكثروا. وله أشعار كثيرة جدًّا، فمن ذلك قوله: سبقتم بإسداء الجميل تكرّماً … وما مثلكم فيمن تحدّث أو حكى (٣) وقد كان ظنى أن أسابقكم به … ولكن بكت (٤) قبلى فهيج لي البكا وله في بدء أمره: أرى الكتاب كلهم جميعاً … بأرزاق تعمّهم سنيناً ومالى بينهم رزق كأنى … خلقت من الكرام الكاتبينا وسأل الملك العزيز عثمان بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف عن جارية من حظاياه أرسلت [٢٤٩] زراً من ذهب مغلف بعنبر أسود فأنشأ الفاضل يقول: أهدت لك في العنبر في وسطه … زرّ من التبر خفى (٥) اللحام الزرّ (٦) في العنبر معناهما … زُر هكذا مختفيا (٧) في الظلام فعلم العزيز أنها أرادت زيارته في الليل.

стр. 710

وقال ابن كثير: والعجب أن القاضى الفاضل مع براعته وفصاحته التى لا تدانى ولا تجازى، لا تعرف له قصيدة طويلة طنانة، بل له ما بين بيت وبيتين في أثناء الرسائل وغيرها شيء كثير جداً. قلت: والعجب من غفلة ابن كثير عن البرق الشامى للعماد الكاتب، مع أنه ينقل منه وأن فيه من القصائد الطنانة من نظم القاضى الفاضل ما يُسْحر العقول ويُزرى بكل مقول، وقد جمع ديوان نظمه القاضى محيى الدين بن عبد الظاهر، ثم اختار منه كتاباً سمّاه "الدر النظيم من شعر القاضى الفاضل عبد الرحيم"، وذكر له صلاح الدين الصفدى في تذكرته من القصائد ما يخجل الدُرَر الفرائد. وقال بيبرس في تاريخه: وكان الفاضل فريد الزمان، ومالك أزمّة البيان، وله الرسائل المعجزة والمكاتبات البليغة الموجزة، والنظم البديع والشعر المجيد، فمن شعره قصيده قالها متمدّحاً للملك العزيز ابن صلاح الدين. الحُسنُ جاد على الأحباب فازدادُوا … لكن أحبَابنا في الحسن ما جادوا فيهن من شبه الغزلان أربعةٌ … ثغر (١) وطيب وأحداق وأجيادُ وقد بكت لضنى العُشاق أربعةٌ … طب وفرش وسُمَّار وعَّوادُ همىّ بهم زائد زادته أربعةٌ … ينمى ويهنى ويستشرى ويزدادُ وكيف تبقى على العينين أربعةٌ … عدى ودمع وأطراف وسهادِ هيهات يصدق منك الصَبُّ أربعةٌ … عهد ووُدّ وأقوال وميعاد له من الغصن الريان أربعةٌ … عال وبَاه وميال ومَيَّاد له من الكوكب الدرى أربعةٌ … نشر وسُكر وإصدار وإيراد له إذا سُل سيف المزح أربعةٌ … غيظ ووَثب وإيقاد وإزباد ولى من الدهر عما رمت أربعةٌ … كدٌّ وردّ وإقصاءٌ وإقصادُ ولى عن السعى في المرجوّ أربَعةٌ … يَأسٌ وبأسٌ وإخلالٌ وإخلَادُ وللعزيز من الملوك أربعةٌ … قلبٌ ونطق وأخلاق وإحمادُ تجمعت في مديحى فيه أربعةُ … سَبكٌ ونظمٌ وإنشاء وإنشادُ حرابُ راوى ثنائى فيه أربعةُ … نسخ ودَرسٌ وتكرير وإيرادُ أيامنا والليالى فيه أربعةُ … نسك [٢٥٠] وأنس وإعراسٌ وأعْياد فلم يُطِف باعتقاد الخلق أربعةٌ … نصب ورفض وإشراك وإلحاد

стр. 711

الأمن ما سُلكت في الأرض أربعةٌ … بَرٌ وبحرٌ وأغوارٌ وأنْجادُ ما دون منقطع في الأرض أربعةٌ … ليث وذئب وقطاع ومُرّاد تُحْمَى به من بلاد الله أربعةٌ … مصر وشام خراسان وبغداد إن تبق فيها بقايا فهى أربعةٌ … عزم وحزمٌ وأفكارٌ وأرْصاد يثنى عليه من الأوقات أربعةٌ … يوم وشهر وأعوام وآبادُ تندى بجودك عام المحل أربعةُ … أفق وأرض وأنفاس وأكباد وفيه من صادقات السحب أربعةُ … فيض وسيل وإبراق وإبراد أوصاف إنعامه الموصوف أربعة … سَار وثاوٍ ومنفض ومعتاد أعطى العزيز عزيرُ النصر أربعة … عدل وبأس وإرفاق وإرفاد وبشرت عزمَهُ بالنصر أربعةٌ … سعى وسَعد ورايات وأعواد به لنار العدى في الحرب أربعةٌ … رفع وخفض وإطفاء وإيقاد أما الملوك لمولانا فأربعةٌ … رق وجُند وأنصار وأعضادُ هذا وفيك لهم بالحق أربعةٌ … لطف وعطف وتثقيف وإرشاد لك الرعية يوم العَرض أربعةٌ … راء وراو وَمُدّاحٌ وأشهاد كما هم بك في دنياك أربعةٌ … راءٍ وَراج وقوام وسجَادُ وعندهم من ندى نُعماك أربعةٌ … كنز وحرز وأبزَال وأمداد فما يصيبهم ما عشت أربعةٌ … همٌ وغمٌ وأوجال وأنْكاد يأوى إلى بابك المفتوح أربعةٌ … ضعفى ولهفى ورواد وورادُ قَلّتُ عُدَاتك فهي اليوم أربعةٌ … قتلى وأسرى وهراب وحُيّاد يشقى بساعدك المسعود أربعةٌ … هام وأيْد وأسياف وأغماد وحُكمت بك في الكفَّار أربعةٌ … بيض وسمر وأغلال وأصفاد لله في الأرض من ذا البيت أربعةٌ … سحب وروض وأقمار وأطوادُ توارثت منك مُلك الأرض أربعةٌ … نجل وصنو وآباء وأجداد سيماء حال بنى أيوب أربعةٌ … بيضٌ وسمرٌ وأمجادٌ وأنْجادٌ وفيهم من خلال الأسد أربعةٌ … وثب وضخم وإعجال وإلباد [٢٥١] يا من تحدث عن جدواه أربعةٌ … نطق وحال وأرواح وأجساد يسرنى ويسوء القوم أربعةٌ … أهل وصحب وأعداء وحُسّاد

стр. 712

الخامس وفي وفاته: قال السبط: لما تيقن الفاضل استيلاء الملك العادل على القاهرة، دعي على نفسه بالموت؛ خوفًا من ابن شكر وزير العادل، فإنه كانت بينه وبينه وحشة، فخاف أن يستدعيه ويهينه، فقام تلك الليلة يبكي ويتضرع ويُصلي فأصبح ميتًا. وحكى عن الملك المحسن بن صلاح الدين [أنه] (١) قال: اتفق يوم وفاة الفاضل يوم دخول العادل إلى القاهرة، فإنه دخل من باب النصر وخرجنا بجنازته من باب زويلة، ودفن بتربته في القرافة (٢) وقال ابن كثير: وقد كانت وفاته يوم دخل العادل إلى قصر مصر بمدرسته فجأة، يوم الثلاثاء سادس ربيع الآخر، واحتفل الناس بجنازته، وزار قبره في اليوم الثاني الملك العادل وتأسف عليه. (٣) ويقال: توفي ليلة الأربعاء سابع شهر ربيع الآخر سنة ست وتسعين وخمسمائة بالقاهرة فجأة، ودفن في تربيته من الغد بسفح المقطم في القرافة الصغرى، ﵀ رحمة واسعة. السلطان علاء الدين خُوَارَزْم شاه تكش بن أرسلان بن أتسِز بن محمد بن أنوشتكين، من ولد طاهر بن الحسين، صاحب خوارزم وبعض خراسان والرىّ وغيرها من البلاد الجبليّة. توفي في العشرين من رمضان من هذه السنة، ودفن بتربة بناها له بخوارزم. (٤) وفي تاريخ بيبرس: وكان قد سار من خوارزم طالبًا خراسان، وكان به خوانيق، فأشار عليه الأطباء بترك الحركة، فلما قارب شهرستانه اشتّد مرضه، فمات وحمل إلى خوارزم، فدفن بها، وهو الذي قطع دولة السلاجقة من هذه البلاد. وكان عادلًا حسن السيرة، له معرفة جيدة بالموسيقى، حسن المعاشرة، فقيهًا على مذهب أبي حنيفة ﵁، ويعرف الأصول، وبنى مدرسة عظيمة للحنفية. (٥)

стр. 713

وفي المرآة: كان شجاعًا، ملك الدنيا من الصين والهند وما وراء النهر إلى خراسان إلى باب بغداد. كان نوابه في حلوان، وكان ديوانه مائة ألف مقاتل، وهو الذي كسر مملوكهـ مَيانجق عسكر الخليفة، وأزال دولة بني سلجوق. وكان حاذقًا بعلم الموسيقى؛ لم يكن في زمانه ألعب منه بالعود، وحكى أن الباطنية جهزوا إليه رجلًا ليقتله، وكان محترزًا كثيرًا، فجلس ليلة يلعب بالعُود وشَرَّع الخيمة، فاتفق أنه غَنَّي بيتًا بالعجمية وفيه تزاد يذم (١) ومعناه قد أبصرتك، فخاف الباطني منه وارتعد وهرب، فأُخذ وحمل إليه، فقرره، فأمر بقتله. وكان يباشر الحروب بنفسه حتى ذهبت إحدى عينيه في الحرب، وكان يقول: المَلك إذا لم يباشر الحرب بنفسه لا يصلح للمُلك؛ لأنه يكون مثل المرأة. وكان قد عزم على قصد بغداد، فجمع وحشد، فوصل إلى دهسْتان (٢) فتوفي بها في رمضان، فحمل تابوته إلى خوارزم فدفن عند أهله. (٣) ذكر تولية ولده قطب الدين محمد بن علاء الدين تكش لما مات علاء الدين خوارزم شاه المذكور أرسلوا إلى قطب الدين محمد ولده يستدعونه، فحضر فملّكوه، ولقب علاء الدين محمد بن تكش بن أرسلان، وكان على شاه بن تِكش بأصبهان، فأرسل إليه خوارزم شاه محمد أخوه يستدعيه، فلما وصل إليه [٢٥٢] ولاه حرب خراسان وسلم إليه نيسابور، وكان هندوخان بن ملكشاه بن خوارزم شاه تكش يخاف عمّه محمدًا فهرب منه إلى جِدّه، وكان معه عند موته، ونهب كثيرًا من خزائن جده، ثم أنه جمع جمعًا كثيرًا بخراسان، وسيَّر إلى عمه جيشًا مقدمهم جفر التركي فدخل مدينَة مرو، وبها والدة هندوخان وأولاده، فأمر بإرسالهم إلى خوارزم، ولحق هندوخان بغياث الدين صاحب غزنة فأكرمه ووعده النصرة، وأرسل إلى محمد بن جبريل (٤) صاحب الطالقان يأمره بالمسير إلى مرو الروذ (٥) فسار إليها فأخذها، ثم أرسل إلى جَفر بأمره بإقامة الخطبة بمرو لغياث الدين أو يفارق البلد، فكتب إليه يسأله أن

стр. 714

يأخذ له أمانًا من غياث الدين ليحضر إلى خدمته، فلما قرأ كتابه كتب إلى شهاب الدين أخيه يأمره بالخروج إلى خراسان؛ ليتفقا على أخذ البلاد التي بيد علاء الدين محمد بن ت كش. (١) الأمير صارم الدين قايماز بن عبد الله النجمي، من أكابر الدولة الصلاحية، توفي في هذه السنة، وكان عند السلطان صلاح الدين بمنزلة الأستاذ دار، وهو الذي تَسَلَّم القصر حين مات العاضد، آخر خلفاء الفاطميين، فحصل له أموال جزيلة جدًا، وكان كثير الصدقات والأوقاف، وقد تصدق في يوم بسبعة آلاف دينار عينا، وهو واقف المدرسة القيمازية، شرقي القلعة بدمشق، وقد كانت دار الحديث الأشرفية دارًا لهذا الأمير، وله بها حمام، فاشترى ذلك فيما بعد الملكُ الأشرف موسى بن الملك العادل، وبناها دار حديث، وأخرب الحمام وبناء مسكنًا للشيخ المدرس بها، ولما توفى الأمير قايماز في هذه السنة ودفن في قبره نبشت دوره وحواصله، وكان متهمًا بمال جزيل، فكان متحصل ما جمع من ذلك مائة ألف دينار، وكان يظن أن عنده أكثر من ذلك، ولكن كان يدفن أمواله في الخرائب من أرض ضياعه وقراه. (٢) وقال بيبرس: وكان لقب قايماز المذكور صارم الدين، وكان من أكابر مماليك نجم الدين أيوب والد صلاح الدين، وكان عظيم القدر عند صلاح الدين؛ إذا فتح بلدًا سلمه إليه واستأمنه عليه، وكان كثير الصدقات وأفعال الخير، بنى القنطرة بين خسقين ونوي وغيرها، والمدرسة المجاورة لداره بدمشق عند باب القلعة. وكان الملك العادل قد جعله بدمشق مع ولده الملك المعظم عيسى ثقةً به، فتوفي بدمشق في جمادى الأولى من هذه السنة. وظهرت له أموال عظيمة؛ فيقال: إنه وجد له في أسفل البركة مائة ألف دينار. (٣) الأمير الكبير لؤلؤ: أحد الحجاب بالديار المصرية، ومن أكابر الأمراء في الدولة الصلاحية، وهو الذي كان يتسلم الأصطول في البحر، فيكون كالشجي في حلوق

стр. 715

الإفرنج في البحر، وقد كان مع كثرة جهاده كثير الصدقات، والنفقات، وكان بديار مصر غلاء شديد (١) وكان يتصدق في كل يوم باثني عشر ألف (٢) رغيفًا (٣)، لاثني عشر ألف فقير، وتوفي في هذه السنة. (٤) وفي المرأة: قال العماد: وقع الغلاء بمصر في السنة الماضية وهذه، فكان يخبز كل يوم أربعة وعشرين ألف رغيف يفرقها على الفقراء، وفي غير الغلاء كان يخبز كل يوم اثني عشر ألف رغيف، وكان صائمًا قائمًا متعبدًا، وكانت وفاته بالقاهرة [٢٥٣] في جمادى الأولى من هذه السنة. (٥) الوزير نظام الدين (٦) مسعود بن على وزير السلطان خوارزم شاه، قتل في هذه السنة، وكان حسن السيرة، شافعي المذهب، له مدرسة عظيمة بخوارزم، وجامع هائل، وبنى بمرو جامعًا عظيمًا للشافعية، فحسدتهم الحنابلة، وشيخهم يقال له: شيخ الإسلام، فيقال: إنهم أحرقوه فأغرمهم السلطان خوارزم شاه ما عزم الوزير عليه والله أعلم. (٧) * * *

стр. 716

فصل فيما وقع من الحوادث في السنة السابعة والتسعين بعد الخمسمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله، وسلطان مصر والشام الملك العادل أبو بكر بن أيوب أخو السلطان صلاح الدين، ونائبه بالديار المصرية ابنة الملك الكامل محمد بن العادل، ونائبه بدمشق ابنه الملك المعظم شرف الدين عيسى ابن الملك العادل، وسلطان حلب الملك الظاهر غازي ابن السلطان صلاح الدين، وهو مجد في تحصين حلب خوفًا من عمه الملك العادل، ونائب الملك العادل بالشرق ابنه الملك الفائز إبراهيم (١)، وبميافارقين ابنه الملك الأوحد نجم الدين أيوب ابن الملك العادل، وصاحب الروم السلطان ركن الدين سليمان بن قليج أرسلان السلجوقي، وصاحب آمد وحصن كيفا سقمان بن محمد بن قرا أرسلان بن داود بن سقمان بن أرتق، ولكنه مات في هذه السنة، وملك الغورية سلطان غزنة وغيرها غياث الدين. وصاحب خوارزم وغيرها الملك علاء الدين محمد بن تكش، وصاحب أذربيجان وبلادها وغيرها الأمير أبو بكر ابن البهلوان، وصاحب مكة قتادة الحسنى، وصاحب المدينة سالم بن قاسم، وصاحب المغرب السلطان محمد الناصر بن السلطان يعقوب المنصور بن يوسف بن عبد المؤمن بن على القيسي الكومى، وصاحب اليمن سيف الإسلام، وصاحب الموصل وغيرها السلطان الملك العادل نور الدين أبو الحارث أرسلان شاه بن عز الدين مسعود بن قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكي، وصاحب جزيرة ابن عمر معز الدين سنجر شاه بن سيف الدين غازي بن مودود بن زنكي، ابن عم نور الدين المذكور. ذكر ماجريات الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين صاحب حلب وفي هذه السنة سار الملك الظاهر إلى منبج وبها شمس الدين عبد الملك بن محمد ابن عبد الملك بن المقدم (٢)، وكان ملكها بعد موت أخيه عز الدين إبراهيم بن محمد في هذه السنة، كما نذكره عن قريب إن شاء الله تعالى. ولما أتى الملك الظاهر إلى منبج

стр. 717

حاصرها وملكها وعصى عبد الملك بالقلعة فحصره، فنزل عبد الملك بالأمان، فاعتقله الملك الظاهر بقلعة حلب، وملك قلعة منبج، ثم سار إلى قلعة نجم، وبها نائب ابن عبد المقدم، فحصرها وملكها في آخر رجب، ثم أرسل إلى الملك المنصور صاحب حماة يبذل له منبج، وقلعة نجم، على أن يصير معه على عمه العادل، فاعتذر صاحب حماة باليمين التي في عنقه للعادل، ولما أيس الظاهر منه سار إلى المعرة وأقطع بلادها، واستولى على كفر طاب، وكانت لابن المقدم ثم سار إلى أفامية وبها قراقوش نائب ابن المقدم، فامتنع من [٢٥٤] تسليمها فأرسل الظاهر إلى حلب وأحضر عبد الملك بن المقدم من حلب وكان معتقلًا بها كما ذكرنا، وأحضر معه أصحابه الذين اعتقلهم وضربهم قدام قراقوش ليسلم أفامية فامتنع من ذلك، فأمر الظاهر بضرب عبد الملك بن المقدم فضرب ضربًا شديدًا وبقي يستغيث، فأمر قراقوش بضرب النقارات على قلعة أفامية لئلا يسمع أهل البلد صراخه، ولم يسلم القلعة فرحل عنها الظاهر وتوجه إلى حماة وحاصرها لثلاثة بقين من شعبان، ونزل شمالي البلد، وزحف (١) من جهة الباب الغربي، وقاتل قتالًا شديدًا، ثم زحف في آخر شعبان من الباب الغربي، والباب القبلى وباب العُميان، وجرى قتال شديد وجرح الملك الظاهر بسهم في ساقه واستمرت الحرب إلى أيام من رمضان، فلما لم يحصل على غرض، صالح الملك المنصور على مال يحمله إليه، قيل: إنه ثلاثون ألف دينار (٢) صورية (٣). وقال بيبرس: وكان الظاهر قد أرسل رسلًا إلى عمه العادل في الصلح قبل أن يجرى ما ذكرنا، فلما وصلت رسله إلى بلبيس رسم العادل أن لا يدخلوا إلى القاهرة فرجعوا ولم يقض لهم شغلا، فوجدوا ميمون القَصْرِيَّ نازلًا على باب بلبيس فاجتمعوا به ورغبوه في الخدمة الظاهرية، ومضى إلى صرخد وبها الظافر أخو الأفضل، ولحق به جماعة من الأمراء الصلاحية ووافقوه على رأيه، واعتزل عنه فخر الدين جهركس في قلاعه، وكان بيده بانياس وهونين وتبنين وشقيف أرنون، ووافقه على الاعتزال زين الدين قراجا، وكان باطنهما مع الملك العادل.

стр. 718

ولما وصلت مكاتبات ميمون إلى الظاهر والأفضل وهو يحرضها على المجيء، ويبذل لهما من نفسه المواثيق والعهود على المناصرة والمظافرة، خرج الظاهر من حلب وقدم عليه أخوه الأفضل، وسارا إلى أن نزلا أفامية وبها قراقوش مملوك عز الدين بن المقدم (١) فامتنع من تسليم البلد كما ذكرناه الآن، ثم إن الظاهر لما انفصل أمره من جهة حماة بالمصالحة على المال كما ذكرناه، رحل إلى دمشق ومعه أخوه الأفضل، وحضر إليهما ميمون القصري صاحب نابلس ومن كان اجتمع إليه من عساكر مصر، واتفقوا جميعًا، وجاءوا إلى دمشق وبها الملك المعظم عيسى بن الملك العادل وهو صبي صغير، والقيم بأمره فلك الدين سليمان أخو العادل لأمه، وعز الدين أسامة، فلما اجتمعوا عليها حاصروها حصارًا شديدًا، واستقرت القاعدة بين الأخوين الظاهر والأفضل أنهما متى ملكا دمشق يتسلمها الملك الأفضل، ثم يسيران ويأخذان مصر من العادل ويتسلمها الأفضل وتسلم دمشق حينئذ إلى الظاهر، بحيث تبقى مصر للأفضل، ويصير الشام جميعه للظاهر، وكان قد تخلف من أكابر الأمراء الصلاحية عنهما فخر الدين جهر كس وزين الدين قراجا، فأرسل الأفضل، وسلم صرخد إلى زين الدين قراجا، ونقل الأفضل، والدته وأهله إلى حمص عند شيركوه، ولما بلغ العادل حصار الأخوين دمشق خرج بعساكر مصر وجاء إلى نابلس وأقام بها ولم يجسر على قتالهما. واشتدت مضايقة الأخوين الأفضل والظاهر لدمشق وتعلق النقابون [٢٥٥] بأسوارها. (٢) وفي المرآة (٣): فوصلوا إلى باب الفراديس وأحرقوا فندق تقي الدين، وقاتلهم المعظم وحفظ البلد فأقاموا شهرين وقيل شهر ذي القعدة، واختلف أصحاب التواريخ في أمرهم بعد ذلك. فقال صاحب المرآة: بعث الملك العادل إلى الأخوين الأفضل والظاهر فأوقع بينهما الخلف فرحلوا سلخ ذي القعدة (٤)، وجاء العادل فدخل دمشق ومضى المعظم وجهركس

стр. 719

وقراجا فحاصروا بانياس وبها حسام الدين بشارة فقاتلهم فقتل ولده وأخرجوه من البلاد وتسلمها جهركس وتسلم قراجا صرخد. (١) وفي تاريخ بيبرس: لما جاء العادل إلى نابلس خاف العاقبة وجعل يعمل الحيل والمكائد في التفريق بين الظاهر والأفضل، ويستفسد قلوب الأمراء الذين معهما، ووعد الظاهر إن هو فارق أخاه أن يملكه قطعة من بلاد الشرق التي بيده، وكاتب الظاهر زين الدين قراجا، وفخر الدين جهركس، واستمالهما وأرغبهما، واستقر الأمر أن يسلم الأفضل إلى قراجا صرخد وعشرة آلاف دينار وأن يعطى الأمير فخر الدين إياز [جهركس] (٢) عشرين ألف دينار، فسلم الأفضل صرخد إليهما كما تقرر، فغضب الظافر على أخيه الأفضل، وجرت بينهما بسببها منازعات اقتضت مفارقته وانفصاله عن الأفضل والظاهر. وأما فخر الدين جهركس وزين الدين قراجا، فإنهما لما تسلما حصن صرخد سارا إلى الظاهر والأفضل وانحازا إليهما، فطابت قلوبهما وقوي عزمهما على فتح دمشق، فأخذ حينئذ فخر الدين جهركس، وقراجا، في التفنيد والتوقيف عن قتال دمشق، وظهر للظاهر والأفضل ذلك منهما، وهما أيضًا علما أن الظاهر والأفضل اطلعا على ذلك فهربا بالليل، وتوجها إلى بانياس فأرسل الظاهر إليهما وقبح فعلهما، فأعادا جوابه بأنه متى فتح دمشق كانا في خدمته. ثم إن الظاهر جد في حصار دمشق وقاتل بنفسه وأصابه في رجله سهم، وخرج جماعة من عسكره فانحل عزمه عن دمشق، ورجع إلى بلاده والأفضل معه ولم ينالا غرضا، ثم إن الأفضل أرسل إلى عمه العادل فطلب منه شميساط وسروج ورأس العين، فأنعم له بها. وحلف له عليها. وأرسل الظاهر إليه يطلب منه منبج وأفامية وكفر طاب، فأنعم له بها أيضا، فمضى الأفضل إلى شميساط وتسلمها وبقي بها إلى أن مات. (٣) وأما ميمون القصري صاحب نابلس فإن العادل كان قد لاطفه قبل خروجه من مصر، فلم يلتفت إليه ولا أجابه وصار مع الظاهر، ولما رحل الظاهر عن دمشق رحل في

стр. 720

خدمته، فأكرمه وأقطعه إقطاعة عظيمًا، وهو أعزاز وقلعتها، ونهر الجوز (١) وبلاده وجسر الحديد وبلادها وأماكن أخر متفرقة، وأعطاه مالًا وخلعًا وبقي في خدمته إلى أن مات في ستة عشر وستمائة. وسار الملك العادل إلى دمشق وتقرر الصلح بينه وبين المنصور صاحب حماه وزوجه (٢) ابنته، وأقطع الأمير فخر الدين جهركس بلاد حسام الدين بشارة تبنين وهونين، فامتنع بشارة من تسليمها [٢٥٦] وكاتب الملك الظاهر يستنجده، فأجابه وأرسل إليه نجدة الأمير عز الدين كرز أخا أبي الهيجاء السمين، وبلغ ذلك العادل، فجهز صحبة جهركس عسكرًا وافرًا لحصار تبنين، فساروا إليها وحاصروها مدةً ثم عجزوا وتركوها. وفي تاريخ المؤيد وغيره: لما اشتدت مضايقة الأخوين الأفضل والظاهر لدمشق وتعلق النقابون بأسوارها، حسد الظاهر أخاه الأفضل على ملك دمشق وقال له: أريد أن تسلم إلىَّ دمشق الآن، فقال له الأفضل: إن حريمي مثل حريمك وهم على الأرض وليس لنا موضع نقيم فيه، فهب هذه البلدة لي حتى تملك مصر وتأخذها، فامتنع الظاهر من ذلك، وكان قتال العسكر والأمراء الصالحية إنما كان لأجل الأفضل، فقال لهم الأفضل: إن كان قتالكم لأجلى فاتركوا القتال وصالحوا الملك العادل، وإن كان قتالكم لأجل أخى الظاهر فأنتم وإياه. فقالوا: إنما قتالنا لأجلك. وتخلوا عن القتال وأرسلوا وصالحوا الملك العادل، وخرجت السنة وهم محاصرون دمشق، وقد تفرقت العساكر، فرحل الظاهر عن دمشق في أول المحرم سنة ثماني وتسعين وخمسمائة، وسار الأفضل إلى حمص. (٣) وفي تاريخ ابن كثير: وقد كان الظاهر وأخوه الأفضل كتبا إلى صاحب الموصل نور الدين أرسلان الأتابك أن يحاصر مدن الجزيرة التي مع عمهما الملك العادل، فركب في جيشه وأرسل إلى ابن عمه قطب الدين صاحب سنجار، واجتمع معهما صاحب ماردين الذي كان العادل قد حاصره وضيق عليه مدة طويلة - كما ذكرنا - فقصدت العساكر

стр. 721

حرّان وبها الملك الفائز بن العادل فحاصروه مدة، ثم لما بلغهم وقوع الصلح بين العادل وبين ابني أخيه الأفضل والظاهر عللوا إلى المصالحة أيضا، وذلك بعد طلب الفائز ذلك منهم، وتمهدت الأمور واستقرت على ما كانوا عليه. (١) وفي هذه السنة اعتقل الملك العادل المؤيد والمعز ولدى أخيه الناصر صلاح الدين (٢)، ونفي من مصر عز الدين أيبك فطيس، والِبْكي الفارسي، وخزبك الفارسي، فمضوا إلى حلب. ذكر مسير غياث الدين ملك الغورية من غزنة إلى هراة لما سار من غزنة في عساكره وجنوده ووصل إلى هراة وكان بها نائبه الأمير عمر بن محمد المرغني، استشاره فأشار عليه بالكف عن قصد البلاد، ثم حضرا أخوه شهاب الدين وصحبته عساكر سجستان وغيرها وقصدوا مرو، فخرج إليهم جقر وفتح البلد وسلمها إلى هندوخان بن ملكشاه بن ت كش، ثم سار إلى مدينة سرخس فتملكها صلحا وسلمها إلى الأمير زنكي بن مسعود، وأقطعه معها نسا (٣) وأبيورد (٤)، ثم سار بالعساكر إلى طوس فأخذها صلحًا، وخرج إليه مستحفظها فخلع عليه، ثم أرسل إلى علي شاه بن خوارزم شاه وهو إذ ذاك بنيسابور فأَمّره على صاحب آمد، وكانت في ملك أخيه محمود -ولقبه قطب الدين واسمه سقمان بن محمد بن قرا أرسلان بن داود، وكان صاحب آمد وحصن كيفا فسقط من سطح جوسق عال بحصن كيفا فمات، وكان شديد الكراهية لأخيه محمود فأبعده وأنزله حصن منصور [٢٥٧] (٥) آخر بلاده، واتخذ مملوكًا اسمه أياس: وكان يحبه حبًّا شديدًا، فزوجه أخته وجعله ولي عهده. فلما اتفقت وفاته ملك أياس بعده أيامًا يسيرة، فوقعت الوحشة بينه وبين وزير سقمان، فسير استدعى محمودًا سرًا فملكهـ وقبض على أياس ثم أطلقه فسارة إلى بلاد الروم وأقام بها. (٦)

стр. 722

وفي تاريخ ابن الأثير (١): وفي رمضان من هذه السنة ملك ركن الدين سليمان بن قليج أرسلان صاحب بلاد الروم مدينة ملطية، وكانت لأخيه معز الدين قيصر شاه بن قليج أرسلان، ثم سار ركن الدين إلى أرزن الروم وكانت للملك محمد بن صلتق وهو من بيت قديم ملكوا أرزن الروم مدة طويلة، فطلع صاحب أرزن الروم ليصالح ركن الدين فقبض عليه وأخذ البلد منه وكان هذا محمد آخر الملوك من أهل بيته. (٢) ذكر ما وقع من الأمور المزعجة الغريبة منها أنه كانت زلزلة عظيمة امتدت من بلاد الشام إلى الجزيرة وبلاد الروم والعراق، وكان جمهورها وعظيمها بالشام، تهدمت منها دور كثيرة، وقرية من أرض بصرى، وأما السواحل فهلك منها شيء كثير، وخربت محال كثيرة من طرابلس وصور وعكا ونابلس، ولم يبق بنابلس سوى حارة السامرة ومات بها ثلاثون ألفًا تحت الردم، وسقطت طائفة كبيرة من المنارة الشرقية بجامع دمشق وأربع عشرة شرفة وغالب الكلاسة والمارستان النوري، وخرج الناس إلى الميادين يستغيثون، وسقط غالب قلعة بعلبك مع وثاقة بنيانها (٣)، وانفرق البحر إلى قبرس وقذف بالمراكب إلى ساحله، وتعدت الزلزلة إلى ناحية الشرق فسقطت بسببها دور كثيرة ومات أمم لا يحصون كثرة (٤). وفي مرآة الزمان: جاءت في شعبان زلزلة عظيمة من الصعيد فعمت الدنيا في ساعة واحدة، فهدمت بنيان مصر، فمات تحت الردم خلق كثير، ثم امتدت إلى الشام والساحل فهدمت مدينة نابلس فلم يبق بها جدارًا قائمًا إلا حارة السمرة، ومات تحت الهدم ثلاثون ألفا، وهدمت جميع قلاع الساحل وامتدت إلى دمشق فرمت بعض المنارة الشرقية بجامع دمشق وأكثر الكلاسة والمارستان النوري وعامة دور دمشق إلا القليل، وسقط من الجامع ست عشرة شرفة وشققت قبة النسر وخسف بالكلاسة، وتهدمت بانياس وهونين وتبنين، وخرج قوم

стр. 723

من بعلبك بجنون الربياس من جبل لبنان، فالتقى عليهم الجبلان وماتوا (١) بأسرهم، وهدمت قلعة بعلبك مع عظيم حجارتها ووثيق عمارتها وامتدت إلى حمص وحماة وحلب والعواصم، وقطعت البحر إلى قبرس وانفرق البحر فصار أطوادًا وقذف بالمراكب إلى الساحل، فتكسرت ثم امتدت إلى خلاط وأرمينية وأذربيجان والجزيرة، وأحصى من هلك في هذه السنة على وجه التقريب فكان ألف ألف إنسان ومائة ألف إنسان، وكانت قوة الزلزلة في مبدأ الأمر بمقدار ما يقرأ الإنسان سورة الكهف ثم دامت بعد ذلك أيامًا. (٢) ومنها هبوط النيل ولم يعهد ذلك في الإسلام إلا مرة واحدة فإنه بقي منه شيء يسير فوقع (٣) بسببه غلاء عظيم على ما نذكره. ومنها وقوع غلاء عظيم بالديار المصرية [٢٥٨] فهرب الناس إلى المغرب والحجاز واليمن والشام، وتفرقوا تفرق أيدي سبأ، ومزقوا كل ممزق أعظم من سنة اثنتين وستين وأربع مائة في أيام المستنصر (٤)، فإنه كان الناس في هذه السنة في أمر عظيم كان الرجل يذبح ولده الصغير وتساعده أمه على طبخه وتشويه، وأحرق السلطان جماعة فعلوا ذلك ولم ينتهوا، وكان الرجل يدعو صديقه وأعز الناس عليه إلى منزله ليضيفه فيذبحه ويأكله، وفعلوا بالأطباء كذلك وكانوا يدعونهم ليبصروا المرضى فيقتلونهم ويأكلونهم، ونفذت الميتات والجيف من كثرة ما أكلوها، وكانوا يخطفون الصبيان من الشوارع فيأكلونهم، ثم وقع فناء عظيم على ما نذكره. (٥) وحكى أبو شامة أنه أُكلت الكلاب في هذه السنة والميتات بمصر، وأكل من الأطفال والصغار خلق كثير، يشوى الصغير والداه ويأكلانه، وكثر هذا في الناس حتى صار لا ينكر بينهم، ثم صاروا يحتالون على بعضهم بعضا فيأكلون من يقدرون عليه. ومن غلب من قوى ضعيفًا ذبحه وأكله، ووجد عند رجل أربعة مائة رأس من بني آدم وهلك كثير من الأطباء الذين يستدعون إلى المرضى، فيذبحون ويؤكلون وقد استدعى رجل

стр. 724

طبيب فخاف الطبيب وذهب معه على وجل، فجعل الرجل يتصدق على من وجده في الطريق ويذكر ويسبح ويكثر من ذلك، فارتاب به الطبيب وتحيل، ومع هذا حمله الطمع على الاستمرار معه فلما وصلا إلى الدار إذا هي خربة، فارتاب أيضا فخرج رجل من الدار فقال لصاحبه: ما هذا البُطؤ جئت لنا بصيد؟ فلما سمعه الطبيب هرب فما خلص إلا بعد جهد جهيد. (١) وقال الشيخ موفق الدين عبد اللطيف في كتاب أخبار مصر: ثم دخلت سنة سبع وتسعين وخمسمائة وقد يئس الناس من زيادة النيل وارتفعت الأسعار وقحط الناس، وخرجوا من خوف الجوع، وانكرش أهل السواد والريف إلى أمهات البلاد، وانجلي كثير منهم إلى الشام، ودخل إلى القاهرة ومصر منهم خلق كثير، واشتد بهم الجوع ووقع فيهم الموت وعند نزول الشمس الحمل وبئ الهواء ووقع المرض والموتات، واشتد بهم الجوع حتى أكلوا الميتات والجيف والكلاب والبعر والروث، ثم تعدوا ذلك إلى أن أكلوا صغار بني آدم، فكثيرًا ما يعثر عليهم ومعهم صغار مشويون ومطبوخون فيأمر السلطان بإحراق الفاعل لذلك. قال: ورأيت صغيرة مشوية في زنبيل وقد أحضر إلى دار السلطان مع رجل وامرأة زعم الناس أنهما أبواه، فأمر بإحراقهما. ووجد بمصر في رمضان رجل وقد جردت عظامه عن اللحم وأكل كما يفعل الطباخون بالغنم. وأما الأعمال الغريبة فأخبرني الثقة أن أكل بني آدم قد استفاض فيها. وأما أهل الصعيد فإنه استفاض فيهم بيع الأحرار بالثمن البخس حتى تباع الجارية الحسناء بالدراهم النزر. وقال أيضًا: وأحرق في مصر وحدها من الآكلين لبني آدم رجال كثيرة، وإن [٢٥٩] الأكلين إذا أحرقوا أصبحوا وقد أكلوا لأنهم يصيرون شواء، وأحرقت من النساء الآكلات نحوٌ من ثلاثين امرأة، وكل امرأة من هؤلاء تقر عندما تؤخذ أنها أكلت جماعة كثيرة. وكان قوم من الفقراء قد آووا قرب الجزيرة وتستروا ببيوت من طين، فاطلع عليهم وطلب قتلهم، فهربوا فوجدوا في بيوتهم من عظام بني آدم شيئًا كثيرًا. وأخبرني الثقة أنهم وجدوا في بيوتهم أربع مائة جمجمة، ثم وجد بعد هذا كثيرٌ من المساتير يأكلون بني آدم

стр. 725

للتشهي لا للضرورة، وأعجبُ ما شاهدتُ من ذلك أن الرعاع والصبيان ظفروا بامرأة قد شوت صغيرًا فحملوه على أيديهم في السوق والمرأة معهم مسحوبة مشجّجة والناس في غفلة ذاهلون، وأهل السوق مقبلون على شؤونهم لم أر فيهم من يتعجب لذلك ولا ينكر عليه، وما ذلك إلا لشدة أنسهم به وألفتهم لأمثاله وخروجه عندهم عن حد العجب، وربما نبشوا القبور وأكلوا الموتى الطرية، وشهد جماعة أنهم عاينوا حمالين الموتى يبيعون الميت بدرهم ودرهمين ونحو ذلك لقوم يتسترون في المقابر ويختفون في المغائر، وأحضر بين يدي الوالي في بعض الأيام قِدْر كبير وفيها عشرة أيدي مطبوخة كما يفعل بالأكارع من الغنم، وأحضر يومًا آخر قِدْر فيها عدة رؤوس من بني آدم مطبوخة بقمح. وقد شاع ذلك في جميع بلاد مصر حتى في الإسكندرية؛ فإنه من جملة ما روى أنهم وجدوا فيها قدرًا فيها خمسة صغار، وقد ظفر بجماعة في نواحيها وعندهم من لحوم الآدميين قديد مُدّخر، وبعضه في خوابي مملح، وبعضه طبخ وبعضه طري. قال: وقد استفاض بيع الأحرار بالصعيد كما ذكرنا، ثم إنه سرى إلى مصر والقاهرة وحلب منها خلق عظيم، امتلأت بهم أسواق النَّخْس تباع الجارية منهم بدينار ونصف وبربع، ولقد عرضت على جاريتان حسناوتان (١) مراهقتان أحدهما بكر فَسِيمَ فيهما دينار واحد، وأوسقت بهم المراكب والجمال، وسار (٢) بهم التجار بحرًا وبرًا إلى الشام وبلاد الروم والإفرنج وغيرها من البلاد المتاخمة. وأهل المحرّم من سنة ثمان وتسعين وخمسمائة والأمر باق على ما ذكر، والناس مستمرون على هذه الحالة، وبالله المستعان. ومنها وقوع فناء عظيم في الديار المصرية حتى حكى الشيخ أبو شامة في الذيل أن السلطان الملك العادل كَفَّنَ من ماله في مدة يسيرة في هذه السنة نحوًا من مائتي ألف وعشرين ألف ميت، وكثر موت الفقراء بمصر والقاهرة وسائر النواحي، وكثرت الطرحاء، وكان بطرفي القاهرة ميضأتان يحمل إليهما من مات بها، فكان عدد من أحصى بالميضأتين في شهر شعبان خاصة ست (٣) آلاف وثلثمائة نفس سوى من مات منهم بمصر والجزيرة والجيزة والمَقس والقرافتين والطرقات وسائر النواحي، وسوى من أكلته

стр. 726

الكلاب والناس، ومن لم يشعر به في أصول الحيطان، وكان في شهر رمضان نحوًا من ذلك، وفي شوال تسعة آلاف، وفي ذي القعدة اثنا (١) عشر ألفًا، وفي ذي الحجة [٢٦٠] نحوٌ منه. وكان ووقوع الموتان فيهم منذ شوال من سنة ست وتسعين وخمسمائة. (٢) وقال ابن كثير: وفي هذه السنة وقع وباء شديد ببلاد عنزة بين الحجاز واليمن، وكانوا يسكنون في عشرين قرية، فبادت ثماني عشرة قرية لم يبق فيها ديار ولا نافخ نار، وبقيت أنعامهم وأموالهم لاقانى لها، ولا يستطيع أحد أن يسكن تلك [القرى] (٣) ولا يدخلها بل كان من اقترب إلى شيء من هذه [القرى] هلك من ساعته. وأما القريتان الباقيتان فإنه لم يمت [منهما] (٤) أحد ولا عندهم شعور بما جرى على ما حولهم من القرى، بل هم على ما كانوا عليه لم يفقد منهم أحد. وفي المرآة (٥): وصلي إمام جامع الإسكندرية في يوم على سبع مائة جنازة. وقال العماد الكاتب: وفي سنة سبع وتسعين وخمسمائة اشتد الغلاء والبلاء وخرج الناس حذر الموت من الديار، وتفرق فريق مصر في الأمصار. ولقد رأيت الأرامل على الرمال والجمال باركة تحت الأحمال ومراكب الفرنج واقفة بساحل البحر على اللقم يَسترق الجياع باللقم (٦)، وقالوا: إن الغلاء والفناء [اللذين] (٧) وقعا في هذه السنة لم يقعْ مثلهما في السنين الماضية في الإسلام إلا ما وقع في أيام المستنصر العلوي العبيدي. قال ابن كثير (٨): ونهاية ما بلغ القمح في هذه السنة أعني سنة سبع وتسعين وخمسمائة إلى سلخها الأردب بستة دنانير. وقال العز بن تاج الأمناء: كان اشتداد الغلاء والوباء بالديار المصرية بحيث بلغ ثمن الأردب ستة دنانير مصرية، وخلا أهل الأعمال المصرية عنها فتفرقوا في البلاد، وصار إلى بلاد الفرنج منهم جمعٌ حُملوا إلى

стр. 727

الجزائر البحرية، وأقر كثير ممن تفرق في البلاد الإسلامية بالعبودية لمن يؤويه ويطعمه، وأشرفت الأعمال المصرية على الخراب الكلى لولا تدارك لطف الله تعالى بما جرى فيها، والإسعاد بما كان للملك العادل فيها من الغلال التي صرفها في تقاوى البلاد ومؤن أهلها إعانةً لهم ممن كان مُقرًا بها، وتراجع إليها مَنْ قدر على الرجوع من أهلها. ومنها من الأمور العجيبة كائنة غريبة جدًا وقعت في اليمن، وهي أن رجلًا يقال له عبد الله بن حمزة العلوي كان قد تغلب على كثير من بلدان اليمن وجمع نحوًا من اثنى عشر ألف فارس، ومن الرجالة جمعًا كثيرًا، وخافه ملك اليمن المعز إسماعيل بن سيف الإسلام طغتكين بن أيوب، وغلب على ظنه زوال ملكه على يدي هذا المتغلب، وأيقن بالهلكة لضعفه عن مقاومته واختلاف أمرائه عليه، وميلهم إلى هذا العلوى خوفا منه، فقصده العلوى المذكور، فلما كان بينهم مراحل اجتمع خاصة أمرائه معه في المشورة، فأرسل الله تعالى صاعقة فنزلت عليهم فلم يبق منهم واحدا، فاضطرب الجيش فيما بينهم، وأقبل المعز بعسكره فغشيهم وقتل منهم ستة آلاف قتيل، واستقر في ملكهـ آمنًا. (١) ذكر بقية الحوادث منها أن الخليفة استناب نصير الدين ناصر بن مهدي في الوزارة، وأذن للقاضي ابن الشهرزوري في الخروج من بغداد. ومنها أنه حصل فساد الأمراء الصلاحية على الملك العادل، وكان السبب [٢٦١] في ذلك أنه لما دخل مصر شدّد عليهم وناقشهم على ما بأيديهم، فساءت فيه ظنونهم وتغيرت قلوبهم. ثم إن فارس الدين ميمون القصرى عظم عليه استيلاء العادل على ديار مصر وعزل المنصور بن العزيز منها، وأنكر ذلك، وكان حينئذ مقيمًا بنابلس، فكتب إلى العادل: إنا إنما دخلنا في طاعتك ونصرنا على موالينا أولاد الملك الناصر صلاح الدين الأجل الملك العزيز وولده؛ لكيلا يتطرق إليه ضرر، ولا يزول عنه ملكهـ، ولا بد أن نعيده إلى حاله وإلا فسدت بواطن الأجناد ودخل الوهن، فأجابه العادل جواب مغالط. (٢) وفيها كان النيل في نقص عظيم كما ذكرنا (٣)

стр. 728

وفيها حج بالناس طاشتكين. وكان الخليفة قد حبسه ثم أطلقه ورد إليه إقطاعه وماله. (١) ذكر من توفي في هذه السنة من الأعيان أبو طاهر بركات بن طاهر الخشوعي، سند الشام، شارك بن عساكر في كثير من مشايخه، وطالت حيوته بعد وفاته بسبع وعشرين سنة، فألحق الأحفاد بالأجداد. (٢) توفي في هذه السنة عمر بن علي بن عمر الواعظ الحربي (٣)، ولد سنة أربع عشرة وخمسمائة، وسمع الحديث الكثير، وتوفي في شوال بالحربية، ودفن بباب حرب، وكان بين وفاته وبين وفاة ابن الجوزي شهر، سمع ابن الحصين، وقاضى المارستان، وابن السمرقندي وغيرهم. قال أبو المظفر السبط: وفيها توفي عمر بن على شيخنا، وكان صالحًا ثقة، وأنشدنا لنفسه: من داوَم العزلة (٤) في دهره، كان له تصحيفها دائمًا فجانب الخلق جميعًا "وثقه (٥)، بخالق" الخلق تعش سالما الشيخ أبو الفرج بن الجوزي، والكلام فيه على أنواع: (الأول) في ترجمته: هو عبد الرحمن بن علي بن محمد بن على بن عبيد الله بن حمادي بن أحمد بن محمد بن جعفر بن عبد الله بن عبد الرحمن بن النصر بن القاسم ابن عبد الله بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵁، أبو الفرج بن أبي الحسن القرشي التيمي. قال السبط: ورأيت [بخط] (٦) ابن دحية المغربي قال: وجعفر هو الجوزي منسوب إلى فرضة من فُرَض البصرة يقال لها جوزة. وقال الجوهري فُرضة النهر ثلمته التي يُستقى منها، وفُرضة البحر مَحطّ السُفن، والجمع: الفِراض.

стр. 729

قال السبط: ولد جَدّي ببغداد بدرب حبيب في سنة عشر وخمسمائة، وتوفى أبوه وله ثلاث سنين، وكانت له عمة صالحة، وكان أهله تجارًا في النحاس ولهذا رأيت في بعض سماعاته. وكتب عبد الرحمن الصفّار، فلما ترعرع حملته عمته إلى مسجد أبي الفضل بن ناصر فاعتني به وأسمعه الحديث، وقرأ القرآن وتفقه. وقد ذكر من مشايخه في المشيخة نيفًا وثمانين شيخًا، وعنى بأمره شيخه ابن الزاغوني وعلمه الوعظ، واشتغل بفنون العلوم وأخذ اللغة عن أبي منصور الجواليقي، وصنف الكتب في فنون، قيل بلغت مصنفاته نحو ثلثمائة مصنف، وقال ابن كثير: نحوا من أربعمائة (١) مصنف على ما نذكره إن شاء الله. وحضر مجالسة الخلفاء والوزراء والعلماء والأعيان [٢٦٢] وأقل ما كان يحضر مجلسه عشرة آلاف، وربما حضر عنده مائة ألف، وأوقع الله له في القلوب القبول والهيبة، وكان يجلس بجامع القصر والرصافة والمنصور وباب بدر وتربة الخليفة وغيرها. وقال ابن كثير: وربما تكلم من خاطره على البديهة نظمًا ونثرًا، وقد كان فيه تيه (٢) وترفع في نفسه ويسمو بنفسه أكثر من مقامه، وذلك ظاهر في نثره ونظمه فمن ذلك قوله: ما زلت أدرك ما غلا بل ما علا … وأكابد النهج القويم (٣) الأطولا وتجر (٤) بي الآمال في حلباته … جرى السعيد مدى ما أملا (٥) يقضى بي التوفيق فيه إلى الذي … أعيا (٦) سواي توصلا وتغلغلا لو كان هذا العلم شخصًا ناطقًا … وسألته هل زُرت مثلي قال لا (الثاني) في سيرته: قال ابن كثير: كان صيّنا دينا مجموعًا على نفسه، لا يخالط أحدًا، ولا يأكل ما فيه شبهة، ولا يخرج من بيته إلا للجمعة. (٧)

стр. 730

وقال السبط: كان زاهدًا في الدنيا متقللًا منها، وكان يختم القرآن في كل سبعة أيام. وما مازح أحدًا، ولا لعب مع صبي، ولا أكل من جهة لا يتيقن حلّها، وما زال على ذلك الأسلوب حتى توفاه الله . وقد امتحن بما زاحم بها الأنبياء والعلماء والفضلاء والأولياء، وتلقى ذلك بالصبر والحمد والشكر، وقد أثنى عليه العلماء؛ فذكره أبو محمد بن الدبيشي في "الذيل" الذي ذيله على ذيل ابن السمعاني" فقال شيخنا الإمام جمال الدين بن الجوزي صاحب التصانيف في فنون العلوم في التفاسير والفقه والحديث والتواريخ وغير ذلك: وإليه انتهت معرفة الحديث وعلومه، والوقوف على صحيحه و [سقيمه] (١)، وله من المصنفات في المسانيد، والأبواب، والرجال، ومعرفة الأحاديث الواهية والموضوعة، والانقطاع والاتصال، وكان من أحسن الناس كلامًا، وأتمهم نظامًا، وأعذبهم لسانًا، وأجودهم بيانًا. تفقه على أبي بكر الدنيوري، وقرأ الوعظ على الشريف أبي القاسم العلوي، وأبي الحسن بن الزاغوني، وبورك له في عمره وعلمه، فروى الكثير وسمع الناس منه أكثر من أربعين سنة، وحَّدث بمصنفاته مرارًا. (٢) وقال ابن كثير: أحد أفراد العلماء، برز في كثير من العلوم، وجمع المصنفات الكبار والصغار نحوًا من [ثلاثمائة (٣)] مصنف، وكتب بيده نحوا من [مائتي (٤)] مجلدة، وتفرد بفن الوعظ الذي لم يسبق إلى مثله، ولا يلحق شأوه [فيه] (٥) وفي طريقته وشكله، [و] في فصاحته وبلاغته، وعذوبة لفظه، وحلاوة ترصيعه، ونفوذ وعظه، وغوصه على المعاني البديعة، وتقريب الأشياء البعيدة الغريبة بما يشاهد من الأمور الحسنة بعبارة وجيزة سريعة [الفهم والإدراك] (٦)، وله في غيره من العلوم اليد الطولى جدًا، والمشاركات في سائر أنواع العلوم في التفسير، والتاريخ، والحساب، والنظر في النجوم. (٧) وقال السبط: وسمعته يقول على المنبر في آخر عمره: كتبت بإصبعىَّ هاتين ألفي مجلدة، وتاب على يدي مائة ألف، وأسلم على يدي ألف يهودي ونصراني.

стр. 731

(الثالث) في ذكر مصنفاته: التي اشتهرت وعرضت في فنون العلوم في علم التفسير كتاب "العين" بخطه أحد وثمانون جزءًا، إلا أنه لم يُبَيضه ولم يشتهر كتاب "زاد المسير [في علم التفسير] " (١) أربع مجلدات، كتاب "التلخيص" مجلد، كتاب "تذكرة الأديب في علم الغريب" -مجلدة، كتاب تيسير البيان في تفسير القرآن- مجلد، كتاب ناسخ القرآن ومنسوخه - مجلد، ومختصره جزء - كتاب فنون الأفنان في علوم القرآن (٢) مجلد -[٢٦٣] كتاب الوجوه والنظائر مجلد، ومختصره (٣) مجلد، كتاب السبعة في القراءات السبعة أربعة أجزاء، كتاب الإشارة في القراءات المختارة جزء، كتاب تذكرة المتنبه في عيون المشتبه جزء، كتاب غريب الحديث أربعة أجزاء، فذلك خمسة عشر كتابًا، وفي علم الحديث كتاب جامع المسانيد [بالحصى الأسانيد] (٤) سبع مجلدات، كتاب غرز الأثر خمس مجلدات، كتاب الكشف عن معاني الصحيحين أربع مجلدات، كتاب غريب الحديث مجلدان، كتاب الحدائق مجلدان، كتاب الضعفاء والمتروكين مجلدان، كتاب الصلف في المؤتلف والمختلف مجلدان، كتاب العلل المتناهية في الأحاديث الواهية مجلدان، كتاب الموضوعات مجلدان، كتاب الخطأ والصواب من أحاديث الشهاب مجلدان، كتاب تلقيح فهوم أهل الأثر في علم التواريخ والسير مجلد، كتاب الفوائد المنتقاة مجلدان ومختصره مجلد، كتاب نفي النقل ستة وخمسون جزءًا مجلدة، كتاب ناسخ الحديث ومنسوخه مجلدة ومختصره جزء، كتاب أسود الغابة في معرفة الصحابة مجلدة، كتاب النقاب عن الأسماء والألقاب مجلد، كتاب المحتسب في النسب مجلد، كتاب المديح مجلد، كتاب السلسلات مجلد، كتاب أخاير الذخائر مجلد، كتاب المجتبى مجلد، كتاب المشيخة جزء آن، كتاب روضة النائل جزء، كتاب تنوير السلف في المؤتلف والمختلف جزء، كتاب آفة أصحاب الحديث جزء، كتاب المغلق أربعة أجزاء، فذلك ثمانية وعشرون كتابًا، وفي علم التواريخ كتاب المنتظم في تواريخ الملوك والأمم عشر مجلدات، كتاب سلوة المحزون مجلدان، كتاب مناقب بغداد مجلد، كتاب المجد العضدي مجلد، كتاب الطرائف مجلد، كتاب المفاخر في أيام الناصر مجلد، كتاب شذور العقود مجلد، كتاب المصباح المضيء بفضائل المستضيء

стр. 732

مجلد، كتاب الأعاصر في ذكر الإمام الناصر مجلد، كتاب الفخر النوري مجلد، كتاب المجد الصلاحي مجلد، فذلك اثنا عشر كتابًا. وفي علم العربية: كتاب فضائل العرب مجلد، وكتاب الأمثال مجلد، كتاب تقويم اللسان جزءان، كتاب ملح الأعاريب جزءان، كتاب فتوى فقيه العرب جزء، كتاب نزهة أهل الأدب جزء، كتاب المألوف [دون الغريب] (١) جزء، فذلك تسعة كتب. وفي علم الأصول: كتاب منهاج الوصول إلى علم الأصول مجلد، كتاب دفع التشبيه بألف التنزيه أربعة أجزاء، كتاب البدائع الدالة على وجود الصائغ أربعة أجزاء، كتاب منتقد المعتقد جزء، كتاب شرف الإسلام جزء، كتاب ما لا يسع الإنسان جهله جزء، كتاب السر المصون والغوامض، وشفاء على الأمراض، ومسلك العقلاء، ومنهاج أهل الإصابة في محبة القرابة والصحابة كل واحد جزء جزء، فذلك اثنا عشر كتابًا. وفي علم الفقه: كتاب المُذهب في المذهب جزءان، كتاب التحقيق في أحاديث التعليق مجلدان، كتاب الدلائل في مشهور المسائل مجلدان، كتاب مسبوك الذهب مجلد، كتاب التلخيص مجلد، كتاب البلغة مجلد، كتاب الأنصاف في مسائل الخلاف، كتاب البازي الأشهب مجلد، كتاب لفظه [٢٦٤] العجلان مجلد، كتاب كشف الظلمة عن الضياء في الرد على الكيا مجلد، كتاب تهيئة العمل في الجدل ثلاثة أجزاء، كتاب در اللوم والضيم في تحريم الصوم يوم الغيم جزء، كتاب مناسك الحج جزء، كتاب تعظيم الفتوى جزء، كتاب الرد على القائلين بجواز المتعة جزء، كتاب المسائل المفردة جزء، كتاب العدة في أصول الفقه جزء، كتاب الفرائض للوازم الفقيه جزء، فذلك عشرون كتابًا. وفي المناقب: كتاب الوفا في فضائل المصطفى مجلدان، كتاب مناقب عمر بن الخطاب ﵁ مجلد، كتاب مناقب عمر بن عبد العزيز ﵁ مجلد، كتاب مناقب ابن المسيب مجلد، كتاب مناقب الحسن البصري ﵀ مجلد، كتاب مناقب سفيان الثوري مجلد، كتاب مناقب إبراهيم بن أدهم مجلد، كتاب مناقب الفضيل بن عياض مجلد، كتاب مناقب بشر الحافي مجلد، كتاب مناقب أحمد بن حنبل مجلد، كتاب شرف أصحاب الحديث مجلد، كتاب فضائل معروف الكرخي

стр. 733

جزءان، كتاب مناقب رابعة ﵂ جزءان، كتاب فضائل الفقه جزء، كتاب فضائل القدس جزء، كتاب فضائل ليلة الجمعة جزء، كتاب النساء مجلد، كتاب تقريب الطريق الأبعد بفضل مغفرة أحمد (١) جزءان، كتاب تنوير العبش في فضل السود والحبش مجلد، كتاب قيام الليلة ثلاثة أجزاء، كتاب الستر الرفيع جزء، كتاب أسرار الموالي جزء، كتاب مناجزة العمر جزء، فذلك ثلاثة وعشرون كتابًا. وفي الرقائق: كتاب صفوة الصفوة أربع مجلدات، كتاب عيون الحكايات مجلدان، كتاب ملتقط الحكايات مجلد، كتاب أسباب الهداية مجلد، وصولة العقل مجلد، والعزلة جزء، والصلوات والأدعية جزء، والبر والصلة جزء، والأنس والمحبة جزء، والوصية جزء، وذم الحسد جزء، والرياضة جزء، وذم المسكر جزء، والمحاضرات جزء، فذلك أربعة عشر كتابًا. وفي الرياضيات: كتاب ذم الهوى مجلدان، كتاب صيد المخاطر ثلاث مجلدات، كتاب القصاص مجلد، كتاب مثير العزم الساكن مجلد، كتاب الأذكياء مجلد، كتاب المصلين مجلد، كتاب المختار من كلام ابن العقيل ثلاث مجلدات، كتاب الحفاظ مجلد، كتاب الآثار العلوية مجلد، كتاب الظراف والمتماجنين مجلد، كتاب السهم المصيب جزءان، كتاب عجالة المنتظر في الحضر جزءان، كتاب الثبات عند الممات جزءان، كتاب أعمار الأعيان جزءان، كتاب الطب الروحاني جزءان، كتاب عطف الأمراء على العلماء جزءان، كتاب فتوح الفتوح ثلاثة أجزاء، كتاب إعلام الأحياء بأغلاط الأحياء جزءان، كتاب الحث على طلب العلم مجلد، كتاب في الحلاج، وتنبيه النائم، العمر على مواسم العمر، والحث على طلب الأولاد، والوداع والمقاسم لأبي القاسم، والمستدرك على ابن عقيل، ولعنة الكند، والنصر على مصر، والعبيده (٢) والعبيد، والعطف والأخذ على ابن نباته. هذه كلها جزء جزء، فذلك اثنان وثلاثون مصنفًا. وفي علم الطب: كتاب لقط المنافع مجلدان، ومختصره في جزءان، كتاب الشيب والخضاب مجلد، كتاب الحقير النافع جزءان، وطب الأسباخ جزء، والباه جزء، فذلك ستة كتب.

стр. 734

وفي الأشعار: كتاب أحكام الأشعار بإحكام الأشعار مجلدان، والمختار من الأشعار [٢٦٥] عشر مجلدات. وفي الوعظ: كتاب التبصرة ثلاث مجلدات، كتاب المنتخب مجلدان، كتاب المنتجب مجلد، كتاب الذخيرة ثلاثون جزءا، كتاب المستنجد والمستنجد مجلدان، كتاب روس القوارير مجلدان، كتاب الذين من روس القوارير مجلد، كتاب المُدهش مجلد، كتاب مواقف المرافق مجلد، كتاب المقتبس مجلد، كتاب نسيم الرياض مجلد، كتاب محض المحض مجلد، كتاب منتهى المشتهى مجلد، كتاب المرتجل مجلد، كتاب زين القصص مجلدان، كتاب اللطائف مجلد، كتاب اللطف مجلد، كتاب الوعظ النفيس مجلد، كتاب النور مجلد، كتاب المقامات مجلد، كتاب مجالس اليوسيفية مجلد، كتاب احتباس المجالس مجلد، كتاب المقعد المقيم مجلد، كتاب شاهد ومشهود مجلد، كتاب الأرواح أربعة أجزاء، كتاب نسيم السحر ثلاثة أجزاء، كتاب صبا نجد جزءان، كتاب الملهب جزءان، كتاب الزند الموري في الوعظ الناصري ثلاثة أجزاء، كتاب المعلق ثلاثة أجزاء، كتاب الفصول الوعظية على حروف المعجم ثلاثة أجزاء، كتاب مغاني المعاني ثلاثة أجزاء، كتاب الوعظ العنوي جزءان، كتاب لقط (١) الجمان جزءان، كتاب زاهر الجواهر (٢) أربعة أجزاء، كتاب الخواتيم جزءان، كتاب المجالس البدرية أربعة أجزاء، كتاب اليواقيت في الخطب جزءان، كتاب اللآلي في الخطب جزءان، كتاب المقتضب جزءان، كتاب شعب اللمع في خطب الجمع ثلاثة أجزاء، كتاب إيقاظ الوسنان في الرقدات بأحوال الحيوان والنبات والزهر المحوف والطرب والوعظ الملوكي جزءان، وأغاني مغاني المعاني، والمواعظ السلجوقية، ومختصر لقط الجمان، وواسطات العقود، والمحادثة والمناجاة، واللؤلؤة والملح والياقوتة، والتصديقات لرمضان، وكنز المذكر، والتعازي الملوكية، وروح الروح، والمقاطع، وكنوز الرموز، كل واحد من هذه في جزء جزء، فذلك نيف وستون كتابا، ومجموعاته يعني مجموعات تصانيفه مائتان ونيف وخمسون كتابًا. (الرابع) فيما جرى في مجالسه من النوادر المستطرفة والجوابات المستملحة: ومن ذلك قال يومًا في مجلس وعظه: الدنيا نهر طالوت فاعبروها ولا تعمروها، فقام سائل

стр. 735

فقال: كيف أصنع وحبها مجبول (١) في طباعي في يوم زين للناس حب الشهوات؟ فقال الشيخ: إلا من اغترف معي قطرة من القطرات، وقال: والله ما اجتمع لأحد أمله إلا سعى في تفريقه أجله، وقال: عقارب المنايا تلسع وخدران جسم الأمل يمنع الإحساس، وقال: الرواحل في ضي المراحل والأنام نيام، وقال: ماء الحياة في أناء العمر ترشح بالأنفاس. (٢) وقرأ بين يديه قارئ حسن الصوت فأطرب الجماعة، ثم قرأ بعده أخر مزعج الصوت فنغص الجماعة، فقال الشيخ: كان لبعضهم جاريتان مغنينان إحداهما تغني طيبًا والأخرى مزعجًا، فكان إذا غنت الطيبة الصوت يمزق ثيابه، وإذا غنت القبيحة الصوت يقعد يخيط ما مزق. قال السبط: حضر مجلسي بجامع دمشق في ستة عشر وخمسمائة القضاة والأشراف والأعيان، والملك المعظم عيسى ﵀ وشيوخنا جمال الدين الخضرى، وتاج الدين الكندي، والقاضي شمس الدين [٢٦٦] بن سنا الدولة، وكان مجلسًا عظيمًا احتوى على عشرة آلاف وزيادة على باب مشهد على (﵁). وكان بدمشق قارئان أحدهما يقال له النجيب البغدادي صوته طيب، والآخر يقال له الشرف بن محي صوته مزعج، فكان النجيب إذا قرأ طربنا، وابن محي إذا قرأ تنغصنا، فحكت الجماعة حكاية الجاريتين المغنيتين، وكان تاج الدين [الكندى] (٣) قاعدًا في القمة التي في وسط المجلس فصاح: يا ابني كلنا اليوم نخيط، وقال رجل لابن الجوزي: إن فلانًا أوصى عند الموت فقال: طين سطوحه في كانون. وقال له قائل: أنا أفضل أسبح وأستغفر. فقال: الثياب الوسخة أحوج إلى الصابون من البخور. وقال: من قنع طاب عيشه، ومن طمع طال طيشه. وقال: الطاعة تبسط اللسان والمعاصي تذل الإنسان. ووعظ الخليفة يومًا وقال: يا أمير المؤمنين إن تكلمت خفت منك، وإن سكت خفت عليك، فأنا أقدم خوفي عليك على خوفي منك لمحبتي لدوام أيامك، إن قول القائل: اتق الله خير من قول القائل: إنكم أهل بيت مغفور لكم. وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: إذا بلغني عن عامل ظالم أنه قد ظلم الرعية ولم أغيره فأنا الظالم يا أمير المؤمنين. كان يوسف ﵇ لا يشبع في زمان القحط لئلا ينسى الجياع، وكان عمر ﵁ يضرب

стр. 736

بطنه عام الرمادة ويقول: قرقر أو لا تقرقر، فوالله لا شبعت والمسلمون جياع. فتصدق الخليفة، وكان المستضيء يتصدق بصدقات كثيرة ويشبع الجياع ويطلق الحبوس (١). قال ابن خلكان: في مجالس وعظة أجوبة نادرة، فمن أحسن ما يحكى عنه، أنه وقع النزاع ببغداد بين أهل السُنة والشيعة في المفاضلة (٢) بين أبي بكر وعلى - رضى الله عنهما - فرضى الكل بما يجيب به الشيخ أبو الفرج، فأقاما شخصًا وسأله عن ذلك وهو على الكرسي في مجلس وعظه، فقال: أفضلهما من كانت ابنته تحته، ونزل في الحال حتى لا يراجع في ذلك، فقالت السنة [هو] (٣) أبو بكر ﵁ فإن ابنته عائشة ﵂ تحت رسول الله ( ﷺ ). وقالت الشيعة: هو على ﵁ لأن فاطمة ابنة رسول الله ﵇ تحته، وهذا من لطائف الأجوبة (٤)، وقال في قصة الذين عبدوا العجل: لو أن الله خاذلهم، ما خاذلهم، وما يعبد العجل إلا الثور. وقال يومًا وقد طرب أهل المجلس: فَهِمْتم فهمتم. (٥) وقال: قال جبريل للرسول، ﵉: سلم على عائشة، ولم يواجهها بالخطاب احترامًا لزوجها، وواجه مريم لأنه ما كان لها زوج، فمن يحترمها جبريل ﵇ كيف يجوز في حقها الأباطيل؟! وسئل عن لعنة يزيد بن معاوية، فقال: قد أجاز أحمد بن حنبل لعنته، ونحن نقول: ما نحبه لما فعل بابن بنت نبينا ﵇، وحمله آل رسول الله ﵇ سبايا إلى الشام على أقتاب الجمال، وتجرئه على الله ورسوله، فإن رضيتم بهذه المصالحة في قولنا ما نحبه، وإلا رجعنا إلى أصل الدعوى، يعني جواز لعنته. ثم قال: أما أبوه ففي خفارة الصحبة فدعوه من أيديكم، وأنتم في حل من الابن. (٦) وذكر يومًا حديث داود ﵇ ووهبه آدم له من عمره ستين سنة. وأن الله أتم لداود مائة، ولآدم ﵇ ألفا، ثم قال: المتوسط بين اثنين، إذا كان كريمًا عُزم. وله أشعار كثيرة (٧) قيل: إنها نحو عشر [٢٦٧] مجلدات فمن الأشعار المنسوبة إليه قوله:

стр. 737

يا صاحبي إن كنت لي أو معي … فعج على وادي الحمى نرتع وسل عن الوادي وسُكانه … وأنشِد فؤادي من زبي المجمع حي كُثيب الرمل رمل الحمى … وقف وسلم لي على لعلع واسمع حديثًا قد روته الصَّبا … تَسنُده عن بأنه الأجرح وابك فما في العين من فضلة … وَنب فدتك النفس عن مدمعي وانزل على الشيخ بواديهم … وقل ديار الظاعنين اسمعي رفقًا بنضو قد براه الأسى … يا عاذلي لو كان قلبي معي لهفي على طول (١) ليال خلت … عودي تعودي مدنفًا قد نعي إذا تذكرت زمانًا مضى … فويح أجفاني من أدمعي (٢) يا نفس كم أتلو حديث المني … ضاع زماني بالمني فاقطعي ومن أشعاره تملكوا واحتكموا وصار قلبي لهم … تصرفوا في ملكهم فلا يقال ظلموا إن واصلوا مجيهم أو قطعوا فهم هم … أصبر لما شاؤا وإن شاء الذي حكموا (٣) يا أرض سِلْع (٤) خبري وحدثيني عنهم … يا ليت شعري اذغدوا انجدوا أم اتهموا تشتاقهم أرض مني وتشكيهم زمزمُ (٥) (الخامس) في وفاته: توفي ليلة الجمعة بين العشاءين ثاني عشر شهر رمضان، في سنة سبع وتسعين وخمسمائة، وله سبع وثمانون سنة، وحملت (٦) جنازته على رؤوس الناس، ودفن بباب حرب عند أبيه بالقرب من قبر الإمام أحمد ﵁ وكان يومًا

стр. 738

مشهودًا حتى قيل: إنه أفطر جماعة من الناس بسبب شدة الحر وكثرة الزحام (١) وقال: السبط: جلس جدى يوم السبت سابعٍ شهر رمضان تحت تربة الخليفة المجاورة لمعروف الكرخي، وكنت حاضرًا، فأنشد أبياتًا قطع عليها المجلس ولكن: الله أسأل أن يطول مدتى … وأطال بالإنعام ما في نيتي (٢) من أبيات ونزل عن المنبر فمرض خمسة (٣) أيام وتوفي ليلة الجمعة المذكورة في داره بقطعنا، وحضر غسله شيخنا ضياء الدين بن سكنه، وضياء الدين بن الخبير وقت السحر، فاجتمع أهل بغداد، وغلقت الأسواق، وجاء أهل المحال وشددنا التابوت بالحبال، وسلمناه إليهم فذهبوا به إلى تحت التربة مكان جلوسه، فصلى عليه ابنه أبو القاسم على اتفاقًا لأن الأعيان لم يقدروا على الوصول إليه، ثم ذهبوا به إلى جامع المنصور فصلوا عليه، وضاق بالناس وكان يومًا مشهودًا (٤)، ونزل في الحفرة والمؤذن يقول: الله أكبر. وحزن الناس عليه حزنًا كبيرًا، وبكوا بكاءً شديدًا، وباتوا عند قبره طول شهر رمضان يختمون الختمات بالشموع والقناديل والجماعة، وزاره في تلك الليلة رجل من أهل الحربية محدث اسمه أحمد بن سليمان ويلقب بالسكر، فرآه في منامه، وهو على منبر من ياقوت مرصع بالجواهر وهو جالس في مقعد صدق، والملائكة جلوس بين يديه، والحق حاضر يسمع كلامه، قال: وأصبحنا يوم السبت [٢٦٨] وعملنا عزاء وتكلمت فيه، وحضر خلق عظيم، وقام الناصر العلوي الموسوي من مشهد موسى بن جعفر ﵄ فأنشد: الدهر عن طمع يغر ويخدع … وزخارف الدنيا الدنية تُطمع وأعنة الآمال يطلقها الرجا … طمعًا وأسياف المنية تُقطع والمرء مع علم بها متشوف … أبدًا إلى نيل المُنى مُتطلع يا لاهيًا أمن الحوادث غِرة … تعدو بصفو زمانه تتمتع

стр. 739

ألست يا مغرور يا ثقة الردي … أأمنت من حدثانه ما تفزع؟ والموت آت والحياة مريرة … والناس بعضهم لبعض تتبع وأخو البصيرة من لخير زارع … والمرء يحصد في غد ما يزرعُ واعلم بأنك عن قليل صائرٌ … خبرًا فكن خبرًا لخير تسمع (١) العلا أبي الفرج الذي بعد التقى … والعلم يوم حواه هذا المضجع من أبيات ومنها: قد كنت كهفًا للشريعة والهدي … خيرًا بأنوار الهداية تلمع يا قبره جازتك كل غمامة هطالة … رَكانة لا تقلع الأبيات. قال السبط: وأوصى جدي أن يكتب على قبره: يا كثير العفو عمن … كثر الذنوب لديه جاءك المُذنُب يرجو … الصفح عن جرم يديه أنا ضيف وجزاء … الضيف إحسانٌ إليه وكان له من الأولاد الذكور ثلاثة: عبد العزيز وهو أول أولاده وكنيته أبو بكر، تفقه على مذهب أحمد، وسمع أبا الوقت وابن ناصر وآخرين من مشايخ والده، وسافر إلى الموصل ووعظ وحصل له القبول التام. فيقال: إن بني الشهرزوري حسدوه فدسوا إليه من سقاه السم، فمات شابة بالموصل سنة أربع وخمسين وخمسمائة (٢). (والثاني) أبو القاسم على وقد كتب كثيرًا وسمع الحديث، وهو الذي أظهر مصنفات والده وباعها بيع العبيد، ولما مضى أبوه إلى واسط كانت كتبه في داره بدرب دينار (٣)؛ فتحيل عليها بالليل والنهار حتى أخذ منها ما أراد وباعها ولا بثمن المداد. وكان أبوه قد هجرة مدة سنين، وتوفي في سنة ثلاثين وستمائة، وله ثمانون سنة.

стр. 740

(والثالث) أبو محمد يوسف ولقبه محيي الدين ولد في سنة ثمانين وخمسمائة، وسمع الحديث الكثير وتفقه وناظر، ونشأ على الطريق الرشيدة والخلائق الحميدة، وهو كان السبب في خلاص والده من واسط، ووعظ بعد وفاة أبيه تحت تربة والدة [الخليفة] (١) وقامت بأمره أحسن قيام، وولي حسبة بغداد، وسلك طريق العقل والسداد، وترسل عن الخلفاء إلى الملوك وتقلبت به الأحوال إلى سنة أربعين إلى أن ولى أستاذ دارته الإمام المعتصم بالله أمير المؤمنين وأول ترسله عن الملك الظاهر في سنة ثلاث وعشرين وستمائة إلى أولاد العادل: الأشرف، والمعظم، والكامل، وآخر ما انفصل عن الشام في سنة خمس وثلاثين وستمائة إلى بغداد. وفي تلك السنة توفي صاحب الروم، والكامل، والأشرف، وكان للشيخ أبي الفرج عدة بنات منهن: والدة أبي المظفر صاحب مرآة الزمان واسمها رابعة، وشرف النساء، وزينب، وجوهرة، وست العلماء الكبرى، وست العلماء الصغرى، وكلهن [٢٦٩] سمعن الحديث من والدهن أبي الفرج وغيره. (٢) العماد الكاتب: أبو عبد الله محمد بن صفي الدين أبي الفرج محمد بن نفيس الدين، أبو الرجاء حامد بن محمد بن عبد الله بن علي بن محمود بن هبة الله، المعروف بأَلُه الملقب عماد الدين الكاتب الأصفهاني، المعروف بابن أخي العزيز (٣)، وكان فقيهًا شافعي المذهب، تفقه بالمدرسة النظامية زمانًا، وأتقن الخلاف وفنون الأدب، وله من الشعر والرسائل ما يغني عن الإطالة في شرحه، وكان قد نشأ بأصبهان، وقدم بغداد في حداثته، وتفقه على الشيخ أبي منصور سعيد بن محمد بن الرزاز، مدرس النظامية، وسمع بها الحديث من بنى أبي (٤) الحسن علي بن هبة الله بن عبد السلام، وأبي منصور محمد بن عبد الملك بن جيرون، وأبي المكارم المبارك بن على السمرقندي، وأبي بكر أحمد بن على بن الأشقر، وغيرهم، وأقام بها مدة.
следующие страницы →