← История

История · id 380

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [565 - 628 هـ]

بدر الدين العيني

Полный текст (1 226 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

فيه، وكلهم فعل ذلك إلا رجلاً واحداً وخرج من البلاد لأجل ذلك (١) وقال أبو شامة (٢): وفيها أظهر الخليفة الأجازة التي أخذت له من الشيوخ وذكرهم في كتاب روح العارفين، ودفع إلى كل أهل مذهب أجازة عليها مكتوب بخطه أمرنا لهم ما سألوه على شرط الأجازة الصحيحة، وكتب العبد الفقير إلى الله تعالى أبو العباس أحمد أمير المؤمنين، وسلمت أجازة أصحاب الشافعي إلى ضياء الدين عبد الوهاب بن سكينة؛ وأجازة أصحاب أبي حنيفة ﵁ إلى الضياء أحمد بن مسعود التركستاني، وأجازة أصحاب أحمد إلى أبي صالح نصر بن عبد الرزاق بن الشيخ عبد القادر، وأجازة أصحاب مالك إلى التقى على ابن جابر التاجر المغربي. ومنها: (٣) إن في حادي عشر شوال جددت أبواب الجامع من ناحية باب البريد بالنحاس الأصفر وركبت في أماكنها. وفي شوال أيضاً شرع في إصلاح الفوارة والشاذروان والبركة وعمل عندها مسجدًا وجعل له إمام راتب، وأول من تولاه رجل يقال له النفيس المصري، وكان يقال له بوق الجامع لطيب صوته، وكان إذا قرأ على الشيخ أبي منصور الضرير المُصدر يجتمع عليه الناس. ومنها (٤): إن في العشر الأخير من ذي الحجة توجه البال القبرسى لعنه الله في مراكب من عكا إلى الديار المصرية، فوصل إلى ساحل دمياط ليلاً فأرسي غربيّها، وسلك في البر بخيله ورجله إلى القرية المعروفة ببورة، وهي على ساحل النيل، فكبسها سحراً وسبي أهلها وحاز ذخائرها، وعاد على أثره في بقية يومه إلى مراكبه، وبلغ والي دمياط خبره فبادر الرجال إليه، فالتقاه قد حصل بظهر البحر في مراكبه وامتنع على طالبه ووصل بالأسرى والغنائم إلى عكا، وقد نال بفعلته هذه والتي قبلها توبة فوه من الديار المصرية في سنة ستمائة ما لم ينله أحد من الفرنج قبله ولا أقدم إقدامه. وفيها ................................... (٥)

стр. 842

وفيها حج بالناس من العراق محمد بن ياقوت نيابة عن والده ياقوت، وكان صبياً ومعه ابن أبي الجيلى (١)، وحج بالناس من الشام سيف الدين على بن علم الدين سليمان ابن جندر، وكان قدم من حلب لذلك، واحتفل الناس له. ذكر من توفي فيها من الأعيان الشيخ أبو عمر (٢) محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة، باني المدرسة التي يقرأ فيها القرآن بسفح جبل قاسيون، وهو أخو الإمام العلامة موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة. وكان الشيخ أبو عمر أسن منه لأنه ولد سنة ثمان وعشرين وخمسمائة بقرية السَّاويا من أعمال نابلس، وقيل: بجماعيل (٣)، وهو الذي ربي الشيخ الموفق وأحسن إليه وزوجه، وكان يقوم بمصالحه، وهو الذي قدم به وبأهله من تلك البلاد، فنزلوا بمسجد أبي صالح بالباب الشرقي من دمشق، فأقاموا به مدة ثم انتقلوا منه إلى سفح قاسيون، وليس به من العمارة سوى دير الحوراني وأماكن يسيرة. قال الشيخ: فقيل لنا الصالحية فنسبونا إلى مسجد أبي صالح لأننا صالحون. وقال سبط (٤) ابن الجوزي في تاريخه المرآة: وكان الشيخ معتدل القامة، حسن الوجه، عليه أنوار العبادة، لا يزال متبسماً، نحيل الجسم من كثرة الصيام والقيام، قرأ القرآن بحرف أبي عمرو، وحفظ مختصر الخرقي في الفقه، وقرأ النحو على ابن بري بمصر، وسمع الحديث بدمشق ومصر، واشتغل بالعبادة عن الرواية، وكتب الحلية لأبي نعيم، وتفسير البغوي والمغني لأخيه الموفق، والإبانة لابن بطة، ومصاحف كثيرة للناس ولأهله وكتباً كثيرة، والكل بغير أجرة، وكان يصوم الدهر إلَّا من عذر، ويقوم الليل من صغره، ويحافظ على الصلوات في الجماعات، ويخرج من ثلث الليل إلى المسجد في الظلمة فيصلي إلى الفجر، ويقرأ في كل يوم سبعاً من القرآن بين الظهر والعصر، ويقرأ بعد العشاء الآخرة آيات الحرس، ويس، وتبارك والواقعة، والمعوذتين، وقل هو الله أحد. وإذا ارتفعت الشمس لقن الناس القرآن إلى وقت الضحى، ثم يقوم فيصلي الضحى ثمان ركعات ويقرأ قل هو الله أحد

стр. 843

ألف مرة، ويزور المقابر بعد العصر في كل جمعة، ويصعد يوم الإثنين والخميس إلى مغارة الدم (١) ماشياً بالقبقاب (٢) فيصلي فيها ما بين الظهر والعصر، وإذا نزل جمع الشيح (٣) من الجبل وربطه بحبل وحمله إلى بيوت الأرامل واليتامى، ويحمل في الليل إليهم الدراهم والدقيق ولا يعرفونه، ولا ينام إلَّا على طهارة، ومتى فتح له شيء من الدنيا آثر به أقاربه وغيرهم، ويتصدق بثيابه، وربما خرج في الشتاء وعلى جسده جبة بغير ثوب، ويبقى مدة طويلة بغير سراويل وعمامته قطعة من بطانة، فإن احتاج أحد إلى خرقة أو مات صغير يحتاج إلى كفن قطع له منها قطعة، وكان ينام على الحصير ويأكل خبز الشعير وثوبه خام إلى أنصاف ساقية، وما نهى أحداً ولا أوجع قلب أحد. ولما نزل صلاح الدين على القدس كان هو وأخوه الموفق والجماعة في خيمته، فجاء العادل إلى زيارته وهو في الصلاة فما قطعها ولا التفت ولا نزل ورده، وكان يصعد المنبر في الجبل وعليه ثوب خام مهدول الجيب وفي يده عصى، والمنبر [٣٣٠] يومئذ ثلاث مراقي. وكان هو وأخوه وابن خالهم عبد الغني، وأخوه الشيخ عماد لا ينقطعون عن غزاة يخرج فيها السلطان صلاح الدين إلى بلاد الإفرنج. وقد حضروا معه فتح القدس الشريف. وهو الذي شرع في بناء الجامع أولاً، بناه رجل من الناس، فنفذ ما كان بيده، وقد ارتفع البناء قامة، فبعث صاحب إربل الملك المظفر مالاً فكمل به، وولي خطابته الشيخ أبو عمر. وقد حكى السبط (٤): إنه حضر يوماً عنده الجمعة، وكان الشيخ عبد الله اليوناني (٥) حاضراً هناك. فلما انتهى الشيخ أبو عمر إلى الدعاء للسلطان قال: اللهم أصلح عبدك الملك العادل سيف الدين أبا بكر بن أيوب. نهض الشيخ عبد الله وترك الجمعة. قال: فلما فرغنا ذهبت إليه فقلت: ماذا نقمت عليه؟ فقال: يقول لهذا الظالم العادل. ولا تحل خلفه الصلاة. فقلت في نفسي: إذا كانت الصلاة خلف أبي عمر لا تصح فياليت شعري خلف من تصح! قال: فبينما نحن في الحديث إذا أقبل الشيخ أبو عمر ومعه رغيف

стр. 844

وخيارتان فكسر ذلك وقال الصلاة، ثم قال: قال النبي ﷺ : بعثت (١) في زمن الملك العادل كسرى، فتبسم الشيخ عبد الله ومد يده فأكل، فلما قام الشيخ أبو عمر قال لي: ياسيدي ماذا إلَّا رجل صالح. وقال أبو شامة (٢): كان الشيخ عبد الله من الصالحين الكبار، وقد رأيته، وكانت وفاته بعد أبي عمر بعشر سنين، فلم يسامح الشيخ أبا عمر في تساهله مع ورعه، ولعله كان مسافراً [فلم تكن الجمعة واجبة عليه] (٣)، وعذر الشيخ أبي عمر أن هذا جرى مجري الأعلام العادل، الكامل، الأشرف، كما يقال سالم وغانم ومسعود ومحمود، وقد يكون المسمى بذلك على الضد من هذه الأسماء، وكذلك إطلاق العادل ونحوه على أنه قد جاء إطلاقة على الشرك فهذا أولى. (٤) وقال ابن كثير: (٥) هذا الحديث الذي احتج به الشيخ أبو عمر لا أصل له وليس هو في شيء من الكتب المشهورة، وعجباً له ولأبي المظفر يعني سبط ابن الجوزي ثم لأبي شامة في قبول مثل هذا الحديث، وأخذه منه مسلماً. وقال السبط: مرض الشيخ أبو عمر أياماً فلم يترك شيئًا مما كان يعمله من الأوراد حتى كانت وفاته وقت السحر ليلة الثلاثاء التاسع والعشرين من ربيع الأول، فغسل بالدير وحمل إلى مقبرته في خلق كثير لا يعلمهم إلَّا الله ، ولم يبق أحد من الدولة والأمراء والعلماء والقضاة وغيرهم إلَّا حضر، وكان يوماً مشهوداً، وكان الحر شديداً فأظلت الناس سحابة من الحر كان يسمع منها كدوى النحل، وكاد الناس ينتهبون أكفانه لولا أن الوالي وأصحابه بالسيوف المسلولة والدبابيس دونه لأخذ الناس أكفانه. وقال أبو شامة (٦): ومن وصل إلى الماء الذي غسل به نشف به النساء مقانعهن والرجال عمائمهم. قال: ولما دفن رأى بعض الصالحين في منامه تلك الليلة النبي ﷺ وهو يقول: من زار أبا عمر

стр. 845

ليلة الجمعة فكأنما رأى الكعبة، فاخلعوا نعالكم قبل أن تصلوا إليه. ومات عن ثمانين سنة، ولم يخلف ديناراً ولا درهماً ولا قليلاً ولا كثيراً، وكان له من الأولاد الذكور: عمر والد أحمد بن عمر وبه كني أبو عمر، والشرف عبد الله والد العز، وأحمد، وعبد الرحمن. قال: وكانت له بنات تائبات عابدات سائحات. وقال: وقبره في طريق مغارة الجوع في الزقاق المقابل لدير الحوراني على يمين المار إلى المغارة، وإلى جانبه قبر أبيه الشيخ [٣٣١] أحمد ﵀. وما رثي به قول محمد بن سعد المقدسي: أبعد أن فقدت عينى أبا عمر … يضمني في بقايا العمر عمران ما للمساجد منه اليوم مقفرة … كأنها بعد ذاك الجمع قيعان ما للمحاريب بعد الأنس مُوحَشة … كأن لم يُتل فيها الدهر قرآنُ تبكي عليه عيون الناس قاطبة … إذ كان في كل عين منه إنسان وكان في كل قلب منه نور هدي … فصار في كل قلب منه نيرانُ وكل حي رأينا فهو ذو أسف … وكل ميت رآه فهر فرحانُ لازال تَسْقى ضريحاً أنت ساكنه … سحائب غيثها عفو وغفرانُ كم ميت ذكره حي ومتصف … بالحي ميت له الأثواب أكفانُ وقال السبط: (١) وروى لنا الحديث وعلمني دعاء السنة، فقال: مازال مشايخنا يواظبون على هذا الدعاء في أول كل سنة وأخرها، فأما أول السنة فإنك تقول: اللهم أنت الأبدي القديم، وهذه سنة جديدة أسألك فيها العصمة من الشيطان وأوليائه، والعون على هذه النفس الأمارة بالسوء والاشتغال بما يقربني إليك يا ذا الجلال والإكرام. فإن الشيطان يقول: قد أيسنا من نفسه فيما بقي، ويوكل الله به ملكين يحرسانه. وأما دعاء آخر السنة فإنك تقول في آخر يوم من أيام السنة: اللهم ما عملت في هذه السنة مما نهيتني عنه ولم ترضه ولم تنسه، وحَمَلتَ عنى بعد قدرتك على عقوبتي، ودعوتني إلى التوبة من بعد جرأتي على معصيتك، فإني أستغفرك فاغفر لي، وما عملت فيها مما ترضاه ووعدتني عليه الثواب فأسألك أن تتقبله مني، ولا تقطع رجائي منك يا كريم. فإن الشيطان يقول: تعبنا معه طول السنة فأفسد فعلنا في ساعة.

стр. 846

قال السبط: وأنشدني أبو عمر لنفسه. ألم يك ملهاة عن اللهو (١) أنني … بدا لي شيب الرأس والضعف والألم أَلمَّ بي الخطب الذي لو بكيته … حياتي حتى ينفد الدمع لم ألم وأنشدني لغيره: لي حيلة فيمن ينم … وليس في الكذاب حيلة من كان يخلق ما يقول … فحيلتي فيه قليلة ابن طبرزد شيخ الحديث: عمر بن محمد بن معمر بن يحيى، المعروف بأبي حفص بن طبرزد البغدادي الدارقَزِّي، ولد سنة عشر وخمسمائة، وسمع الكثير وأسمع، وكان [خليعا] (٢) ظريفاً ماجناً، وكان يؤدب الصبيان، وكان يُعلم الصبيان بدار القز (٣)، قدم مع حنبل بن عبد الله المكبر إلى دمشق فسمع أهلها عليهما وحصل لهما أموال، وعاد إلى بغداد، فمات حنبل في سنة ثلاث وستمائة وتأخر هو إلى هذه السنة فمات فيها، وله سبع وتسعون سنة، وترك مالاً جيداً، ولم يكن له وارث إلَّا بيت المال، ودفن بباب حرب ببغداد. ابن سكينة عبد الوهاب (٤) بن على بن على بن ضياء الدين أبو محمد: المعروف بابن سكينة الصوفي البغدادي، كان يعد من الأبدال، سمع الكثير وأسمعه ببلاد شتي، وكان مولده في سنة تسع عشرة وخمسمائة، وكان صاحباً للشيخ أبي الفرج بن الجوزى، ملازماً لمجلسه، وكان يوم جنازته مشهوداً لكثرة الخاصة والعامة، وكانت وفاته في ربيع الآخر، وصلى عليه بجامع [القصر] (٥) ودفن إلى جانب رباط الزوزني.

стр. 847

[٣٣٢] مظفر (١) بن شاشير الواعظ الصوفي البغدادي: ولد سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة، وسمع الحديث وكان يعظ في الأعزية، والمساجد والقرى، وكان ظريفاً مطبوعاً، وكان يسكن دار العميد عند الصوفية، فتوفي في محرم هذه السنة، ودفن عند قبر معروف الكرخي ﵀، سمع أبا الوقت (٢) وطبقته، واجتاز يوماً على قصاب يبيع لحماً هزيلاً والقصاب ينادي أين من حلف لا يغبن، فقال له ابن شاشير حتى تحنثه. وقال: خرجت يوماً إلى بعقوبا (٣) فتكلمت بها في الليل في جامعها، فقام واحد فقال: عندي نصفيه. وقال آخر: وعندي نصفيه. فعدوا نحو خمسين نصفيه. فقلت في نفسي: استغنيت الليلة. فلما أصبحنا وإذا في زاوية المسجد مقدار كارة شعير، فقلت: ماهذا؟ قالوا: النصافي كل كيل شعيرِ نصفيّة. قال: وجلست يوماً بباب جسرا فجمعوا شيئًا ما أعلم ما هو، فلما أصبحنا إذا في جانب المسجد صوف الجاموس وقرونه، فقام واحد ينادي عليه ويقول: من يشتري صوف الشيخ وقرونه؟ فقلت: ردوا صوفكم وقرونكم إليكم مالي بها حاجة. (٤) يحيى (٥) بن أبي الفتح بن الطباخ الحراني الضرير: قدم بغداد وأقام بها مدة يتفقه على مذهب أحمد بن حنبل ﵀، وسمع الحديث، وقرأ النحو على أبي البقاء العكبري وغيره، وعاد إلى حران فأقام بها إلى أن توفي، سمع شهدة وعبد الحق بن يوسف وابن الخشاب وغيرهم، وكان فقيراً صبوراً صالحاً. قال السبط: واجتزت بحران في سنة ثلاث وستمائة، وسمعت عليه الحديث.

стр. 848

الأمير فخر الدين جهاركس (١): مقدم الصلاحية وكبيرهم، توفي في هذه السنة بدمشق، ودفن بجبل الصالحية، وتربته مشهورة هناك، وهو الذي بني القيسارية (٢) المعروفة به بالقاهرة. وقال ابن خلكان: جهاركس بن عبد الله الناصري الصلاحي الملقب فخر الدين كان من كبراء أمراء الدولة الصلاحية، وكان كريماً نبيلاً رفيع القدر عالي الهمة، بني بالقاهرة القيسارية الكبيرة المنسوبة إليه، رأيت جماعة من التجار الذين طافوا البلاد يقولون: لم ير مثلها في شيء من البلاد في حسنها وعظمها وإحكام بنائها. وبنى بأعلاها مسجداً كبيراً وربعاً معلقاً. وجهاركس بكسر الجيم وفتح الهاء بعد الألف راء مهملة ثم كاف مفتوحة ثم سين مهملة، ومعناه بالعربي أربع أنفس. الملك الأوحد نجم الدين أيوب ابن الملك العادل بن أيوب صاحب أخلاط: توفي في هذه السنة، فسار أخوه الملك الأشرف وملك أخلاط، واستقل بملكها مضافاً إلى ما بيده من البلاد الشرقية، فعظم بشأنه ولقب شاهرمن. السلطان غياث الدين (٣) كيخسرو ابن قليج أرسلان السلجوقي: قتل في هذه السنة، قتله الملك الأشكري وملك بعده ابنه كيكأوس بن كيخسرو وقد تقدم الكلام فيه مستوفي في سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، فلينظر هناك. السلطان الملك العادل (٤) نور الدين أبو الحارث أرسلان شاه بن عز الدين مسعود ابن قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكي، صاحب الموصل، وهو ابن أخ الملك العادل نور الدين محمود الشهيد، وكان ملكاً شهماً عارفاً بالأمور، وانتقل إلى مذهب الإمام الشافعي ﵀، ولم يكن في بيته شافعي سواه، وبنى مدرسة للشافعية بالموصل قَلّ أن توجد مدرسة مثلها في حسنها، وتوفي ليلة الأحد التاسع والعشرين من رجب سنة سبع وستمائة في شبارة (٥) بالشط ظاهر الموصل. والشبارة عندهم هي الحراقة

стр. 849

بمصر، وكتم موته حتى دخل به إلى دار السلطنة بالموصل، ودفن بتربته [٣٣٣] التي بمدرسته المذكورة، وخلف ولدين: هما الملك القاهر عز الدين مسعود، والملك المنصور عماد الدين زنكي، وقام بالمملكة بعده ولده الملك القاهر، وهو أستاذ الأمير بدر الدين أبي الفضائل لؤلؤ الذي تغلب على الموصل في سنة ثلاثين وستمائة، في أواخر شهر رمضان كما سنذكره إن شاء الله تعالى. وفي تاريخ النويري: ملك السلطان أرسلان شاه المذكور الموصل سبع عشرة (١) سنة وأحد عشر شهراً، ولما مرض طال مرضه وانحدر إلى العين القيارة (٢) ليستحم بها، وعاد إلى الموصل في شَبَّارة، فتوفي في الطريق ليلاً. وقال بيبرس: مزاجه فسد بمرض طالت مدته، وكان شجاعاً ذا سياسة للرعايا، شديداً على أصحابه، فكانوا يخافونه خوفًا شديداً، مانعاً من تعدى بعضهم على بعض، وكان له عزم وسرعة حركة في طلب المقاصد إلَّا أنه لم يكن له صبر. وكان القيم بأمر مجاهد الدين قايماز وإليه تدبير دولته. وقال النويري: وكان أسمر حسن الوجه قد أسرع إليه الشيب، وكان كثير المروة شجاعاً مهيبًا، ولم يكن فيه ما يعاب به إلَّا قلة صبره في أموره، ولما توفي استقر في ملكه بعده ولده الملك القاهر عز الدين مسعود، وكان عمره عشر سنين، وقام بتدبير مملكته بدر الدين لؤلؤ مملوك والده أرسلان شاه، وكان أستاذ داره. وقال بيبرس: وحلف له الأمراء والجند، وأعطى أخاه عماد الدين زنكي بن نور الدين قلعة عقر الحميدية وقلعة شوش (٣) وولايتها، وكان نور الدين أوصى ولده وأمره أن يتولى تدبير أمره فتاه بدر الدين لؤلؤ لما رأى من عقله وسداده وحسن سياسته. (٤)

стр. 850

فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الثامنة بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله، والسلطان الملك العادل مخيم بعساكره على الطور، وابنه الملك المعظم مباشر لعمارة حصنه مجتهد في إدارته حوشًا، كذا قاله أبو شامة. وفي تاريخ ابن كثير: (١) وفيها عاد الملك العادل إلى الشام، وأعطى ولده المظفر غازي الرها مع ميافارقين. وفيها أرسل الملك الظاهر صاحب حلب بهاء الدين بن شداد إلى الملك العادل فاستعطف خاطره وخطب ابنته صفية خاتون ابنة الملك العادل، فزوجها من الملك الظاهر، وزال ما كان بينهما من الوحشة. وقال بيبرس: وفيها عاد الملك العادل من الشام إلى الديار المصرية وأرسل ابنته إلى الظاهر غازي إلى حلب صحبة القاضي شمس الدين بن المتنبي. وفيها قبض الملك المعظم عيسى بن العادل على ابن عز الدين أسامة صاحب قلعة كوكب وقلعة عجلون بأمر أبيه العادل، وحبسه بالكرك إلى أن مات بها، وحاصر الحصنين المذكورين وتسلمهما من غلمان أسامة، وأمر الملك العادل بتخريب كوكب وتعفية أثرها، فخربت وبقيت خراباً وأبقى عجلون، ومَلّك المعظم بلاد جهاركس وهي بانياس وتبنين والشقيف وهونين وقلعة أبي الحسن لأخيه الملك العزيز عماد الدين عثمان بن الملك العادل، وأعطى صرخد لمملوكه عز الدين أيبك المعظمى. وفيها ابتاع الملك الأشرف جوسق (٢) الرئيس بالنيرب (٣) من ابن عمه الظافر خضر بن صلاح الدين، وبناه بناء حسناً وهو المسمى في زماننا بالدهشة. وفيها أظهر الكيا جلال الدين حسن صاحب الألموت وهو ولد ابن الصباح شعائر الإسلام، وكتب به إلى جميع القلاع الإسماعيلية بالعجم والشام، فأقيمت فيها شعائر الإسلام (٤) [٣٣٤].

стр. 851

وقال ابن كثير (١): وفيها أظهرت الباطنية الإسلام وإقامة الحدود على من يتعاطى الحرام، وبنوا الجوامع والمساجد، وكتبوا إلى إخوانهم بالشام في مصياث وأمثالها بذلك، وكتب زعيمهم جلال الدين إلى الخليفة يعلمه بذلك، وقدمت أمه إلى بغداد حاجَّةً فأكرمت وعظمت بسبب ذلك، ولكن لما كان الناس بعرفات ظفر واحد منهم على قريب لأمير مكة قتادة الحسنى فقتله ظاناً أنه قتادة، فثارت فتنة عظيمة بين سُودان مكة وركب العراق، ونهب الركب وقتل منهم خلق كثير. وقال أبو شامة (٢): وفي هذه السنة نهب الحاج العراقي، وكانت ربيعة خاتون أخت الملك العادل في الحج، فلما كان يوم النحر بمني بعد ما رمى الناس الجمرة وثب شخص من الإسماعيلية على رجل شريف من بني عم قتادة أشبه الناس به وظن أنه إياه فقتله عند الجمرة، ويقال: إن الذي [كان] (٣) قتله مع أم جلال الدين وثار عبيد مكة [و] (٤) الأشراف وصعدوا على الجبلين وهللوا وكبروا وضربوا الناس بالحجارة والمقاليع والنشاب ونهبوا الناس يوم العيد والليلة واليوم الثاني، وقتل من الفريقين جماعة. وقال ابن أبي فراس لمحمد بن ياقوت أمير حاج العراق ارحلوا بنا إلى الزاهر منزلة الشاميين، فلما حصلت الأثقال على الجمال حمل قتادة أمير مكة والعبيد فأخذوا الجميع إلَّا القليل. وقال قتادة: ما كان المقصود إلَّا أنا. والله لا أبقيت من حاج العراق أحداً. وكانت ربيعة خاتون بالزاهر ومعها ابن السلار وأخو سياروج وحاج الشام، فجاء محمد بن ياقوت أمير الحاج العراقي فدخل خيمة ربيعة خاتون مستجيرًا بها. ومعه خاتون أم جلال الدين، فبعثت ربيعة خاتون مع ابن السلار إلى قتادة تقول له: ما ذنب الناس، قد قتلت القاتل وجعلت ذلك وسيلة إلى نهب المسلمين واستحللت الدماء في الشهر الحرام في الحرم والمال، وقد عرفت من نحن، والله لئن لم تنته لأفعلن ولأفعلن. فجاء إليه ابن السلار فخوفه وهدده، وقال: ارجع عن هذا وإلَّا قصدك الخليفة من العراق ونحن من الشام فكف عنهم، وطلب مائة ألف دينار، فجمعوا له ثلاثين ألفاً من أمير

стр. 852

الحاج العراقي ومن خاتون أم جلال الدين، وأقام الناس ثلاثة أيام حول خيمة ربيعة خاتون بين قتيل وجريح ومسلوب وجائع وعريان: وقال قتادة: ما فعل هذا إلَّا الخليفة، ولئن عاد قرب أحد من بغداد إلى هاهنا لأقتلن الجميع. ويقال: إنه أخذ من المال والمتاع وغيره ما قيمته ألف ألف دينار، وأذن للناس في الدخول إلى مكة، فدخل الأصحاء الأقوياء فطافوا وأي طواف، ومعظم الناس ما دخل ورحلوا إلى المدينة، ودخلوا بغداد على غاية من الفقر والذل والهوان، ولم ينتطح فيها عنزان. (١) وفيها كانت زلزلة شديدة هدمت بمصر والقاهرة دوراً كثيرة وكذلك بمدينة الكرك والشوبك، وهدمت من قلعتها أبراجاً، ومات خلق كثير من الصبيان والنسوان تحت الهدم، ورؤي دخان نازل من السماء إلى الأرض فيما بين المغرب والعشاء بنواحي أرض عاتكة ظاهر دمشق. وقال أبو شامة: كان ذلك في خامس عشر رمضان، وقال: كانت قوة الزلزلة من جهة أيلة مما يلي البحر، وقيل: إنه تقدمها بيوم ريح سوداء وتساقطت نجوم كثيرة. وقال أيضًا: كانت الزلزلة المذكورة في ليلة السابع والعشرين من ذي القعدة من هذه السنة. (٢) وفيها أمر الخليفة أن يقرأ مسند أحمد [٣٣٥] بن حنبل ﵀ بمشهد موسى بن جعفر بحضرة صفي الدين محمد بن سعد الموسوي بالإجازة عن الخليفة، وأول ما قرئ منه مسند أبي بكر الصديق ﵁ وحديث فدك (٣) وما جرى فيها. (٤) وفيها بعث الخليفة خاتمه إلى وجه السبع بالشام، وقد ذكرنا أنه قد كان هرب من بغداد إلى الشام، وبعث معه الملك العادل رسولاً، فأكرمه الخليفة وولى وجه السبع الكوفة أقطاعاً. (٥)

стр. 853

وفيها في شعبان قدم أيدغمش (١) من همذان إلى بغداد، وكان منكلي مملوك أزبك قد طرده من همدان، فاحتفل له الخليفة وأخرج جميع أرباب الدولة للقائه، وأقام له بالضيافات العظيمة. وقال بيبرس: وفيها قدم أيدغمش صاحب همذان وأصفهان والري وما بينهما من البلاد هارباً من منكلي؛ وسبب ذلك أن أيدغمش كان قد تمكن من البلاد وعظم شأنه وكثر عسكره حتى أنه حصر صاحبه أبا بكر بن البهلوان، فخرج عليه مملوك اسمه منكلي ونازعه في البلاد، وكثر أتباعه وأطاعه المماليك البهلوانية، وهرب منه أيدغمش إلى بغداد وأقام في بغداد إلى سنة عشر فسار عنها. (٢) وفيها (٣) توفيت والدة الملك الكامل ودفنت بجوار ضريح الإمام الشافعي، وبني عليها القبة التي هي الآن معروفة بالشافعي ﵀. وأجرى إلى المكان المذكور الماء من بركة الحبش (٤) بقناطر متصلة منها إليه، وأنفق على ذلك جملة كثيرة، ونقل الناس الأبنية من تلك القرافة [الكبرى] (٥) إلى هذه القرافة منذ ذلك الوقت. (٦) وفيها .................... (٧) وفيها حج بالناس من العراق محمد بن ياقوت نيابة عن أبيه ومعه ابن أبي فراس يثقفه ويديره. وحج من الشام الصمصام إسماعيل أخو سياروخ النجمي علي حاج دمشق وعلى حاج القدس الشجاع على بن السلار. وكانت ربيعة خاتون أخت الملك العادل قد حجت أيضًا في هذه السنة كما قد ذكرنا عن قريب. (٨) ذكر من توفي فيها من الأعيان ابن يونس: الشيخ عماد الدين محمد بن يونس، الفقيه الشافعي الموصلي، صاحب التصانيف والفنون الكثيرة، وكان رئيس الشافعية بالموصل، وبعث رسولاً إلى

стр. 854

بغداد بعد موت نور الدين أرسلان شاه، وكان عنده وسوسة كثيرة، ويقال: إنه كان يعامل في الأموال بمسألة العين (١) فلقيه قضيب البان فقال له: يا شيخ بلغني أنك تغسل أعضاءك بأباريق من الماء فلم لا تنظف اللقمة التي تأكلها؟! ففهم الشيخ ما أشار به إليه وترك المعاملة. وكانت وفاته بالموصل في رجب عن ثلاث وسبعين سنة. (٢) ابن حمدون (٣) تاج الدين أبو سعد الحسن بن محمد حمدون، صاحب التذكرة الحمدونية، كان فاضلاً بارعاً، اعتني بجميع الكتب بالخطوط المنسوبة وغيرها، وولاه الخليفة المارستان العضدي، وكانت وفاته بالمدائن، وحمل إلى مقابر قريش. البراوى الشيخ الكبير المعمر الرحلة أبو القاسم أبو بكر أبو الفتح منصور بن عبد المنعم بن عبد الله بن محمد بن الفضل البراوي النيسابوري، سمع أباه وجد أبيه وغيرهما وعن ابن الصلاح. وقال أبو شامة (٤): هو من أهل بيت الحديث رواية ودراية، ولد سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة في رمضان، وقدم بغداد حاجاً في سنة تسع وسبعين، وتوفي بنيسابور في شعبان من هذه السنة [٣٣٦] عن خمس وثمانين سنة. ابن سناء الملك (٥) القاضي السعيد أبو القاسم هبة الله بن القاضي الرشيد أبي الفضل جعفر بن سناء الملك، أبي عبد الله محمد بن هبة الله بن محمد السعدي، أحد الفضلاء الرؤساء، أخذ الحديث عن الحافظ أبي طاهر أحمد بن محمد بن أحمد السلفي الأصبهاني، وكان كثير التخصص والتنعم وافر السعادة، محظوظاً من الدنيا، اختصر كتاب الحيوان للجاحظ وسماه روح الحيوان، وله ديوان جميعه موشحات سماه دار الطراز. ومن محاسن شعره بيتان من جملة قصيدة يمدح بها القاضي الفاضل. وهما بيتان: ولو أبصر النظام جوهر ثغرها … لما شك في أنه الجوهر الفرد ومن قال إن الجيزرانة قدها … فقولوا له إياك أن يسمع القد

стр. 855

ومن شعره: لا الغصن يحكيك ولا الجؤذرُ (١) … حُسْنُكَ مما كثروا أكثرُ يا باسماً أبدى لنا ثغره … عقداً ولكن كلّه جوهرُ قال لي اللاحى: أما تسمعُ … فقلت: يا لاحى أما تبصر وله في غلام ضرب ثم حُبس: بنفسي من لم يضربوه لريبة … ولكن ليبدو الورد في سائر الغصنِ ولم يُودِعوه السجن إلَّا مخافة … من العين أن تعدو على ذلك الحسن وقالوا له شاركتَ في الحسن يوسفا … فشاركهُ أيضًا في الدخول إلى السجن وله أيضًا: وما كان تركي حبه عن ملامة (٢) … ولكن لقول (٣) يوجب القول بالترك أراد شريكاً في الذي هو بيننا … وإيمان قلبي قد نهاني عن الشرك وقال المؤيد: مدح توران شاه أخا السلطان صلاح الدين بقصيدة مطلعها: تقنعت لكن بالحبيب المعمم … وفارقت [لكنّ] (٤) كل عيش مذمم نصحن الفضلاء هذا المطلع وعابوه. وقال ابن خلكان (٥): توفي ابن سناء الملك في العشر الأول من رمضان من سنة ثمان وستمائة بالقاهرة، ومولده على التقدير في حدود سنة خمسين وخمسمائة. وتوفي والده جعفر يوم الثلاثاء خامس ذي الحجة من سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة، ومولده منتصف شعبان سنة خمس وعشرين وخمسمائة. مظفر (٦) البغدادي: كان يقول كان وكان. ومن قوله في امرأة عجوز:

стр. 856

مع (١) الكبر ما تقلع ضرس الصبا من ضرسها … وكل ضرس فيها (٢) من الكبر مقلوع وقد عزل ناظرها وقد علقنا بأنها … وصار ذاك الراتب من جانبي مقطوع قولوا لها لا تسألي طبيباً عن مرض … الكبر ذي علة ضاع فيها علاج بختيشوع المعين (٣) عبد الواحد بن الشيخ عبد الوهاب بن علي بن سكينة، مولده سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة، وسافر إلى الشام في أيام الملك الأفضل على بن السلطان صلاح الدين يوسف، وبسط لسانه في الدولة فأرسل إليه من بغداد ابن التكريتي لقتله فوثب عليه مراراً بدمشق فلم يقدر عليه، وكتب إلى الخليفة كتاباً يتنصل فيه مما قيل عنه [٣٣٧] ويعتذر ويسأله العفو، فعفا عنه وكتب له كتاب أمان، فقدم بغداد فولاه مشيخة الشيوخ، وأُعطي رباط المشرعة، ثم بعثه في رسالة إلى جزيرة كيش (٤) ومعه جماعة من الصوفية فغرق في البحر ومن معه. سمع جده لأمه أبا القاسم عبد الرحيم شيخ الشيوخ، وأبا الفتح ابن البطي، وأبا زرعة وغيرهم. حاجب الباب كمال الدين محمد بن الناعم (٥)، كان حسن الصورة قبيح الفعال، صادر جماعة وماتوا تحت الضرب، فلما قبض عليه ضرب ضرباً مُبرحاً فلم يقر بشيء، فمات تحت الضرب ورمي به في دجلة - كما كان يفعل بالناس- وظهر له بعد ذلك أموال عظيمة ودفائن كثيرة. صارم (٦) الدين بزغش العادلي نائب القلعة بدمشق، توفي في صفر منها ودفن بتربته غربي الجامع المظفري، وهو الذي نفي الحافظ عبد الغني المقدسي إلى مصر، وبين يديه كان عقد المجلس كما ذكرناه. أيبك (٧) فُطَيس الأمير المعروف، قتله مملوك له تركي بظاهر حلب في حمام في خامس عشر رجب من هذه السنة.

стр. 857

فصل فيما وقع من الحوادث في السنة التاسعة بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله، وسلطان مصر والشام الملك العادل أبو بكر بن أيوب، ونائبه في دمشق الملك المعظم، وفي مصر الملك الكامل، فاجتمعوا في هذه السنة على دمياط لمقابلة الفرنج. وكان سامة الجبلي صاحب دار سامة داخل باب السلامة، التي هي الآن مدرسة للشافعية، قد استوحش من هؤلاء الملوك المذكورين وهم اتهموه بمكاتبة الظاهر صاحب حلب. (١) قال السبط (٢): وجد له كتب إليه وأجوبة، فخرج سامة من القاهرة كأنه يتصيد، واغتنم اجتماع الملوك بدمياط وساق إلى الشام في مماليكه، بطلب قلاعه وهي كوكب وعجلون وذلك يوم الإثنين سلخ جمادى الآخرة فأرسل والي بلبيس الحمام إلى دمياط يخبرهم بذلك، فقال العادل: من ساق خلقه فله أمواله وقلاعه. فقال الملك المعظم: أنا. وركب من دمياط يوم الثلاثاء غرة رجب. قال السبط: وكنت معه فقال لي: أنا أريد أن أسوق فسق أنت مع قماشي (٣)، ودفع لي بغلة، فساق ومعه نفر يسير وعلى يده حصان، فكان صباح يوم الجمعة في غزة. ساق مسير ثمانية أيام في ثلاثة أيام، فسبق سامه، وأما سامة فإنه تقطع (٤) عنه مماليكه ومن كان معه وبقى وحده وبه نقرس فجاء إلى بلد الداروم، وكان المعظم قد أمسك عليه من البحر إلى الزرقاء، فرآه بعض الصيادين في برية الداروم، فعرفه فقال له: انزل. فقال له: هذه ألف دينار وأوصلني إلى الشام. فأخذها الصياد وجاء رفاقه فعرفوه أيضًا فأخذوه على طريق الخليل ﵇، ليحملوه إلى عجلون فدخلوا به القدس يوم الأحد سادس رجب. جاء بعد المعظم بثلاثة أيام فقال لي المعظم ﵀ ما كنت خائفاً إلَّا أن يصادفني في الطريق غلمانه فيقتلوني لو رماني أيدكين بسهم قتلني، فملّكه الله أيدكين والجميع، فأنزل سامه في صهيون وبعث إليه

стр. 858

بثياب وطعام ولاطفه وراسله وقال له [٣٣٨] [أنت] (١) شيخ كبير وبك نقرس وما يصلح لك قلعة، سلّم إلى كوكب وعجلون، وأنا أحلف لك على مالك وملكك وجميع أسبابك وتعيش بيننا مثل الوالد. فامتنع وشتم المعظم، فلما يئس المعظم منه بعث به إلى الكرك، فاعتقله واستولى على قلاعه وأمواله، وذخائره، وخيله. فكان قيمة ما أخذ منه ألف ألف دينار. (٢) من ذلك داره وحمامه داخل باب السلامة، ثم إن المعظم خرب حصن كوكب، ونقل حواصله إلى حصن الطور، الذي استنجده كما ذكرنا. وفي تاريخ (٣) بيبرس: كتب العادل إلى ولده المعظم بالقبض على سامة فأمسكه وقبض على ابن فخر الدين جهاركس وأخذ معاقله التي كانت بيده. وفيها توجه العادل إلى كوكب وحاصرها حصاراً شديداً وأخذها وأخذ منها أموالًا عظيمة وهذمها وعفى أثرها. فقال الرشيد النابلسي يمتدحه ويذكر الحال: وفَّي لك المسعدان النصر والظفر … وطاوع العاصيان الدهر والقدر بغير بدع وقد جدّت سعودك أن … دانت لك الأمتان البدو والحضر أشرقت في ظلم الأيام مزدهرا … فأبلس النيران الشمس والقمر قسوت بل لنت بل مازجت … ذاك بذا فافتَّن في راحتيك النفع والضرر مازلت تصدر بالآمال ساعةَ لا … وردٌ يسوغ ولا عن مورد صدر لله ما أنت سيف الدين من بشر … لا يستطيع الذي يستطيعه بشر خطبٌ طوى وطغى حتى نَهَدْت له … فلان جامحه إذ يسهل الوعر وشامخان رفيعا الأوج يحسر عن … أن يستطيعهما التأميل والنظرُ في ذروتي مشمخر العز دونهما … من أن يُنالا تنال الأنجم الزهر أوردت حُصّنك من تلك الحصون مُنىً … لولاك عز على وُرادها الصَّدَرُ وكان أهلاهما قد أكدا حَلفا … أن ليس يُنْقَضُ من أمريهما المِرَرُ يا ويحهم أوغرتهم بُنيً شمخت … مع اغترامك واستغوتهم حدر

стр. 859

ولو صدمت به السُّد الذي أطادت … قُطراه لا ندكّ منه القطر والزَبر أورام شامخة الأهرام حل بها … ما ليس تبقى غواديه ولا تذر بل لو دعوت النجوم الزهر لا بتدرت … إليك من جنبات الأفق تبتدر لقد رأي كوكب في نفسه عجباً … وكاد كوكبه الدُّري ينكدر أضرمت جذوة بأس في جوانبه … أنفاسها في نفوس الشرك تزدفر طوقتهِ بمجانيق يلين لها … قلب الحديد ولا يستمسك الحجر أقمت عليه بمثل الشهب قاذفة … فخده بصعيد الأرض منعفر [٣٣٩] أضحت مخانق في أعناق هضبته … عقود خيلك مسدوداً بها الثغر بادرتهم برجال لا ينهنههم من … من رأيك الحزم أو من كفك البذر مُعَرديِن قراع الموت قد ألفوا … أن لا يروعهم خوف ولا ذعر جيش إذا جاش طامي لُجَّة غرقت … في جنب تياره الأفهام والفكرُ ومنها: لقد بطشت بهم بطشاً لو أنهم … صرف المقادير أو أحداثها فَتَروا واستشعروا الذل جلباباً وقادهم … قسراً إليك سُطي للأسد تقتسِرُ لله صدرك ما أقضى وعزمك ما … أمضى وقد كلت الهندية البتر يا دوحه للعلى شماء باسقة … لا يُجتنى للعَنَى من غيرها ثمر ومنها: يا راجح الحلم يعفو وهو مقتدر … ومانح النجم يعطى وهو معتذر ومنها: صلى الإله على علياك وافتتحت … تتلى على مجدك الآيات والسور ودمت تخدمك الدنيا ودولتها … ما غنت الورق أو ما أورق الشجر

стр. 860

ذكر استيلاء صاحب قبرس على أنطاكية وفي هذه السنة (١) استولى صاحب قبرس لعنه الله على مدينة أنطاكية فحصل بسببه شر عظيم، وتمكن من الغارات على بلاد المسلمين لاسيما على التراكمين الذين حول أنطاكيه، فقتل منهم خلقاً كثيراً وغنم من أغنامهم شيئًا كثيراً، فقدر الله أن أمكنهم منه في بعض الأودية فقتلوه وطافوا برأسه في تلك البلاد كلها ثم أرسلوه إلى الملك العادل بالديار المصرية، فطيف به هنالك وهو الذي كان قد أغار على بلاد مصر من ثغر دمياط مرتين فقتل وسبي ونهب بلاده فوّه أيضًا، وكان اسمه البال لعنه الله. ذكر محاصرة طغريل شاه كيكاوس سلطان الروم وفي هذه السنة سار طغريل شاه بن قليج أرسلان صاحب أرزن الروم وحاصر ابن أخيه سلطان الروم كيكاوس بمدينة سيواس، واستنجد كيكاوس بالملك الأشرف (٢) بن الملك العادل، فخاف عمّه طغريل شاه ورحل عنه، وكان لكيكاوس أخ اسمه كيقباذ فلما جرى ما ذكرناه سار كيقباذ واستولى على أنكورية (٣) من بلاد أخيه كيكاوس، وسار كيكاوس وحصره وفتح أنكورية وقبض على أخيه كيقباذ وحبسه وقبض على أمرائه وحلق رؤوسهم ولحاهم وأركب كل واحد منهم فرسًا وأركب خلفه وقدامه قحبتين (٤) وبيد كل واحد منهما مغلاق تصفعه به وبين أيديهم مناد ينادي هذا جزاء من خان سلطانه. ذكر بقية الحوادث منها أن الوزير صفي الدين بن شكر عُزل واحتيط على أمواله ونفي إلى الشرق وهو الذي كان قد كتب إلى الديار المصرية بنفي الحافظ عبد الغني إلى الغرب، فتوفي الحافظ قبل أن يصل كتابه، وكتب الله نفيه (٥) إلى الشرق. قال بيبرس (٦): عزل صفي الدين وزير العادل عن الوزارة ورفعت يده ولزم داره. وقال مظفر الأعمى (٧) فيه:

стр. 861

أين حجابك المطيفون بالبغلة … والرافعون فضل الثياب [٣٤٠] ردك البغي كالنداء على … بلا حاجب ولا بواب ومنها: في المحرم عقد عقد الملك الظاهر صاحب حلب على صفية خاتون بنت الملك العادل وكان المهر خمسين ألف دينار، وتوجهت من دمشق في المحرم فاحتفل لها الملك الظاهر احتفالاً عظيماً وقدم لها تقاديم جليلة منها خمسة وخمسون عقداً من جوهر قيمتها مائتا ألف وستون ألف درهم، ومنهم عصابة بجوهر وعشر قلائد من العنبر المذهب، وخمس عشرة مذهبة ومائة وخمسون قطعه من الذهب والفضة، وعشرون بختًا من الثياب الفاخر وعشر خدام وعشرون جارية. وورد معها من القماش والآلات وأنواع المصاغ ما يحمله خمسون بغلا ومائة بختى وثلاثمائة جمل. ومن الجواري والوصائف والخدام والكجلوات ما يحمله مائة جمل، وكانت في خدمتها مائة جارية كلهن مطربات بأنواع الملاهي ومائة جارية أخرى يعملن أنواع الصنايع البديعة. وقد ذكرنا طرفاً من ذلك فيما مضي. ومنها أنه كانت وقعة بين المسلمين والفرنج بالأندلس تسمى وقعة العُقاب. وكان يوسف بن يعقوب بن عبد المؤمن قد جمع عساكر المغرب وعدي لغزاة الفرنج، فكسره الفرنج وهزموه وقتلوا من المسلمين خلقاً عظيماً وعاد المذكور هزيماً. ومنها (١) أن الخليفة خلع على أيدغمش الفرجية والعمامة وخلعاً تقارب خلع السلطنة وأعطاه مالاً وأمره أن يبرز خيامه ليسير إلى همذان وأعطاه الكوسات والأعلام. ومنها (٢) أن أبا محمد يوسف بن الشيخ أبي الفرج بن الجوزي صرف عن الحسبة والنظر في الوقف العام ببغداد ورد ذلك إلى شرف الدين بن البخاري، فولي أبا البركات يوسف بن المبارك بن هبة الله الحسبة والوقف العام. وفيها .................... (٣)

стр. 862

وفيها (١) حج بالناس من العراق حسام الدين بن أبي فراس نيابة عن محمد بن ياقوت، وكان معه مال وخلع لقتادة أمير مكة حتى سكت عنهم. ومن الشام شجاع الدين ابن محارب على أيلة. ذكر من توفي فيها من الأعيان محمد (٢) بن إسماعيل بن أبي الضيف، اليمنى فقيه الحرم الشريف بمكه شرفها الله توفي في هذه السنة. أبو إسحق (٣) إبراهيم بن محمد بن أبي بكر القفصي، المقرى المحدث كتب كثيرًا وسمع الكثير مات في هذه السنة بدمشق ودفن في مقابر الصوفية. أبو الفتح (٤) محمد بن سعد بن محمد الديباجي، من أهل مرو، له كتاب المحصل في شرح المفصل للزمخشري في النحو، وكان عالمًا ثقة سمع الحديث، مات في هذه السنة عن ثنتين وتسعين سنة. الشيخ (٥) الصالح الزاهد العابد أبو البقاء محمود بن عثمان بن مكارم النعال، الحنبلي، كانت له عبادات ومجاهدات وسياحات، وبني رباطًا بباب الأزج يأوى إليه أهل العلم من المقادسة وغيرهم، وكان يؤثرهم ويحسن إليهم وقد سمع الحديث وقرأ القرآن، وكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وتوفي في هذه السنة وقد جاوز الثمانين سنة. وقال أبو شامة: وكان لا يأكل إلا مِنْ غزل عمته.

стр. 863

فصل فيما وقع من الحوادث في السنة العاشرة بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله، وسلطان مصر والشام الملك العادل أبو بكر بن أيوب، ونائبه بمصر ولده الملك الكامل محمد. وفي دمشق ولده المعظم عيسى، وصاحب بلاد الروم عز الدين كيكاوس السلجوقي، وقد ظفر بعمه طغريل شاه وأخذ [٣٤١] بلاده وقتله وذبح أكثر أمرائه وقصد ذبح أخيه علاء الدين كيقباذ، فشفع فيه أصحابه (١) فعفي عنه. وصاحب حلب وما والاها الملك الظاهر غازي بن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب. وولد له في خامس ذي الحجه ولد سماه محمدًا ولقبه الملك العزيز غياث الدين من صفية خاتون ابنه السلطان الملك العادل، واحتفل الظاهر لمولده احتفالًا عظيمًا، فمن ذلك أنه أمر الصياغ فصاغوا من الذهب والفضة طيورًا ووحوشًا على صيغة (٢) ما يعرفونه من الطير والوحوش وعملوا عشر مهود من الذهب والفضة، سوى ما عملوا من الأبنوس والعود والصندل ونسج للطفل ثلاث فرجيات من اللؤلؤ في كل فرجية أربعون حبة من الياقوت والبلخش والزمرد، وعمل له ثلاثة سيوف غُلفها [وقبضاتها (٣)] مرصع بالجوهر النفيس، وثلاثة (٤) رماح من ذهب أسنتها جوهر. وهذا الصبي الذي لقب بالملك العزيز هو والد الملك الناصر صاحب دمشق واقف الناصرتين (٥) وهو الذي أسره هلاون ملك التتار على ما سنذكره إن شاء الله تعالى. ذكر ما جرى في اليمن قد ذكرنا في سنة تسع وتسعين وخمسمائة أن المالك على اليمن كان المعز إسماعيل بن سيف الإسلام طغتكين بن أيوب ثم أنه قتل وأقيم أخوه الناصر وهو صغير،

стр. 864

وكان القائم بتدبير دولته مملوك والده سيف الدين سنقر، ثم مات سنقر بعد أربع سنين، وقام بأتابكيته أمير من أمراء الدولة يقال له غازي، ثم مات الناصر مسمومًا فملك غازي البلاد ثم قتل على أيدي جماعه من العرب فتغلبت أم الناصر على زبيد، وبقيت اليمن خالية من السلطان إلى أن قدم سليمان بن شاهنشاه بن تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب اليمن في صورة فقير وملك اليمن بواسطة أم الناصر المذكورة. فلما ملك اليمن ملأها ظلما وجورًا واستمر على ذلك إلى هذه السنة فأزاله الله تعالى في هذه السنة عن اليمن، وقيل في السنة الآتية. وذلك أن الملك الكامل ابن الملك العادل أرسل ابنه الملك المسعود يوسف المعروف بأتسيز (١) إلى اليمن ومعه جيش، فاستولى الملك المسعود على اليمن فظفر بسليمان المذكور صاحب اليمن وبعث به معتقلا إلى مصر فأجرى له الملك الكامل ما يقوم به، ولم يزل مقيما بالقاهرة إلى سنة سبع وأربعين وستمائه (٢) فخرج إلى المنصورة غازيا فقتل شهيدًا. وفي تاريخ بيبرس: وفي هذه السنة أعني سنة عشر وستمائة بدأ الخلف بين الناصر أيوب بن طغتكين بن أيوب صاحب اليمن وبين أمرائه، وكان منشأ الخلاف من فخر الدين بكتمر فإنه أفسد المماليك وانحاز إلى الجزوز محالفا وقصدهم السلطان، فانهزموا وتفرقوا، وتقرر خروجهم من البلاد وأن يبيعوا عقارهم ويستصحبوا موجودهم، ففعلوا وتوجه فخر الدين بكتمر إلى الحجاز بما جمعه من المال واستلبه أهل مكة، ثم إن أهل اليمن ملكوا عليهم قطب الدين سليمان شاه بن سعد الدين شاهنشاه بن تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب فجلس على التخت في السادس من شهر ربيع الأول من هذه السنة، واتفق أن أهل جبل صبر (٣) خالفوا عليه وقصدوا تعز فنهد إليهم وقاتلهم وهزمهم. وفي أثناء ذلك انتهى إليه الخبر بوصول الملك مسعود بن الملك الكامل إلى [٣٤٢] مكة قاصدًا اليمن فهرب منها ووصل الملك المسعود إلى مكة ودخلها في ثالث ذي القعدة من هذه السنة وقيل من السنة الآتية، وخطب له في مكة ونشر الناس ألف دينار وحمل إلى أمير مكة ألف دينار وقماشا بألف دينار، وأقام المسعود بمكة ستة أيام وخشي تفرق الأجناد إذا جاء الموسم فرحل

стр. 865

عنها في العشر الثاني من ذي القعدة ووصلته الأخبار بأن المعظم سليمان شاه بن شاهنشاه هرب من زبيد وأن المدينة نهبت بأيدي الأجناد وأن الخطبة السعودية أقيمت بزبيد يوم الجمعة لسبع بقين من ذي الحجة من هذه السنة. وفي تاريخ بيبرس من سنة إحدى عشرة وستمائة. وقال بيبرس (١): وفي أول يوم من المحرم من سنة اثنتي عشرة وستمائة دخل المسعود زبيد وملكها من غير قتال، فقال في ذلك بعض الشعراء من قصيدة: ليهنك الفتح ياذا الفضل والمنن … بشارة الملك قد جاءت من اليمن فالآن من لفظ مسعود ومن يَمَنٍ … فالسعد واليمُن مقرونان في قرن وسلمت له ثمانية (٢) حصون من تهامة وحاصر قلعة تعز، وكان سليمان بن شاهنشاه تحصن بها ونزل العسكر إلى أن فتح له الحصن المذكور وأمسك سليمان المذكور واعتقل به. واتفق (٣) أن في هذه السنة أعني سنة عشر وستمائه قدم الملك الظافر خضر (٤) بن السلطان صلاح الدين من حلب بعزم التوجه إلى الحج إلى دمشق فنزل بالقابون (٥) يوم الأحد رابع شوال ثم انتقل إلى مسجد القدم (٦) خامسه، ووصل ابن عمه المعظم من حيث كان بنواحي حوران واجتمع به على جسر الخشب سادسه، وعمل له دعوة بداره تاسعه، ودعتهما جميعًا ست الشام إلى دارها ثامن عشرة، ورحل من دمشق متوجها إلى الحج في جمع من الحجاج تاسع عشر شوال، وخرج معه المعظم وودعه وتوجه نحو الجابية، واجتمع الحجاج ببصري، فرحل بهم الظافر منها ضحوة يوم الأربعاء الثامن والعشرين من شوال الموافق الثاني عشر آذار، فسلكوا طريق تيما إلى مدينة النبي ﷺ فحصل على الزيارة ثم أحرم بالحج فلما وصل إلى بدر رد من الطريق.

стр. 866

وقال السبط صاحب المرآة (١): وكان حج معه يعقوب الخياط المغازي وكان مقيما بمغارة الجوع بقاسيون، وكان صديق الظافر فلما وصل الظافر إلى بدر وجد عسكر الكامل ابن عمه العادل صاحب مصر قد سبقه خوفا منه على اليمن، فقالوا: ترجع. فقال: قد بقي بيني وبين مكة مسافة يسيرة، ووالله ما قصدي اليمن وإنما أريد الحج، فقيدوني واحتاطوا بي حتى أقضي المناسك وأعود إلى الشام فلم يلتفتوا إليه، فرجع إلى الشام وعاد يعقوب الخياط معه ولم يحج. وقال أبو شامه (٢): وحكى لي والدي وكان ممن حج معه في تلك السنة أنه شق على الناس ما جرى عليه وأراد كثير منهم أن يقاتلوا الذين صدوه عن المضي في حجه فنهاهم عن ذلك واختار الرجوع على الفتنة وفعل ما فعله النبي ﷺ عام الحديبية حتى صده الكفار عن البيت فقصر من شعره وذبح ما تيسر، وكان محرمًا من ذي الحليفة ولبس ثيابه وودع الناس ورجع، وعيون الناس باكية عليه ولهم ضجيج وعويل ولحقهم عليه حزن طويل من جهة صده عن مشاعر [٣٤٣] الدين وهو أتي مثل صلاح الدين. ذكر مقتل أيدغمش قد ذكرنا (٣) أن الخليفة قد خلع عليه وأعطاه الكوسات وسيره إلى همذان فوصل إلى بلاد ابن ترجمَ وأقام ينتظر وصول عساكر بغداد إليه لتسير معه ما اتفق عليه الخليفة معه، وكان الخليفة قد عزل سليمان بن تَرْجَم عن الإمارة على عشيرته من التركمان وولي أخاه الأصغر، فأرسل سليمان إلى منكلي يعرّفه بحال أيدغمش فسير منكلي جيشًا إليه ليقتلوه فخرج على وجهه فقتل أيدغمش وحمل رأسه إلى منكلي وتفرق من معه في البلاد ووصل الخبر بقتله إلى بغداد فعظم على الخليفة وأرسل إلى منكلي ينكر عليه ما فعل، فأجاب بجواب شديد وتمكن من البلاد وقوى أمره وكثرت عساكره. قلت: أيدغمش هذا مملوك البهلوان وكان قد غلب على همذان والجبال كما ذكرناه، وكان قد هرب من منكلي وهو خشداشه والتجئ إلى الخليفة في سنة ثمان وستمائة ثم رجع في

стр. 867

هذه السنة إلى جهة همذان فقتل واستقل منكلي بالمملكة. وفي المرآة (١): وكان أيدغمش رجلا صالحا كثير الصدقات دينًا صائما عادلًا. ذكر بقيه الحوادث منها (٢) أنه وصل كتاب من بعض فقهاء الحنفية بخراسان إلى الشيخ تاج الدين الكندي يخبر فيه أن السلطان خوارزم شاه محمد بن تكش تنكر في ثلاثة نفر ودخل بلاد التتار ليكشف أخبارهم بنفسه فأنكروهم فقبضوا عليهم فضربوا اثنين حتى ماتا ولم يقرا بما جاءا إليه واستوثقوا من الملك، فلما كان في بعض الليالي هرب وسلم ورجع إلى معسكره وعاد إلى مملكته. وقال ابن كثير (٣): وهذه الكائنة غير ما تقدم من أسره من المعركة مع ابن مسعود على ما ذكرناه. ومنها (٤) أنه ظهرت بلاطة وهم يحفرون في خندق حلب فوجد تحتها من الذهب خمسة وسبعون رطلا ومن الفضة خمسة وعشرون بالرطل الحلبي. ومنها أنه ورد شمس الدين بن [التبتى] (٥) رسولًا من الملك العادل إلى بغداد وكان الملك العادل لما حوصر بدمشق اقترض له أموالا من التجار وضمها فرأى العادل له ذلك فأحبه وقربه، وحسده الوزير صفي الدين بن شكر فأبعده عنه بتسفيره إلى بغداد، وكان شمس الدين سيد الأجواد وسند الأمجاد والأولى عند ذكره طي ذكر خاتم طىّ. ومنها (٦) أن الملك العادل أمر بإحداث تركيب سلاسل على أفواه السلك المجاورة للجامع ومدها في أيام الجمع ليمنع الخيل من قرب أبواب الجامع وذلك لما كان ينال الناس من المشقة من زحمة الخيل التي يركبها بعض المصلين إلى الجامع فحصل

стр. 868

للناس بذلك رفق عظيم، ثم ترك ذلك بعد زمان وعاد الأمر إلى ما كان إلى الآن. وعمل بعض المتفرغين في ذلك نظما كان يغني به في الأسواق أوله: إن ذا عام جديد … إن ذا يوم سعيد والمدينة هاربة … قيدوها (١) بالحديد كل جمعة يسجنوها … كأنهم ما يعرفوها والنبي لو أطلقوها … ما برح باب البريد وفيها ................................................... (٢) وفيها حج بالناس من العراق ابن أبي فراس نيابة عن محمد بن ياقوت ومن الشام صديق بن تمرتاش، ولقيه الغرز التركماني على أيلة ومعه حاج الكرك [والقدس] (٣). ذكر من توفي فيها من الأعيان التركستّاني الشيخ أبو الفضل أحمد بن مسعود بن على التركستاني شيخ الحنفية، ومدرس [٣٤٤] مشهد أبي حنيفة ﵁ ببغداد. وكان إليه المظالم، مات في هذه السنة ودفن بالمشهد المذكور، وكان قد تفقه وبرع في علم النظر وانتهت إليه الرئاسة في مذهب أبي حنيفة ﵁، وولاه الوزير ابن المهدي المظالم والتدريس بمشهد أبي حنيفة (٤)، وأرسله إلى الأطراف، وكان عفيفا نزها، وقال ابن النجار: توفي ليلة السبت السادس والعشرين من ربيع الآخر من سنة عشر وستمائة وصلى عليه من الغد بالمدرسة النظامية ودفن بمقبرة الخيزران المجاورة لمشهد أبي حنيفة ﵀ وكان شابا. ابن الماشطة (٥)، الشيخ أبو محمد إسماعيل بن على بن الحسين فخر الدين الحنبلي، ويعرف بابن الماشطة، ويقال له الفخر غلام بن المني. له تعليقه في

стр. 869

الخلاف، وكانت له حلقة بجامع الخليفة، وكان إلى النظر في قرايا الخاص للخليفة، ثم عزله فلزم بيته فقيرًا لا شيء له إلى أن مات في هذه السنة. وكان ولده محمد مدبرًا شيطانًا مريدًا كثير الهجاء والسعاية بالناس إلى أولياء الأمر بالباطل، فقطع لسانه وحبس إلى أن مات. وفي المرأة: (١) وكان فصيحا وله عبارة جيدة وصوت رفيع، وكانت له حلقة بجامع الخليفة، يجتمع إليه الفقهاء ويناظرهم، وولاه الخليفة ضياع الخاص فظلم الرعية، وجبي الأموال من غير حلها فشكوه إلى الخليفة فسخط عليه وعزله، فأقام في بيته خاملًا فقيرا يعيش من صدقات الناس، إلى أن توفي في ربيع الأول ودفن في داره بدرب الجب، ثم نقل بعد مدة إلى باب حرب وبيعت الدار، وولده محمد بن إسماعيل الملقب بالشمس قدم الشام بعد سنة عشرين وستمائة، وتعاني الوعظ، وكان فاسقا مجاهرًا هجاءً خبيث اللسان، وكان معه جماعة من المردان من أبناء الناس، ويقول إنهم مماليكه، وبدت منه بدمشق ومصر هنات قبيحة، وكان يضرب الزغل (٢) مع هذه الهنات سامحه الله. ظهير الدين (٣) أبو إسحق إبراهيم بن منصور بن عسكر، الفقيه الشافعي الأديب، قاضي السَّلامية، تفقه على القاضي أبي عبد الله الحسين بن نصر بن خميس الموصلي بالموصل، وسمع منه، وقدم بغداد وسمع بها من جماعة، وعاد إلى بلده الموصل، وتولى قضاء السَّلامية، إحدى قرى الموصل. وكان فقيها فاضلا، وغلب عليه النظم، ونظمه رائق. ومنه قوله: لا تنسبُوني يا ثقاتي إلى … غَدْرِ فليس الغدر من شيمتي أقسمتُ بالذاهب من عَيْشِنا … وبالمسرات التي وَلّت أنىّ على عَهْدِكُم لم أزل (٤) … وعقدة الميثاق ما حُلّت

стр. 870

ومن شعره أيضًا: جُودُ الكريم إذا ما كان عن عدةٍ … وقد تأخَّر لم يَسلمْ من الكدَرِ إن السحائب لا تُجَدي بَوارِقها … نفعا إِن (١) هي لم تمطر على الأثر [وماطلُ (٢)] الوعد مذمومٌ وإن سمحت … يداه من بعد طول المطل بالبِدَر يا دوحة الجود لا عَتْبٌ على رجُلٍ … يهُزُّها وهو محتاجٌ إلى الثمَر وقال ابن خلكان: توفي يوم الخميس ثالث شهر ربيع الآخر سنة عشر وستماتة بالسَّلَّامية؛ وهي بفتح السين المهملة وتشديد اللام وبعد الميم ياء آخر الحروف ثم هاء، وهي بليدة على شط الموصل من الجانب الشرقي أسفل الموصل، بينهما مسافة يوم، وقد خربت [٣٤٥] هي، [وأنشئت] (٣) بالقرب منها بليدة أخرى سموها السَّلَّامية أيضا. تاج الأمناء (٤) أبو الفضل أحمد بن محمد بن الحسن بن هبة الله بن عساكر، من بيت الحديث والرواية، وهو أكبر من أخوَيْه زين الأمناء، والفخر عبد الرحمن، سمع عميه الحافظ أبا القاسم، والصائن، وكان صديقا للشيخ تاج الدين الكندي. وكانت وفاته يوم الأحد ثاني رجب منها، ودفن قبلي محراب مسجد (٥) القدم. تاج العلماء (٦) النسابة الحلبي الحسني، اجتمع بآمد بالشيخ أبي الخطاب بن دحية، وكان ينسب إلى دِحية [الكلبي] (٧) فقال له تاج العلماء: إنَّ دحية لم يعقب، فرماه ابن دحية بالكذب في مسائله الموصلية. وتوفي في هذه السنة. وقال أبو شامة (٨): رماه ابن دحية بالكفر في مسائله الموصلية.

стр. 871

المهذب (١) الطبيب المشهور، وهو على بن أحمد بن مقبل الموصلي، سمع الحديث، وكان أعلم أهل زمانه بالطب، وله فيه تصنيف حسن، وكان كثير الصدقة حسن الأخلاق. وقال ابن كثير في الكامل: توفي المهذب المذكور في المحرم من سنة عشر وستمائة. الجزولي (٢) أبو موسى عيسى بن عبد العزيز الجَزُولى اليَزْدكِتني (٣) النحوي المغربي (٤)، مصنف المقدمة (٥) المشهورة البديعة، وقد شرحها هو وتلامذته من بعده، وكلهم معترفون بتقصيرهم عن فهم مواده في أماكن كثيرة منها. قدم مصر فأخذ عن ابن بري، ثم عاد إلى بلاده وولي خطابة مراكش، وتوفي في هذه السنة، وقيل قبلها. وقال ابن خلكان (٦): أبو موسى عيسى بن عبد العزيز بن يلَلْبَخْت بن عيسى بن يُوما ريلي الجزولي اليزدكتني، كان إماما في علم النحو، كثير الاطلاع على دقائقه وغرائبه وشاذه، وصنف فيه المقدمة التي سماها القانون، ولقد أتى فيها بالعجائب، وهي في غاية الإيجاز مع الاشتمال على شيء كثير من النحو، ولم يُسْبَق إلى مثلها، واعتنى بها جماعة من الفضلاء فشرحوها، ومنهم من وضع لها أمثلة، ومع هذا كله فلا تفهم حقيقتها، فإنها كلها رموز وإشارات. ويقال: إنه كان يدرى شيئا من المنطق. وأقام بمدينة بجاية مدة، والناس يشتغلون عليه، وتوفي سنة عشر وستمائة بمدينة مراكش، وقيل سنة ست أو سبع وستمائة. ويللبخت: بفتح الياء [المثناه من تحتها] (٧) واللام وسكون اللام الثانية وفتح الباء الموحدة وسكون الخاء المعجمة وبعدها تاء مثناة من فوق، وهو اسم بربري.

стр. 872

ويوما ريلي: بضم الياء [المثناه من تحتها] (١) وسكون الواو وفتح الميم وبعد الألف راء مكسورة ثم ياء (٢) ساكنة وبعدها لام ثم ياء، وهو اسم بربري أيضا. والجُزُوْلي نسبة إلى جُزولة بضم الجيم والزاي وسكون الواو [وبعدها لام] (٣) ويقال لها كزولة أيضا -بالكاف- وهي بطن من البربر. والَيزْدكتني: بفتح الياء [المثناه من تحتها] (٤) وسكون الزاي وفتح الدال المهملة وسكون الكاف وفتح التاء المثناة من فوق وبعدها نون، نسبة إلى فخذ من جزولة. وقبيلة جزولة من الرَّحالة يكونون بصحارى بلاد السوس في المغرب الأقصى. ابن (٥) حديدة الوزير، واسمه سعيد بن على بن أحمد أبو المعالي، ولقبه معز الدين، وهو من ولد قطبة بن عامر بن حديدة الأنصاري الصحابي ﵁. ولد بكرخ سامرًا سنة ست وثلاثين وخمسمائة، ونشأ ببغداد، وكان أحد الموسرين له مال كثير وجاه عريض، واستوزره الإمام الناصر لدين الله في سنة أربع وثمانين وخمسمائه، وخلع عليه خلعة الوزارة الكاملة [٣٤٦]، القميص الأطلس، والفرجية المفرّج، والعمامة القصب الكحلية بأعلام الذهب، وقلّد سيفا محلّي، وقُدّم له فرس من خيل الخليفة فركبه، وخرج وأرباب الدولة يمشون بين يديه من باب حجرة الخليفة إلى دار الوزارة. ولم يزل على الوزارة حتى ولي ابن مهدى نقابة العلوييّن، فشرع فيه ومازال بالخليفة حتى عزله واعتقله وطالبه بمال، فالتجأ إلى التربة الأخلاطية فلم تنفعه، وأدى المال وأقام في بيته إلى أن ولي ابن مهدى الوزارة فَسلِّم إليه، فاعتقله في داره بدرب البطيخ، وعزم على تعذيبه، فواطأ الموكلين به وحلق رأس نفسه ولحيته، وخرج في زى النساء إلى مراغة (٦)،

стр. 873

فأقام بها حتى توفي في جمادى الأولى وحمل إلى الكوفة فدفن بمشهد أمير المؤمنين. وكان جوادًا سمحًا كثير الصدقات والمعروف متواضعا. الموفق (١) أحمد بن محمد بن عمر الأزجي، ويعرف بالموفق، نشأ بباب الأزج، وسمع الحديث من ابن كليب، وابن بُوش، وابن طبرزد وغيرهم. وكان فقيرًا، خرج إلى الشام واجتمع بالملك الظاهر صاحب حلب وقال له: قد بعث لك الخليفة معي إجازة، وتَقَوَّل على الخليفة، فخلع عليه وأعطاه خمسين دينارًا، ودار على ملوك البلاد، فحصل له منهم ثلثمائه دينار. قال السبط (٢): واجتمعت به في دمشق وقد رجع من زيارة القدس فقلت له: إلى أين انتهت زيارتك؟ فقال: إلى لوط. وكان مطبوعا وبلغني حديثه فقلت له: قد فعلت ما فعلت فلا نقرب بغداد. فقال: أتتك بخائن رجلاه. فقلت: ما أخوفني أن يصح المثل فيك. فكان كما قلت نزل إلى بغداد في سفينة من الموصل وصعد بباب الأزج إلى بيت أخته وقت المغرب، فلما كان بعد العشاء الآخرة طرق الباب طارق فقال: من هذا؟ فقال: كلّم من يطلبك. فخرج وإذا برجل فسحبه عن الباب وضربه بسكين حتى قتله، ثم صاح على الباب اخرجي خذى أخاك وما معه، فخرجت أخته وإذا به مقتول. فأخذت المال ودفنته في الليل. الأمير سنجر (٣) بن عبد الله الناصرى الخليفتي، كانت له أموال كثيرة وأملاك وإقطاعات متسعة، وكان مع ذلك بخيلًا ذليلًا ساقط النفس، اتفق أنه خرج أمير الحاج في سنة تسع وثمانين وخمسمائه فاعترضه بعض الأعراب في نفر يسير ومع سنجر خمسمائه فارس فذل عن الأعراب فطلب منه كبيرهم خمسين ألف دينار فجباها سنجر من الحجيج ودفعها إليه. فلما عاد إلى بغداد أخذ منه الخليفة خمسين ألف دينار وردّها إلى أصحابها وعزله وولي طاشتكين.

стр. 874

وفي تاريخ بيبرس: وكان سنجر هذا صهر طاشتكين، وتوفي في هذه السنة. وفي المرأه (١): وتوفي في شوال وفتح له جامع القصر وصلي عليه قاضي القضاة ابن الدامغاني ومشى أرباب الدولة في جنازته ودفن بالشونيزية. وكان كبير الأعراب الذي طلب المال من سنجر من غُزيّة (٢) اسمه دهمش. فارس (٣) الدين ميمون القَصْري، آخر من بقي من كبراء الأمراء الصلاحية مات بحلب في رمضان من هذه السنة، وهو منسوب إلى قصر الخلفاء الفاطميين بمصر، وكان السلطان صلاح الدين ﵀ أخذه من هناك. أيدغمش (٤) مملوك البهلوان، قتله خشداشه منكلي وقد ذكرناه عن قريب مفصلا. سلطان المغرب محمد (٥) بن السلطان يعقوب المنصور بن يوسف بن عبد المؤمن بن على القيسي الكومي الملقب بالناصر، صاحب بلاد الغرب توفي لعشر خلون من شعبان من سنة عشر وستمائة وكانت مدة مملكته نحو ست عشرة (٦) سنة، وكان أشقر دائم الإطراق كثير الصمت، وكان في لسانه لثغة، وكانت ولايته في سنة خمس وتسعين وخمسمائه، وقد ذكرنا ترجمة أبيه وجده وأب جده. وقال ابن خلكان (٧) وكان مولد السلطان محمد المذكور في سنة ست وسبعين وخمسمائه. قال والمغاربة يقولون: إن محمد بن يعقوب المذكور أوصى عبيده المشتغلين بحراسة بستانه بمراكش أن كل من ظهر لهم بالليل فهو مباح الدم، ثم أراد أن يختبر قدر أمره لهم فتنكر وجعل يمشي في البستان ليلًا فعندما رأوه جعلوه غرضًا لرماحهم، فجعل يقول: أنا الخليفة. فما تحققوا حتى هلك والله أعلم بصحة ذلك. ثم ولي بعده ولده [أبو يعقوب يوسف] (٨) بن محمد وتلقب بالمستنصر بالله، ومولده أول شعبان سنة أربع وتسعين وخمسمائه ولم يكن من بني عبد المؤمن أحسن وجها منه.

стр. 875

فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الحادية عشرة بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله، وسلطان مصر والشام الملك العادل أبو بكر بن أيوب، وكان في دمشق وسار إلى الديار المصرية في هذه السنة، وولده الملك الكامل محمد بن العادل نائبه في مصر، وأرسل الكامل ولده الملك المسعود صلاح الدين يوسف بن الكامل إلى الحجاز متوجها إلى اليمن وجهز صحبته ألف فارس من الجند والجاندارية (١) والرماة خمسمائة. وقال بيبرس: وكان الملك العادل قد رتب أولاده في كل إقليم ملكه، وقصد أن يُسَيَّر ولده الفائز إلى اليمن ليملكه فاتفق أن الصاحب صفي الدين بن شكر قال للكامل: مصر لك وينبغي أن يكون اليمن لك ظهرًا، والفائز أخوك كريم فاركب إليه واسأله أن يكون ولدك المسعود نائبا عنه. ففعل الكامل ذلك، فأجابه إليه الفائز، فجهز المسعود وأرسله فدخل مكة ثالث ذي القعدة من هذه السنة، وحج وخطب له وأقام بمكة ستة أيام ثم رحل عنها في العشر الثاني من ذي القعدة. وفي أول يوم من المحرم من سنة اثنتي عشرة وستمائة دخل زبيد وملكها من غير قتال. وقد ذكرناه مفصلا في السنة الماضية. وقال أبو شامة (٢): وفي سنة إحدى عشرة وستمائة تملك أتسيز بن الكامل بن العادل اليمن وتلقب بالمسعود وكان جبارًا فاتكًا، قيل: إنه قتل باليمن ثماني مائة شريف وخلقا من الأكابر والعظماء. وقال بيبرس (٣): كان والد الملك المسعود هذا يسميه أتسيز ولكن اسمه يوسف كما ذكرنا، ولكنه اشتهر باسم أتسز، ومنهم من يقول: أطسز بالطاء المهملة موضع الياء المثناة من فوق، وأتسس بسينين مهملتين يجعل موضع الزاي المعجمة في آخره سينًا، والكل يعنى واحد فافهم. وفيها (٤) أخذ الملك المعظم قلعة صرخد من ابن قراجا وعوضه عنها مالًا وإقطاعًا.

стр. 876

ذكر تملك خوارزم شاه كرمان وغيرها وفي هذه السنة أرسل السلطان [٣٤٨] علاء الدين خوارزم شاه محمد بن تكش أميرًا من أخصاء أمرائه عنده، وكان قبل ذلك سيروانًا فصار أميرًا خاصًا في جيش، ففتح له كرمان ومكران والسند وخطب لخوارزم شاه بتلك النواحي. وكان خوارزم شاه لا يصيف إلا بنواحي سمر قند خوفًا من التتار أصحاب كشلي خان أن يثوروا على أطراف بلاده التي تتاخم بلادهم. وقال بيبرس (١): كان في جملة أمراء والد خوارزم شاه أمير يسمى أبو بكر (٢) وتلقب تاج الدين، وكان ذا عقل وحزم ورأي وشجاعة، وكان قد ولاه مدينة زوزن (٣) ووثق به أكثر من جميع أمرائه فقال له: إن بلاد كرمان مجاورة لبلادي فلو أرسلت معي عسكرًا لملكتها فسير معه عسكرًا كثيرًا، وكان صاحب كرمان اسمه حرب بن محمد بن أبي الفضل فقاتله فضعف عنه فملك بلاده، وسار منها إلى نواحي مكران فملكها كلها إلى السند من حدود كابل، وسار إلى هرمز مدينة على ساحل بحر مكران فأطاعه صاحبها وخطب بها لخوارزم شاه، وحمل له عنها مالًا وخطبة له بقلهات (٤) وبعض عُمان؛ لأن أصحابها كانوا يطبعون صاحب هرمز. ذكر حج الملك المعظم وفي هذه السنة (٥) حج الملك المعظم ابن الملك العادل في ركب من الكرك على الهجن في حادي عشر ذي القعدة ومعه ابن مُوسَك ومملوكه أيبك عز الدين أستاذ داره وخلق، فساروا على طريق تبوك والعلى، وبنى المعظم البركة المنسوبة إليه ومصانع أخرى، وأثر في هذه السنة بطريق الحجاز آثارًا حسنة، وفرق صدقات كثيرة على المجاورين بالحرمين الشريفين.

стр. 877

وقال أبو شامة (١): حج المعظم في هذه السنة ومعه عز الدين أيبك وعماد الدين ابن موسك والظهير بن سنقر الحلبي وغيرهم، وتلقاه سالم أمير المدينة وَخَدَمَهُ وقَدَّم له الخيل والهدايا، وسلم إليه مفاتيح المدينة، وفتح الأهراء وأنزله في داره وخَدَمَهُ خِدْمةً عظيمة، ثم سار إلى مكة فوصلها يوم الثلاثاء سادس ذي الحجه فكانت وقفة تلك السنة يوم الجمعة، وانفصل عن مكة بعد أداء الفرض يوم الثلاثاء ثالث عشر الشهر وقدم المدنية فأقام بها ثم انفصل عنها عائدا إلى الشام وصحبته الأمير سالم (٢) في الخامس والعشرين منه. وقال السبط في (٣) المرآة: والتقاه قتادة (٤) أبو عزيز أمير مكة وحضر في خدمته، وحكى لي المعظم قال: قلت: أين تنزل؟ فأشار إلى الأبطح مبسوطة، وقال: هناك منزلنا بالأبطح، وبعث لنا هدايا يسيرة. وحج السلطان على مذهب أبي حنيفة ﵁ وأتي بجميع المناسك وأحيى السُنة، أحرم قارنًا، وبات بمنى ليلة عرفة، وصلى بها الصلوات الخمس، وسار إلى عرفة وقضى نُسكه كما أمر الله تعالى. قال ولقد رأيت كتفه بعد ما عاد وقد أكلته الشمس وانكشط وقيح. فقلت: ما هذا؟ قال: ما غطيت رأسي ولاكتفى من ثلاثة عشر يوما، قلت: لم يكن له حاجة إلى كشف كتفه فإنه لا يستحب إلا حالة الاضطباع في طواف القدوم. قال السبط (٥): ولما رجع كنت مقيما بالكرك فخرجت للقائه مع جماعة من الأعيان والأمراء والفقراء والفقهاء، فما التفت إلى أحد منهم، ولما رآني ترجل عن ناقته وعانقني وسقنا إلى زيزا (٦). وكان لقاؤنا له على غدير الظرفاء في البرية، وشرع يحكي له صفة حجه وما فعل. وكان والده [٣٤٩] الملك نازلًا على خربة (٧) اللصوص، فقال: أريد أن أنعته

стр. 878

حتى لا يلتقيني أحد، وسار إليه واجتمع به وحكى له خدمة سالم، وتقصير قتادة، فجهز جيشا مع الناهض بن الجرحى إلى المدينة والتقاهم سالم فأكرمهم، وقصدوا مكة فانهزم قتادة منهم إلى البرية، ولم يقف بين أيديهم. ذكر بقية الحوادث منها (١) أنه شرع في تبليط داخل الجامع بدمشق وبدأوا بناحية السبع الكبير، وكان أرض الجامع قبل ذلك حُفرًا وجورًا فاستراح الناس بتبليطه. ومنها (٢) أنه هدمت الدور والحوانيت المجاورة للقلعة ليوسع الخندق، ومن جملة ما هدم حمام قايماز النجمي، ووقف دار الحديث النورية، وكان فرنًا وحوانيت مقابل المار من جهة دار الحديث إلى القلعة. ومنها (٣) أن المعظم بنى الفندق المنسوب إليه بناحية قبرعاتكة ظاهر باب الجابية بدمشق. ومنها (٤) أنه تعامل أهل دمشق بالقراطيس (٥) السود العادلية ثم بعد ذلك بطلت وفنيت. ومنها (٦) أن التركمان أسروا الملك الأشكرى (٧) وهو قاتل غياث الدين كيخسرو وحملوه إلى ابنه كيكاوس بن كيخسرو، فأراد قتله فبذل له في نفسه أموالًا عظيمة وسلم إلى كيكاوس قلاعًا وبلادًا لم يملكها المسلمون قط فأطلقه وخلى سبيله.

стр. 879

ومنها (١) أن الخليفة عزل قاضى القضاة عماد الدين بن الدامغاني وولي الزنجاري القضاء. ومنها (٢) أنه قدم من حران إلى حلب الملك المنصور ناصر الدين محمد بن العزيز ابن صلاح الدين وإخوته وكان معتقلا بحران، ثم رسّم عليه فهرب من الترسيم وأعطاه الظاهر إقطاعًا بحلب. ومنها أن (٣) في الثامن والعشرين من ذي القعدة الموافق لآخر آذار على إحدى عشرة ساعة منه أظلم الجو ووقع شعثة بالرمل إلى بعد المغرب، ثم ارتفع ذلك من لطف الله . وفيها … ... … ... … ... … ... … ... … . (٤) وفيها (٥) حج بالناس من العراق أبو فراس نائبًا عن محمد بن ياقوت، ومن الشام علم الدين الفقية نصر الله الجعبرى أمام الملك المعظم عيسى بن الملك العادل. ذكر من توفى فيها من الأعيان إبراهيم (٦) بن علي بن محمد بن علي بن محمد بن بكروس، الفقيه الحنبلي، أفتى وناظر وعدّل عند الحكام، ثم انسلخ من هذا كله وصار شرطيًا بباب (٧) النوبي، فيضرب الناس ويؤذيهم غاية الأذى ثم بعد ذلك كله ضرب إلى أن مات في هذه السنة، وألقى في دجلة وفرح الناس بموته، وقد كان أبوه رجلا صالحا. الركن (٨) عبد السلام بن عبد الوهاب ابن الشيخ عبد القادر، الذي أحرقت كتبه بالرحبة، وحكم القاضي بتفسيقه، وكان متهما بالفلسفة ومخاطبة النجوم، وولي عدة

стр. 880

ولايات، وكان مصاحبا لأبي القاسم بن الشيخ أبي الفرج بن الجوزي، وكان الآخر مدبرا يجتمعان على الشراب والمردان، ومرض عبد السلام بعلة البطن فرمى كبده قطعًا ومات في هذه السنة سامحه الله. أبو محمد عبد العزيز (١) بن محمود بن المبارك البزار المعروف بابن الأخضر، ولد سنة ست وعشرين وخمسمائة، وقيل: في سنة أربع وعشرين. وقيل: هو جنابذي الأصل بغدادي الدار والمولد، سمع الحديث الكثير وصنف الكتب الحسان من الأبواب والشيوخ والفضائل، وأول سماعه سنة ثلاثين وخمسمائة، وكانت له حلقة بجامع القصر يقرأ فيها الحديث [٣٥٠] ويقرأ عليه، وتصانيفه تدل على فهمه وضبطه وحسن معرفته، وكانت له وإن بَزّفي الريحانيين، وتوفي في شوال وصلي عليه بجامع القصر وحضر جنازته العلماء والأعيان، ودفن بباب حرب، وكان فاضلا صالحا دينا عفيفا لطيفا. محمد بن (٢) على بن نصر الحنبلي، الواعظ الدوري أصله من الدورقريه بدجيل، سمع ابن ناصر وأبا الوقت وغيرهما وتعاني (٣) الوعظ ولم يكن من صنعته، وكان يضاهي ابن الجوزي حتى قيل له: أيما أعلم أنت أم أبو الفرج؟ فقال: ما أرضاه يقرأ على الفاتحه، وبلغ ذلك أبا الفرج فقال: ما أقرأ عليه الفاتحة بل أقرأ عليه قل هو الله أحد، وكان يتعصب له حاكة قطفتا (٤)، مات في شعبان، ودفن في رباطه بقطفتا، وكان ينتحل أشعار الناس، ادعى يوما بيتين وأنشدهما على المنبر مشيرا إلى الخليفة وهما لأبي الفتح البُسْتي وهما: علم في دجى الدجي وشهاب … كلنا في ضيائه واقتباسه متلف الأموال في وقت بؤس … وجواد بالعفو في وقت باسه
следующие страницы →