← История

История · id 380

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [565 - 628 هـ]

بدر الدين العيني

Полный текст (1 226 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

بطنه عام الرمادة ويقول: قرقر أو لا تقرقر، فوالله لا شبعت والمسلمون جياع. فتصدق الخليفة، وكان المستضيء يتصدق بصدقات كثيرة ويشبع الجياع ويطلق الحبوس (١). قال ابن خلكان: في مجالس وعظة أجوبة نادرة، فمن أحسن ما يحكى عنه، أنه وقع النزاع ببغداد بين أهل السُنة والشيعة في المفاضلة (٢) بين أبي بكر وعلى - رضى الله عنهما - فرضى الكل بما يجيب به الشيخ أبو الفرج، فأقاما شخصًا وسأله عن ذلك وهو على الكرسي في مجلس وعظه، فقال: أفضلهما من كانت ابنته تحته، ونزل في الحال حتى لا يراجع في ذلك، فقالت السنة [هو] (٣) أبو بكر ﵁ فإن ابنته عائشة ﵂ تحت رسول الله ( ﷺ ). وقالت الشيعة: هو على ﵁ لأن فاطمة ابنة رسول الله ﵇ تحته، وهذا من لطائف الأجوبة (٤)، وقال في قصة الذين عبدوا العجل: لو أن الله خاذلهم، ما خاذلهم، وما يعبد العجل إلا الثور. وقال يومًا وقد طرب أهل المجلس: فَهِمْتم فهمتم. (٥) وقال: قال جبريل للرسول، ﵉: سلم على عائشة، ولم يواجهها بالخطاب احترامًا لزوجها، وواجه مريم لأنه ما كان لها زوج، فمن يحترمها جبريل ﵇ كيف يجوز في حقها الأباطيل؟! وسئل عن لعنة يزيد بن معاوية، فقال: قد أجاز أحمد بن حنبل لعنته، ونحن نقول: ما نحبه لما فعل بابن بنت نبينا ﵇، وحمله آل رسول الله ﵇ سبايا إلى الشام على أقتاب الجمال، وتجرئه على الله ورسوله، فإن رضيتم بهذه المصالحة في قولنا ما نحبه، وإلا رجعنا إلى أصل الدعوى، يعني جواز لعنته. ثم قال: أما أبوه ففي خفارة الصحبة فدعوه من أيديكم، وأنتم في حل من الابن. (٦) وذكر يومًا حديث داود ﵇ ووهبه آدم له من عمره ستين سنة. وأن الله أتم لداود مائة، ولآدم ﵇ ألفا، ثم قال: المتوسط بين اثنين، إذا كان كريمًا عُزم. وله أشعار كثيرة (٧) قيل: إنها نحو عشر [٢٦٧] مجلدات فمن الأشعار المنسوبة إليه قوله:

стр. 737

يا صاحبي إن كنت لي أو معي … فعج على وادي الحمى نرتع وسل عن الوادي وسُكانه … وأنشِد فؤادي من زبي المجمع حي كُثيب الرمل رمل الحمى … وقف وسلم لي على لعلع واسمع حديثًا قد روته الصَّبا … تَسنُده عن بأنه الأجرح وابك فما في العين من فضلة … وَنب فدتك النفس عن مدمعي وانزل على الشيخ بواديهم … وقل ديار الظاعنين اسمعي رفقًا بنضو قد براه الأسى … يا عاذلي لو كان قلبي معي لهفي على طول (١) ليال خلت … عودي تعودي مدنفًا قد نعي إذا تذكرت زمانًا مضى … فويح أجفاني من أدمعي (٢) يا نفس كم أتلو حديث المني … ضاع زماني بالمني فاقطعي ومن أشعاره تملكوا واحتكموا وصار قلبي لهم … تصرفوا في ملكهم فلا يقال ظلموا إن واصلوا مجيهم أو قطعوا فهم هم … أصبر لما شاؤا وإن شاء الذي حكموا (٣) يا أرض سِلْع (٤) خبري وحدثيني عنهم … يا ليت شعري اذغدوا انجدوا أم اتهموا تشتاقهم أرض مني وتشكيهم زمزمُ (٥) (الخامس) في وفاته: توفي ليلة الجمعة بين العشاءين ثاني عشر شهر رمضان، في سنة سبع وتسعين وخمسمائة، وله سبع وثمانون سنة، وحملت (٦) جنازته على رؤوس الناس، ودفن بباب حرب عند أبيه بالقرب من قبر الإمام أحمد ﵁ وكان يومًا

стр. 738

مشهودًا حتى قيل: إنه أفطر جماعة من الناس بسبب شدة الحر وكثرة الزحام (١) وقال: السبط: جلس جدى يوم السبت سابعٍ شهر رمضان تحت تربة الخليفة المجاورة لمعروف الكرخي، وكنت حاضرًا، فأنشد أبياتًا قطع عليها المجلس ولكن: الله أسأل أن يطول مدتى … وأطال بالإنعام ما في نيتي (٢) من أبيات ونزل عن المنبر فمرض خمسة (٣) أيام وتوفي ليلة الجمعة المذكورة في داره بقطعنا، وحضر غسله شيخنا ضياء الدين بن سكنه، وضياء الدين بن الخبير وقت السحر، فاجتمع أهل بغداد، وغلقت الأسواق، وجاء أهل المحال وشددنا التابوت بالحبال، وسلمناه إليهم فذهبوا به إلى تحت التربة مكان جلوسه، فصلى عليه ابنه أبو القاسم على اتفاقًا لأن الأعيان لم يقدروا على الوصول إليه، ثم ذهبوا به إلى جامع المنصور فصلوا عليه، وضاق بالناس وكان يومًا مشهودًا (٤)، ونزل في الحفرة والمؤذن يقول: الله أكبر. وحزن الناس عليه حزنًا كبيرًا، وبكوا بكاءً شديدًا، وباتوا عند قبره طول شهر رمضان يختمون الختمات بالشموع والقناديل والجماعة، وزاره في تلك الليلة رجل من أهل الحربية محدث اسمه أحمد بن سليمان ويلقب بالسكر، فرآه في منامه، وهو على منبر من ياقوت مرصع بالجواهر وهو جالس في مقعد صدق، والملائكة جلوس بين يديه، والحق حاضر يسمع كلامه، قال: وأصبحنا يوم السبت [٢٦٨] وعملنا عزاء وتكلمت فيه، وحضر خلق عظيم، وقام الناصر العلوي الموسوي من مشهد موسى بن جعفر ﵄ فأنشد: الدهر عن طمع يغر ويخدع … وزخارف الدنيا الدنية تُطمع وأعنة الآمال يطلقها الرجا … طمعًا وأسياف المنية تُقطع والمرء مع علم بها متشوف … أبدًا إلى نيل المُنى مُتطلع يا لاهيًا أمن الحوادث غِرة … تعدو بصفو زمانه تتمتع

стр. 739

ألست يا مغرور يا ثقة الردي … أأمنت من حدثانه ما تفزع؟ والموت آت والحياة مريرة … والناس بعضهم لبعض تتبع وأخو البصيرة من لخير زارع … والمرء يحصد في غد ما يزرعُ واعلم بأنك عن قليل صائرٌ … خبرًا فكن خبرًا لخير تسمع (١) العلا أبي الفرج الذي بعد التقى … والعلم يوم حواه هذا المضجع من أبيات ومنها: قد كنت كهفًا للشريعة والهدي … خيرًا بأنوار الهداية تلمع يا قبره جازتك كل غمامة هطالة … رَكانة لا تقلع الأبيات. قال السبط: وأوصى جدي أن يكتب على قبره: يا كثير العفو عمن … كثر الذنوب لديه جاءك المُذنُب يرجو … الصفح عن جرم يديه أنا ضيف وجزاء … الضيف إحسانٌ إليه وكان له من الأولاد الذكور ثلاثة: عبد العزيز وهو أول أولاده وكنيته أبو بكر، تفقه على مذهب أحمد، وسمع أبا الوقت وابن ناصر وآخرين من مشايخ والده، وسافر إلى الموصل ووعظ وحصل له القبول التام. فيقال: إن بني الشهرزوري حسدوه فدسوا إليه من سقاه السم، فمات شابة بالموصل سنة أربع وخمسين وخمسمائة (٢). (والثاني) أبو القاسم على وقد كتب كثيرًا وسمع الحديث، وهو الذي أظهر مصنفات والده وباعها بيع العبيد، ولما مضى أبوه إلى واسط كانت كتبه في داره بدرب دينار (٣)؛ فتحيل عليها بالليل والنهار حتى أخذ منها ما أراد وباعها ولا بثمن المداد. وكان أبوه قد هجرة مدة سنين، وتوفي في سنة ثلاثين وستمائة، وله ثمانون سنة.

стр. 740

(والثالث) أبو محمد يوسف ولقبه محيي الدين ولد في سنة ثمانين وخمسمائة، وسمع الحديث الكثير وتفقه وناظر، ونشأ على الطريق الرشيدة والخلائق الحميدة، وهو كان السبب في خلاص والده من واسط، ووعظ بعد وفاة أبيه تحت تربة والدة [الخليفة] (١) وقامت بأمره أحسن قيام، وولي حسبة بغداد، وسلك طريق العقل والسداد، وترسل عن الخلفاء إلى الملوك وتقلبت به الأحوال إلى سنة أربعين إلى أن ولى أستاذ دارته الإمام المعتصم بالله أمير المؤمنين وأول ترسله عن الملك الظاهر في سنة ثلاث وعشرين وستمائة إلى أولاد العادل: الأشرف، والمعظم، والكامل، وآخر ما انفصل عن الشام في سنة خمس وثلاثين وستمائة إلى بغداد. وفي تلك السنة توفي صاحب الروم، والكامل، والأشرف، وكان للشيخ أبي الفرج عدة بنات منهن: والدة أبي المظفر صاحب مرآة الزمان واسمها رابعة، وشرف النساء، وزينب، وجوهرة، وست العلماء الكبرى، وست العلماء الصغرى، وكلهن [٢٦٩] سمعن الحديث من والدهن أبي الفرج وغيره. (٢) العماد الكاتب: أبو عبد الله محمد بن صفي الدين أبي الفرج محمد بن نفيس الدين، أبو الرجاء حامد بن محمد بن عبد الله بن علي بن محمود بن هبة الله، المعروف بأَلُه الملقب عماد الدين الكاتب الأصفهاني، المعروف بابن أخي العزيز (٣)، وكان فقيهًا شافعي المذهب، تفقه بالمدرسة النظامية زمانًا، وأتقن الخلاف وفنون الأدب، وله من الشعر والرسائل ما يغني عن الإطالة في شرحه، وكان قد نشأ بأصبهان، وقدم بغداد في حداثته، وتفقه على الشيخ أبي منصور سعيد بن محمد بن الرزاز، مدرس النظامية، وسمع بها الحديث من بنى أبي (٤) الحسن علي بن هبة الله بن عبد السلام، وأبي منصور محمد بن عبد الملك بن جيرون، وأبي المكارم المبارك بن على السمرقندي، وأبي بكر أحمد بن على بن الأشقر، وغيرهم، وأقام بها مدة.

стр. 741

ولما تخرج ومهر تعلق بالوزير عون الدين يحيى بن هبيرة ببغداد، فولاه النظر بالبصرة، ثم بواسط، ولم يزل ماشي الحال مدة حيوته، فلما توفي تشتت شمل أتباعه والمنتسبين إليه، ونال المكروه [بعضهم] (١) وأقام العماد مدة في عيش منكر، وجفن مسهد، ثم انتقل إلى مدينة دمشق فوصلها في شعبان سنة اثنتين وستين وخمسمائة، وسلطانها يومئذ الملك العادل نور الدين محمود الشهيد، وحاكمها ومتولى أمورها ومدبر دولتها القاضي كمال الدين أبو الفضل محمد بن الشهرزوري، فتعرف به وحضر مجالسه، وذكر لديه مسألة في الخلاف، وعرفه الأمير الكبير نجم الدين أيوب والد السلطان صلاح الدين يوسف، وكان يعرف عمه العزيز من قلعة تكريت، فأحسن إليه وأكرمه وميزه عند الأعيان والأماثل، وعرَفه السلطان صلاح الدين من جهة والده، ومدحه في ذلك الوقت بدمشق، وذكر العماد ذلك في كتابه "البرق الشامي" وأورد القصيدة التي مدحه بها يومئذ، ثم إن القاضي كمال الدين نوّه بذكره عند السلطان نور الدين الشهيد، وعدد عليه فضائله، وأهله لكتابة الإنشاء. قال العماد: فبقيت متحيرًا في الدخول فيما ليس من شأني ولا وظيفتي، ولا تقدمت لي به درية (٢)، ولقد كانت مواد هذه الصناعة عقيدة (٣) عنده لكنه لم يكن قد مارسها، فجبن عنها في الابتداء، فلما باشرها هانت عليه وأجاد فيها وأتى فيها بالغرائب، وكان ينشئ الرسائل باللغة العجمية أيضًا، وحصل بينه وبين صلاح الدين في تلك المدة مودة أكيدة، وامتزاج تام، وعلت منزلته عند نور الدين ﵀ وصار صاحب سره، وسيّره إلى بغداد رسولا في أيام المستنجد، ولما عاد فوض إليه تدريس المدرسة المعروفة بدمشق بالعمادية، وذلك في رجب سنة سبع وستين وخمسمائة، ثم رتبه في أشراف الديوان في سنة ثمان وستين، ولم يزل مستقيم الحال رضىّ البال إلى أن توفي نور الدين الشهيد، وقام ولده الملك الصالح مقامه، وكان صغيرًا، فاستولى عليه جماعة كانوا يكرهون العماد، فضايقوه وأخافوه إلى أن ترك جميع ما هو فيه، وسافر قاصدًا بغداد فوصل إلى الموصل، ومرض بها مرضًا شديدًا.

стр. 742

ثم بلغه خروج السلطان صلاح الدين يوسف من الديار المصرية لأخذ دمشق، فانثنى عزمه عن قصد العراق، وعزم على العود إلى الشام، وخرج من الموصل رابع جمادى الأولى سنة سبعين وخمسمائة، وسلك [٢٧٠] طريق البرية، فدخل دمشق ثامن جمادى الآخرة، وصلاح الدين يومئذ نازل على حلب، ثم قصد خدمته وقد تسلم قلعة حمص في شعبان من السنة المذكورة، فحضر بين يديه، وأنشد قصيدته أطال فيها، ثم لزم الباب، فرحل لرحيل السلطان، وينزل لنزوله، واستمر على عطلته مُديدة، وهو يغشي مجالس السلطان، وينشده في كل وقت، ويعرض بصحبته القديمة، ولم يزل على ذلك حتى نظمه في سلك جماعته واستكتبه واعتمد عليه وقرب منه، وصار من جملة الصدور المعدودين، الأماثل المشهورين، يضاهي الوزراء، ويجري في مضامرهم. وكان القاضي الفاضل في أكثر الأوقات ينقطع عن خدمة السلطان، ويتوفر على مصالح الديار المصرية، وكان العماد يلازم الباب بالشام وغيره، وهو صاحب السر المكتوم، وصنف التصانيف النافعة من ذلك: كتاب "خريدة القصر وجريدة العصر"، جعله ذيلًا على "زينة الدهر" تأليف "أبي المعالي سعد بن على الوراق الخطيري" والخطيري جعله ذيلًا على دمية القصر وعصره أهل العصر" للباخرزي، جعله ذيلًا على "يتيمة الدهر للثعالبي، والثعالبي جعل كتابه ذيلًا على كتاب "البارع" لهارون بن على المنجم. وقد ذكر العماد الشعراء الذين كانوا بعد المائة الخامسة إلى سنة اثنتين وسبعين] (١) وخمسمائة، وجمع شعراء العراق والعجم والشام والجزيرة ومصر والمغرب ولم يترك إلا النادر الخامل، وأحسن في هذا الكتاب وهو في عشر مجلدات، وصنف كتاب "البرق الشامي" في سبع مجلدات، وهو مجموع تاريخ، وبدأ فيه بذكر نفسه وصورة انتقاله من العراق إلى الشام، وما جرى له في خدمة السلطان نور الدين محمود بن زنكي، وكيفية تعلقه بخدمة السلطان صلاح الدين يوسف، وذكر شيء من الفتوحات بالشام، وهو من الكتب الممتعة، وإنما سماه البرق الشامي لأنه شبه أوقاته في تلك الأيام بالبرق الخاطف؛ لطيبها وسرعة انقضائها، وصنف كتاب "الفتح القسي في الفتح القدسي" في مجلدين يتضمن كيفية فتح البيت المقدس، وصنف كتاب "السيل على الذيل" جعله ذيلًا على الذيل لابن السمعاني الذي ذيل به "تاريخ بغداد" تأليف الخطيب البغدادي الحافظ،

стр. 743

وصنف كتاب "نصرة الفطرة وعصرة الفطرة في أخبار الدولة السلجوقية" وله ديوان رسائل وديوان شعر في أربع مجلدات، ونفسه في قصائده طويل، له ديوان صغير جمعه دوبيت. وكان بينه وبين القاضي الفاضل مكاتبات ومحاورات لطاف، فمن ذلك ما يحكى عنه أنه لقيه يومًا وهو راكب على فرس فقال له: سر فلا كب بك الفرس. فقال له الفاضل: دام علا العمادُ. وهذا مما يقرأ مقلوبًا وصحيحًا سواء. واجتمعا يومًا في موكب السلطان وقد انتشر من الغبار لكثرة الفرسان ما سد الفضاء (١)، فتعجبا من ذلك، فأنشده العماد في الحال: أما الغبار فإنه … بما أثارته السنابك والجو منه مظلم … لكن أنارته السنابك يا دهر لي عبد الرحيم … فلست أخشي مسّ نابك قد اتفق له الجناس في الأبيات الثلاثة، وهو في غاية الحسن، ولم يزل العماد على مكانته ورفعته إلى أن توفي صلاح الدين، فاختلت أحواله وتقطعت أوصاله، ولم يجد في وجهه بابا مفتوحا فلزم بيته، وأقبل على الاشتغال بالتصانيف إلى أن توفي يوم الإثنين مستهل رمضان سنة سبع وتسعين وخمسمائة بدمشق، ودفن بمقابر الصوفية خارج [٢٧١] باب النصر ﵀ وكان مولده يوم الإثنين ثاني جمادى الآخر، وقيل: في شعبان تسع عشرة وخمسمائة بأصفهان. وأَلُهْ: بفتح الهمزة، وضم اللام، وسكون الهاء، اسم عجمي معتاد بالعربي، العقاب وهو الطائر المعروف، وقد قيل: إن العقاب لا يوجد فيه ذكر بل جميعه أنثى، وإن الذي يسافله طائرا آخر من غير جنسه، وقد قيل: إن الثعلب يسافده، وهذا من العجائب، ولابن عنين الشاعر في هجو شخص يقال له ابن سيده: ما أنت كالعقاب فأمه … معروفة وله أب مجهول وهذا إشارة إلى ما نحن فيه. (٢)

стр. 744

مكلبة بن عبد الله المستنجدي، كان تركيا زاهدًا عابدًا، سمع المؤذن وقت السحر وهو ينشد على المنارة: يا رجال الليل جدوا … رب صوت لا يُردَ ما يقوم الليل إلا من … له عزم وجدُ فبكي مكلبة وقال للمؤذن: زدني. فقال المؤذن: قد مضى الليل وولي وحبيبي قد تجلى وصرخ مُكلبة صرخة كان فيها حتفه، فأصبح أهل البلد قد اجتمعوا على بابه، فالسعيد من وصل إلى نعشه. وكان يوما عظيما لم تر بغداد مثله (١). وفي المرآة: وكان مكلبة خازنًا بدرب دينار الكبير، وكان صالحًا يقوم الليل، ودفن بالوردية. (٢) أبو منصور بن أبي بكر بن شجاع المزكلش ببغداد: ويعرف بابن نقطة (٣). كان يدور في أسواق بغداد بالنهار ينشد، كان، وكان المواليا، ويُسَحّر الناس في ليالي رمضان، وكان مطبوعًا ظريفًا خليعًا، وكان أخوه الشيخ عبد الغنى الزاهد من أكابر الصالحين، له زاوية ببغداد يزار فيها، وكان له أتباع ومريدون، ولا يدخر شيئًا يحصل له من الفتوح، تصدق في ليلة بألف دينار، وأصحابه صيام لم يدخر لهم شيئًا ولا عشاء، وزوجته أم الخليفة بجارية من خواصّها، وجهزتها بعشرة آلاف دينار، فما جاء الحول وعندهم من شيء بل جميع ذلك يؤثر به ويتصدق به حتى لم يبق عندهم منه شيء سوي هاون، فوقف سائل فلح في الطلب على الباب، فأخرج إليه الهاون، وقال: خذ هذا وكُل به في ثلاثين يومًا ولا تشنع على الله . وكان من خيار الصالحين، والمقصود أنه قيل لأخيه أبي منصور هذا: ويحك أنت تدور في الأسواق وتنشد الأشعار وأخوك من قد عرفته. فأنشأ يقول في جواب ذلك بيتين مواليًا:

стр. 745

قد خاب من شبه الجزعة إلى درة … وسام قحبة إلى مستحسنة حرة (١) أنا مغني وأخي زاهد إلى مرة … في الدار بئران (٢) ذي حلوة وذي مرة وكان منحرفًا، عن علي ﵁، جري حديث قتل عثمان، وأن عليا كان بالمدينة، ولم يقدر على الوصول إليه، فقال ابن نقطة: ومن قتل في جواره مثل ابن عفان، واعتذر يجب عليه أن يقبل في الشام عذر يزيد، فأراد الشيعة قتله. (٣) وقال السبط: قبحه الله وأين وجه المشابهة بين الحالين! وابن زياد إنما أقدم بكتاب يزيد على قتل الحسين ﵁ وقد خرج علي ﵁ يوم الدار؛ لنصرة عثمان وفعل ما استطاع بقدر الإمكان، وقد كان يسحر الناس في رمضان، فوثبوا عليه ليلة، وكان الإمام الناصر في المنظرة وهو واقف يسحر، فعطس الخليفة [٢٧٢] فشمته ابن نقطة، فبعث له الخليفة مائة دينار، وحماه من الشيعة، فمات بعد قليل من هذه السنة. (٤) قراقوش بن عبد الله الفحل الخصي الأسدي الملقب ببهاء الدين المكنى بأبي سعيد. كان خادم السلطان صلاح الدين، وقيل: خادم أسد الدين شيركوه عم السلطان صلاح الدين، فأعتقه. وقيل: من خدام العاضد آخر خلفاء العبيديين، ولما استقل صلاح الدين بالديار المصرية جعله زمام القصر، ثم ناب مدة بالديار المصرية وفوض أمورها إليه واعتمد في تدبير أحوالها عليه، وكان رجلا مسعودًا، وصاحب همة عالية، وهو الذي بنى السور المحيط بالقاهرة ومصر وما بينهما، وبني قلعة الجبل، وبنى القناطر التي بالجيزة على طريق الأهرام، وهي آثار دالة على علو الهمة، وعمر بالمقَسْ (٥) رباطًا

стр. 746

وعلى باب الفتوح بظاهر القاهرة خان السبيل، وله وقف كثير لا يعرف مصرفه، وكان حسن المقاصد جميل النية، ولما أخذ السلطان صلاح الدين مدينة عكا من الفرنج سلمها إليه، ثم استولى الفرنج عليها، ووقع أسيرا (١) في أيديهم، يقال: إنه أفتك نفسه بعشرة آلاف درهم. وقيل: أفتكه صلاح الدين بستين ألف دينار. وكانت له حقوق كثيرة على السلطان صلاح الدين وعلى الإسلام والمسلمين (٢) وقال ابن خلكان: والناس ينسبون إليه أحكامًا عجيبة في ولايته، وأن كاتب يقال له الأسعد المماتي له جزء لطيف سماه "كتاب الفاشوش في أحكام قراقوش" وفيه أشياء يبعد وقوعها منه، والظاهر أنها موضوعه، فإن صلاح الدين كان معتمدًا في أحوال المملكه عليه، ولولا وثوقه بمعرفته وكفايته ما فرضها إليه، وكانت وفاته في مستهل رجب من هذه السنة بالقاهرة، ودفن في تربته المعروفة به بسفح المقطم، بقرب البئر والحوض اللذين أنشأهما على شفير الخندق. (٣) وقال ابن كثير: ولما توفي احتاط الملك العادل على تركته، وصارت أملاكه وإقطاعه للملك الكامل محمد بن الملك العادل، وفي القاهرة داخل باب الفتوح الحارة المسماة بحارة بهاء الدين منسوبة إليه، وقراقوش لفظ تركي ومعناه بالعربي العقاب الطائر المعروف، وسمي به لشهامته وشجاعته (٤). عز الدين إبراهيم بن محمد بن عبد الملك بن المقدم، صاحب بلاد منبج، وقلعة نجم، وأفامية، وكفر طاب، وغيرها، توفي في هذه السنة وصارت البلاد بعده الأخيه شمس الدين عبد الملك بن محمد بن عبد الملك. (٥) وقال السبط: وأبوه محمد المقتول بعرفات، وكان إبراهيم شجاعًا عاقلًا، وله قلعة بارين، وأفامية، ومنبج، والراوندان، وعدة حصون. وكانت وفاته بدمشق (٦) في العقيبة.

стр. 747

فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الثامنة والتسعين بعد الخمسمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله، وقد استقرت الممالك الشامية والشرقية والديار المصرية كلها للملك العادل (١)، وانتظم جميعها في سلك مُلكه، وخطب له على منابرها، وضربت السكة فيها باسمه، وكان العادل قد قدم دمشق في هذه السنة بعد رحيل الملكين الأخوين الأفضل والظاهر، ابنا السلطان صلاح الدين، وكان الميمون (٢) القَصَّري قد سار مع الظاهر كما ذكرنا، فأقطعه أعزاز (٣)، ثم سار الملك العادل من دمشق إلى حماه ونزل على تل صفرون [٢٧٣] ونزل إليه صاحبها الملك المنصور وقام بجميع وظائفه وكلفه، وبلغ الظاهر صاحب حلب وصول عمه إلى حماه بنية قصده ومحاصرته، فاستعد للحصار بحلب وراسل عمه ولاطفه وأهدى إليه، ووقعت بينهما مراسلات، ووقع الصلح، وأخذ من الملك الظاهر قلعة نجم (٤) وأعطاها للملك الأفضل، وكانت له سروج، وشميساط وكان الأفضل حينئذ بحمص [عند] (٥) شيركوه فجاء إلى عمه العادل [فالتقاه عند (٦) ثنيه] العقاب وأكرمه، ثم سلم العادل حران وما معها لولده الملك الأشرف مظفر الدين موسى (٧)، وسيره إلى الشرق، وكان بميافارقين الملك الأوحد ابن العادل (٨)، وكان بجعبر الملك الحافظ نور الدين أرسلان شاه العادل، ثم لما استقر الصلح بين العادل والظاهر رجع العادل إلى دمشق (٩)، وأقام بها وأرسل الظاهر إلى قلعة منبج، وأخربها خوفًا من انتزاعها منه، وأقطع منبج بعد ذلك عماد

стр. 748

الدين بن سيف الدين علي بن أحمد المشطوب (١) وأرسل قراقوش نائب عبد الملك بن محمد بن عبد الملك المقدم بأفامية إلى الظاهر يبذل له أفاميه بشرط أن يعطيه أقطاعًا برضاها، فأقطعه الظاهر الراوندان وكفر طاب، ومفردة المعرّة، وهي عشرون ضيعة معينة من بلاد معرة النعمان، وتسلم أفاميه، ثم أن عبد الملك المذكور عصي بالراوندان فسار إليه الظاهر واستنزله منها وأبعده، فلحق عبد الملك بعد ذلك بالملك العادل فأحسن إليه. (٢) وذكر أمر خوارزم شاه وفيها ملك خوارزمشاه ما كان أخذه الغورّيه من بلاده، وقد ذكرنا أن غياث الدين وأخاه شهاب الدين استوليا على خراسان ومرو ونيسابور وغيرها من بلاد خوارزم شاه، فلما اتصل الخبر بالسلطان محمد بن تكش سيّر إلى غياث الدين يعاتبه ويقول له: كنت أعتقد أنك تحلف عليَّ بعد أبي وتنصرني على الخطأ، فحيث لم تفعل فلا أقل من أن لا تؤذيني ولا تأخذ بلادي فإن لم تعد إلى ما أخذت منها وإلا انتصرت عليك بالخطا وغيرهم من الأتراك إن عجزت عن أخذ بلادي. فغالظه غياث الدين بالجواب والمراسلات حتى يخرج أخوه من الهند بالعسكر، فجمع خوارزم شاه عساكره وسار إلى خوارزم نصف ذي الحجة سنة سبع وتسعين، فلما قارب نسا هرب هندوخان ابن أخي ملكشاه (٣) من مرو إلى غياث الدين، فملك خوارزم شاه مرو وسار إلى نيسابور وبها علاء الدين نائب غياث الدين فحصره مدة شهرين، ثم نزل بالأمان، فأرسله إلى غياث الدين بسبب الصلح والاتفاق، وأحسن إلى أمراء الغورية، وسار إلى سرخس وبها الأمير زنكي فحصره أربعين يومًا ثم رحل عنها، فلما بلغه اجتماع الغورية أرسل إليهم عسكرًا مع خاله فلقيهم عسكر الغورية ومقدمهم محمد بن حَزْبك، فهزم عسكر خوارزم شاه، فعادوا إلى خوارزم ثم أرسل إلى غياث الدين في الصلح فأجابه عن رسالته صحبة الأمير الحسن بن محمد المرغنى، فلما وصله قبض عليه وسار إلى هراة، وبلغ غياث الدين فسار بعساكره ونزل برباط رزين بالقرب من هراة ولم يقدم على خوارزم شاه لقلة ما معه من العسكر؛ فإن

стр. 749

أكثر عساكره مع أخيه شهاب الدين بالهند، فأرسل خوارزم شاه [٢٧٤] إلى أمير البلد فصالحه على مال حمله إليه، فرحل عن هراه، ولما بلغ شهاب الدين بن خوارزم شاه عاد إلى البلاد وأخذها سار من غزنة إلى خراسان، ومنها إلى بلخ، ومنها إلى باميان، ومنها إلى مرو، عازمًا على حرب خوارزم شاه، والتقت أوائل عسكريهما فقتل بينهما جماعة، ثم ارتحل خوارزم شاه وقطع القناطر وقتل الأمير سنجر صاحب نيسابور، وتوجه شهاب الدين إلى طوس فأقام بها تلك الشتوة على عزم المسير إلى خوارزم شاه فأتاه الخبر بوفاة أخيه غياث الدين، فقصد هرأة وترك العزم (١). ذكر بقية الحوادث منها أن الخليفة وليَّ عبد اللطيف بن نصر الكيال الواسطى قضاء واسط (٢)، وخلع على أبي الربيع الواسطى، ودرس بالنظامية. ومنها أن السعايات قد كثرت ببغداد ففسدت الأمور، فنادى الخليفة من سعى بأحد أبيح ماله ودمه، فصلحت الأحوال. ومنها أنه جاءت زلزلة عظيمة في شعبان وشقت قلعة حمص ورمت المنظرة التي على القلعة، وأخربت حصن الأكراد، وتعدت إلى جزيرة قبرس، وامتدت إلى نابلس فأخربت ما بقي (٣). وقال العز بن تاج الأمناء: هذه الزلزلة العظمى التي هدمت بلاد الساحل صُور وطرابلس وعَرقة، وشعثت كثيرًا من البلاد الإسلامية الشاملية، ورميت بدمشق رؤس منابر الجامع وبعض شراريفه من شماله، فقتلت رجلًا مغربيًا بالكلاسة، ومملوكًا تركيًا لرجل صيرفي ساكنًا في درب الشمَيساطي عند تنفس الصبح في يوم الإثنين السادس والعشرين من شعبان الموافق للعشرين من آب، فأعقبها زلزلة حقيقة في صحوة الغد. (٤) ومنها أن هذه السنة استهلت والغلاء مستمر في تناقص لاستقبال جمادى الآخرة لما ظهر من زيادة نيلها وأقلع في آخرها. (٥)

стр. 750

ومنها أنه ولي قضاء القضاة ببغداد أبو الحسن علي بن سليمان الحلى، وخلع عليه. (١) ومنها أن الشيخ أبا عمر محمد بن قدامة المقدسي شرع في بناء المسجد الجامع بجبل قاسيون، فأنفق عليه رجل يقال له الشيخ أبو داود محاسن الغامي حتى بلغ البناء إلى قامته ونفذ ما كان معه، فأرسل الملك المظفر كوكبري بن زين الدين صاحب إربل مالا جزيلًا لتتميمه فكمل، وأرسل ألف دينار ليساق إليه الماء من برزة، فلم يمكن ذلك الملك المعظم بن العادل صاحب دمشق، واعتذر بأن هذا يشوش قبورًا كثيرة للمسلمين، فصنع له بئرا وبغلا (٢) يدور وأوقف عليه. وفيها حج بالناس من العراق وجه السبع ومن الشام خشتر بن الهكاري. (٣) ذكر من توفي فيها من الأعيان الإمام حسام الدين علي بن أحمد بن مكي الرازي الفقيه الحنفي، ذكره بن عساكر في تاريخه، وقال: قدم دمشق وسكنها، وكان يدرس بالمدرسة الصادرية (٤)، ويفتى على مذهب أبي حنيفة ﵁ ويناظر في مسائل الخلاف. قال: وما أظنه حدث. وقال ابن عديم في تاريخه: لما قدم حلب عقدوا له مجلسًا للمناظرة فجعل يذكر مسألة مسألة من مسائل الخلاف، ويذكر أدلة كل فريق ويجيب عنها فأذعنوا له، وتفقه بحلب عليه أبو غانم وجماعة [٢٧٥] وله مصنفات منها: خلاصة الدلائل في تنقيح المسائل] (٥)، ومنها "سلوة الهموم (٦) " جمعه. وقد مات له ولد. وكان وروده إلى حلب في أيام نور الدين الشهيد وأقام بالمدرسة النورية في أيام العلاء الغزنوي، فلما توفي الغزنوي وولى المدرسة بعده ابنه محمود، وكان أبو الحسن الرازي يدبر حاله وتوفي سنة ثمان وتسعين وخمسمائة بدمشق، ودفن خارج باب الفراديس.

стр. 751

القاضي ابن الزكي محمد بن علي بن محمد بن يحيى بن علي بن عبد العزيز أبو المعالي القرشي محيي الدين (١) قاضي قضاة دمشق، وكذا كان أبوه وجده يحيى بن على المذكور، وهو أول من ولي دمشق منهم، وكان جد الحافظ أبي القاسم بن عساكر لأمه، وقد ترجمه في تاريخه ولم يزد على القرشي. وقال أبو شامة: ولو كان أمويًا عثمانيًا كما يزعمون لذكر ذلك ابن عساكر، وكان فيه شرف لجده وخاليه محمد وسلطان، ولو كان ذلك صحيحًا لما خفي عليه (٢). اشتغل [ابن زنكي] (٣) على القاضي شرف الدين أبي سعد عبد الله بن محمد بن أبي عصرون وناب عنه في الحكم ثم ترك النيابة. وهو أول من خطب بالقدس لما فتحه السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب كما ذكرنا في سنة ثلاث وثمانين، ثم ولاه قضاء دمشق وأضاف إليه قضاء حلب أيضًا، وكان ناظر أوقاف الجامع ثم عزل عنها قبل وفاته بشهر ووليها شمس الدين ابن التبنيني ضمانًا (٤) وقد كان القاضي محيي الدين بن الزكي ينهي الطلبة عن الاشتغال بالمنطق والكلام ويحرق كُتب من كان عنده شيء من ذلك بالمدرسة التقوية (٥)، وكان يحفظ العقيدة المسماة بالمصباح (٦) للغزالي (٧) ويحفظها أولاده أيضًا، وكان له درس في التفسير يذكره الكلاسية تجاه تربة الملك الناصر صلاح الدين يوسف، وقد كان وقع بينه وبين الإسماعيلية فاتخذ له بابًا من داره إلى الجامع ليخرج إلى الصلاة منه، ثم خولط في عقله فكان يعتريه شبه الصرع إلى أن توفي في سابع شعبان من هذه السنة، ودفن بتربته في سفح قاسيون (٨). وقال ابن خلكان: أبو المعالي محمد بن أبي الحسن علي بن محمد بن يحيي بن عبد العزيز بن علي بن الحسين بن محمد بن عبد الرحمن بن القاسم بن عبد العزيز بن أبان بن عثمان بن عفان القرشي، الملقب محيي الدين المعروف بابن زكي

стр. 752

الدين الدمشقي الفقيه الشافعي، كان ذا فضائل عديدة في الفقه والأدب وغيرهما، وله النظم المليح والخطب والرسائل، وتولى القضاء بدمشق في شهر ربيع الأول سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، يوم الأربعاء العشرين من الشهر المذكور، وكذلك أبوه وجده وولداه كانوا قضاتها، وكانت له عند السلطان صلاح الدين المنزلة العالية والمكانة المكينة، ولما فتح السلطان صلاح الدين حلب يوم السبت ثامن عشر صفر، سنة تسع وسبعين وخمسمائة أنشده القاضي محيي الدين المذكور قصيدة بائيه، أجاد فيها كل الإجادة، وكان من جملتها بيت هو متداول بين الناس وهو: وفتحك القلعة الشهباء في صفر … مبشرة بفتوح القُدس في رجب فكان كما قال، وقد ذكرنا هذا في موضعه، وكانت ولادته في سنة خمسين وخمسمائة بدمشق، وتوفي في التاريخ المذكور (١). وكان والده أبو الحسن على الملقب زكي الدين على القضاء بدمشق. وكان كثير الخير والدين، فاستعفى من القضاء فأعفى، فخرج إلى مكة حاجة، وعاد إلى بغداد في صفر سنة ثلاث وستين وخمسمائة فأقام بها، وكان عالى الطبقة في سماع الحديث. سمع خلقًا كثيرًا، ولم يزل بها إلى أن توفي يوم الخميس الثامن والعشرين من شوال سنة أربع وستين وخمسمائة، ودفن بمقبرة الإمام أحمد ﵁ (٢) ثم في صفر من سنة أربع وستمائة عزل الشمس بن التبنيني عنها وتولاها الرشيد ابن أخته ضمانًا بزيادة ثلاثة آلاف دينار، ثم في تاسع شعبان من سنة أربع وستمائة أبطل ضمانها وتولاها المعتمد والي دمشق [٢٧٦]. الخطيب الدولعي ضياء الدين أبو القاسم عبد الملك بن زيد بن ياسين التغلبي الدولعي، نسبة إلى قرية بالموصل يقال لها الدولعية، ولد بها سنة ثمان عشرة وخمسمائة (٣)، وتفقه ببغداد على مذهب الشافعي، وسمع الحديث، ثم قدم دمشق فولي بها الخطابة وتدريس الغزالية، وكان زاهدًا متورعًا حسن الطريقة مهيبًا في الحق،

стр. 753

وكانت وفاته يوم الثلاثاء ثاني عشر ربيع الأول من هذه السنة (١)، ودفن بمقبرة باب الصغير عند قبور الشهداء، وتولي بعده الخطابة ولده كمال الدين محمد (٢) سبعًا وثلاثين سنة. وقال أبو شامة: سمع جامع الترمذي من أبي الفتح الكروخي، وكتاب السنين للنسائي من أبي الحسن علي بن أحمد اليزدي، وسمع من الحافظ أبي القاسم بن عساكر والقاضي أبي سعد بن أبي عصرون، وقرأ عليه الفقه (٣)، وطلبه شرف الدين بن عصرون أن ينوب عنه في القضاء فأبى فاستناب جمال الدين أبي الحرستاني. وقال في ترجمته: ابن الزكي ابن أبي عصرون طلب من يستنيبه فأشير عليه بالخطيب ضياء الدين الدولعي، فأرسل إليه خلعة مع البدر بن يونس الفارقي فرده وشتمه ورمى الخلعة، فأرسل إلى جمال الدين أبي الحرستاني فناب عنه وعن ابنه المحيى إلى أن عزل. ابن غليس الزاهد الشيخ علي بن محمد بن غليس اليمني، العابد الزاهد، كان مقيمًا بشرقى الكلاسة، وكانت له أحوال ومقامات نقلها الشيخ علم الدين السخاوي عنه، وساقها عنه أبو شامة في الذيل. منها أنه قال: سمعت أبا (٤) غليس يقول: كنت مسافرًا مع قافلة فرأيت في المنام كأن سبعًا اعترضهم فقطع الطريق عليهم، فوقفوا حائرين فتقدمت إليه وقلت له: يا كلب الله أنت كلب "الله" (٥) وأنا عبد الله فاخضع وارجع (٦) لمن سكن له ما في السموات والأرض وهو السميع العليم، فذهب وانفتحت الطريق للقافلة، ثم انبهت فسرنا قليلا وإذا بالقافلة قد وقفت، فسألته ما الخبر؟ فقيل: السبع على الطريق. فتقدمت إليه وهو مقع على ذنبه، فقلت ذلك الكلام وتقدمت إليه، فأدخلت يدي في فمه وقلبت أسنانه وشممت من فيه رائحه كريهه (٧). قال الشيخ السخاوي: أنه يأكل اللحم وما يتخلل. قال: وأدخلت يدى بين أفخاذه فقلبت خصيته

стр. 754

وإذا هما مثل خصيتي القط. قال أبو شامة: وكان يقول عن نفسه: ابن غليس ما يسوى، فليس ﵀ (١). الصدر الحراني أبو الثناء حماد بن هبة الله بن حماد الحراني التاجر. ولد سنة إحدى عشرة وخمسمائة، عام ولد نور الدين الشهيد، وسمع الحديث ببغداد ومصر وغيرهما من البلدان، وحدث، وتوفي بحران في ذي الحجة من هذه السنة، ومن شعره قوله: تنقل المرء في الآفاق يكسبه … محاسنًا لم يكن فيها ببلدته أما ترى بيدق الشطرنج أكسبه … حُسنُ التنقل فيها فوق رتبته (٢) وفي المرآة: سمع بمصر أبا محمد بن رفاعة السعدي، وبالإسكندرية الحافظ السلفي، وببغداد ابن السمرقندي وغيرهم (٣)، وأثنى عليه الموفق الحراني. أبو الشكر (٤) محمود بن سليمان بن سعيد الموصلي ويعرف بابن المحتسب، تفقه ببغداد ثم سافر إلى البلاد، وصحب ابن الشهرزوري، وقدم معه حتى ولى قضاء بغداد، فولاه نظر أوقاف النظامية، وكان فاضلا، يقول الشعر الرائق، فمن ذلك قوله: أسلف لنا في سلافة العِنب … جميع ما يقْتَني من الذهب [٢٧٧] وانشب مع النفس (٥) في معاملة … فيها بما عندنا من النشب جميع ما في الهميان يحقره الـ … عاقل في لثم ثغرها النشب (٦) لاسيما إن أتتك كالذهب … قد قلدوها عقدًا من الحَبَيب تُحرق كف المدير إن وقف الرو … ربها ساعة من اللهب إذا بدا هاهنا ليسرق السمع … برفق اللهو واللعب (٧)

стр. 755

يتبعها (١) من سماء راؤوقها … الرائق رجمًا بالأنجم الشهب ما قط تبت يد لشاربها … وحق تبت يدا أبي لهب أمر بالكرم خلف حائطه … تأخذني نشوة من الطرب أسكر بالأمس إن (٢) عزمت على الشر … ب غدا أن ذا من العجب جنبها سكرها وصحبتها … تحريم شرع لسيد العرب تركتها جانبًا ولذت إلى … ظل أمام ينجي من النوب الطاهر الطهر وابن خير فتى … وطاهر الخلق طاهر النسب ماذا يقول المداح في رجل … خليفة الله وابن عم النبي (٣) هبة الله بن الحسن بن المظفر أبو القاسم الهمذاني (٤) ويقال له: ابن السبط والسبط. هوجد المظفر، كان سبطًا أحمد بن على بن لال الفقيه الهمذاني، ولد هبة الله في سنة عشر وخمسمائة، وهو محدث ابن محدث ابن محدث، وكانت وفاته بباب المراتب ببغداد في المحرم، ودفن بالريان (٥)، سمع أبا القاسم بن الحصين وقاضي المارستان وابن السمرقندي. قال صاحب المرآة: وسمعنا عليه بباب المراتب. وأنشدنا لغيره: إذا الفتى ذمّ عيشًا في شبيبته … فما يقول إذا عصر الشباب مضي وقد تعوضت عن كل بمشبهه … فما وجدت الأيام الصبا عوضا (٦) هبة الله بن على بن مسعود بن ثابت المنستيري (٧)، بضم الميم وفتح النون وسكون السين المهملة وكسر الياء المثناه من فوق وسكون الياء أخر الحروف وبعدها راء، ومنستير بليدة بإفريقية، وكان هبة الله المذكور عالي الإسناد، ولم يكن في عصره من هو في درجته، سمع إبراهيم بن حاتم الأسدي، وسمع جماعة من الأكابر، وسمع الناس

стр. 756

على هبة الله المذكور وسافروا إليه من البلاد لعلو إسناده، وكان جده مسعود قد قدم من منستير إلى بوصير فعرف هبة الله المذكور بالبوصيري، وكانت ولادته سنة ست وخمسمائة، وتوفي في هذه السنة ﵀ (١). الست الجليلة المصونة بنفشا بنت عبد الله عتيقة الإمام، المستضيء، وكانت من أكبر خطاياه، ثم كانت بعده من أكثر النساء صدقة، وإحسانًا إلى العلماء والفقهاء (٢) ولها بطريق الحجاز معروف كثير، ووقفت على الحنابلة مدرسة وأوقافًا دارة، توفيت في هذه السنة ودفنت في تربة لها ببغداد عند قبر معروف الكرخي ﵁ وفي المرآة: عمرت الرُبُط والمساجد والجسر ببغداد، وهي التي اشترت دار الوزير بن جبر بباب الأزج ووقفتها على الحنابلة.

стр. 757

فصل فيما وقع من الحوادث في السنة التاسعة والتسعين بعد الخمسمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله، والسلطان الملك العادل أبو بكر بن أيوب أخو السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب مقيم في دمشق، وأرسل إلى ولده الملك الأشرف، وأمره بمحاصرة ماردين، فحاصرها وضايقها، ثم سعى الملك الظاهر صاحب حلب إلى العادل في الصلح، فأجاب على أن يحمل إليه صاحب ماردين مائة ألف وخمسين ألف دينار، ويخطب له ببلاده ويضرب السكة باسمه ويكون بخدمته متى طلبه، فأجيب إلى ذلك واستقر الصلح عليه، وأرسل العادل وانتزع ما كان بيد الملك الأفضل، وهي رأس عين، وسروج، وقلعة نجم (١)، ولم يترك بيده غير شميساط (٢) فقط، فأرسل الأفضل والدته ودخلت على الملك المنصور صاحب حماه ليرسل معها من يشفع في الأفضل عند الملك العادل في إبقاء ما كان بيده، وتوجهت أم الأفضل وتوجه معها من حماه القاضي زين الدين بن هندي إلى الملك العادل، فلم يجبها العادل ورجعت خائبة، وقال ابن الأثير مؤلف الكامل: وقد عوقب البيت الصلاحي مثل ما فعله والدهم السلطان صلاح الدين لما خرجت إليه نساء الأتابكي وفي جملتهن بنت نور الدين الشهيد يشفعن في إبقاء الموصل على عز الدين مسعود فردهن ولم يجب إلى سؤالهن، ثم ندم ﵀ على ردهن، فجرى للأفضل بن صلاح الدين مع عمه العادل مثل ذلك، ولما جرى ذلك أقام الأفضل بشميساط وقطع خطبة عمه الملك العادل، وخطب للسلطان ركن الدين سليمان بن قليج أرسلان بن مسعود السلجوقي صاحب الروم. (٣) وفيها أخرج الملك العادل الملك المنصور محمد بن العزيز بن صلاح الدين من مصر إلى الشام فسار بوالدته وأقام بحلب عند عمه الملك الظاهر (٤). وقال ابن كثير:

стр. 758

وفيها احتجز الملك العادل على محمد بن الملك العزيز وأخوته وسيرهم إلى الرها خوفا من إقامتهم بالديار المصرية (١). وفيها بعث الخليفة الخلع وسراويلات الفتوة (٢) إلى الملك العادل وأولاده، فلبسوها في شهر رمضان، وأمر العادل بعمارة قلعة دمشق وابتدع ببرج الزاوية الغربية والقبلية المجاورة لباب الصغير. (٣) ذكر غزوة الملك المنصور صاحب حماه وفيها سار الملك المنصور إلى بعرين مرابطًا للإفرنج وأقام بها، وكتب الملك العادل إلى صاحب بعلبك وإلى صاحب حمص بأنجاده، فاجتمعت الإفرنج من حصن الأكراد وطرابلس وغيرهما، وقصدوا الملك المنصور ببعرين واتفقوا معه في ثالث شهر رمضان، فانهزمت الإفرنج وقتل منهم جماعة، وأسر (٤) آخرون، وكان يومًا مشهودًا، وفي ذلك يقول بهاء الدين أسعد بن يحيى السنجاري قصيدة (٥): ما لذة العيش إلا صوت معمعة … يُنال فيها المُنَى بالبيض والأسلِ يا أيها الملك المنصور نصح فتى … لم يلوه عن ما جاء (٦) كثرة العذل أعزم ولا تترك الدنيا بلا ملك … وجد فالملك محتاج إلى رجل يا أوحد العصر يا خير الملوك ومن … فاق البرية من حاف ومنتعل ثم خرج من حصن الأكراد والمرقب الاستبار والإفرنج وانضم إليهم جموع من السواحل، واتقعوا مع الملك المنصور صاحب حماه وهو نازل ببارين في الحادي والعشرين من رمضان [٢٧٩] بعد الوقعة الأولى بثمانية عشر يومًا فانتصر ثانيًا، وانهزمت الإفرنج هزيمة قبيحة، وقتل المنصور منهم عدة وأسر جماعة. (٧)

стр. 759

وفيها استولت الكرج على مدينة دوين من أذربيجان ونهبوها وقتلوا أهلها، وكانت هي وجميع أذربيجان للأمير أبي بكر بن البهلوان، وكان مشغولًا ليلًا ونهارًا بشرب الخمر ولا يلتفت إلى تدبير مملكته، ووبخه أمراؤه ونوابه على ذلك فلم يلتفت (١). ذكر ما جرى في اليمن وفي هذه السنة جرى خباط عظيم في اليمن، وذلك أنه كان قد ملك اليمن المعز إسماعيل شمس الإسلام بن سيف الإسلام طغتكين بن أيوب كما ذكرنا، وكان فيه هوج وخبط فادعى أنه قرشي وأنه من بني أمية ولبس الحضرة، وخطب لنفسه بالخلافة، وخطب بنفسه، ولبس ثياب الخلافة في ذلك الزمان - وكان طول الكم نحو عشرين شبرًا، وخرج عن طاعته جماعة من مماليك أبيه واقتتلوا معه فانتصر عليهم، ثم اتفق معهم جماعة من الأكراد وقتلوا المعز إسماعيل، وأقاموا في مملكة اليمن أخًا له صغيرًا، وسموه الناصر، وأقام بأتابكيته مملوك والده سيف الدين سنقر، وأقام مدة ثم مات سيف الدين سنقر بعد أربع سنين، وتزوج بأم الناصر أمير من أمراء الدولة يقال له غازي بن جبريل وأقام بأتابكية الناصر، ثم سم الناصر في كوز فقاع على ما قيل وبقي غازي متملكًا للبلاد ثم قتله جماعة من العرب بسبب قتله للناصر، فغلبت أم الناصر المذكور على زبيد وأحرزت عندها الأموال، وكانت تنتظر وصول أحد من بني أيوب فتتزوج به وتملكه البلاد، وكان للملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب ولد اسمه سعد الدين شاهنشاه، وكان له ابن اسمه سليمان فخرج سليمان بن شاهنشاه بن عمر في صورة فقير يحمل الرَّكوة (٢) على كتفه وينتقل من مكان إلى مكان، وكانت أم الناصر قد أرسلت بعض غلمانها إلى مكة -شرفها الله- في موسم الحاج ليأتيها بأخبار مصر والشام، فوجد سليمان المذكور فأحضره إلى اليمن، فاستحضرته أم الناصر وخلعت عليه وتزوجت به وملكته اليمن فملأ اليمن، ظلمًا وجورًا وأطرح، زوجته التي ملكته البلاد وأعرض عنها، وكتب إلى السلطان الملك العادل وهو عم جده كتابًا جعل فيه من أوله:

стр. 760

إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم" فاستقل العادل عقله ثم كان من سليمان المذكور ما سنذكره إن شاء الله. (١) تعالى. ذكر ابتداء ملك جنكيز خان ملك التتار (٢) وفي هذه السنة كان ابتداء ملكه وهو صاحب اليسق (٣)، وضمها لتحاكم التتار ومن تبعهم من أمراء الترك ومن يتبع حكم الجاهلية وهو والد طولي (٤) وجد هلاون الذي قتل الخليفة المستعصم بالله (٥) وأهل بغداد في سنة ست وخمسين وستمائة على ما سنذكره إن شاء الله. واعلم أني أبين لك أصل هذا اللعين، وكيف ملك التتار، وكان مُلك الصين مُلكًا عظيمًا، دوره ستة أشهر، وقد قيل: إنه يحويه سور واحد لم ينقطع إلا عند الجبال المنيعة والأنهار الواسعة، وكان في قديم الزمان ستة أجزاء، كل جزء منها مسيرة شهر، وكان يتولى كل جزء خان بعد خان أي سلطان بعد سلطان، نيابة عن خانهم الأعظم وهو الطون خان، توارث المملكة كابرًا عن كابر، بل كافرًا عن كافر، وكان هو عاصر السلطان [٢٨٠] الأعظم علاء الدين أبا الفتح محمد بن تكش بن أرسلان بن أنسر بن محمد أنوشتكين الخوارزمي (٦)، الذي كان كرسي مملكته خوارزم، وكانت عادة هؤلاء الملوك الستة الإقامة بطوغاج، وهي واسطة الصين ونواحيها منتقلين من مصيف إلى مصيف ومن ريف إلى ريف، وكان في زمرتهم شخص يسمي دوشي خان، وكان قد تزوج بعمة جنكيزخان، وهي من قبيلة معروفة بتمرجي سكان البراري، منشأهم موضع يسمى

стр. 761

أرغون وهم مشهورون بالشر والغدر، فاتفق أنه مات دوشي خان زوج عمة جنكيز خان، والطون خان غائب في مشتاه وقد حضرها جنكيز خان معزيًا، فبعثت إلى كشلوخان ودوشي خان وهما متاخمان لأعمال المتوفي من الجهتين تنعى إليهما زوجها، وتعلم أنه لم يخلف ولدا وأن جنكيز خان يقوم مقامه ويكون في معاضدتهما، فاستصوبا رأيها وأشار عليها بتقليد الأمر إلى جنكيز خان، ثم لما عاد الطون خان إلى مدينة طوغاج شرع يستعرض من حجابه القضايا التي وقعت مدة غيبته إلى أن جاءت تقدمة جنكيز خان وخبره بتوليته موضع دوشي خان، فغضب غضبًا شديدًا حيث تولي بغير أمره، وأمر بقطع أذناب الخيل التي أرسلها جنكيز خان في جملة التقدمة ويردها إليه فلما بلغ ذلك جنكيز خان أستظهر بمن انضم إليه من عشيرته، وخرج عن الطاعة، فلما سمع بذلك الطوني خان أرسل إليهم يعتذر لهم مما صدر منه فلم يزدهم ذلك إلا نفورًا، فحين جرى ذلك وآيس منهم جمع عسكره وسار إليهم، فالتقى هو وإياهم فكسروه أقبح كسرة وقتلوا من عسكره مقتلة عظيمة، ونجي الطون خان بنفسه وهرب إلى ما وراء كنك (١) وأخلى لهم البلاد، فتمكنوا فيها وتملكوها وانضم إليهم من الترك وأوباشها كل طامع في مال، وأخذ أمر الطون خان يتضاعف ضعفًا إلى أن راسلهم قانعًا بما تحت يده من الملك الحقير، فأجابوه إلى ما سأل إلى أن مات كشلوخان وقام أبنه مقامه، فاستحقره جنكيز خان، الصغر سنه، وأخل بالقواعد التي المقررة بينه وبين أبيه، ثم لم يزل يشتد أمره ويكثر جيشه إلى أن ملك البلاد وخضعت له قبائل الترك ببلاد طمغاج (٢) كلها حتى صار يركب في نحو ثمان مائة ألف مقاتل، ويقال: كان في ابتداء أمره خصيصًا عند ملك من ملوك بلاد طمغاج يسمى أوبك خان، وكان إذ ذاك شابًا حسنًا وكان اسمه أولًا تمرجي، ثم لما عظم سمى نفسه جنكيز خان، وكان هذا الملك قربه وأدناه، فحسده عظماء الملك ووشوا به إليه حتى أخرجوه عليه، ولم يقتله، ولم يجد له طريقًا في ذنب يتسلط عليه، فهو في ذلك إذ تغضب الملك على مملوكين صغيرين فهربا منه ولجآ إلى جنكيز خان، فأكرمهما وأحسن إليهما، فأخبراه بما أضمر الملك من أوبك خان من القتل والهم به، فأخذ حذره وتحيز إلى مكان واتبعه طوائف من التتار، ثم صار كثير من أصحاب أوبك خان منفرون

стр. 762

إليه، فيكرمهم ويعطيهم حتى قويت شوكته وكثرت جنوده، ثم حارب بعد ذلك أوبك خان فظفر به وقتله واستحوذ على مملكته وملكه، وانضاف إليه عَدَده وعُدَده وعظم [٢٨١] جارياته. أمزج بمسبوك اللجين … ذهبا حكته دموع عيني لما نعي ناعى الفراق … بين من أهوى وبيني خفقت لنا شمسان … من لآلاتها في الخافقين وبدت لنا في كأسها … من لونها في حلتين وشميم على وزن فعيل مصغر من الشم. أبو نصر محمد بن سعد الله بن نصر بن سعيد الدجاجي (١)، كان شيخًا بهيًا واعظًا حنبليًا فاضلًا شاعرًا، فمن شعره قوله: نفس الفتى إن أصلحت أحوالها … كان إلى نيل المنى أحوى لها وإن ترى (٢) سددت أقوالها … كان على حمل العلى أقوى لها فإن تبدت حال من لهالها … في قبره عند البلى لها لها ومولده سنة أربع وعشرين وخمسمائة، ومات في ربيع الأول، ودفن بباب حرب". سمع أبا منصور القزاز وغيره. (٣) أبو العباس أحمد بن مسعود بن محمد القرطبي الخزرجي، كان إمامًا في التفسير، والفقه، والحساب، والفرائض، والنحو، واللغة، والعروض، والطب، وله تصانيف حسان وشعر رائق، فمنه قوله: وفي الوجنات ما في الروض … لكن لرونق زهرها معنى عجيب وأعجب ما التعجب عنه أني … أرى البستان يحمله قضيب (٤)

стр. 763

أبو الفدا إسماعيل بن بُرُتقش السنجاري مولي عماد الدين زنكي بن مودود بن زنكي، كان جنديًا حسن الصورة مليح النظم كثير الأدب (١). توفي في هذه السنة أبو الفضل إلياس بن جامع بن على الإربلي (٢)، تفقه بالنظامية، وسمع الحديث، وصنف التاريخ وغيره، وتفرد بحسن كتابة الشروط، وله فضل ونظم حسن، فمنه قوله: أممرض قلبي ما لهجرك آخر … ومسهر طرفي هل خيالك زائر ومستعذب التعذيب جورًا بصده … أمالك في شرع المحبة زاجر هنيئًا لك القلب الذي قد وقفته .. على ذكر أيامي وأنت مسافر فلا فارق الحزن المبرح خاطري … لبعدك حتى يجمع الشمل قادر فإن مت فالتسليم مني عليكم … يعاودكم ما كبر الله ذاكرُ (٣) أبو السعادات التاجر البغدادي الرافض، كان في كل جمعة يلبس لأمة الحرب ويقف خلف باب داره وهو مجاف عليه والناس في صلاة الجمعة، وهو ينتظر أن يخرج صاحب الزمان من سرداب سامرا يعني محمد بن الحسن العسكري ليميل بسيفه في الناس نصرة للمهدى. (٤) القاضي أبو محمد مختار المعروف بابن قاضي دارًا (٥)، قتل في الرابع والعشرين من ذي القعدة في هذه السنة، وسببه أنه كان وزير الملك الكامل بمصر حين كان ينوب عن والده الملك العادل، وكان ابن شكر وزير العادل يبغضه، فقرح فيه عند العادل فخاف عليه الكامل، فأمره بالخروج من مصر، فخرج هو [وولداه] (٦) فخر الدين وشهاب

стр. 764

الدين، وساروا إلى حلب، فأكرمهم الملك الظاهر صاحب حلب، ثم ورد مرسوم الملك العادل يطلبه، فخرج من حلب يريد التوجه إلى مصر [٢٨٢] وبات بعين المباركة (١) وإذا [بخمسين] (٢) فارسًا قد أحاطوا بخيمته ليلًا وقالوا: نريد القاضي. فخرج إليهم فنزل منهم ثلاثة فقتلوه وقالوا لغلمانه: أحبطوا متاعكم فما كان لنا غرض سواه. واتصل الخبر بالملك الظاهر فخرج وفرق الرجال في الطرقات فلم بقع لهم خبر، وكان كما قيل هرب من القتل إلى القتل. (٣) أبو العباس الحربي أحمد بن سلمان ويلقب بالسكر، قرأ القرآن بالروايات وسمع الحديث الكثير، ومولده سنة أربعين وخمسمائة، وكان صالحًا زاهدًا عابدًا، أقام في الحربية (٤)، يختم القرآن كل ليلة في صلاة التراويح. قال السبط: وكنت أصلي خلفه (٥)، وكان قنوعًا صبورًا على الفقر، وتوفي في صفر، ودفن بباب حرب، سمع أبا الوقت وابن البطي وغيرهما، وسمعنا عليه الحديث، وكان ثقة صدوقا (٦). أبو محمد الحراني عبد المنعم بن علي بن الصيقل ولقبه نجم الدين، قدم بغداد أول مرة في سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، وتفقه على أبي الفتح بن المنى وسمع الحديث الكثير من أبي الفتح بن الشاتل وأبي السعدات بن زريق وابن الجوزي وغيرهم، وعاد إلى حران ووعظ بها وحصل له القبول التام، وعاد إلى بغداد فاستوطنها ووعظ بها. قال السبط: وحضرت مجلسه بمسجد باب المشرعة وسمعته ينشد: واشتاقكم يا أهل ودي وبيننا … كما زعم البينُ المشت فراسخ فأما الكرى عن ناظري فمشرد … وأما هواكم في فؤادي فراسخ

стр. 765

وكان صالحًا دينًا نزهًا عفيفًا كيسًا لطيفًا متواضعًا كثير الحياء. قال السبط: وكان يزور جدي وسمع معنا الحديث وكانت وفاته يوم الخميس سادس عشر ربيع الأول (١)، وصلى عليه بالنظامية، ودفن بباب حرب، وخلف ولدين النجيب عبد اللطيف، والمعز عبد العزيز، فأما عبد اللطيف فكان يسمع معنا الحديث على جدى بقطفتا (٢) وأما المعز فكان صغيرًا، ثم تقلبت بهما الأحوال حتى أفضى أمرهما إلى أن صارا تاجرين لديوان الخليفة، وظهر منهما الثقة والأمانة والعفة والديانة والنهضة والصيانة. (٣) أبو غالب بن كمونة اليهودي الكاتب، كان يزوَّر على خط ابن مقلة من قوة خطه، توفي لعنه الله في هذه السنة بمطمورة بواسط. (٤) أبو غالب بن أبي طاهر بن شبّر، كان عاملًا على دار الضرب ببغداد، توفي في هذه السنة "ذكره ابن الساعي الخازن في تاريخه. (٥) الأمير علم [الدين] (٦) الكرجي الأسدي، مات بدمشق في الثالث عشر من ربيع الآخر، وصلى عليه الملك العادل بمرج باب الحديد، ودفن بالجبل. بوريا التقوى، مات في هذه السنة غريقًا ببلاد المغرب في خدمة بني عبد المؤمن (٧) الملك ابن بكتمر صاحب خلاط، كان شابًا لم يكن في الدنيا أحسن منه، ولم يبلغ عشرين سنة، قتله الهزار ديناري، وقيل: بل غرقه في بحر خلاط ثم قتل الهزار ديناري بعده. (٨)

стр. 766

فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الثانية بعد الستمائة (¬*) (¬**) استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله، وأصحاب البلاد على حالهم [٢٨٣] غير أن صاحب غزنة وغيرها توفي في هذه السنة قتيلًا وهو الملك أبو المظفر شهاب الدين محمد بن سام بن الحسن الغورى، وذلك أنه لما كان قد اتقع مع الخطأ ونال منهم كروا عليه فهزموه، وبقي في نفر يسير فدخل إلى خوىّ (١) فيمن معه، فحصره الكفار ونهبوا خزائنه، وشاع الخبر في جميع بلاده أنه عدم، ثم وصل إلى الطالقان (٢) في سبعة نفر فأخرج له الحسين بن حرميل صاحب الطالقان الخيام وجميع ما يحتاج إليه، فسار إلى غزنة وسار معه ابن حرميل في صحبته وجعله أمير حاجب. ولما اشتهر خبر عدمه في البلاد ثار المفسدون في كل الأطراف، فكان ممن ثار بَنُو [كوكر] (٣) فقطعوا الطريق وخرجوا عن الطاعة، فعند ذلك تجهز شهاب الدين وسار بعساكره إليهم، ولقيهم وهزمهم وغنم المسلمون منهم خلقا كثيرا حتى بيع كل خمسة نفر بدينار، وهرب بن كوكر بعد أن قتل أخوته وأهله، وفتح شهاب الدين قلعة جودي (٤) فلما فرغ منهم سار نحو لهاور (٥) وأمر الناس بالرجوع إلى بلادهم، ثم عاد إلى غزنة، وكان من جملة الخارجين البراهنة (٦) فإنهم خرجوا إلى حدود سوران (٧) ومكران (٨) للإغارة على الإسلام، فأوقع بهم [نائب] (٩) تاج الدين يلدز وقتل منهم خلقًا كثيرًا، وحملت رؤسهم فعلقت ببلاد الإسلام.

стр. 767

ثم إن شهاب الدين لما عاد من لهاور قتل بمنزل يقال له: دميك (١) وقت (٢) صلاة العشاء في أول ليلة من شعبان من هذه السنة، وكان سبب قتله أن نفرًا من الكوكرية الزموا عسكره عازمين على قتله لمّا فعل بهم من القتلى والسبي، فلما كانت الليلة التي قتل فيها تفرق عنه أصحابه، وبقي وحده، فهجموا عليه وهو من الخركاه (٣) فضربوه بالسكاكين اثنتين وعشرين ضربة فقتلوه. وبنو كوكر طائفة من [أهل] (٤) الجبال مفسدون، ولما قتل اجتمع الأمراء عند الوزير مؤيد الملك (٥) بن خواجا [سجستان] (٦) فتحالفوا على حفظ الخزانة والملك لزوم السكينة إلى أن يظهر من يتولى الملك، فأجلسوا شهاب الدين وخيطوا جراحه، وأشاعوا أنه حيٌّ وجعلوه في محفة وساروا به، وسكن الناس، وكانت الخزانة التي في صحبته ألفين ومائتي جمل، وعرفوا أنه سيكون بين غياث الدين محمود ابن أخي شهاب الدين وبين بهاء الدين سام ابن أخته وهو صاحب باميان (٧) حروب على الملك، وكان ميل الوزير والأتراك إلى غياث الدين محمود، والأمراء الغورية يميلون إلى بهاء الدين سام، فأرسلت كل طائفة منهما إلى الذين يميلون إليه يخبرونه بقتل شهاب الدين، فلما وصل العسكر والوزير إلى فرشابور (٨) اختلفوا، فقالت طائفة: نسير إلى غزنة على طريق مكران. وقال الأتراك: نسير على طريق سوران. وكان مقصودهم أن يكونوا قريبا من تاج الدين وهو مملوك شهاب الدين [٢٨٤] وكرمان أقطاعه، ومقصودهم أن يحفظ تاج الدين الخزانة في البلد، ويراسلوا من كرمان إلى غياث الدين يستدعونه إلى غزنة فيُملّكونه، فلما وصلوا إلى كرمان بعد مشقة قاسوها في طريق الجبال خرج إليهم تاج، وفي نيته أن يملك غزنة، فسأل الوزير عن الأموال فأخبره بما معه، وقال له الوزير: إن الغورية قد كاتبوا غياث الدين محمودًا وبهاء الدين سام صاحب باميان. ثم قال للوزير: إنهم أمروني أن أتسلم الخزانة منك، فلم يقدر على الامتناع وساروا بالمحفة والمماليك

стр. 768

والوزير إلى غزنة، فدفن شهاب الدين بالتربة، في المدرسة التي أنشأها، ولما بلغ الخبر بهاء الدين سام كتب إلى من بغزنة من الأمراء الغورية يأمرهم بحفظ البلد وأنه سائر إليهم عن قريب، وكان مستحفظ قلعتها يعرف بأمير دار (١)، وقد سير ولده إلى بهاء الدين سام يستدعيه إلى غزنة ثم كتب بهاء الدين إلى علاء الدين محمد بن أبي على ملك الغور يستدعيه إليه وإلى غياث الدين محمود وإلى أبي خرميل، وإلى هراة (٢) يأمرهما بإقامة الخطبة له، وحفظ ما بأيديهما من الأعمال، ولم يظن أن أحدا يخالفه، فسار من باميان برحلتين فوجد صداعا في رأسه، فنزل ليستريح فعظم الأمر عليه، فأيقن بالموت، فأحضر ولديه وعهد إلى علاء الدين وأمرهما بقصد غزنة، وأن يصالحا غياث الدين على أن يكون له خراسان وبلاد الغور ويكون لهما غزنة وبلاد الهند، ولما فرغ بهاء الدين من الوصية توفي، فسار ولداه إلى غزنة ودخلا البلد وملكاه، فلما بلغ ذلك تاج الدين يلدز سار بعساكره وجموعه، وسير إلى علاء الدين وجلال الدين أن أخرجا من غزنة وعودا إلى باميان علي عادة أبيكما، فإن غياث الدين أمرني بالمسير إلى غزنة وإنما أراد أن يجعل طريقًا إلى ملك غزنة لنفسه، ثم سار إلى غزنة فحاصرها، فترددت الرسل بينه وبين ولدى بهاء الدين سام، ففارقا غزنة ولحقا بباميان، فدخل تاج الدين يلدز إلى غزنة وقعد فيها أربعة أيام، فعند ذلك طلب القضاء والأمراء والأتراك وقبض على أميردار والي غزنة، ودخل إلى دار السلطان وجلس فيها على مرتبته، فتغيرت لذلك نبات الأتراك وغيرهم لأنهم كانوا يظنون أنه يُملِك غياث الدين، فأرسل إليه غياث الدين الخلع وطلب منه الخطبة له، فغالطه ولم يفعل، فطلب منه أن يخاطبه بالملك وأن يتزوج ابنه من ابنته، فلم يجبه، وامتنع عن الخِطْبَه كامتناعه عن الخُطْبَه، وأجرى يلدز بغزنة رسوم شهاب الدين، وفرق في أهلها أموالًا جليلة المقدار وألزم مؤيد الملك بالوزارة. فامتنع وأكره على ذلك. وأما غياث الدين فإنه بمدينة بست (٣) لم يتحرك في شيء انتظارًا لما يكون من أمر صاحب باميان لأنهما كانا تعاهدا في أيام شهاب الدين أن تكون خراسان لغياث الدين،

стр. 769

وغزنة والهند لصاحب باميان، فلما بلغه موت بهاء الدين جلس على التخت وخطب لنفسه [٢٨٥] بالسلطنة، وحلف للأمراء الذين قصدوه، وهم: إسماعيل الخلجي وسونج أمير شكار (١) وغيرهما، وتلقب بألقاب أبيه غياث الدين، وكتب إلى علاء الدين محمد بن أبي على وهو بفيروزكوه يستدعيه إليه، ثم رحل غياث الدين إلى فيروزكوه فملكها وقبض على جماعة من أصحاب علاء الدين محمد، فنجا علاء الدين هربا ودخل دار أبيه فسكنها، واستوزر عبد الجبار بن محمد الكيزاني وزير أبيه، وسلك طريق والده في الإحسان والعدل، ولما فرغ غياث الدين من علاء الدين محمد، ولم يكن له همه إلا ابن خرميل صاحب هراة واجتذابه إلى طاعته، فراسله وكاتبه، فلما وصله كتابه خاف ميل الناس إليه فغالطه في الجواب وكاتب خوارزم شاه وطلب منه أن يرسل إليه عسكرًا ليكون في طاعته، ويمتنع به من الغورية، فكتب خوارزم شاه إلى عسكره الذي بنيسابور وغيرها من بلاد خراسان بالتوجه إلى هراة، وأن يمتثلوا أمر ابن خرميل، فلما وصل عسكر خوارزم شاه أنزلهم ابن خرميل على باب هراة، وبلغ ذلك غياث الدين فبرز عن فيروزكوه نحو هراة وأقر عسكره بالتقدم إلى هراة، وجعل المقدم عليهم على بن أبي على، وبلغه أن خوارزم شاه علي بلخ (٢) فسار وكان على يزكه صاحب الطالقان، وكان منحرفًا على غياث الدين، فأرسل إلى ابن خرميل يعرفه أنه على اليزك ويأمره بالمجيء إليه وأنه لا يمنعه، فسار ابن خرميل في عسكره فكبس عسكر غياث الدين على غرة منهم فهزمهم، وغنم أموالهم وأسر ابن إسماعيل الخلجي، وأرسل عسكره فشنوا الغارة على البلاد، وعظم الأمر على غياث الدين فأزمع المسير إلى هراة فأتاه الخبر أن علاء الدين صاحب باميان قد عاد إلى غزنة، فأقام ينتظر ما يكون منهم ومن يلدز، وأما خوارزم شاه فاستمر على حصار بلخ حتى فتحها وسلمها إلى جغر التركي، وسار مجدا إلى مدينة ترمذ (٣) وبها ولد عماد الدين صاحب بلخ فسير إليه، أمانًا فسلمها إليه فلما تسلمها منه سلمها إلى الخطأ، وإنما أعطاهم ذلك ليتمكن من ملك خراسان، وأما يلدز فإنه أقام في

стр. 770

غزنة كما ذكرنا ولم يخطب لأحد إلا لنفسه، وكان يعد الناس أن رسولي عند غياث الدين فإذا عاد خطبت له، وكان يفعل ذلك مكرًا فإنه لو لم يظهر ذلك لفارقه أكثر الأتراك وسائر الرعايا، فجمع علاء الدين وجلال الدين ولدا بهاء الدين سام جيشًا وسارا إليه طالبي غزنة فلما بلغ يلدز مسيرهما جهز من عسكره طائفة فالتقوا هم وعسكرهما، فانهزم عسكر يلدز من بين أيديهم إلى غزنة فساروا في أثره، فلما قاربوا البلد انهزم يلدز أيضًا فتبعوه إلى كرمان وملكوها وعاد المذكوران إلى غزنة ومعهما الخزانة التي أخذها يلدز، وقبضا على مؤيد الملك الوزير، وقسما الخزانة بينهما، وسار جلال الدين إلى باميان وبقي علاء الدين بغزنة فاستوزر عماد الملك، فأساء السيرة مع الجند والرعية ونهب أموال الأتراك حتى أنهم باعوا أمهات أولادهم وهن يبكين وهو لا يلتفت إليهم، ثم أن يلدز جمع جموعًا من الأتراك وغيرهم وعاد إلى غزنة فوصلوا إلى كلوا (١) [٢٨٦] فملكوها وقتلوا جماعة من الغورية ووصل المنهزمون إلى كرمان، فسار يلدز إليهم وجعل على مقدمته مملوكًا كبيرًا من مماليك شهاب الدين اسمه إيدكز الشرقي في ألفي فارس من الخليج والأتراك والغز والغورية وغيرهم، وكان يكرمان عسكر لعلاء الدين مع أمير يقال له ابن المؤيد، ومعه جماعة من الأمراء منهم أبو علي بن سليمان، وهو وأبوه عن أعيان الغورية، وكانا مشتغلين باللهو والشرب لا يفتران عنه، فهجم عليهم إيدكز ومن معه من الأتراك وعاجلوهم عن ركوب خيلهم فتقلوهم عن آخره، فمنهم من قتل في المعركة ومنهم من قتل صبرًا، ولم ينج إلا من تركه الأتراك عمدًا. ولما وصل يلدز ورأى أمراء الغورية كلهم قتلى لام إيدكز ووبخه وأحضر رأس ابن المؤيد بين يديه، فسجد شكرًا لله تعالى. وأمر بالمقتولين فغسلوا ودفنوا. وكان من القتلى أبو على بن سليمان بن شيْشر (١). ووصل الخبر إلى غزنة في العشرين من ذي الحجة من هذه السنة، فصلب علاء الدين الذي جاء بالخبر، فمطر الناس مطرًا شديدًا حتى خرب بعض غزنة وجاء بعده برد كبار مثل بيض الدجاج، فضج الناس إلى علاء الدين بإنزال المصلوب فأنزله آخر النهار فانكشفت الظلمة وسكن ما كانوا فيه.

стр. 771

وملك يلدز كرمان وأحسن إلى أهلها، وكانوا في ضر شديد مع أولئك ولما صح الخبر عند علاء الدين أرسل وزيره إلى أخيه جلال الدين في باميان يخبره بحال يلدز ويستنجده، وكان قد أعد العساكر ليسير إلى بلخ ليُرحل عنها خوارزم شاه، فلما أتاه هذا الخبر ترك بلخ وسارا إلى غزنة وكان أكثر عسكره من الغورية قد فارقوه وفارقوا أخاه وقصدوا غياث الدين، فلما كان أواخر ذي الحجة وصل يلدز إلى غزنة ونزل هو وعسكره بإزاء قلعتها وحضر علاء الدين وجرى بينهم قتال شديد، وأمر يلدز فنودي في البلد بالأمان وتسكين الناس، وحاصر يلدز القلعة فوصل جلال الدين في أربعة آلاف من عسكر باميان وغيرهم، فرحل يلدز إلى طريقهم وكان في مقامه إلى أن سار إليهم أربعين يومًا، فلما سار أرسل علاء الدين من كان عنده من العسكر وأمرهم أن يأتوا يلدز من خلفه ويكون أخوه من بين يديه، فلما خرجوا من القلعة سار سليمان بن على الغوري إلى غياث الدين بفيروزكوه، فأكرمه وجعله بها أمير دار، وساريلدز في طريق جلال الدين فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدًا صبروا فيه، فانهزم جلال الدين وعسكره وأخذ أسيرًا وأتي به إلى يلدز، فرحل إلى غزنة وهو معه وأرسل إلى علاء الدين أن سلم القلعة وإلا قتلت من معي من الأسرى، فلم يسلمها فقتل منهم أربع مائة أسير بإزاء القلعة، فأرسل علاء الدين يطلب الأمان فأمنه فلما خرج إليه قبض عليه ووكل به وبأخيه من يحفظهما وقبض على وزيره عماد الملك لسوء سيرته، وكان هندوخان (١) ملكشاه بن خوارزمشاه تكش مع علاء الدين بن سام بقلعة غزنة، فلما قبض عليه أمسكه معه وكتب إلى غياث الدين [٢٨٧] بالفتح وأرسل إليه الأعلام وبعض الأسرى. ذكر ترجمة شهاب الدين المذكور كان شجاعًا كثير الغزو، عادلًا في الرعية، وكان الإمام فخر الدين الرازي ﵀ يعظُه في داره، فحضر يومًا ووعظه وقال في آخر كلامه: يا سلطان لا سلطانك يبقى ولا تلبيس الرازي. فبكي شهاب الدين حتى رحمه الناس، وكان فخر الدين الرازي في صحبته حين قتل، فاتهمه بعض الخاصكين بقتله، فخاف من ذلك والتجأ إلى الوزير مؤيد الملك بن خواجا، فسيره إلى حيث يأمن.

стр. 772

ذكر اتفاق مظفر الدين كوكبرى وصاحب مراغة على قصد أذربيجان وفي هذه السنة اتفق كوكبُرى صاحب إربل مع صاحب مراغة على قصد أذربيجان وأخذها من صاحبها أبي بكر بن البهلوان لاشتغاله بالشرب ليلا ونهارا، وتركه النظر في أحوال المملكة وتركه حفظ العساكر والرعايا، فسار صاحب إربل إلى مراغة واجتمع هو وصاحبها علاء الدين وتقدما نحو تبريز، فلما علم صاحبها أبو بكر أرسل إلى أيتغمش صاحب بلاد الجبل همذان وأصفهان والرى وما بينهما من البلاد، وهو مملوك أبيه البهلوان، وهو في طاعة أبي بكر، فأرسل إليه أبو بكر يستنجده ويعرفه الأحوال وكان ببلاد الإسماعيلية، فلما أتاه الخبر سار إليه في العساكر الكثيرة، فلما حضر عنده أرسل إلى صاحب إربل يقول له: إنا كنا نسمع عنك أنك تحب أهل العلم والخير وتحسن إليهم فكنا نعتقد فيك الخير والدين، والآن ظهر لنا منك ضد ذلك لقصدك بلاد المسلمين وقتالهم ونهب أموالهم وإثارة الفتنة، فإذا كنت كذلك فلا عقل لك إذ تجيء إلينا وأنت صاحب قرية ونحن لنا من باب خراسان وإلى خلاط وإلى إربل، وأحسب أنك هزمت السلطان أما تعلم أن له مماليك أنا أحدهم، ولو أخذ من كل قرية شحنة ومن كل مدينة عشرة رجال لاجتمع له أضعاف عسكرك، فالمصلحة أنك ترجع إلى بلدك، وإنما أقول لك هذا إبقاء عليك. ثم سار إليه عقيب هذه الرسالة، فلما سمع رسالته وبلغه مسيره عزم على العود، فألزمه صاحب مراغة أنه يقيم بمكانه ويسلم إليه عسكره، وقال: إن جميع أمرائه قد كاتبني، ليكونوا معي إذا قصدتهم. فلم يقتل مظفر الدين من قوله وعاد إلى بلده ثم إن أبا بكر وأيتغمش قصدًا مراغة وحاصروها، فصالحهم صاحبها على تسليم قلعة من حصونه إلى أبي بكر، فأقطعه أبو بكر مدينتى أستوا (١) وأرميه (٢) وعاد عنه، وكان أيتغمش قد سار إلى بلاد الإسماعيلية المجاورة لقزوين فقتل منهم مقتلة عظيمة ونهب وأسر وسبي وحاصر قلاعهم، ففتح منها خمس قلاع وصمم العزم على حصر الموت واستئصال أهلها، فاتفق ما ذكرنا من حركة صاحب إربل وصاحب مراغة فاستدعاه الأمير أبو بكر ففارق بلادهم وسار إليه كما ذكرنا.

стр. 773

وفي هذه السنة (١) سار من عسكر خوارزم شاه عشرة آلاف فارس بأهليهم وأولادهم إلى بلاد الجبل فوصلوا إلى زنكان (٢)، وكان أيتغمش صاحبها مشغولًا مع صاحب إربل وصاحب مراغة، واغتنموا خلو البلاد، فلما عاد مظفر الدين إلى بلده وانفصل الحال بين أيتغمش وصاحب مراغة سار أيتغمش نحو الخوارزمية [٢٨٨] فلقيهم وقاتلهم فاشتد القتال بين الطائفتين، وانهزم الخوارزميون وأخذهم السيف، فقتل منهم وأسر خلق كثير، ولم ينج منهم إلا الشريد. ذكر غارة ابن لاون على أعمال حلب وفي هذه السنة (٣) توالت الغارة من ابن لاون الأرمني صاحب الدروب على ولاية حلب، فنهب وحرق وسبي وأسر، فجمع الملك الظاهر غازي صاحب حلب عساكره، واستنجد غيره من الملوك وجمع كثيرًا من الفارس والراجل، وسار عن حلب نحو بلد ابن لاون، وقد نزل المذكور من طرف بلاده مما يلى بلد حلب، وليس إليه طريق لأن جميع بلاده لا طريق إليها، إلا من جبال وعرة، ومضايق صعبة، والطريق متعذر، فنزل الظاهر على خمسة فراسخ من حلب، وجعل على مقدمته جماعة من عسكره مع أمير كبير من مماليك أبيه يعرف بميمون القصري، وأنفذ ميرة وسلاحا إلى حصن له مجاور لبلاد ابن لاون اسمه دربساك، وأنفذ إلى ميمون ليرسل طائفة من العسكر الذين عنده إلى طريق هذه الذخيرة ليسيروا معها إلى دربساك، ففعل ذلك وسير جماعة كثيرة من عسكره وبقي في قلة، فبلغ الخبر ابن لاون فجد نحوه، فوافاه وهو مخف في العسكر فاشتد القتال بينهم، فأرسل ميمون إلى الظاهر يعرفه وكان بعيدًا عنه فطالت الحرب بينهم، وحمى ميمون نفسه وأثقاله على قلة من المسلمين وكثرة من الأرمن، فانهزم المسلمون ونال العدو منهم ونالوا من العدو، وعاد العدو إلى بلادهم واعتصموا بجبالهم وحصونهم.

стр. 774

وفي المرآة (١): وفي هذه السنة أغار ابن لاون على بلد حلب وأخذ الجشار (٢) من نواحي حلب، فبعث الملك الظاهر فارس الدين ميمون القصري، وأيبك فطيس، وحسام الدين بن أمير تركمان، فنزلوا على حارم فقال لميمون: كن على حذر، فتهاون، فكبسهم ابن لاون وقتل جماعة من المسلمين، وثبت أيبك فطيس وابن تركمان وقاتلا قتالًا شديدًا، ولولاهما لأخذ ميمون، وبلغ الظاهر فخرج من حلب ونزل مرج دابق (٣) وجاء إلى حارم، فهرب (٤) ابن لاون إلى بلاده وكان قد بنى قلعة فوق دربساك فأخربها الظاهر، وعاد إلى حلب. ذكر قصد الكرج بلاد الإسلام وفي هذه السنة (٥) قصدت الكرج في جموعها ولاية خلاط من أرض أرمينية، ونهبوا وقتلوا وسبوا من أهلها كثيرًا وجاسوا خلال الديار آمنين، ولم يخرج إليهم من خلاط من يمنعهم، فبقوا متصرفين في النهب والسبي، والبلاد شاغرة لا مانع لها؛ لأن صاحبها صبي والمدبر لدولته ليست له تلك الطاعة من الجند، فلما اشتد البلاء على الناس تذامروا وحرض بعضهم بعضا، واجتمعت العساكر الإسلامية من تلك البلاد جميعها، وانضاف إليهم من المتطوعة كثير، فساروا جميعهم نحو الكرج وهم خائفون، فرأى بعض الصوفية الأخيار الشيخ محمد البُستي وكان من أكابر الصالحين، وكان قد مات، فقال له ذلك الصوفي: أراك هاهنا. فقال: جئت لمساعدة [٢٨٩] المسلمين على عدوهم. فاستيقظ فرحا لمحل البستي من الإسلام، وأتي إلى مدير العسكر وقص عليه رؤياه، ففرح بذلك وقوي عزمه على قصد الكرج، وسار بالعساكر إليهم، ونزل منزلا قريبا منهم فوصلت الأخبار إلى الكرج فعزموا على كبس المسلمين، فانتقلوا من موضعهم بالوادي إلى أعلاه ليكبسوا المسلمين إذا أظلم الليل، فأتى المسلمين الخبر فقصدوا الكرج، وأمسكوا عليهم رأس الوادى وأسفله وهو واد ليست له طريق غير هذين الطريقين، فلما

стр. 775

رأى الكرج ذلك أيقنوا بالهلاك وسُقط في أيديهم، وطمع المسلمون فيهم وقاتلوهم أشد قتال، فقتلوا كثيرًا وأسروا مثلهم ولم يفلت من الكرج إلا القليل. وفي هذه السنة (١) تزوج أبو بكر بن البهلوان صاحب أذربيجان [وأران] (٢) بابنة ملك الكرج، وسبب ذلك أن الكرج كثرت غاراتهم على بلاده لما رأوا من عجزه وانهماكه في الشرب واللعب وتغفله عن تدبير الملك وحفظ البلاد، فلما رأى الحال قد تزايدت من جهة الكرج، وأنه لا يقدر على الذب عن البلاد، خطب ابنة ملكهم فتزوجها، فكف الكرج عن الغارة والنهب والقتل. وقال ابن الأثير: (٣) فكان كما يقال: أغمد سيفه وسل إيره. ذكر بقية الحوادث منها أن الخليفة استوزر نصير الدين ناصر بن مهدي العلوي الحسنى، وخلع عليه للوزارة، وضربت الطبول بين يديه وعلى بابه في أوقات الصلوات: الفجر والمغرب والعشاء. وفي المرآة (٤) خلع عليه خلعة الوزارة القميص والدراعة (٥) والعمامة والسيف، وخرج من باب الحجرة فقدم له فرسًا من خيل الخليفة، وبين يديه دواة فيها ألف مثقال (٦) ذهب، ووراءه المهد الأصغر وألوية الجند وطبول النوبة، والكوسات تخفق والعهد منشور بين يديه، وجميع أرباب الدولة مشاة بين يديه، وضربت الطبول والبوقات له بالرحبة في أوقات الصلوات الثلاث المغرب والعشاء والفجر، فقال الناس: يا ليت شعرنا ماذا أبقى الخليفة لنفسه؟!
следующие страницы →