ففعل واستمر الأمر على ذلك ثم طمع في مغالبة صاحب كرمان، وانتزاع الملك من يده، وكان من بقية الملك دينار (١)، فكاتب السلطان في ذلك وأطمعه في ملكها واستنجد بمن تجاوز زوزن من عساكر خراسان، فاستنجد بعز الدين جلدك وطائفة أخرى فاستولى علي كرمان في أقرب مدة وحمل إلى السلطان ما وجد لهم بها. فأعجب السلطان ذلك ولقبه بمؤيد الملك، وأجراها في إقطاعه، ولما رجع السلطان من العراق وقد تفانت جماله قدم مؤيد الملك إلى السلطان أربعة آلاف من النجاتي ومن الذهب سبعين حملا.
وفي المرآة (٢): وفي سنة أربع عشرة وستمائة قدم السلطان خوارزم شاه محمد بن تكش إلى همدان على قصد بغداد في أربع مائة ألف، وقيل: ستمائة ألف، واستعد له الخليفة وفرق الأموال وأرسل إليه الشيخ شهاب الدين السهروردي في رسالة فأهانه واستدعاه وأوقفه إلى جانب تخته ولم يأذن له في القعود. فحكى الشهاب قال: استدعاني فأتيت إلى خيمة عظيمة لها دهليز لم أر في الدنيا مثله والدهليز والشقة أطلس والأطناب حرير، وفي الدهليز ملوك العجم على اختلاف طبقاتهم: صاحب همذان وأصفهان والري [٣٦٨] وغيرها، فدخلنا إلى خيمة أخرى أبرسم وفي دهليزها ملوك خراسان ومرو ونيسابور وبلخ وغيرهم، ثم دخلنا خيمة أخرى وملوك ما وراء النهر في دهليزها كذلك ثلاث خيام، ثم دخلنا عليه وهو في خركاة عظيمة من ذهب وعليها سجاف مرصع بالجواهر وهو صبي له شعرات قاعد على تخت ساذج وعليه قباء بخاري يساوي خمسة دراهم وعلى رأسه قطعة من جلد تساوي درهما، فسلمت عليه فلم يرد ولا أمرني بالجلوس، فشرعت خطبت خطبة بليغة ذكرت فيها فضل بني العباس ووصفت الخليفة بالزهد والورع والتقى والدين والترجمان يعيد عليه قولي، فلما فرغت قال للترجمان: قل له هذا الذي تصفه ما هو في بغداد بلي أنا آجي وأقيم خليفة يكون بهذه الأوصاف. ثم ردّنا بغير جواب ونزل الثلج عليهم فهلكت دوابهم، وركب خوارزم شاه يوما فعثر به فرسه فتطير ووقع الفساد في عسكره وقلّت الميرة وكان معه سبعون ألفا من الخطأ فرده الله ونكب تلك النكبة العظيمة، وسنذكرها إن شاء الله تعالى.
стр. 912
ذكر قضية الملك العادل مع الفرنج
وفي هذه السنة (١) انفسخت الهدنة بين المسلمين والفرنج، وجاء الملك العادل من مصر بالعساكر فنزل على بيسان والمعظم عنده في العساكر الشامية، وخرج الفرنج من عكا ومقدمهم الملك الهنكر فنزلوا عين الجالوت في خمسة عشر ألفا، وكان شجاعا مقداما، ومعه جميع ملوك الساحل، فلما أضحوا ركب الهنكر في أوائلهم وقصد العادل، وكان العادل على تل بيسان فنظر فرأى أنه لا قبل له بهم فتأخر. وقال له المعظم: إلى أين؟ فشتمه بالعجمية وقال: بمن أقاتل؟ أقطعت الشام مماليكك وتركت أولاد الناس الذين يرجعون إلى الأصول. وذكر كلامًا في هذا المعنى، وساق فعبر الشريعة (٢) عند برقاء (٣) وجاء الهنكر إلى بيسان وبها الأسواق والغلال والمواشي شيء لا يعلمه إلا الله فأخذ الجميع. وارتفع العادل إلى عجلون ومضى المعظم فنزل بين نابلس والقدس على عقبة اللين (٤) خوفا على القدس، وأقام الفرنج على بيسان ثلاثة أيام ورحلوا طالبين قصر ابن معين الدين، وسار العادل فنزل رأس الماء وصعد الفرنج عقبة (٥) الكرسي إلى خربة اللصوص، والجولان، وأقاموا ثلاثة أيام ينهبون ويقتلون ويأسرون ثم عادوا ونزلوا الغور، وبعث العادل أثقاله إلى بصري ونسائه وأقام على رأس الماء جريدة، ولما نزل الفرنج الغور جاء العادل فنزل عالقين (٦) ثم تزل الفرنج تحت الطور يوم الأربعاء الثامن والعشرين (٧) من شعبان وأقاموا إلى يوم الأحد ثاني رمضان، وكان يوما كثير الضباب فما أحس بهم أهل الطور إلا وهم عند الباب قد ألصقوا رماحهم بالسور، ففتح المسلمون الباب وأخرج إليهم ألف فارس والراجل وقاتلوهم حتى رموهم أسفل الطور.
стр. 913
فلما كان يوم الثلاثاء رابع رمضان طلعوا بأسرهم ومعهم سلم عظيم فزحفوا من ناحية باب دمشق وألصقوا السلم بالسور، فقاتلهم المسلمون ودخلت رماح الفرنج من المرامي من كل ناحية فضرب بعض الزراقين السلم بالنفط فأحرقه وقتل عنده جماعة من أعيان الفرنج، منهم كند كبير فلما رأوه مقتولا صاحوا وبكوا وكسروا عليه رماحهم. واستشهد [٣٦٩] في ذلك اليوم من أبطال المسلمين الأمير بدر الدين محمد بن أبي القاسم، وسيف الدين بن المرزبان وكانا من الصالحين الأجواد، وأغلق المسلمون باب الطور وباتوا يداوون الجرحى واتفقوا على أنهم يقاتلون قتال الموت ولا يسلمون أنفسهم لئلا يجرى عليهم ما جرى على أهل عكا، وكان في الطور أبطال المسلمين وخيار عسكر الشام، وأوقد الفرنج حول الطور النيران، فلما كان وقت السحر يوم الخميس سادس رمضان رحلوا طالبين عكا، وجاء المعظم فصعد إلى الطور وأطلق المال والخلع وطيب قلوب الناس، ثم اتفق العادل والمعظم على حراب الطور وقيل: إن المعظم أنفد كتابا إلى الخليفة وفي أوله بيتان هما [للأمير] (١) عبد المحسن الحلبي الكاتب:
قل للخليفة لا زالت عساكره … لها إلى النصر إصدارٌ وإيرادُ
إن الفرنج بحصن الطور قد نزلوا … لا تغفلن فحصن الطور بغداد
وقال السبط (٢): أنشدني [الأمير] (٣) الحلبي هذين البيتين.
ولما انفصل الفرنج عن الطور قصد ابن أخت الهنكر جبل صيدا وقال: لا بد لي من أهل هذا الجبل. فنهاه، صاحب صيدا وقال: هؤلاء رماة وبلدهم وعر فلم يقبل وصعد في خمسمائة من أبطال الفرنج إلى حزيز (٤) ضيعة الميادنة قريبا من مشعرًا فأخلاها أهلها وجاء الفرنج فنزلوا بها وترجلوا عن خيولهم ليستريحوا، فتحدرت عليهم الميادنة من الجبال فأخذوا خيولهم وقتلوا عامتهم وأسروا ابن أخت الهنكر وهرب من بقي منهم نحو صيدا، وكان معهم رجل من المسلمين يقال له الجاموس، فقال لهم: أنا أوصلكم إليها فقالوا: إن فعلت أغنيناك. فسلك بهم أودية وعرة والمسلمون خلفهم يقتلون ويأسرون، ففهموا أن الجاموس غرّهم فقتلوه. ولم يفلت إلى صيدا سوى ثلاثة أنفس بعد أن كانوا خمسمائة. وجاءوا إلى دمشق بالأسارى وكان يوما عظيما.
стр. 914
وأما ما كان من أمر العادل فإنه لما فر من الإفرنج لكثرتهم وقلة من كان معه توجه إلى دمشق وكتب إلى واليها المعتمد ليحصنها من الإفرنج وينقل الغلات من داريا إلى القلعة ويرسل الماء على أراضي داريا وأراضى قصر حجاج والشاغور، ففزع الناس من ذلك وابتهلوا إلى الله بالدعاء وكثر ضجيجهم بالجامع وأقبل العادل فنزل بمرج الصفر وأرسل إلى ملوك الشرق ليقدموا إلى قتال الإفرنج، فكان أول من ورد صاحب حمص أسد الدين شيركوه، فتلقاه الناس فدخل من باب الفرج وجاء وسلم على ست الشام بدارها عند المارستان ثم عاد إلى داره، ولما قدم أسد الدين سرّي عن الناس وأَمِنُوا وانقضت السنة وجموع الفرنج على عكا، ثم اتفق الملك العادل والمعظم ولده على هدنة كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
ذكر قضية جنكزخان
ولما عاد السلطان علاء الدين خوارزم شاه من بلاد العراق وصل إليه رسل جنكزخان وهم: محمود الخوارزمي، وعلى حجا البخاري، ويوسف الأتراري مصحوبين بما يجلبه الترك من نقر المعادن [٣٧٠] ونوافح المسك واليشب وثياب الطرق والتي تتخذ من صوف الحمل الأبيض، وأبلغوه سلام الخان الكبير وأنه يطلب منه المهادنة وفتح الطريق للتجار إلى بلاد مملكته، فأجاب السلطان إلى ذلك وعاد الرسل إلى جنكزخان وأعلموه بإجابته فسر بها وترددت التجار. وقال أبو الفتح: وكان يباع الثوب من طرقو بخمسين دينارا. وذكر أيضا أن من جملة رسالة جنكزخان: إنه غير خاف عليك أني ملكت الصين وما يليها من بلاد الترك وقد أذعنت لي قبائلهم وأنت أخبر الناس بأن بلادي مثارات العساكر ومعادن الفضة وأن فيها الغنية عن طلب غيرها، وأحضر السلطان علاء الدين محمود الخوارزمي أحد الرسل المذكورين ليلا، وقال له: إنك رجل خوارزمي ولابد لك من موالاة فينا وميل إلينا ووعده الإحسان إن صدقه فيما يسأله وأعطاه من معضدته جوهرة نفيسة علامة للوفاء بما وعده وشرط عليه أن يكون عينا على جنكزخان فأجابه إلى ما سأل رغبة ورهيبة، ثم قال: أصدقني فيما يقول جنكزخان إنه مَلَكَ الصين واستولى على مدينة طوغاج (١) هل هو صادق أم كاذب. فقال: بل صادق ثم نذكر إن شاء الله ما وقع من جنكزخان.
стр. 915
ذكر بقية الحوادث
منها أن (١) شيخ الشيوخ صدر الدين بن حموية قدم إلى بغداد رسولا من الملك العادل وقدم بعده ولده فخر الدين رسولا من الكامل إلى أخيه المعظم في خطبة بنته الابنه وخلع عليه خلعة بطيلسان.
ومنها أن (٢) محيي الدين محمد بن يحيى بن فضلان ذكر الدرس في النظامية.
ومنها أن (٣) دجلة زادت زيادة عظيمة وركب الخليفة في شبارة (٤) وخاطب الناس وجعل يتأوه لهم ويقول: لو كان هذا الماء يُردّ بمال أو حرب دفعته عنكم ولكن أمر الله ما الأحد فيه حيلة، وانهدمت بغداد بأسرها والمحالّ، ووصل الماء إلى رأس السور وبقي مقدار إصبعين حتى يطفح على السور وأيقن الناس بالهلاك، ودام "سبع (٥) ليال وثمانية أيام حسوما" ثم نقص الماء وبقيت بغداد من الجانبين تلولا لا أثر لها.
ومنها (٦) .............................
وفيها حج بالناس من العراق ابن أبي فراس (٧).
ذكر من توفي فيها من الأعيان
بهاء الدين (٨) أحمد بن أبي الفضائل الميهني، شيخ رباط الخلاطية من بيت التصوف، وكان أبوه أبو الفضائل عبد المنعم شيخ المشايخ وسيد الصوفية، وكان الخليفة قد سَلَّم إلى بهاء الدين رباط الخلاطية وأوقافها ثقةً به من غير مُشرف ولا عمل حساب، فأقام مدة يقصده الناس من البلاد وأطراف بغداد وأرباب البيوت والفقراء والفقهاء والأعيان، فما رَدَّ قاصدا ولا منع سائلا، وكان له الجاه العظيم والذكر الجميل. وكان له
стр. 916
مملوك عبد أسود اسمه ريحان، فخان في الأموال، وبلغ الخليفة فأخذه فأقرَّ وقال: المال عند أخت بهاء الدين، فعزل بهاء الدين عما كان إليه، فرأى الذل والهوان بعد العز والإمكان. ومرض بهاء الدين في تلك الحال، فولى الخليفة القاضي الزنجاني (١) أمر الرباط، وحمل بهاء الدين إلى بيت أخته على نهر عيسى، فتوفي ثامن رجب ودفن في الشونيزية في صُفَّة (٢) الجنيد ﵁ عند أبيه، سمع شهدة [٣٧١] الكاتبة وابن البطي وغيرهما، وصحب أباه وأخذ عنه طريقة التصوف.
أبو إسحاق (٣) إبراهيم بن عبد الواحد بن علي بن سُرور، الشيخ عماد الدين المقدسي، وكان أصغر من أخيه الحافظ عبد الغني بسنتين، وقدم معه إلى دمشق سنة إحدى وخمسين وخمسمائة، ورحل إلى بغداد مرتين، وسمع الحديث، وكان عابدًا زاهدًا ورعا، كثير الصلاة كثير الصيام يصوم يوما ويفطر يوما، وكان فقيها مفتيا حنبليا له كتاب الفروع، وصَنَّف أحكاما ولم يتمه. صلي المغرب ذات ليلة وكان صائما، ثم رجع إلى بيته بدمشق فأفطر، ثم مات فجأة عشية الأربعاء سادس عشر ذي القعدة (٤) من هذه السنة، فغسل وقت السحر وأخرجت جنازته إلى جامع دمشق، فما وسع الناس الجامع وصلى عليه الموفق.
وقال أبو شامة (٥): كان يوما لم ير في الإسلام مثله، كان أول الناس عند مغارة الدم ورأس الجبل إلى الكهف، وآخرهم بباب الفراديس، ولولا المبارز المعتمد وأصحابه القطعوا أكفانه وما وصل إلى الجبل إلى آخر النهار.
وقال السبط (٦): ولما رجعت من جنازته فَكرتُ فيه فقلت: هذا كان رجلا صالحا، وربما إنه نظر إلى ربه حتى وضع في لحده، ومر بذهني أبيات [سفيان] (٧) الثوري التي سمع ينشدها في المنام:
стр. 917
نظرتُ إلى ربى كفاحًا وقال لي … هنيئا رضائي عنك يابن سعيد
فقد كنت قواما إذا أقبل الدجى … بعبرة مشتاق وقلب عميد
فدونك فاختر أي قصر أردته … فزرني فإني منك غير بعيد
وقلت: أرجو أن العماد يري ربه كما رآه سفين عند نزول حفرته. ونمت فرأيت العماد في النوم وعليه حلة خضراء وعمامة خضراء وهو في مكان متسع كأنه روضة وهو يرقى في درج مرتفعة فقلت: يا عماد الدين كيف بت؟! فإني والله مفكر فيك. فنظر إلى وتبسم على عادته وقال:
رأيت إلاهي حين أنزلت حفرتي … وفارقت أصحابي من أهلي وجيرتي
فقال جزيت الخير عني فإنني … رضيت فها عفوي لديك ورحمتي
دأبت زمانا تأمل الفوز والرضى … فوقيت نيراني ولقيت جنتي
فانتبهت مرعوبًا وكتب الأبيات.
قال: وكان الشيخ الموفق يثني عليه وكان يقول: أعرف العماد من صغره وما عرفت أنه عصى الله تعالى قط وما رأيت أشد خوفا منه لله تعالى. قال السبط (١): وكان يحضر مجالسي دائما بجامع دمشق وقاسيون لا ينقطع إلا من عذر. ويقول صلاح الدين يوسف: فتح الساحل وأظهر الإسلام وأنت يوسف أحييت السنة بالشام. وكان يزورني وينبسط إلى ويحبني ويفرح بمجالستي. ورثاه جماعة منهم الصلاح موسى بن الشهاب فقال: وأنشدني إياها:
الحمد لله في كل الأمور فما … يفضى الإله علينا فهو مقبول
ترضى بما جاءنا منه ونشكره … على الرؤوس قضاء الله محمول [٣٧٢]
يا شيخنا (٢) يا عماد الدين قد قرحت … عيني وقلبي منك اليوم متبول
أوحشت والله ربعا كنت تسكنه … لكنه الآن بالأحزان مأهول
كم ليلة بت تحييها وتسهرها … والدمع من خشية الله مسبول
стр. 918
وسجدة طال ما طال القنوت بها … قد زانها منك تكبير وتهليل
فاليوم بعدك ركن الدين (١) منهدم … وطالب العلم حيران ومخذول
قد كنت للسنة الغراء تنصرها … إذ أنت سيف على الأعداء مسلول
يا ذا الذي كان للدنيا يزينها … كأنه في جبين الدهر إكليل
وما يدوم سوى وجه الإله وقد … جاءت بذلك أثار وتنزيل
القاضي جمال الدين بن الحرستاني (٢) عبد الصمد بن محمد بن أبي الفضل أبو القاسم الأنصاري بن الحرستاني، شيخ القضاة العالم العادل المعمر الزاهد ولد بدمشق سنة عشرين وخمسمائة وشارك الحافظ أبا القاسم علي بن الحسن في كثير من مشايخه الدمشقيين سماعا وفي الغرباء أجازة، وكان أبوه من أهل حرستان فنزل داخل باب توما وأمّ بمسجد الزينبي، ونشأ ولده هذا نشأة حسنة، سمع الحديث الكثير وكان يجلس لسماع الحديث بمقصورة الخضر وعندها كان يصلي دائما لا تفوته الجماعة بالجامع، وكان منزله بالحُوَيْزَة (٣) ودرس بالمجاهدية (٤)، وعمر دهرًا طويلا على هذا القدم الصالح وناب في الحكم عن ابن أبي عصرون ثم ترك ذلك ولزم بيته وصلاته بالجامع، ثم عزل السلطان الملك العادل القاضي زكي الدين أبا العباس الظاهر ابن قاضي القضاة محيي الدين وأخذ منه مدرستين العزيزية (٥) والتقوى (٦) وأعطى التقوية للشيخ فخر الدين بن
стр. 919
عساكر وأعطى العزيزية مع القضاء لجمال الدين بن الحرستاني، واعتنى به الملك العادل اعتناء كثيرا وأقبل عليه وأكرمه بحيث أرسل له ما يفرش تحته في مجلس الحكم لضعفه وكبره وما يستند إليه، وكان يجلس للحكم بمدرسته المجاهدية وناب عنه بها ابنه عماد الدين عبد الكريم، وكان يجلس بين يديه فإذا قام الشيخ يستبد مكانه ثم أنه منعه ذلك لشيء بلغه عنه وناب عنه أيضا أكابر شيوخ القضاة يومئذ شمس الدين الشيرازي فكان يجلس قبالته في إيوان المجاهدية وشمس الدين بن سنى الدولة وشرف الدين بن الموصلي الحنفي بمجلس المحراب بها وبقى في القضاء نحوا من سنتين وسبعة أشهر، وتوفي يوم السبت رابع ذي الحجة ودفن بجبل قاسيون، وكان عمره خمسا وتسعين سنة.
قال ابن كثير (١): وكان يحفظ الوسيط للغزالي ﵀ قال ابن عبد السلام: ما رأيت أحدا أفقه من ابن الحرستاني، وكان من أعدل القضاة وأقومهم بالحق لا يأخذه فيه لومة لائم. وقال أبو شامة (٢): ولغرابة ولاية القضاء لمن هو في هذا السن قال فيه شاعر الشام الشاغوري هذين البيتين:
يا من تدرع في خمل الخمول … وما معانق الهم في سر وإعلان
[٣٧٣] لا تيأسن روح من نادي … قاضي القضاة الجمال بن الحرستاني
على أنه امتنع من الولاية لما طلب لها حتى ألح عليه فيها. وقال السبط: ح كي لي ولد القاضي قال: كان أحد بني قوام يعامل الملك المعظم عيسى في السكر ويتجر له فمات ابن قوام فطرح ديوان المعظم يده على تركة ابن قوام، وبعث المعظم إلى القاضي يقول له: هذا الرجل كان يتاجر لي بمالي والتركة لي وأريد تسلمها فأبى عليه إلا بثبوت شرعي قال: وحكى لي جماعة من الدماشقة أن الملك العادل سيف الدين كتب لبعض خواصه كتابًا يوصيه به في حكومة بينه وبين رجل فجاء إليه ودفع إليه الكتاب فقال: إش فيه؟ قال: وصية لي. قال: أحضر خصمك. فأحضره والكتاب بيده لم يفتحه وادعي على الرجل، فظهر الرجل على حامل الكتاب، فقضى عليه ثم فتح الكتاب وقرأه ورمي به إلى حامله وقال: كتاب الله قد حكم على هذا الكتاب، فمضى الرجل إلى
стр. 920
العادل وبكى بين يديه وأخبره بما قال. فقال: العادل صدق كتاب الله أولى من كتابي. وكان يقول للعادل: ما أحكم إلا بالكتاب والسنة وأنا فما سألتك القضاء فإن شئت وإلا فأبصر غيري. ثم لما مات تولى القضاء بعده زكي الدين أبو العباس الظاهر بن يحيي الدين الذي كان قاضيا قبله، وعزل به الأمير الكبير بدر الدين محمد بن أبي القاسم بن محمد الهكاري باني المدرسة التي بالقدس الشريف، كان من خيار الأمراء يتمنى الشهادة أبدا فقتله الفرنج في حصن الطور في هذه السنة، ونقل إلى القدس الشريف ودفن بتربته بها وتربته مزار إلى الآن، وكان من المجاهدين وله المواقف المشهورة في قتال الفرنج وكان من أكابر أمراء المعظم يستشيره ويصدر عن رأيه ويثق به لصلاحه ودينه وكان سمحا لطيفا، دينا، عابدا، ورعا، بارا بأهله وبالفقراء والمساكين، كثير الصدقات دائم الصلات، بني بالقدس مدرسة للشافعية ووقف عليها الأوقاف وبنى مسجدا قريبا من الخليل ﵇ عند يونس على قارعة الطريق ﵀.
الشجاع (١) محمود المعروف ابن الدباغ (٢) توفي في ذي القعدة، وكان من أصحاب العادل من زمن الشبيبة وبقي معه في زمن السلطنة مضحكا له، وحصلت له ثروة عظيمة، وداره بدمشق جعلتها زوجته عائشة مدرسة للفريقين، الحنفية والشافعية بخطيرة باب الفرج، ووقفت عليها أوقافا دارة.
الشيخة العالمة الزاهدة شيخة العالمات بدمشق وتلقب بدهن اللوز، ماتت في هذه السنة.
стр. 921
فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الخامسة عشرة بعد الستمائة (¬*)
استهلت هذه السنة والخليفة الناصر لدين الله، ولكن وقعت في هذه السنة أمور عظيمة منها قضية الفرنج، ومنها وفاة السلطان الملك العادل، ووفاة الملك القاهر صاحب الموصل، ووفاة نور الدين أرسلان شاه بن القاهر المذكور، ومنها خروج التتار إلى بلاد الإسلام وظهورهم في هذه الأيام، فلنتبين ذلك مفصلا بعون الله وتوفيقه إن شاء الله.
ذكر قضايا الفرنج
منها (١) نزول الفرنج على ثغر دمياط المحروس وهي النوبة المعروفة بالمنصورة الأولة. قال بيبرس: لما كان يوم الثلاثاء [٣٧٤] الثالث من ربيع الأول من هذه السنة نزل الفرنج على دمياط في جمع كثير وجم غفير ونازلوها، وكان الملك الكامل قد سار إليها بعساكر الديار المصرية فاتصل القتال بين الفئتين أيامًا ويحيل الفرنج على برج السلسلة فعملوا برجًا من الصواري على بطسة كبيرة، وأقلعوا بها حتى أسندوها على البرج وقاتلوا المسلمين الذين فيه إلى أن ملكوه منهم، ولما اشتدّ أمر الفرنج بثغر دمياط توجه الملك العادل إلى دمشق ليمد ولده الكامل بالعساكر. وقال ابن كثير (٢): استهلت هذه السنة والملك العادل نازل بمرج الصفر. لمحاصرة الفرنج، وأمر ولده المعظم بتخريب حصن الطور فخربه ونقل ما فيه من الآلات والأشياء المعدة للحرب إلى البلدان خوفا عليها من الفرنج، وكان جموع الفرنج بمرج عكا ثم ساروا منها إلى الديار المصرية ونزلوا على دمياط وسار الملك الكامل بن العادل من مصر ونزل قبالتهم، واستمر الحال كذلك أربعة أشهر، وأرسل الملك العادل العساكر التي عنده إلى عند ابنه الكامل فوصلت إليه أولًا فأول، ولما اجتمعت العساكر عند الملك الكامل أخذ في قتال الفرنج ودفعهم عند دمياط وكان نزول الفرنج على دمياط، في ربيع الأول وأخذوا برج السلسلة في جمادي الأولى، وكان حصنا منيعًا وهو كالقفل على ديار مصر، وصفته أنه في وسط جزيرة في النيل عند انتهائه إلى البحر ومن هذا البرج إلى دمياط وهي على شاطئ البحر وحافة النيل سلسلة ومنه إلى الجانب الآخر، فلما ملكت الفرنج هذا البرج شق ذلك على المسلمين
стр. 922
بديار مصر وغيرها، وحين وصل الخبر إلى الملك العادل وهو بمرج الصفر تأوه شديدا ودق بيده على صدره أسفًا وحزنا ومرض من ساعته مرض الموت لأمر يريده الله تعالى، وتوفي يوم الجمعة سابع جمادى الآخرة. كما نذكره عن قريب إن شاء الله تعالى (١).
ولما انتهى الخبر بموته إلى ابنه الكامل وهو مثاغر تجاه الفرنج بدمياط فتَّ ذلك في أعضاد المسلمين وضعفوا، ثم بلغه خبر آخر إن الأمير عماد الدين أحمد بن سيف الدين على بن أحمد المشطوب وكان مقدما عظيما في الأكراد الهكارية وكان أكبر أمير في مصر قد أراد أن يبايع للفائز عوضا عن الكامل، فساق وحده جريدة من دمياط قاصدًا إلى مصر لاستدراك هذا الخطب الجسيم، ولما فقده الجيش من بينهم اختل نظامهم واعتقدوا أن قد حدث أمر أكثر مما قد بلغهم فركبوا وراءه فدخلت الفرنج حينئذ بالأمان إلى الديار المصرية واستحوذوا على معسكر الكامل وأثقاله وحواصله وحواصل الجيش، فوقع أمر عظيم جدًا ودخل الكامل إلى مصر فلم يقع مما ظنه شيء وهرب منه ابن المشطوب إلى الشام، ثم ركب في الجيش إلى الفرنج فإذا الأمر قد تزايد وقد تمكنوا هناك من البلاد وقتلوا خلقا وغنموا شيئا كثيرا، وعاثت هنالك أعراب على أموال الناس ببلاد دمياط فكانوا أضر على المسلمين من الفرنج فنزل الكامل تجاههم يمانعهم عن الدخول إلى القاهرة ومصر بعد أن كان يمانعهم عن الدخول إلى الثغر، وكتب إلى أخوته يستحثهم ويستنجدهم ويقول الوحا الوحا العجل العجل، أدركوا المسلمين وألحقونا قبل أن يملك الإفرنج جميع الديار المصرية، فأقبلت العساكر [٣٧٥] الإسلامية عند ذلك من كل مكان. فكان أول من قدم عليه أخوه الملك الأشرف موسى صاحب الجزيرة، ثم الملك المعظم، فكان من أمرهم مع الفرنج ما سنذكره إن شاء الله (٢) تعالى.
ومن قضايا الفرنج أن الملك المعظم التقى بهم على القيمون (٣) فكسرهم وقتل منهم خلقًا كثيرًا وأسر من الداوية مائة فأدخلهم في القدس منكسة أعلامهم (٤).
ذكر وفاة الملك العادل ﵀
والكلام فيه على أنواع:
стр. 923
(الأول) في ترجمته:
هو السلطان الملك العادل سيف الدين أبو بكر محمد بن أيوب، وكنيته أشهر من اسمه. سُئل عن مولده فقال: فتوح الرها. يعني لما فتحها أتابك زنكي والد نور الدين الشهيد سنة تسع وثلاثين وخمسمائة، فيكون عمره ستا وسبعين سنة. وقيل: كانت ولادته ببعلبك لما كان والده نجم الدين أيوب واليها من قِبَل زنكي (١).
وفي تاريخ ابن كثير (٢): وكان مولده سنة أربعين وخمسمائة. وكذا في تاريخ المؤيد (٣).
وقال ابن خلكان (٤): وكانت ولادته في المحرم سنة أربعين، وقيل: ثمان وثلاثين وخمسمائة، ونشأ في خدمة نور الدين الشهيد مع أبيه وإخوته، وحضر مع أخيه صلاح الدين في فتوحاته وغزواته، وقام أحسن قيام في الهدنة مع الإنكتار ملك الفرنج بعد أخذهم عكا، وكان صلاح الدين ﵀ يعول عليه كثيرًا فاستنابه بالديار المصرية مدة، ثم أعطاه حلب، ثم الكرك وأعماله؛ وحران وما يتعلق بها. ثم جرى بعد وفاة أخيه بينه وبين أولاد أخيه أمور سبق ذكرها، إلى أن استقر له الملك (٥).
(الثاني) في سيرته:
كان حازما متيقظا غزير العقل، سَديد الآراء ذا مكر وخديعة، صبورا حليما، يسمع ما يكره ويغضي عنه، صفوحًا صبورا على الأذى، عادلا مجاهدا، عفيفا دينا متصدقا، آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، طهر جميع ولاياته من الخمور والخواطئ والقمار والمخانيث، والمكوس والمظالم. وكان الحاصل من هذه الجهات بدمشق على الخصوص مائة ألف دينار، فأبطل الجميع لله تعالى، وكان واليه المبارز المعتمد ﵀ أعانه على ذلك، وأقام رجالا على [عقبان] (٦) قاسيون، وجبل الثلج وحوالي دمشق
стр. 924
بالجامكية والجراية، يُحرِّمون أحدا يدخل دمشق بمنكر، فكان أهل الفساد يتحيلون ويجعلون زقاق الخمر في الطبول ويدخلون بها إلى دمشق، فمنع من ذلك.
وقال السبط (١): وبلغني أن بعض المغنيات دخلت على العادل في عرس، فقال لها: أين كنت؟ قالت: ما قدرتُ أجئُ حتى وَفِّيْتُ ما عَلىَّ للضامن. فقال: وأي ضَامنٍ؟ قالت: ضامن القِيان، فقامت عليه القيامة، وطلب المعتمد فأنكر عليه فقال: والله لئن عاد ما بلغني مثل هذا لأفعلن ولأصنعن.
وفي تاريخ ابن كثير (٢): وكان العادل ماسك اليد لكنه أنفق في أيام الغلاء بمصر أموالا عظيمة جدًا، وتصدق على أهل الحاجة من أبناء الناس وغيرهم شيئا كثيرًا، ثم في العام [الذي] (٣) بعده في الفناء كَفَّنَ ثلاثمائة ألف إنسان من الغرباء. وكان كثير الصدقة في أيام مرضه؛ يخلعُ جميع ما عليه ويتصدق به، وبمركوبه وما يحبه من أمواله.
وقال السبط (٤): ولقد فعل العادل في غلاء مصر عقيب موت العزيز ما لم يفعله غيره؛ كان يخرجُ في الليل بنفسه ومعه الأموال يفرِّقها في أرباب البيوتات والمساكين، ولولاه لمات الناس كلهم.
وقال ابن خلكان (٥): وكان العادل ملكا عظيما ذا رأى ومعرفة تامة قد حنكته التجارب، حسن السيرة، جميل الطوية، وافر العقل، حازمًا في الأمور، صالحا محافظا على الصلوات في أوقاتها، متبعا لأرباب السنة، مائلا إلى العلماء، حتى صَنَّف له فخر الدين الرازي كتاب "تأسيس التقديس" وذكر اسمه في خطبته، وسيره إليه من بلاد خراسان. وبالجملة فإنه كان رجلا مسعودًا حتى في أولاده، فإنهم كانوا نجباء على ما نذكرهم عن قريب.
وفي تاريخ ابن العميد: كان جميل السيرة حسن العقيدة، كبير السياسة حازم الرأي، ذا معرفة بدقائق الأمور، وكان مسعودا في جميع أموره، وعاش عيشا رغدًا.
стр. 925
(الثالث) في وفاته:
قد ذكرنا أنه كان نازلا بمرج الصُّفر، وقد أرسل العساكر إلى ولده الملك الكامل، لأجل الفرنج الذين اجتمعوا على دمياط، ثم رحل من مرج الصفر إلى عالقين بفتح العين المهملة وبعد الألف لام مكسورة ثم قاف مكسورة ثم ياء آخر الحروف ساكنة ثم نون، وهي قرية بظاهر دمشق، قاله ابن خلكان (١)، وقال غيره: هي قرية عند عقبة فيق فنزل بها ومرض واشتد مرضه، ثم توفي هناك في سابع جمادى الآخرة من هذه السنة.
وفي المرآة (٢): وسبب موته انزعاجه من الخبر الذي جاءه من دمياط؛ أن الفرنج استولوا على بُرج السلسلة، فَدَقَّ بيده على صدره وأقام مريضا إلى يوم الجمعة سابع جمادى الآخرة، فتوفي بعالقين.
ولما توفي لم يعلم بموته غير كريم الدين الأخلاطي، فأرسل الطير إلى الملك المعظم بنابلس، فجاء المعظم يوم السبت إلى عالقين فاحتاط على الخزائن وصَبَّر العادل وجعله في محفة وعنده خادم يروِّح عليه، وقد رفع طرف سجافها وأظهر أنه مريض، ودخلوا به دمشق يوم الأحد والناس يُسَلِّمون على الخادم وهو يُومئ إلى ناحية العادل، أي أنه يُعلمُه بمن يُسلم. ودخلوا به إلى القلعة وكتموا موته. قال السبط: ومن العجائب أنهم طلبوا له كفنا فلم يقدروا عليه، فأخذوا عمامة الفقيه النجيب ابن فارس فكفنوه بها، وأخرجوا قطنا من مخدة فلفوه به، ولم يقدروا على فأس فسرق كريم الدين فأسًا من الخندق فحفروا له به في القلعة، وصلى عليه وزيره ابن فارس ودفنوه في القلعة. قال السبط: وكنت قاعدًا إلى جانب المعظم عند باب الدار التي فيها الإيوان وهو واجم ولم أعلم بحاله، فلما دفن أبوه قام قائما وشق ثيابه ولطم على رأسه ووجهه، وكان يوما عظيما وعمل له العزاء ثلاثة أيام بالإيوان الشمالي، وعمل له العزاء في جميع البلاد، ونودي في بغداد من أراد الصلاة على الملك العادل الغازي المجاهد في سبيل الله فليحضر إلى جامع القصر، فحضر الناس ولم يتخلف سوى الخليفة، وصلوا عليه صلاة الغائب وترحموا عليه، وتقدموا إلى خطباء الجوامع بأسرهم ففعلوا ذلك بعد صلاة الجمعة.
стр. 926
قال السبط (١): فوضَّ إلى الملك المعظم تربة بدر الدين حسن في اليوم الثالث. وقال أبو شامة (٢): هو بدر الدين حسن أحد أولاد الداية هو وأخوته من أكابر أمراء نور الدين بن زنكي ﵀، وتربته هي التي على نهر ثورا (٣) عند جسر كحيل في طريق الجبل قرب المدرسة الشبلية (٤)، فكان أبو المظفر يعني السبط ﵀ يسكنها ويدرس بالمدرسة الشبلية، ومنها يصعد إلى الجبل وينزل إلى دمشق كل يوم سبت (٥) لمجلس الوعظ، وما أكثر ما كنت أراه جالسا في شباك التربة أو في الصفّة الخارجة في النهر ومعه كتاب يطالع فيه أو ينسخ منه، فما أطيب ما كانت تلك الأيام وما أرغد عيش تلك الأعوام. وقال السبط (٦): وأقام العادل بالقلعة إلى سنة تسع عشرة وستمائة ثم نقل إلى تربته التي أنشأها عند دار العقيقى ومدرسته.
وفي تاريخ ابن العميد: وفي سنة أربع عشرة وستمائة خرج الملك العادل من الديار المصرية إلى الشام بأمواله وذخائره فمضى إلى قلعة الكرك وأقام بها مدة، وجعل أمواله التي خرجت معه من مصر فيها. وفي سنة خمس عشرة بلغه أن الفرنج قد نزلوا على دمياط، فجهز العساكر التي كانت معه جميعها إلى الديار المصرية وخرج من الكرك على عزم المسير إلى دمشق، فمرض في الطريق فنزل على عالقين قريبا من دمشق وأقام بها مدة، ومات بها وذلك في آخر نهار الخميس السابع من جمادى الآخرة سنة خمس عشرة وستمائة، وكتموا موته وقالوا: لقد أشار الطبيب بأن يعبر إلى دمشق فيداوي، فحملوه في محفة وعنده خادم والطبيب راكب إلى جانب المحفة، والشراب دار (٧) يصلح الأشربة ويحملها إلى الخادم فيشربها ويتوهم أن السلطان يشرب إلى أن دخلوا إلى قلعة دمشق بالخزائن والحزم وجميع البيوتات، ثم أظهروا موته فاختبط الناس وصاحوا، فركب
стр. 927
ولده الملك المعظم شرف الدين عيسي صاحب دمشق وهدأ الناس وسكنهم، ونادى المنادي ترحموا على السلطان الملك العادل وادعوا لسلطانكم الملك المعظم، فبكت الناس وحزنوا عليه.
(الرابع) في ذكر ما يتعلق به:
وكانت مدة مملكته لمصر نحو تسع (١) عشرة سنة، ولدمشق ثلاثا وعشرين سنة.
وقال ابن خلكان (٢): كان الملك العادل سيف الدين أخو السلطان صلاح الدين ﵀ وصل إلى الديار المصرية صحبة أخيه وعمه أسد الدين شيركوه، ولما ملك صلاح الدين الديار المصرية كان ينوب عنه في حال غيبته بالشام، ويستدعي منه الأموال للإنفاق في الجند وغيرهم. ولما ملك صلاح الدين مدينة حلب في صفر سنة تسع وسبعين وخمسمائة أعطاها لولده الملك الظاهر غازي، ثم أخذها منه وأعطاها للملك العادل فانتقل إليها وصعد قلعتها يوم الجمعة الثاني والعشرين من رمضان من السنة المذكورة، ثم نزل عنها للملك الظاهر غازي بن صلاح الدين لمصلحة وقع الاتفاق عليها بينه وبين أخيه صلاح الدين، وخرج منها في سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة ليلة السبت الرابع والعشرين من ربيع الأول منها، ثم أعطاه السلطان صلاح الدين قلعة كرك وتنقل في الممالك في حياة أخيه صلاح الدين وبعد وفاته إلى أن استقل بمملكة الديار المصرية، واستقرت له القواعد وخطب له بمصر والقاهرة وبحلب أيضا. وملك بعدها البلاد الشامية والشرقيةَ وصَفَتْ له الدنيا، ثم ملك بلاد اليمن في سنة اثنتي عشرة وستمائة وسيّر إليها ولد ولده الملك المسعود صلاح الدين أبا المظفر يوسف المنعوت بأطسز ابن الملك الكامل. وأطسيز بفتح الهمزة وسكون الطَاء المهملة وكسر السين المهملة وبعدها باء آخر الحروف ثم زاي معجمة. وهي كلمة تركية وتفسيرها بالعربي ما له اسم. وقد يقال أطسيس بسينين مهملتين والعامة يقولون: أقسيس بالقاف. وصوابه بالطاء وإنما سمي بذلك لأن الملك الكامل ما كان يعيش له ولد، فلما ولد المسعود المذكور قال بعض الحاضرين في مجلسه من الأتراك: في بلادنا إذا كان الإنسان لا يعيش له ابن سماه أطسيس.
стр. 928
وقال ابن كثير (١): وأنت الملك العادل السعادة واتسعت مملكته، وكثرت أولاده ورأى فيهم ما يحب، ولم ير أحد من الملوك الذين اشتهرت أخبارهم في أولادهم من الملك والظفر ما رآه العادل في أولاده.
وقد كانت ممالكه ممهدة من أقصى بلاد مصر واليمن والشام والجزيرة إلى همذان كلها، أخذها بعد أخيه السلطان صلاح الدين يوسف ﵀ سوي حلب فإنه أقرها بيد ابن أخيه السلطان غازي بن صلاح الدين لأنه كان زوج ابنته صفية خاتون كما ذكرنا (٢).
وكان الملك العادل كثير الأكل ممتعا بصحته وعافيته مع كثرة صيامه، يأكل في اليوم الواحد أكلات جيدة، ثم بعد كل حال يأكل وقت النوم رطلا بالدمشقي من الحلواء السكرية اليابسة، وكان يعتريه مرض في أنفه في زمان الورد فكان لا يقدر على الإقامة بدمشق حتى يفرغ زمن الورد، يضرب له الوطاق بمرج الصفر ثم يدخل البلد بعد ذلك (٣).
وكان عنده عند موته بعض مماليكه، ولم يكن عنده أحد من أولاده حاضرا، فحضر إليه ابنه الملك المعظم عيسى بعد وفاته وكان بنابلس كما ذكرنا، واحتوى المعظم على جميع ما كان مع أبيه من الجواهر والأموال والسلاح والخيول وغير ذلك، وكان في خزانته لما توفي سبع مائة ألف دينار عينيا (٤).
وقال ابن خلكان: ﵀ ولما قسم العادل البلاد بين أولاده كان يتردد بينهم ويتنقل من مملكة إلى أخرى، وكان في الغالب يصيف بالشام لأجل الفواكه والثلج والمياة الباردة، ويشتى في الديار المصرية لاعتدال الوقت فيها وقلة البرد، وعاش في أرغد عيش، وكان يأكل كثيرا خارجا عن المعتاد، يقال: كان يأكل وحده خروفا لطيفا مشويا، وكان له من النكاح نصيب وافر، وحاصل الأمر أنه كان ممتعا في دنياه (٥).
стр. 929
(الخامس) في ذكر أولاده:
خلف أولادا لم يخلف أحد من الملوك أمثالهم في نجابتهم وبسالتهم ومعرفتهم وعلو هممهم، ودانت لهم العباد وملكوا خيار البلاد (١)، وخلف تسعة عشر ولدا (٢) ذكرا سوي البنات كلهم نجباء. (الأول) الملك الأوحد نجم الدين أيوب صاحب أخلاط وغيرها، مات في حياة والده كما ذكرنا. (الثاني) الملك المغيث عمر توفي في حياة والده، وخلف ولدا صغيرا، ولقبوه بلقب أبيه. (الثالث) الملك الكامل ناصر الدين محمد صاحب الديار المصرية والسكة والخطبة له في جميع الممالك الأيوبية. (الرابع) الملك المعظم شرف الدين عيسى صاحب دمشق وأعمالها. (الخامس) الملك العزيز عماد الدين عثمان صاحب بانياس. (السادس) الملك الأمجد مجد الدين حسن توفي في حياة والده. (السابع) الملك الأشرف مظفر الدين موسى صاحب حران والرها وغيرهما وصاحب أخلاط بعد موت أخيه الملك الأوحد. (الثامن) الملك المظفر شهاب الدين غازي صاحب ميا فارقين. (التاسع) الملك المعز مجير الدين يعقوب. (العاشر) الملك القاهر إسحاق ويلقب ببهاء الدين. (الحادي عشر) الملك الصالح عماد الدين إسماعيل. (الثاني عشر) الملك الأفضل قطب الدين أحمد، توفي بمصر أيام أخيه الملك الكامل. (الثالث عشر) الملك الفائز إبراهيم ويلقب بسابق الدين. (الرابع عشر) الملك الحافظ نور الدين على أرسلان شاه صاحب قلعة جعبر. (الخامس عشر) الملك الأمجد تقي الدين عباس وهو آخرهم وفاة. (السادس عشر) الملك المغيث شهاب الدين محمود. (السابع عشر) الملك الناصر صلاح الدين خليل وهو أصغرهم. (الثامن عشر) الملك المعظم شمس الدين مودود. (التاسع عشر) الملك القاهر بهاء الدين الخضر (٣).
وفي المرآة (٤): وكان العزيز عثمان والأمجد شقيقى الملك المعظم، وكان مجير الدين يعقوب والقاهر إسحاق شقيقي (٥) شهاب الدين غازي.
стр. 930
وقال أبو شامة (١): تقي الدين عباس كان حيا بدمشق في سنة تسع وخمسين وستمائة، وهو آخر من بقي منهم.
وقال السبط (٢): وكان الصالح إسماعيل وقطب الدين أحمد بدمشق لما مات العادل، فأمر المعظمٌ الصالحَ فتوجه إلى بُصرى، وأحمد إلى مصر.
وكانت للعادل بنات أجلّهن صفية خاتون زوجة الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين يوسف صاحب حلب، أم الملك العزيز والد الملك الناصر يوسف الذي أسره هلاون (٣). كما سنذكره إن شاء الله.
قال شرف الدين ابن عنين يمدح الملك العادل ويذكر أولاده بقصيدته التي أولها (٤).
ماذا على طيف الأحبة لو سرى … وعليهم لو سامحوني بالكرى
العادل الملك الذي أسماؤه … في كل ناحية تُشرف منبرا
ما في أبي بكر لمعتقد الهدى … شك يريب بأنه خير الورى
بين الملوك الغابرين وبينه … في الفضل ما بين الثريا والثرى
نسخت خلائقه الحميدة ما أتي … في الكُتب عن كسرى الملوك وقيصرا
لا تسمعن حديث ملك غيره … يروي فكل الصيد في جوف الفرا
وله الملوك (٥) بكل أرض منهم … ملك يجر (٦) إلى الأعادي عسكرا
من كل وضاح الجبين تخاله … بدرًا فإن شهد الوغي فغضنفرا
(السادس) فيما تجدد بعد وفاته:
لما دخل (٧) شهر رجب رد الملك المعظم المكوس والخمور وما كان أبوه أبطله. قال السبط: فقلت له: قد خلفت سيف الدين غازي ابن أخي نور الدين فإنه كذا فعل لما
стр. 931
مات نور الدين، فاعتذر بقلة المال والفرنج. قلت: هذا عذر غير مقبول عند الله وعند الناس. ثم سار المعظم إلى بانياس وراسل الصارم التبنيني وهو بتبنين (١) في تسليم الحصون فأجابه به، فأخرب بانياس وسار إلى تبنين فأخربها وهدمها، وكانت قفل البلاد وملجأ العباد، وأعطى بلاد جهاركس لأخيه العزيز وزوّجه ببنت جاركس، وبعث إليه الكامل بالخلع، وقال: أدركني. وقد جاءت الفرنج فنزلوا سرمساح، وأخلى لهم المسلمون الخيام فطمعوا، ثم رجع عليهم الكامل فكسرهم وقتل منهم خلقًا كثيرًا وعادوا إلى دمياط، ونزل الصارم وولده ناصر الدين وأصحابه من الحصون فأكرمهم المعظم وخلع عليهم وأحسن إليهم، وأظهر أنه ما أخرب بانياس وتبنين إلا خوفًا من استيلاء الفرنج عليها (٢).
(السابع) في دولة الملك الكامل ناصر الدين محمد بن الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب استقلالا بالديار المصرية بعد والده في جمادى الآخرة سنة خمس عشرة وستمائة.
ولما توفي والده ووصل الخبر بوفاته عمل له العزاء بدار الوزارة بالقاهرة، وكان نازلا بدمياط مشغولا بالفرنج -كما ذكرنا- وعنده أخوة الفائز، وجرت بين المسلمين والفرنج وقائع كثيرة وحروب، وثارت الفتن من الغرباء بالديار المصرية، فكانوا أشد بلاءً من الفرنج. واتفق مع ذلك أن عماد الدين بن المشطوب - أحد الأمراء العادلية - كان يكره الكامل فأراد القبض عليه وإقامة أخيه الفائز عوضا عنه، فأُعلم الكامل بهذه الحالة فارتحل عن دمياط، وقصد التوجه إلى مصر لهذه الحادثة، فأشار عليه بعض الأمراء بالمقام على المنصورة، وهي قرية أنشأها الكامل على بحر أشموم لأجل مقابلة الفرنج ومقاتلتهم، فأقام بها وأصبح الفرنج فلم يروا من العسكر الإسلامي أحدًا بالبر الشرقي، فظنوا أنها مكيدة عملت عليهم، فارتابوا إلى أن تحققوا رحيل السلطان، فعدوا وكسبوا وغنموا ما ترك المسلمون وأحاطوا بدمياط من البر والبحر، وضايقوها مضايقة كثيرة.
стр. 932
ووصل الملك المعظم شرف الدين عيسى أخو الكامل من دمشق إليه، فشكا له حاله وما أراد ابن المشطوب أن يعمله معه، فقال: أنا أكفيك أمره. وركب المعظم وجاء حتى وقف بفرسه على باب خيمة ابن المشطوب، فجرى إليه وتلقاه، فقال له: يقوم الأمير عماد الدين لنتفق على نصب المنجنيقات على أطراف البحر، وترتيب اليزك ومصلحة المسلمين فركب مسرعا، فلما سار معه قليلا واستدرجه المعظم حتى أخرجه عن الخيام، أحاط به عسكر المعظم وأنزلوه عن جواده وركّبوه بغلة وسُيِّر إلى الشام. فقصد الأشرف مظفر الدين موسى وأقام في خدمته، وتوجه الفائز إلى الشرق، واستقر حال الكامل وأعاد الصاحب صفي الدين بن شكر إلى الوزارة ليحصل الانتفاع به في استخراج الأموال، وتحصيل ما ينفق في الغزاة إعانة لهم على ما هم بصدده من القتال. وكان المذكور قد نفى إلى الشام عند عزله فأعيد، وَجَبَى من التجار وأرباب الأموال شيئا (١) يقال له التبرع.
وقال ابن كثير (٢): وأعيد الوزير صفي الدين عبد الله بن على بن شكر من بلاد الشرق من آمد إلى دمشق بعد موت العادل، وكان العادل قد نفاه كما ذكرنا.
وفي المرآة (٣) وفيها قدم الصاحب صفي الدين بن شكر وزير العادل وكان العادل قد نقم عليه فنفاه إلى الشرق، فمضى إلى آمد فأقام بها، فلما مات العادل كتب ابنه الكامل من مصر إليه يطلبه، فقدم دمشق في هذه السنة ونزل بظاهرها ببيت [أرانس] (٤) في دار المؤيد العقوباني فخدمة المؤيد، وكان قد قَلّ نظره فأقام أياما ثم توجه إلى مصر.
وقال أبو شامة: وقيل: إن قدومه من الشرق (٥) كان بعد هذه السنة. وقرأ بهاء الدين بن أبي اليسر بين يديه ببيت [أَرَانِس] مقامة في مدحه من إنشاد الشيخ أبي الحسن السخاوي (٦)، سماها "محاضرة العلماء ومحاورة الفقهاء في أوحد الكبراء وسيد الوزراء"،
стр. 933
وهي مقامة جليلة حسنة لفظا ومعنى. وكان خليقا بالوزارة لم يأت بعده فيها مثله، وكان متواضعا يُسلم على الناس الذين يمر بهم وهو راكب، ويكرم الفقهاء ويحترمهم ويعمر أوقافهم ويثمرها، ويوسع لهم في الجامكيات. وفي أيامه بنيت العمارة بغوارة (١) جيرون والمسجد والبركة والشادروان وغير ذلك.
قال أبو شامة (٢): قال السبط: توفي في سنة ثلاثين وستمائة وهو وهم، وإنما توفي في سنة ثنتين وعشرين وستمائة كما سنذكره إن شاء الله.
ذكر وفاة الملك القاهر صاحب الموصل وهو عز الدين مسعود بن أرسلان شاه بن مسعود بن مودود بن زنكي بن أقسنقر
مات لثلاث بقين من ربيع الأول من هذه السنة (٣)، وكانت مدة ملكه تسع سنين وسبعة أشهر، وأنقرض بموته ملك البيت الأتابكي. وكان قليل الطمع في أموال الرعية، كافًا عن أذيً يوصله إليهم، مقبلا على لذاته ينهبها نهبًا.
وقال ابن خلكان (٤): لما مات نور الدين أرسلان شاه خَلّف ولدين أحدهما: الملك القاهر عز الدين أبو الفتح مسعود، والآخر الملك المنصور عماد الدين زنكي، ولما حضرته الوفاة قَسَّم البلاد بينهما، فأعطى للملك القاهر - وهو الأكبر - الموصل وأعمالها وأعطى عماد الدين شوش والعَقْر وتلك النواحي. فأما الملك القاهر فكانت ولادته في سنة تسعين وخمسمائة بالموصل، وتوفي بها فجأة ليلة الإثنين الثلاث بقين من شهر ربيع الآخر سنة خمس عشرة وستمائة، وكان قد بنى مدرسة فدفن فيها.
وفي تاريخ بيبرس: وأوصى الملك القاهر بالملك بعده لولده الكبير أرسلان شاه وعمره نحو من عشر سنين، وجعل المدبر لدولته بدر الدين لؤلؤ وهو كان يتولى دولة والده القاهر، ويقوم بتدبيرها وتدبير جده نور الدين أيضا. فلما توفي القاهر أجلس بدر الدين لؤلؤ ولده أرسلان شاه مكانه، وأرسل إلى الخليفة يطلب منه التقليد والتشريف، وأرسل
стр. 934
إلى الملوك وأصحاب الأطراف المجاورين لهم يطلب تجديد العهود لنور الدين على القاعدة التي كانت بينهم وبين أبيه، فلم يُصبح إلا وقد فرغ من كل ما يحتاج إليه وجلس للعزاء، وخَلَّفَ الجُند والرعايا، وضبط المملكة مع صغر السلطان وكثرة الطامعين في الملك، فإنه كان معه في البلد أعمام أبيه، وكان عمه عماد الدين زنكي بن أرسلان شاه بقلعة عقر الحميدية، يحدث نفسه بالملك، لا يشك أن الملك يصير إليه بعد أخيه. فرقّع بدر الدين لؤلؤ ذلك الخرق وأحسن إلى الناس عامة وخلع عليهم، وأحسن السيرة وكشف الظلامات وأنصف بعضهم من بعض.
وبعد أيام وصل التقليد من الخليفة إلى نور الدين بالولاية، ولبدر الدين لؤلؤ بالنظر في أمر دولته، والتشريفات لهما، وأتتهم رسل الملوك بالتعزية وبذل ما طلب منهم من العهود، واستقرت القاعدة لهما.
وقال ابن كثير (١): ولما أُجلس أرسلان شاه بن القاهر في المملكة وكان به قروح وأمراض، تحرك عمه عماد الدين زنكي بن أرسلان شاه وقصد العمادية واستولى عليها، ثم استولى على قلاع الهكارية والزوزان (٢)، واستنجد بدر الدين لؤلؤ المتولى على ملك الموصل ومدبر أرسلان شاه بالملك الأشرف ابن الملك العادل ودخل في طاعته، فأنجده الملك الأشرف بعسكر وساروا إلى عماد الدين زنكي بن أرسلان شاه وهزمه، وكان زنكي متزوجا ببنت مظفر الدين كوكبوري صاحب إربل، وأم البيت ربيعة خاتون بنت أيوب أخت الملك العادل. وكان مظفر الدين لا يترك ممكنا في نجدة صهره زنكي المذكور ويبالغ في عداوة بدر الدين لؤلؤ لأجل صهره.
ذكر وفاة نور الدين أرسلان شاه ابن الملك القاهر عز الدين مسعود صاحب الموصل
وذكر بيبرس (٣) في تاريخه وفاته في هذه السنة، وذكره المؤيد (٤) في السنة الآتية.
стр. 935
وقال بيبرس لما تقرر الصلح بينه وبين عماد الدين زنكي كان متمرضا ولم يلبث أن مات على فراشه، فرتب بدر الدين لؤلؤ أخاه ناصر الدين محمود وله من العمر ثلاث سنين، ولم يكن للملك القاهر ولد غيره، وحلّف له الجند فركّبه وطابت نفوس الناس لأن نور الدين كان لا يقدر على الركوب لكثرة أمراضه فلما ركب أخوه علموا أن لهم سلطانًا من البيت الأتابكي، فاستقروا واطمأنوا وسكنوا.
ولما ملك ناصر الدين المذكور تجدد لمظفر الدين صاحب إربل وعماد الدين زنكي طمع لصغر سن ناصر الدين، فجمعا الرجال وتجهزا للحركة وقصدوا أطراف بلاد الموصل بالنهب والفساد، وكان بدر الدين قد سير ولده الكبير في جمع كثير من العسكر إلى الملك الأشرف؛ نجدة له بسبب اجتماع الفرنج بمصر وهو يريد أن يدخل بلاد الفرنج التي بالشام، ينهبها ويخزنها ليعود بعض الفرنج الذين بدمياط إلى بلادهم فيخف الأمر على الملك الكامل. فلما تحرك مظفر الدين وعماد الدين على بدر الدين لؤلؤ أرسل يستنجد بعسكر الأشرف الذين بنصيبين ويستدعيهم ليعتضد بهم، وكان المقدم عليهم مملوكا للأشرف يسمى أيبك، فساروا إلى الموصل فلما رآهم بدر الدين استقلّهم لأنهم كانوا أقل من العسكر الذي أرسله إلى الشام أو مثلهم، وألحّ أيبك الأشرفي على عبور دجلة وقصد بلاد إربل، فمنعه بدر الدين لؤلؤ من ذلك، فنزل بظاهر الموصل شرقي دجلة، فلما سمع مظفر الدين ذلك جمع عسكره وسار إليهم ومعه عماد الدين زنكي، فعبر الزاب فسمع به بدر الدين فعبّى أصحابه وجعل أميرا كبيرا في الميمنة، فلما كان الليل أراد الانتقال إلى الميسرة فقال له بدر الدين لا يفعل لئلا ينهزم العسكر فإن العدو قريب منكم، فلم يقبل منه وسار إلى الميسرة لجهله بالحرب واضطر الناس لاتباعه فتقطعوا من الليل والظلمة والتقوا هم والخصم على ثلاثة فراسخ من الموصل. فأما أيبك الأشرفي فإنه لحق بالميمنة وحمل هو وأصحابه على ميمنة مظفر الدين فهزمها وبها زنكي، وتقدم إليه مظفر الدين فيمن معه من القلب فلم يمكنه الوقوف، فعاد إلى الموصل وعبر دجلة ونزل البلد، فلما رآه الناس فرحوا به، ونزل مظفر الدين فيمن سلم معه من عسكره وراء تل حصن نينوى فأقام ثلاثة أيام، فلما رأى اجتماع العسكر البدرى بالموصل وأنهم لم يفقد منهم إلا اليسير، وبلغه الخبر أن بدر الدين يريد العبور إليه ليلا بالفارس والراجل على الجسور وفي السفن ويكبسه، فرحل ليلا من غير أن يضرب كوسًا،
стр. 936
وعاد نحو إربل فلما عبروا الزاب نزلوا، ثم جاءت الرسل وسعوا في الصلح على أن كل من بيده شيء هو له وتقررت العهود والأيمان على ذلك (١).
وفي تاريخ المؤيد (٢): مات نور الدين أرسلان شاه في سنة ست عشرة وستمائة فأقام بدر الدين لؤلؤ بعده أخاه ناصر الدين محمود وعمره يومئذ نحو ثلاث سنين، وهو آخر من خطب له من بيت أتابك بالسلطنة، وكان أبوه القاهر آخر من كان له استقلال بالملك منهم، ثم [إن] (٣) هذا الصبى مات بعد مدة واستقر بدر الدين لؤلؤ بالملك وأتته السعادة، وطالت مدة ملكه إلى أن توفي بالموصل بعد أخذ التتار بغداد على ما سنذكره إن شاء الله تعالى.
وقال أبو (٤) شامة: ثبت ملك بلاد الموصل لبدر الدين لؤلؤ فسمى بالملك الرحيم، ثم لأولاده من بعده إلى الآن، وبلغني أن لؤلؤ كان سقى القاهر سمًا فمات، ثم أدخل ابنه محمودا بعد ذلك حماما حاميا وأغلق عليه الباب فاشتد كربه وعطشه، فاستغاث أخرجوني واسقوني ماء ثم اقتلوني، وقد تغيرت خلقته وكان من أحسن الناس صورة، فأسقي ماء ثم حنق بوتر.
ذكر خروج التتار إلى بلاد الإسلام وظهورهم في هذه الأيام
قال بيبرس (٥) في تاريخه: وفي هذه السنة أعني سنة خمس عشرة وستمائة توالت الجوائح على البلاد الإسلامية وتواترت النوائب على الأمة المحمدية، ووافق حركة الفرنج من المغرب خروج التتار من أقصى المشرق واستيلائهم على ما يليهم من ممالك الخطائية، وامتدادهم إلى الممالك الإسلامية وانتزاعهم مدائن العجم من يد السلطان خوارزم شاه علاء الدين محمد بن تكش بن أيل أرسلان بن إتسر المستولى على الممالك السلجوقية، وذكر غيره خروج التتار إلى بلاد الإسلام في سنة ست عشرة
стр. 937
وستمائة وذلك أنهم عبروا نهر جيحون صحبة ملكهم جنكيز خان من بلادهم، وكانوا يسكنون جبال طمغاج من أرض الصين ولغتهم مخالفة للغة سائر التتار وهم من أشجعهم وأصبرهم على القتال، وسبب دخولهم أن جنكيز خان بعث تجار له مع أموال كثيرة إلى بلاد خوارزم شاه يشترون له ثيابا للكسوة فكتب نائب خوارزم شاه إليه يخبره بهم وبما معهم من الأموال الكثيرة فأرسل خوارزم شاه إليه يأمره بقتلهم وأخذ أموالهم ففعل ذلك، فبلغ جنكيز خان فغضب عند ذلك غضبا شديدا وأرسل يتهدد خوارزم شاه، فأشار من أشار على خوارزم شاه بالمسير إليهم فسار إليهم فأقبل وهم في شغل بقتال كشلي خان، فنهب خوارزم شاه أموالهم وسبي ذراريهم وذلك بعد أن اقتتلوا أربعة أيام قتالا لم نسمع بمثله؛ أولئك يقاتلون على حريمهم والمسلمون يقاتلون عن أنفسهم يعلمون أنهم متى ولوا استأصلوهم، فقتل من الفريقين خلق كثير حتى أن الخيول كانت تزلق في الدماء، وكان جملة من قتل من المسلمين نحو من عشرين ألفًا، ومن التتار أضعاف ذلك. ثم تحاجز الفريقان وولي كل منهم إلى بلاده.
وقال أبو الفتح المنشئ: لما انصرف السلطان خوارزم شاه من العراق واستقر بما وراء النهر وافته رسل جنكيز خان وهم محمود الخوارزمي، وعلي خواجه البخاري ويوسف كنكا الأتراري ومعهم من نَقَر المعادن ونواقح المسك وأحجار اليشم والنياب التي تسمى طرقو، وقد ذكرنا هذا أنه كان في سنة أربع عشرة وستمائة وأن خوارزم شاه أكرم رسله وخلع عليهم وأظهر المسالمة مع جنكيز خان، ولما ردوا إلى جنكيز خان وأخبروه بذلك سر وفرح على هذا واستمر الحال على المسالمة إلى أن وصل من بلاد جنكيز خان تجار إلى أترار وهم خواجه عمر الأتراري والجمال المراغي وفخر الدين البخاري وأمين الهروي، وكان ينال خان ابن خال السلطان في عشرين ألف فارس ينوب عن السلطان خوارزم شاه في مدينة أترار (١).
ولما وصلت التجار إلى أترار شرهت نفسه الدنيّة في أموالهم واحتاط عليهم وخفى أثرهم وتفرد بتلك الأموال بغير علم السلطان (٢). فبلغ ذلك جنكيز خان، فأرسل
стр. 938
إلى خوارزم شاه شخصا يقال به كرُجْ بُغْرا، وكان أبوه من أمراء السلطان تكش والد خوارزم شاه، ومعه اثنان من التتار، ومضمون الرسالة بأنك قد أعطيت خط يدك بالأمان للتجار، وأن لا يتعرض إليهم أحد، فغدرت ونكثت، والغدر في نفسه قبيح، ومن سلطان الإسلام أقبح، فإن كنت تزعم أن الذي فعله ينال خان من غير أمرك فسلمه إلىَّ لأجازيه على ما فعل، وإلا فأذن بحرب تَرْخُصُ فيها غوالي الأرواح، وتقصف معها عوالي الرماح.
فأمسك السلطان عن تسبيرينال خان إليه، على رعب خامر قلبه، وخَوفُ سلب لُبه، وذلك لأنه عُمْدَة عساكره، ومن أقاربه، وكان أكثر أمرائه من أقاربه، وطُرُر مملكته والمتحكمين في دولته. ثم اعتقد السلطان أنه إذا لاطف جنكيز خان في الجواب لم يزده ذلك إلا طمعًا فيه، فأغلظ في الجواب وأمر بقتل أولئك الرسل فقتلوا فيا لها من قتلة هدرت دماء المسلمين والإسلام، وأجرت بكل نقطة سيلا من الدم الحرام، ولما بلغ ذلك جنكيز خان عزم على المسير إليه، واجتهد في الحوطة عليه وبلغ ذلك السلطان خوارزم شاه فأول ما اعتمده من التدبير الخطأ أنه عزم على أن يبني سورا على سمرقند ودوربها على ما قيل اثني عشر فرسخًا ثم شحنها بالرجال ليكون ردا بينه وبين الترك، وسدًا دونهم، ثم سير عماله وجباته إلى جميع البلاد وأمرهم أن يستخرجوا خراج سنتين. وأعجلة التتار عن عمارة السور. ومن جملة خطئه في تدبيره أنه لما سمع بقرب جنكيز خان فرق عساكره في مدن ما وراء النهر وبلاد الترك، فترك ينال خان في عشرين ألف فارس في أترار وقيلغ خان في عشرة آلاف فارس في شهر كند (١) والأمير اختيار الدين كشلي أمير آخور وأغلى حاجب الملقب بانبانجخان في ثلاثين ألف فارس ببخاري وطغان جَان خَالَهُ وأمراء الغور مثل حرمنج وخرزوام وابن عز الدين وحسام الدين مسعود وغيرهم في أربعين ألف فارس بسمرقند، وفخر الدين المعروف با عيار النسوي وعسكر سجستان بترمذ وملخودْخان بوخش وأبا محمد خال أبيه في جماعة كثيرة ببلخ وأسرك بهلوان بجند وعجلق ختلان، وبالجملة لم يترك بلدا من البلاد بما وراء النهر خاليا من عسكره وقد أخطأ في ذلك، فلو التقى التتار بعساكره قبل أن يفرقهم لاختطفهم خطفًا ولكن أمر الله غالب، ثم إن جنكيز خان لما شارف تخوم البلاد السلطانية تياسر صوب أترار وداوم
стр. 939
القتال عليها ليلا ونهارا حتى استولى عليها، وأحضر ينال خان بين يديه فأمر بسبك الفضة وقلبها في أذنيه وعينيه فقتل تعذيبًا جزاء عن فعله الشنيع عن قتله التجار وأخذ أموالهم، ثم أحضر جنكيز خان نائب الوزارة بأترار وهو بدر الدين العميد فاتفق معه على أن زوّر كتبًا عن لسان الأمراء قرابة والدة السلطان إلى جنكيز خان يبذلون له الدخول في طاعته والرجوع عن مناصرة السلطان ومعاضدته، وأرسل هذه الكتب على يد بعض خواصه فلما وقف عليها السلطان نفر منهم ونأى عنهم وأخذ يبدد شملهم ويفرق جمعهم ثم سير جنكيز خان دانشمند الحاجب وهو من خواصه إلى تُركان خاتون والدة السلطان بخوارزم. يقول: قد عرفت مقابلة ابنك وحقوقك بالعقوق وها أنا قد قصدته ولست بمتعرض إلى ما تحت يدك من البلاد فإن أردت ذلك ابعثي إلى من تثقي به حتى أحلف لك وأسلم لك خوارزم وخراسان، وما يتاخمها من قاطع جيحون.
فكان جوابها عن هذه الرسالة أنها تخرج عن خوارزم وتتركها وراءها، فعند ذلك خرجت تركان خاتون من خوارزم واستصحبت معها ما أمكنها من حرم السلطان وصغار أولاده ونفائس خزائنه، وأمرت بقتل من كان بخوارزم من الملوك الأسارى وأبناء الملوك وكبار الصدور، فقتل زهاء اثنين وعشرين نفسًا محرمة منهم ابنا السلطان غياث الدين الغوري وابن طغرل السلجوقي، وعماد الدين صاحب بلخ (١). وابنه بهرام شاه صاحب ترمذ (٢)، وعلاء الدين صاحب باميان (٣) وجمال الدين عمر صاحب وخش (٤) وابنا (٥) صاحب سغناق (٦) من بلاد الترك، وصدر جهان وافتخار جهان وابْناه ملك الإسلام وعزيز الإسلام. واستصحبت عمر خان ابن صاحب بازر وكان معوقًا بها لخبرته بالطرق المفضية إلى بلاده، فخرج معها وخدمها تلك المدة أتم خدمة حتى إذا قاربت تخوم بازر خافت أن يفارقها، فأمرت بضرب عنقه فقتل صبرًا وسارت بمن معها من الحرم والخزائن
стр. 940
فصعدت قلعة إيلال من قلاع مازندران فأقامت بها إلى أن كان منها ما سنذكره إن شاء الله تعالى (١)
وذكر بيبرس في تاريخه خروج تركان خاتون المذكور من خوارزم في هذه السنة، وذكر أبو الفتح المنشيء أنه كان خروجها في أواخر سنة ست عشرة وستمائة، وسنذكر ما جرى بعد ذلك بين جنكز خان والسلطان خوارزم شاه وما جرى على تركان خاتون إن شاء الله تعالى.
ذكر بقية الحوادث في هذه السنة
منها (٢) أن كيكاوس بن كيخسرو ملك الروم قصد حلب لما مات الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين، وأجلس ابنه الملك العزيز في مملكته، وكان طفلا كما ذكرنا، وطمع كيكاوس في الاستيلاء على حلب فاستدعى الملك الأفضل بن صلاح الدين صاحب شميساط واتفق معه كيكاوس على أن يفتح حلب وبلادها ويسلمها إلى الملك الأفضل ثم يفتح البلاد الشرقية التي بيد الملك الأشرف ابن الملك العادل ويتسلمها كيكاوس وتحالفا على ذلك، وسار كيكاوس إلى جهة حلب ومعه الملك الأفضل ووصلا إلى رعيان واستولى عليها كيكاوس وسلمها إلى الملك الأفضل فمالت إليه قلوب أهل البلاد لذلك، ثم سار إلى تل باشر وبها فتح الدين بن دلدروم ففتحها ولم يسلمها للملك الأفضل بل أخذها كيكاوس لنفسه، فنفر خاطر الملك الأفضل وخواطر أهل البلاد بسبب ذلك ووصل الملك الأشرف إلى حلب ليدفع كيكاوس عن البلاد، ووصل إليه الأمير مانع بن جدمه أمير العرب في جمع عظيم وكان قد سار كيكاوس إلى منبج وتسلمها لنفسه أيضا، وسار الملك الأشرف بالجموع التي معه ونزل وادي بزاعا واتقع بعض العسكر مع مقدمة عسكر كيكاوس فانهزمت مقدمة عسكر كيكاوس وأخذت منهم عدة أسرى فأرسلوا إلى حلب ودقت البشائر بها، ولما بلغ ذلك كيكاوس وهو بمنبج ولي منهزمًا مرعوبا، وتبعه الملك الأشرف يتخطف أطراف عسكره، ثم حاصر الملك الأشرف تل باشر واسترجعها، وكذلك استرجع رعبان وغيرها.
стр. 941
وتوجه الملك الأفضل إلى شميساط ولم يتحرك بعدها في طلب مُلك إلى أن مات سنة اثنتين وعشرين وستمائة - كما سنذكره إن شاء الله تعالى.
وعاد الملك الأشرف إلى حلب وبلغه وفاة أبيه العادل.
وفي تاريخ (١) بيبرس: وفي هذه السنة سار عز الدين كيكاوس ملك الروم إلى ولاية حلب قصدا للتغلب عليها، ومعه الأفضل بن صلاح الدين، وسبب ذلك أنه كان بحلب رجلان شريران ساعيان في أذية الناس، فكرههما الناس، فخرجا من حلب وتوجها إلى كيكاوس وحسنا له أخذ حلب وبلادها، وأنه لن يقوم في وجهه أحد، فأشير عليه إن لم يكن معه أحد من بيت أيوب لم يصل إلى شيء من البلاد. وكان الأفضل بن صلاح الدين بن أيوب في طاعته، فأرسل إليه وطلب حضوره معه ليفتح به البلاد، ويكون له جميع ما يفتحانه منها، ولا يكون لكيكاوس سوى الخطبة. وحسن هذا الأمر للأفضل، وصاحب حلب ملازم القلعة لا ينزل منها ساعة، وقد جمع العساكر والعرب وخاف من أهل البلد أن يخرجوا إلى الأفضل ويصيروا معه، فأرسل العزيز صاحب حلب إلى الأشرف بن العادل يستدعيه ويستنجده.
وأما كيكاوس فإنه سار إلى أن أخذ قلعة رعبان، ولم يعط الأفضل منها شيئا، ففترت نيته عن قصد البلاد وأخذها، وسير كيكاوس جاليشه إلى حلب فكسره جاليش العزيز، فمضى على وجهه من هناك، وأسرت العرب من خيانتهم ورجالتهم كثيرًا وغنموا أكثر قماشهم. وكان كيكاوس صغير السن قليل الخبرة بالحرب، فوصل إليه بعض جيوشه المنهزمين فأغلق عليهم دارا فأحرقها ثم اتفق أنه هلك واستعاد الأشرف تل باشر وجميع القلاع التي أخذها. وقال أبو شامة (٢): لما عاد كيكاوس إلى بلده من كسر الأشرف له بحلب اتهم أقوامًا من أمراء دولته أنهم قصروا في قتال الحلبيين فسلق بعضهم في القدور وجعل آخرين في بيت وأحرقهم فأخذه الله بغتة فمات فجأة سكرانا. وقيل: ابتلى في بدنه فتقطع. وكان أخوه علاء الدين كيقباد محبوسا في قلعة وقد أمر بقتله فبادر الأمراء فأخرجوه وأقاموه في الملك. وكانت وفاة كيكاوس في شوال من هذه السنة، وهو الذي أطمع الفرنج في دمياط.
стр. 942
وفي تاريخ المؤيد (١) وفي سنة ست عشرة وستمائة توفى الملك الغالب عز الدين كيكاوس بن كيخسرو بن قليج أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان صاحب بلاد الروم، وكانت ولايته في سنة سبع وستمائة، وكان قد تعلق به مرض السل واشتد مرضه ومات، فملك بعده أخوه كيقباذ.
وفي المرآة (٢): وكان كيكاوس جبارا ظالما فاسقا سفاكا للدماء.
ومنها أنه ولي حسبة بغداد الصاحب محيي الدين يوسف ابن الشيخ أبي الفرج بن الجوزي وهو مع ذلك يذكر ميعاد الوعظ على قاعدة أبيه وشكرت مباشرته للحسبة.
وقال السبط في المرآة: وفيها أعيد خالي أبو محمد يوسف إلى الحسبة وأفرج الخليفة عن ولده أبي نصر محمد وأذن له في الركوب حيث شاء.
ومنها أنه وصل رسول خوارزم شاه إلى الملك العادل وهو بمرج الصفر، فبعث في الجواب الخطيب الدولعي والنجم خليل قاضى العسكر فوصلا إلى همذان فوجدا خوارزم شاه قد اندفع من بين يدي الخطأ وقد خامر عليه عسكره فسار إلى حدّ بخاري، فاجتمعا بولده جلال الدين فأخبرهما بوفاة العادل فرجعا إلى دمشق.
ومنها أن عماد الدين زنكي بن أرسلان شاه بن مسعود بن مودود بن زنكي بن آقسنقر استولى على بعض القلاع المضافة إلى مملكة الموصل وقد تقدم في سنة سبع وستمائة (٣) أن أرسلان شاه عند وفاته جعل مملكة الموصل لولده القاهر مسعود، وأعطى ولده الأصغر عماد الدين زنكي المذكور قلعتى العقر وشوش. فلما مات أخوه القاهر وأجلس ولده أرسلان شاه بن القاهر في المملكة. وكان به قروح وأمراض تحرك عماد الدين زنكي وقصد العمادية واستولى عليها، ثم استولى على قلاع الهكارية والزوزان، فاستنجد بدر الدين لؤلؤ المستولى على ملك الموصل وتدبير أرسلان شاه بالملك الأشرف بن العادل ودخل في طاعته، فأنجده الأشرف بعسكر وساروا إلى زنكي بن أرسلان شاه فهزموه، وكان زنكي متزوجا ببنت مظفر الدين كوكبوري صاحب إربل، وأم
стр. 943
البنت ربيعة خاتون بنت أيوب أخت الملك العادل زوجة مظفر الدين. فكان مظفر الدين لا يترك ممكنا في نجدة صهره زنكي المذكور. ويبالغ في عداوة بدر الدين لؤلؤ لأجل صهره.
وفي تاريخ بيبرس (١): ولما رأى بدر الدين لؤلؤ خروج القلاع من يده واتفاق مظفر الدين وعماد الدين عليه أرسل إلى الملك الأشرف ابن الملك العادل وهو صاحب ديار الجزيرة وخلاط، يطلب منه المعاضدة وانتمى إليه وصار في طاعته، فأجاب الأشرف بالقبول والفرح به والاستبشار، وبذل له المساعدة والمحاربة دونه واستعادة ما أخذ من القلاع التي كانت له. وكان الملك الأشرف حينئذ نازلا بظاهر حلب لما ذكرناه من تعرض كيكاوس ملك بلاد الروم إلى أعمالها، وملكوا بعض قلاعها، فأرسل الأشرف إلى مظفر الدين يقبح هذه الحالة ويقول له: إن هذه القاعدة تقررت بين جميعنا بحضور رُسلك وإنا نكون على الثالث إلى أن يرجع إلى الحق، ولابد من إعادة ما أُخذ من بلاد الموصل لنَدوُم على اليمين التي استقرت بيننا، فإن امتنعت وأصررت على معاضدة زنكي ونصرته، فأنا أجيء بنفسي وعساكري وأقصد بلادك وغيرها وأسترد ما أخذتموه وأعيده إلى أصحابه. والمصلحة أنك توافق وتعود إلى الحق لنجعل شغلنا جمع العساكر وقصد الديار المصرية، وإجلاء الفرنج عنها قبل أن يعظم خطبهم ويستطير شرهم. فلم تحصل الإجابة منه إلى شيء من ذلك. وكان ناصر الدين محمود صاحب حصن كيفا وآمد قد امتنع عن موافقة الأشرف وقصد بعض بلاده ونهبها، وكذلك صاحب ماردين، واتفقا مع مظفر الدين فلما رأى الأشرف ذلك جهز عسكرًا وسيره إلى نصيبين نجدة لبدر الدين إن احتاج إليهم.
ولما عاد (٢) العسكر البدرى من حصار العمادية خرج منها عماد الدين زنكي وتوجه إلى قلعة العَقر التي له ليتسلط على أعمال الموصل التي بالصحراء، فإن بلد الجبل كان قد فرغ منه وأمره مظفر الدين بطائفة كثيرة من العسكر، فلما اتصل الخبر ببدر الدين سير طائفة من عسكره إلى أطراف بلاد الموصل يحمونها، فأقاموا على أربعة فراسخ من الموصل، ثم اتفقوا فيما بينهم على أن يسيروا إلى زنكي ويحاربوه وهو عند العقر في
стр. 944
عسكره، ففعلوا ذلك ولم يأخذوا أمر بدر الدين، وساروا جريدة ليس معهم إلا سلاحهم ودواب يقاتلون عليها، وسَرَوْا ليلتهم جمعاء فصبحوا عماد الدين زنكي فالتقوا تحت العقر، وعظم الخطب فأنزل الله نصره على العسكر البدرى، فانهزم زنكي وعسكره وسار إلى إربل منهزما، وعاد العسكر البدرى إلى منزلته التي كان بها وحضرت رسل الخليفة في الصلح فاصطلحوا.
ومنها أن عماد الدين زنكي ملك قلعة كواشي (١)، وملك بدر الدين لؤلؤ تلعفر (٢)، وملك الأشرف (٣) سنجار.
وهذه كواشي من أحصن قلاع الموصل وأعلاها وأمنعها، وكان أهلها يظهرون لبدر الدين الطاعة ويبطنون الطاعة لزنكي، فراسلوا زنكي في المجيء إليهم وأخرجوا نواب بدر الدين عنهم وامتنعوا بها، وكانت رهائنهم بالموصل، فسار إليهم وتسلم القلعة، فراسل مظفر الدين بإعادة كواشي ويُذَكِّره الإيمان والعهود القريبة، فلم يجب. وأرسل حينئذ بدر الدين إلى الملك الأشرف وهو بحلب يستنجده، فسار وعبر الفرات إلى حران، فاختلفت عليه الأمور من عدة جهات منعته من المسير، وسبب هذا الاختلاف أن مظفر الدين كان يُراسل أصحاب الأطراف يستميلهم ويُحَسِّن لهم الخروج على الأشرف ويخوفهم منه إن خلا وجهه، فأجابه إلى ذلك عز الدين كيكاوس صاحب بلاد الروم، وكان مظفر الدين قد راسل جماعة من الأمراء الذين مع الأشرف واستمالهم فأجابوه منهم: أحمد بن المشطوب الذي ذكرنا أنه فعل على دمياط ما فعل وهو أكبر أمير كان معه ووافقه غيره وفارقوا الأشرف ونزلوا بدنسير تحت ماردين ليجتمعوا مع صاحب آمد ويمنعوا الأشرف من العبور إلى الموصل لمساعدة بدر الدين، فلما اجتمعوا هناك عاد صاحب آمد إلى موافقة الأشرف وفارقهم وسلم إليه الأشرف مدينة حاني وجبل جور، فلما فارقهم صاحب آمد انحل أمرهم واضطر بعض الأمراء الذين فارقوا الأشرف إلى العود إلى طاعة
стр. 945
الأشرف، وبقي ابن المشطوب وحده فعاد إلى نصيبين ليسير إلى إربل، فخرج إليه شحنة نصيبين فيمن عنده من الجند فقاتله وهزمه، وتفرق من معه. ومضى ابن المشطوب منهزما، فلما اجتاز بطرف بلد سنجار سير إليه صاحبها فرخشاه بن زنكي بن مودود عسكرا فهزموه وأخذ أسيرا وحُمل إلى سنجار، وكان صاحبها موافقًا للأشرف وبدر الدين، فلما صار عنده ابن المشطوب حَسَّن له مخالفة الأشرف فأجابه إلى ذلك وأطلقه، فاجتمع معه من يريد الفساد وقصدوا البقعاء (١) - من أعمال الموصل - ونهبوها وعدة قرى، وعادوا إلى سنجار ثم ساروا إلى تلى أعفر ليقصدوا بلد الموصل وينهبوا تلك الناحية (٢).
فلما سمع بدر الدين بذلك سير إليه عسكرًا فقاتلهم فهزموه فمضى منهزمًا وصعد إلى تل أعفر واحتمى بها، فنازلوه وحصروه فيها، وسار بدر الدين من الموصل إليه، وزحف عليه وأخذه وأحضره إلى الموصل فسجنه بها، ثم أخذه منه الأشرف فسجنه بحران إلى أن مات.
وأما الأشرف فإنه لما أطاعه صاحب الحصن وآمد وتفرق الأمراء رحل من حران فنزل على دنيسر واستولى على بلد ماردين ومنعه الميرة، فاصطلح معه على أن يُسلم إليه رأس (٣) العين ويقطعها لصاحب ماردين، ورحل يريد الموصل، فلقيه صاحب سنجار فطلب منه أن يأخذها ويعوّضه عنها الرقة، وذلك لأن عسكره بها خذلوه فإنهم خافوا على أنفسهم منه، فتسلم الأشرف بن العادل سنجار من صاحبها فرخشاه بن زنكي، وعوضه الرقة، وهذا آخر ملوك البيت الأتابكي بسنجار (٤).
ومنها أن الملك الأشرف وصل إلى الموصل وكان يوم نزوله بها يوما مشهودا، ووافقه وصول رسل الخليفة إليه بالصلح بينه وبين مظفر الدين لتزول الفتن وتعاد القلاع إلى بدر
стр. 946
الدين ما عدا قلعة العمادية (١)، فإنها تبقى بيد زنكي. وكان الجند قد ضجروا من طول البيكار فحلفوا على هذا وتقرر الحال، ورحل الأشرف عن الموصل، وأرسلوا إلى القلاع التي تقرر تسليمها إلى بدر الدين، فلم يسلم منهم إلا قلعة واحدة وامتنع باقي القلاع من التسليم لبدر الدين.
وفيها (٢) .....................................................
وفيها حج بالناس من العراق أقباش الناصري بالباء الموحدة من تحتها.
ذكر من توفي فيها من الأعيان.
القاضي شرف الدين أبو طالب عبد الله بن زين القضاء عبد الرحمن بن سلطان بن يحيى بن علي، القرشي الدمشقي من بني عم ابن الزكي وكان أول من درس بالشامية (٣) البرانية وبالرواحية (٤) أيضا، وناب في الحكم عن ابن عمه محيي الدين ابن الزنكي، مات في شعبان من هذه السنة ودفن عند مسجد القدم. قال أبو شامة (٥): كانت وفاته يوم الأحد ثالث عشر شعبان، وصلى عليه بجامع دمشق، وكان فقيهًا فاضلا نزها لطيفا عفيفا.
أبو سليمان (٦) داود بن أبي الغنائم أحمد بن يحيى العزيز البغدادي، كان ينسب إلى علم الأوائل، ولكنه كان يتستر بمذهب الظاهرية، ولهذا قال فيه ابن الساعي الداودي مذهبا المعري أدبًا واعتقادًا. ومن شعره قوله:
إلى الرحمن أشكو ما ألاقي … غداة غدوا على هوج النياق
سألتكم بمن ذم المطايا … أَمَرَّ بكم أَمرُّ من الفراق
وهل داءٌ أَشَدُّ من التنائي … وهل عيش أَلذُّ من التلاقي
стр. 947
قال في المرآة (١): أبو سلمان الملهمي من بني ملهم الضرير، كان يسكن رباط المأمونية، وكان على رأي الأوائل، وكان فاضلا إلا أنه كان يسقف من جنس ابن الراوندي. قال لي يوما: قد بلغني أنك جميل الصورة فصيح اللسان، فلا تضيع عمرك فيما ضيع جدك فيه عمره، واشتغل بعلوم الأوائل. فقلت له: حتى أتمم قراءة القرآن بالروايات. فقال: هم كذا، وذكر ألفاظا عاب بها القرآن، قرأ المعوذتين ثم قال: حجنجلة بحجنجلة. وكانت وفاته في المحرم، ودفن بالشونيزية وقد جاوز سبعين سنة.
أبو المظفر (٢) محمد بن علوان بن مهاجر بن علي بن مهاجر الموصلي، تفقه بالنظامية وسمع الحديث، ثم عاد إلى الموصل فساد أهل وقته، وتقدم في الفتوى والتدريس بمدرسة بدر الدين لؤلؤ وغيرها، وكان صالحا دينًا.
أبو الطيب رزق الله (٣) بن يحيى بن رزق الله بن يحيى بن خليفة بن سلطان (٤) بن رزق الله بن غانم بن غنام الباخرزي، المحدث الجوال الرحال الثقة الحافظ الأديب الشاعر، توفي في هذه السنة.
الحُجة على بن نصر (٥) بن هرون النحوى الحلى، الملقب بالحجة، قرأ على ابن الخشاب وغيره. مات في هذه السنة.
العميدي (٦) أبو حامد محمد بن محمد بن محمد وقيل: أحمد بن محمد العميدي الفقيه الحنفي المذهب السمرقندي الملقب ركن الدين. كان إماما في فمن الخلاف خصوصا الجَسْتُ (٧)، وهو أول من أفرده بالتصنيف، ومن تقدمه كان يمزجه بخلاف المتقدمين، وكان اشتغاله فيه على رضى الدين النيسابوري وهو أحد الأركان الأربعة، فإنه كان من جملة المشتغلين على رضى الدين أربعة أشخاص تميزوا وتبحروا
стр. 948
في هذا الفن، وكل واحد منهم ينعت بالركن، وهم: ركن الدين الطاوسي، وركن الدين السمرقندي العميدى المذكور، وركن الدين إمام زاده، والرابع شُذّ عنه. وصنف العميدي في هذا الفن طريقة وهي مشهورة بأيدي الفقهاء، وصنف الإرشاد واعتني بشرحها جماعة من أرباب هذا الشأن منهم: القاضي شمس الدين أبو العباس أحمد بن الخليل بن سعادة بن جعفر بن عيسى، الفقيه الشافعي الخُويّ قاضي دمشق، والقاضي أوحد الدين الدوني قاضي منبج، ونجم الدين المرندي، وبدر الدين محمود المراغي وغيرهم، وصنف أيضا كتاب النفائس واختصره شمس الدين الخُوّي المذكور وسماه عرائس النفائس، وصنف أشياء مستملحة على هذا الأسلوب. واشتغل عليه خلق كثير وانتفعوا به من جملتهم نظام الدين أحمد ابن الشيخ جمال الدين أبي المجاهد محمود بن أحمد بن عبد السيد ابن عثمان بن نصر بن عبد الملك البخاري الحنفي المعروف بالحصيري، صاحب الطريقة المشهورة، وغيره. وكان كريم الأخلاق كثير التواضع طيب المعاشرة، توفي ليلة الأربعاء تاسع جمادى الآخر سنة خمس عشرة وستمائة بخاري.
والعميدي: بفتح العين المهملة وكسر الميم وسكون التاء آخر الحروف، وفي آخره دال مهملة. قال ابن خلكان (١): ولا أعرف هذه السنة إلى ماذا ولا ذكرها السمعاني.
أبو العباس أحمد بن برنقش بن عبد الله العمادى، كان من أمراء سنجار وكان أبوه من موالى الملك عماد الدين زنكي صاحبها، وكان أحمد هذا شاعرًا ذا مال جزيل وأملاك كثيرة، وقد احتاط على أموال قطب الدين محمد بن عماد الدين زنكي وأودعه سجنا فَنُسِىَ فيه ومات كمدًا. ومن شعره:
تقول وقد ودعتها ودموعها … على نحرها من خشية البين تلتقي
مضى أكثر العمر الذي كان نافعا … رويدك فاعمل صالحا في الدين تقي
ابن الدامغاني (٢)، القاضي عماد الدين قاضي القضاة ببغداد واسمه أبو القاسم عبد الله بن أبي الحسين، ولد في رجب سنة أربع وستين وخمسمائة وتفقه على مذهب أبي حنيفة ﵁، وعرف الفرائض والحساب وقسمة التركات مع
стр. 949
السمت والوقار والدين والفقة، وأول ولايته القضاء في سنة ست وثمانين وخمسمائة، وعزل في رجب سنة أربع وتسعين وخمسمائة، فأقام ثماني سنين قاضيًا ثم أعاده ابن مهدي في سنة ثلاث وستمائة، ثم عزل في سنة إحدى عشرة وستمائة، فكانت ولايته الأخيرة تسع سنين وشهور، وتوفي في ذي القعدة وصلى عليه بالنظامية ودفن بالشونيزية. سمع الحديث من أبيه أبي المظفر الحسين بن أبي الحسين أحمد قاضي القضاة، ومن عمه أبي الحسن على قاضي القضاة، ومن أبي الفتح بن الميداني وغيرهم.
ابن العتبري (١)، أبو الحسن علي بن أحمد بن روح، القاضي المعروف بابن العتبري، كان نائبا عن القضاة ببغداد، وصحب أبا النجيب السهروردي وتفقه عليه، وقرأ العربية على ابن القصار، وكان شيخا كيسًا فاضلا متواضعًا، وكانت وفاته في رمضان. ومن شعره:
وقد كنت أشكوك الحوادث بُرهة … واستمرض الأيام وهي صحائح
إلى أن تغشتني وقيت حوادث … تحقق أنّ السالفات مَنائح
نجاح بن عبد الله (٢)، شرابي الخليفة، ويلقب نجم الدولة مملوك الإمام الناصر، مات في هذه السنة وكان جوادًا سمحا عاقلا دينًا، كثير الصدقات حسن المحضر، محسنًا إلى العلماء محبًا للمساكين، معظما لأهل الدين، وكان يأخذ للضعيف من القوى. وكان يسمى سلمان دار الخلافة، وكان ملازمًا للخليفة لا يغيب عنه ساعة واحدة، وكان أسمر اللون جميل الصورة فحلاً. ولما توفي في هذه السنة أمر الخليفة أن لا يتخلف عن جنازته أحد لا وزير ولا غيره، وصلى الخليفة عليه تحت التاج وحزن عليه حزنًا كبيرًا، وأخرج تابوته من باب البدرية، ومشى العالم بين يديه إلى جامع القصر، وكان بين يدي جنازته مائة بقرة، وألف شاة، ومائة قوصرة تمر، ومائة جمل على رؤوسهم الخبز، وعشرون حمالا على رؤوسهم ماء الورد، ومماليكه قد حزّوا شعورهم ولبسوا المسوح، والضجيج والبكاء قد ملأ بغداد، ولم ير في الإسلام مثل ذلك اليوم،
стр. 950
وعَبروا به إلى الجانب الغربي إلى تربة أم الخليفة، ودفن بين يدي القبة التي فيها أم الخليفة، وتصدق عنه الخليفة من مال نجاح بعشرة آلاف دينار على المشاهد؛ مشهد علي ﵁، والحسين، وموسي بن جعفر ﵃، وبعث بمثلها إلى مكة والمدينة، وأعتق الخليفة مماليكه.
وكانت له كتب خمس مائة مجلدة أوقفها في تربة أم الخليفة، وكتب عليها اسم الشرابي
قال السبط (١) في المرآة: ومن العجائب أنه توفي في هذه السنة ثلاثة من الملوك الأكابر: الملك العادل، وخوارزم شاه، وصاحب الروم.
وتوفي أيضا ببغداد ثلاثة من نواب القضاة نزل بهم القضاء المحتوم: ابن الرطبي المحتسب، وابن البندنجى العدل، وابن العنبري، الكل في شهر واحد. فابن الرطبي مات يوم الإثنين ثالث عشر رمضان، وابن البندنج في رابع عشر (٢)، وابن العنبري في خامس عشر (٣). فقلت: ذكر أبو الفتح المنشئ وفاة خوارزم شاه في سنة سبع عشرة وستمائة، وتبعه في هذا بيبرس، وقال وهو الصحيح.