← История

История · id 380

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [565 - 628 هـ]

بدر الدين العيني

Полный текст (1 226 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

ذكر تملك خوارزم شاه كرمان وغيرها وفي هذه السنة أرسل السلطان [٣٤٨] علاء الدين خوارزم شاه محمد بن تكش أميرًا من أخصاء أمرائه عنده، وكان قبل ذلك سيروانًا فصار أميرًا خاصًا في جيش، ففتح له كرمان ومكران والسند وخطب لخوارزم شاه بتلك النواحي. وكان خوارزم شاه لا يصيف إلا بنواحي سمر قند خوفًا من التتار أصحاب كشلي خان أن يثوروا على أطراف بلاده التي تتاخم بلادهم. وقال بيبرس (١): كان في جملة أمراء والد خوارزم شاه أمير يسمى أبو بكر (٢) وتلقب تاج الدين، وكان ذا عقل وحزم ورأي وشجاعة، وكان قد ولاه مدينة زوزن (٣) ووثق به أكثر من جميع أمرائه فقال له: إن بلاد كرمان مجاورة لبلادي فلو أرسلت معي عسكرًا لملكتها فسير معه عسكرًا كثيرًا، وكان صاحب كرمان اسمه حرب بن محمد بن أبي الفضل فقاتله فضعف عنه فملك بلاده، وسار منها إلى نواحي مكران فملكها كلها إلى السند من حدود كابل، وسار إلى هرمز مدينة على ساحل بحر مكران فأطاعه صاحبها وخطب بها لخوارزم شاه، وحمل له عنها مالًا وخطبة له بقلهات (٤) وبعض عُمان؛ لأن أصحابها كانوا يطبعون صاحب هرمز. ذكر حج الملك المعظم وفي هذه السنة (٥) حج الملك المعظم ابن الملك العادل في ركب من الكرك على الهجن في حادي عشر ذي القعدة ومعه ابن مُوسَك ومملوكه أيبك عز الدين أستاذ داره وخلق، فساروا على طريق تبوك والعلى، وبنى المعظم البركة المنسوبة إليه ومصانع أخرى، وأثر في هذه السنة بطريق الحجاز آثارًا حسنة، وفرق صدقات كثيرة على المجاورين بالحرمين الشريفين.

стр. 877

وقال أبو شامة (١): حج المعظم في هذه السنة ومعه عز الدين أيبك وعماد الدين ابن موسك والظهير بن سنقر الحلبي وغيرهم، وتلقاه سالم أمير المدينة وَخَدَمَهُ وقَدَّم له الخيل والهدايا، وسلم إليه مفاتيح المدينة، وفتح الأهراء وأنزله في داره وخَدَمَهُ خِدْمةً عظيمة، ثم سار إلى مكة فوصلها يوم الثلاثاء سادس ذي الحجه فكانت وقفة تلك السنة يوم الجمعة، وانفصل عن مكة بعد أداء الفرض يوم الثلاثاء ثالث عشر الشهر وقدم المدنية فأقام بها ثم انفصل عنها عائدا إلى الشام وصحبته الأمير سالم (٢) في الخامس والعشرين منه. وقال السبط في (٣) المرآة: والتقاه قتادة (٤) أبو عزيز أمير مكة وحضر في خدمته، وحكى لي المعظم قال: قلت: أين تنزل؟ فأشار إلى الأبطح مبسوطة، وقال: هناك منزلنا بالأبطح، وبعث لنا هدايا يسيرة. وحج السلطان على مذهب أبي حنيفة ﵁ وأتي بجميع المناسك وأحيى السُنة، أحرم قارنًا، وبات بمنى ليلة عرفة، وصلى بها الصلوات الخمس، وسار إلى عرفة وقضى نُسكه كما أمر الله تعالى. قال ولقد رأيت كتفه بعد ما عاد وقد أكلته الشمس وانكشط وقيح. فقلت: ما هذا؟ قال: ما غطيت رأسي ولاكتفى من ثلاثة عشر يوما، قلت: لم يكن له حاجة إلى كشف كتفه فإنه لا يستحب إلا حالة الاضطباع في طواف القدوم. قال السبط (٥): ولما رجع كنت مقيما بالكرك فخرجت للقائه مع جماعة من الأعيان والأمراء والفقراء والفقهاء، فما التفت إلى أحد منهم، ولما رآني ترجل عن ناقته وعانقني وسقنا إلى زيزا (٦). وكان لقاؤنا له على غدير الظرفاء في البرية، وشرع يحكي له صفة حجه وما فعل. وكان والده [٣٤٩] الملك نازلًا على خربة (٧) اللصوص، فقال: أريد أن أنعته

стр. 878

حتى لا يلتقيني أحد، وسار إليه واجتمع به وحكى له خدمة سالم، وتقصير قتادة، فجهز جيشا مع الناهض بن الجرحى إلى المدينة والتقاهم سالم فأكرمهم، وقصدوا مكة فانهزم قتادة منهم إلى البرية، ولم يقف بين أيديهم. ذكر بقية الحوادث منها (١) أنه شرع في تبليط داخل الجامع بدمشق وبدأوا بناحية السبع الكبير، وكان أرض الجامع قبل ذلك حُفرًا وجورًا فاستراح الناس بتبليطه. ومنها (٢) أنه هدمت الدور والحوانيت المجاورة للقلعة ليوسع الخندق، ومن جملة ما هدم حمام قايماز النجمي، ووقف دار الحديث النورية، وكان فرنًا وحوانيت مقابل المار من جهة دار الحديث إلى القلعة. ومنها (٣) أن المعظم بنى الفندق المنسوب إليه بناحية قبرعاتكة ظاهر باب الجابية بدمشق. ومنها (٤) أنه تعامل أهل دمشق بالقراطيس (٥) السود العادلية ثم بعد ذلك بطلت وفنيت. ومنها (٦) أن التركمان أسروا الملك الأشكرى (٧) وهو قاتل غياث الدين كيخسرو وحملوه إلى ابنه كيكاوس بن كيخسرو، فأراد قتله فبذل له في نفسه أموالًا عظيمة وسلم إلى كيكاوس قلاعًا وبلادًا لم يملكها المسلمون قط فأطلقه وخلى سبيله.

стр. 879

ومنها (١) أن الخليفة عزل قاضى القضاة عماد الدين بن الدامغاني وولي الزنجاري القضاء. ومنها (٢) أنه قدم من حران إلى حلب الملك المنصور ناصر الدين محمد بن العزيز ابن صلاح الدين وإخوته وكان معتقلا بحران، ثم رسّم عليه فهرب من الترسيم وأعطاه الظاهر إقطاعًا بحلب. ومنها أن (٣) في الثامن والعشرين من ذي القعدة الموافق لآخر آذار على إحدى عشرة ساعة منه أظلم الجو ووقع شعثة بالرمل إلى بعد المغرب، ثم ارتفع ذلك من لطف الله . وفيها … ... … ... … ... … ... … ... … . (٤) وفيها (٥) حج بالناس من العراق أبو فراس نائبًا عن محمد بن ياقوت، ومن الشام علم الدين الفقية نصر الله الجعبرى أمام الملك المعظم عيسى بن الملك العادل. ذكر من توفى فيها من الأعيان إبراهيم (٦) بن علي بن محمد بن علي بن محمد بن بكروس، الفقيه الحنبلي، أفتى وناظر وعدّل عند الحكام، ثم انسلخ من هذا كله وصار شرطيًا بباب (٧) النوبي، فيضرب الناس ويؤذيهم غاية الأذى ثم بعد ذلك كله ضرب إلى أن مات في هذه السنة، وألقى في دجلة وفرح الناس بموته، وقد كان أبوه رجلا صالحا. الركن (٨) عبد السلام بن عبد الوهاب ابن الشيخ عبد القادر، الذي أحرقت كتبه بالرحبة، وحكم القاضي بتفسيقه، وكان متهما بالفلسفة ومخاطبة النجوم، وولي عدة

стр. 880

ولايات، وكان مصاحبا لأبي القاسم بن الشيخ أبي الفرج بن الجوزي، وكان الآخر مدبرا يجتمعان على الشراب والمردان، ومرض عبد السلام بعلة البطن فرمى كبده قطعًا ومات في هذه السنة سامحه الله. أبو محمد عبد العزيز (١) بن محمود بن المبارك البزار المعروف بابن الأخضر، ولد سنة ست وعشرين وخمسمائة، وقيل: في سنة أربع وعشرين. وقيل: هو جنابذي الأصل بغدادي الدار والمولد، سمع الحديث الكثير وصنف الكتب الحسان من الأبواب والشيوخ والفضائل، وأول سماعه سنة ثلاثين وخمسمائة، وكانت له حلقة بجامع القصر يقرأ فيها الحديث [٣٥٠] ويقرأ عليه، وتصانيفه تدل على فهمه وضبطه وحسن معرفته، وكانت له وإن بَزّفي الريحانيين، وتوفي في شوال وصلي عليه بجامع القصر وحضر جنازته العلماء والأعيان، ودفن بباب حرب، وكان فاضلا صالحا دينا عفيفا لطيفا. محمد بن (٢) على بن نصر الحنبلي، الواعظ الدوري أصله من الدورقريه بدجيل، سمع ابن ناصر وأبا الوقت وغيرهما وتعاني (٣) الوعظ ولم يكن من صنعته، وكان يضاهي ابن الجوزي حتى قيل له: أيما أعلم أنت أم أبو الفرج؟ فقال: ما أرضاه يقرأ على الفاتحه، وبلغ ذلك أبا الفرج فقال: ما أقرأ عليه الفاتحة بل أقرأ عليه قل هو الله أحد، وكان يتعصب له حاكة قطفتا (٤)، مات في شعبان، ودفن في رباطه بقطفتا، وكان ينتحل أشعار الناس، ادعى يوما بيتين وأنشدهما على المنبر مشيرا إلى الخليفة وهما لأبي الفتح البُسْتي وهما: علم في دجى الدجي وشهاب … كلنا في ضيائه واقتباسه متلف الأموال في وقت بؤس … وجواد بالعفو في وقت باسه

стр. 881

الشيخ (١) علي بن أبي بكر الهروي، مات في هذه السنة وله التربة المعروفة قبلي حلب، وكان عارفًا بأنواع الحيل والشعبذة والسيماوية وتقدم عند الملك الظاهر غازي صاحب حلب وتغرب في البلاد، ودار غالب المعمورة. الأمير دلدروم (٢) بن ياروق، صاحب تل باشر، توفي في هذه السنة وولي تل باشر بعده ابنه فتح الدين.

стр. 882

فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الثانية عشرة بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله، والملك العادل توجه إلى الإسكندرية لأنه كان قد اجتمع بالإسكندرية من تجار الفرنج نحو ثلاثة آلاف رجل ووصلت بُطسة إلى المينا فيها ملكان من ملوك الفرنج، فبلغه أن الفرنج صمموا على أن يثوروا بأهل الإسكندرية فيقتلونهم ويأخذون البلد، فأمسك التجار الذين بالثغر والواصلين في البطسة واستصفى أموالهم واعتقلهم، واعتقل الملكين وجرت خطوب مع العادل من الفرنج حتى أطلق النسوة التي لهم وعاد إلى القاهرة. وفي تاريخ ابن العميد: وفي هذه السنة كشف السلطان الملك العادل عن الأموال التي أنفقت في تجهيز الملك المسعود إلى اليمن فكانت جملة عظيمة، فأنكر على القاضي الأعز فخر الدين بن شكر وضربه وقيده وحمله إلى قلعة بصري واعتقله بها. ذكر حصر قتادة أمير مكة المدينة النبوية وفي هذه السنة حاصر (١) الأمير قتادة الحسني المدينة النبوية وقطع فيها نخلا كثيرًا فقاتله أهلها فَكَرَّ خائبا خاسرا، وكان سالم صاحب المدينة بالشام في خدمة العادل يطلب منه النجدة على قتادة، فأرسل معه جيشا فأسرع الأوبة فمات في أثناء الطريق، فاجتمع شمل الجيش على ابن أخيه جماز فقصد مكة فالتقاه أميرها بالصفراء (٢) فاقتتلوا قتالا كثيرا، فهزم المكيون وغنم منهم الأمير جاز شيئا كثيرًا، وهرب قتادة إلى الينبع فساروا إليه فحاصروه بها وضيقوا عليه بها. وقال أبو شامة (٣): وفي ثالث شعبان سار الأمير سالم صاحب المدينة بمن استخدمه من التركمان وغيرهم من المخيم السلطاني بالكسوة ثم توفي بالطريق قبل [٣٥١] وصوله إلى المدينة، وقام ولد أخيه جماز بالأمر بعده، واجتمع أهله على طاعته، فمضى بمن كان طلع مع عمه لقصد قتادة صاحب

стр. 883

مكة، فجمع قتادة عسكره وأصحابه والتقوا بوادى الصفراء، فكانت الغلبة لعسكر المدينة فاستولوا على عسكر قتادة قتلا ونهبًا، ومضى قتادة منهزمًا إلى الينبع فتبعوه وحصروه بقلعته وحصل لحميد بن راجب من الغنيمة ما يزيد على مائة فرس، وهو واحد من جماعة كثيرة من العرب الطائيين، وعاد الأجناد الذين كانوا مضوا مع الأمير سالم من الشام من التركمان وغيرهم صحبة الناهض بن الجرخي [خادم] (١) المعتمد، وفي صحبتهم كثير مما غنموه من أعمال قتادة ومن وقعة وادى الصفراء من نساء وصبيان، فظهر فيهم أشراف حَسنيون وحُسينيون فاستعبدوا منهم وسلموا إلى المعروفين من أشراف دمشق ليكفلوهم ويشاركوهم في قسمهم من وقفهم. ذكر تملك خوارزم شاه غزنة وفي هذه السنة ملك السلطان خوارزم شاه محمد بن تكش غزنه بغير قتال. وفي تاريخ النويرى (٢): ملك غزنة وأعمالها وأخذها من يلدز مملوك شهاب الدين أحمد الغوري فهرب يلدز إلى لهاور (٣) من الهند، واستولى عليها، ثم سار يلدز عن لهاور ليستولي على بعض بلاد الهند الداخله تحت يد قطب الدين أيبك خشداش يلدز المذكور فجرى بينه وبين مملوك قطب الدين أيبك مصاف قتل فيه يلدز، وكان يلدز حسن السيرة محسنا إلى الرعية كثير المعروف. وقال بيبرس في تاريخه: وكان بغزنة نائب عن يلدز يسمى قتلغ تكين مملوك شهاب الدين الغورى فسير إليه خوارزم شاه فطلب منه أن يخطب له فيها فترجح عنده الخطبة له فيها والراحة من القتال. واستشار أهل البلد فأشاروا عليه بذلك فسير إلى خوارزم شاه أن أحضر لأخذ البلد فحضر وسلم إليه البلد، فبلغ ذلك يلدز فعز عليه وقال: كيف تسلمها خوارزم شاه وقتلغ تكين فيها؟ فقيل له: إنه الذي سلمها. ثم إن خوازرم شاه أستدعي قتلغ تكين وقال له: كيف كنت مع يلدز؟ قال: كنت الحاكم في غزنة، فقال: إذا كنت الحاكم فيها وهو خشداشك (٤) وهذه

стр. 884

معاملتك معه فكيف يكون حالك مع ولدى، ثم أنه قبض عليه وأخذ منه أربع مائة مملوك وأموالًا جمة وذخائر عظيمة وأمتعة جليلة وقتله وسلم البلد إلى ولده جلال الدين. وفيها (١) هرب يلدز إلى لهاور فلقيه صاحبها جلال الدين قباجة وهو من مماليك شهاب الدين الغورى ومعه خمسة عشر ألف فارس ومع يلدز ألف وخمسمائة فارس، فالتقيا فانهزم أكثر عسكر يلدز وأخذت الفيلة التي معه ولم يبق معه غير فيلين، فقال للفيال: أحمل واقصد العَلمَ الذي على رأس الملك، وقال بالعجمية: إما أن أملك أو أموت وحمل فانهزم قباجة وملك يلدز لهاور، وملك دهلة (٢) وكان صاحبها الترمش من مماليك شهاب الدين الغورى، وقد ملكها بعد سيده فلما سمع بيلدز سار إليه في عساكره فالتقوا فانهزم يلدز وأخذ فقتل، وكان عادلًا محسنا إلى الغرباء والتجار. ذكر قتل منكلي سبب (٣) ذلك [٣٥٢] أنه قتل أيدغمش كما ذكرنا فأرسل الخليفة ينكر عليه ذلك، وأرسل الخليفة إلى الأمير أزبك بن البهلوان صاحب أذربيجان يحرضه على منكلي ويعده النصرة، وأرسل إلى جلال الدين الإسماعيلى صاحب قلاع الإسماعيلية ببلاد العجم بأمره بمساعدة أزبك على قتال منكلي، واستقرت القواعد بينهم على أن يكون للخليفة بعض البلاد ولأزبك بعضها ويعطى بعضها لجلال الدين، فلما استقرت القواعد على ذلك جهز الخليفة عسكرًا كثيرا وجعل مقدمهم مظفر الدين سنقر الملقب بوجه السبع صاحب إربل وشهر زور وأعمالها يأمره أن يحضر بعساكره ويكون مقدم العساكر جميعها وإليه المرجع في الحرب، فحضر وحضر معه عسكر الموصل وبلاد الجزيرة وساروا إلى همذان، فاجتمعت العساكر فانزاح منكلي من بين أيديهم وتعلق بالجبال وتبعوه إلى أن نزلوا بسفح جبل هو في أعلاه بالقرب من مدينة كرج (٤) وضاقت الميرة والأقوات على العسكر الخليفى فالتقوا هم ومنكلي في يومهم ذلك وثانيه فهرب ليلا في نفر يسير من

стр. 885

عسكره وفارقه الباقون، فأعطى جلال الدين ملك الإسماعيلية من البلاد ما كان استقر له، وأخذ الباقي أزبك فسلمه إلى أعلمش مملوك أخيه وعادت كل طائفة من العسكر إلى بلادهم ومضى منكلي منهزمًا إلى مدينة ساوة (١) وبها شحنة هو صديق له، فأرسل إليه يستأذنه في الدخول إلى البلد، فأذن له وخرج إليه وتلقاه وقبل الأرض بين يديه، وأدخله البلد، ثم أخذ سلاحه وأراد أن يقيده ويُسيره إلى أغلمش، فسأله أن يقتله ولا يرسله إليه، فقتله، وأرسل رأسه إلى أزبك وأرسله أزبك إلى بغداد، وكان يوم دخوله بغداد يوما مشهودًا. واتفق (٢) موت ولد الخليفة في ذلك اليوم وهو أبو الحسن علي ابن الخليفة الناصر وكان يلقب بالملك المعظم، وكان جوادًا سمحا وافر المعروف حسن العشرة، وأمر الخليفة بالنياحة عليه في أقطار بغداد وكان الخليفة قد جعله ولي عهده من بعده، وعزل عن ذلك أخاه الأكبر، وكانت وفاته يوم الجمعة العشرين من ذي القعدة منها، ودفن عند جدته بالقرب من قبر معروف الكرخي ﵀، فحزن عليه الخليفة حزنا شديدا وكذلك الخاصة والعامة لكثرة صدقاته وإحسانه إليهم ورثاه شرف الدين بن الحلى من قصيدة. أكذا يَهُدُّ الدهر أطواد الهدى … ويرد بالنكبات شاردة الردى أكذا تغيب [النيرات] (٣) وينطفي … ما كان من أنوارها متوقدا ياللرجال لنكبة نبوية … طوت العلا (٤) قلبا عليها مُكمدًا وهذه قصيدة طويلة ورثاه القاضي بهاء الدين بن النبيه المصري من قصيدة: الناس للموت كَخَيْلِ الطِرَاد … [فالسابقُ] (٥) السابقُ منها الجواد والله لا يدعوا إلى داره … إلا من اسَتصْلَحَ من ذا العباد

стр. 886

وفي (١) المرآة: ومن العجائب أنه دخل يوم الجمعة رأس منكلي على خشبة وقد زينت بغداد وأظهر السرور والفرح فلما وصل الرأس إلى درب حبيب وافق في تلك الساعة [٣٥٣] وفاة ابن الخليفة فرد الرأس ورمي في بيت في خان. وكوسات منكلي مشققة وأعلامه منكسة، وانقلب ذلك السرور حزنا وأمر الخليفة بالنياحة عليه في أقطار بغداد، ففرشوا البواري والرماد وخرجت العواتق من خدورهن ونشرن شعورهن ولطمن، وقام النوايح في كل ناحية وعظم حزن الخليفة بحيث أنه امتنع من الطعام والشراب وغلقت الأسواق، وعطلت الحمامات، وبطل البيع والشرى، وجرى في بغداد ما لم يجر في بلد آخر، وخلف الميت ولدين أبا عبد الله الحسين ولقبه المؤيد، ويحيى ولقبه الموفق. ذكر بقية الحوادث منها أنه شرع في هذه السنة بناء المدرسة العادلية الكبيرة بدمشق المقابلة لدار العقيقى من الغرب. وحضر السلطان لترتيب وضعها بين الصلاتين يوم السبت الرابع عشر من جمادى الآخرة، ثم احترقت في شهر رمضان سنة أربع عشرة وستمائة. ومنها (٢) أنه عزل القاضي الزكي بن محيي الدين بن الزكي وفوض الحكم إلى القاضي كمال الدين بن الجرستاني وهو ابن ثنتين وتسعين سنة، فحكم بالعدل وقضى بالحق ويقال: إنه كان يحكم بالمدرسة المجاهدة التي عند القواسين بدمشق. ومنها (٣) أن الملك العادل أبطل ضمان الخمر والقيان. ومنها (٤) أن الفرنج أغارت على بلاد الإسماعيلية فقتلوا ونهبوا وسبوا نحو ثلثمائة أسير. ومنها (٥) أن ملك الروم كيكاوس أخذ مدينة أنطاكية من أيدي الإفرنج ثم أخذها منه ابن لاون ملك الأرمن، ثم أخذها منه إبرنس طرابلس، وقال السبط (٦): أخذ ابن لاون أنطاكية من الإفرنج يوم الأحد الرابع والعشرين من شوال وكنت في ذلك اليوم قد جلست

стр. 887

عند الملك الظاهر بحلب في دار العدل، فلما انقضى المجلس نزلت من المنبر فقام الظاهر والتقاني وأجلسني إلى جانبه، ودفع إلى بطاقة جاءته من حارم يخبره بذلك ثم عاد إبرنس طرابلس بعد ذلك أخذها من ابن لاون. ومنها أن مسعود (١) الجوادي قدم رسولًا من الملك الأشرف إلى الخليفة فالتقاه الموكب، وكان معه نسر رماه الملك الأشرف للخليفة، وعلق النسر بباب البدرية (٢) ونثروا عليه دنانير. ومنها (٣) أن رسول الخليفة وصل من بغداد إلى دمشق وهو الشيخ شهاب الدين السهروردي، ونزل بجوسق العادل في رمضان وسار إلى لحاق السلطان بالقدس وعاد راجلا إلى بغداد في خامس عشر شوال. ومنها أن الكرج أغاروا على أذربيجان فحازوا ذخائرها وما يزيد على مائة ألف أسير كذا قاله أبو شامة (٤). ومنها (٥) أنه وصل الصلاح بن شعبان الإربلي من مصر مبشرا بفتوح اليمن واستيلاء ولد الكامل عليه وطاعة من به من العسكر له بغير حرب. وفيها … ... … ... … ... … ... … ... … . (٦) وفيها حج بالناس من العراق ابن أبي الفراس (٧). ذكر من توفي فيها من الأعيان الحافظ عبد القادر (٨) بن عبد الرحمن أبو محمد، المحدث الكبير المخرّج المفيد المحرر المتقن البارع المصنف المعيد، كان مولي لبعض المواصلة. وقيل لبعض

стр. 888

الحرانيين، اشتغل بدار الحديث بالموصل، ثم انتقل إلى حران، ثم رحل إلى بلاد شتي، وسمع الكثير من المشايخ شرقًا وغربًا وأقام بحران إلى أن توفي بها في هذه السنة، وكان مولده بالرها من سنة ست وثلاثين وخمسمائة وكان دينًا صالحا. وقال أبو شامة (١): كانت وفاته يوم السبت الثاني من جمادى الأخرى، سمع بمصر الحافظ السِلفي وببغداد ابن الخشاب وشهدة وبأصبهان أبا عبد الله الرسمتي [٣٥٤] وغيرهم وكان صدوقا ورعًا. الشيخ الفقيه كمال الدين (٢) مودود بن الشاغوري الشافعي، كان فقيها صالحًا دينا خيرًا متواضعا زاهدا، وكان يقرئ الناس الفقه بالجامع قبالة مقصورة الخطابة احتسابًا، ويشرح التنبيه للطلبة ويطول روحه على تعليمهم، مات في العشرين من المحرم ودفن بمقابر باب الصغير شمالي الحظيرة التي فيها قبر معاوية وغيرهم من الصحابة ﵃ وكتب على حجر على قبره أبيات حسنة من نظم الشهاب فتيان الشاغوري: كم ضم قبرك يا مودود من دين … ومن عفاف ومن بر ومن لين ما كنت تقرب سلطانا لتخدمه … لكن غنيت بسلطان السلاطين نبكي عليك وعنا أنت في شغل … برد تسليم حُور خردّ (٣) عين سقى الإله ضريحا أنت ساكنه … حتى تري منبتا خضر الرياحين الوجيه (٤) الأعمى أبو بكر المبارك بن أبي طالب المبارك بن أبي الأزهر سعيد بن الدهان، النحوى الواسطى الملقب بالوجيه. ولد بواسط وقدم بغداد فاشتغل بعلم العربية والنحو، فأتقن ذلك وحفظ شيئا كثيرًا من أشعار العرب وسمع الحديث وكان حنبليا، فانتقل إلى مذهب أبي حنيفة ﵁ ثم صار شافعيا وولى تدريس النحو بالنظامية، وفيه يقول الشاعر:

стр. 889

ألا (١) مبلغٌ عني الوجيه رسالة … وإن كان لا تجدى إليه الرسائل تمذهبت للنعمان بعد ابن حنبل … وذلك لما أعوزتك المأكل وما اخترت رأي الشافعي ديانة … ولكنما تهوى الذي هو حاصلُ وعما قليل أنت لا شك صائرٌ … إلى مالك فافطن (٢) لما أنا قايل وكان يحفظ شيئا كثيرا من الحكايات والأمثال والملحُ، ويعرف العربية والتركية والعجمية والرومية والحبشية والزنجية، وكانت له يد طولى في نظم الشعر فمن ذلك قوله: ولو وَقَعَتْ في لجة البحر قطرةُ … من المزن يومًا ثم شاء لمازها ولو ملك الدنيا فأضحى ملوكها … عبيدًا له في الشرق والغرب مازها الأول من الميز وهو البيان والتفرقة، والثاني بمعنى الزهو والعجب. وله في التجنيس أيضا قوله: أطلت ملامي في اجتنابي لمعشر … طعام لئام جودهم غير مرتجا تري بابهم لا بارك الله فيهم … على طالب المعروف أن جاء مرتجا حموا مالهم والدين والعرض منهم … مباح فما أيخشون من هجو من هجا إذا شرع الأجواد في الجود منهجا … فهم شرعوا في البخل سبعين منهجًا الأول من الرجا، والثاني من الأرتاج وهو الإغلاق، والثالث من الهجو، والرابع من النهج وهو الطريق. وله مدائح حسنة وأشعار رائقة ويبتكر معاني فائقة وربما عارض شعر البحتري بما يقاربه ويدانيه، قالوا: وكان لا يغضب قط. تراهن جماعة مع واحد إن أغضبه، فجاء إليه فسأله عن مسألة [في (٣)] النحو (٤) فأجابه فيها فقال له السائل: أخطأت [٣٥٥] أيها الشيخ، فأعاد عليه الجواب بعبارة أخرى فقال له: أخطأت أيضًا.

стр. 890

فأعاد ثالثة فقال: كذبت فكأنك قد نسيت النحو. فقال له الوجيه: فلعلك لم تفهم ما أقول لك. فقال: بلى ولكنك تخطئ. فقال له: فقل ما عندك لنستفيده منك. فأغلظ له السائل فقال الوجيه: إن كنت راهنت فقد غلبت إنما مثلك في هذا المثل البقة يعني الناموسة سقطت على الفيل فلما أرادت الطيران قالت له: استمسك فإني أريد أن أطير. فقال لها: ما أحسست [بك (١)] حين سقطت فما أحتاج أن أستمسك إذا طرت. ولد سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائه بواسط، وتوفي ليلة الأحد الثاني والعشرين من شعبان من هذه السنة ببغداد ودفن من الغد بالوردية (٢) عند ابن فضلان ومن إنشاده: لا خير في الخمر فمن شأنها … إفقادها العقل وجلب الجنون وأن تُرِى الأقبح مستحسنا … وتظهر السر الخفى المصون

стр. 891

فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الثالثة عشرة بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله وملوك البلاد. غير أن الملك الظاهر غازي توفي في هذه السنة. ذكر وفاة الملك الظاهر والكلام فيه على أنواع: (الأول) في ترجمته: هو السلطان الملك (١) الظاهر أبو الفتح وأبو منصور غياث الدين غازي ابن السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن نجم الدين أيوب صاحب حلب وكانت ولادته بالقاهرة في منتصف رمضان سنة ثمان وستين وخمسمائة، وهي السنة الثانية من استقلال أبيه بمملكة الديار المصرية، وأعطاه والده مملكة حلب في سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة بعد أن كانت لعمه الملك العادل فنزل عنها، وتعوض غيرها وكان عمره حين تولى حلب أربع عشرة سنة. (الثاني) في سيرته: كان ملكا مهيبا حازمًا متيقظًا كثير الإطلاع على أحوال رعيته وأخبار الملوك عالي الهمة، حسن التدبير والسياسة باسط العدل محبا للعلماء، مجيزا للشعراء. وقال السبط (٢): كانت دولته معمورة بالعلماء والفضلاء مزينة بالملوك والأمراء، وكان محسنا إلى الرعية وإلى الوافدين عليه وحضر معظم غزوات والده. ولما استقر العادل بدمشق ضم الظاهر إليه الأمراء الصلاحية، كميمون القصري والمبارزين يوسف بن خطلج الحلبي، وسنقر الحلبي، وسرا سنقر وأيبك فطيس وغيرهم، وكان في دولته من أرباب العمائم القاضي بهاء الدين بن شداد، والشريف الافتخاري، والشريف والنسابة، وبنو العجمى والقيسراني، وبنو الخشاب وغيرهم، وكان ملجأ للغرباء، وكهفًا للفقراء، يزور الصالحين ويعتقدهم ويغيث المهلوفين ويرفدهم، وكان يتوقد ذكاء وفطنة سريع الإدراك. قال ابن (٣) خلكان: ويحكي عن سرعة إدراكه أشياء حسنة منها: أنه جلس يومًا لعرض

стр. 892

العسكر وديوان الجيش بين يديه فكان كلها حضر واحد من الأجناد سأله الديوان عن اسمه ليزكوه (١)، حتى حضر واحد فسألوه فقبل الأرض فلم يفطن أحد من أرباب الديوان لما أراد فأعادوا سؤاله، فقال الملك الظاهر: اسمه غازي. وكان كذلك وتأدب الجندي أن يذكر اسمه [٣٥٦] لما كان موافقا لاسم السلطان، وعرف هو مقصوده، وله من هذا الجنس شيء كثير. وكان فيه بطش كبير وإقدام على سفك الدماء ثم أقصر عن ذلك، وهو الذي جمع شمل البيت الصلاحي. (الثالث) في تاريخ وفاته: توفي بقلعة حلب ليلة الثلاثاء العشرين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة وستمائة. قال النويري (٢): وابتدأ به المرض في الخامس والعشرين من جمادى الأولى وتوفي في التاريخ المذكور. وفي المرأة (٣): مات بعلة الذرب ولما اشتد به المرض أحضر القضاة والأكابر وكتب نسخة يمين أن يكون المُلك بعده لولده الملك العزيز الصغير، ثم من بعده لولده الكبير الملك الصالح صلاح الدين أحمد بن غازي، وبعدهما لابن عمهما الملك المنصور عمر بن العزيز عثمان بن السلطان صلاح الدين يوسف. وحلف الأمراء والأكابر على ذلك. وقال ابن كثير (٤): وكان للملك الظاهر أولاد كبار، ولكنه عهد إلى الملك العزيز هذا من بينهم؛ لأنه كان من بنت عمه الملك العادل، وأخواله الأشرف والمعظم والكامل وجده العادل لا ينازعونه، وهكذا وقع سواء بايع له جده العادل وخاله الأشرف صاحب حران والرها وخلاط، وهمّ المعظم بنقض ذلك فلم يتفق له، ولما كان الظاهر دفن بالقلعة، ثم عمر الطواشي طغريل الخادم الرومي الأبيض أتابك ولده الملك العزيز مدرسة تحت القلعة، وعمر فيها تربة، ونقله إليها. وقال المؤيد (٥): لما كانت صبيحة يوم السبت الخامس والعشرين من جمادى الأولى من هذه السنة ابتدئ بالملك الظاهر حُمي حادة،

стр. 893

ولما اشتد مرضه أحضر القضاة فذكر نحو ما ذكرناه، ثم قال: وجعل الحكم في الأموال والقلاع إلى شهاب الدين طغريل الخادم غدق به جميع أمور الدولة، وفي الثالث عشر من جمادى الآخرة أقطع الملك الظافر خضر [كفر سودا] (١) وأخرج من حلب في ليلته بالتوكيل، وأخرج علم الدين قيصر ملوك الظاهر إلى حارم نائبًا. وفي خامس [عشر] (٢) جمادى الآخرة اشتد به المرض ومُنع الناس من الدخول إليه، وتوفي في التاريخ المذكور، وكان عمره حين توفي أربعًا وأربعين سنة وشهورًا، وكانت مدة ملكه لحلب من حين وهبها له أبوه إحدى وثلاثين سنة. (الرابع) فيما رثي به: وقال ابن الحِلَّي يرثيه ويمدح ولديه الملك العزيز والملك الصالح أحمد صاحب عنيتاب بقصيدة طويلة، أولها هو قوله: سل الخطب إن أصغى إلى من يخاطبه … بمن علقت أنيابه ومخالبه نشدتك عاتبه على نائياته … وإن كان نبي السمع عمن يعاتبه لى اللهُ كم أرمي بطرفي خلاله … إلى أفق مجد قد تهاوت كواكبه فمالي أرى الشهباء قد حال صبحها … علىَّ دجي لا يستنير غياهبه أحقًا حِمَى الغازي الغياث بن يوسف … أُبيح وعادت خابيات مواكبه نعم كُوِّرت شمس المدائح وانطوت … أسماء العُلى والنجح ضاقت مذاهبه فمن لليتامى يا غياث يغيثهم … إذا الغيث (٣) لم ينفع صدى العام ساكبه [٣٥٧] فإن يك نور من شهابك قد خبي … فيا طالما جَلَّي دجى الليل ثاقبه (٤) فقد لاح بالملك العزيز محمد … صباح هدى كنا زمانا نراقبه فتى لم يفته من أبيه وجده … إياء وجَدٌّ غالبًا يغالبه

стр. 894

ذكر تولية الملك العزيز قد ذكرنا أن الملك الظاهر أوصى بمملكته من بعده لولده الملك العزيز محمد بن غازي وكان عمره لما قرر في المملكة سنتين وأشهُرا وكان عمر أخيه الملك الصالح أحمد اثنتي عشرة (١) سنة، ولقد ذكرنا أن الظاهر اختار هذا الصغير لأنه كان من صفية خاتون بنت الملك العادل، وأخواله، الأشرف والمعظم والكامل، ولما تمت المبايعة له صار مرجع الأمور كلها إلى شهاب الدين طغريل الخادم الرومي الأبيض، فدبر الأمور وأحسن السياسة وكان دينا عاقلا. وقال بيبرس (٢) في تاريخه: توفي الظاهر بحلب وعهد بالملك بعده لولده محمد، وجعل تدبير دولته إلى مملوك له رومي اسمه طغرل، ولقب بشهاب الدين، فأحسن السيرة وأحسن تربية الطفل، واستقامت البلاد والعباد له، وملك بسياسته أماكن يتعذر على الظاهر ملكها، ومنها تل باشر، ولم يقدر الظاهر عليه، وحفظ مملكة حلب على ولد الظاهر بحسن تدبيره إلى أن كبر واستقل به. وقال أبو شامة (٣): وفوض الظاهر ولاية القلعة إلى خادم أبيض يعرف بالشهاب طغرل كان وصل إلى خدمته من بلاد الروم، وكان مشتهرا بالزهد فصار له عنده مكانة. وقال السبط (٤): وصل أبو العباس عبد السلام بن عصرون رسولا من حلب من الملك العزيز محمد إلى الخليفة، وسأل تقريره على ما كان عليه أبوه. ذكر بقية الحوادث في هذه السنة منها أن السبط (٥) ذكر في المرآة أن الأشرف ابن العادل نزل من خلاط إلى حران في شعبان وسألني الجلوس بجامع حران وقال: إلى الآن ما دخلت حران. فضربت له حركاة في الجامع، وحضر يومًا مشهودًا، وجلس في الحركاة وجاء الفخر بن السميّة الخطيب فقعد عنده وكتبوا إلىَّ رقاعًا كثيرة فجمعتها وقلت: اتركوا هذه إلى يوم مجلس شيخكم يجيب عنها فهو يطول روحه عليكم، أما هذا اليوم فالوقت ما يحتمل. فأعجب الأشرف وانقضى المجلس. فقلت للأشرف: لابد لي في هذه السنة

стр. 895

من شيئين: الحج على بغداد، والثانى الاعتكاف بالرقة. فقال مبارك: وخرجت من حران في آخر شعبان أريد الرقة وبينما أنا بين مكة والرقة وإذا بنجابين بينهم رجل عليه بغلطاق أحمر، فقلت لأصحابي: هذه شمائل الملك المعظم. فقالوا: المعظم في دمشق إش جابه إلى هاهنا. فلما قربوا منا إذا به المعظم وقد أعيت ناقته فنزل وتحدثنا وأكلنا شيئا كان معنا وأعطانا ناقته وأخذ فرسي وقال: أين أخي؟ فقلت: في الزراعة، وساق واجتمعا، وفاوضه في أمر حلب، وكان الأشرف قد حلف لشهاب الدين طغريل الخادم وأنه أتابك محمد العزيز ولد الظاهر، فشق على المعظم ولم يقل شيئا وجاء إلى الرقة وأنا معتكف بالخانكاة وحضرا عندي وسار المعظم إلى دمشق وجهزني الأشرف إلى الحج وعمل [لي] (١) سبيلا مثل سبيله، وتوجهت إلى بغداد. قال: ثم حجيت [٣٥٨] وعدت من الحج على تبوك والعلي وجمعت بين زيارة النبي ﷺ وبين زيارة الخليل ﵇ في المحرم ولله (٢) المنة. وفي الحديث: من زارني وزار إبراهيم (٣) ﵇ في عام واحد ضمنت له على الله الجنة. وإن لم يتفق على نقل هذا الحديث الثقات، والأعمال بالنيات. وقال أبو (٤) شامة: وكان المعظم سار من قرية العبادية (٥) بالمرج إلى أخيه الأشرف على الهجن في البرية، واجتمع به على مسألة (٦) بظاهر حران بعد أن كان ضلّ في سيره، ففاوضته في أمر حلب وذلك حين بلغه موت صاحبها ابن عمه الظاهر غازي بن صلاح الدين، وكان قد سبق من الأشرف الاتفاق مع القائم بأمرها، فرجع إلى العبادية بعد سبعة عشر يوما ولم يظهر للناس إلا أنه كان متصيدا. ومنها (٧) أنه أحضرت الأوتاد الخشب لأجل نسر قبة الجامع بدمشق، وعدتها أربعة أعواد، طول كل واحد منها اثنان وثلاثون. ذراعا بذراع البحار، كانت قطعت من الغوطة

стр. 896

وأدخلت من باب الفرج إلى المدرسة العادلية إلى باب الناطفانيين. وأقيم هناك لها صواري ورفعت ثم وضعت. ومنها (١) أن في المحرم شرع في تحرير خندق باب السر، وهو المقابل لدار الطعم العتيقة المجاورة لنهر بانياس، وكان المعظم ومماليكهـ وعسكره ينقلون التراب، كل واحد يأخذ قفة يجعلها على قربوس سرجه ويمضون جميعا مع المعظم نحو الميدان الأخضر يفرغون القفاف ويرجعون يفعلون ذلك كل يوم. ثم انقسموا فرقتين؛ فكان المعظم وعسكره ينقلون يوما، وكان أخوه الصالح إسماعيل مع من انضم إليه من العسكر ينقلون يوما، والناس في الخندق يعملون، وكثير منهم يتفرجون، وكان كل يوم عمل الخندق على طائفة من أهل البلد، وعمل فيه الفقهاء والصوفية، ولم يبق أحد ونظم في ذلك أشعار كان يغني بها في الأسواق وتحت القلعة. ومنها (٢) أنه وقعت فتنة عظيمة بين أهل الشاغور (٣) وأهل العقيبة (٤) واقتتلوا بالرحبة والصيارف، فركب الجيش مُلَبَّسين، وجاء السلطان المعظم بنفسه فحبس رؤسهم وسكتت الفتنة. قال أبو شامة (٥): قبض على جماعة من مقدمي الحارات فيهم رئيس الشاغور، وأودعوا في السجن في السادس والعشرين من ربيع الأول. ومنها (٦) أنه امتنع تجار الفرنج من الوصول إلى الإسكندرية وصار وصولهم إلى عكا بالبضائع وبيعهم بها، فحصل لملك عكا جملة وافرة وبلغ ضمان قصبها مائة وعشرين ألف دينار. وكانت سنة قليلة الأمطار غالية الأسعار. ومنها أنه رتب بالمصلي بدمشق خطيب مستقل، وأول من باشرها الصدر مُعيد الفلكية (٧)، ثم خطب بعده بهاء الدين بن أبي البُسْر، ثم بنو حسان إلى الأن.

стр. 897

وفيها ........................ (١) وفيها (٢) حج بالناس من العراق ابن أبي فراس، ومن الشام الفقيه علم الدين الجعبري. ذكر من توفي فيها من الأعيان العز (٣) محمد بن الحافظ عبد الغني المقدسي؛ ولد سنة ست وستين وخمسمائة ورحل إلى بغداد وقرأ بها مسند أحمد ﵀. وكانت له حلقة بجامع دمشق، وكان من أصحاب الملك المعظم، وكان صالحا دينا، وتوفي في هذه السنة ودفن بقاسيون ﵀. [٣٥٩] أبو الفتوح (٤) محمد بن علي بن المبارك بن الجلاجلى البغدادي التاجر، ويلقب بالكمال. ولد سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، وقرأ القرآن وسافر إلى الأقطار وسمع الشيوخ، وكان يتردد من الخليفة إلى الأشرف في رسائل خفيَّة، سمع ببغداد أبا السعادات المبارك بن على الوكيل، وابن النظر وغيرهما. وبالإسكندرية الحافظ أبا طاهر السلفي وغيرهم، وكان عاقلا دينا صالحا، ثقة صدوقا، بساما متواضعا، مات بالقدس في هذه السنة. الشريف أبو جعفر يحيي بن محمد [بن محمد بن محمد] (٥) بن محمد بن علي بن زيد العلوي الحسني نقيب الطالبيين بالبصرة يعد أبيه. كان شيخا أدبيا فاضلا، عالما بفنون كثيرة، لا سيما بالأنساب وأيام العرب وأشعارها، يحفظ كثيرا [منها] (٦)، وكان من جلساء الخليفة الناصر. ومن لطيف شعره قوله:

стр. 898

ليهنكَ سمعٌ لا يلائمه العذلُ … وقلبٌ قسريحٌ لا يملُ ولا يسلو كأنَّ علىَّ الحبَّ أمسى (١) فريضةً … فليس لقلبي غيرَهُ أبدًا شغلُ وإني لأهوى الهجرَ ما كان أصلهُ … دلالا ولولا الهجرُ ما عذَبَ الوَصلُ وأما إذا كان الصدودُ ملالةً … فأيسر ما همَّ الحبيب به القتلُ وقال السبط في المرآة (٢): يحيى بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد أربع مرات، أبو جعفر العلوي الحسني البصري، ويعرف بابن أبي زيد، ومولده سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، وقدم بغداد ومدح الإمام الناصر بقصائد، وكان رقيق الشعر مليح النظم، وهو القائل: هذا العقيق وهذا الجزعُ والبانُ … فاحبس فَلى فيه أوطارٌ وأوطان آليتُ والحرّ لا يلوي أليته … أن لا يلذّ بطيب النوم أجفان حتى تعود [ليالينا] (٣) التي سلفت … بالأجر عين وجيراني كما كانوا أيام أغصان وصلى غيرُ ذاوية … وروضها خَضِلٌ والعمرُ رَيْعانُ يا حبذا شجر الجرعاء من شجر … وحبذا روضُه المخضل والبانُ إذا النسيم سري مالت ذوائبه … كأنما الغصن الممطور سكرانُ فللنسيم على الأغصان هينمة … وللحمام على الأفنان ألحانُ وبارق لاح والظلماء دَاجِيَة … والنجمُ في الأفق الغربي حَيرانُ كتمت حُبَك والأجفان تُظهرُه … وليس للحبّ عند العين كتمانُ غادرت بالغدْر في الأحشاءِ نار جوي … ومذ هجرت ففيض العين غِدرانُ وكانت وفاته ببغداد في رمضان، ودفن بمقابر قريش، وكان سمع الحديث من أبيه وغيره.

стр. 899

أبو (١) على مزيد بن على بن مزيد المعروف بابن الخشكري، الشاعر المشهور من أهل النعمانية، جمع لنفسه ديوانا، أورد له ابن الساعي قطعة من شعره. فمن ذلك قوله: سألتكِ يومَ النوى نظرةً … فلم تسمحي خفر (٢) لاسلم وأعجبُ كيف تقولين لا … ووجهك قد خُطّ فيه نعم أما النونٌ يا هذه حاجبٌ … أما العينُ عينٌ أما الميم فَم أبو الفضل (٣)، وسران (٤) بن منصور [٣٦٠] بن وسران الكردي المعروف بالمثقف (٥)، ولد بإربل وخدم جنديا، وكان أديبا شاعرا ثم خدم الملك العادل، ومن شعره قوله: سلا عنى الصوارم والرماحا … وخيلًا تسبق الهوج الرياحا وأسدًا جيشها سمر العَوالي (٦) … إذا ما الأسد حاولت الكفاحا فإني ثابتٌ عقلا ولبًا … إذا ماصائح في الحرب صاحا وكم ليلٍ سهرت وبتُّ فيه … أراعي النجمَ أرتقب الصباحا وكم من فدفد (٧) فرسي ونضوي (٨) … بقائلة الهجير غدا وراحا لعينك في العجاجة (٩) ما ألاقي … وأثبت في الكريهة لا براحا أبو نصر (١٠) النحاس محمد بن يحيى بن هبة الله، الواسطى الأديب بواسط كتب من واسط إلى ابن المظفر سبط ابن الجوزي ﵀.

стр. 900

وقائلة لما عمرتُ وصار لي … ثمانون عاما عش كذا وابق واسلمِ ودم وانتشق رُوح الحياة فإنه … بلا طب من بيت بصَعدة مظلم فقلت لما عذرى لديك ممهد … ببيت زهير فاعلمي وتعلمي سئمت تكاليف الحياة ومن يعش … ثمانين حولا لا محالة يسأم توفي في هذه السنة. أبو الغنائم (١) سعيد بن حمزة بن أحمد ويقال له ابن ساروح، الكاتب النيلي العراقي ولد بالنيل (٢) سنة ثماني عشرة وخمس مائه، وسمع شيوخ ذلك العصر، وسافر إلى الشام والروم ومدح الملوك والأمراء، وذكره العماد في الخريدة وقال: قدم دمشق ومدح أمراءها وعاد إلى بغداد فكبر، وأسنّ وانقطع في بيته إلى آخر عمره، وكان بارعا وله رسائل و مكاتبات وأشعار رائقة، وألفاظ فائقة شائقة. فمن شعره: يا شايم البرق من نجدي كاظمة … يبدو مرارًا وتخفيه الدياجير إذا سقيت الحيا من كل معصرة … وعاد مغناك خصبا وهو ممطور سلم على الدوحة الغناء من سلم … وعفِّر الخَدَّ إن لاح التعافير أحن شوقا إلى تلك الرياض وقد … ضاهي بنفسجُها وردٌ ومنثور ومالت السرو في خضر الثياب كما … تمايلن في الحرير الأخضر الحور والغصن سكران من طللِ الندى … فإذا دعى ابن ورقاء أضحى وهو مخمور وهاتفات على الأغصان قد رقدت … عنهن في غسق الداجي النواطيرُ فظلن يسجعن حتى كدت من ولهي … أقضى ولكنما في العمر تأخير لكن وجدي بترجيع الهُديل وما … غردن باق إلى أن يفتح الصور وكانت وفاته ببغداد في رمضان من هذه السنة.

стр. 901

الشيخ (١) تاج الدين الكندي، زيد بن الحسن بن زيد بن الحسن بن سعيد بن عصمة بن حمير بن الحارث بن ذي رعين أبو اليمن، البغدادي المولد والمنشأ الدمشقي الدار، الشيخ الإمام العالم العلامة وحيد عصره ونسيج وحده. ولد ببغداد ونشأ بها واشتغل وحصل ثم قدم دمشق ففاق أهل زمانه شرقا [٣٦١] وغربا في النحو والعربية وغير ذلك من فنون العلوم وعلو الإسناد، وحسن الطريقة والسيرة وصحة العقيدة والسريرة، انتفع به علماء عصره وخضعوا له وأثنوا عليه، وكان حنبليا ثم صار حنفيا، وكان مولده في اليوم الخامس والعشرين من شعبان سنة عشرين وخمسمائة، فقرأ القرآن بالروايات وله عشر سنين وسمع الحديث على الشيوخ الثقات وعنى بذلك وتعلم العربية واللغة واشتهر بذلك، ثم صار إلى الشام فسكن بدمشق بدرب العجم وحظي عند الملوك والوزراء والأمراء وتردد إليه العلماء والكبراء والملوك وأبناؤهم، وكان الأفضل ابن السلطان صلاح الدين وهو صاحب دمشق يتردد إليه وأخوه المحسن وكذلك المعظم في أيامه على ملك الشام، فنزل إليه إلى درب العجم فقرأ عليه في المفصل. وكان المعظم يعطى لمن حفظ المفصل ثلاثين دينارا جائزة، وكان يحضر مجلسه بدرب العجم جميع المصدرين بالجامع الشيخ علم الدين السنجاوي، ويحيى ابن معطي، والوجيه البُوني والفخر التركي وغيرهم. وكان القاضي الفاضل في أيامه يثني عليه. قال السخاوي: كان عنده من العلوم ما لا يوجد عند غيره. ومن العجيب أن سيبويه قد شرح عليه كتابه، وكان اسمه عمرو واسم الشيخ أبي اليمن زيد، فقلت في ذلك: لم يكن في عهد عمرو مثله … وكذا الكندى في أخر عصره وهما زيد وعمر وإنما … بني النحو على زيد وعمر وأثنى عليه غير واحد من العلماء، منهم أبو المظفر سبط ابن الجوزي وقال (٢): قرأت عليه وكان حسن العقيدة ظريف الخلق لا يسأم الإنسان من مجالسته، وله النوادر العجيبة والخط المليح والشعر الرائق، وله ديوان كبير، وقال السبط في المرآة (٣): وفي هذه السنة

стр. 902

توفي شيخنا تاج الدين الكندي أبو اليمن البغدادي المولد والمنشأ الدمشقي الدار، قرأ القرآن بالروايات، وله عشر سنين على الشيخ أبي محمد عبد الله بن على سبط الشيخ أبي منصور الخياط وهو الذي رباه، وكان خصيصًا به وقرأ عليه كتاب المنهج والكامل تأليف أبي محمد، وكتاب الحجة في القراءات لأبي على الفارسي وقرأ على أبي محمد من كتب العربية كتاب سيبويه والمقتضب والإيضاح والتكملة، وقرأ العربية أيضا على أبي السعادات بن الشجري واللغة على أبي منصور بن الجواليقي، وسمع الحديث الكثير من شيوخ جدي وغيرهم، وفارق بغداد في سنة ثلاث وستين وخمسمائة وأقام بدمشق، واختص بعز الدين فرخشاه ابن أخي صلاح الدين وبولده الملك الأمجد صاحب بعلبك، وانتهت إليه القراءات والروايات وعلم النحو واللغات، وقرأت عليه من كتاب الصحاح للجوهري، وكان يحضر مجالسي بجامع دمشق وقاسيون ويقول: أنا قد صرت من زبون المجلس، ولما خرجت في سنة سبع وستمائة إلى الغزاة كتب إلى نابلس كتابًا بخطه، وكان يكتب مثل الدّر: جزى الله بالحسنى ليالي أحسنت … إلينا بإيناس الحبيب المسافر ليالي كانت بالسرور قصيرة … ولم تك لولا طيبها بالقصاير [٣٦٢] فيا لك وصلا كان وشكُ … كزورة طيف أو كنعبة (١) طاير قال وله ديوان شعر وحكى لي قال: كتبت إلى الملك الأمجد إلى بعلبك: لا تضجرنكم كتبي إذا كثرت … فإن شوقي أضعاف الذي فيها والله لو ملكت كفي مهادنة … من الليالي التي يخشى تعاديها لما تصرم لي في غير داركم … عُمرٌ ولا متُّ إلا في نواحيها عدُّوا احتمالكم لي حين أضجركم … من الصلات التي منكم أرجيها قال: فكتب إلى بخطه وهي له: إنا ليتحفنا بالشوق كتبكم … وإن بعدتم فإن الشوق يدنيها وكيف تضجر منها وهي مذهبيةٌ … من وحشة الشوق لوعات نعانيها

стр. 903

وإن ذكرتم لنا فيها اشتياقكم … فبعدنا منكم أضعاف ما فيها سلوا نسيم الصبا يهدي تحيتنا … إليكم فهي تدري كيف تهديها قال: وكان الملك المعظم عيسى ﵀ يقرأ عليه دائما، قرأ عليه كتاب سيبويه نصا وشرحا، والإيضاح والحماسة وشيئا كثيرا، وكان يمشي من القلعة راجلا إلى دار تاج الدين الكندي والكتاب تحت إبطه، ثم توفي يوم الإثنين سادس شوال وأنا يومئذ متوجه إلى الحج على بغداد وصلى عليه بجامع دمشق، وحمل إلى قاسيون فدفن به ولم يتخلف عن جنازته أحد من الأعيان، وعمره ثلاث وتسعون سنة وشهر وستة عشر يوما، وكان صدوقا ثقة. وقال ابن كثير: وكان قد وقف كتبًا نفيسة وهي سبع مائة وواحد وستون مجلدا، على معتقه نجيب الدين ياقوت، ثم على ولده من بعده، ثم على العلماء في الحديث والفقه واللغة وغير ذلك. وجعلت في خزانة كبيرة بمقصورة ابن سنان (١) المجاورة لمشهد علي زين العابدين ﵁. ثم إن هذه الكتب تفرقت وأبيع كثير منها ولم يبق بالخزانة المشار إليها إلا القليل، وهي مقصورة الخليفة، وكانت قديما يقال لها: مقصورة ابن سنان. وقد ترك الشيخ تاج الدين نعمة وافرة وأموالا جزيلة ومماليك متعددة من الترك. وقد كان رقيق الحاشية حسن الأخلاق يعامل الطلبة معاملة حسنة فلما كبر ترك القيام لهم وأنشأ اعتذارا: تركت قيامى للصديق يزورني … ولا ذنب لي إلا الإطالة في عمري فإن بلغوا من عشر تسعين نصفها … يبين في ترك القيام لهم عذري

стр. 904

فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الرابعة عشرة بعد الستمائة (¬*) استهلت (١) هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله والسلطان الملك العادل في الديار المصرية، وقد وقع في هذه السنة أمور عظيمة منها قضية السلطان علاء الدين خوارزم شاه، ومنها قضية الملك العادل بالفرنج، ومنها قضية جنكيزخان، فلنبين كل ذلك مفصلا بعون الله ولطفه. ذكر قضية السلطان علاء الدين خوارزم شاه محمد (٢) بن تكش بن أرسلان بن أتسز بن محمد أنوشتكين صاحب خوارزم وغيرها [٣٦٣] نحو خراسان وبلادها وغير ذلك من البلاد. قال أبو الفتح (٣) المنشئ النَّسَائِيّ (٤): لما عظم شأن السلطان علاء الدين خوارزم شاه وفخم أمره، وتجلت له الدنيا في ملابسها وأشرقت شمس دولته من أكرم مطالعها، واشتملت جريدة ديوان الجيش على أربع مائة ألف فارس عزم على ما كان لبني سلجوق من الحكم والملك ببغداد، وكان المحرك له في ذلك أمور منها أنه أرسل إلى الخليفة فطلب منه أن يخطب له ببغداد فلم يجب الخليفة إلى ذلك. وكان الرسول في ذلك القاضي مجير الدين عمر بن سعد الخور ازمي، وكان عند السلطان من ذوي الاختصاص التام. قال أبو الفتح: وكان السلطان أرسله مرارا إلى الخليفة فلم يعد بجواب تام. ومنها أنهم استهانوا بسبيله الذي أمر به في سبيل مكة، حتى قدموا سبيل صاحب الإسماعيلية جلال الدين على سبيل السلطان، فانتكي منه نكاية شديدة. ومنها أن الإسماعيلية قتلوا أغلمش الأتابكي، وقد كان نائب السلطان بالعراق، قال أبو الفتح: وكان أغلمش ركب يلتقي الحاج منصرفهم من بيت الله الحرام، فقفزوا عليه في زي الحاج وقتلوه، وانقطعت خطبة السلطان من تلك البلاد فحركه ذلك لإعادة

стр. 905

الخطبة، ولما قتل أغلمش طمع الأتابك أزبك بن محمد صاحب أران (١) وأذربيجان والأتابك سعد بن زنكي صاحب فارس في بلاده لبعد السلطان عنهم وانشغاله بحرب الترك فرحل أزبك إلى العراق، فدخل أصبهان على مواطأة من أهلها، وجاء سعد إلى الرى فملكها وملك معها قزوين، وسمنان (٢) وخوار (٣)، وما يتاخمها وتطايرت الأخبار بها إلى السلطان علاء الدين وهو بسمرقند، فحركته همته واختار من عسكره مائة ألف فارس وترك معظم عسكره مع أكابر أمرائه وذوى الصيت من كبرائه ببلاد ما وراء النهر وثغور الترك، فلما وصل إلى قومس (٤) اختار من المستصحبين اختيارا ثانيا في اثني عشر ألف فارس، وخلى ثمانية وثمانين ألفًا في قومس ورحل إلى جبل بُزرك مخفا مستعجلا، وهو كورة من كور الري محدثة، وسعد بن زنكي بظاهرها فلما رأى سعد أوائل الجيش مشرفة عليه ظن أنهم من الأزبكية المنازعين في ملك العراق، ركب بنفسه وعسكره، وصدق القتال وتوالت عليهم الحملات، فحين شاهد السلطان علاء الدين خوارزم شاه الجد أمر بنشر الجتر (٥) والأعلام السلطانية، فعند ذلك تحقق سعد أنه السلطان فنزل وقبل الأرض فأخذه بعض من وصل إليه فكتفه وأحضره بين يدي السلطان، فأمر بالاحتياط عليه إلى أن يرى فيه رأيه فبقى مكتوفا وعلى البغل محمولا إلى أن وصل السلطان إلى همذان، وقضى فيها وطره، وكل يوم يلعب السلطان بالأكره بميدان همدان، فيحضرون سعدا ويقيمونه هناك إذلالًا به ومعه ملك يقال له نصرة الدين محمد بن بشتكين والصدر رتبة الدين أبو القاسم بن علي وزير أزبك بن البهلوان، وكان أسر أيضًا فلم يزل هؤلاء في الوثاق بذلة وإهانة إلى أن مَنّ السلطان عليهم وأطلقهم. ولما سمع أزبك بن البهلوان [٣٦٤] المذكور وهو بأصفهان ما حل بسعد بن زنكي أخذ به القيام والقعود وركب مسرعا وسار إلى أن قارب همدان معتقدًا أن السلطان مقيم بالرى فأخبر أن السلطان في همذان فسقط

стр. 906

قلبه، فاستشار أصحابه فأشار بعضهم بالعود إلى أصفهان وبعضهم بالعود إلى أذربيجان مخفّين تاركين الأثقال وبعضهم أشار بالتحصين في قلعة قزوين وكانت قريبة، فقال أخاف من الحصار واتفقوا على أن يَروح معظم جيشه مع نصرة الدين محمد بن بشتكين. وكان قد حضر إليه بعد خلاصه من الأسر إلى صوب تبريز، ويروح أزبك مع مانتي فارس من خواصه في طريق آخر قريبة إلى تبريز ولكنه مسالك وعرة فأرسل أزبك وزيره وهو أيضا حضر إليه بعد خلاصه من أسر السلطان علاء الدين كما قد ذكرناه إلى السلطان يعتذر عما صدر منه فلما ساروا على هذا الوجه وقع بالوزير المذكور الأمير دكجك السلحدار في نواحي مازندران ليلًا فتبعه إلى موضع يقال له ميانج، وهي كورة من كور أذربيجان على حافة النهر الأبيض، ثم أسره وأسر من معه، وكان السلطان في همدان كما ذكرنا ولم يزل الوزير في أسر السلطان إلى أن رجع نصير الدين دولت يار من عند أزبك، وكان يتولى منصب الطغرا (١) للسلطان وهو من المناصب الجليلة عندهم ولكنه دون كتابة الإنشاء، وكان السلطان أرسله إلى أزبك وأمره بإقامة الخطبة باسمه في سائر مملكته، وأن يحمل كل سنة إلى الخزانة السلطانية مالا معينًا عيّنه السلطان وأن تكون السكة باسم السلطان، وأجاب أزبك إلى ذلك وخطب السلطان على منابر أرّان وأذربيجان إلى ما يلي دربند الشروان، ونصير الدين المذكور حاضر ثم أرسل إلى السلطان هدايا وتحفًا وسلم قلعة قزوين إليه خدمة، واعتذر في أمر حمل المال بأن الكرج استضعفوا جانبه واستولوا على أطراف بلاده ولا يحصِّل من بلاده إلا ما يقوم بحاله بعد جهد عظيم، فصدّقه السلطان على ذلك وعفى عنه المال ثم وجه السلطان رسولا إلى الكرج وحذرهم من الغارة على بلاد أزبك ومن التعرض إليه بالكلية، فإن بلاده صارت من جملة مماليك السلطان، وعاد رسول السلطان من عند الكرج ومعه رسولهم بتقادم من طرائف تلك البلاد، وبالسمع والطاعة ولكن الرسول ما أدرك السلطان إلا بعد عبوره نهر جيحون (٢). وأما سعد بن زنكي صاحب فارس فإنه لما أسره السلطان كما ذكرنا انتصب مكانه ابنه نصرة الدين أبو بكر بالبذل فاستمال قلوب الأمراء بالبذل والإحسان فأذعنوا له

стр. 907

بالطاعة ولما أطلقه السلطان كما ذكرنا بعد أن تسلم منه قلعة (١) أصطخر وأسكبناد وهما على شواهق الجبال وسلمها إلى المؤيد الحاجب، وبعد أن شرط عليه أن تحمل كل سنة إلى الخزانة السلطانية من بلاده ثلث الخراج عاد بالخلع والتشريفات. ولما وصل إلى كرسي ملكهـ وهي مدينة شيراز امتنع عليه ابنه أبو بكر المذكور إلى أن فتح الباب على غفلة منه حسام الدين تكين باش، وكان أكبر مماليك سعد المذكور [٣٦٥] ومقدم دولته ولم يرع أبو بكر إلا دخول أبيه عليه، وكان بيده سيف مجرد فضرب به وجه أبيه ضربة أثرت فيه، وحجز بينهما الذين كانوا حاضرين، فأمر سعد بالقبض على ابنه، وأودع بالسجن مدة إلى أن رضي عنه، وعظم حال حسام الدين عنده إلى أن توفي سعد وقام ابنه أبو بكر المذكور مقامه فخاف حسام الدين وهرب تحت الليل، وخلّى أمواله وأثقاله مما لا تحمله الظهور وجاء إلى خدمة جلال الدين، فأعطاه جلال الدين خلخال (٢) بقلاعها وأعمالها فأقام بها إلى أن قتل بعد خروج التتار في سنة ثمان (٣) وعشرين وستمائة ثم إن السلطان خوارزم شاه بعد ما ذكرنا من الأمور سار إلى ساوة (٤) فملكها وأقطعها لعماد الملك الساوي، عارض جيشه وهو من أهلها ثم سار إلى قزوين و زنجان (٥) وأبهر فملكها بغير ممانع ولا مدافع، ثم سار إلى همدان فملكها وأقطع بلادها لأصحابه وملك أصفهان وقم (٦) وقاشان (٧) واستوعب ملك جميع تلك البلاد، ثم إنه أرسل إلى الخليفة يطلب أن يخطب له ببغداد فلم تقع الإجابة إلى ذلك فعزم على المسير إلى بغداد فقدم بين يديه أميرا كبيرا في خمسة آلاف فارس وأقطعه حلوان (٨) فسار حتى وصل إليها، فلما سار عن

стр. 908

همذان يومين أو ثلاثة سقط عليهم من الثلج ما لم يسمع بمثله حتى عطّب الخراكي (١) والخيام واستمر وقوع الثلج ثلاثة أيام بلياليها، فهلكت دوابهم وتلفت أيدى الرجال وأرجلهم وطمع فيهم الأكراد فتخطفوهم، فلم يرجع منهم إلى خوارزم شاه إلا اليسير فتطير من ذلك الطريق وعزم على العود إلى خراسان خوفا من التتار لأنه ظن أنه يقضى حاجته في المدة اليسيرة فخاب ظنه، ورأى البيكار بين يديه طويلا فعزم على العود فولي همذان أميرا من أقاربه من جهة والده تكش يسمى طايْسين، وجعل في البلاد جميعها ابنه زكي الدين غور صانجتي، وجعل معه عماد الملك الساوي متوليًا لأمر دولته، وكان عظيم القدر عنده، وعاد خوارزم شاه إلى خراسان ووصل إلى مرو، وسار إلى ما وراء النهر، ولما قدم نيسابور جلس يوم الجمعة عند المنبر وأمر الخطيب بترك الخطبة للخليفة الناصر وقال: إنه قد مات. وقطع خطبته من مرو وبلخ وبخاري وسرخس وبقي خوارزم وسمرقند وهراة لم تقطع الخطبة منها، لا عن قصد لتركها إلا أن هذه البلاد كانت لا تعارض في أشباه هذا إن أحبوا خطبوا وإن أرادوا قطعوا. وأما خوارزم شاه فإنه لما عزم على قصد العراق وأظهر للخليفة الناصر ما أظهر من الشقاق وصل إليه من عنده الشيخ شهاب الدين السهروردي رسولا فوعظه وحذره البغي على هذا البيت وكان قد ضرب نوبة ذي القرنين تعاظما، وكان من قبل تضرب له النوب الخمس في أوقات الصلوات الخمس، ففوضها لأولاده يضربونها في الأقاليم التي سماها لهم على أبواب دور السلطنة التي لكل منهم، وكان قد قسم [٣٦٦] المماليك لأولاده فعين خوارزم و خراسان وما زندران لولده قطب الدين أبي المظفر أزلاغ شاه وجعله ولي عهده وسبب تخصيصه بولاية العهد دون أخوته وهو أصغرهما أتباع خوارزم شاه رأي والدته تركان خاتون. وعين غزنه وباميان والغور ونكبايا (٢)، وزمندور (٣)، وما يليها من الهند إلى جلال الدين منكبرى، ولم ير انفصاله عنه فاستناب عنه بها كرز ملك، وعين

стр. 909

كرمان وكيش ومكران لولده غياث الدين تترشاه، وسلم مُلك العراق إلى ولده ركن الدين أبي الحارث غورصانجتي، وكان أحسن أولاده خلقًا وخُلقا وحظا، وكانت نوبة ذي القرنين تضرب له وقتي طلوع الشمس وغروبها، وكانت دَبادبها وآلاتها ذهبا، وأول يوم ضربها اختير لها سبعة وعشرون ملكا من أكابر الملوك وأولاد السلاطين، منهم ابن طغرل بك السلجوقي، وابن غياث الدين بن سام الغورى، وعلاء الدين صاحب باميان، وتاج الدين صاحب بلخ، وولده الأعظم صاحب ترمذ (١)، والملك سنجر صاحب بخاري وأمثالهم، وأعوزه اثنان لتمام العدة، فكمّلهم بابن أخيه أربوزخان والوزير نظام الملك. وقال أبو الفتح المنشئ: استعمل السلطان خوارزم شاه لنوبة ذي القرنين التي تضرب سبع (٢) وعشرين دبدبة من الذهب، قد رصعت بأنواع الجواهر. وقال أبو الفتح: ومن جملة ما فعل خوارزم شاه بعد وصوله إلى ما وراء النهر أنه سير الملك تاج الدين ملكا خان صاحب أترار (٣) إلى مدينة نسا (٤)، ليقيم بها، وملكا خان هو أول من مال من الخطائية إليه، وكان ذا جمال، وقد قصد بتسييره إلى نسا دون سائر البلاد حتى يهلك فيها؛ لأنها وخيمة شديدة الأمراض ولم تزل الأنفس بها شاكية ولم يعش الترك بها إلا أدنى مدة في أنكد عيش، فأقام المذكور بها سنة أو أكثر مصابرًا للدهر على تصاريفه وأحسن إلى كل من ورد عليه، وأحبه أهل البلاد ومع هذا وافقه هواء نسا وماؤها خرقًا للعادة حتى ازداد حسنا بها. ولما بلغ ذلك خوارزم شاه وعلم أنه لم يبلغ غرضه سير إليه من خز رأسه. وقال أبو الفتح: أخبره من حضر ذلك قال: كنا جلوسا عند ظهر الدين مسعود الشاشي وزير السلطان خوارزم شاه بنسا إذا أتاه آت وأخبره بأن جهان بهلوان قد نزل بدار السلطنة وكان أحد الطشتدارية (٥) عند السلطان ورفع قدره وأعطاه أمره، وعينه لحزّ

стр. 910

الرؤوس، ولما نزل طلب ظهير الدين والأعيان فركب إليه ظهير الدين فناوله جهان بهلوان توقيعا فلما قرأه أرسلوا وراء تاج الدين ملكا خان، وقيل له: قد ورد من الأبواب السلطانية توقيع يحتاج فيه إلى حضورك، فحضر في طائفة من خواصة فأدخل إلى بعض المخازن فإذا ببعض الزنود قد خرج ورأس تاج الدين بيده فوضعه جهان بهلوان في مخلاة ورجع للوقت وحمل إلى خزانة السلطان من خزائنه جواهر لم يسمع بمثلها قال [٣٦٧] أبو الفتح: ومن جملة ما فعل السلطان أنه سير إلى خوارزم برهان الدين محمد البخاري المعروف بصدر جهان رئيس الحنفية ببخاري وخطيبها، وكان عظيم الشأن يعيش تحت كنفه وإدرارات سلفه ما يقارب ستة آلاف فقيه، وكان كريما عالي الهمّة فأقام بخوارزم ممنوعًا من الإصدار والإيراد إلى أن تقاضاه الزمان بدينه فجرعه كأس حتفه، فقتل عند أحفال تركأن خاتون وأقام السلطان مقامه ببخاري في رئاسة الحنفية مجد الدين مسعود ابن صالح الفراوي أخا نظام الملك. ومن جملة ما فعل السلطان أنه سير شيوخ الإسلام بسمرقند إلى البلاد وهم: جلال الدين وابنه شمس الدين وأخوه أوحد الدين وكانوا سادات تلك البقاع، وكان أوحد الدين آية في علم الجدل يناظر العميدي، مات بنسا وانتقل جلال الدين إلى دِهِسْتان (١). وقال بيبرس في تاريخه: ولما عاد خوارزم شاه من العراق ووصل نيسابور ورد الخبر بموت مؤيد الملك قوام الدين والي كرمان فأضافها إلى غياث الدين تترشاه ابنه على ما فوضه إليه. وقال أبو الفتح: وكان مؤيد الملك من جملة الرعاع فرفعه السلطان وساعده الزمان حتى بلغ إلى رتبة الملوك، وكان مبدأ أمره أنه كان ابن داية نصرة الدين محمد بن أنز صاحب زوزن فاختاره رسولا إلى الأبواب السلطانية في مهماته، فنصحه في الرسالة عدة مرات ثم سولت له نفسه تقبيح حال مرسله طمعا فيما كان يتولاء فقال للسلطان: إن الذي أرسلني فاسد العقيدة له باطن مع الباطنية. ولما رجع إلى مرسله قال له: إن السلطان يعتقد فيك أنك باطني وإني لأخشى عليك منه فخاف وانقطع إلى الإسماعيلية ببعض قلاعه المتاخمة لزوزن، ثم كتب قوام الدين المذكور إلى السلطان بصُورة الحال فأرسل السلطان إليه بأن يكون وزيرا في زوزن، ويجبي أموالها إلى الخزانة السلطانية،

стр. 911

ففعل واستمر الأمر على ذلك ثم طمع في مغالبة صاحب كرمان، وانتزاع الملك من يده، وكان من بقية الملك دينار (١)، فكاتب السلطان في ذلك وأطمعه في ملكها واستنجد بمن تجاوز زوزن من عساكر خراسان، فاستنجد بعز الدين جلدك وطائفة أخرى فاستولى علي كرمان في أقرب مدة وحمل إلى السلطان ما وجد لهم بها. فأعجب السلطان ذلك ولقبه بمؤيد الملك، وأجراها في إقطاعه، ولما رجع السلطان من العراق وقد تفانت جماله قدم مؤيد الملك إلى السلطان أربعة آلاف من النجاتي ومن الذهب سبعين حملا. وفي المرآة (٢): وفي سنة أربع عشرة وستمائة قدم السلطان خوارزم شاه محمد بن تكش إلى همدان على قصد بغداد في أربع مائة ألف، وقيل: ستمائة ألف، واستعد له الخليفة وفرق الأموال وأرسل إليه الشيخ شهاب الدين السهروردي في رسالة فأهانه واستدعاه وأوقفه إلى جانب تخته ولم يأذن له في القعود. فحكى الشهاب قال: استدعاني فأتيت إلى خيمة عظيمة لها دهليز لم أر في الدنيا مثله والدهليز والشقة أطلس والأطناب حرير، وفي الدهليز ملوك العجم على اختلاف طبقاتهم: صاحب همذان وأصفهان والري [٣٦٨] وغيرها، فدخلنا إلى خيمة أخرى أبرسم وفي دهليزها ملوك خراسان ومرو ونيسابور وبلخ وغيرهم، ثم دخلنا خيمة أخرى وملوك ما وراء النهر في دهليزها كذلك ثلاث خيام، ثم دخلنا عليه وهو في خركاة عظيمة من ذهب وعليها سجاف مرصع بالجواهر وهو صبي له شعرات قاعد على تخت ساذج وعليه قباء بخاري يساوي خمسة دراهم وعلى رأسه قطعة من جلد تساوي درهما، فسلمت عليه فلم يرد ولا أمرني بالجلوس، فشرعت خطبت خطبة بليغة ذكرت فيها فضل بني العباس ووصفت الخليفة بالزهد والورع والتقى والدين والترجمان يعيد عليه قولي، فلما فرغت قال للترجمان: قل له هذا الذي تصفه ما هو في بغداد بلي أنا آجي وأقيم خليفة يكون بهذه الأوصاف. ثم ردّنا بغير جواب ونزل الثلج عليهم فهلكت دوابهم، وركب خوارزم شاه يوما فعثر به فرسه فتطير ووقع الفساد في عسكره وقلّت الميرة وكان معه سبعون ألفا من الخطأ فرده الله ونكب تلك النكبة العظيمة، وسنذكرها إن شاء الله تعالى.

стр. 912

ذكر قضية الملك العادل مع الفرنج وفي هذه السنة (١) انفسخت الهدنة بين المسلمين والفرنج، وجاء الملك العادل من مصر بالعساكر فنزل على بيسان والمعظم عنده في العساكر الشامية، وخرج الفرنج من عكا ومقدمهم الملك الهنكر فنزلوا عين الجالوت في خمسة عشر ألفا، وكان شجاعا مقداما، ومعه جميع ملوك الساحل، فلما أضحوا ركب الهنكر في أوائلهم وقصد العادل، وكان العادل على تل بيسان فنظر فرأى أنه لا قبل له بهم فتأخر. وقال له المعظم: إلى أين؟ فشتمه بالعجمية وقال: بمن أقاتل؟ أقطعت الشام مماليكك وتركت أولاد الناس الذين يرجعون إلى الأصول. وذكر كلامًا في هذا المعنى، وساق فعبر الشريعة (٢) عند برقاء (٣) وجاء الهنكر إلى بيسان وبها الأسواق والغلال والمواشي شيء لا يعلمه إلا الله فأخذ الجميع. وارتفع العادل إلى عجلون ومضى المعظم فنزل بين نابلس والقدس على عقبة اللين (٤) خوفا على القدس، وأقام الفرنج على بيسان ثلاثة أيام ورحلوا طالبين قصر ابن معين الدين، وسار العادل فنزل رأس الماء وصعد الفرنج عقبة (٥) الكرسي إلى خربة اللصوص، والجولان، وأقاموا ثلاثة أيام ينهبون ويقتلون ويأسرون ثم عادوا ونزلوا الغور، وبعث العادل أثقاله إلى بصري ونسائه وأقام على رأس الماء جريدة، ولما نزل الفرنج الغور جاء العادل فنزل عالقين (٦) ثم تزل الفرنج تحت الطور يوم الأربعاء الثامن والعشرين (٧) من شعبان وأقاموا إلى يوم الأحد ثاني رمضان، وكان يوما كثير الضباب فما أحس بهم أهل الطور إلا وهم عند الباب قد ألصقوا رماحهم بالسور، ففتح المسلمون الباب وأخرج إليهم ألف فارس والراجل وقاتلوهم حتى رموهم أسفل الطور.

стр. 913

فلما كان يوم الثلاثاء رابع رمضان طلعوا بأسرهم ومعهم سلم عظيم فزحفوا من ناحية باب دمشق وألصقوا السلم بالسور، فقاتلهم المسلمون ودخلت رماح الفرنج من المرامي من كل ناحية فضرب بعض الزراقين السلم بالنفط فأحرقه وقتل عنده جماعة من أعيان الفرنج، منهم كند كبير فلما رأوه مقتولا صاحوا وبكوا وكسروا عليه رماحهم. واستشهد [٣٦٩] في ذلك اليوم من أبطال المسلمين الأمير بدر الدين محمد بن أبي القاسم، وسيف الدين بن المرزبان وكانا من الصالحين الأجواد، وأغلق المسلمون باب الطور وباتوا يداوون الجرحى واتفقوا على أنهم يقاتلون قتال الموت ولا يسلمون أنفسهم لئلا يجرى عليهم ما جرى على أهل عكا، وكان في الطور أبطال المسلمين وخيار عسكر الشام، وأوقد الفرنج حول الطور النيران، فلما كان وقت السحر يوم الخميس سادس رمضان رحلوا طالبين عكا، وجاء المعظم فصعد إلى الطور وأطلق المال والخلع وطيب قلوب الناس، ثم اتفق العادل والمعظم على حراب الطور وقيل: إن المعظم أنفد كتابا إلى الخليفة وفي أوله بيتان هما [للأمير] (١) عبد المحسن الحلبي الكاتب: قل للخليفة لا زالت عساكره … لها إلى النصر إصدارٌ وإيرادُ إن الفرنج بحصن الطور قد نزلوا … لا تغفلن فحصن الطور بغداد وقال السبط (٢): أنشدني [الأمير] (٣) الحلبي هذين البيتين. ولما انفصل الفرنج عن الطور قصد ابن أخت الهنكر جبل صيدا وقال: لا بد لي من أهل هذا الجبل. فنهاه، صاحب صيدا وقال: هؤلاء رماة وبلدهم وعر فلم يقبل وصعد في خمسمائة من أبطال الفرنج إلى حزيز (٤) ضيعة الميادنة قريبا من مشعرًا فأخلاها أهلها وجاء الفرنج فنزلوا بها وترجلوا عن خيولهم ليستريحوا، فتحدرت عليهم الميادنة من الجبال فأخذوا خيولهم وقتلوا عامتهم وأسروا ابن أخت الهنكر وهرب من بقي منهم نحو صيدا، وكان معهم رجل من المسلمين يقال له الجاموس، فقال لهم: أنا أوصلكم إليها فقالوا: إن فعلت أغنيناك. فسلك بهم أودية وعرة والمسلمون خلفهم يقتلون ويأسرون، ففهموا أن الجاموس غرّهم فقتلوه. ولم يفلت إلى صيدا سوى ثلاثة أنفس بعد أن كانوا خمسمائة. وجاءوا إلى دمشق بالأسارى وكان يوما عظيما.

стр. 914

وأما ما كان من أمر العادل فإنه لما فر من الإفرنج لكثرتهم وقلة من كان معه توجه إلى دمشق وكتب إلى واليها المعتمد ليحصنها من الإفرنج وينقل الغلات من داريا إلى القلعة ويرسل الماء على أراضي داريا وأراضى قصر حجاج والشاغور، ففزع الناس من ذلك وابتهلوا إلى الله بالدعاء وكثر ضجيجهم بالجامع وأقبل العادل فنزل بمرج الصفر وأرسل إلى ملوك الشرق ليقدموا إلى قتال الإفرنج، فكان أول من ورد صاحب حمص أسد الدين شيركوه، فتلقاه الناس فدخل من باب الفرج وجاء وسلم على ست الشام بدارها عند المارستان ثم عاد إلى داره، ولما قدم أسد الدين سرّي عن الناس وأَمِنُوا وانقضت السنة وجموع الفرنج على عكا، ثم اتفق الملك العادل والمعظم ولده على هدنة كما سيأتي إن شاء الله تعالى. ذكر قضية جنكزخان ولما عاد السلطان علاء الدين خوارزم شاه من بلاد العراق وصل إليه رسل جنكزخان وهم: محمود الخوارزمي، وعلى حجا البخاري، ويوسف الأتراري مصحوبين بما يجلبه الترك من نقر المعادن [٣٧٠] ونوافح المسك واليشب وثياب الطرق والتي تتخذ من صوف الحمل الأبيض، وأبلغوه سلام الخان الكبير وأنه يطلب منه المهادنة وفتح الطريق للتجار إلى بلاد مملكته، فأجاب السلطان إلى ذلك وعاد الرسل إلى جنكزخان وأعلموه بإجابته فسر بها وترددت التجار. وقال أبو الفتح: وكان يباع الثوب من طرقو بخمسين دينارا. وذكر أيضا أن من جملة رسالة جنكزخان: إنه غير خاف عليك أني ملكت الصين وما يليها من بلاد الترك وقد أذعنت لي قبائلهم وأنت أخبر الناس بأن بلادي مثارات العساكر ومعادن الفضة وأن فيها الغنية عن طلب غيرها، وأحضر السلطان علاء الدين محمود الخوارزمي أحد الرسل المذكورين ليلا، وقال له: إنك رجل خوارزمي ولابد لك من موالاة فينا وميل إلينا ووعده الإحسان إن صدقه فيما يسأله وأعطاه من معضدته جوهرة نفيسة علامة للوفاء بما وعده وشرط عليه أن يكون عينا على جنكزخان فأجابه إلى ما سأل رغبة ورهيبة، ثم قال: أصدقني فيما يقول جنكزخان إنه مَلَكَ الصين واستولى على مدينة طوغاج (١) هل هو صادق أم كاذب. فقال: بل صادق ثم نذكر إن شاء الله ما وقع من جنكزخان.

стр. 915

ذكر بقية الحوادث منها أن (١) شيخ الشيوخ صدر الدين بن حموية قدم إلى بغداد رسولا من الملك العادل وقدم بعده ولده فخر الدين رسولا من الكامل إلى أخيه المعظم في خطبة بنته الابنه وخلع عليه خلعة بطيلسان. ومنها أن (٢) محيي الدين محمد بن يحيى بن فضلان ذكر الدرس في النظامية. ومنها أن (٣) دجلة زادت زيادة عظيمة وركب الخليفة في شبارة (٤) وخاطب الناس وجعل يتأوه لهم ويقول: لو كان هذا الماء يُردّ بمال أو حرب دفعته عنكم ولكن أمر الله ما الأحد فيه حيلة، وانهدمت بغداد بأسرها والمحالّ، ووصل الماء إلى رأس السور وبقي مقدار إصبعين حتى يطفح على السور وأيقن الناس بالهلاك، ودام "سبع (٥) ليال وثمانية أيام حسوما" ثم نقص الماء وبقيت بغداد من الجانبين تلولا لا أثر لها. ومنها (٦) ............................. وفيها حج بالناس من العراق ابن أبي فراس (٧). ذكر من توفي فيها من الأعيان بهاء الدين (٨) أحمد بن أبي الفضائل الميهني، شيخ رباط الخلاطية من بيت التصوف، وكان أبوه أبو الفضائل عبد المنعم شيخ المشايخ وسيد الصوفية، وكان الخليفة قد سَلَّم إلى بهاء الدين رباط الخلاطية وأوقافها ثقةً به من غير مُشرف ولا عمل حساب، فأقام مدة يقصده الناس من البلاد وأطراف بغداد وأرباب البيوت والفقراء والفقهاء والأعيان، فما رَدَّ قاصدا ولا منع سائلا، وكان له الجاه العظيم والذكر الجميل. وكان له
следующие страницы →