← История

История · id 380

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [565 - 628 هـ]

بدر الدين العيني

Полный текст (1 226 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

وملك يلدز كرمان وأحسن إلى أهلها، وكانوا في ضر شديد مع أولئك ولما صح الخبر عند علاء الدين أرسل وزيره إلى أخيه جلال الدين في باميان يخبره بحال يلدز ويستنجده، وكان قد أعد العساكر ليسير إلى بلخ ليُرحل عنها خوارزم شاه، فلما أتاه هذا الخبر ترك بلخ وسارا إلى غزنة وكان أكثر عسكره من الغورية قد فارقوه وفارقوا أخاه وقصدوا غياث الدين، فلما كان أواخر ذي الحجة وصل يلدز إلى غزنة ونزل هو وعسكره بإزاء قلعتها وحضر علاء الدين وجرى بينهم قتال شديد، وأمر يلدز فنودي في البلد بالأمان وتسكين الناس، وحاصر يلدز القلعة فوصل جلال الدين في أربعة آلاف من عسكر باميان وغيرهم، فرحل يلدز إلى طريقهم وكان في مقامه إلى أن سار إليهم أربعين يومًا، فلما سار أرسل علاء الدين من كان عنده من العسكر وأمرهم أن يأتوا يلدز من خلفه ويكون أخوه من بين يديه، فلما خرجوا من القلعة سار سليمان بن على الغوري إلى غياث الدين بفيروزكوه، فأكرمه وجعله بها أمير دار، وساريلدز في طريق جلال الدين فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدًا صبروا فيه، فانهزم جلال الدين وعسكره وأخذ أسيرًا وأتي به إلى يلدز، فرحل إلى غزنة وهو معه وأرسل إلى علاء الدين أن سلم القلعة وإلا قتلت من معي من الأسرى، فلم يسلمها فقتل منهم أربع مائة أسير بإزاء القلعة، فأرسل علاء الدين يطلب الأمان فأمنه فلما خرج إليه قبض عليه ووكل به وبأخيه من يحفظهما وقبض على وزيره عماد الملك لسوء سيرته، وكان هندوخان (١) ملكشاه بن خوارزمشاه تكش مع علاء الدين بن سام بقلعة غزنة، فلما قبض عليه أمسكه معه وكتب إلى غياث الدين [٢٨٧] بالفتح وأرسل إليه الأعلام وبعض الأسرى. ذكر ترجمة شهاب الدين المذكور كان شجاعًا كثير الغزو، عادلًا في الرعية، وكان الإمام فخر الدين الرازي ﵀ يعظُه في داره، فحضر يومًا ووعظه وقال في آخر كلامه: يا سلطان لا سلطانك يبقى ولا تلبيس الرازي. فبكي شهاب الدين حتى رحمه الناس، وكان فخر الدين الرازي في صحبته حين قتل، فاتهمه بعض الخاصكين بقتله، فخاف من ذلك والتجأ إلى الوزير مؤيد الملك بن خواجا، فسيره إلى حيث يأمن.

стр. 772

ذكر اتفاق مظفر الدين كوكبرى وصاحب مراغة على قصد أذربيجان وفي هذه السنة اتفق كوكبُرى صاحب إربل مع صاحب مراغة على قصد أذربيجان وأخذها من صاحبها أبي بكر بن البهلوان لاشتغاله بالشرب ليلا ونهارا، وتركه النظر في أحوال المملكة وتركه حفظ العساكر والرعايا، فسار صاحب إربل إلى مراغة واجتمع هو وصاحبها علاء الدين وتقدما نحو تبريز، فلما علم صاحبها أبو بكر أرسل إلى أيتغمش صاحب بلاد الجبل همذان وأصفهان والرى وما بينهما من البلاد، وهو مملوك أبيه البهلوان، وهو في طاعة أبي بكر، فأرسل إليه أبو بكر يستنجده ويعرفه الأحوال وكان ببلاد الإسماعيلية، فلما أتاه الخبر سار إليه في العساكر الكثيرة، فلما حضر عنده أرسل إلى صاحب إربل يقول له: إنا كنا نسمع عنك أنك تحب أهل العلم والخير وتحسن إليهم فكنا نعتقد فيك الخير والدين، والآن ظهر لنا منك ضد ذلك لقصدك بلاد المسلمين وقتالهم ونهب أموالهم وإثارة الفتنة، فإذا كنت كذلك فلا عقل لك إذ تجيء إلينا وأنت صاحب قرية ونحن لنا من باب خراسان وإلى خلاط وإلى إربل، وأحسب أنك هزمت السلطان أما تعلم أن له مماليك أنا أحدهم، ولو أخذ من كل قرية شحنة ومن كل مدينة عشرة رجال لاجتمع له أضعاف عسكرك، فالمصلحة أنك ترجع إلى بلدك، وإنما أقول لك هذا إبقاء عليك. ثم سار إليه عقيب هذه الرسالة، فلما سمع رسالته وبلغه مسيره عزم على العود، فألزمه صاحب مراغة أنه يقيم بمكانه ويسلم إليه عسكره، وقال: إن جميع أمرائه قد كاتبني، ليكونوا معي إذا قصدتهم. فلم يقتل مظفر الدين من قوله وعاد إلى بلده ثم إن أبا بكر وأيتغمش قصدًا مراغة وحاصروها، فصالحهم صاحبها على تسليم قلعة من حصونه إلى أبي بكر، فأقطعه أبو بكر مدينتى أستوا (١) وأرميه (٢) وعاد عنه، وكان أيتغمش قد سار إلى بلاد الإسماعيلية المجاورة لقزوين فقتل منهم مقتلة عظيمة ونهب وأسر وسبي وحاصر قلاعهم، ففتح منها خمس قلاع وصمم العزم على حصر الموت واستئصال أهلها، فاتفق ما ذكرنا من حركة صاحب إربل وصاحب مراغة فاستدعاه الأمير أبو بكر ففارق بلادهم وسار إليه كما ذكرنا.

стр. 773

وفي هذه السنة (١) سار من عسكر خوارزم شاه عشرة آلاف فارس بأهليهم وأولادهم إلى بلاد الجبل فوصلوا إلى زنكان (٢)، وكان أيتغمش صاحبها مشغولًا مع صاحب إربل وصاحب مراغة، واغتنموا خلو البلاد، فلما عاد مظفر الدين إلى بلده وانفصل الحال بين أيتغمش وصاحب مراغة سار أيتغمش نحو الخوارزمية [٢٨٨] فلقيهم وقاتلهم فاشتد القتال بين الطائفتين، وانهزم الخوارزميون وأخذهم السيف، فقتل منهم وأسر خلق كثير، ولم ينج منهم إلا الشريد. ذكر غارة ابن لاون على أعمال حلب وفي هذه السنة (٣) توالت الغارة من ابن لاون الأرمني صاحب الدروب على ولاية حلب، فنهب وحرق وسبي وأسر، فجمع الملك الظاهر غازي صاحب حلب عساكره، واستنجد غيره من الملوك وجمع كثيرًا من الفارس والراجل، وسار عن حلب نحو بلد ابن لاون، وقد نزل المذكور من طرف بلاده مما يلى بلد حلب، وليس إليه طريق لأن جميع بلاده لا طريق إليها، إلا من جبال وعرة، ومضايق صعبة، والطريق متعذر، فنزل الظاهر على خمسة فراسخ من حلب، وجعل على مقدمته جماعة من عسكره مع أمير كبير من مماليك أبيه يعرف بميمون القصري، وأنفذ ميرة وسلاحا إلى حصن له مجاور لبلاد ابن لاون اسمه دربساك، وأنفذ إلى ميمون ليرسل طائفة من العسكر الذين عنده إلى طريق هذه الذخيرة ليسيروا معها إلى دربساك، ففعل ذلك وسير جماعة كثيرة من عسكره وبقي في قلة، فبلغ الخبر ابن لاون فجد نحوه، فوافاه وهو مخف في العسكر فاشتد القتال بينهم، فأرسل ميمون إلى الظاهر يعرفه وكان بعيدًا عنه فطالت الحرب بينهم، وحمى ميمون نفسه وأثقاله على قلة من المسلمين وكثرة من الأرمن، فانهزم المسلمون ونال العدو منهم ونالوا من العدو، وعاد العدو إلى بلادهم واعتصموا بجبالهم وحصونهم.

стр. 774

وفي المرآة (١): وفي هذه السنة أغار ابن لاون على بلد حلب وأخذ الجشار (٢) من نواحي حلب، فبعث الملك الظاهر فارس الدين ميمون القصري، وأيبك فطيس، وحسام الدين بن أمير تركمان، فنزلوا على حارم فقال لميمون: كن على حذر، فتهاون، فكبسهم ابن لاون وقتل جماعة من المسلمين، وثبت أيبك فطيس وابن تركمان وقاتلا قتالًا شديدًا، ولولاهما لأخذ ميمون، وبلغ الظاهر فخرج من حلب ونزل مرج دابق (٣) وجاء إلى حارم، فهرب (٤) ابن لاون إلى بلاده وكان قد بنى قلعة فوق دربساك فأخربها الظاهر، وعاد إلى حلب. ذكر قصد الكرج بلاد الإسلام وفي هذه السنة (٥) قصدت الكرج في جموعها ولاية خلاط من أرض أرمينية، ونهبوا وقتلوا وسبوا من أهلها كثيرًا وجاسوا خلال الديار آمنين، ولم يخرج إليهم من خلاط من يمنعهم، فبقوا متصرفين في النهب والسبي، والبلاد شاغرة لا مانع لها؛ لأن صاحبها صبي والمدبر لدولته ليست له تلك الطاعة من الجند، فلما اشتد البلاء على الناس تذامروا وحرض بعضهم بعضا، واجتمعت العساكر الإسلامية من تلك البلاد جميعها، وانضاف إليهم من المتطوعة كثير، فساروا جميعهم نحو الكرج وهم خائفون، فرأى بعض الصوفية الأخيار الشيخ محمد البُستي وكان من أكابر الصالحين، وكان قد مات، فقال له ذلك الصوفي: أراك هاهنا. فقال: جئت لمساعدة [٢٨٩] المسلمين على عدوهم. فاستيقظ فرحا لمحل البستي من الإسلام، وأتي إلى مدير العسكر وقص عليه رؤياه، ففرح بذلك وقوي عزمه على قصد الكرج، وسار بالعساكر إليهم، ونزل منزلا قريبا منهم فوصلت الأخبار إلى الكرج فعزموا على كبس المسلمين، فانتقلوا من موضعهم بالوادي إلى أعلاه ليكبسوا المسلمين إذا أظلم الليل، فأتى المسلمين الخبر فقصدوا الكرج، وأمسكوا عليهم رأس الوادى وأسفله وهو واد ليست له طريق غير هذين الطريقين، فلما

стр. 775

رأى الكرج ذلك أيقنوا بالهلاك وسُقط في أيديهم، وطمع المسلمون فيهم وقاتلوهم أشد قتال، فقتلوا كثيرًا وأسروا مثلهم ولم يفلت من الكرج إلا القليل. وفي هذه السنة (١) تزوج أبو بكر بن البهلوان صاحب أذربيجان [وأران] (٢) بابنة ملك الكرج، وسبب ذلك أن الكرج كثرت غاراتهم على بلاده لما رأوا من عجزه وانهماكه في الشرب واللعب وتغفله عن تدبير الملك وحفظ البلاد، فلما رأى الحال قد تزايدت من جهة الكرج، وأنه لا يقدر على الذب عن البلاد، خطب ابنة ملكهم فتزوجها، فكف الكرج عن الغارة والنهب والقتل. وقال ابن الأثير: (٣) فكان كما يقال: أغمد سيفه وسل إيره. ذكر بقية الحوادث منها أن الخليفة استوزر نصير الدين ناصر بن مهدي العلوي الحسنى، وخلع عليه للوزارة، وضربت الطبول بين يديه وعلى بابه في أوقات الصلوات: الفجر والمغرب والعشاء. وفي المرآة (٤) خلع عليه خلعة الوزارة القميص والدراعة (٥) والعمامة والسيف، وخرج من باب الحجرة فقدم له فرسًا من خيل الخليفة، وبين يديه دواة فيها ألف مثقال (٦) ذهب، ووراءه المهد الأصغر وألوية الجند وطبول النوبة، والكوسات تخفق والعهد منشور بين يديه، وجميع أرباب الدولة مشاة بين يديه، وضربت الطبول والبوقات له بالرحبة في أوقات الصلوات الثلاث المغرب والعشاء والفجر، فقال الناس: يا ليت شعرنا ماذا أبقى الخليفة لنفسه؟!

стр. 776

ومنها أنه هرب أبو جعفر محمد بن حديدة الوزير الأنصاري من دار الوزارة - دار ابن المهدي - وكان محبوسًا بدرب المطبخ عند ابن مهدي ليعذبه، فحلق ابن حديدة رأسه ولحيته وخرج فلم يظهر خبره إلا من مراغة بعد مدة وعاد إلى بغداد. ومنها أن ناصر الدين صاحب ماردين توجه إلى خلاط بمكاتبة أهلها، فجاء الملك الأشرف ونزل على دنيسر (١) وأقطع بلاد ماردين، فعاد ناصر الدين إلى بلده بعد أن غرم مائة ألف دينار ولم يسلموا إليه خلاط. ومنها أن في شعبان هدمت القنطرة الرومانية التي كانت عند الباب الشرقي ونشرت حجارتها ليبلط بها الجامع الأموي بسفارة الوزير صفي الدين بن شكر وزير الملك العادل، فكمل تبليطه (٢) في سنة أربع وستمائة. وفي أول شوال غيروا من قبة الجامع عدة أضلاع من شماليها، وفي يوم الجمعة سابع ذي القعدة وجد التقى الأعمى مشنوقًا بالمئذنة الغربية. قال أبو شامة (٣): هذا التقى اسمه عيسى بن يوسف بن أحمد الغرافي ولد بالغراف من أرض العراق، وكان ضريرًا عفيفًا فقيهًا، مفتيًا شافعيًّا مدرسًا بالمدرسة الأمينية (٤) خارج باب الجامع القبلي، وكان يسكن [٢٩٠] في أحد بيوت منارة الجامع الغربية، وكان ابتلى بأخذ مال له من بيته واتهم به شخصًا كان يقرأ عليه ويطلع معه إلى البيت يقضى حاجته، ويقوده من المدرسة إلى البيت، ومن البيت إلى المدرسة، فأنكر الشخص المتهم ذلك وتعصب له أقوام عند والي المدينة، فوقع الناس في عرضه من اتهامه من ليس من أهل التهم، ومن كونه جمع ذلك المال وهو وحيد غريب، ونسبوه إلى أنه غير صادق فيما ادعاه. فزاد عليه الهم من ضياع ماله والوقوع في عرضه، ففعل بنفسه ما فعل. قال: وبلغني أن جماعة من المتفقهة امتنعوا من الصلاة عليه وقالوا: قتل نفسه، فتقدم شيخنا فخر الدين أبو منصور (٥) عبد الرحمن بن عساكر فصلى عليه، فاقتدى الناس به.

стр. 777

ودرس بالأمينية بعده الجمال المصري وكيل بيت المال، قلت: مذهب أبي يوسف ﵀ من أصحابنا أن لا نصلي على قاتل النفس. وفيها .................... (١) وفيها حج بالناس من العراق مظفر الدين وجه السبع، ومن الشام الشجاع علي بن السلار كذا في المرآة. (٢) وذكر ابن تاج الأمناء قال: وفي السابع والعشرين من رمضان سنة اثنتين وستمائة نادوا الحج على أيلة صحبة ابن الجراحي. (٣) ذكر من توفي فيها من الأعيان شرف الدين أبو الحسن علي بن محمد بن علي، جمال الإسلام بن الشهرزوري (٤)، توفي في هذه السنة بمدينة حمص، وقد كان أخرج إليها من دمشق، وكان قبل ذلك مدرسًا بالأمينية والحلقة بالجامع تجاه البرادة، وكان لديه علم جيد بالمذهب والخلاف وكانت وفاته في رابع عشر جمادى الآخرة. أبو الحسن علي بن علي بن سعادة الفارقي (٥)، تفقه ببغداد وأعاد بالنظامية وناب في تدريسها واستقل بتدريس المدرسة التي أنشأتها أم الخليفة، وأزيد على نيابة القضاء عن أبي طالب على بن على البخاري فامتنع من ذلك فألزم به فباشره قليلا، ثم دخل يوما إلى المسجد فلبس على رأسه مئزر (٦) صوف وأمر الوكلاء والجلاوزة (٧) أن ينصرفوا عنه، وشهد على نفسه بعزلها عن نيابة القضاء، واستمر على التدريس والإعادة.

стр. 778

حمزة بن على بن حمزة، أبو يعلى الحراني المقري، ويعرف بابن القبيطى (١)، ولد سنة أربع وعشرين وخمسمائة ببغداد، وقرأ القرآن بالروايات على الشيخ أبي محمد سبط الشيخ أبي منصور الخياط وغيره، وسمع الحديث، وكان حسن الصوت بالقراءة، يصلي إمامة بالمسجد الذي بجانب البدرية (٢) فكان الناس يأتون إليه من أقطار بغداد ويسمعون قراءته وتوفي في ذي الحجة وصلى عليه بالنظامية، ودفن بباب حرب، وكان صالحًا عفيفًا زاهدًا ثقة. مسعود وممدود ابنا الحاجب مبارك بن عبد الله. فمسعود لقبه سعد الدين صاحب صفد، وممدود لقبه بدر الدين شحنة دمشق، وأمهما أم فرخشاه بن شاهنشاه بن أيوب، وأصل أمهما من المنظرة (٣) ففرخشاه أخوهما لأمهما، وأختهما لأمهما الست عذراء صاحبة المدرسة (٤) المجاورة لقلعة دمشق، وكانا أميرين كبيرين لهما مواقف كثيرة مع السلطان صلاح الدين. وتقدمت وفاة بدر الدين ممدود فإنه توفي بدمشق يوم الأحد خامس شهر رمضان. وتوفي سعد الدين بصفد يوم الإثنين خامس شوال، بينهما شهر واحد. (٥) وقال أبو شامة: وكانت دار مسعود مجاورة لرباط (٦) زهرا خاتون قريب حمام جاروخ (٧)، هي الآن لجمال الدين موسى بن يغمور. ودار ممدود بحارة [٢٩١] البلاطة (٨) هي الآن لنجم الدين بن الجوهري.

стр. 779

الأمير مجير الدين طاشتكين (١) المستنجدي، أمير الحاج وزعيم بلاد خراسان، وكان شيخًا خيرًا حسن السيرة كثير العبادة غاليًا في التشيع، توفي بتستر (٢) في ثاني جمادى الآخرة من هذه السنة، وحمل تابوته إلى الكوفة فدفن بمشهد على ﵁ بوصية منه، هكذا ترجمه ابن الساعى في تاريخه. وذكر أبو شامة في الذيل: مجير الدين طاشتكين بن عبد الله المقتفوى أمير الحاج، حج بالناس ستا وعشرين سنة وكان يكون في طريق الحج مثل الملوك، فحسده ابن يونس الوزير، وقال للخليفة: إنه يكاتب صلاح الدين وزور عليه كتابًا فحبسه الخليفة مدة، ثم تبين له أنه بريء من ذلك فأطلق وأعطاه خوزستان ثم أعاده إلى أمره الحج. وكانت الحله [الشيعية] (٣) أقطاعه، وكان شجاعًا جوادًا سمحًا قليل الكلام يمضي عليه الأسبوع ولا يتكلم، استغاث إليه رجل يومًا فلم يكلمه، فقال الرجل: الله كلم موسى. فقال: وأنت موسى!! فقال الرجل: وأنت الله!! فقضى حاجته، وكان حليمًا، التقاه رجل فاستغاث إليه من نوابه فلم يجبه، فقال له الرجل: أحمار أنت؟ فقال طاشتكين: لا. وفي قلة كلامه يقول ابن التعاويذي: وأمير على البلاد مولى … لا يجب الشاكي بغير سكوت كلما زاد رفعةً حطنًا … الله بتغفيله إلى البهموت وقام يومًا إلى الوضوء فحل حياصته وتركها موضعه ودخل ليتوضأ، وكانت الحياصة تساوي خمسمائة دينار، فسرقها الفراش وهو يشاهده، فلما خرج طلبها فلم يجدها، فقال أستاذ داره: أجمعوا الفراشين وأحضروا المعاصير (٤). فقال له طاشتكين: لا تضرب أحدًا فالذي أخذها ما يردها والذي رآه ما يعمز عليه. فلما كان بعد مدة رأى على الفراش الذي سرق الحياصة (٥) ثيابًا جميلة وبزة ظاهرة. فاستدعاه سرًّا وقال له بحياتي هذه من زيك

стр. 780

فخجل، فقال: لا بأس عليك. فاعترف فلم يعارضه، وكان طاشتكين قد جاوز تسعين سنة، فاستأجر أرضًا وقفًا ثلثمائة سنة على جانب دجلة ليعمرها دارًا، وكان ببغداد رجل محدث في الخلق يقال له فتيحة المحدث، فقال: يا أصحابنا نهنئكم مات ملك الموت. قالوا: وكيف؟ قال طاشتكين. عمره مقدار تسعين سنة وقد استأجر أرضًا ثلثمائة سنة فلو لم يعلم أن ملك الموت قد مات ما فعل هذا فتضاحك الناس. الست خاتون أم السلطان الملك المعظم ابن السلطان الملك العادل، توفيت يوم الجمعة العشرين من ربيع الأول من هذه السنة، ودفنت في القبة التي بالمدرسة المعظمية (١) سفح قاسيون، وفي تلك القبة معها ابناها المعظم عيسى والعزيز عثمان، ابنا الملك العادل، وأخوهما المتوفى قبلهما الملك المغيث عمر بن الملك العادل.

стр. 781

فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الثالثة بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله، والسلطان الملك العادل سار من مصر إلى الشام، ونازل في طريقه عكا وصالحه أهلها على إطلاق جمع من الأسرى (١)، ثم وصل إلى دمشق ثم سار عنها، ونزل بظاهر حمص على بحيرة قدس (٢)، واستدعى [٢٩٢] بالعساكر فأتته من كل جهة، وأقام على البحيرة حتى خرج رمضان. ثم سار ونازل حصن الأكراد، وفتح برج أغياز وأخذ منه سلاحًا ومالًا وخمسمائة رجل ثم سار ونازل طرابلس، ونصب عليها المجانيق، وغار العسكر في بلادها وقطع قناتها، ثم عاد في أواخر ذي الحجة إلى بحيرة قدس فظاهر حمصن، وخرجت السنة وهو مقيم هناك. وفي تاريخ بيبرس: وفي هذه السنة خرج العادل بعساكره لقصد مدينة عكا فصالحه أهلها، وجرت بينه وبين الظاهر صاحب حلب - ابن أخيه - أمور اقتضت تغيّر البواطن واستشعار كل منهما من الآخر. وحصر ناصر الدين الملك المنصور صاحب حماة إلى خدمة العادل، واجتمع به وشكى إليه سوء معاملة الظاهر له. فكان ذلك مما زاده تغيرًا. واتفق خروج الفرنج من طرابلس وقصدوا حمص وأغاروا عليها فعظم ذلك على العادل وسار من دمشق ونزل بظاهر حمص وحضرت إليه عساكر البلاد، وأقام إلى آخر شهر رمضان، وعيّد في مكانه وسار متوجهًا إلى حصن الأكراد، وذكر إلى آخر ما ذكرنا. وقال أبو شامة (٣): وفيها نزلت الفرنج على حمص، وكان الظاهر بعث إليها المبارز يوسف بن خطلج الحلبي نجدة لأسد الدين شيركوه الأصغر، وأُسِر في هذه السنة الصمصام بن العلائي وخادم صاحب حمص. ذكر ماجريات ملوك البلاد منها أن (٤) غياث الدين محمود بن غياث الدين محمد ملك الغورية أرسل يستميل يلدز مملوك أبيه المستولى على غزنة فلم يجبه يلدز إلى ذلك، وطلب يلدز من غياث

стр. 782

الدين أن يعتقه، فأحضر الشهود وأعتقه، وأرسل مع عتاقته هدية عظيمة، وكذلك عتق أيبك المستولى على الهند، وأرسل إليه نحو ذلك فقبل كل منهما ذلك، وخطب له أيبك ببلاد الهند التي تحت يده، وأما يلدز فلم يخطب له، وخرج بعض العساكر عن طاعة يلدز لعدم طاعته لغياث الدين مولاه. وفي تاريخ بيبرس: لما أرسل غياث الدين إلى يلدز وطالبه بالخطبة ولم يجب إليه أعاد عليه الرسالة وقال: إما أن تخطب لنا وإما أن تعرفنا ما في نفسك. فلما وصل الرسول بهذا أحضر يلدز الخطيب وأمره أن يخطب له، ويترحم على شهاب الدين، فَخُطِبَ ليلدز بغزنة، فلما رأى الناس ذلك ساءهم إسقاط اسم غياث الدين، وتغيرت نياتهم ليلدز ونيات الأتراك الذين معه، ولم يروه أهلًا أن يخدموه، وإنما كان يطيعونه لما كانوا يرون أنه يقيم دولة غياث الدين. فلما خطب لنفسه، أرسل إلى غياث الدين يقول له: إنه قد اجتمع عندك الذين هم أساس الفتنة وأقطعتهم الإقطاعات، ووعدتني أمورًا لم تقف (١) عندها، فإن أنت عتقتني خطبتُ لك وحَلَتْ إليَّ خدمتك. فأجابه غياث الدين إلى ذلك وأشهد عليه بعتقه، وعتق قطب الدين أيبك نائبه ببلاد الهند، وأرسل إليها تشاريف ومناطق ذهب وسترًا. فقبل يلدز الخلع والمناطق، ورد الستر وقال: نحن عبيد ومماليك، والجتر (٢) له أصحاب. وسار رسول غياث الدين إلى أيبك وكان ببلاد الهند، فلما علم قرب الرسول لقيه على بعد وقَبّل حافر الفرس ولبس الخلعة، وقال: أما الجتر فلا يصلح للمماليك، وأما العتق فمقبول، وسوف أجازيه [٢٩٣] بعبودية الأبد. ومنها (٣) أن خوارزم شاه ملك طالقان، وذلك أنه لما سَلَّم ترمذ إلى الخطأ سار عنها، فأرسل إلى سونج أمير شكار نائب غياث الدين محمود بالطالقان رسولًا يستميله إليه، فلم يجبه سونج وعاد الرسول خائبًا، وجمع سونج عساكره وخرج لمحاربة خوارزم شاه فالتقوا بالقرب من طالقان، فلما تقابل العسكران حمل سونج وحده مجدًّا حتى قارب عسكر خوارزم شاه وألقى نفسه إلى الأرض ورمي سلاحه وقبل الأرض وسأل العفو، فظن

стр. 783

خوارزم شاه أنه سكران، فلما علم أنه صاح ذَمّه وسَبّه ولم يلتفت إليه، وأخذ بالطالقان من سلاح ومال ودواب وأنفذه إلى غياث الدين مع رسول برسالة تتضمن التقرب إليه والملاطفة له، واستناب بالطالقان بعض أصحابه وسار إلى قلاع كالوين (١) وبَيْوَار (٢)، فخرج إليه حسام الدين على صاحب كالوين وقابله على رؤوس الجبال، فأرسل إليه خوارزم شاه يتهدده إن لم يسلم إليه فقال: أما أنا فمملوك وهذه الحصون بيدي أمانة ولا أسلمها إلا إلى صاحبها. فاستحسن خوارزم شاه ذلك منه وذم سونج. ولما بلغ غياث الدين خبر سونج وتسليمه الطالقان إلى خوارزم شاه عظم ذلك عنده وشق عليه كثيرًا، فهوَّن الأمر عليه أصحابه. ولما فرغ خوارزم شاه من الطالقان سار إلى هراة فنزل بظاهرها، ولم يمكن ابن خرميل من هراة أحدًا من الخوارزميين أن يتطرق إلى أحد من أهلها، وإنما كانوا يقطعون الطريق وهذه عادة الخوارزميين. ووصل رسول غياث الدين إلى خوارزم شاه بالهدايا، ورأى الناس ذلك عجبًا لما كان بينهما من التباين، وسار ابن خرميل من هراة في جمع من عساكر خوارزم شاه، فنزل على أسفزار (٣) فحاصرها وأخاف أهلها فسلموها ولم يعرض لهم بسوء، ولما أخذها أرسل إلى محمد بن حرب صاحب سجستان يدعوه إلى طاعة خوارزم شاه والخطبة له ببلاده، فأجابه إلى ذلك، وكان خوارزم شاه يطالبه بذلك مدة ولم يجبه إليه. ولما سمع يلدز بالصلح مع خوارزم شاه أرسل إلى غياث الدين أن ما الذي حملك على هذا؟ فقال: عصيانك لي وخلافك على. فجمع يلدز عساكره وسار إلى تكيا باذ وإلى بُست فملكهما وقطع خطبة غياث الدين منها، وأرسل إلى صاحب سجستان يأمره بإعادة الترحم على شهاب الدين وقطع خطبة خوارزم شاه. وأرسل إلى ابن خرميل صاحب هراة بذلك، ويتهددهما بقصد بلادهما إن لم يفعلا، فخافوه. ثم إنه أخرج جلال الدين بن بهاء الدين سام من الأسر، وذلك أنه لما هزم عسكر باميان أسر جلال

стр. 784

الدين وأخاه علاء الدين أيضًا. ثم إنه لما أخرج جلال الدين من الأسر سير معه خمسة آلاف فارس، وقدّم عليهم أيدكز التتري مملوك شهاب الدين ليعيدوا جلال الدين إلى باميان، ويزيلوا ابن عمه عباس، وكان قد ملك باميان لما رأى خلوها من ابني أخيه جلال الدين وعلاء الدين، وزوج يلدز ابنته من جلال الدين، وخلع عليه فسار هو ومن معه. ولما خلا به أيدكز قال له: عزّ على لبسك خلعة يلدز، وكيف وأنتم ما رضيتم تلبسون خلعة غياث الدين وهو أكبر سنًّا منكم وأشرف بيتًا [٢٩٤] وتلبس خلعة هذا المأبون -يعني يلدز- ودعاه إلى العود معه إلى غزنة، وأعلمه أن الأتراك كلهم يجمعون على خلاف يلدز، فلم يجبه إلى ذلك. فقال أيدكز: إنني لا أسير معك. وعاد إلى كابُل وهي إقطاعه. فلما وصل إليها لقّبه رسول قطب الدين أيبك إلى يلدز يقبح فعله، ويأمره بإقامة خطبة غياث الدين، ويخبره أنه قد خطب له في بلاده. [فلما] (١) علم أيدكز قويت نفسه على محاربة يلدز، وصمم على قصد غزنة ووصل رسول أيبك إلى غياث الدين بالهدايا والتحف ويشير عليه بإجابة خوارزم شاه إلى ما طلب الآن، وعند الفراغ، من غزنة تسهل أمور خوارزم شاه. فسار أيدكز إلى غزنة، وكان جلال الدين قد كتب إلى يلدز يخبره بخبر أيدكز وما عزم عليه، فكتب يلدز إلى نوابه بغزنة يأمرهم بالاحتياط منه، فلما وصلها أيدكز أمر أصحابه بنهب البلد، فتوسط القاضي الحال بأن يَحْمِل إليه خمسين ألف دينار، وخطب أيدكز لغياث الدين، وقطع خطبة يلدز، ففرح الناس بذلك. وسير المال إلى غياث الدين، ولقب يملك الأمراء. ومنها أن في ثالث شعبان ملك غياث الدين كيخسرو صاحب بلاد الروم أنطالية (٢) باللام وهي مدينة للروم على ساحل البحر، وكان قد حاصرها قبل هذا الوقت فأرسل صاحبها إلى الفرنج الذين بجزيرة قبرس، فاستنجدهم فأرسلوا إليه جماعة منهم، فرحل كيخسرو وترك طائفة من عسكره بالقرب منها مع الجبال، فلما رحل اختلف الروم والفرنج فتسلمها وقتل من كان بها من الفرنج الذين جاءوا للنجدة. (٣)

стр. 785

ومنها أنه قبض عسكر خلاط على صاحبها ولد بكتمر، وملَّكوها لبلبان مملوك شاهر من بن سكمان، وكتب قوم من الجند إلى ناصر الدولة أرتق بن إيلغازي يستدعونه. وسبب ذلك أن ولد بكتمر كان جاهلًا، فلما ملك بعد أبيه قبض على الأمير شجاع الدين قتلغ، وكان أتابكه ومدبر بلاده، فقتله. واختلفت الكلمة عليه من الجنة والعامة، واشتغل باللهو وإدمان الشرب، فساءت نياتهم له، وسار بلبان إلى ملاذكرد (١) وملكها، واجتمع أكثر الجند إليه، وسار راجعًا إلى خلاط. واتفق وصول صاحب ماردين إلى خلاط معتقدًا أن أحدًا لا يمتنع عليه، فنزل قريبًا منها، فأرسل إليه بلبان يقول له: إن أهل خلاط قد اتهموني بالميل إليك، والرأي أنك ترحل [عائدًا] (٢) مرحلة، فإذا تسلمت البلد سلمته إليك. فرحل صاحب ماردين راجعًا، فلما أبعد عن خلاط، وكان في قلة من الجند، أرسل إليه بلبان أن تعود إلى بلدك، وإلا جئت أوقعت بك. فعاد إلى ماردين. وأما بلبان فإنه حاصر خلاط، وضيق على أهلها، فقبضوا على ابن بكتمر وسلموها إليه. ومنها (٣) أنه كانت الحرب بين عسكر الخليفة وبين صاحب كرّستان مع مملوكه سنجر، وكان المتولي لتلك الأعمال، وصاحب كرّستان يعرف بأبي طاهر، وهي جبال منيعة بين فارس وأصفهان وخوزستان، فقاتلوا أهلها وعادوا منهزمين. وسبب ذلك أن مملوكة للخليفة الناصر لدين الله يسمى قشتمر من أكبر مماليكه، كان قد فارق الخدمة لتقصير رآه في حقه من الوزير نصير الدين العلوي، فاجتاز بخوزستان وأخذ ما [٢٩٥] أمكنه ولحق بأبي طاهر صاحب كرّستان، فأكرمه وزوجه ابنته، ثم توفي أبو طاهر فقوى أمر قشتمر الناصري، وأطاعه أهل تلك الولاية، فأمر الخليفة سنجر بجمع العساكر وقتال قشمر، ففعل سنجر ما أُمر به وجمع العساكر وسار إليه، فأرسل قشتمر يعتذر ويسأل أن لا يُقصد، ويُحْوَج إلى الخروج عن الطاعة والعبودية، فلم يقبل عذره. فجمع أهل تلك الأعمال ونزل إلى العسكر الذين مع سنجر، فلقيهم وهزمهم، وأرسل إلى أيتغمش

стр. 786

صاحب أصفهان والرى وإلى صاحب [فارس] (١) يعرفهما الحال، ويقول: إنني لا قوة لي بعسكر الخليفة، وقد أضيف إليهم عساكر أخرى، وعادوا إلى حربي ولا أقدر لهم. وطلب منهما النجدة، فأجاباه إلى ما طلب، فاستمر على حاله وقوى جنانه. ذكر بقية الحوادث منها أن الخليفة ولّى قضاء القضاه ببغداد لعماد الدين بن أبي القاسم عبد الله بن الدامغاني. ومنها أن (٢) الخليفة قبض على عبد السلام بن عبد الوهاب بن الشيخ عبد القادر الكيلاني (٣) بسبب فسقه وفجوره، وقد احترقت كتبه وأمواله قبل ذلك لما فيها من كتب الفلاسفة وعلوم الأوائل، وأصبح يستعطى من الناس، وهذا بخطيئة قيامه على الشيخ أبي الفرج بن الجوزي فإنه هو الذي كان وشي به إلى الوزير ابن القصاب حتى أحرق بعض كتب ابن الجوزي، وختم ببقيتها ونفى إلى واسط خمس سنين كما تقدم بيان ذلك، والناس يقولون: في الله كفاية وفي القرآن، وجزاء سيئة سيئة مثلها، والصوفية يقولون: الطريقة بأخذ حقها. والأطباء يقولون: الطبيعة مكافئة. (٤) وقال أبو شامة (٥): وكان إحراق كتب عبد السلام المذكور في سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، وسببه أنه كان بين ابن يونس الوزير وبين أولاد الشيخ عبد القادر عداوة قديمة؛ لأنه كان جارهم بباب الأزج في حال خموله وفقره، وكانوا يؤذونه بحيث أنهم ربوا كلبًا ولقبوه جُليل يعنون جلال الدين وهو لقب ابن يونس، وكان لابن يونس أخ صالح يقال له العماد فسموا بغلًا للطحن العماد، وكان للشيخ عبد القادر ولد لصلبه طحان اسمه سليمان، كان أشر خلق الله وهو الذي فعل هذه الأفاعيل، فلما ولي ابن يونس الوزارة ثم أستاذية الدار، أظهر ما كان في قلبه منهم، فبدد شملهم وبعث ببعضهم إلى

стр. 787

المطامير إلى واسط، فماتوا بها، وكان عبد السلام المذكور مداخلًا للدولة، وكانت عنده كتب كثيرة، فبعث ابن يونس فكبس داره وأخرج منها كتبًا في فنون منها: "الشفا" لابن سينا، والنجاة، ورسائل إخوان الصفا، وكتب الفلاسفة والمنطق، وتسخير الكواكب، والنارنجيات، والسحر. فاستدعى ابن يونس - وهو يومئذ أستاذ الدار للخليفة -، العلماء والفقهاء والقضاة والأعيان، وكان جد السبط الشيخ أبو الفرج بن الجوزي منهم وقرئ من بعضها مخاطبة زحل يقول: أيها الكوكب المضيء المنير الفرد أنت تدير الأفلاك وتحيي وتميت وأنت إلهنا، وفي حق المريخ من هذا الجنس، وكان عبد السلام حاضرًا، فقال له ابن يونس: هذا خطك؟ قال: نعم. قال: لم كتبته؟ قال لأرد على قائله ومن يعتقده. فسألوه فيه فقال: لابد من حريق الكتب. فلما كان يوم الجمعة ثاني عشر صفر جلس قاضي القضاة [٢٩٩] والعلماء وفيهم ابن الجوزي على سطح المسجد المجاور لجامع الخليفة وأضرموا تحت المسجد نارًا عظيمة، وخرج الناس من الجامع فوقفوا على طبقاتهم والكتب على سطح المسجد بين أيديهم، فقام رجل يقال له ابن المارستانية فجعل يقرأ كتابًا كتابًا ويقول: العنوا من كتبه ومن يعتقده. فضج العوام باللعن وعبد السلام حاضر، وتعدى اللعن إلى الشيخ عبد القادر وأحمد بن حنبل فظهرت الأحقاد البدرية. وقال الخصوم أشعارًا منها قول المهذب الرومي ساكن النظامية. لي شعر رق من دين ركن الد … ين عبد السلام لفظًا ومعنى زحليًا يشنا عليَّا ويهوى … آل حرب حقدا عليه وضغنا منحته النجوم إذ رام سعدًا … وسرورًا نحسا وهما وحُزنا سار إحراق كتبه سير شعري … في جميع الأقطار سهلًا وحُزْنًا أيها الجاهل الذي جهل الحـ … ـق ضلالًا وضيع العُمر غبنًا رمت جهلًا من الكواكب بالتبخـ … ـير عزًّا فنلت ذلًا وسجنًا ما زحل وما عطارد والمر … يخ والمشترى ترى يا مُعَنَّى كل شيء يُودى ويفنى سوى اللـ … ـه إلهى فإنه ليس يفنى (١)

стр. 788

ثم حكم القاضي بتفسيق عبد السلام، ورمي طيلسانه، وولي ابن الجوزي مدرسة الشيخ عبد القادر، فذكر التدريس بها في ربيع الأول. ومنها (١) أنه قدم البرهان محمد بن عمر بن مازه البخاري ويلقب بصدر جهان حاجًا إلى بغداد، وتلقاه جميع من ببغداد ما عدا الخليفة والوزير، وأنزل في دار زبيدة على نهر عيسى، وحمل إليه الإقامات والضيافات، وكان معه ثلاثمائة من الفقهاء، وجرى له في حجه ما سنذكره في السنة الآتية إن شاء الله تعالى. ومنها أنه قال السبط في المرآة (٢): وفي هذه السنة فارقت دمشق قاصدًا إلى حلب وجلست بقاسيون وودعت الناس فلم يتخلف بدمشق إلا اليسير، وامتلأ جامع الجبل بالناس فصاحوا علينا من الشبابيك والأبواب لالالا، يعني قوموا فاخرجوا فخرجنا إلى المصلى، وكان شيخنا تاج الدين الكندي حاضرًا، فلما خرج من الباب رجموه فانكشف رأسه، ووقعت عمامته، فعز عليّ وسألته أن يمضي إلى دمشق، ولا يحضر في المصلى، فامتنع فقال: لا والله حتى يتم المجلس، وتاب في ذلك اليوم زيادة على خمسمائة شاب وقطعوا شعورهم، وكان سيف الدين بن ميرك حاضرًا وجرى الكلام في المغناطيس وأنه يعشق الحديد، قلت: والحباري (٣) يعشق الشمس، ولهذا كلما مالت الشمس إلى جهة مال الحبارى إليها، فصاح شمس الدين بن ميرك كلنا اليوم حباري. قال: ووصلت إلى حلب في ذي الحجة واجتمعت بالنقاش الحلبي ولقبه تاج الدين واسمه مسعود بن أبي الفضل أبو الفتح، فأنشدني مقطعات من شعره وكتبها لي بخطه. ومولده سنة أربعين وخمسمائة، ومدح الملك الأمجد صاحب بعلبك، وهجي مسعودًا صاحب شيزر ببيتين هما عينا الذم، وسبب ذلك أنه حكى عن نفسه قال: اشتريت من دمشق [٢٩٧] فاكهة بأربعين درهمًا وقوسين بأربعين درهمًا، وقصدت شيزر فنزلت بخان في الربض، وأُخبر مسعود صاحبها بي فاستدعاني، فدخلت عليه وقدمت له الهدية وأنشدته أبياتًا غزلًا ومديحًا، فلما انتهينا أخرج من تحت طراحته خمسة دراهم وقال: أنفق عليك هذه الليلة فطباخنا مريض، فنزلت إلى الخان.

стр. 789

فلما كان صبيحة ذلك اليوم جاءني أستاذ داره وقال: الأمير يسلم عليك ويقول لك: كم ثمن الفاكهة والقوسين؟ فقلت: معاذ الله أن أذكر لهما ثمنًا وإنما أهديتهما للأمير. فقال: لابد. فقلت: اشتريتهما من دمشق بثمانين درهمًا، واكتريت لي ولها بغلًا بعشرين درهما، فمضى وعاد ومعه مائة درهم، فقال: هو يعتذر إليك وما في الخزانة شيء. فامتنعت من أخذها وخرجت من شيزر ولم أبت بها. وقال: ما أليق البخس بمسعودكم … على الورى يا ساكني شيزر فيا ملوك الأرض هموا به … فإنه والله شيء زري قال: وعهدي بالنقاش في سنة ثمان وستمائة في الحياة، وقدم دمشق في سنة تسع وستمائة، وأنشد للجماعة قطعًا من قصائده وأفادهم من فرائد فوائده، إلا أنه كان باطنه كالزناد الوقاد، وظاهره كالجليد والجماد، ومن رآه نسبه إلى البلاهة وعدم الذكاء والفقاهه، فإذا أنشد تساقط من ألفاظه مثل الجمان. وقد شاهدته وليس الخبر كالعيان، ولم أقف على تاريخ وفاته. وذكر أبو شامة (١) من قصائده قطعًا منها: ما لي سوى حبكم مذهب … ولا إلى غيركم مذهب ناشدتك الله نسيم الصبا … من أين هذا النفس الطيب أأودعت برداك وقت الضحى … مكان ألقت عقدها زينب أم باسمت رياك روض الحمى … وذيلها من فوقه يسحب فهات أتحفنى بأخبارها … فعهدك اليوم بها أقرب ومنها: أي يد عندى وأي مِنَّة … للركب أن بشرني بهنة صاحوا الرحيل فظلت والها … أنشد قلبي بين عيسهنة كأنني بالحي قد شدوا العرى … لبيتهم وأرخوا الأعنة وما سمعت قبل أن ترحلوا … بمطلع الشهب من الأسنة يا حادي الأظعان رب فرح … أحدثه طيب حد بثهنة فاسلم وقل للراحلين إن … يكن بين فرفقا بقتيلكن

стр. 790

ومنها قصيدة في مدح صاحب بعلبك الأمجد بن فرخشاه: زار وطرف النجم لم يرقد … مؤتزر من حسنه مرتد [٢٩٨] أحور يحكي الخال في خده … نُقطة نَدٍ فوقَ ورد نَدِ يا حسنه من زائر ما بدا … إلا وأنسى قمرُ الأسعد ويا ضلالي فيه من بعد ما … كنت بمرأى وجهه اهتدى فيا لها من ليلة لم يفز … بمثلها الهادي ولا المهتدي إذا اجتلى في ليل أصداغه … من وجهه شمس صباح الغد وعادل عنف فيه ومن … ينادم البدر ولم يحسد ظن خلاصي في يدي فاعتدى … وقال يهوى قاتلًا لا يدى فقلت لا ترح سلوى فقد … خلعت سُلواني علي عُودَّى أأهجر العيش بهجرى له … وأخرج الفوز به عن يدي وأنثنى عنه إلى غيره … لا وحياة الملك الأمجد ومنها: (١) أعني من الحوادث، أنه اجتمع شابان ببغداد على شرب، فضرب أحدهما الآخر بسكين فقتله، وهرب فأُخذ فقتل، فوجد معه رقعة فيها بيتان من نظمه، أمر أن يُجعلا بين أكفانه، وهما قوله: قدمت على الكريم بغير زادٍ … من الأعمال بالقلب السليم وسوء الظن أن تعتدَّ زادًا … إذا كان القدوم علي كريم وفي تاريخ بيبرس: وفيها توفي أبو القاسم [أحمد] (٢) بن المقري صاحب الديوان، كان شابا حسنا يعاشر ابن الأمير أصُبَه فداعبه يومًا فرماه بسكين صغيرة فوقعت في فؤاده فقتله، فسلمه الخليفة إلى أخوته أولاد أصُبَه، فلما خرجوا به ليقتل أنشد: قدمت على الإله، البيتين. وفي روايته: بَلْ قلب سليم، وسوء الظن أن نَعتد.

стр. 791

ومنها أنه فارق وجه السبع حاج العراق وقصد الشام، وكان في الحاج العراقي جماعة من الأعيان فبكوا وضجوا، وسألوه فقال: مولاي أمير المؤمنين محسن إليَّ، وما أشكو إلا من الوزير ابن مهدي، فإنه يقصدني لقربي من مولاي، وما عن الروح عوض. وسار إلى الشام ودخل الحاج بغداد وعليهم وحشة وكآبة، وأمر الخليفة أن لا يخرج الموكب إلى لقائهم، ولا يخرج إليهم أحد، وأدخل الكوسى والعلم والمهد في الليل، وأقام الخليفة حزينًا أيامًا. وأما وجه السبع فوصل إلى دمشق، فالتقاه العادل وأولاده وخدموه وأحسنوا إليه. وفيها (بياض بالأصل بمقدار سطر). وفيها حج بالناس من العراق مظفر الدين وجه السبع، لكنه فارق الحج كما ذكرناه الآن. وحج بالناس من الشام مجاهد الدين ياقوت، وهي أول حجة حجها، وحج صدر جهان أيضًا. ذكر من توفي فيها من الأعيان الفقيه (١) العالم أبو منصور عبد الرحمن بن الحسين بن عبد الله بن النعمان النيلى، الملقب بالقاضي شريح لذكائه وفضله وبراعته وعقله وكمال أخلاقه. ولي قضاء بلدة النِيْل (٢) بكسر النون وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره لام. ثم قدم بغداد فندب إلى المناصب الكبار فأباها، فحلف عليه الأمير طاشتكين أن يعمل عنده الكتابة، فخدمه عشرين عاما، ثم وشي به الوزير ابن مهدي إلى الخليفة فحبسه في دار طاشتكين إلى أن توفي فيها في هذه السنة، ثم أن الوزير حُبس بها أيضا عن قريب، ومات فيها. وهذا من العجائب. وفي المرآة: ومات طاشتكين وهو محبوس، وتوفي شريح في ربيع الأول في (٣) دار طاشتكين [٢٩٩] وأخرج منها ميتًا، ودفن بداره في القُبَيْبات. (٤)

стр. 792

قال السبط: ورأيت القاضي شريحًا وكان ألطف العالم وأذكاهم، وكان فاضلًا مترسلًا بليغًا، جوادًا سمحًا حسن الصورة، فصيح اللسان، متواضعًا لطيفًا، يصلح للوزارة وغيرها. أبو الحرم مكي (١) بن ريّان بن شَبّه بن صالح الماكسيني، من أعمال سنجار، ثم الموصلى النحوى، قدم بغداد وأخذ عن ابن الخشاب، وابن العطار، والكمال الأنباري، وقدم الشام فانتفع به خلق عظيم منهم؛ الشيخ علم الدين السخاوي وغيره. وكان ضرير البصر، يتعصب لأبي العلاء المعرى لما بينهما من القدر المشترك في الأدب والعمى. ومن شعره: إذا احتاج النوال إلى شفيع … فلا تقبله تَضْح قرير عين إذا عيف النوالُ لفَرد مَنٍّ … فأوْلى أن يُعاف لمنّتين ومن شعره أيضا في ألغاز اسم دَعْد: اسم التي أنا عبدها … يا أيها الرجل الحكيمُ تُلفيه معكوسًا كما … تلفيه إذ هو مستقيم قال أبو شامة (٢): ويكفي من ذلك أن نقول: اسمها إن عكسته … مثله إن تركته وتوفي أبو الحرم بالموصل في شوال من هذه السنة، وقال: قرأ عليه شيخنا أبو الحسن السخاوي كتاب أسرار العربية للأنباري، وربما يقع تصحيف في اسم أبيه وجده، فاعلم أن اسم أبيه أوله راء مهملة بعدها باء آخر الحروف وآخره نون، واسم جده أوله سين معجمة بعدها باء موحدة على وزن حبة، وبدأ بذكره شرف الدين بن المستوفي في تاريخ إربل لأنه شيخه ووصفه وأثنى عليه. عبد الرزاق بن الشيخ عبد القادر الجيلى، كان زاهدًا عابدًا، ورعًا لم يكن في أولاد الشيخ مثله، ولد سنة ثمان وعشرين وخمسمائة، وسمع الحديث الكثير، وكان مقتنعًا

стр. 793

من الدنيا باليسير، وكانت وفاته في شوال، ودفن بباب حرب، وكان صالحًا ثقة لم يدخل فيما دخل فيه من أخوته. إسماعيل بن على أبو محمد الحُطيري، من حطُيره الدُجيل (١)، كان أديبًا فاضلًا شاعرًا أنشد لنفسه: لا عالم يبقى ولا جاهل … ولا نبيه [لا] (٢) ولا خامل على سبيل مُهَيع لا حب … يؤدي أخو اليقظة والغافل جمال الدولة (٣) إقبال الخادم، أحد خدام صلاح الدين يوسف بن أيوب، واقف الإقباليتين الشافعية والحنيفية، وكانتا دارين له فوقف عليهما وجعلهما مدرستين: الكُبرى للشافعية والصغرى للحنيفية، وجعل ثلثي أوقافه للشافعية والثلث الباقي للحنيفية، وهما مشهورتان بدمشق. مات إقبال المذكور بالبيت المقدس في الرابع عشر من ذي القعدة من هذه السنة. حسام الدين أردشير صاحب مازندران، مات في هذه السنة وخلّف ثلاثة أولاد، فملك ابنه الأكبر بعده وأخرج أخاه الأوسط من البلاد، فقصد جُرجان (٤) وبها الملك علي شاه بن خوارزم شاه تكش أخو خوارزم شاه محمد، وهو ينوب عن أخيه فيها، فشكى إليه ما صنع به أخوه من إخراجه من البلاد، وطلب منه [٣٠٠] أن ينجده عليه ويأخذ له البلاد ليكون في طاعته، فكتب على شاه إلى أخيه خوارزم شاه بذلك، فأمره بالمسير معه إلى مازندران، وأخذ البلاد له، وإقامة الخطبة لخوارزم شاه فيها، فساروا من جرجان، فاتفق أن ابن حسام الدين أردشير صاحب مازندران مات في ذلك الوقت وملك البلاد بعده أخوه الأصغر، واستولى على البلاد والقلاع والأموال، فوصل علي شاه البلاد ومعه ابن صاحب مازندران فنهبوها وخربوها، فامتنع منهم الأخ الصغير بالقلاع وأقام

стр. 794

بقلعة كوزا (١) وهي التي فيها الأموال والذخائر، وحصره فيها بعد أن ملكوا ساوة (٢) وآمل (٣) وغيرهما من البلاد والحصون، وخطب لخوارزم شاه فيها جميعها فصارت في طاعته وعاد على شاه إلى جرجان وأقام ابن أزدشير بمازندران مالكًا لبلادها جميعها سوى القلعة التي فيها أخوه الأصغر، وهو يراسله ويستميله ويستعطفه وأخوه لا يرد جوابًا ولا ينزل عن حصنه.

стр. 795

فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الرابعة بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله والسلطان الملك العادل نازل على بحيرة قدس بظاهر حمص، ثم وقعت الهدنة بينه وبين صاحب طرابلس، وعاد الملك العادل إلى دمشق وأقام بها، كذا ذكره المؤيد في تاريخه (١) وغيره. وقال بيبرس في تاريخه: (٢) وفيها خرج العادل إلى الشام وكان سبب خروجه أن الفرنج أهل قبرس أخذوا عدة قطع من أسطول مصر ونهبوا من فيها وأسروهم، فأرسل العادل إلى صاحب عكا وقال له: نحن وأنتم صُلُح، فلم غدرتم؟ فاعتذر له أنه ليس حكم أهل قبرس إليه، وأن مرجعهم إلى القسطنطينية ثم إن أهل قبرس حدث عندهم غلاء فساروا إلى القسطنطينية، وعاد الحكم إلى صاحب عكا، فأطلق أسارى المسلمين. ذكر مجيء الخلعة من الخليفة إلى الملك العادل وأولاده (٣) وفي سابع عشر رمضان من هذه السنة وصل الشيخ شهاب الدين السُّهْرَوردي ونور الدين التركي الخليفتى وسنقر السلحدار رُسلًا من الإمام الناصر لدين الله إلى دمشق، وصحبتهم خلعة للسلطان الملك العادل، فبالغ العادل في إكرام الشيخ ومن معه والتقاهم إلى القُصير (٤)، ولبس السلطان الخلعة من القصير إلى القلعة، وكذلك لبس ولداه الملك المعظم والملك الأشرف، والوزير صفي الدين بن شكر، وأستاذ الدار شمس الدين إلدكز العادلي، الخلع. وكان الأمير الدروم حاملًا التقليد على رأس نفسه، بين يدي السلطان، ودخل جميعهم من باب الحديد عند أذان الظهر، وأنزلت الرسل بدار عز الدين فرخشاه ورباط خاتون. وقرأ الوزير التقليد قائمًا بمحضر من القضاة وبياض البلد بإيوان القلعة. ولم يزل السلطان وأولاده وجميع الحاضرين قيامًا إلى أن فرغ الوزير من قراءته.

стр. 796

واتفق حضور بهاء الدين [٣٠١] بن شداد قاضي حلب رسولًا من الملك الظاهر غازي صاحب حلب، وعلى يده ألفا دينار للنثار، فلم يأذن له العادل بنثارها، وأمره بعد ذلك بحملها للرسل فحُملت. وفي تاريخ ابن كثير (١): وصل من [صاحبي] (٢) حماة وحلب ذهب وجوهر لينثر على الملك العادل إذا لبس الخلعة، فلبسها العادل ونثر ذلك الذهب عليه، وكان يومًا مشهودًا. وفي تاريخ المؤيد: (٣) وكذلك وصل إلى الملك العادل مع الخلعة تقليد بالبلاد التي تحت حكمه، وخوطب الملك العادل فيه شاهنشاه ملك الملوك، خليل أمير المؤمنين. ثم توجه الشيخ شهاب الدين إلى مصر، فخلع على الملك الكامل بن العادل بها، وجرى فيها نظير ما جرى في دمشق من الاحتفال. ثم عاد الشيخ إلى بغداد مكرمًا معظمًا. وقال أبو شامة: (٤) ثم عادت رسل الخليفة إلى بغداد، وصحبتهم قاضي العسكر خليل الحنفي، وشمس الدين إلدكز أستاذ الدار بهدايا سنية، وودعهم العادل إلى القُصير. وصفة الخلعة جُبّة أطلس سوداء بطراز ذهب، وعمامة سوداء بطراز ذهب، وطوق ذهب بجوهر، وسيف بقراب مُذَهَّب، وحصان أشهب بمركب ذهب، وعلم أسود خليفتي نشر على رأس العادل. وقال بيبرس: وقصبة ذهب عليها علم أسود، مكتوب بالبياض اسم الخليفة. وقال المؤيد: (٥) وطوق ذهب مجوهر تَطَوَّق به الملك العادل. وفي المرآة: وكان في خلعة العادل الطوق والمِسوَاران.

стр. 797

وفي تاريخ بيبرس: لما جاءت الرسل من بغداد من عند الخليفة نهض الملك العادل للقائهم على الغَسُولة (١) في جميع عساكره، وعاد بهم إلى دمشق وقد اجتمع أهلها جميعًا، ولبس الخلعة، وزينت دمشق سبعة أيام، وقرئ سجل الخليفة بتفويض أمور البلاد إليه، وهي ديار مصر والساحل ودمشق والشرق وخلاط، وحضر وزير الظاهر ووزير صاحب حماة ووزير صاحب حمص للهناء بالخلعة الخليفتية، وكل منهم نثر الدنانير على الملك العادل، وخوطب بشاهنشاه ملك الملوك، سيد السلاطين، خليل أمير المؤمنين. وسار الرسول بخلعة الملك الكامل إلى مصر فزينت له مصر والقاهرة. ذكر ماجريات ملوك البلاد منها (٢) أن الملك الأوحد ابن الملك العادل صاحب ميافارقين مَلَكَ مدينة خلاط بعد قتل صاحبها ابن بكتمر، وكان شابًا جميل الصورة، قتله بعض مماليكه ثم قُتل القاتل أيضا، فخلا البلد عن ملك، فأخذها الأوحد بن العادل. وفي تاريخ النويري: (٣) وفيها ملك الأوحد أيوب بن العادل مدينة خلاط، وكان صاحبها بلبان - على ما ذكرنا في سنة أربع وتسعين - فسار الأوحد من ميافارقين وملك مدينة مُوش (٤) ثم اقتتل هو وبلبان صاحب خلاط فانهزم بلبان واستنجد بصاحب أرزن الروم، وهو مغيث الدين طغريل شاه بن قليج أرسلان السلجوقي، فسار طغريل شاه واجتمع إليه بلبان، فهزما الملك الأوحد، ثم غدر طغريل شاه ببلبان فقتله عذرًا ليملك بلاده. وقصد خلاط فلم يسلموها إليه، وقصد ملاذكرد فلم يسلموها إليه، فرجع طغريل شاه إلى بلاده. (٥) وكاتب أهل خلاط الملك الأوحد فسار [٣٠٢] إليهم وتسلم خلاط وبلادها بعد أياسه منها واستقر ملكه بها، وفي تاريخ بيبرس: قصد الأوحد مدينة موش وحصرها

стр. 798

وأخذ ما يجاورها من البلاد، ولم يتمكن بلبان صاحب خلاط على منعه، ولما ملك الأوحد تلك البلاد طمع في خلاط، فسار إليها فهزمه بلبان، فعاد إلى بلده، وجمع وحشد وسير إليه أبوه العادل جيشا فقصد خلاط، فسار إليه بلبان فتصافا واقتتلا وانهزم بلبان، وتمكن الأوحد من البلاد ودخل بلبان خلاط واعتصم بها وأرسل رسولًا إلى مغيث الدين طغريل شاه صاحب أرزن الروم يستنجده على نجم الدين الأوحد، فحضر بنفسه ومعه عسكره فاجتمعا وهزما الأوحد، وحصرا موش وأشرفا على أخذها فغدر طغريل شاه بصاحب خلاط وقتله طمعًا في البلاد، ثم جرى منه ما ذكرنا إلى أن ملك الأوحد أخلاط وأعمالها سوى اليسير منها، وكره الملوك المجاورون له ملكه، خوفًا من أبيه، وكذلك أيضًا خافه الكرج وكرهوه فتابعوا الغارات على أعمال خلاط وبلادها، والأوحد مقيم بخلاط لا يقدر على مفارقتها، فلقى المسلمون من ذلك أذى شديدًا واعتزل جماعة من العسكر واستولوا على حصن أوان وهو من أعظم حصونهم، وعصوا على الأوحد نجم الدين واجتمع إليهم جمع كبير من مدينة أرجيشا (١) فأرسل الأوحد إلى أبيه العادل، فأرسل إليه ابنه الأشرف موسى أخا الأوحد، فاجتمعا في عسكر كبير وحصرا قلعة أوان وبها الخلاطية فجدوا في قتالهم فضعف أولئك عن مقاومتهم فسلموها صلحا وخرجوا منها وتسلمها نجم الدين الأوحد واستقر ملكه بخلاط، وعاد أخوه الأشرف إلى حران والرها. ومنها (٢) أن خوارزم شاه محمد بن تكش ملك بلاد ما وراء النهر من الخطأ بعد حروب طويلة، اتفق في بعض الأيام أمر عجيب، وهو أن المسلمين انهزموا عن السلطان خوارزم شاه في بعض المواقف وبقى هو ومعه عصابة قليلة من أصحابه فقتل منهم الكفار من الخطأ من قتلوا وأسروا خلقًا منهم، وكان السلطان خوارزم شاه في جملة من أسر، أسره رجل وهو لا يشعر به ولا يدرى أنه الملك، وأسر معه أميرًا يقال له ابن مسعود، فلما وقع ذلك وتراجعت العساكر الإسلامية إلى مقرها فقدوا من بينهم السلطان فاختبطوا فيما بينهم واختلفوا اختلافًا كثيرًا، وانزعجت خراسان بكمالها وظنوا أن السلطان قد قتل.

стр. 799

وأما ما كان من السلطان وذاك الأمير فإن الأمير قال للسلطان: إني أرى من المصلحة أن تترك الملك عنك في هذه الحالة وتظهر أنك غلام لي. فقبل منه ما أشار إليه وجعل يخدمه يُلبّسه ثيابه ويسقيه ويضع الطعام بين يديه ولا يألو جهدًا في خدمته. فقال الذي أسرهما: إني أرى هذا يخدمك فمن أنت؟ فقال: أنا ابن مسعود الأمير وهذا غلامي. فقال: والله لولا علم الأمراء بأني قد أسرت أميرًا لأطلقتك. فقال: إني إنما أخشى على أهلى فإنهم يظنون أني قد قتلت ويقيمون المأتم، فإن رأيت أن تفاديني على مال وترسل من يقبضه منهم فعلتَ خيرًا فقال: نعم [٣٠٣] فعين رجلا من أصحابه، فقال ابن مسعود: إنهم لا يعرفون هذا ولكن إني رأيت أن أرسل معه غلامي هذا ليبشرهم بحياتي ويأمرهم بتحصيل المال. فقال: نعم. فجهز معهما من يحفظهما إلى مدينة خوارزم فلما اقتربوا من خوارزم سبق الملك إليها، فلما رآه الناس فرحوا فرحًا شديدًا جدًا ودقت البشائر في سائر بلاده وعاد الملك إلى نصابه. واستقر السرور بأيامه وأصلح ما كان وَهِىَ من مملكته بسبب ما كان اشتهر من عدمه، وحاصر هراة وأخذها عنوة، وأما الذي أسره فإنه قال يومًا لابن مسعود: إن الناس متفرحون أن خوارزم شاه قد عدم. فقال: لا هو الذي كان في أسرك. فقال له: فهلا أعلمتني به حتى كنت أرده موقرًا معظمًا، فقال: خفتكم عليه. فقال: سر بنا إليه، فسارا إليه فأكرمهما إكرامًا زائدًا وأحسن إليهما. وذكر بيبرس هذه القصة وملخصها أن الخطأ كانت قد طالت أيامهم ببلاد كورستان وما وراء النهر وثقلت وطائهم على أهلها، ولهم في كل مدينة نائب يجيء إليهم الأموال، وقبل أن يملكوا كان مقامهم بنواحي أوركند وبلاساقول (١) وكاشغر (٢) في تلك النواحي، فاتفق أن سلطان سمرقند أو بخارى (٣) ولقبه جان خانان يعني سلطان السلاطين، وهو من أولاد الحانية عريق النسب في الإسلام والملك، أنف وضجر من مَحكم الكفار على المسلمين، فأرسل إلى خوارزم شاه يقول

стр. 800

له: إن الله قد أوجب عليك بما أعطاك في سعة المال والملك وكثرة الجنود أن تستنقذ المسلمين وبلادهم من أيدي الكفار وتخليصهم مما يجرى عليهم من الحكم في الأنفس والأموال، ونحن نتفق معك على محاربة الخطأ ونحمل إليك ما كنا نحمل إليهم، ونذكر اسمك في الخطبة وعلى السكة. فأجابهم خوارزم شاه محمد إلى ذلك وقال: أخاف أنكم لا تفون لي. فسير إليه أهل سمرقند وجوه أهل بخاري وسمرقند بعد أن حلّفوا صاحبهم على الوفاء بما تضمنه وضمنوا عنه الصدق والوفاء بما بذل وجعلوا عنده رهائن. فشرع في إصلاح أمر خراسان، وتقرير قواعدها، فولى أخاه على شاه طبرستان مضافة إلى جرجان، وأمره بالحفظ والاحتياط، وولى الأمير كزلك خان وهو من أقاربه لأمه وأعيان دولته نيسابور، وجعل معه عسكرًا، وولي الأمير جلدك مدينة الحمام وولى أمين الدين مدينة زوزن (١) وهذا الأمين كان حمالًا وعاد من أكبر الأمراء وملك بعد ذلك كرمان. وأقر الحسين بن خرميل على هراة وجعل معه فيها ألف فارس من الخوارزمية، وصالح غياث الدين محمودًا على ما بيده من بلاد الغور، واستناب نوايا في مرو وسرخس وغيرهما من خراسان وأمرهم بحسن السيرة والحفظ والاحتياط وجمع عساكره جميعها وسار خوارزم شاه وعبر جيحون واجتمع بسلطان سمرقند وسمع به الخطأ فحشدوا وجاءوا إليه وجرت بينهم وقعات كثيرة ومغاورات فتارة له وتارة عليه. وفيها قتل حسين بن حزميل وحوصرت هراة وذلك أن ابن حزميل رأي سوء معاملة عسكر خوارزم شاه الذي رتبه عنده بهراة للرعية وتعديهم إلى الأموال، فقبض عليهم وحبسهم [٣٠٤] وبعث رسولًا إلى خوارزم شاه يعتذر ويعرفه ما صنعوا وما صنع بهم، فعظم عليه ولم يمكنه محاققته لاشتغاله بقتال الخطأ، فكتب إليه يستحسن فعله ويأمره بإنفاذ الجند الذين قبض عليهم لحاجته إليهم، وقال: إني أمرت عز الدين جلدك صاحب الحمام أن يكون عندك لما أعلمه من عقله وحسن سيرته وأرسل إلى جلدك بالمسير إلى هراة وأسرّ إليه أن يحتال في القبض على ابن خرميل ولو أول ساعة يلقاه، فسار جلدك في ألفي فارس وكان أبوه طغرل أيام السلطان سنجر واليًا بهراة وكان يختارها على جميع خراسان، فلما قاربها وعزم ابن حزميل على الخروج للقائه، قال له وزيره وكان يعرف بخواجا الصاحب: لا تخرج إليه ودعه يدخل إليك منفردًا فإني أخاف أن يغدر بك وأن يكون خوارزم شاه قد أمره بذلك.

стр. 801

فخالفه وراح إليه فقبضه وانهزم أصحابه، فدخلوا المدينة وأخبروا الوزير بالحال فأمر بغلق الأبواب والقتال من على الأسوار، وأرسل جلدك إلى الوزير الأمان ويتهدده إن لم يسلم البلد، فقال الوزير: هذا البلد لغياث الدين ولأبيه من قبله. فقدم ابن حزميل إلى السور فقال للوزير، افتح لهم البلد. فقال: لا. فقتل ابن حزميل وأرسل إلى خوارزم شاه يخبره بجلية الحال، فأرسل خوارزم شاه إلى كذلك خان والي نيسابور، وإلى أمين الدين أبي بكر صاحب زوزن يأمرهما بالمسير إلى هراة وحصارها وأخذها فسارا في عشرة آلاف فارس فنزلوا على هراة وراسلوا الوزير في تسليمها، فامتنع وقال: ليس لكم من المحل ما يقتضى أن نسلم لكم مثل هراة، لكن إذا وصل السلطان خوارزم شاه سلمناها إليه، فقاتلوه وجدوا في قتاله فلم يقدروا عليه، ثم جمعوا المياه أيامًا ثم أرسلوها فأحاطت بالسور فلم يقدروا على أن يدنوا من السور، فانتقل العسكر من المدينة وما أمكنهم القتال لبعدهم عن السور، وأما خوارزم شاه فإنه دام القتال بينه وبين الخطأ، ففي بعض الأيام اقتتلوا قتالًا شديدًا ثم انهزم المسلمون هزيمة كبيرة ودام القتال بينهم، وقتل كثير وأسر كثير وأسر السلطان خوارزم شاه وأمير كبير من أمرائه يقال له شهاب الدين بن مسعود، ووصلت العساكر الإسلامية إلى خوارزم ولم يروا السلطان فأرسلوا إلى كزلك خان والي نيسابور وهو يحاصر هراة فأعلموه الحال، فحين سمع سار عن هراة ليلًا إلى نيسابور، ولما وصل إليها شرع في عماره سورها وكان خوارزم شاه قد خربه لما ملكها من الغورية، وأدخل كزلك خان إليها الميره واستكثر من الجند وعزم على الاستيلاء على خراسان إن صح فقد السلطان، وبلغ خبر عدم السلطان إلى أخيه على شاه وهو يومئذ بطبرستان، فدعى إلى نفسه وقطع خطبه أخيه واستعد لطلب السلطنة، واختلطت خراسان اختلاطًا عظيمًا ثم ذكر ما جرى بين السلطان خوارزم شاه وبين ابن مسعود وهما في الأسر كما ذكرناه عن قريب. وحاصل الكلام لما وصل خوارزم شاه إلى خوارزم ضربت له البشائر وزينوا البلد وأتته الأخبار بما صنع كزلك بنيسابور وبما صنع أخوه علي شاه بطبرستان، وبلغ كلك خان وصوله فأخذ أمواله وعسكره [٣٠٥] وهرب نحو العراق، وبلغ أخوه علي شاه وصول أخيه فخافه وسار إلى غياث الدين محمود الغورى، فلقاه وأكرمه وأنزله عنده، وأما خوارزم شاه فإنه دخل نيسابور وأصلح أمرها وسار إلى هراة وجعل فيها نائبًا مع عسكره الذي يحاصرها وأحسن إلى أولئك الأمراء ووثق بهم لأنهم صبروا على تلك الحال ولم يتغيروا ولم يبلغوا

стр. 802

من هراة غرضًا بِحُسْن تدبير ذلك الوزير، وأرسل إليه خوارزم شاه يقول له: إنك كنت وعدت أني إذا حضرت تسلم البلد وأنا قد حضرت، فسلم فقال: لا أفعل؛ لأني أعلم أنكم غدارون لا تبقون على أحد ولا أسلم إلا إلى غياث الدين محمود. فغضب خوارزم شاه وزحف إليه بعساكره فلم يكن له فيه حيلة، فاختلف أهل هراة على الوزير فأراد أن يستدركهم فحمل خوارزم إلى البلد، فأخذ برجا فدخل منه هو وعسكره وأخذ الوزير فقتله، وتسلم البلد، وأصلح حاله وسلّمه إلى خاله أمير ملك وهو من أعيان أمرائه، ولم تزل هراة بيده حتى هلك خوارزم شاه ولما سلم خوارزم شاه هراة إلى خاله أمير ملك سار إلى خوارزم وأمره أن يقصد غياث الدين محمود صاحب الغور وفيروزكوه، فسار أمير ملك إليه فلما بلغ ذلك محمودًا أرسل يبذل له الطاعة ويسأله الأمان فأعطاه ذلك، فلما نزل إليه قبض عليه وعلى علي شاه أخي خوارزم شاه فسألا أن يحملا إلى خوارزم شاه ليري فيهما رأيه فأرسل أمير ملك إلى خوارزم شاه يعرفه الخبر فأمره بقتلهما فقتلا في يوم واحد واستقامت خراسان كلها لخوارزم شاه (١) ثم عاد خوارزم شاه إلى الخطأ فعبر نهر جيحون فجمع له الخطأ جمعًا عظيمًا وساروا إليه والمقدم عليهم شيخ دولتهم القائم مقام ملكهم المعروف بطاينكوه، وكان عمره قد جاوز مائة سنة، وكان كثير التجارب حسن التدبير جيد التعقل، واجتمع خوارزم شاه وصاحب سمرقند وتصافوا هم والخطا سنة ست وستمائة، فجرت حروب لم يكن مثلها شدة وصبرا فانهزم الخطأ وقتل منهم وأسر في هذه المدة خلق لا يحصى عددهم إلا الله، وكان فيمن أسر طانيكوه مقدمهم وجيء به إلى خوارزم شاه فأكرمه وأجلسه على سريره وسيره إلى خوارزم، ثم قصد خوارزم شاه بلاد ما وراء النهر فملكها مدينة مدينة وناحية ناحية حتى بلغ أوركند وجعل نوابه فيها وعاد إلى خوارزم ومعه صاحب سمرقند، ثم بعث معه شحنة تكون بسمرقند، ولما عاد صاحب سمرقند إليها ومعه شحنة لخوارزم شاه أقام معه نحو سنة فرأى من سوء سيرة الخوارزميين وقبح معاملتهم ما ندم على مفارقة الخطا، فأرسل إلى ملكهم يدعوه إلى سمرقند ليسلمها إليه ويبذل له الطاعة وأمر بقتل كل من في سمرقند من الخوارزمية ممن سكنها قديمًا وحديث، وقطّع أصحاب خوارزم شاه قطعًا وعلقهم في الأسواق ومضى إلى القلعة ليقتل زوجته ابنة خوارزم شاه، فغلقت الأبواب [٣٠] ووقفت بجواريها تمنعه وأرسلت إليه

стр. 803

تقول: إني امرأة وقتل مثلي قبيح ولم يكن مني إليك سوء ولا ما استوجب به هذا منك، ولعل تركي أحمد عاقبة فاتق الله فيَّ. فتركها ووكل بها من يمنعها من التصرف، وبلغ الخبر خوارزم شاه فقامت قيامته وأراد قتل الغرباء الذين في بلده، فمنعته أمه من ذلك وأمر بقتل أهل سمرقند فنهته عن ذلك، وأمر بتجهيز العساكر إلى ما وراء النهر وجهز جماعة ليعبروا جيحون فعبر منهم خلق لا يحصى عددهم، ثم عبر هو بنفسه في آخرهم ونزل على سمرقند وأرسل يقول لصاحبها: قد فعلت ما لم يفعله مسلم واستحليت من دماء المسلمين ما لم يستحله مسلم ولا كافر، وغفر الله عما سلف فأخرج الآن من البلاد. فقال له: افعل مابدا لك فأمر عساكره بالزحف، فأشار إليه بعض من معه بأن يأمر بعض الأمراء إذا فتحوا البلد أن يصير إلى الدرب الذي يسكنه التجار فيمنع من به ولا يمكن أحد من التطرق إليهم بسوء، فإنهم غرباء وكلهم كارهون لهذا الفعل، فأمر بعض الأمراء بذلك ونصب السلاليم على البلد فلم يكن بأسرع من أن أخذها وأذن لعسكره بالنهب وقتل من يجدونه من أهل سمرقند، فنهبوا وقتلوا ثلاثة أيام فيقال: إنهم قتلوا مائتي ألف إنسان وسلم الدرب الذي فيه الغرباء فلم يعدم منهم الرجل الواحد، ثم كف عنهم وأرسل صاحب القلعة يطلب الأمان بعد أن حاصروها، فقال: لا أمان لك عندي فملكوها وأسروا صاحبها وأحضروه عند خوارزم شاه. فقبل الأرض وطلب العفو فلم يعف عنه وقتل صبرًا وقتل كل من ينسب إلى الخانية ورتب فيها وفي سائر البلاد ثوابه ولم يبق لأحد معه في البلاد ذكر. ومنها أنه تحارب الخطأ وملك التتار كشلي خان المتاخم لمملكة الصين، فكتب الخطأ إلى خوارزم شاه يستنجدونه على التتار ويقول: متى غلبونا خلصوا إلى بلادك، وكذا وقع، وكتب إليه التتار يستنصرون به على الخطأ ويقولون: هؤلاء أعداؤنا وأعداؤك فكن معنا عليهم فكتب خوارزم شاه إلى كل من الفريقين يطيب قلبه، وحضر الوقعه بينهم وهو متحيز عن الفريقين فكانت الدائرة على الخطأ فهلكوا إلا القليل منهم، وغدر التتار ما كانوا وافقوا عليه الملك خوارزم شاه فوقعت بينهما الوحشه الأكيدة وتواعدوا اللقاء وخاف منه خوارزم شاه وخرب بلدًا كبيرة متاخمة لبلاد كشلي خان خوفا عليها أن يملكها، ثم أن جنكيز خان خرج على كشلي خان فاشتغل بمحاربته عن محاربة خوارزم شاه ثم وقع من الأمور الغريبة ما سنذكره إن شاء الله تعالى. (١)

стр. 804

وفي تاريخ بيبرس: (١) ما نلخصه أنه كانت وقعه عظيمة بين التتار والخطا وذلك أنه لما فعل خوارزم شاه ما ذكرناه أولًا مضى مَنْ سلم من الخطأ إلى ملكهم فاجتمعوا عنده، وكانت طائفة عظيمة من التتار قد خرجوا من بلادهم من حدود الصين ونزلوا تركستان، وكان بينهم وبين الخطأ عداوة وحروب فلما سمعوا ما فعله خوارزم شاه بالخطا قصدوهم مع ملكهم كشْلي خان، فلما رأى ملك الخطأ ذلك أرسل إلى خوارزم شاه يقول له: أما ما كان منك من أخذ بلادنا [٣٠٧] وقتل رجالنا فمعفو عنه وقد أتانا من هذا العدو مالا قبل لنا به وأنهم إن انتصروا علينا وملكونا فلا دافع لهم عنك والمصلحة أن تسير إلينا بعساكرك وتنصرنا على قتالهم، ونحن نحلف لك أنا إذا ظفرنا بهم لا نقرب بلادك ونقنع بالمواقع التي تتركونها. فأجاب إني معك ومعاضدك على خصمك، فسار بعساكره حتى نزل قريبًا من الموضع الذي تصافوا فيه فلم يخالطهم مخالطة من يعلم أنه معه وكانت كل طائفة تظن أنه معها، وانهزم الخطا من التتار هزيمة عظيمة، فمال خوارزم شاه على الخطأ وجعل يقتل ويأسر فلم يترك أحدًا ينجو منهم فلم يسلم منهم إلا طائفة يسيرة مع ملكهم في ناحية من نواحي الترك ليس إليها طريق (٢) فتحصنوا فيها وانضم إلى خوارزم شاه منهم طائفة، وأنفذ خوارزم شاه إلى كشلي خان ملك التتار يمنّ عليه أنه لم يحضر إلا لمعاضدته ولولاه ما انهزم الخطا، فاعترف له كشلي خان بذلك مدة، ثم أرسل إليه يطلب مقاسمة بلاد الخطا ويقول له: إنا اتفقنا على إبادتهم فنقسم بلادهم لنا ولك. فأجابه بأنه ليس لك عندي إلا السيف ولستم أقوى من الخطا شوكة، قال: قنعت بالمساكته (٣)، وإلا سرت إليك وفعلت بك أكثر مما فعلتُ بالخطا. وتجهز كشلي خان وسار حتى نزل قريبًا منهم، وعلم خوارزم شاه أنه لا طاقة له به فكان يراوغه فإذا سار إلى موضع قصد خوارزم شاه أهله وأثقاله فنهبها، وإذا سمع أن طائفة سارت عن مقطنهم (٤) سار إليها فأوقع بها، فأرسل إليه كشلي خان يقول له: هذا فعل الملوك! هذا فعل اللصوص. فإن كنت سلطان فألقني فإما أن تهزمني وتأخذ بلادي

стр. 805

وإما أن أهزمك، فكان يغالطه ولا يجيبه إلى ما طلب، لكنه أمر أهل الشاش (١) وفرغانه (٢) وأسبيجاب (٣) وكأسان (٤) وما حولها من المدن التي لم يكن في الدنيا أنزه منها ولا أحسن عمارة - بالجلاء منها واللحاق ببلاد الإسلام ثم خربها جمعية خوفًا من التتار أن يملكوها، ثم اتفق خروج جنكيز خان علي كشلي خان فاشتغل به عن خوارزم شاه فعبر النهر إلى خراسان. ومنها أن الملك العادل قصد مدينة عكا بعساكره الكثيره فصالحه صاحبها الفرنجي على إطلاق الأسرى من المسلمين وغير ذلك، ثم سار إلى بحيرة قدس وجاءته عساكر الشرق وديار الجزيرة ودخل بلاد طرابلس وحاصر موضعًا يسمى القليعات وأخذه صلحًا وأطلق صاحبه وغنم ما فيه من دواب وسلاح وخرّبه، وتقدم إلى طرابلس فنهب وأحرق وغنم فكانت مدة مقامه في بلد الفرنج اثني عشر يومًا، وعاد إلى بحيرة قَدَس وترددت الرسل بينه وبين الفرنج في الصلح فلم تستقر قاعدة، ودخل الشتاء وطلب العساكر الشرقية العود إلى بلادهم فترك طائفة من العسكر بحمص عند صاحبها وعاد إلى دمشق فشتى بها، وعادت عساكر الجزيرة إلى أماكنها. وقال الرشيد النابلسي يمدحه. خشعت لهيئة مجدك الأبصار … وعنت لدولة ملكك الأمصار ودنا لك الغرض البعيد وأصحب … الجد السعيد وواتت الأوطار [٣٠٨] وتظافرت لك بالظهور على العدي … همم بها تتخاذل الأنصار أمِنَ الحوادث مَنْ بساحتك احتمى … فكان جارك للمجرة جار ووفى بذمتك الزمان وصَرْفُه … وهو المضيع زمامه الغدار دانت لك السبع الشداد كأنما … بمرادك الفلك العِلِيُّ يُدار فإذا رماح الخط نحوك أشرعت … فطوالها عما تروم قصار وإذا الجياد ثنت إليك شكيمها … غلبت عليها كبوة وعشار

стр. 806

وإذا غضبت على الملوك فإنه … هُلكٌ دنى منها وحان بوار ولأنت سيف الدين والدنيا الذي … في الشرك أرهف حدُّهُ الجبار مَلِكٌ ملائكهُ السماءِ جنوده … وعبيده الأيام والأقدار خطبته آفاق البلاد لملكها … وترقبته العُونُ والأبكار وقضت له السبع الكواكب بالذي … تهواه منها والذي تختار رب الجحافل زلزلت من وطئها … لما سرى وارتجت الأقطار مثل البحور الزاخرات يُمدها … من حيث شاء من الجيوش بحار طاشت عقول المارقين لهول منـ … نظره وحارت منهم الأفكار فاستعصموا بالعفو منه ولم يكن … توب ليعصمهم ولا استغفار حتى غدوا خُضُعَ الرقاب منكسي الـ … أعناق في جبهاتهم آثار ومنها: في كل يوم غارة شعواء لا … تألو ونقع للهياج مثار فمعاقل مهجومة ومنازل … مهدومة بعد الأنيس قفار ومنها: قَلَدَ الزمان بشاشةٌ وطلاوةٌ … وعلى البلاد وأهلها أنوار بالعادل الملك الذي لعداته … ذُلّ على طول المدى وصَغارُ المانح الأبصار ما طمحت ومَنْ … يعطى مدى ما تطمع الأبصار الساتر العورات عن أعدائه … تزوى السعود وتكشف الأستار الخاشع الصوام والمتهجد الـ … قوام والمتبتل الصبار الخارق العادات بالجود الذي … في الخافقين لعرفه إنكار المُلْقِحُ الحرب العوانِ وقاعُها … فتح الممالك كلها أبكارُ

стр. 807

الضارب الشوهاء (١) إثر الطعنة الـ … ــفوهاء (٢) فيها يغرق المسبار (٣) نشوان من خمر المكارم والعُلَى … عطفًا وما دارت عليه عُقَّارُ (٤) يَسقي ذوابله الدماء فمالها … إلا رؤوس المارقين ثِمارُ [٣٠٩] وهي الممالك لم يُشِدْ إركانها … إلا الصوارم والقني الخَطّارُ ومنها: يا آل أيوب الأولى لولاهم … عَفَتْ العُلوم وعِيْفَت الأشعارُ يا أعدل الأملاك ليس لدهرنا … إلاك نهاءٌ ولا أمارٌ أنت الذي ما للنجوم الزهر في … عالى المحل بحيث طار مطارُ تتراجع الأبصار عنك حسيرة … وتعوم فيها فتغرق الأفكارُ لا مجد يخطر في رداء جلالة … ذو المجد إلا وهو منك معارُ أيام دولتك الربيع وما سوى … أفعالك الحسني بها أزهارُ ما حاجة الدنيا وَجُوُدُكَ هاطلٌ … أن تَستهلّ بوَبلها الأَمطارُ لا يُستطاع مداك في شرف ولا … لك يوم حلْبته يشق غبارُ سبحان معطيك الذي لم يعطه … بشر تعالى الواحد القهارُ ومنها: أنه (٥) وقعت الفتنة بخلاط، وقتل كثير من أهلها لما تم مُلكُ الملك الأوحد نجم الدين بن الملك العادل، سار عنها إلى ملازكرد ليقرر قواعدها ويفعل ما ينبغي أن يفعله فيها. فلما فارق خلاط وثب أهلها على مَنْ بِهَا من العسكر، فأخرجوه من عندهم، وعصوا وحصروا القلعة وبها أصحاب الأوحد، ونادوا بشعار شاهرمن، وكان ميتًا، يعنون

стр. 808

بذلك رد المُلْك إلى أصحابه ومماليكه. فبلغ الخبر الملك الأوحد، وقد وافاه عسكر من الجزيرة، فقوى بهم وحصر خلاط، فاختلف أهلها، فمال إليه بعضهم حسدًا للآخرين، فملكها وقتل بها خلقًا كثيرًا من أهلها، وأسر منهم جماعة، فلم يَسلم إلا القليل، فسير الأسارى إلى ميافارقين. وكان كل يوم يرسل إليهم يقتل جماعة، وذل أهل خلاط بعد هذه الوقعة. ومنها أنه ملك أبو بكر بن البهلوان (١) مراغة وسببه أن صاحبها علاء الدين بن قرا سنقر مات في هذه السنة وولي بعده ابن له طفل، وقام بتدبير دولته خادم من مماليك أبيه فعصي عليه أمير كان مع أبيه، وجمع جمعًا كثيرًا فأرسل إليه الخادم من عنده من العسكر، فقاتلهم ذلك الأمير فانهزموا واستقر [ملك] (٢) ولد علاء الدين إلا أنه لم تطل أيامه، وحانت وفاته فمات أول سنة خمس وستمائة وانقرض أهل بيته ولم يبق منهم أحد، فلما توفي سار نصرة الدين أبو بكر بن البهلوان من تبريز إلى مراغة فملكها واستولى على جميع مملكة آل قراسنقر ما خلا قلعة روندور (٣) فإن الخادم اعتصم بها وعنده الخزائن والذخائر، فامتنع على الأمير أبي بكر بن البهلوان. ذكر بقية الحوادث منها أن الملك العادل أمر بتجديد قلعة دمشق، ووظف على كل ملك من أهل بيته وأمير من أكابر أمرائه برجًا من أبراجها فعمروها من أموالهم خدمة له. ومنها أنه كمل الملك الكامل بناء قلعة الجبل المطلة على القاهرة وتحول إليها من دار الوزارة. قال بيبرس (٤): وعدة من سكنها من الملوك - إلى حين تسطير [٣١٠] هذا المصنف المبارك - أربعة عشر ملكًا، من الملوك الأيوبية ثلاثة، ومن ابتداء الدولة التركية إلى الآن أحد عشر ملكًا يأتي ذكرهم واحدًا فواحدا، ولما سكن الكامل القلعة المذكورة نقل أولاد العاضد من القصر إليها، وبنى لهم بها صورة اعتقال ولم يزالوا به إلى

стр. 809

أن حُولوا في سنة إحدى وسبعين وستمائة، وبنى الاعتقال دارًا، قلت: كانت إحدى وسبعين وستمائة من أيام السلطان الملك الظاهر بيبرس ﵀، والثلاثه من الملوك الأيوبية هم: الملك الكامل محمد وابنه الملك الصالح نجم الدين أيوب (١). ومنها (٢) أنه رُكبت الساعات بمئذنة العروس في الجامع الأموي وشرعوا في بناء البرج الذي تجاه المدرسة القيمرية. (٣) ومنها (٤) أن في غرة ذي القعدة شهد محيي الدين أبو محمد يوسف بن الشيخ أبي الفرج بن الجوزي عند قاضي القضاة أبي القاسم الدامغاني، فقبله وولاه حسبة (٥) جانبي بغداد وخلع عليه خلعة سوداء بطرحة (٦) كحلية، وبعد عشرة أيام جلس للوعظ وحضر عنده خلق كثير، وبعد أربعة أيام من يومئذ درس بمشهد الإمام أبي حنيفة ﵁ ضياء الدين أحمد بن مسعود المركستاني الحنفي وحضر عنده الأعيان والأكابر. ومنها أن الخليفة قبض على وزيره ابن المهدي العلوى وذلك لأنه نسب إلى أنه يروم الخلافة وقيل غير ذلك من الأسباب، والمقصود أنه حبس بدار طاشتكين الأمير حتى مات بها، وكان جبارًا عنيدًا قدّمه الشعراء حتى قال بعضهم فيه: خليلي قولا للخليفة أحمد … توقّ وقيت السوء ما أنت صانعُ وزيرك هذا بين أمرين منهما … صنيعك يا خير البرية ضائع فإن كان حقًا من سلالة حيدر … فهذا وزير في الخلافة طامعُ وإن كان فيما يدعي غير صادق … فأضيع ما كانت لديه الودائع وقد قيل: إنه كان عفيفًا عن الأموال، حسن السيرة، جيد المباشرة والله أعلم.

стр. 810

وفي المرآة (١): قبض الخليفة على الوزير المذكور ليلًا، بعث إليه رجلًا من أهل باب الأزج يقال له ابن دُكاله، فأغلق بابه وأقام أيامًا ثم نقله إلى دار طاشتكين بالصاغة في دار الخليفة التي مات فيها القاضي شريح، ونقل أهله وأولاده وأمواله وذخائره، ووجدوا له من الأموال والذخائر ما لم يوجد في خزائن الخلفاء، وفوض الأمر إلى المكين (٢) محمد القمي كاتب الإنشاء بين يدي ابن مهدى، وناب القمي بعد ذلك في الوزارة إلى أيام المستنصر فقبض عليه، واختلفوا في سبب عزل الوزير ابن مهدي، فقال قوم: كان ظالمًا جبارًا قاسيًا متكبرًا قليل الرحمه قَلَّ إن حبس أحدًا فتخلص منه. قال السبط: وحكي لي خالي أبو محمد يوسف قال: شفعت يومًا إليه في محبوس، فقال: وكم له في الحبس؟ قلت: خمس سنين. فقال: هذا ليس بمحبوس المحبوس عندنا في العجم من يمضي عليه خمسون سنة. وقال آخرون: إن المكين القمي سعي به إلى الخليفة، وقال: إنه طمع في الخلافة ويقول أنا علوى ونحن أحق وأنه ينفذ الأموال إلى العجم من قواصر (٣) التمر إلى أهله ليجندوا (٤) العساكر ويقيموا ملكًا ويقصدوا بغداد. وقال آخرون: إنه اتفق [٣١١] مع ابن الساوا (٥) النصراني على قتل علاء الدين يتامش مملوك الخليفة، وسنذكره إن شاء الله تعالى. ومنها أن الحجاج رجعوا إلى العراق وهم يدعون إلى الله ويشكون إلى الناس ما لقوا من صدر جهان البخاري الحنفي (٦) الذي كان قدم بغداد في رسالة فاحتفل به الخليفة، وخرج إلى الحج في هذه السنة فضيق على الناس في المياه والميرة، فمات نحو من ستة آلاف من الحجيج العراقي في هذه السنة، وكان غلمانه تسبق إلى المناهل فيحجزون على الماء ويأخذونه فيرشونه حول خيمة مخدومهم في قيظ الحجاز، ويسقونه البقولات
следующие страницы →