← История

История · id 380

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [565 - 628 هـ]

بدر الدين العيني

Полный текст (1 226 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

وإذا غضبت على الملوك فإنه … هُلكٌ دنى منها وحان بوار ولأنت سيف الدين والدنيا الذي … في الشرك أرهف حدُّهُ الجبار مَلِكٌ ملائكهُ السماءِ جنوده … وعبيده الأيام والأقدار خطبته آفاق البلاد لملكها … وترقبته العُونُ والأبكار وقضت له السبع الكواكب بالذي … تهواه منها والذي تختار رب الجحافل زلزلت من وطئها … لما سرى وارتجت الأقطار مثل البحور الزاخرات يُمدها … من حيث شاء من الجيوش بحار طاشت عقول المارقين لهول منـ … نظره وحارت منهم الأفكار فاستعصموا بالعفو منه ولم يكن … توب ليعصمهم ولا استغفار حتى غدوا خُضُعَ الرقاب منكسي الـ … أعناق في جبهاتهم آثار ومنها: في كل يوم غارة شعواء لا … تألو ونقع للهياج مثار فمعاقل مهجومة ومنازل … مهدومة بعد الأنيس قفار ومنها: قَلَدَ الزمان بشاشةٌ وطلاوةٌ … وعلى البلاد وأهلها أنوار بالعادل الملك الذي لعداته … ذُلّ على طول المدى وصَغارُ المانح الأبصار ما طمحت ومَنْ … يعطى مدى ما تطمع الأبصار الساتر العورات عن أعدائه … تزوى السعود وتكشف الأستار الخاشع الصوام والمتهجد الـ … قوام والمتبتل الصبار الخارق العادات بالجود الذي … في الخافقين لعرفه إنكار المُلْقِحُ الحرب العوانِ وقاعُها … فتح الممالك كلها أبكارُ

стр. 807

الضارب الشوهاء (١) إثر الطعنة الـ … ــفوهاء (٢) فيها يغرق المسبار (٣) نشوان من خمر المكارم والعُلَى … عطفًا وما دارت عليه عُقَّارُ (٤) يَسقي ذوابله الدماء فمالها … إلا رؤوس المارقين ثِمارُ [٣٠٩] وهي الممالك لم يُشِدْ إركانها … إلا الصوارم والقني الخَطّارُ ومنها: يا آل أيوب الأولى لولاهم … عَفَتْ العُلوم وعِيْفَت الأشعارُ يا أعدل الأملاك ليس لدهرنا … إلاك نهاءٌ ولا أمارٌ أنت الذي ما للنجوم الزهر في … عالى المحل بحيث طار مطارُ تتراجع الأبصار عنك حسيرة … وتعوم فيها فتغرق الأفكارُ لا مجد يخطر في رداء جلالة … ذو المجد إلا وهو منك معارُ أيام دولتك الربيع وما سوى … أفعالك الحسني بها أزهارُ ما حاجة الدنيا وَجُوُدُكَ هاطلٌ … أن تَستهلّ بوَبلها الأَمطارُ لا يُستطاع مداك في شرف ولا … لك يوم حلْبته يشق غبارُ سبحان معطيك الذي لم يعطه … بشر تعالى الواحد القهارُ ومنها: أنه (٥) وقعت الفتنة بخلاط، وقتل كثير من أهلها لما تم مُلكُ الملك الأوحد نجم الدين بن الملك العادل، سار عنها إلى ملازكرد ليقرر قواعدها ويفعل ما ينبغي أن يفعله فيها. فلما فارق خلاط وثب أهلها على مَنْ بِهَا من العسكر، فأخرجوه من عندهم، وعصوا وحصروا القلعة وبها أصحاب الأوحد، ونادوا بشعار شاهرمن، وكان ميتًا، يعنون

стр. 808

بذلك رد المُلْك إلى أصحابه ومماليكه. فبلغ الخبر الملك الأوحد، وقد وافاه عسكر من الجزيرة، فقوى بهم وحصر خلاط، فاختلف أهلها، فمال إليه بعضهم حسدًا للآخرين، فملكها وقتل بها خلقًا كثيرًا من أهلها، وأسر منهم جماعة، فلم يَسلم إلا القليل، فسير الأسارى إلى ميافارقين. وكان كل يوم يرسل إليهم يقتل جماعة، وذل أهل خلاط بعد هذه الوقعة. ومنها أنه ملك أبو بكر بن البهلوان (١) مراغة وسببه أن صاحبها علاء الدين بن قرا سنقر مات في هذه السنة وولي بعده ابن له طفل، وقام بتدبير دولته خادم من مماليك أبيه فعصي عليه أمير كان مع أبيه، وجمع جمعًا كثيرًا فأرسل إليه الخادم من عنده من العسكر، فقاتلهم ذلك الأمير فانهزموا واستقر [ملك] (٢) ولد علاء الدين إلا أنه لم تطل أيامه، وحانت وفاته فمات أول سنة خمس وستمائة وانقرض أهل بيته ولم يبق منهم أحد، فلما توفي سار نصرة الدين أبو بكر بن البهلوان من تبريز إلى مراغة فملكها واستولى على جميع مملكة آل قراسنقر ما خلا قلعة روندور (٣) فإن الخادم اعتصم بها وعنده الخزائن والذخائر، فامتنع على الأمير أبي بكر بن البهلوان. ذكر بقية الحوادث منها أن الملك العادل أمر بتجديد قلعة دمشق، ووظف على كل ملك من أهل بيته وأمير من أكابر أمرائه برجًا من أبراجها فعمروها من أموالهم خدمة له. ومنها أنه كمل الملك الكامل بناء قلعة الجبل المطلة على القاهرة وتحول إليها من دار الوزارة. قال بيبرس (٤): وعدة من سكنها من الملوك - إلى حين تسطير [٣١٠] هذا المصنف المبارك - أربعة عشر ملكًا، من الملوك الأيوبية ثلاثة، ومن ابتداء الدولة التركية إلى الآن أحد عشر ملكًا يأتي ذكرهم واحدًا فواحدا، ولما سكن الكامل القلعة المذكورة نقل أولاد العاضد من القصر إليها، وبنى لهم بها صورة اعتقال ولم يزالوا به إلى

стр. 809

أن حُولوا في سنة إحدى وسبعين وستمائة، وبنى الاعتقال دارًا، قلت: كانت إحدى وسبعين وستمائة من أيام السلطان الملك الظاهر بيبرس ﵀، والثلاثه من الملوك الأيوبية هم: الملك الكامل محمد وابنه الملك الصالح نجم الدين أيوب (١). ومنها (٢) أنه رُكبت الساعات بمئذنة العروس في الجامع الأموي وشرعوا في بناء البرج الذي تجاه المدرسة القيمرية. (٣) ومنها (٤) أن في غرة ذي القعدة شهد محيي الدين أبو محمد يوسف بن الشيخ أبي الفرج بن الجوزي عند قاضي القضاة أبي القاسم الدامغاني، فقبله وولاه حسبة (٥) جانبي بغداد وخلع عليه خلعة سوداء بطرحة (٦) كحلية، وبعد عشرة أيام جلس للوعظ وحضر عنده خلق كثير، وبعد أربعة أيام من يومئذ درس بمشهد الإمام أبي حنيفة ﵁ ضياء الدين أحمد بن مسعود المركستاني الحنفي وحضر عنده الأعيان والأكابر. ومنها أن الخليفة قبض على وزيره ابن المهدي العلوى وذلك لأنه نسب إلى أنه يروم الخلافة وقيل غير ذلك من الأسباب، والمقصود أنه حبس بدار طاشتكين الأمير حتى مات بها، وكان جبارًا عنيدًا قدّمه الشعراء حتى قال بعضهم فيه: خليلي قولا للخليفة أحمد … توقّ وقيت السوء ما أنت صانعُ وزيرك هذا بين أمرين منهما … صنيعك يا خير البرية ضائع فإن كان حقًا من سلالة حيدر … فهذا وزير في الخلافة طامعُ وإن كان فيما يدعي غير صادق … فأضيع ما كانت لديه الودائع وقد قيل: إنه كان عفيفًا عن الأموال، حسن السيرة، جيد المباشرة والله أعلم.

стр. 810

وفي المرآة (١): قبض الخليفة على الوزير المذكور ليلًا، بعث إليه رجلًا من أهل باب الأزج يقال له ابن دُكاله، فأغلق بابه وأقام أيامًا ثم نقله إلى دار طاشتكين بالصاغة في دار الخليفة التي مات فيها القاضي شريح، ونقل أهله وأولاده وأمواله وذخائره، ووجدوا له من الأموال والذخائر ما لم يوجد في خزائن الخلفاء، وفوض الأمر إلى المكين (٢) محمد القمي كاتب الإنشاء بين يدي ابن مهدى، وناب القمي بعد ذلك في الوزارة إلى أيام المستنصر فقبض عليه، واختلفوا في سبب عزل الوزير ابن مهدي، فقال قوم: كان ظالمًا جبارًا قاسيًا متكبرًا قليل الرحمه قَلَّ إن حبس أحدًا فتخلص منه. قال السبط: وحكي لي خالي أبو محمد يوسف قال: شفعت يومًا إليه في محبوس، فقال: وكم له في الحبس؟ قلت: خمس سنين. فقال: هذا ليس بمحبوس المحبوس عندنا في العجم من يمضي عليه خمسون سنة. وقال آخرون: إن المكين القمي سعي به إلى الخليفة، وقال: إنه طمع في الخلافة ويقول أنا علوى ونحن أحق وأنه ينفذ الأموال إلى العجم من قواصر (٣) التمر إلى أهله ليجندوا (٤) العساكر ويقيموا ملكًا ويقصدوا بغداد. وقال آخرون: إنه اتفق [٣١١] مع ابن الساوا (٥) النصراني على قتل علاء الدين يتامش مملوك الخليفة، وسنذكره إن شاء الله تعالى. ومنها أن الحجاج رجعوا إلى العراق وهم يدعون إلى الله ويشكون إلى الناس ما لقوا من صدر جهان البخاري الحنفي (٦) الذي كان قدم بغداد في رسالة فاحتفل به الخليفة، وخرج إلى الحج في هذه السنة فضيق على الناس في المياه والميرة، فمات نحو من ستة آلاف من الحجيج العراقي في هذه السنة، وكان غلمانه تسبق إلى المناهل فيحجزون على الماء ويأخذونه فيرشونه حول خيمة مخدومهم في قيظ الحجاز، ويسقونه البقولات

стр. 811

التي تحمل معه في ترابها، ويمنعون منه ابن السبيل إلى المسجد الحرام حتى مات خلق كثير بسبب ذلك، فلما رجع مع الناس لعنته العامة ولم يحتفل به الخاصة ولا أرسل إليه الخليفة أحدًا، وخرج والعامة ورآه يرجمونه ويلعنونه، وسماه الحاج في هذه السنة صدر جهنم. (١) وفي المرآة: وقدم الحاج من مكة في صفر وحكوا ما لقوا من صدر جهان، وشدة العطش ولم يخرج أحد إلى لقائه ولعنوه في وجهه وسبوه في الأسواق، وكتبوا لعنته على المساجد والجوامع، [وكان] (٢) النساء يخرجن صارخات [منشرات] (٣) الشعور يلطمن على موتاهن ويقلن: العنوا صدر جهنم. قال السبط: وحججت أنا في هذه السنة ورأيت من الموتى ما أذهلني وخصوصًا في النقرة (٤) والعُسَيلة (٥)، فإني رأيت فيها ما يزيد على خمسة آلاف ميت، ومشينا ثلاثة أيام في الأموات. ومنها أن الخليفة رتب في رمضان دور [المضيف (٦)] ببغداد من الجانبين عشرين دارًا، في كل دار في كل ليلة خمسمائة قدح وألف رطل من الطبيخ الخاص والجنزالنقي والحلواء وغير ذلك مستمر في كل رمضان. وفيها ( ................................................................ ) (٧) وفيها حج بالناس من العراق مجاهد الدين ياقوت، وقال السبط ابن الجوزي (٨): وحججت معه وهي أول حجاتي، وكانت الوقفه يوم الأربعاء وعدتُ إلى العراق. وحج

стр. 812

بالناس من الشام بدر الدين دلدروم، ورحل من الشام في الثامن عشر من شوال وصحبته الملك المحسن ابن السلطان صلاح الدين وجاور في تلك السنة، وودعهم السلطان الملك العادل إلى الكسوة، وحج معه تلك السنة شيخ الشيوخ صدر الدين بن حمويه وأولاده وشبل الدولة الحسامي وخلق كثير. ذكر من توفي فيها من الأعيان حنبل بن عبد الله بن الفرج بن سعادة الرصافي الحنبلي، راوي مسند الإمام أحمد ﵁ عن أبي الحصين عن ابن المهذب عن ابن مالك عن عبد الله بن أحمد عن أبيه. عمر تسعين سنة، وخرج من بغداد فأسمعه بإربل واستقدمته ملوك دمشق إليها، فسمع الناس عليه بها المسند، وكان الملك المعظم يكرمه ويأكل عنده على السماط من الطيبات فتصيبه التخمه كثيرًا لأنه كان ضيق الحال خشن العيش ببغداد. وكان الكندي إذا دخل على المعظم يسأل عن [٣١٢] حنبل (١) فيقول: هو متخوم. فيقول: أطعمة العدس. فيضحك المعظم، ثم أعطاه مالًا جزيلًا ورده إلى بغداد فتوفي بها في هذه السنة، وكان مولده سنة عشر وخمسمائة. وقال أبو شامة: مات في رابع عشر محرم سنة أربع وستمائة ودفن بباب حرب. عبد الرحمن بن عيسى بن أبي الحسن البزوري الواعظ البغدادي، سمع من أبي الوقت وغيره واشتغل على ابن الجوزي في الوعظ، ثم حدثته نفسه بمضاهاته وشمخت نفسه واجتمع عليه طائفة من أهل باب البصرة، وتزوج في آخر عمره وقد قارب السبعين بصبية، فاغتسل في يوم بارد فانتفخ ذكره فمات في هذه السنة، وكان مولده في سنة تسع وثلاثين وخمسمائة. وفي المرآة (٢): وكانت وفاته في صفر في هذه السنة. أبو محمد جعفر بن محمد بن محمود بن هبة الله بن أحمد بن يوسف الإربلي، كان فاضلًا في علوم كثيرة في الفقه على مذهب الشافعي، والحساب والفرائض والهندسة والأدب والنحو وما يتعلق بالقرآن العزيز، ومن شعره الحسن الجيد:

стр. 813

لا يدفع المرءُ ما يأتي به القدرُ … وفي الخطوب إذا فكرت معتبرُ وليس يُنجي من الأقدار إن نزلت … رأي وحزم ولا خوف ولا حذر فاستعمل الصبر في كل الأمور ولا … تجزع لشيء فعقبي صبرك الظفرُ كم مسنا مرة عسر فصرّفه … صرف الزمان والي بعله يسُرُ إلا ييأس المرء من روح الإله فما … ييأس منه إلا عصبة كفروا إني لأعلم أن الدهر ذو دول … وأن يوميه ذا أمن وذا خطر. (١) عبد المجيد (٢) بن أبي القاسم عبد الله بن زهير أبو محمد الحربي ابن أخي عبد المغيث الحربي. ولد سنة سبع وعشرين وخمسمائة، وسمع الحديث الكثير، وكان يتردد من عند الخليفة إلى العادل في أمور خفية فخرج في السنة الماضية فاجتمع بالعادل، وعاد في هذه السنة فتوفي بحماة وكان صالحًا ثقة. أبو الثناء محمود (٣) بن هبة الله بن أبي القاسم الحلى البزاز، قرأ القرآن على ابن عساكر البطائحي، والأدب على أبي محمد بن الخشاب، وسمع الحديث على أبي الوقت، وحكي عن إسماعيل بن موهوب ابن الجواليقي قال: كنت في حلقة والدي أبي منصور موهوب يوم جمعة بعد الصلاة بجامع القصر والناس يقرؤون عليه فوقف عليه شاب فقال: يا سيدي ما معنى قول القائل: وصل الحبيب جنان الخلد أسكنها … وهجره النار يصْليني به النارا فالشمس بالقوس أمست وهي نازلة … إن لم يزرني وبالجوزاء إن زارا فقال له والدي: يا بني هذا شيء يتعلق بسير الشمس في البروج وما يتعلق بعلم الأدب، ثم قام والدي وآلي على نفسه أن لا يعود إلى مكانه، ذلك حتى ينظر في علم النجوم ويعرف تسيير الشمس والقمر فنظر فيه وعلمه بحيث إذا سئل عن شيء منه أجاب. ومعنى الشعر أن الشمس إذا نزلت القوس يكون الليل في غاية الطول، وإذا كانت في الجوزاء كان الليل في غاية القصر. مات أبو الثناء محمود في هذه السنة. (٤)

стр. 814

عبد العزيز الطبيب مات [٣١٣] فجأة في ذي القعدة في هذه السنة، وهو والد سعد الدين الطبيب الأشرفي، وهو الذي عناه القائل أظنه ابن عينين بقوله: فرادى ولا خلف الخطيب جماعة … وموت ولا عبد العزيز طبيب شرف الدين بن الناقد بن قنبر واسمه الحسن بن أبي طالب (١)، ولاء الخليفة حجبة الباب وناب في الوزارة، ثم ولاه صاحب المخزن فتجبر وطغى، وبني بدرب المطبخ دارًا تناهي في بنائها فلم يكن ببغداد مثلها، وشرع في الظلم والفسق وتجاهر به ومد عينه إلى أولاد الناس، وكان قبيح السيرة فرفع أمره إلى الخليفة، فأخذه أخذ عزيز مقتدر، وقبض عليه واستأصله، ونقض داره إلى الأساس، وحبسه فأخرج في رمضان ميتا فدفن بمشهد باب التبن (٢). الأمير زين الدين قراجا الصلاحي (٣) صاحب مدينة صرخد، توفي بدمشق ودفن بقاسيون، كانت له دار عند باب الصغير (٤) بدمشق عند قناة الزلاقة، وتربته في السفح في قبة على جادة الطريق عند تربة ابن تميرك (٥)، وأقر السلطان الملك العادل ولده يعقوب على صرخد، وكان قراجًا شجاعًا جوادًا. الأمير الكبير يتامش بن عبد الله (٦) أحد أمراء الخليفة الناصر لدين الله، وكان من سادات الأمراء، دينا عاقلًا نزيهًا عفيفًا، سقاه بعض الكتاب من النصاري سما فمات، وكان اسمه ابن ساوا، ولما مات تقدم الخليفة بأن يفتح له باب جامع القصر ولا يتخلف عن جنازته أحد من أرباب الدولة إلا الخليفة والوزير، وحمل إلى مشهد موسى ابن جعفر فدفن هناك، وعلم الخليفة بباطن الحال فأمر أن يسلم ابن ساوى إلى غلمان

стр. 815

يتامش، فكتب ابن المهدي إلى الخليفة يقول: إن النصارى قد بذلوا في ابن ساوى خمسين ألف دينار ولا يقتل، فكتب الخليفة على رأس الورقة: إن الأسود أسود الغاب همتها … يوم الكريهة في المسلوب لا السلب (١) فسلم ابن ساوى إلى مماليك علاء الدين يتامش، فأخرج من دار الوزير وفي رقبته حبل وهو مكتوف فقتلوه وأحرقوه، وكان لابن المهدى مملوك عاقل يقال له أقسنقر الدوادار، كان يطالع الخليفة بأخبار ابن المهدي وأنه يكاتب الأعاجم ويسعى في فساد الدولة، وعلم الوزير فسقاه السم فمات في ربيع الآخر هو وعلاء الذين يتامش في أيام قريبة، وقبض الخليفة على ابن مهدي في جمادى الأولى. السلطان (٢) غياث الدين محمود بن سام بن الحسين ملك الغورية، قتل في هذه السنة وقد ذكرناه عن قريب، وكان غياث الدين محمود هذا آخر الملوك الغورية، وكانت دولتهم من أحسن الدول، وكان محمود كريمًا عادلًا محسنًا إلى الرعية حليمًا شفوقًا، ﵀. ست الكتبة واسمها نعمة بنت علي بن يحيى بن محمد بن الطراح، توفيت في ربيع الأول بدمشق ودفنت بباب الفراديس، وكانت صالحة زاهدة عابدة راوية للحديث، روت كتاب الشمائل للترمذي عن أبي شجاع عمر بن أبي الحسن البسطامي وعن جدها أبي محمد بن يحيى بن محمد بن الطراح وغيرهما. وقال السبط (٣): سمعت عليها الحديث بدمشق في سنة ستمائة. ولما ذكرها السبط في تاريخه قال: وفي هذه السنة توفيت شيختنا ست الكتبة نعمة بنت علي، رحمها الله [٣١٤]

стр. 816

فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الخامسة بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله والسلطان الملك العادل في دمشق وعنده ولداه الأشرف والمعظم كذا قال المؤيد (١) في تاريخه. وقال بيبرس (٢) في تاريخه: ومنها خرج العادل من مصر إلى الشام وكان أكبر البواعث على خروجه ما حصل من الوحشة بينه وبين الظاهر ابن أخيه صاحب حلب، وقال المؤيد (٣): وفيها توجه الملك الأشرف موسى بن الملك العادل من دمشق راجعًا إلى بلاده الشرقية، وكان عند والده العادل في دمشق ولما وصل إلى حلب تلقاه صاحبها الملك الظاهر وأنزله بالقلعة، وبالغ في إكرامه وقام [للأشرف (٤)] و [الجميع] (٥) عسكره بجميع ما يحتاجون إليه من الطعام والشراب والحلواء والعلوفات، وكان يحمل إليه في كل يوم خلقة كاملة وهي غلالة وسراويل وقباء وكمة وفروة ومنطقة وسيف ومنديل وسكين ودلكش وحصان وخمس خلع لأصحابه، وأقام على ذلك خمسة وعشرين يومًا، وقدم له تقدمة جليلة وهي مائة ألف ألف درهم ومائة بقجة مع مائة مملوك، منها عشر بقجج في كل واحدة منها ثلاثة أثواب أطلس وثوبان خطاي، وعلى كل بقجة جلد قندس (٦) كبير، ومنها عشرة في كل واحدة منها (٧) خمسة أثواب عتّابي بغدادي وموصلي، وعلى كل بقجة جلد قندس صغير ومنها عشرون بقجة في كل واحدة منها خمس قطع سوسي (٨) وديبقى ومنها أربعون بقجة في كل واحدة منها خمسة أقبية وخمس كمام، وحمل إليه خمس حصن عربية بعدتها وعشرين أكديشا وأربع قطر بغال وخمس بغلات فائقات بالسروج واللجم المكفتة وقطارين من الجمال. وخلع على أصحابه مائة وخمسين خلعة، وقال إلى أكثرهم بغلات وأكاديش، ثم سار الملك الأشرف إلى بلاده.

стр. 817

ذكر ماجريات الملوك منها أن الفرنج قصدوا مدينة حمص وعبروا على العاصى بجسر اتخذوه في بلادهم، فلما أحست بهم العساكر المنصورة ركبوا في آثارهم فهربوا منهم وقتل منهم خلق وغنم المسلمون منهم غنيمة جيدة. وقال أبو شامة (١): وفي هذه السنة أغارت الفرنج ووصلوا إلى باب تدمر من حمص بعد أن مدوا على نهر العاصي جسرًا من خشب كانوا صنعوا آلته ببلادهم وحملوها معهم وعبروا العاصي عليه ثم رفعوه على جمالهم، وقصدوا حمص فقصدتهم العساكر الإسلامية، فهربوا على طريق قدس وحاز المسلمون أخشابهم وأثقالهم ومن انقطع منهم. ومنها (٢) أن غياث الدين كيخسرو بن قليج أرسلان السلجوقي صاحب بلاد الروم وصل إلى مرعش لقصد بلاد ابن لاون الأرمني، وأرسل إليه الملك الظاهر صاحب حلب نجلة، فدخل كيخسرو إلى بلاد ابن لاون وعاث فيها ونهب وفتح حصنًا يعرف بقرقوس. ومنها أن الكرج ملكت أرجيش (٣) عنوة ونهبوا جميع ما بها من الأموال والأمتعة وغيرها، وأسروا وسبوا أهلها وأحرقوها وخربوها ولم يبق بها أحد من أهلها، فأصبحت خاوية على عروشها كأن لم تغن بالأمس، ولم يقدم الملك الأوحد بن العادل عليهم لأسباب منها: كثرتهم، وخوفه من أهل خلاط لما كان أسلف إليهم من القتل والأذى، فخاف [٣١٥] أن يخرج منها فلا يُمكن من العود إليها، فلما لم يخرج إلى قتالهم عادوا إلى بلادهم سالمين بما غنموا. ذكر بقية الحوادث منها أن الملك الظاهر صاحب حلب أمر أن يجيبوا الماء من حيلان (٤)، وغرم على ذلك أموالا كثيرة وبقى البلد يجري فيه الماء. وحيلان بفتح الحاء المهملة وسكون الياء أخر الحروف وبعدها لام ألف وفي آخره نون. وهي قرية معمورة بشمالي حلب مسافة بعد بريد.

стр. 818

ومنها (١) أن الشيخ شهاب الدين السُهّروردي عاد من دمشق بهدايا الملك العادل إلى بغداد ومعه شمس الدين الدكز أستاذ الدار للعادل، فتلقى الموكب الدكز، وأعرض عن الشيخ شهاب الدين ونقم عليه، حيث مد يده إلى الأموال بالشام وحضر دعوات الأمراء أسامة وغيره. وقد كان قبل الرسالة زاهدًا فقيرًا، وحصل أموالًا جزيلة، وأخذ منه الربُط التي كانت بيده، منها رباط الزوزني، ومنها المرزبانيه، ومُنع من الوعظ، وقال: ما قبلت هذه الأموال إلا لأفرقها في فقهاء بغداد. وشرع يفرق المال والثياب في الزوايا والرُبُط، وقد أغنى خلقًا كثيرًا من فقراء الشام والعراق. قال أبو شامة (٢): ثم خلع الخليفة على الدكز الأستاذ دار، وعاد إلى الشام بالهدايا والتحف. ومنها (٣) أن نيسابور زلزلت زلزلة عظيمة ودامت عشرة أيام، فمات تحت الهدم خلق كثير. ومنها (٤) أن في المحرم منها تكامل بناء دار الضيافة التي أنشأها الخليفة بالجانب الغربي من بغداد للحاج والمارة، لهم الضيافة ما داموا نازلين بها، فإذا عزم أحدهم على السفر زود وكسي وأعطى بعد ذلك كله دينارًا للسفرة، وكان ابتداء ترتيبه لذلك في رمضان من السنة الماضية. ومنها أنه (٥) فخر الدين بن تيمية خطيب حران عاد من الحج إلى بغداد وجلس بباب بدر للوعظ، وحضر محيي الدين يوسف بن الشيخ أبي الفرج بن الجوزي، فشرع ابن تيمية في الوعظ، ومدح الخليفة، وأنشد في أثناء كلامه. وابن اللبون إذا ما لز في قرن … لم يستطع صولة البُزل القناعيس (٦) فقالت الناس: ما قصد إلا محيي الدين لكونه شابًا ابن خمس وعشرين سنة.

стр. 819

ومنها (١) أن في يوم الجمعة تاسع المحرم دخل مملوك إفرنجي من باب مقصورة جامع دمشق وهو سكران، وفي يده سيف مسلول والناس جلوس ينتظرون صلاة الفجر، فمال في الناس يضربهم بسيفه ذلك، فقتل اثنين أو ثلاثة، وضرب المنبر بسيفه فانكسر، فأخذ وأودع بالمارستان وشنق في يومه ذلك على جسر اللبّادين. ومنها أن الحافظ أبالخطاب عمر بن دحية لما عاد من رحلته الخراسانية قصد مجلس الوزير صفي الدين عبد الله بن على المعروف بابن شكر، وزير الملك العادل، وكان الشيخ العلامة تاج الدين الكندي جالسًا إلى جانبه، فأجلس ابن دحية من الجانب الآخر، فشرع ابن دحية يُورد حديث الشفاعة، فلما وصل إلى قول إبراهيم الخليل ﵇ أيما كنت خليلًا من وراء وراء، لَفَظَ باللفظتين بفتح الهمزة، فقال الكندي: وراء وراء بالضم، فعز ذلك على ابن دحية، وكان جريئًا ذا أنفة من الرد عليه، فقال للوزير: من ذا الشيخ؟ قال: هذا تاج الدين الكندي، فتسمح ابن دحية في حقه بكلمات، فلم يُسمع من الكندي إلا قوله: هو من كلب فنبح، وهذه تورية حسنة بلفظ حلو، وذلك أن دحية كان [٣١٩] ينتسب إلى بني كلب من العرب، وهي قبيلة دحية بن خليفة الصحابي - رضى الله عليه- وفي صحة الانتساب إليهم كلام ونظر، فإن جماعة من العلماء المتقدمين قالوا: إنه لم يعقب، ووقع الناس في أبي الخطاب بسبب ذلك حتى قال بعضهم: دحية لم يعقب فلا تنتسب … إليه بالبهتان والإفك ما صح عند الناس شيء سوى … أنك من كلب بلا شك فأخذ هذا الشاعر المعنى الذي أشار إليه الكندي بذلك اللفظ الوجيز. قال أبو شامة (٢): وأم اللفظتان المتنازع فيهما فرأيت في أمالي أحمد بن يحيى ثعلب جوازة لأمرين فيهما والجر أيضًا. وفيها ............................................... ..... (٣)

стр. 820

وفيها (١) حج بالناس من العراق مجاهد الدين ياقوت، ومن الشام حسام الدين قايماز والي القدس. ذكر من توفي فيها من الأعيان أبو الفتح (٢) محمد بن أحمد بن بختيار بن علي بن محمد بن إبراهيم بن جعفر الواسطى المعروف بابن الميداني (٣)، آخر من روي مسند الإمام أحمد ﵀ عن أبي الحصين، وكان من بيت فقه وقضاء وديانة، وكان ثقة عدلًا متورعًا في النقل، ومما أنشده من حفظه: ولو أن ليلى مطلع الشمس دونها … وكنت وراء الشمس حين تغيب لحدثت نفسي بانتظاري نوالها … وقال المنى لي إنها لقريب وقال أبو شامة (٤) وأنشد لغيره: أراك إذا نأيت بعين قلبي … كأنك نصب عيني عن قريب لئن بعدت معاينة التلاقي … فما بعدت معاينة القلوب (٥) وقال: ولد بواسط سنة سبع عشرة وخمسمائة، وولي أبوه قضاء الكوفة، فسمع من شيوخها، وتفقه علي أبي منصور بن الرزار، وعاد إلى واسط فأقام بها يسمع الحديث والفقه حتى توفي بداره، ودفن بها، سمع بالكوفة من الشريف أبي البركات عمر بن إبراهيم النحوي شارح لمع ابن جني وغيره، وببغداد أبا القاسم بن الحصين وابن الجواليقي وابن السمرقندي والبارع وغيرهم، وولي قضاء واسط، وكان صالحًا ثقة صدوقًا (٦).

стр. 821

أبو العباس (١) الخضر بن محمد بن على الجزري، ولد بجزيرة ابن عمر في سنة خمس وعشرين وخمسمائة، وتوفي في هذه السنة، وقدم بغداد، وله في تعبير الرؤيا بد، وأنشد لنفسه: أنست بوحدتي حتى لو أني … رأيت الأنس لاستوحشت منه وما ظفرت يدى بصديق صدق … أخاف عليه إلا خفت منه وما نزل التجاوب لي حبيبًا … أميل إليه إلا ملت عنه الشيخ أبو (٢) الخير مصدق بن شبيب بن الحسين النحوى الصِلْحي، من أهل قم الصلح، ولد سنة خمس وثلاثين وخمسمائة، وصحب الشيخ صدقة الزاهد، وقرأ عليه القراءات والنحو، وقرأ عليه ابن الخشاب وابن العصار والكمال الأنباري، وسمع الحديث من أبي الفتح بن البطي، مات في هذه السنة، ودفن مع الشيخ صدقة في ضريحه، وكان على طريقة في الزهد والعبادة، منقطعًا عن الناس. صدر الدين (٣) عبد الملك بن درباس الماراني الكردي، قاضي [٣١٧] القضاة بالديار المصرية، وكان قاضي الغربية، قدم من الشرق إلى مصر فولاه السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، وكان عنده بمكانة، وقال ابن ميسر: تولي صدر الدين في الثاني والعشرين من جمادى الأخرى من سنة ست وخمسين وخمسمائة إلى أن صرف بعد وفاة صلاح الدين، وولي مكانه القاضي زين الدين علي بن يوسف الدمشقي يوم الثلاثاء الثالث والعشرين من ربيع الأول من سنة تسعين وخمسمائة، وتوفي صدر الدين في هذه السنة، وقبره بتربته المجاورة للرباط المشهور بخط روز بهار العجمي. محمد بن (٤) بختيار بن عبد الله أخو أستاذ دار الخليفة، كان فاضلًا أديبًا أنشد يومًا: قسمًا بمن سكن الفؤاد وإنه … قسم به لو تعلمون عظيم

стр. 822

فأجاب بديهًا: إني به صَب كئيب مدنف … قلق الفؤاد موله مهموم لا أستطيع مع التنائي سلوة … حتى الممات وإنني لسليم فتعطفوا بالوصل بعد تهاجر … فالصبر ينفد والرجاء مقيم الأمير سراسنقر الصلاحي: مات في رابع عشر محرم من هذه السنة بحلب، وكان أحد الأمراء المذكورين المجاهدين. الأمير المعروف بالجناح الكردي: واسمه إبراهيم (١) بن أحمد، مات في السابع والعشرين من ذي القعدة بدمشق، ودفن بالجبل، وخرج السلطان في جنازته، وفي الغد عمل عزاؤه بالجامع، وحضر جميع أمراء الأكراد بالجوخ ومناديل على رؤوسهم، وهو أخو المشطوب وكبير أمراء الأكراد. الأشرف (٢) غرس الدين محمد بن السلطان صلاح الدين، مات في هذه السنة بحلب. الأمجد (٣) حسن بن السلطان الملك العادل، شقيق الملك المعظم والعزيز، مات في هذه السنة بالقدس الشريف. الشرف (٤) الفلكي وزير الملك الأوحد، أخو الصفي الأسود واسمه عبد المحسن بن إسماعيل بن محمود الحُلى (٥)، وكان قد ناب بديوان دمشق عن صفي الدين بن شكر الوزير في الدولة العادلية، ثم وزر لأخى العادل لأمير فلك الدين فنسب إليه، ثم اشتغل وزيرًا بخلاط للملك الأوحد بن العادل إلى أن قتله مملوكه بها ليلة عيد الفطر من هذه السنة، وحمل من خلاط إلى دمشق. وقال أبو شامة: وجد مذبوحًا في فراشه، ذبحهُ غلام له ليلة عيد الفطر.

стр. 823

السلطان (١) معز الدين سنجر شاه بن سيف الدين غازي بن مودود بن عماد الدين زنكي بن آقسنقر، صاحب جزيرة ابن عمر، وهو ابن عم نور الدين صاحب الموصل، قتله ابنه غازي في هذه السنة، وكانت ولايته في سنة ست وتسعين وخمسمائة، وكان سنجر شاه ظالمًا قبيح السيرة وقحًا، لا يمتنع من قبيح يفعله من: القتل، وقطع الألسنة، والأنوف، والأذن، وحلق اللحى، وتعدى ظلمه إلى أولاده وحريمه، فبعث ابنيه محمودًا وممدودًا إلى قلعة فحبسهما فيها، وحبس ابنه الغازي المذكور في المدينة وضيق عليه، وكان بتلك الدار هوام كثيرة، فاصطاد غازي المذكور حية وسيرها إلى أبيه في منديل لعله يرق له، فلم يزده إلا قساوة عليه، فأعمل الحيلة حتى هرب، وكان عنده أحد يخدمه فقرر معه أن يسافر ويظهر [٣١٨] أنه غازي بن معز الدين سنجر شاه؛ ليأمنه أبوه، فمضى ذلك الإنسان إلى الموصل فأعطى شيئًا وسافر منها، واتصل ذلك بسنجر شاه فاطمأن، وترجل ابنه غازي حتى دخل إلى دار أبيه، واختفى عند بعض سراري أبيه، وعلم به جماعة منهم وكتموا ذلك عن سنجر شاه لبغضهم فيه، واتفق أن سنجر شاه شرب يومًا بظاهر البلد وشرع يقترح على المغنيين الأشعار الفراقية وهو يبكي، ودخل داره سكرانًا إلى عند الحظية التي ابنه مختف عندها، ثم قام معز الدين سنجر شاه ودخل الخلاء، فهجم عليه ابنه غازي فضربه أربع عشرة ضربة بالسكين، ثم ذبحه وتركه ملقى، ودخل غازي الحمام وقعد يلعب مع الجواري، فلو أحضر الجند واستحلفهم في ذلك الوقت لتم أمره وملك البلاد، ولكنه سكر واطمأن فخرج بعض الخدم وأعلم أستاذ الدار، فجمع الناس وهجم على غازي وقتله، وحلف العسكر لأخيه محمود بن سنجر شاه، واستقر ملكه بالجزيرة، وقبض على جواري أبيه فغرقهن في دجلة، ثم قتل محمود بعد ذلك أخاه مودودًا.

стр. 824

فصل فيما وقع من الحوادث في السنة السادسة بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله، وملوك البلاد والأطراف على حالهم. ذكر ماجريات الملك العادل وفي ربيع الأول (١) من هذه السنة سار الملك العادل من دمشق وقطع الفرات، وجمع الملوك من أولاده الأوحد وغيره، وعساكر مصر والشام وحلب وديار بكر. ونزل على حران ووصل إليه بها الملك الصالح محمد بن محمد بن قرا أرسلان الأرتقي صاحب آمد وحصن كيفا، ثم سار من حران ونازل سنجار وبها صاحبها قطب الدين محمد بن عماد الدين زنكي بن مودود بن زنكي، فحاصرها ونصب عليها المجانيق إلى رمضان، ولم يبق إلا تسليمها. فأرسل الملك الظاهر من حلب أخاه المؤيد يشفع في السناجرة وصاحبها يومئذ قطب الدين -كما ذكرنا- وهو من بقية بيت زنكي والد نور الدين محمود الشهيد، فلم يُشفعه، ومات المؤيد في هذه السنة كما نذكره إن شاء الله تعالى. وكره المشارقة مجاورة العادل فاتفقوا عليه مع صاحب إربل. وأرسل الخليفة (٢) ابن الضحاك الأستاذ دار وأقباش الناصري يشفع إلى العادل فيهم، فرحل بعد أن أخذ نصيبين والخابور ونزل على حران وفرق العساكر. وصالح المشارقة صاحب إربل والموصل والجزيرة وماردين وحلب. وفي تاريخ بيبرس (٣): وسبب ذلك أن قطب الدين المذكور كان بينه وبين ابن عمه نور الدين شاه بن مسعود بن مودود صاحب الموصل عداوة مستحكمة يقدم ذكرها، ثم تصاهر نور الدين والعادل؛ فإن ولد العادل تزوج بابنة نور الدين، وحسنوا لنور الدين مراسلة العادل والاتفاق معه على أن يقتسما البلاد التي لقطب الدين بن زنكي والولاية التي لمحمود بن سنجر شاه، وهي جزيرة ابن عمر وأعمالها، فيكون ذلك لقطب الدين بن العادل، وتكون الجزيرة لنور الدين، فوافق هذا القول هوى نور الدين فأرسل إلى العادل

стр. 825

في هذا المعنى فأجابه إلى ذلك، وأطمعه أن يُعْطَى هذه البلاد إذا مَلَّكها لولده الذي هو زوج [٣١٩] ابنة نور الدين، ويكون مقامه في خدمته بالموصل. واستقرت الحال على ذلك وتحالفا عليها، فبادر العادل إلى المسير إلى الفرات في عساكره وقصد الخابور فأخذه، فلما سمع نور الدين بوصوله خاف واستشعر، فأحضر من يرجع إلى قولهم ورأيهم وعرفهم وصول العادل، واستشارهم فيما يفعله. فبينوا له فساد رأيه في اتفاقه مع العادل على ابن عمه وما يترتب على ذلك من الضرر له، وقالوا: أما الآن فقد فات الأمر، وليس إلا أن تقف معه على ما استقر بينكما، لئلا يجعل حجة ويبتدئ بك. هذا والعادل قد ملك الخابور ونصيبين، وسار إلى سنجار فحصرها، وكان عزم صاحبها أن يسلمها إلى العادل بعوض يأخذه عنها، فمنعه من ذلك أمير كان معه اسمه أحمد بن برنقش - مملوك أبيه زنكي - فقام بحفظ المدينة والذب عنها. وجهز نور الدين عسكرًا مع ولده الملك القاهر ليسيروا إلى العادل، فبينما الأمر كذلك إذ جاءهم أمر لم يكن في حسابهم، وهو أن مظفر الدين كوكبوري صاحب إربل أرسل وزيره إلى نور الدين يبذل من نفسه المساعدة على منع العادل عن سنجار، والاتفاق معه على ما يريده. فوصل الرسول ليلًا فوقف مقابل دار نور الدين وصاح، فَعُبِّرت إليه سفينة عَبَرَ فيها، واجتمع بنور الدين ليلًا وأبلغه الرسالة. فأجاب نور الدين إلى ما طلب من الموافقة وحلف له على ذلك، وعاد الوزير من ليلته. فسار مظفر الدين واجتمع هو ونور الدين ونزلا بعساكرهما بظاهر الموصل، وكان سبب ما فعله مظفر الدين أن صاحب سنجار أرسل ولده إلى مظفر الدين يستشفع به إلى العادل ليبقى عليه سنجار، وكان مظفر الدين يظن أنه لو شفع في نصف ملك العادل لَشَفَّعه، لأثره الجميل في خدمته وقيامه في الذب عن ملكه غير مرة، فشفع إليه فلم يشفعه العادل ظنًا منه أنه بعد اتفاقه مع نور الدين لا يبالي بمظفر الدين. فلما رده في شفاعته راسل نور الدين في الموافقة عليه. ولما وصل إلى الموصل واجتمع بنور الدين أرسل إلى الظاهر غازي صاحب حلب وإلى كيخسرو بن قليج أرسلان صاحب بلاد الروم بالاتفاق معهما، فكلاهما أجاب إلى ذلك، وتداعوا على الحركة وقصد بلاد العادل إن امتنع من الصلح، والإبقاء على صاحب سنجار. وأرسلا أيضًا إلى الخليفة الناصر لدين الله ليرسل رسولًا إلى العادل في الصلح، فقويت نفس صاحب سنجار على الامتناع.

стр. 826

ووصل رسول الخليفة، وهو أبو نصر هبة الله بن الضحاك أستاذ الدار، والأمير أقباش، وهو من خواص مماليك الخليفة، [فوصلا] (١) إلى الموصل، [وسارا] (٢) منها إلى العادل وهو يحاصر سنجار وكان [مَنْ] (٣) معه من العساكر لا يناصحونه في القتال لاسيما أسد الدين شيركوه صاحب حمص والرحبة، فإنه كان يُدخل إليها الأغنام والأقوات ظاهرًا، ولا يقاتل عليها رفقًا بصاحبها وإبقاءً عليه، وكذلك غيره. فلما وصل رسول الخليفة إلى العادل أجاب أولًا إلى الرحيل ثم امتنع عن ذلك وغالط، وطال الأمر لعله يبلغ منها غرضًا. فلما لم ينل منها ما أمَّله أجاب إلى الصلح على أن يكون له ما أخذ وتبقى سنجار لصاحبها، واستقر الأمر على ذلك وتحالفوا [٣٢٠] عليه كلهم وعلى أن يكونوا يدًا واحدة على الناكث منهم. ورحل العادل عن سنجار إلى حران، وعاد مظفر الدين إلى إربل، ويقي كل واحد من الملوك في بلده، وانفصلوا على ذلك. وفيها حصل التغيّر بين العادل والظاهر وتأكد، وبرز من حلب لقتاله عند وصوله من سنجار، ثم حصل الصلح بينهما في أول السنة الآتية، وعاد العادل إلى الشام. ذكر بقية الحوادث منها أن في المحرم وصل نجم الدين خليل شيخ الحنفية من دمشق إلى بغداد في الرسالة عن الملك العادل ومعه هدايا كثيرة، وتناظر هو والشيخ مجد الدين يحيى بن الربيع شيخ النظامية في مسألة وجوب الزكاة (٤) في ماله اليتيم والمجنون، فأخذ الحنفي يستدل على عدم وجوبها ويعترض عليه الشافعي، فأجاد كل منهما في الذي أورده. (٥) ثم خلع على الحنفى وأصحابه بسبب الرسالة، وكانت المناظرة بحضرة نائب الوزير ابن أمَسْيَنا. ومنها أن في يوم السبت خامس جمادى الآخرة وصل الجمال يونس بن بدران المصرى رئيس الشافعية بدمشق إلى بغداد في الرُسلية عن الملك العادل فتلقاه الجيش

стр. 827

مع حاجب الحجاب، ودخل معه ابن أخي صاحب إربل مظفر الدين كوكبوري، والرسالة تتضمن الاعتذار عن صاحب إربل والسؤال في الرضى عنه، فأجيب إلى ذلك. (١) وفيها ................................ (٢) وفيها حج بالناس من العراق ياقوت، ومن الشام فخر الدين إياس الشامي. (٣) ذكر من توفي فيها من الأعيان القاضى الأسعد أبو المكارم أسعد بن [الخطير] (٤)، أبي سعيد مهذب ابن مينا ابن زكرياء بن أبي قدامة بن قليج بن مَماتي المصري، الكاتب الشاعر، وكان ناظر الدواوين بالديار المصرية، وفيه فضائل وله مصنفات عديدة، ونظم سيرة صلاح الدين، ونظم كتاب كليلة ودمنة، وله ديوان شعر، وله في غلام نحويّ. وأهيفِ أحْدَثَ لي نَحوُهُ … تعجبًا يُعرِبُ عن ظَرْفِهِ علامَةُ التأنيث في لفظه … وأحرفُ العِلَةِ في طَرْفِهِ وله في شخص ثقيل رآه بدمشق: [حكى (٥)] نهرين ما في الأر … ض مَنْ يحكيهما أبدا حكى في خلقه ثورا … وفي ألفاظه (٦) برَدَا وقال ابن كثير: (٧) أسلم في الدولة الصلاحية، وتولى نظر الدواوين بمصر مدة، ولما تولى الوزير ابن شكر هرب منه إلى حلب لائذًا بالملك الظاهر، فمات بها في هذه السنة، وله ثنتان وستون سنة.

стр. 828

وقال ابن خلكان (١): توفي في سلخ جمادى الأولى منها يوم الأحد، ودفن في المقبرة المعروفة بالمقام على جانب الطريق بالقرب من مشهد على الهروي، وتوفي أبوه [الخطير] (٢) يوم الأربعاء سادس شهر رمضان في سنة سبع وسبعين وخمسمائة، ومنها بكسر الميم وسكون الياء آخر الحروف وفتح النون وبعدها ألف، ومماتي بفتح الميمين والثانية مشددة وبعد الألف تاء مثناة من فوق مكسورة وبعدها ياء آخر الحروف، وهو لقب أبي مليح المذكور، وكان نصرانيا، وإنما قيل له مماتي؛ لأنه وقع في مصر غلاء عظيم، وكان كثير الصدقة والإطعام خصوصًا لصغار المسلمين، فكانوا إذا رأوه نادره كل واحد منهم مماتي، فاشتهر به والله أعلم. اللمعاني (٣) أبو يعقوب يوسف بن إسماعيل بن عبد الرحمن [٣٢١] بن عبد السلام اللمعاني، أحد الأعيان الحنفية ببغداد، سمع الحديث ودرس بجامع السلطان، وكان معتزليًا في الأصول، بارعًا في الفروع، اشتغل على أبيه وعمه وأتقن الخلاف، وعلم المناظرة، وقارب التسعين، وتوفي ليلة الجمعة، وصلى عليه من الغد بمشهد الإمام أبي حنيفة ﵁ وقال ابن النجار: وكتبنا عنه، وكان صدوقًا. ابن الخراساني (٤) أبو عبد الله محمد بن محمد بن الحسين المعروف بابن الخراساني، المحدث الناسخ، كتب كثيرًا من الحديث وغيره، وخطه جيد مشهور. أبو المواهب معتوق بن منيع بن مواهب الخطيب البغدادي، قرأ النحو واللغة على ابن الخشاب، وجمع خطبًا كان يخطب منها، وكان شيخًا فاضلًا أديبًا، وله ديوان شعر، فمن قوله: ولا ترجو الصداقة من عدو … يعادي نفسه سرًا وجهرًا فلو أخذت مودَته انتفاعًا … لكان النفع منه إليه أحْرى

стр. 829

ابن خروف النحوي علي بن محمد بن [على الحضرمي] (١) أبو الحسن بن خروف، الأندلسي النحوي شارح كتاب سيبويه، شرحه وقدمه إلى صاحب المغرب، فأعطاه ألف دينار، وشرح جمل الزجاجي، وكان يتنقل في البلاد ولا يسكن إلا في الخانات (٢)، ولم يتزوج قط، ولا تسري، وقد تغير عقله في آخر عمره، فكان يمشي في الأسواق مكشوف الرأس، وتوفي في هذه السنة عن خمس وثمانين سنة بمدينة أشبيلية. وقال ابن خلكان (٣): توفي في سنة عشر وستمائة. وقيل: في تسع وستمائة ا وخروف بفتح الخاء المعجمة وهو غير ابن خروف الشاعر. أبو على الواسطى (٤) يحيى بن الربيع بن سليمان بن حراز الواسطى ثم البغدادي، اشتغل بالنظامية على ابن فضلان وأعاد عنده، وسافر إلى محمد بن يحيى ثم عاد إلى بغداد، ثم صار مدرسًا بالنظامية ونظر في أوقافها، وكانت لديه علوم كثيرة ومعرفة حسنة بالمذاهب، وله تفسير في أربع مجلدات كان يدرس منه، واختصر تاريخ الخطيب والذيل عليه لابن السمعاني وقارب الثمانين. ابن الأثير (٥): مصنف جامع الأصول والنهاية، واسمه المبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد مجد الدين أبو السعادات الشيباني، الجزري الشافعي المعروف بابن الأثير، وهو أخو الوزير للملك الأفضل بن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، وهو ضياء الدين نصر الله صاحب المثل السائر، ولهما أخ آخر وهو الحافظ عز الدين أبو الحسن علي بن محمد صاحب الكامل في التاريخ، ولد أبو السعادات المبارك في أحد الربيعين سنة أربع وأربعين وخمسمائة بجزيرة ابن عمر،

стр. 830

وسمع الحديث الكثير وقرأ القرآن الكريم، وأتقن علومه وحرر علومًا جمة، وكان مقامه بالموصل، وقد جمع في سائر الفنون كتبًا مفيدة منها: جامع الأصول الستة، الموطأ، والصحيحان، وسنن أبي دواد، والنسائي، والترمذي، ولم يذكر ابن ماجه فيها. وله كتاب النهاية في غريب الحديث، وله شرح مسند الشافعي، وله التفسير في أربع مجلدات وغير ذلك في فنون شتي. وكان ﵀ معظمًا عند ملوك الموصل، ولما آل الملك إلى نور الدين أرسلان شاه بن مسعود بن مودود بن زنكي أرسل إليه مملوكه لؤلؤ فعرض عليه أن يستوزره فأبى، فركب السلطان إليه بنفسه فامتنع أيضًا، وقال: قد كبرت واشتهرت بنشر العلم ولا يصلح هذا الأمر إلا بشيء من العسف [٣٢٢]، ولا يليق بي ذلك فأعفاه. وقال أبو السعادات: كنت أقرأ علم العربية على الشيخ سعيد بن الدهان، فكان يأمرني بصنعة الشعر، فكنت لا أقدر عليه، فلما توفي الشيخ رأيته في بعض الليالى يأمرني بذلك، فقلت: ضَعْ لي مثالًا أعمل عليه فقال: جُبْ الفلا مدْمنا إن فاتك الظفر … وخُذّ خَدَ الثرى والليل معتكر فقلت أنا: والعز في صهوات الخيل تركبه … والمجد ينتجه الإسراء والسهر فقال لي: أحسنت. ثم استيقظت فأتممت عليها نحوًا من عشرين بيتًا. وقال ابن خلكان (١): وله المصنفات البديعة والرسائل الوسيعة منها: جامع الأصول وهو على وضع كتاب زين إلا أن فيه زيادات كثيرة عليه، ومنها كتاب النهاية في خمس مجلدات، وكتاب الإنصاف في الجمع بين الكشف والكشاف في تفسير القرآن، أخذه من تفسير الثعلبي والزمخشري، وله كتاب المصطفى والمختار في الأدعية والأذكار، وله كتاب طيف في صنعة الكتابة، وكتاب البديع في شرح الفصول في النحو لابن الدهان، وله ديوان رسائل (٢)، وكتاب الشافي في شرح مسند الإمام الشافعي، وغير ذلك في المصنفات.

стр. 831

كانت ولادته بجزيرة ابن عمر في أحد الربيعين سنة أربع وأربعين وخمسائة، ونشأ بها ثم انتقل إلى الموصل في سنة خمس وستين وخمسمائة، ثم عاد إلى الجزيرة ثم عاد إلى الموصل وتنقل في الولايات بها، واتصل بخدمة الأمير مجاهد الدين قايماز بن عبد الله الخادم الزيني المقدم ذكره، وكان نائب المملكة فكتب بين يديه منشئًا إلى أن قبض عليه كما ذكرنا، فاتصل بخدمة عز الدين مسعود بن مودود صاحب الموصل، وتولي ديوان رسائله وكتب له إلى أن توفي، ثم اتصل بولده نور الدين أرسلان شاه فحظى عنده، وتوفرت حرمته لديه وكتب له مدة، ثم عرض له مرض كف يديه ورجليه فمنعه من الكتابة مطلقًا، وأقام في داره يغشاه الأكابر والعلماء، وأنشأ رباطًا بقرية من قرى الموصل تسمى قصر حرب ووقف أملاكه عليها وعلى داره التي كان يسكنها بالموصل. وقال ابن خلكان: وبلغني أنه صنف هذه الكتب كلها في مدة العطلة فإنه تفرغ لها، وكان عنده جماعة يعينونه عليها في الاختيار والكتابة، وكانت وفاته بالموصل يوم الخميس سلخ ذي الحجة من هذه السنة، ودفن برباطه بدرب دراج داخل الموصل. قلت: ترجمة أخوه عز الدين في الكامل (١)، فقال: كان عالما في عدة علوم منها: الفقه، وعلم الأصولين، والنحو، والحديث، واللغة. وله تصانيف مشهورة، وكان كاتبًا مغلقًا يضرب به المثل، ذا دين ولزوم طريق مستقيم، فلقد كان من محاسن الزمان. وقال أبو شامة (٢): كان به نقرس، يحمل في محفة، ﵀. الفخر الرازي (٣) صاحب التفسير الكبير، محمد بن عمر بن الحسين بن على القرشي التيمي البكرى، العلامة أبو عبد الله وأبو المعالي، المعروف بالفخر الرازي، ويقال له ابن خطيب الريّ، الفقيه الشافعي، أحد المشاهير بالتصانيف الكبار والصغار نحو من مائتي مصنف منها: تفسير القرآن الكريم: جمع فيه كل غريب وغريبه، وهو كبير جدًا لكنه لم يكمله، وشرح سورة الفاتحة في مجلد. ومنها في علم الكلام [٣٢٣]. المطالب العالية، ونهاية العقول، وكتاب الأربعين، والمحصّل، والمعالم، وكتاب البيان والبرهان في الرد على أهل الزيغ والطغيان، وكتاب المباحث العمادية في

стр. 832

المطالب المعادية، وكتاب تهذيب الدلائل وعيون المسائل، وكتاب إرشاد النظار إلى لطائف الأسرار، وكتاب أجوبة المسائل التجارية، وكتاب تحصيل الحق، وكتاب الزبدة وغير ذلك. وفي أصول الفقه: المحصول والمعالم. وفي الحكمة: الملخص، وشرح الإشارات لابن سينا، وشرح عيون الحكمة، وغير ذلك. وفي الطلسمات: السر المكتوم وشرح أسماء الله الحسنى. ويقال: إن له شرح المفصل في النحو للزمخشري، وشرح الوجيز في الفقه للغزالي، وشرح سقط الزند للمعري، وله مختصر في الإعجاز، ومؤاخذة جيدة على النحاة، وله طريقة في الخلاف. وله في الطب: شرح الكليات للقانون. وصنف في علم الفراسة، وصنف في مناقب الشافعي ﵀، وكل كتبه ممتعة، وانتشرت تصانيفه في البلاد، ورزق فيها سعادة عظيمة فإن الناس اشتغلوا بها ورفضوا كتب المتقدمين، وهو أول من اخترع هذا الترتيب في كتبه وأتى فيها بما لم يُسبق إليه، وكان له في الوعظ اليد البيضاء، ويعظ باللسانين العرب والعجمي، وكان يلحقه الوجد حال الوعظ ويكثر البكاء، وكان يحضر مجلسه بمدينة هراة أرباب المذاهب والمقالات، ويسألونه وهو يجيب كل سائل بأحسن إجابة، ورجع بسببه خلق كثير من الطائفة الكرامية وغيرهم إلى مذهب أهل السنة، وكان يلقب بهراة شيخ الإسلام، وكان مبدأ أشغاله على والده إلى أن مات، ثم قصد الكمال السمناني واشتغل عليه مدة، ثم عاد إلى الرى واشتغل على المجد الجيلي وهو أحد أصحاب محمد بن يحيى، ولما طلب المجد الجيلي إلى مراغة ليدرس بها صحبة فخر الدين المذكور إليها وقرأ عليه مدة طويلة علم الكلام والحكمة. ويقال: إنه كان يحفظ الشامل لإمام الحرمين في علم الكلام، ثم قصد خوارزم وقد تمهر في العلوم وجرى بينه وبين أهلها كلام فيما يرجع إلى المذهب والاعتقاد، فأخرج من البلد، فقصد ما وراء النهر فجرى له أيضًا هناك ما جرى له في الخوارزم، فعاد إلى الرى، وكان بها طبيب حاذق له ثروة ونعمة، وكان للطبيب ابنتان ولفخر الدين ابنان، فمرض الطبيب وأيقن بالموت فزوج ابنتيه لولدي فخر الدين، ومات الطبيب فاستولى فخر الدين على جميع أمواله، فمن ثم كانت له النعمة ولازم الأسفار، وعامل شهاب الدين الغوري صاحب غزنة في جملة من الأموال، ثم مضى إليه في استيفاء حقه منه فبالغ في إكرامه والإنعام وحصل له من جهته مال طائل، وعاد إلى خراسان واتصل بالسلطان محمد بن تكش المعروف بخوارزم شاه، وحظي عنده ونال

стр. 833

أسمى المراتب، ولم يبلغ أحد منزلته عنده، ومناقبه أكثر من أن تعد، وفضائله لا تحصى ولا تحد، وكان مع هذه العلوم له شيء من النظم فمن ذلك قوله: نهاية إقدام العقول عقال … وأكثر سعي العالمين ضلال وأرواحنا في وحشة من جسومنا … وحاصل دنيانا أذى ووبال ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا … سوى أن جمعنا فيه قيل وقال وكم قد رأينا من رجال ودولة … فبادوا جميعًا مسرعين وزالوا وكم من جبال قد علت شرفاتها … رجال فزالوا والجبال جبال وكان العلماء يقصدونه من البلاد ويشد إليه الرحال من الأقطار. وذكر فخر الدين في كتابه الذي سماه "تحصيل الحق" أنه اشتغل في علم الأصول على والده ضياء الدين عمر، ووالده على ابن القاسم سليمان بن ناصر الأنصاري، وهو على أيام الحرمين، وهو على الأستاذ أبي إسحاق الإسفرابيني، وهو على الشيخ أبي الحسن الباهلي، وهو على شيخ السنة أبي على بن إسماعيل الأشعري، وهو على أبي على الجبائي أولا، ثم رجع عن مذهبه ونصر مذهب أهل السنة والجماعة. وأما اشتغاله في المذهب فإنه اشتغل على والده، ووالده على أبي محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي، وهو على القاضي الحسين المروزي، وهو على أبي العباس بن شريح، وهو على أبي القاسم الأنماطى، وهو على أبي إبراهيم المزني، وهو على الإمام الشافعي ﵁. وقال ابن كثير (١): وقد كان فخر الدين معظم عند الملوك الخوارزمية وغيرهم، وبنيت له مدارس كثيرة في بلدان شتى، وملك من الذهب العين ثمانين ألف دينار وغير ذلك من الأمتعة والمراكب والملابس، وكان له خمسون مملوكًا من الترك، وكان يعقد مجلس الوعظ فيحضر عنده الملوك والوزراء والعلماء والأمراء والفقراء والعامة والغوغاء، وكانت له عبادات وأوراد، وقد وقع بينه وبين الكرامية في أوقات شتى، وكان يبغضهم وكانوا يبغضونه، ويبالغ في ذمهم ويبالغون في الحط عليه، وقد ذكرنا طرفًا من ذلك فيما تقدم. وكان مع غزارة علمه وتبحره في فمن الكلام يقول: من التزم مذهب

стр. 834

العجائز (١) كان هو الفائز. وقال الشيخ شهاب الدين في الذيل (٢) في ترجمته: وكان يعظ وينال من الكرامية وينالون منه سبًا وتكفيرًا، وقيل: إنهم دسوا عليه من سقاه السم فمات، ففرحوا بموته، وكانوا يرمونه بالكبائر، ولا كلام في فضله وإنما الشناعات عليه قائمة بأشياء منها: إنه كان يقول: قال: محمد التازي يعني العربي (٣)، وقال محمد الرازي يعني نفسه. ومنها: إنه كان يقرر الشُّبَه في جهة الخصوم بعبارات كثيرة ويجيب عن ذلك بأدني إشارة. قال: وبلغني إنه خلَّف من الذهب العين ثمانين ألف دينار غير ما كان يملكه من الدواب والثياب والعقار والآلات، وخلف ولدين أخذ كل واحد منهما أربعين ألف دينار، وكان ابنه الأكبر قد تجند في حياته وخدم السلطان محمد بن ت كش، وقال ابن خلكان (٤): وكانت ولادة فخر الدين في الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة أربع وأربعين، وقيل سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة بالرِّيّ، وتوفي يوم الإثنين، وكان عيد الفطر سنة ست وستمائة بمدينة هراة، ودفن آخر النهار في الجبل المصاقب لقرية مزداخان، بضم الميم وسكون الزاي وفتح الدال المهملة وبعد الألف خاء معجمة مفتوحة وبعد الألف نون، وهي قرية بالقرب من هراة. الإمام فخر الدين أبو الفضائل محمد بن عمر الرازي، أحد الأعيان الحنفية، مات في هذه السنة فإنه وافق فخر الدين الرازي الشافعي في الاسم واسم الأب والنسبة والمعاصرة والوفاة. المجد المطرّزي النحوى الخوارزمي، كان إمامًا في النحو، وله فيه تصانيف حسنة. قال ابن الأثير (٥): مات في هذه السنة. الملك المؤيد نجم الدين مسعود بن السلطان صلاح الدين يوسف، توفي في هذه السنة بمدينة رأس عين، فحمل إلى حلب ودفن بها. وفي تاريخ بيبرس (٦): وهو

стр. 835

أخو الظاهر غازي صاحب حلب شقيقه، مات فجأة برأس العين وحمل إلى حلب، وقال أبو شامة (١): توفي برأس عين عند منصرفه من رسالة [٣٢٥] أخيه الظاهر إلى عمه العادل في أمر سنجار في النصف من شعبان، وكان قد نام في بيت مع ثلاثة وعندهم منقل (٢) فيه نار، ولا منفذ في البيت، فانعكس البخار فأخذ على أنفاسهم فماتوا جميعًا، فحمل المؤيد في محفة إلى حلب فدفن بها، وقال ابن الحلى يرثيه في قصيدة: ترى من على نفس العلى جار واعتدى … وفَوَّق نحو الملك سهمًا مسددًا ومن هَدّ ركن المجد بعد بنائه … ومد إلى تشتيت شمل الهدي يدا من دكدك الطود الأشم وقد رسى … وطار إلى أن جاز نسرًا وفرقدًا ومن حجب البدرَ الذي كان مشرقا … ومن غَيّض البحر الذي كان مزبدًا ومن حبس الغيث الذي كان نوؤه … إذا عم جدبًا لا تقب له يدا فيا مانع الإسلام صبرًا فإنما … بصبرك في كل المواطن يقتدى ولو كان غير الموت دافعت دونه … بطعن يردّ السمهري مقصدًا وغادرت جفن الأفق بالسمر أو طفا … وحد المواضي بالنجيع مزرّدا ولكنه دهر إذا ما نعيمه تحول … بأسًا هدّ ما كان شيدا وهي قصيدة طويلة. الملك المغيث فتح الدين عمر بن الملك العادل. مات في هذه السنة، ودفن بتربة أخيه الملك المعظم بسفح قاسيون.

стр. 836

فصل فيما وقع من الحوادث في السنة السابعة بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله، والسلطان الملك العادل في الشرق، وتمالت (١) عليه ملوك الجزيرة صاحب الموصل، وصاحب سنجار، وصاحب إربل، وكذا الملك الظاهر صاحب حلب، وملك الروم أيضًا وغيرهم، على مخالفة الملك العادل ومنابذته ومعاملته وإقلاع المُلك من يده، وأن تكون الخطبة في بلادهم بدله للملك كيخسرو شاه بن قليج أرسلان السلجوقي صاحب الروم. وأرسلوا إلى الكرج لِيَقْدموا لحصار خلاط وأخذها من يد الملك الأوحد نجم الدين أيوب بن الملك العادل، ووعدوه النصر والمعاونة عليه. فأقبلت الكرج مع ملكهم على مانذكره عن قريب، وخرج كل واحد من الملوك المذكورين بعساكره إلى حدود بلاده، مُجمعًا على الاجتماع بصاحبه على قصد الملك العادل، وإيجافهم عليه بخيلهم ورجلهم وكتبهم ورسلهم، والملك العادل مقيم ثابت بظاهر حران، وعنده صهره صاحب آمد بن قرا أرسلان. ونزل الكرج على خلاط سابع عشر ربيع الآخر، وجرى عليهم ما نذكره من الكسر والانهزام، فلما عَلِمَ بذلك هؤلاء الملوك تفرقت آراؤهم وبادر كل منهم بالرسل إلى الملك العادل يتنصل مما يُنسَب إليه وتحيل على غيره، ويبذل الطاعة. فقبل أعذارهم وعقد معهم صلحًا في جمادى الأولى، ثم عاد الملك العادل من البلاد الشرقية إلى دمشق. وتقرر الصلح أيضًا بينه وبين ابن أخيه الملك الظاهر صاحب حلب. وفي ثاني شعبان كان إملاك نور الدين أرسلان شاه صاحب الموصل على ابنة الملك العادل، وعُقد العقد بقلعة دمشق، على صداق ثلاثين ألف دينار. ثم وصل الخبر بوفاة نور الدين هذا بالموصل في آخر رجب، وقام ولده عز الدين مسعود بالأمر، وكان العقد مع وكيله بعد موته ولم يعلم بذلك، ثم سار [٣٢٦] الملك العادل إلى الديار المصرية وأقام بدار الوزارة.

стр. 837

ذكر مجيء الكرج إلى خلاط قد ذكرنا أن ملوك (١) الجزيرة لما اتفقوا على العصيان على الملك العادل أرسلوا إلى الكرج ليتقدموا ويحاصروا خلاط ويأخذوها من الملك الأوحد بن العادل، وكان قصدهم إشغال العادل وتفريق شمله، فأقبلت الكرج مع ملكهم إيوان (٢) فحاصروا خلاط فضاق بهم ذرعًا، وقدر الله أن في يوم الإثنين تاسع عشر ربيع الآخر اشتد حصارهم للبلد، وأقبل ملكهم إيواني وهو راكب على جواده، وهو سكران، فسقط به جواده في بعض الحفر التي عُملت مكيدة حول البلد، فبادر إليه رجال من البلد فأخذوه أسيرًا حقيرًا، فأسقط في أيدي الكرج. فلما أوقف بين يدي الملك الأوحد أطلقه وَمَنَّ عليه وأكرمه وأحسن إليه، وفاداه على مائتي (٣) ألف دينار وألفي أسير من المسلمين، وتسليم إحدى وعشرين قلعة متاخمة لبلاد الأوحد. وأن يزوج ابنته من أخيه الملك الأشرف موسى وأن يكونوا عونًا له على مَنْ حاربه. فأجابه إلى ذلك كله، وأُخذَتْ الأيمان منه بذلك. فبعث الأوحد إلى أبيه العادل يستأذنه في ذلك كله، والعادل نازل بأرض حران - كما ذكرنا - وهو في أشد حيرة فيما قد دهمه من الأمر الفظيع، فبينما هو كذلك إذ أتاه هذا الأمر الهائل والتدبير من عزيز حكيم لم يكن في باله ولا في حسابه، فكاد يذهل فرحًا وسرورًا، وأجاز جميع ما فعله ولده. وطارت الأخبار بما وقع بين الملوك، فخضعوا وذُلوا كما ذكرنا الآن. ووفي ملك الكرج للملك الأوحد بجميع ما شارطه عليه، وتزوج الأشرف بابنته. وقال أبو شامة (٤): وخفت الكرج على خلاط بين الصلاتين من يوم الإثنين تاسع عشر ربيع الآخر، وقدر الله وقوع مقدمهم إيواني بفرسه في حفرة بالربض وهو سكران فأُخِذَ أسيرًا، وعَرَفَه ياقوت الخادم الملطى فحمله إلى الأوحد، فأكرمه وخلع عليه، وأمر الكرج بالرحيل عن خلاط فرحلوا من ساعتهم نحو بلادهم، ولم يجسروا على مخالفته، ولا تعرضوا لقرية من عملها

стр. 838

بإذنه. وقد كان مَنْ بخلاط أيقن بذهاب الأنفس والأموال، فدفع الله عنهم، ثم جرى ما ذكرنا حتى أَطلَقَ الأوحدُ ملك الكرج في ثاني عشر جمادى الأخرى. قال ابن تاج الأمناء: ومن أعجب ما سمعته في هذه القصة أن إيواني لما نزل بخلاط قال له منجمه في بكرة يومه: إنك ستدخل إلى قلعة خلاط قريب العصر من يومك في زي غير زيك، فتخيل قوله في نفسه وشرب، فلما سكر ذكر قول المنجم وكان قسيسه، فركب لوقته وزحف، فكان من أمره ما قدر الله تعالى، وأدخل القلعة وقت العصر أسيرًا لابسًا خلعة الأوحد. وفي تاريخ المؤيد (١): واتفق أن ملك الكرج شرب وسكر، فَحَسَّن له السكر أن تقدم إلى خلاط في عشرين فارسًا، وخرج (٢) إليه المسلمون فتقنطر وأخذ أسيرًا وحمل إلى الأوحد، فَرَدَّ عليه عدة قلاع، وبذل إطلاق خمسة آلاف أسير، ومائة ألف دينار، وعقد الهدنة مع المسلمين ثلاثين سنة. فتسلم ذلك كله منه، وأقام وتحالفًا، ثم أطلقه فخرج. ذكر عصيان سنجر الخليفتي بخوزستان (٣) وذلك أن الخليفة الناصر لدين الله كان قد ولاه إياها بعد طاشتكين أمير الحاج فتغير عن الطاعة، وأبطن التغلب على البلاد [٣٢٧]، وبقى الأمر كذلك، فأمر الخليفة مؤيد الدين نائب الوزارة وعز الدين نجاح الشرابي بالمسير إليه بالعساكر وإخراجه عن خوزستان، فسارا في عسكر كثيرة، فلما تحقق سنجر قصدهم إليه لحق بصاحب شيراز وهو سعد بن دكلا ملتجئًا إليه فأكرمه وقام دونه، ووصل عسكر الخليفة إلى خوزستان بغير ممانعة فلما استقروا في البلاد راسلوا سنجرا يدعونه إلى الطاعة فلم يجب، فساروا إلى أرجان (٤) عازمين علي قصد صاحب شيراز فأدركهم الشتاء وأقاموا شهورًا والرسل متردده بينهم فلم يجبهم. فلما دخل شهر شوال رحلوا يريدون شيراز، فحينئذ أرسل صاحبها إلى الوزير والشرابي يشفع فيه ويطلب العهد له على أن لا يؤذي فأجاباه إلى ذلك وسلمه إليهما هو

стр. 839

وماله وأهله، فعادوا إلى بغداد والوزير والشرابي وسنجر معهم تحت الاستظهار، وولي الخليفة بلاد خوزستان مملوكه ياقوت، وخرج أهل بغداد إلى تلقى الوزير والشرابي وأدخل سنجر راكبًا بغلًا بإلحاف وفي رجله سلسلتان، ثم أن الناصر لدين الله عفي عنه وأمر له بالخلع فلبسها وعاد إلى داره. ونهب سعد صاحب شيراز أموال سنجر وخزائنه ودوابه وكل ماله وما لأصحابه، وطلب الوزير والشرابي ماله منه فأرسل شيئًا يسيرًا والله أعلم. (١) ذكر فساد الفرنج ببلاد القدس خرجت جماعة بينهم وعاثوا بنواحي القدس الشريف، فبرز إليهم الملك المعظم ابن الملك العادل في عساكره، فقتل منهم خلقًا كثيرًا وخرب من بلادهم أماكن كثيرة، وغنمت العساكر غنيمة وافرة، وعادوا سالمين، وشرع المعظم في تحصين جبل الطور وبناء قلعة فيه ليكون ثغرًا على الفرنج، فغرم أموالًا كثيرة في ذلك وبعث الفرنج إلى الملك العادل وطلبوا منه الأمان والمصالحة فهادنهم، وبطلت تلك العمارة وضاع ما كان غرم عليها. وقال السبط (٢) في المرآة: وفي هذه السنة خرجت من دمشق إلى نابلس إلى الغزاة، وكان الملك المعظم عيسى ﵀ بها فجلست بجامع دمشق يوم السبت خامس ربيع الأول، وكان الناس من باب المشهد الذي لزين العابدين إلى باب الناطفانيين وإلى باب الساعات، وكان القيام في الصحن أكثر بحيث امتلأ جامع دمشق وحزروا ثلاثين ألفًا، وكان يومًا لم ير بدمشق مثله ولا بغيرها، وكان قد اجتمع عندي شعور كثيرة، وقد وقفت على حكاية أبي قدامة الشامي مع تلك المرأة التي قطعت شعرها وبعثت به إليه، وقالت: اجعله قيدًا لفرسك في سبيل الله، فعملتُ من الشعور التي اجتمعت عندي شُكْلًا للخيل المرصدة للمجاهدين وكوفسارات (٣) ولما صعدت المنبر أمرت بإحضارها، فحملت على أعناق الرجال، وكانت ثلثمائة شكال، فلما رآها الناس صاحوا صيحة عظيمة وقطعوا مثلها وقامت القيامة، وكان المُبارز المعتمد إبراهيم -رحمه

стр. 840

الله - والي دمشق حاضرًا وجميع الأعيان. فلما نزلت من المنبر [قام المبارز] (١) يطرق لي ويمشي بين يدي إلى باب الناطفانيين (٢)، فتقدم إلى فرسى فأمسك بركأبي وأركبني وخرجنا من باب الفرج إلى المصلى، وجميع من كان بالجامع بين يدي، وسرنا من الغد إلى الكسوة ومعنا خلق مثل التراب، وكان معنا من قرية واحدة يقال لها زملكًا من قري [٣٢٨] دمشق نحو ثلثمائة رجل بالعدد والسلاح، وأما من غيرها فخلق كثير، والكل خرجوا احتسايًا، وجئنا إلى عقبة فيق والطير لا تقدر أن تطير من خوف الفرنج، فسرنا على الجادة إلى نابلس ووصلت أخبارنا إلى عكا، وخرج المعظم فالتقانا وسر بنا، وجلست بجامع نابلس وحضروا وأحضرنا الشعور أيضًا فأخذها وجعلها على [صدره] (٣) ووجهه وجعل يبكي، وكان يومًا عظيمًا، ولم أكن اجتمعت به قبل ذلك اليوم، وخدمنا وأكرمنا وخرجنا إلى نحو بلاد الإفرنج، فخربنا وقطعنا أشجارهم وأسرنا جماعة وقتلنا جماعة ولم يتجاسروا أن يخرجوا من عكا، فأقمنا أيامًا ثم عدنا سالمين غانمين إلى الطور المطل على الناصرة والمعظم معنا، فقال: أريد أن أبني عليه قلعة. وطلب أخاه الملك الأشرف وعساكر الشرق وحلب وشرع في عمارة الطور، وأقام العسكر تحته من ذي الحجة من هذه السنة إلى سنة ثمان وستمائة، فكمل سوره ودار واستوى، وخاف الفرنج فأرسلوا إلى العادل فصالحهم وأعطى للعساكر دستورا فتفرقوا، وأقام المعظم يعمر الطور إلى قبيل وفاة العادل ولا يحصى ما عزم عليه. (٤) ذكر بقية الحوادث منها: إنه وردت رسل الخليفة الناصر لدين الله إلى ملوك الأطراف أن يشربوا له كأس الفتوة ويلبسوا لها سراويلها، وأن ينتسبوا إليه في رمي البندق (٥) ويجعلوه قدوتهم.

стр. 841

فيه، وكلهم فعل ذلك إلا رجلاً واحداً وخرج من البلاد لأجل ذلك (١) وقال أبو شامة (٢): وفيها أظهر الخليفة الأجازة التي أخذت له من الشيوخ وذكرهم في كتاب روح العارفين، ودفع إلى كل أهل مذهب أجازة عليها مكتوب بخطه أمرنا لهم ما سألوه على شرط الأجازة الصحيحة، وكتب العبد الفقير إلى الله تعالى أبو العباس أحمد أمير المؤمنين، وسلمت أجازة أصحاب الشافعي إلى ضياء الدين عبد الوهاب بن سكينة؛ وأجازة أصحاب أبي حنيفة ﵁ إلى الضياء أحمد بن مسعود التركستاني، وأجازة أصحاب أحمد إلى أبي صالح نصر بن عبد الرزاق بن الشيخ عبد القادر، وأجازة أصحاب مالك إلى التقى على ابن جابر التاجر المغربي. ومنها: (٣) إن في حادي عشر شوال جددت أبواب الجامع من ناحية باب البريد بالنحاس الأصفر وركبت في أماكنها. وفي شوال أيضاً شرع في إصلاح الفوارة والشاذروان والبركة وعمل عندها مسجدًا وجعل له إمام راتب، وأول من تولاه رجل يقال له النفيس المصري، وكان يقال له بوق الجامع لطيب صوته، وكان إذا قرأ على الشيخ أبي منصور الضرير المُصدر يجتمع عليه الناس. ومنها (٤): إن في العشر الأخير من ذي الحجة توجه البال القبرسى لعنه الله في مراكب من عكا إلى الديار المصرية، فوصل إلى ساحل دمياط ليلاً فأرسي غربيّها، وسلك في البر بخيله ورجله إلى القرية المعروفة ببورة، وهي على ساحل النيل، فكبسها سحراً وسبي أهلها وحاز ذخائرها، وعاد على أثره في بقية يومه إلى مراكبه، وبلغ والي دمياط خبره فبادر الرجال إليه، فالتقاه قد حصل بظهر البحر في مراكبه وامتنع على طالبه ووصل بالأسرى والغنائم إلى عكا، وقد نال بفعلته هذه والتي قبلها توبة فوه من الديار المصرية في سنة ستمائة ما لم ينله أحد من الفرنج قبله ولا أقدم إقدامه. وفيها ................................... (٥)

стр. 842

وفيها حج بالناس من العراق محمد بن ياقوت نيابة عن والده ياقوت، وكان صبياً ومعه ابن أبي الجيلى (١)، وحج بالناس من الشام سيف الدين على بن علم الدين سليمان ابن جندر، وكان قدم من حلب لذلك، واحتفل الناس له. ذكر من توفي فيها من الأعيان الشيخ أبو عمر (٢) محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة، باني المدرسة التي يقرأ فيها القرآن بسفح جبل قاسيون، وهو أخو الإمام العلامة موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة. وكان الشيخ أبو عمر أسن منه لأنه ولد سنة ثمان وعشرين وخمسمائة بقرية السَّاويا من أعمال نابلس، وقيل: بجماعيل (٣)، وهو الذي ربي الشيخ الموفق وأحسن إليه وزوجه، وكان يقوم بمصالحه، وهو الذي قدم به وبأهله من تلك البلاد، فنزلوا بمسجد أبي صالح بالباب الشرقي من دمشق، فأقاموا به مدة ثم انتقلوا منه إلى سفح قاسيون، وليس به من العمارة سوى دير الحوراني وأماكن يسيرة. قال الشيخ: فقيل لنا الصالحية فنسبونا إلى مسجد أبي صالح لأننا صالحون. وقال سبط (٤) ابن الجوزي في تاريخه المرآة: وكان الشيخ معتدل القامة، حسن الوجه، عليه أنوار العبادة، لا يزال متبسماً، نحيل الجسم من كثرة الصيام والقيام، قرأ القرآن بحرف أبي عمرو، وحفظ مختصر الخرقي في الفقه، وقرأ النحو على ابن بري بمصر، وسمع الحديث بدمشق ومصر، واشتغل بالعبادة عن الرواية، وكتب الحلية لأبي نعيم، وتفسير البغوي والمغني لأخيه الموفق، والإبانة لابن بطة، ومصاحف كثيرة للناس ولأهله وكتباً كثيرة، والكل بغير أجرة، وكان يصوم الدهر إلَّا من عذر، ويقوم الليل من صغره، ويحافظ على الصلوات في الجماعات، ويخرج من ثلث الليل إلى المسجد في الظلمة فيصلي إلى الفجر، ويقرأ في كل يوم سبعاً من القرآن بين الظهر والعصر، ويقرأ بعد العشاء الآخرة آيات الحرس، ويس، وتبارك والواقعة، والمعوذتين، وقل هو الله أحد. وإذا ارتفعت الشمس لقن الناس القرآن إلى وقت الضحى، ثم يقوم فيصلي الضحى ثمان ركعات ويقرأ قل هو الله أحد

стр. 843

ألف مرة، ويزور المقابر بعد العصر في كل جمعة، ويصعد يوم الإثنين والخميس إلى مغارة الدم (١) ماشياً بالقبقاب (٢) فيصلي فيها ما بين الظهر والعصر، وإذا نزل جمع الشيح (٣) من الجبل وربطه بحبل وحمله إلى بيوت الأرامل واليتامى، ويحمل في الليل إليهم الدراهم والدقيق ولا يعرفونه، ولا ينام إلَّا على طهارة، ومتى فتح له شيء من الدنيا آثر به أقاربه وغيرهم، ويتصدق بثيابه، وربما خرج في الشتاء وعلى جسده جبة بغير ثوب، ويبقى مدة طويلة بغير سراويل وعمامته قطعة من بطانة، فإن احتاج أحد إلى خرقة أو مات صغير يحتاج إلى كفن قطع له منها قطعة، وكان ينام على الحصير ويأكل خبز الشعير وثوبه خام إلى أنصاف ساقية، وما نهى أحداً ولا أوجع قلب أحد. ولما نزل صلاح الدين على القدس كان هو وأخوه الموفق والجماعة في خيمته، فجاء العادل إلى زيارته وهو في الصلاة فما قطعها ولا التفت ولا نزل ورده، وكان يصعد المنبر في الجبل وعليه ثوب خام مهدول الجيب وفي يده عصى، والمنبر [٣٣٠] يومئذ ثلاث مراقي. وكان هو وأخوه وابن خالهم عبد الغني، وأخوه الشيخ عماد لا ينقطعون عن غزاة يخرج فيها السلطان صلاح الدين إلى بلاد الإفرنج. وقد حضروا معه فتح القدس الشريف. وهو الذي شرع في بناء الجامع أولاً، بناه رجل من الناس، فنفذ ما كان بيده، وقد ارتفع البناء قامة، فبعث صاحب إربل الملك المظفر مالاً فكمل به، وولي خطابته الشيخ أبو عمر. وقد حكى السبط (٤): إنه حضر يوماً عنده الجمعة، وكان الشيخ عبد الله اليوناني (٥) حاضراً هناك. فلما انتهى الشيخ أبو عمر إلى الدعاء للسلطان قال: اللهم أصلح عبدك الملك العادل سيف الدين أبا بكر بن أيوب. نهض الشيخ عبد الله وترك الجمعة. قال: فلما فرغنا ذهبت إليه فقلت: ماذا نقمت عليه؟ فقال: يقول لهذا الظالم العادل. ولا تحل خلفه الصلاة. فقلت في نفسي: إذا كانت الصلاة خلف أبي عمر لا تصح فياليت شعري خلف من تصح! قال: فبينما نحن في الحديث إذا أقبل الشيخ أبو عمر ومعه رغيف

стр. 844

وخيارتان فكسر ذلك وقال الصلاة، ثم قال: قال النبي ﷺ : بعثت (١) في زمن الملك العادل كسرى، فتبسم الشيخ عبد الله ومد يده فأكل، فلما قام الشيخ أبو عمر قال لي: ياسيدي ماذا إلَّا رجل صالح. وقال أبو شامة (٢): كان الشيخ عبد الله من الصالحين الكبار، وقد رأيته، وكانت وفاته بعد أبي عمر بعشر سنين، فلم يسامح الشيخ أبا عمر في تساهله مع ورعه، ولعله كان مسافراً [فلم تكن الجمعة واجبة عليه] (٣)، وعذر الشيخ أبي عمر أن هذا جرى مجري الأعلام العادل، الكامل، الأشرف، كما يقال سالم وغانم ومسعود ومحمود، وقد يكون المسمى بذلك على الضد من هذه الأسماء، وكذلك إطلاق العادل ونحوه على أنه قد جاء إطلاقة على الشرك فهذا أولى. (٤) وقال ابن كثير: (٥) هذا الحديث الذي احتج به الشيخ أبو عمر لا أصل له وليس هو في شيء من الكتب المشهورة، وعجباً له ولأبي المظفر يعني سبط ابن الجوزي ثم لأبي شامة في قبول مثل هذا الحديث، وأخذه منه مسلماً. وقال السبط: مرض الشيخ أبو عمر أياماً فلم يترك شيئًا مما كان يعمله من الأوراد حتى كانت وفاته وقت السحر ليلة الثلاثاء التاسع والعشرين من ربيع الأول، فغسل بالدير وحمل إلى مقبرته في خلق كثير لا يعلمهم إلَّا الله ، ولم يبق أحد من الدولة والأمراء والعلماء والقضاة وغيرهم إلَّا حضر، وكان يوماً مشهوداً، وكان الحر شديداً فأظلت الناس سحابة من الحر كان يسمع منها كدوى النحل، وكاد الناس ينتهبون أكفانه لولا أن الوالي وأصحابه بالسيوف المسلولة والدبابيس دونه لأخذ الناس أكفانه. وقال أبو شامة (٦): ومن وصل إلى الماء الذي غسل به نشف به النساء مقانعهن والرجال عمائمهم. قال: ولما دفن رأى بعض الصالحين في منامه تلك الليلة النبي ﷺ وهو يقول: من زار أبا عمر

стр. 845

ليلة الجمعة فكأنما رأى الكعبة، فاخلعوا نعالكم قبل أن تصلوا إليه. ومات عن ثمانين سنة، ولم يخلف ديناراً ولا درهماً ولا قليلاً ولا كثيراً، وكان له من الأولاد الذكور: عمر والد أحمد بن عمر وبه كني أبو عمر، والشرف عبد الله والد العز، وأحمد، وعبد الرحمن. قال: وكانت له بنات تائبات عابدات سائحات. وقال: وقبره في طريق مغارة الجوع في الزقاق المقابل لدير الحوراني على يمين المار إلى المغارة، وإلى جانبه قبر أبيه الشيخ [٣٣١] أحمد ﵀. وما رثي به قول محمد بن سعد المقدسي: أبعد أن فقدت عينى أبا عمر … يضمني في بقايا العمر عمران ما للمساجد منه اليوم مقفرة … كأنها بعد ذاك الجمع قيعان ما للمحاريب بعد الأنس مُوحَشة … كأن لم يُتل فيها الدهر قرآنُ تبكي عليه عيون الناس قاطبة … إذ كان في كل عين منه إنسان وكان في كل قلب منه نور هدي … فصار في كل قلب منه نيرانُ وكل حي رأينا فهو ذو أسف … وكل ميت رآه فهر فرحانُ لازال تَسْقى ضريحاً أنت ساكنه … سحائب غيثها عفو وغفرانُ كم ميت ذكره حي ومتصف … بالحي ميت له الأثواب أكفانُ وقال السبط: (١) وروى لنا الحديث وعلمني دعاء السنة، فقال: مازال مشايخنا يواظبون على هذا الدعاء في أول كل سنة وأخرها، فأما أول السنة فإنك تقول: اللهم أنت الأبدي القديم، وهذه سنة جديدة أسألك فيها العصمة من الشيطان وأوليائه، والعون على هذه النفس الأمارة بالسوء والاشتغال بما يقربني إليك يا ذا الجلال والإكرام. فإن الشيطان يقول: قد أيسنا من نفسه فيما بقي، ويوكل الله به ملكين يحرسانه. وأما دعاء آخر السنة فإنك تقول في آخر يوم من أيام السنة: اللهم ما عملت في هذه السنة مما نهيتني عنه ولم ترضه ولم تنسه، وحَمَلتَ عنى بعد قدرتك على عقوبتي، ودعوتني إلى التوبة من بعد جرأتي على معصيتك، فإني أستغفرك فاغفر لي، وما عملت فيها مما ترضاه ووعدتني عليه الثواب فأسألك أن تتقبله مني، ولا تقطع رجائي منك يا كريم. فإن الشيطان يقول: تعبنا معه طول السنة فأفسد فعلنا في ساعة.
следующие страницы →