← История

История · id 380

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [565 - 628 هـ]

بدر الدين العيني

Полный текст (1 226 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

الدين ما عدا قلعة العمادية (١)، فإنها تبقى بيد زنكي. وكان الجند قد ضجروا من طول البيكار فحلفوا على هذا وتقرر الحال، ورحل الأشرف عن الموصل، وأرسلوا إلى القلاع التي تقرر تسليمها إلى بدر الدين، فلم يسلم منهم إلا قلعة واحدة وامتنع باقي القلاع من التسليم لبدر الدين. وفيها (٢) ..................................................... وفيها حج بالناس من العراق أقباش الناصري بالباء الموحدة من تحتها. ذكر من توفي فيها من الأعيان. القاضي شرف الدين أبو طالب عبد الله بن زين القضاء عبد الرحمن بن سلطان بن يحيى بن علي، القرشي الدمشقي من بني عم ابن الزكي وكان أول من درس بالشامية (٣) البرانية وبالرواحية (٤) أيضا، وناب في الحكم عن ابن عمه محيي الدين ابن الزنكي، مات في شعبان من هذه السنة ودفن عند مسجد القدم. قال أبو شامة (٥): كانت وفاته يوم الأحد ثالث عشر شعبان، وصلى عليه بجامع دمشق، وكان فقيهًا فاضلا نزها لطيفا عفيفا. أبو سليمان (٦) داود بن أبي الغنائم أحمد بن يحيى العزيز البغدادي، كان ينسب إلى علم الأوائل، ولكنه كان يتستر بمذهب الظاهرية، ولهذا قال فيه ابن الساعي الداودي مذهبا المعري أدبًا واعتقادًا. ومن شعره قوله: إلى الرحمن أشكو ما ألاقي … غداة غدوا على هوج النياق سألتكم بمن ذم المطايا … أَمَرَّ بكم أَمرُّ من الفراق وهل داءٌ أَشَدُّ من التنائي … وهل عيش أَلذُّ من التلاقي

стр. 947

قال في المرآة (١): أبو سلمان الملهمي من بني ملهم الضرير، كان يسكن رباط المأمونية، وكان على رأي الأوائل، وكان فاضلا إلا أنه كان يسقف من جنس ابن الراوندي. قال لي يوما: قد بلغني أنك جميل الصورة فصيح اللسان، فلا تضيع عمرك فيما ضيع جدك فيه عمره، واشتغل بعلوم الأوائل. فقلت له: حتى أتمم قراءة القرآن بالروايات. فقال: هم كذا، وذكر ألفاظا عاب بها القرآن، قرأ المعوذتين ثم قال: حجنجلة بحجنجلة. وكانت وفاته في المحرم، ودفن بالشونيزية وقد جاوز سبعين سنة. أبو المظفر (٢) محمد بن علوان بن مهاجر بن علي بن مهاجر الموصلي، تفقه بالنظامية وسمع الحديث، ثم عاد إلى الموصل فساد أهل وقته، وتقدم في الفتوى والتدريس بمدرسة بدر الدين لؤلؤ وغيرها، وكان صالحا دينًا. أبو الطيب رزق الله (٣) بن يحيى بن رزق الله بن يحيى بن خليفة بن سلطان (٤) بن رزق الله بن غانم بن غنام الباخرزي، المحدث الجوال الرحال الثقة الحافظ الأديب الشاعر، توفي في هذه السنة. الحُجة على بن نصر (٥) بن هرون النحوى الحلى، الملقب بالحجة، قرأ على ابن الخشاب وغيره. مات في هذه السنة. العميدي (٦) أبو حامد محمد بن محمد بن محمد وقيل: أحمد بن محمد العميدي الفقيه الحنفي المذهب السمرقندي الملقب ركن الدين. كان إماما في فمن الخلاف خصوصا الجَسْتُ (٧)، وهو أول من أفرده بالتصنيف، ومن تقدمه كان يمزجه بخلاف المتقدمين، وكان اشتغاله فيه على رضى الدين النيسابوري وهو أحد الأركان الأربعة، فإنه كان من جملة المشتغلين على رضى الدين أربعة أشخاص تميزوا وتبحروا

стр. 948

في هذا الفن، وكل واحد منهم ينعت بالركن، وهم: ركن الدين الطاوسي، وركن الدين السمرقندي العميدى المذكور، وركن الدين إمام زاده، والرابع شُذّ عنه. وصنف العميدي في هذا الفن طريقة وهي مشهورة بأيدي الفقهاء، وصنف الإرشاد واعتني بشرحها جماعة من أرباب هذا الشأن منهم: القاضي شمس الدين أبو العباس أحمد بن الخليل بن سعادة بن جعفر بن عيسى، الفقيه الشافعي الخُويّ قاضي دمشق، والقاضي أوحد الدين الدوني قاضي منبج، ونجم الدين المرندي، وبدر الدين محمود المراغي وغيرهم، وصنف أيضا كتاب النفائس واختصره شمس الدين الخُوّي المذكور وسماه عرائس النفائس، وصنف أشياء مستملحة على هذا الأسلوب. واشتغل عليه خلق كثير وانتفعوا به من جملتهم نظام الدين أحمد ابن الشيخ جمال الدين أبي المجاهد محمود بن أحمد بن عبد السيد ابن عثمان بن نصر بن عبد الملك البخاري الحنفي المعروف بالحصيري، صاحب الطريقة المشهورة، وغيره. وكان كريم الأخلاق كثير التواضع طيب المعاشرة، توفي ليلة الأربعاء تاسع جمادى الآخر سنة خمس عشرة وستمائة بخاري. والعميدي: بفتح العين المهملة وكسر الميم وسكون التاء آخر الحروف، وفي آخره دال مهملة. قال ابن خلكان (١): ولا أعرف هذه السنة إلى ماذا ولا ذكرها السمعاني. أبو العباس أحمد بن برنقش بن عبد الله العمادى، كان من أمراء سنجار وكان أبوه من موالى الملك عماد الدين زنكي صاحبها، وكان أحمد هذا شاعرًا ذا مال جزيل وأملاك كثيرة، وقد احتاط على أموال قطب الدين محمد بن عماد الدين زنكي وأودعه سجنا فَنُسِىَ فيه ومات كمدًا. ومن شعره: تقول وقد ودعتها ودموعها … على نحرها من خشية البين تلتقي مضى أكثر العمر الذي كان نافعا … رويدك فاعمل صالحا في الدين تقي ابن الدامغاني (٢)، القاضي عماد الدين قاضي القضاة ببغداد واسمه أبو القاسم عبد الله بن أبي الحسين، ولد في رجب سنة أربع وستين وخمسمائة وتفقه على مذهب أبي حنيفة ﵁، وعرف الفرائض والحساب وقسمة التركات مع

стр. 949

السمت والوقار والدين والفقة، وأول ولايته القضاء في سنة ست وثمانين وخمسمائة، وعزل في رجب سنة أربع وتسعين وخمسمائة، فأقام ثماني سنين قاضيًا ثم أعاده ابن مهدي في سنة ثلاث وستمائة، ثم عزل في سنة إحدى عشرة وستمائة، فكانت ولايته الأخيرة تسع سنين وشهور، وتوفي في ذي القعدة وصلى عليه بالنظامية ودفن بالشونيزية. سمع الحديث من أبيه أبي المظفر الحسين بن أبي الحسين أحمد قاضي القضاة، ومن عمه أبي الحسن على قاضي القضاة، ومن أبي الفتح بن الميداني وغيرهم. ابن العتبري (١)، أبو الحسن علي بن أحمد بن روح، القاضي المعروف بابن العتبري، كان نائبا عن القضاة ببغداد، وصحب أبا النجيب السهروردي وتفقه عليه، وقرأ العربية على ابن القصار، وكان شيخا كيسًا فاضلا متواضعًا، وكانت وفاته في رمضان. ومن شعره: وقد كنت أشكوك الحوادث بُرهة … واستمرض الأيام وهي صحائح إلى أن تغشتني وقيت حوادث … تحقق أنّ السالفات مَنائح نجاح بن عبد الله (٢)، شرابي الخليفة، ويلقب نجم الدولة مملوك الإمام الناصر، مات في هذه السنة وكان جوادًا سمحا عاقلا دينًا، كثير الصدقات حسن المحضر، محسنًا إلى العلماء محبًا للمساكين، معظما لأهل الدين، وكان يأخذ للضعيف من القوى. وكان يسمى سلمان دار الخلافة، وكان ملازمًا للخليفة لا يغيب عنه ساعة واحدة، وكان أسمر اللون جميل الصورة فحلاً. ولما توفي في هذه السنة أمر الخليفة أن لا يتخلف عن جنازته أحد لا وزير ولا غيره، وصلى الخليفة عليه تحت التاج وحزن عليه حزنًا كبيرًا، وأخرج تابوته من باب البدرية، ومشى العالم بين يديه إلى جامع القصر، وكان بين يدي جنازته مائة بقرة، وألف شاة، ومائة قوصرة تمر، ومائة جمل على رؤوسهم الخبز، وعشرون حمالا على رؤوسهم ماء الورد، ومماليكه قد حزّوا شعورهم ولبسوا المسوح، والضجيج والبكاء قد ملأ بغداد، ولم ير في الإسلام مثل ذلك اليوم،

стр. 950

وعَبروا به إلى الجانب الغربي إلى تربة أم الخليفة، ودفن بين يدي القبة التي فيها أم الخليفة، وتصدق عنه الخليفة من مال نجاح بعشرة آلاف دينار على المشاهد؛ مشهد علي ﵁، والحسين، وموسي بن جعفر ﵃، وبعث بمثلها إلى مكة والمدينة، وأعتق الخليفة مماليكه. وكانت له كتب خمس مائة مجلدة أوقفها في تربة أم الخليفة، وكتب عليها اسم الشرابي قال السبط (١) في المرآة: ومن العجائب أنه توفي في هذه السنة ثلاثة من الملوك الأكابر: الملك العادل، وخوارزم شاه، وصاحب الروم. وتوفي أيضا ببغداد ثلاثة من نواب القضاة نزل بهم القضاء المحتوم: ابن الرطبي المحتسب، وابن البندنجى العدل، وابن العنبري، الكل في شهر واحد. فابن الرطبي مات يوم الإثنين ثالث عشر رمضان، وابن البندنج في رابع عشر (٢)، وابن العنبري في خامس عشر (٣). فقلت: ذكر أبو الفتح المنشئ وفاة خوارزم شاه في سنة سبع عشرة وستمائة، وتبعه في هذا بيبرس، وقال وهو الصحيح.

стр. 951

بسم الله الرحمن الرحيم توطئة بعون من الله وتوفيقه تم تحقيق ونشر ثلاثة أسفار من مخطوط عقد الجمان، العصر الأيوبي، والآن أضع بين يدي القراء والباحثين السفر الرابع من هذا المخطوط الذي يبدأ من سنة (٦١٦ هـ - ٦٢٨ هـ) (١٢١٩ م - ١٢٣٠ م)، وهي فترة من أخطر فترات التاريخ الأيوبي بسبب أن كثيرا من أحداثها تتسم بالغموض وعدم وضوح الرؤيا، وذلك لسرعة الأحداث وكثرتها وتضارب أسبابها، ويبدو أن هذا الأمر جعل كثيرا من المؤرخين الذين تناولوا هذه الفترة يكتبون تفسيرات متباينة قد لا تتسق بعضها مع الواقع التاريخي المعاش لهذه الفترة، والبعض الآخر تناولها في عجالة دون تعليق أو تفسير، ولكل عذره، فكثير من الوثائق والمخطوطات التي تناولت هذه الفترة لم تصل إلى أيديهم بسبب فقدانها أو عدم العثور عليها حتى الآن، وبذلك أصبحت في حكم المفقودة حتى أن ماوقع بين أيديهم يمثل أحيانا نظرة أحادية قد تكون بعيدة عن الموضوعية في بعض الأحيان. لهذا كان العبء ثقيلا على من يتناول هذه الفترة محققا أو مؤلفا أو دارسا، فإماطة اللثام عن صحة الأحداث ليست بالأمر السهل، وإنما يتطلب صبرا وجهدا صعبا، واستخدام جميع أدوات البحث العلمي التي تناسب العمل الذي يقوم به، فإن كان محققا فعليه إثبات صحة النص، ومقابلته ووضع الحواشي والتعليقات التي تتضمن تحليل النصوص وصحتها، ومثال على ذلك إستيلاء الصليبيين على دمياط الذي أدى إلى موت الملك العادل أخي صلاح الدين كمدا، وتولى ابنه الكامل بدلا منه، فكان آخر سلاطين بني أيوب العظام، ولم تتم توليته في سهولة ويسر كما كان يحدث في السابق، على الرغم من أنه حكم مصر نيابة عن أبيه قبل وفاته إلا أن الصراع الأسرى على الحكم بين الأخوة مالبث أن أطل برأسه بين الكامل والفائز والأشرف والمعظم عيسى وابنه الناصر، وقد

стр. 952

حسم الصراع في النهاية لصالح الكامل بعد أن كلفه الكثير من الجهود والمال، وأوجد شرخا عميقا في كيان الأسرة الأيوبية، ولم تتوقف مشاكل الكامل عند هذا الحد بل واجه كثيرا من المخاطر الخارجية منها استيلاء الفرنجة على دمياط وظهور الخطر التتاري في الجناح الشرقي بعد استيلاء جنكيزخان على خوارزم وبلاد ما وراء النهر، فكان هذا بمثابة تهديد للقوى الإسلامية، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل واجه المسلمون خطرا جديدا هو تحول الخوارزمية بعد هزيمتهم من جنكيز خان إلى مهاجمة المسلمين وتوغلهم في بلاد الإسلام، وبذلك حاقت بالعالم الإسلامي أخطار عدة، كان أخطرها وأكثرها إيلاما على نفسية العالم الإسلامى ما قام به السلطان الكامل من استنجاده بالامبراطور فردريك الثاني صاحب صقلية وامبراطور الدولة الرومانية المقدسة في غرب أوروبا في مساعدته ضد أخوته وأعدائه نظير تنازله عن بيت المقدس والأراضي التي حررها صلاح الدين من الصليبيين، فكان هذا بداية النهاية بالنسبة للدولة الأيوبية، ولقد كثرت الآراء وتباينت الأسباب والدوافع التي دفعت الكامل إلى ما قام به. وإن كنا نرجح أن قيامه بهذا راجع إلى طبيعته الشخصية وتكوينه النفسي الذي غلب عليه روح التسامح قبل روح القتال، فانفرد برأيه دون أخوته، فأضاع على الأيوبيين بوجه خاص والمسلمين بوجه عام ما زرعه أسلافه. بقي على أن أشير هنا إلى أمرين كبيرين هما: أولا: إن هذا السفر تضمن الكثير من الأحداث السياسية والتراجم الشخصية ووفيات بعض الأعيان … الخ. ثانيا: اعتمدت في تحقيق هذا الجزء على القسمين الثاني من الجزء السابع (عشر ميكروفيلم ٣٧٦٦٦) ويشتمل على السنوات من ٦١٦ هـ / ٦٢٠ هـ، والقسم الأول من الجزء الثامن عشر (ميكروفيلم ٣٥٧٥٦) ويشتمل على السنوات من ٦٢١ هـ/ ٦٢٨ هـ وهما من نسخة دار الكتب المصرية الورقية رقم ١٥٨٤ / تاريخ، والتي تتكون من ٣٦ جزءًا.

стр. 953

والشكر موصول ودائم للزميلات من أعضاء اللجنة ممن كان لهن الفضل في مساعدتي بكل تفان وإخلاص في إخراج هذا العمل العلمي وأخص بالذكر: الأستاذة / نفيسة محمد محمد صميدة الأستاذة / سهير عبد العاطى يوسف السيدة / إيزيس سامح زكي كما قامت الأستاذة / نفيسة محمد محمد صميدة بعمل كشاف الأعلام وكشاف المصطلحات، والأستاذة/ سهير عبد العاطي يوسف بعمل كشاف الأمم والشعوب وكشاف أسماء الكتب الواردة في النص، والسيدة/ إيزيس سامح زكي بعمل كشاف الأماكن. والله من وراء القصد، وبه التوفيق والسداد. المحقق دكتور / محمود رزق محمود الهرم - الأريزونا

стр. 954

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ فصل فيما وقع من الحوادث في السنة السادسة عشر بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين (١) الله، وصاحب مصر هو السلطان الملك الكامل (٢) بن السلطان الملك العادل بن أيوب، وصاحب دمشق هو السلطان الملك المعظم (٣) بن العادل، وصاحب حلب هو الملك العزيز (٤) بن الملك الظاهر غازي ابن السلطان صلاح الدين، وصاحب بلاد الروم هو السلطان علاء (٥) الدين كيقباذ ابن كيخسرو السلجوقي، وصاحب البلاد الشرقية مثل حران (٦) والرها (٧) وغيرها الملك الأشرف موسى (٨) بن الملك العادل، وصاحب الموصل ناصر

стр. 955

الدين (١) محمود بن القاهر بن أرسلان شاه، والمدبر لمملكته بدر الدين لؤلؤ (٢)، وصاحب آمد ناصر (٣) الدين محمود بن محمد بن قرا أرسلان بن أرتق، وصاحب خوارزم وسمرقند وبلاد تركستان وخراسان إلى بلاد العراق السلطان علاء (٤) الدين خوارزم شاه محمد بن تكش، ولكنه في أمور عظيمة وحروب شديدة، بسبب ظهور جنكزخان ومشيه إلى بلاد الإسلام، وصاحب مكة الأمير قتادة (٥) بن إدريس الحسني الزيدي، وصاحب بلاد الغرب السلطان المستنصر يوسف (٦) بن السلطان الناصر محمد بن السلطان يعقوب المنصور بن يوسف بن عبد المؤمن، وكان الملك الأشرف بن العادل مقيمًا بظاهر حلب يدبر أمر جندها وإقطاعها، والملك الكامل بمصر في مقابلة الفرنج، وهم محدقون محاصرون لثغر (٧) دمياط (٨).

стр. 956

ذكر استيلاء الفرنج على دمياط قال بيبرس: وفي هذه السنة استولى الفرنج على دمياط، واشتدت نكايتهم على أهلها (١)، وكان الأمير جمال الدين الكناني قد كتب قصيدة على لسان دمياط وسيَّرها إلى الملك الكامل في سهم نشاب حال الحصار قبل أن يتسلم الفرنج الثغر وهي قوله: يا مالكي دمياط ثغر هُدِّمت … شرفاته وكان تُجَثُّ أُصُولُه بقربك من أذكى السلام تحية … كالمسك طاب دقيقُه وجليلُه ويقول عن بُعْد وإنك سامعٌ … حي كأنك جارُه ونَزِيلهُ ياأيها الملك الذي ما أن يرعى … بين الملوك شبيهه وعديله هذا كتاب موضح من حالتى … ما ليس يمكنُنِي لديك أقوله أشكو إليك عدو سوء أحدقت … بجميعة فرسانه وخيوله كالبر قد مُنِعَت إليه طريقُه … والبحرُ عَنَّ لنصرِه أسطوله فخضوعه باد على أبراجه … وحنينُه وبكاؤه وعويله ولو استطاع لأمّ بابك … لائذا لكنه سُدَّت عليه سبيله ورسوله في أن تجيب سؤاله … دين الإله وخُلقُه ورسوله فقد انتهت أدواؤه … وتحكمت علاته ونحي عليه نُحوله وبقى له رُمْقٌ يسيرٌ يرتجى … أن يشتفي لما دعاك عليله [٣٩٣] فاحرُس حمِاهُ بعزْمةٍ يُشْفَى بها … داء فمثلك يُرْتَجَى تَعْليله فالله أعطاك الكثير بفضله … ورضاه من هذا الكثير قليلة فالعُذر عن نصر الإله ودينه … ما ساغ عند المسلمين قبوله فالدين ناظره إليك مُحَدِّق … ما أن يمل من الدموع هُمولُه ولئن قعدت عن القيام بنصره … جَفَّت نضارته وبان ذُبولُه ووهت قوى القرآن فيه ورُمّغت … صُلبانُه وتُلِى به إنجيلُه وَعلا صَدَا الناقوسِ في أرجائه … وخفى على سمع الوري تهليلُه

стр. 957

هذا وحقك وصف صورة حاله … حقا وحملتُه وذا تفصيلُه وكفاك يا ابن الأكرمين بأنه … أضحى عليك من الورى تعويلُه حقِّق رجاه فيك يا من لم يخب … أبدا لراجي جوده تأميله واذخر ليوم البعث فعلًا صالح … الله ضامنُ أجرِه وكفيلُه فأمر الكامل أهل مصر والقاهرة بالخروج إلى المنصورة فخرجوا، وأرسل إلى أخيه لأشرف مظفر الدين موسى يستدعيه لنصرته على الفرنج وتابع إليه الكتب (١). وكان فيما كتب له به هذه الأبيات: يا مسعفى إن كنت حقًا مسعفى … فارجل بغير تلبث وتوقف واحثث قلوصك مرقلا أو موجعا … بتحشم في سيرها وتعسف واطو المنازل ما استطعت ولا تنح … إلا على باب المليك الأشرف وأقر السلام عليه من عبد له … متوقع لقدومه متشوف وإذا وصلت حماه فقل له … عني بحسن توصل وتلطف أن تأت عبدك عن قليل تلقه … ما بين كل مهند ومثقف أو تبطء عن إنجاده فلقاؤه … بك في القيامة في عراص الموقف وقال ابن كثير (٢): ولم يزل الفرنج مضايقين دمياط حتى هجموها في عاشر رمضان من هذه السنة، فقتلوا وأسروا من بها، وجعلوا الجامع كنيسة، واشتد طمع الفرنج في الديار المصرية، وحين أُخذت دمياط ابتنى الملك الكامل مدينة سماها المنصورة عند مفترق البحرين الآخذ أحدهما إلى دمياط والآخر إلى أشمون طناح (٣) ونزل بها بعساكره. وفي المرآة (٤): وفي شعبان أخذت الفرنج دمياط، وكان المعظم قد جهز إليها ابن الجرحى ومن معه، وصفوا رؤوس القتلى على الخنادق، وكانوا قد طموا الخنادق،

стр. 958

وضعف أهل دمياط وأكلوا الميتات، وعجز الكامل عن نصرتهم، ووقع فيهم الفناء والوباء، فراسلوا الفرنج على أن يسلموا إليهم البلد ويخرجون منه بأهليهم وأموالهم، واجتمع الأقساء وحلَّفوهم على ذلك، فركبوا في المراكب وزحفوا في البحر والبر، وفتح لهم أهل دمياط الأبواب، فدخلوا ورفعوا أعلامهم على السور [٣٩٤]، وغدروا بأهله ووضعوا فيهم السيف قتلًا وأسرا، وباتوا تلك الليلة في الجامع يفجرون بالنساء ويفضحون البنات، وأخذوا المنبر والمصاحف ورؤوس القتلى وبعثوا بها إلى الخزائن، وجعلوا الجامع كنيسة، وكان أبو الحسن بن قفل بدمياط، فسألوا عنه فقيل: هذا رجل صالح من مشايخ المسلمين تأوي إليه الفقراء، فما تعرضوا له، ووقع على الإسلام كآبة عظيمة، وبكى الكامل والمعظم بكاء شديدا، ثم تأخرت العساكر عن تلك المنزلة، وكان المعظم يقول لي بعد ذلك: لو كان الدعاء يسمع لَسُمعَ دعاء أهل دمياط، فإن الله تعالى قد أخبرنا أنه يستجيب دعانا في عدة مواضع من كتابه، وأما أهل دمياط لما كثر فسقهم وفجورهم سلَّط الله عليهم من انتقم منهم ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً﴾ (١) الآية، ثم قال الكامل للمعظم وقد سقط في يده: قد مات ما ذُبح وجرى المقدور بما هو كائن، وما في بقائك ها هنا فائدة، والمصلحة أن تنزل إلى الشام وتشغل خواطر الفرنج، وتستجلب العساكر من الشرق. وقال السبط (٢): كتب المعظم إليَّ وأنا بدمشق كتابًا بخطه يقول في أوله أخوه عيسى الكاملي: قد علم الأخ العزيز - وذكر ألقابًا كثيرة. وقال: قد جرى على دمياط ما جرى، وأريد أن تُحرض الناس على الجهاد، وتعرفهم ما جرى على إخوانهم أهل دمياط من الكفرة أهل العناد، وأني كشفت الضِّياع المتعلقة بالشام فوجدتها ألفى قرية، منها ألف وستمائة أملاك لأهلها، وأربع مائة سلطانية، وكم مقدار ما تقوم هذه الأربعمائة من العساكر؟ وأريد أن تخرج الدماشقية ليذبوا عن أملاكهم الأصاغرة بينهم والأكابر، ويكون لقاؤنا وهم في صحبتك إلى نابلس (٣) في وقت سماه. فجلست بجامع دمشق، وقرأت

стр. 959

كتابه عليهم، فأجابوا بالسمع والطاعة، وقالوا: نتمثل أمره بحسب الاستطاعة. وتجهزوا، فلما حل ركابه بالساحل ووقع التقاعد عن الأماثل، وكانوا معذورين لأن لكل مقام مقالًا، وللحرب رجالًا، وكان تقاعدهم سببا لأخذه الثُمن والخمس من أموالهم [٣٩٤]، والمؤاخذة على أفعالهم، وكتب إلى: إذا لم يخرجوا فسر أنت إلى وأقدم علينا. فخرجت إلى الساحل وهو نازل على قيسارية (١)، فأقمنا حتى فتحها عنوة، ثم سرنا إلى النهر (٢) ففتحه وهدمه، وعاد إلى دمشق بعد أن أخرب بلاد الفرنج (٣). وفي تاريخ (٤) ابن العميد: وفي سنة خمس عشرة وستمائة نزلت الفرنج على دمياط في حياة الملك العادل في ثالث ربيع الأول، وأقاموا في بر الجيزة مقابل دمياط، فخرج الملك الكامل إليهم بعساكره، ونزل في بر دمياط قِبالتهم، وبحر النيل بين الفريقين، وجرت وقائع وحروب كثيرة في البر والبحر، ثم دخلت سنة ست عشرة وستمائة وهم في بر الجيزة، وفيها خرجت الفرنج بجموعهم ورجعت على دمياط وحاصروها أشد حصار، وملكوا بر دمياط، فرحل الكامل ونزل قريبا منهم، وجرت وقائع وحروب شديدة، وركبت الفرنج لقتال المسلمين، فتلقاهم الكامل بعساكره وكسرهم وأسرهم جماعة كثيرة من ملوكهم وكنودهم (٥)، وقتل منهم مقتلة عظيمة، وبعث الملوك والكنود والأسرى مكبلين بالحديد إلى القاهرة [٣٩٥] ثم بعد ذلك استولوا على دمياط وأحدقوا بها برا وبحر، ومنعوا عنها الميرة، وهلك أهلها من الجوع والوباء، ووقع فيهم الفناء، ومات أكثر أهلها، ولم يبق بها من المقاتلة إلا قليلا، فزحف الفرنج عليها وملكوها وأسروا من وجدوه بها، وذلك يوم الثلاثاء لخمس بقين من شعبان من سنة ست عشرة وستمائة. وكانت مدة الحصار عليها ستة عشر شهرًا واثنين وعشرين يوما. ولما ملكت الإفرنج دمياط تأخر

стр. 960

الكامل بعساكره ورحل إلى أشمون طناح، فأقام بها مديدة، ثم رحل إلى المنزلة التي قبالة طلخا (١) على رأس بحر أشمون ورأس بحر دمياط، وخيم هنالك وبني الناس الآدر (٢) والفنادق والحمامات والأسواق، وسميت المنصورة وكان كذلك. ولما استولى الفرن على دمياط سيروا كل من وجدوه فيها إلى عكا في المراكب، ورحلوا ونزلوا قبالة المنصورة، ونازلوا الكامل وبينهم بحر أشمون وبحر دمياط (٣). وقال ابن (٤) كثير: وفي هذه السنة توجه الملك المظفر محمود صاحب حماة إلى مصر ومعه الطواشي (٥) مرشد المنصوري بعسكر نجدة الملك الكامل بمصر، وذلك بعد أن حَلَّف والده الملك المنصور الناس بأن يكون الملك المظفر ولي عهده، فسار الملك المظفر بإذن والده الملك المنصور فوصل إلى الكامل، وأكرمه وأنزله في ميمنة عسكره، وهي منزلة أبيه وجده في الأيام الصلاحية، وبعد أن توجه الملك المظفر ماتت والدته ملكة خاتون بنت الملك العادل. قال القاضي جمال الدين بن واصل: وحضرت العزاء وكان عمرى اثنتي (٦) عشرة سنة، ورأيت الملك المنصور وهو لابس الحداد على زوجته المذكورة، وهو ثوب أزرق وعمامة زرقاء، وأنشدته الشعراء المراثي، فمن ذلك قصيدة قالها حسام الدين الكردي، منها في لبس الملك المنصور الحداد: ما كنت أعلم أن الشمس قد غربت … حتى رأيت الدجي مُلْقَى على القمر لو كان من مات يفُدْي قبلها لَفدَى .... أم المظفر آلاف من البشر (٧)

стр. 961

ذكر تخريب سور القدس الشريف وفي أول المحرم وقيل في سابع المحرم أخرب الملك المعظم أبراج القدس وسوره خوفًا من استيلاء الفرنج عليه، فاضطرب الناس وخرجوا منه متفرقين في البلاد، وهان عليهم مفارقة ديارهم وضياع أموالهم، وقد كان القدس يومئذ على أتم الأحوال من العمارة وكثرة السكان (١). وفي المرآة (٢): كان المعظم قد توجه إلى أخيه الكامل إلى دمياط، وبلغه أن طائفة من الفرنج على عزم القدس، فاتفق الأمراء على خرابه، وقالوا: قد خلا الشام من العساكر فلو أخذه الفرنج حكموا على الشام. وكان بالقدس أخوه العزيز عثمان وعز الدين أيبك الأستاذ دار (٣)، فكتب المعظم إليهما بحران فتوقفا. وقالا: نحن نحفظه. فكتب إليهما المعظم: لو أخذوه لقتلوا كل من فيه وحكموا على دمشق وبلاد الإسلام. فألجأت الضرورة إلى خرابه، فشرعوا في السور أول يوم من المحرم، ووقعت في البلد ضجة مثل يوم القيامة وخرجت (٤) النساء "المخدرات" (٥) والبنات والشيوخ والعجائز والشبان والصبيان إلى الصخرة والأقصى، فقطعوا شعورهم ومزقوا ثيابهم، بحيث امتلأت الصخرة ومحراب الأقصى من الشعور، وخرجوا هاربين وتركوا [٣٩٦] أموالهم وأثقالهم ومما شكوا أن الفرنج تصبحهم، وامتلأت بهم الطرقات، فبعضهم ذهب إلى مصر وبعضهم إلى الكرك وبعضهم إلى دمشق، وكانت البنات المخدرات يمزقن ثيابهن ويربطنها على أرجلهن من الحفا، ومات خلق كثير من الجوع والعطش، وكانت نوبة لم يكن في الإسلام مثلها، ونهبت الأموال التي كانت لهم في القدس، وبلغ قنطار الزيت عشرة دراهم، ورطل النحاس نصف درهم، وأكثر الشعراء في ذم دولة المعظم ودعوا عليها، فقال بعضهم: في رجب حلل المحرم … وخرب القدس في المحرم

стр. 962

قال السبط (١): وأنشدني قاضى الطور مجد الدين محمد بن عبد الله الحنفي لنفسه: مررت على القدس الشريف مُسلمًا … على ما تبقى من ربوع كأنجم ففاضت دموع العين مني صبابة … على ما مضى من عصرنا المتقدم وقد رام علج أن يعفى رُسومه … وشمر عن كفي لئيم منمم فقلت له شلت يمينك خلها … لمعتبر أو سائل أو مُسلّم فلو كان يُفدى بالنفوس فديته … بنفسي وهذا الظن في كل مسلم ذكر حصار التتار خوارزم وفي هذه السنة كان حصار التتار خوارزم، وذلك أنه لما انفصلت عنها تركان خاتون والدة السلطان علاء الدين خوارزم شاه محمد بن تكش ومن معها من أولاد ولدها وحريمه كما ذكرنا، وافي التتار إليها، فأول من وصل تاجي بك، وبعده أنطاى بن جنكيزخان ثم حقطاي بن جنكيزخان ثم دوشي خان بن جنكيز خان، وتتابعت إليهم الأمداد صحبة بقرجن نُوين، وطُلُن، وأشتون نُوين، وقصان نُوين، في مائة ألف أو يزيدون، ونصبوا عليها المجانيق والمتاريس والدبابات، ورؤوا أن بلد خوارزم خالية من حجارة يرمون بها في المجانيق، فوجدوا هناك من أصول التُوت العظيمة شيئا غليظًا جدًا، فصاروا يقطعونه قطعا مدورة ويرمون به بعد وضعه في الماء يوما وليلة، ثم أن دوشي خان عرض عليهم أن يسلموها بالأمان، وقال: إن أباه أنعم بها عليه، ومنع العسكر من التعرض إليها منتظرًا تسليمها له، فمال كُبراؤها إلى مسالمته وسفهاؤها إلى حربه، وخرج الأمر من أيدي الأعيان. فساق دوشي خان في ذلك الجيش العظيم، فأخذوها في جملة واحدة، وصار الناس يذبون عن أنفسهم وحريمهم، فحين أعضل الأمر أرسلوا إلى دوشي خان العقبة علاء الدين محتسب (٢) خوارزم، فأكرمه دوشي خان، فقال له: إنّا قد رأينا هيبة الخان، وقد آن أن نشاهد مرحمته، فاغتاظ، وقال: ماذا

стр. 963

رأيتم من هيبتى؟ وقد أفني عسكرى هؤلاء الرجال وطاولوا معهم القتال، وأنا الذي شاهدت هيبتهم وسأريهم هيبتى. وأمر بإخراج الناس فرادي ومثني وجموعا، ونودي بانعزال أرباب الصنائع، فمنهم من فعل ونجا، ومنهم من اعتقد أن أرباب الحرف يساقون إلى بلاد التتار ويقيم من سواهم بالديار فلم ينعزل، فناله خسار ياله من خسار، ووضع [٣٩٧] السيف فيهم فأهلكوا عن آخرهم (١). ذكر بقية الحوادث منها أن الشيخ محيي الدين بن الجوزي محتسب بغداد أمر بإزالة المنكرات وكسر الملاهي ببغداد، ذلك في مستهل هذه السنة (٢). ومنها أن المعظم ألبس قاضي القضاة زكي الدين أبا العباس الطاهر بن محيي الدين القباء (٣) والكلوتة (٤) بمجلس الحكم من داره بباب (٥) البريد (٦). وقال السبط (٧): كان في قلبه منه حزازات كان يمنعه من إظهارها حياؤه من والده العادل، وخوفه من الشناعات، وكان يشكو إلىَّ من القاضي مرارًا ويقول: إنه لا ينفذ الأحكام ولا يقيم معالم الإسلام. واتفق موت العادل ومرض أخته ست الشام عمة المعظم، وكانت قد أوصت بدارها مدرسة، وأحضرت القاضي الزكي والشهود، وأشهدتهم عليها، وأوصت إلى القاضي، وبلغ المعظم فعز عليه وقال: يحضر إلى دار عمتي من غير إذني ويسمع كلامها هو والشهود. ثم اتفق أن القاضي أحضر جابى

стр. 964

المدرسة العزيزية (١) وطلب حسابها، فأغلظ له في القول، فأمر بضربه فضرب بين يديه كما يفعل الولاة، فوجد المعظم سبيلًا إلى إظهار ما كان في نفسه، وكان الجمال المصري وكيل بيت المال عدوًا للقاضي، فجاء فجلس عند القاضي في مجلس الحكم، والشهود حاضرون والناس، فبعث المعظم ببقجة فيها قباء وكلوتة، وأمره أن يحكم بين الناس وهما عليه، وقام من خوفه فلبسهما وحكم بين اثنين. قال أبو شامه (٢): جابى المدرسة المضروب هو السديد خطيب عقربا (٣)، واسمه سالم بن عبد الرزاق بن يحيى ابن عمر بن كامل أخو الجمال والمؤيد العقرباني، وكانت الخلعة إشارة إلى أنك تفعل فعل والى الشرطة فالبس لبس من يفعل ذلك، قال: ومن لطف الله تعالى أن كان مجلس الحكم بداره، وإلا والعياذ بالله لو كان في مكان آخر لتكلف المرور في الطرقات بذلك الزي الشنيع في حق مثله إلى بيته. ثم أن القاضي لزم بيته بعدها، ولم تَطل مدة حياته، فمرض مرضه رَمَى كبده فيها قطعًا، ومات في صفر سنة سبع عشرة وستمائة على ما نذكره إن شاء الله تعالى. وقال السبط (٤): وكانت حركة شنيعة وواقعة قبيحة لم يجر في الإسلام أقبح منها، وكانت من غلطات المعظم. ولقد قلت له: ما فعلت إلا بصاحب الشرع، ولقد وجبت عليك دية القاضي. فقال: هو الذي أحوجني إلى هذا، ولقد ندمت (٥). واتفق أن المعظم بعث إلى الشرف (٦) بن عنين الشاعر حين تزهد خمرًا ونردًا وقال: سبح بهذا، إشارة إلى أن زهده ليس له صحة، فكتب إليه ابن عنين: ياأيها الملك المعظم سنة … أحدثتها تبقى على الآباد تجرى الملوك على طريقك بعدها … خلع القضاة وتحفة الزهاد (٧)

стр. 965

وفيها .... (١) وفيها حج بالناس من العراق أقباش الناصري، ومن الشام مملوك المعظم، ويقال له: شقيقات (٢). قال السبط (٣): وكنت في الحج ومعنا عز الدين بن القيسرانى من حلب، والصفي ابن مرزوق. ذكر من توفي فيها من الأعيان أبو البقاء صاحب (٤) الأعراب عبد الله بن الحسين بن عبد الله بن الحسين، العكبرى الأصل، البغدادي المولد والدار، الفقيه الحنبلي، الحاسب [٣٩٨] الفَرَضِى النحوي الضرير، الملقب محب الدين، أخذ النحو عن أبي محمد بن الخشاب، وأخذ عن مشايخ عصره ببغداد، وسمع الحديث من ابن البطي وغيره، ولم يكن في آخر عمره في عصره مثله في فنونه. وكان الغالب عليه النحو، وصنف فيه مصنفات مفيدة منها: شرح كتاب "الإيضاح" لأبي على الفارسي، وشرح ديوان المتنبي، وله "إعراب القرآن" في مجلد، وكتاب "إعراب الحديث"، وكتاب "شرح اللمع" لابن جني، وكتاب "اللباب في علل النحو"، وكتاب "إعراب شعر الحماسة"، وشرح "المفصل" للزمخشري شرحًا مستوفي، وشرح "الخطب النباتية" و "مقامات الحريري"، وصنف في الحساب أيضا، واشتغل عليه خلق كثير وانتفعوا به، واشتهر اسمه في البلاد وهو حيّ، وبَعُد صيته، وكانت ولادته سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة؛ وتوفي يوم الأحد ثامن شهر ربيع الآخر، سنة ست عشرة وستمائة، ودفن بباب حرب (٥) وكان صالحًا دينًا.

стр. 966

الحافظ عماد (١) الدين أبو القاسم علي بن الحافظ بهاء الدين أبي محمد قاسم بن الحافظ الكبير أبي القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عساكر الدمشقي، سمع الكثير، ورحل، فمات ببغداد في هذه السنة، ومن لطيف شعره قوله في المروحة: ومروحةٍ تروحُ كلَّ همِّ … ثلاثةُ أشهرٍ لا بد منها حُزَيران وتموزُ وآبُ … وفي أيلولَ يُغنى الله عنها أبو سعيد (٢) محمد بن محمود بن محمد بن عبد الرحمن، المروزي الأصل، الهمذاني المولد، البغدادي المنشأ والوفاة، كان حسن الشكل كامل الأوصاف، له خط حسن، وكان يعرف فنونا كثيرة من العلوم، شافعى المذهب، ويتكلم في مسائل الخلاف، حسن الأخلاق، ومن شعره: أرى قسم الأرزاق أعجب قسمةٍ … لذي دعةٍ مُثر ومكدّ به الكدُّ وأحمقُ ذو مالٍ وأحمقُ معدمٌ … وعقلٌ بلاحظٍ وعقلٌ له جُدُّ يعمّ الغنى والفقر ذا الجهل والحجَى … ولله من قبلُ الأمورِ ومن بعدُ أبو زكرياء يحيى (٣) بن القاسم بن درع بن الخضر، الشيخ تاج التكريتي، قاضيها، ثم درس بالنظامية ببغداد (٤)، وكان مُتْقِنًا لعلوم كثيرة منها: التفسير، والفقة، والأدب، والنحو، واللغة، وله مصنفات في ذلك كله، وجمع لنفسه تاريخًا، ومن شعره قوله: لابد للمرء من ضيق ومن سعة … ومن سرور يوافيه ومن حزن والله يطلب منه شكر نعمته … ما دام فيها ويبغى الصبر في المحنِ فكن مع الله في الحالين معتنقًا … فرضيْكَ هذين في سر وفي علن فما على شدة يبقى الزمانُ يكنْ … ولا على نعمة تبقى على الزمنِ ومن شعره قوله: لو كان قاضي الهوى علىّ ولي … ما جارَ في الحكمِ مَنْ على ولى يا يوسفي الجمال عندك لم … تبقَ له حيلة من الحيلِ إن كان قُدَّ القميصُ من دبرٍ … ففيك قُدَّ الفؤادُ من قُبُلِ

стр. 967

مات في رمضان من هذه السنة، ودفن بالشونيزية (١). الشيخ الإمام العلامة (٢) جمال الدين (٣) أبو محمد عبد الله بن نجم بن شاس بن نزار بن عشائر بن عبد الله بن محمد بن شاس، الجذامي السعدي، الفقية المالكي، مصنف كتاب "الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة"، وهو من أكثر [٣٩٩] الكتب فوائد في الفروع رتَّبة على طريق "الوجيز للغزالي". وقال ابن خلكان: والطائفة المالكية بمصر، عاكفة عليه لحسنه وكثرة فوائده، وكان مدرسًا بمصر، وتوفي بدمياط في جمادى الآخرة، وقيل: في رجب من هذه السنة. وكان قد توجه إليها بنية الجهاد لمَّا أخذها الفرنج. وشاس بالشين المعجمة والسين المهملة بينهما ألف. برهان الدين علي (٤) بن علوش بن عبد الله المغربي، إمام المالكية بدمشق، توفى يوم الأحد ثاني شعبان، ودفن بجبل قاسيون (٥)، وكان عالمًا بالأصول والفروع والعربية، ونشأ له ابن فاضل في علم الطب يلقب بناصر الدين منصور بن علي، توفى أيضًا وهو شاب (رحمهما الله). محمد (٦) بن محمد بن محمود الكشميهني (٧)، توفى في هذه السنة، وكان صالحًا صاحب مجاهدات ورياضات، وأوصى أن يكتب على كفنه هذا البيت طلبًا لإصلاح حاله: يكون أجاجا دونكم فإذا انتهى … إليكم يلقى طيبكم فيطيب الشريف (٨) افتخار (٩) الدين عبد المطلب بن الفضل، العلوي، البلخي، المدرس بمدرسة الحلاويين بحلب، مات في حلب في هذه السنة، وكان عارفًا بمذهب

стр. 968

أبي حنيفة ﵁ وشرح الجامع الكبيره وغيره، وكان يروي كتاب "الشمائل" للترمذي وغيره، وكان سيدا عاقلًا فاضلًا ورعًا دينا. محمد (١) بن جميل، صاحب مخزن الخليفة، مات ببغداد، ومولده بهيت (٢)، وكان فاضلًا بارعًا. محمد سبط (٣) العقاب، ولقبه بدر الدين، وهو الذي ضم إليه الخليفة ولدى ولده إليه لما خرجا إلى ششتر (٤)، وأرسله الخليفة إلى الأشرف مرارًا، وكان فقيرًا فحصل له مال عظيم، فبعثه الخليفة إلى الأشرف في هذه السنة، فبدا منه عند الأشرف دناءة نفس وسقوط هِمَّة، وبلغ الخليفة، وكان قد حظى عنده وبلغ أعلى المراتب، فلما عاد من الرسالة اعتقله في داره، وقيل له: بعثناك إلى ششتر فخُنت في المال، فاعمل حسابك. فأصبح في داره مصلوبًا. فقيل: إنه صلب نفسه. وقيل: بل غلمانه صلبوه. وقيل: بل الموكلون به. ولم يغسل ولم يكفن ولم يصل عليه، وحُمِل إلى مقابر المُقَتَّلين، فدفن بها. وقال الناس: إن في ذلك لعبرة. ريحان (٥) بن تكان بن موسك أبو الخير، المقري، شيخ السبط، كان صالحا سليم الصدر، أقام بالحربية سبعين سنة، يُقرئ الناس القرآن، فختم ألوفًا، وكان من الأبدال. وقال السبط (٦): قرأت عليه القرآن، وسمعت الحديث، وأُضر في آخر عمره، وكانت وفاته في صفر، ودفن بمقابر أحمد، روي عن أبي الوقت وغيره. صاحب سنجار المنصور (٧) محمد بن عماد الدين زنكي بن مودود بن زنكي، مات في هذه السنة، وأبوه كان ختن نور الدين محمود بن زنكي على ابنته، وكان المنصور هذا

стр. 969

ملكًا عادلًا، وهو الذي حصره الملك العادل أبو بكر بن أيوب، ثم رحل عنه بشفاعة الخليفة الإمام الناصر لدين الله، وخلف عدة أولاد: سلطان شاه، وزنكي، ومظفر الدين وغيرهم. الخاتون الجليلة المصونة ست (١) الشام، بنت أيوب بن شاذى، أخت الملوك: السلطان صلاح الدين، والسلطان الملك العادل، والمعظم تورانشاه، وكانت شقيقة المعظم، كان لها من الملوك محارم خمسة وثلاثون ملكًا منهم الملك المعظم تورانشاه صاحب اليمن، وهو مدفون عندها في تربتها في القبر القبلى من الثلاثة، وفي الأوسط منها زوجها [٤٠٠] وابن عمها ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه بن شاذي صاحب حمص، وكانت قد تزوجته بعد أبي ابنها حسام الدين عمر بن لاجين، وهي وابنها حسام الدين عمر في القبر الثالث. ويقال للمدرسة والتربة: الحسامية (٢) نسبة إلى ابنها هذا حسام الدين عمر بن لاجين، وكان من أكابر الأمراء عند خاله صلاح الدين يوسف بن أيوب، وكانت ست الشام من أكثر النساء خدمة وإحسانا إلى الفقراء والمحاويج، وتعمل في كل سنة في دارها بألوف من الذهب أشربة وأدوية وعقاقير وغير ذلك، فتفرق على الناس، وكانت وفاتها يوم الجمعة آخر النهار، السادس عشر من ذي القعدة من هذه السنة، في دارها التي جعلتها مدرسة، وهي الشامية الجوانية، ونقلت منها إلى تربتها بالشامية البرانية، وكانت جنازتها عظيمة حافلة جدا (رحمها الله تعالى).

стр. 970

فصل فيما وقع من الحوادث في السنة السابعة عشر بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله، والمسلمون في كرب شديد من أمور: (الأول): من جهة الفرنج وهم متملكون دمياط، والسلطان الملك الكامل مقيم في المنصورة لأجلهم، مرابط للجهاد. (الثاني) وهو معظمها خروج التتار من بلادهم واستيلاؤهم (١) على بلاد المسلمين وفسادهم. و (الثالث) وقوع الفتن في أطراف البلاد: من ذلك أن الملك الأشرف كان قد أقطع عماد (٢) الدين أحمد بن سيف الدين على المشطوب رأس عين (٣) فخرج عليه، وجمع جمعا، وحسن لصاحب سنجار (٤) محمود بن قطب الدين الخروج عن طاعة الأشرف، فخرج بدر الدين لؤلؤ من الموصل، وحضر ابن المشطوب بتل أعفر (٥) وأخذه بالأمان، ثم قبض عليه، وأعلم الملك الأشرف بذلك، فسر به غاية السرور، واستمر ابن المشطوب في الحبس، ثم سار الأشرف من حران واستولى على دنيسر (٦)، وقصد سنجار، فأتته رسل صاحبها محمود بن قطب الدين يسأل أن يعطى الرقه عوضا عن سنجار ليسلم سنجار إلى الأشرف، فأجاب الأشرف إلى ذلك وتسلم سنجار في مستهل جمادى الأولى، وسلم إليه الرقة (٧) وهذا كان من سعادة الأشرف فإن أباه الملك العادل نازل سنجار في جموع كثيرة، وطال مقامه عليها ولم يملكها، وملكها ابنهُ الأشرف بأهون سعي. وبعد أن فرغ الأشرف من سنجار سار إلى

стр. 971

الموصل (١)، ووصل إليها في تاسع عشر جمادى الأولى، وكان يوم وصوله إليها يومًا مشهودًا، و كتب إلى مظفر الدين (٢) صاحب إربل يأمره أن يعيد صهره عماد الدين (٣) زنكي بن أرسلان شاه بن مسعود بن مودود عَلَى بدر الدين لؤلؤ القلاع التي استولى عليها، فأعادها جميعها، وترك في يده منها العمادية (٤)، واستقر الصلح بين الأشرف وبين مظفر الدين صاحب إربل وعماد الدين زنكي صاحب العفر (٥) وشوش (٦)، وكذلك استقر الصلح بينهما وبين صاحب الموصل بدر الدين لؤلؤ، ولما استقر ذلك رحل الملك الأشرف من الموصل ثاني عشر رمضان وعاد إلى سنجار، وسلم بدر الدين لؤلؤ قلعة تل أعفر إلى الملك الأشرف، ونقل الملك الأشرف ابن المشطوب من حبس الموصل وجعله مقيدًا في جب بمدينة حران حتى مات سنة تسع عشرة وستمائة، ولقي بغيه وخروجه مرة بعد أخرى (٧). ذكر مجيء جنكزخان إلى بخارى وغيرها من بلاد المسلمين وحربه مع السلطان علاء الدين خوارزم شاه [٤٠١] قال ابن كثير (٨): وفي هذه السنة عم البلاء وعظم العزاء بجنكزخان المسمى بتموجين - لعنه الله - ومن معه من التتار المفسدين، واستفحل أمرهم وامتد فسادهم من أقصى بلاد الصين إلى أن وصلوا إلى بلاد العراق وما حولها، حتى انتهوا إلى إربل وأعمالها، فملكوا في سنة واحدة وهي هذه السنة سائر الممالك إلا العراق والجزيرة

стр. 972

والشام ومصر، وقهروا جميع الطوائف التي بتلك النواحي الخوارزمية والقفجاق والكرج واللان والخزر وغيرهم، وقتلوا في هذه السنة من المسلمين في بلدان متعددة كبار ما لا يحد ولا يوصف. وبالجملة فلم يدخلوا بلدًا إلا قتلوا جميع من فيه من المقاتله والرجال، وكثيرا من النساء والصبيان، وأتلفوا ما فيه بالنهب إن احتاجوا إليه، وبالحريق إن لم يحتاجوا إليه، حتى أنهم كانوا يجمعون الحرير الكثير الذي يعجزون عن حمله فيطلقون فيه النار وهم ينظرون إليه، ويخربون المنازل، وما عجزوا عن تخريبه أحرقوه، وأكثر ما يحرقون المساجد والجوامع - لعنهم الله - وكانوا يأخذون الأسارى من المسلمين فيقاتلون بهم ويحاصرون بهم وإن لم ينصحوا في القتال قتلوهم. وقال ابن الأثير (١) ﵀: لو قال قائل: إن العالم منذ خلق الله آدم ﵇ وإلى الآن لم يبتلوا بمثلها لكان صادقًا، فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها ولا ما يدانيها، ومن أعظم ما يذكرون من الحوادث ما فعل بخت نصر ببني إسرائيل من القتل وتخريب بيت المقدس. وما البيت المقدس بالنسبة إلى ما خرب هؤلاء الملاعين من البلاد التي كل مدينة منها أضعاف البيت المقدس (٢)؟! وما بنو إسرائيل بالنسبة إلى "من" (٣) قتلوا؟! فإن أهل مدينة واحدة ممن قتلوا أكثر من بني إسرائيل، ولعل الخلائق لا يرون مثل هذه الحادثة إلى أن ينقرض العالم وتفنى الدنيا إلا يأجوج ومأجوج، وأما الدجال فإنه يبقى على من اتبعه ويهلك من خالفه، وهؤلاء لم يبقوا على أحد، بل قتلوا الرجال والنساء والأطفال، وشقوا بطون النساء الحوامل وقتلوا الأجنة (٤). وقتلوا الصلحاء والعلماء والزهاد والعباد، وأخربوا الجوامع والمساجد، وأحرقوا المصاحف، ورمي الله الخذلان في المسلمين حتى أن امرأة من التتار دخلت دارا وفيها جماعة من المسلمين فقتلت البعض وأسرت الباقين، وهم يظنون أنها رجل، ولما وضعت السلاح وجدوها امرأة فقتلها بعض من أسراها (٥).

стр. 973

وحكى أن رجلا من التتار دخل دارا وفيها مائة رجل فقتلهم واحدًا بعد واحد حتى أفناهم، ولم يمد واحد منهم يده إليه، وكان الواحد منهم يدخل الدرب وفيه جماعة فيقتلهم كلهم وحده. قلت: قد جاء هلاون بعده وفعل بين المسلمين أقبح منه، ثم في آخر الأمر جاء تمرلنك في سنة ثلاث وثمان مائة وأفسد وأخرب وحرق وقتل أكثر من جنكيز خان وغيره؛ لأن تمرلنك دخل الروم والشام والعراق وقتل فيها ما لا يعد ولا يحصى، ثم إن علاء الدين خوارزم شاه لما فرق عساكره في البلاد ودهمته عساكر التتار وأخذوا مدينة أوترار (١) وأفسدوا فيها، رجع خوارزم شاه بالمسلمين إلى بخارى ورتب بها الاستعداد للحصار لعلمه بالعجز عن المواجهة والمقاومة، ورتب فيها عشرين ألف فارس، وجعل في سمرقند خمسين ألفا يحمونها، وقال لهم: إني أسير إلى بلاد خوارزم وخراسان لأجمع العساكر وأعود إليكم، ثم رحل عائدًا فعبر نهر جيحون، فنزل بالقرب من بلخ فعسكر هناك، وأقام ينتظر اجتماع عساكره، [٤٠٢] فساق جنكيزخان إلى بخارى ليحاصرها ويقطع بين السلطان وبين عساكره المتفرقة، فحاصرها ثلاثة أيام، فانهزم عسكر المسلمين، وضعفت قلوب أهل البلد وطلبوا الأمان فأعطاهم أمانا، ففتحوا البلد، وتحصن في القلعة طائفة من الجند، فأمر جنكيزخان المسلمين بأن يحفروا جميعا ويطموا الخندق بالأخشاب والتراب، ففعلوا حتى إن الكفار كانوا يأخذون المنابر والربعات فيلقونها في الخندق، ثم تابعوا الزحف، وكان بها نحو من أربع مائة فارس من المسلمين، فبذلوا جهدهم اثني عشر يومًا، وقاتلوا حتى قتلوا عن آخرهم. فلما فرغ من القلعة أمر بإحضار رؤساء البلد وأمرهم بإحضار موجودهم، فأحضر كل ما عنده، ثم أمرهم بالخروج من البلد مجردين من أموالهم ليس معهم سوى الثياب التي عليهم، ودخل التتار البلد فنهبوه وقتلوا كل من وجدوه فيه، ثم أحاطوا بالمسلمين، فأمر أصحابه أن يقتسموهم، وكان يوما شديدا من بكاء الرجال والنسوان وعجيج الأطفال والولدان، وأخذ كل من استسلم منهم أسيرًا، ومنهم أقوام اختاروا الموت على الأسر فقاتلوا حتى قتلوا. وممن إختار القتل وقاتل حتى قُتل الإمام ركن الدين إمام زاده، والقاضي صدر الدين خان، وألقت التتار في البلد النار، وأحرقوا المساجد والمدارس والربط (٢).

стр. 974

ثم ساروا إلى سمرقند (١) وقد تحققوا عجز السلطان خوازرم شاه عنهم، واستصحبوا معهم من أسروا من أهل بخارى (٢) مشاة على أقبح صور الأسارى، وكل من عجز عن المشي قتلوه، فلما قاربوا سمرقند قدموا الخيالة وتركوا الرجالة والأسرى والأثقال وراءهم، فلما رأى أهل البلاد سوادهم استعظموهم. فلما كان اليوم الثاني وصل الأساري والرجالة والأثقال وأحاطوا بالبلد، وكان فيه خمسون ألف مقاتل من الخوارزمية، وأما عامة أهل البلاد المجتمعين إليها فلا يحصون كثرة، فخرج إليهم الشجعان وأهل الجلد والقوة رجّالة، ولم يخرج إليهم أحد من الخوارزمية لما في قلوبهم من خوف التتار، فقاتلهم الرجّالة بظاهر البلد يتبعونهم ويطمعون فيهم، وكان التتار قد كمنوا لهم كمينا، فلما استجروا أهل البلد إلى أن تعدوا الكمين خرجوا عليهم وحالوا بينهم وبين البلد، فبقوا في الوسط وأخذتهم السيوف من كل جانب، فقُتلوا عن آخرهم شهداء ﵃ وكانوا سبعين ألف على ما قيل، فلما رأى الباقون من العامة والجند ذلك ضعفت قلوبهم وأيقنوا بالهلاك، فقال الجند: نحن أتراك من جنس هؤلاء ولا يقتلوننا، وطلبوا الأمان فأجابوهم إلى ذلك، ففتحوا أبواب البلد، وخرجوا إلى الكفار بأهلهم وأموالهم، فقالوا لهم: ادفعوا إلينا أسلحتكم، ففعلوا، فلما أخذوا أسلحتهم وضعوا السيوف فيهم فقتلوهم عن آخرهم، وأخذوا أموالهم ودوابهم ونساءهم وأولادهم، ولما كان اليوم الرابع نادوا في البلد أن اخرجوا ومن تأخر قتل، فخرج جميع من في البلد من الرجال والنساء والأطفال، ففعلوا بهم كما فعلوا بأهل بخارى من السبي والنهب والقتل، ثم دخلوا البلد فنهبوا ما كان فيها، وكان خوارزمشاه بمنزله مقيما، وكلما اجتمع [٤٠٣] إليه عسكر سيَّره إلى سمرقند، فيرجعون ولا يقدمون على الوصول إليهم، فنعوذ بالله من الخذلان. فلما فرغ جنكيز خان من سمرقند سير من عساكره عشرين ألفا في طلب خوارزم شاه (٣).

стр. 975

ذكر إرسال جنكزخان عسكرًا وراء خوارزم شاه ولما فرغ جنكزخان من سمرقند أقام هناك وأرسل السرايا إلى البلدان، فبعث سرية إلى بلاد خراسان، وسرية وراء خوارزم شاه، وهم عشرون ألف، وقال لهم: اطلبوه فأدركوه ولو تعلق بالسماء (١). وقال أبو الفتح: كان خوارزم شاه مقيما بحدود كتلف (٢) وأندخوذ (٣)، ولما سمع بذلك ضعف قلبه واضطرب حاله، ورحل في وقته، وعدّا جيحون، وفارقه سبعة آلاف من الخطائية (٤)، واتصل علاء الدين صاحب قُندَز (٥) بجنكزخان مظاهرًا، وبمغادرة السلطان مجاهرًا، وانقطع إليه الأمير ماه (٦)، وأخذ الناس في التخاذل والتسلل إلى جنكزخان. وفي تاريخ بيبرس: لما اتصل بجنكز خان حال السلطان ووجله جرد إليه مقدمين في ثلاثين ألف من عسكره، وهما يمه نوين وسبطي بهاد (٧) حتى عبروا النهر صوب خراسان، فعاثوا وأفسدوا وأبادوا من وجدوا (٨). وكان السلطان خوارزم شاه نازلًا بمرج دولة أباد وهي من أعمال همذان (٩)، وليس معه إلا عشرون ألف فارس فلم ترعة إلا صيحة (١٠) الغارة وإحداق خيل العدو به، فنجا بنفسه وفاتهم في نفر يسير من خواصه، وقُتل جُلُّ أصحابه، وانتهى إلى حافة البحر

стр. 976

وأقام عند الفرضة (١) يبكي وينذر النذور، ويصلي الصلوات الخمس، ويعاهد الله بإقامة العدل إن كتب سلامته، فكبسه التتار، فركب مركبا هو وأولاده الحاضرون معه وهم: جلال الدين منكبرتي خوارزم شاه، وقطب الدين أزلاع شاه، وناصر الدين آق شاه، ولم يكن معه سواهم لأن أولاده كانوا متفرقين في الممالك، وسار في البحر فوصل إلى الجزيرة فريدًا طريدًا، لا يملك طارفا ولا تليدًا، وكان قد اعتراه مرض ذات الجنب فازداد به مرضه، وكان في أهل مازندران (٢) ناس يتقربون إليه بالمأكول والمشروب، فقال: في بعض الأيام أشتهي أن يكون عندي فرس يرعى حول خيمتي هذه، وقد ضربت له خيمة صغيرة، فأحضر إليه تاج الدين حسن أحد سرهنكينه (٣) فرسًا. هذا ما آل إليه وجرت به المقادير عليه (٤). وفي تاريخ ابن كثير (٥): ولما ساق التتار وراء خوارزم شاه أدركوه وبينه وبينهم نهر جيحون، وهو آمن بسببه، فلم يجدوا سفنًا، فعملوا لهم أحواضا يحملون عليها الأسلحة، ويرسل أحدهم فرسه ويأخذ بذنبه، فيجره الفرس في الماء، وهو يجر الحوض الذي فيه سلاحه حتى صاروا كلهم في الجانب الآخر، فلم يشعر بهم خوارزم شاه إلا وقد خالطوه، فهرب منهم إلى نيسابور (٦)، ثم منها إلى غيرها، وهم في أثره لا يمهلونه يجمع لهم، (٧) فصار كلما أتى بلدًا ليجتمع فيه عساكره يدركونه فيهرب منهم، حتى ركب في بحر طبرستان، وسار إلى قلعة في جزيرة فيه، فكانت وفاته فيها. وقيل: إنه لا يعرف بعد ركوبه في البحر ما كان من أمره بل ذهب فلا يدرى أين ذهب (٨).

стр. 977

وقال أبو الفتح المنشئ: قاسي السلطان خوارزم شاه من الشدائد والجفلات إلى أن مات بالجزيرة في بحر قلزم، ولما عبر نهر جيحون وصل إليه [٤٠٤] عماد الملك محمد بن السديد الساري وزير ابنه ركن الدين صاحب العراق، وقد كان ركن الدين وجهه إلى باب السلطان لقضاء أشغاله، ثم رحل السلطان من حافة جيحون إلى نيسابور، ولم يقم بها الإساعة من نهار من رعب تمكن في صدره، وسار إلى جهة العراق، ونزل بمرج دولة أباد وهي من أعمال همذان، وأقام بها أيامًا يسيرة ومعه من عسكره مقدار عشرين ألف فارس، فلم يدر الإصبيحة الغارة، فهرب هو بنفسه، وشمل القتل جل أصحابه، وقتل عماد الملك الوزير، وجاء السلطان إلى بلد الجبل ثم منها إلى حافة البحر، وأقام عند الفرضة بقرية من قراها، فيحضر المسجد ويصلى به إمام الفريضة في القرية، فأقام بها إلى أن كبسة التتار بها ومعهم ركن الدين كبود خانه، وكان السلطان قد قتل عمه نصرة الدين [وابن عمه] (١) عز الدين كيخسرو، فانتهز ركن الدين الفرصة في هذا الوقت، ولكنه فاتهم حيث ركب المركب، ووقعت منهم سهام في المركب، وخاض خلفه طائفة من التتار حرصًا على أخذ السلطان (٢). ذكر ما فعل هؤلاء السرايا في بلاد الإسلام ولما فاتهم السلطان خوارزم شاه بركوبه البحر توجهوا إلى نهب البلاد وأخذها، فقصدوا الرى فدخلوها على حين غفلة من أهلها، فقتلوهم وسبوهم وأسروهم، ثم صاروا إلى همذان فملكوها ثم إلى زنجان (٣) فقتلوا وأسروا وسبوا، ثم قصدوا قزوين (٤) فنهبوها وقتلوا من أهلها نحوًا من أربعين ألفا، ثم قصدوا بلاد أذربيجان، فصالحهم ملكها أزبك ابن البهلوان (٥) على مال حمله إليهم لشغله بما هو فيه من السكر وارتكاب السيئات

стр. 978

والانهماك على الشهوات، فتركوه وساروا إلى موقان (١) فقاتلهم الكرج (٢) في عشرة آلاف مقاتل، فلم يقفوا بين أيديهم طرفة عين حتى انهزمت الكرج، وأقبلوا إليهم بجدهم وجديدهم، فكسرهم التتار مرة أخرى أقبح هزيمة وأشنعها (٣). ثم ساروا إلى مراغة (٤) فحصروها ونصبوا عليها المجانيق، وتترسوا بالأساري من المسلمين، وعلى البلد امرأة - ولن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة. ففتحوا البلد بعد أيام، وقتلوا من خلقه ما لا يعلم عددهم إلا الله تعالى، وغنموا منه شيئًا كثيرا، وسبوا وأسروا على عادتهم، ثم قصدوا مدينة إربل (٥) فضاق المسلمون لذلك ذرعًا فصالحهم أهلها، وترك التتار عندهم شحنة، فذهبوا ثم اتفق أهل إربل على قتل شحنتهم، فرجعوا إليهم فحاصروهم حتى فتحوها قسرًا، فقتلوا أهلها عن آخرهم، ثم سارا إلى أردبيل (٦) ثم إلى تبريز (٧) ثم إلى بيلقان (٨) فقتلوا من أهلها خلقا كثيرا وحرقوها، وكانوا يفجرون بالنساء ثم يقتلونهن ويشقون بطونهن عن الأجنة، ثم عادوا إلى بلاد الكرج وقد استعدت لهم الكرج فاقتتلوا معهم فكسروهم أيضًا كسرة فظيعة، ثم فتحوا بلدانًا كثيرة يقتلون أهلها ويسبون ويأسرون من الرجال ما يقاتلون به الحصون، يجعلونهم بين أيديهم ترسًا يتقون بهم الرمي

стр. 979

وغيره، ومن سلم منهم قتلوه بعد انقضاء الحرب ثم ساروا إلى بلاد اللان (١) والقفجاق (٢) فاقتتلوا معهم قتالًا عظيما فكسروهم، وقصدوا أكبر مدائن القفجاق، وهي مدينة سوداق (٣)، وفيها من الأمتعة والثياب والقندس والسنجاب شيء كثير جدًا، ولجأت القفجاق إلى بلاد الروس، وكانوا [٤٠٥] نصارى، فاتفقوا معهم على قتال التتار، فالتقوا معهم فكسرتهم التتار كسرة فظيعة جدًا، ثم صاروا نحو بُلْغَار (٤) في حدود العشرين وستمائة، ففرغوا من ذلك كله وعادوا نحو ملكهم جنكز (٥) خان (٦). وكان جنكزخان يسمى هؤلاء السرية المغرّبة، وكان قد أرسل سرية أخرى في هذه السنة إلى ترمذ (٧) فأخذتها وأخرى إلى فرغانة (٨) فملكوها، وجهز جيشا آخر نحو خراسان، فحاصروا بلخ (٩) فصالحهم أهلها، وكذلك صالحوا مدنًا كثيرة أخرى حتى انتهوا إلى الطالقان (١٠) فأعجزتهم قلعتها وكانت حصينة، فحاصروها ستة أشهر حتى عجزوا، فكتبوا إلى جنكزخان فقدم بنفسه فحاصرها أربعة أشهر أخرى حتى فتحها قهرًا، ثم قتل

стр. 980

من فيها ومن في البلد بكماله من الخاصة والعامة، ثم قصدوا مدينة مرو (١) مع جنكزخان وقد عسكر بظاهرها نحو من مائتي ألف مقاتل من العرب وغيرهم، فاقتتلوا معهم قتالًا عظيما حتى انكسر المسلمون. فإنا لله وإنا إليه راجعون (٢). ثم حصروا البلد خمسة أيام واستنزلوا نائبها خديعة ثم غدروا به وبأهل البلد فقتلوهم وغنموهم وسبوهم وعاقبوهم بأنوع المذلات حتى إنهم قتلوا في يوم واحد سبع مائة ألف إنسان فلا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، ثم ساروا إلى نيسابور ففعلوا فيها ما فعلوا بأهل مرو، ثم إلى طوس (٣) فقتلوا وخربوا مشهد علي بن موسى الرضى وتربه الرشيد الخليفة، فتركوه خرابا، ثم ساروا إلى هراة (٤)، فقتلوا خلقها واستنابوا عليها، ثم ساروا إلى غزنة (٥) وبها جلال الدين بن السلطان خوارزم شاه (٦). ذكر ما جرى بين التتار وبين جلال الدين بن خوارزم شاه على غزنة أرسل جنكيزخان طائفة كبيرة من التتار إلى غزنة، وكان بها جلال الدين منكبرتي ابن السلطان علاء الدين خوارزم شاه، فوقع بينهم قتال شديد، فكسرهم جلال الدين، وكان مجيء جلال الدين إلى غزنة بعد أمور كثيرة بينه وبين التتار على ما نذكره. وأصل ذلك أن جلال الدين لما كسر التتار على غزنة عادوا إلى هراة فإذا أهلها قد نقضوا، فقتلوهم عن آخرهم، ثم عادوا إلى ملكهم جنكيزخان فأرسل جنكيزخان طائفة أخرى إلى خوارزم فحاصروها حتى فتحوها قهرًا فقتلوا أهلها قتلًا ذريعًا ونهبوها، وأرسلوا الجسر الذي يمنع ماء جيحون منها فغرقت دورها وهلك جميع أهلها، ثم عادوا إلى ملكهم

стр. 981

جنكيزخان وهو مخيّم على الطالقان، فجهز منهم طائفة إلى غزنة، فاقتتل معهم جلال الدين المذكور فكسرهم كسرة عظيمة على ماذكرنا، واستنقذ منهم خلقًا من أساري المسلمين، ثم كتب إلى جنكيز خان يطلب منه أن يبرز بنفسه لقتاله، فقصده جنكيزخان فتواجها، وقد مزق جلال الدين بعض جيشه ولم يبق له بُدّ من القتال، فاقتتلوا ثلاثة أيام لم يعهد مثلها قبلها من قتال، ثم ضعف أصحاب جلال الدين فذهبوا فركبوا في البحر يعني بحر الهند، فسارت التتار إلى غزنة فأخذوها بلا كلفة ولا ممانعة (١). وفي تاريخ النويري (٢): ولما فرغ التتار من خراسان عادوا إلى ملكهم جنكيزخان، فجهز جيشا كثيفا إلى غزنة (٣) وبها جلال الدين منكبرتي بن خوارزم شاه مالكا لها، وقد اجتمع إليه كثير من عسكر أبيه. قيل: كانوا ستين ألفا مقاتلين، وكان الجيش الذي أرسله جنكيزخان اثني عشر ألفا [٤٠٦] فالتقوا مع جلال الدين واقتتلوا، فانتصر المسلمون وانهزمت التتار، وتبعهم المسلمون يقتلونهم كيف شاؤوا، ثم أرسل جنكيز خان جيشا آخر أكثر من الأول مع بعض أولاده، فوصلوا إلى كابل (٤) واقتتلوا مع المسلمين فانهزم التتار أيضا وقتل المسلمون منهم خلقا كثيرا وغنموا شيئا كثيرا، وكان في عسكر جلال الدين أمير كبير مقدام هو الذي كسر التتار على الحقيقة يقال له: بغراق فوقع بينه وبين أمير آخر كبير يقال له: ملك خان صاحب هراة وله نسب إلى خوازرم شاه، وكان سبب الوقوع المكسب قتل فيه أخو بغراق، فغضب بغراق وفارق جلال الدين، وسار إلى الهند وتبعه ثلاثون ألف فارس، ولحقه جلال الدين واستعطفه، فلم يرجع، فضعف عسكر جلال الدين بسبب ذلك، ثم وصل جنكيزخان بنفسه في جيوشه، وقد ضعف جلال الدين بما نقص من عسكره بسبب بغراق، فلم يكن له بجنكيزخان قدرة، فترك جلال الدين البلاد وسار إلى الهند، وتبعه جنكيزخان حتى أدركه على ماء عظيم وهو نهر السند، ولم يلحق جلال الدين ومن معه أن يعبروا النهر فاضطر إلى القتال، وجرى بينهم وبين جنكيزخان

стр. 982

قتال عظيم لم يسمع قبله مثله، وصبر الفريقان وأقاموا ثلاثة أيام على ذلك، فقتل من الفريقين خلق عظيم، وذلك يوم الأربعاء لثمان بقين من شوال سنة ثماني عشرة وستمائة، وكانت الكرة أولا على جنكيزخان ثم عادت على جلال الدين، وكان القتل والجرح في التتار أكثر، ثم تأخر كل منهما عن صاحبه (١). فعبر جلال الدين ذلك النهر إلى جهة الهند، وأسر التتار ولد جلال الدين ابن سبع سنين، وقتل بين يدي جنكيزخان صبرا، ثم إن جلال الدين لما أراد عبور النهر رأي والدته وأم ولده وجماعة من خدمه يصحن ويبكين، ويقلن: بالله اقتلنا وخلصنا من الأسر، فأمر بهن فغرقن في النهر، وهذا من أعظم البلايا ونوادر المصائب والرزايا. ثم اقتحم جلال الدين وعسكره ذلك النهر العظيم، فنجا منهم إلى ذلك البر تقدير أربعة آلاف رجل حفاة عراة، وأرمي الموج جلال الدين مع ثلاثة من خواصه إلى موضع بعيد، وقعد أصحابه ثلاثة أيام، فبقوا حائرين إلى أن اتصل بهم جلال الدين فاتخذوا بمقدمه عيدًا، ثم جرى بين جلال الدين وبين أهل تلك البلاد وقائع انتصر فيها جلال الدين، ووصل إلى نهاور من الهند وأقام بها، ثم إن جنكيزخان لما أيس من جلال الدين عاد إلى غزنة واستولى عليها وقتل أهلها، ونهب أموالها (٢). وسنذكر بقية ماجريات جلال الدين وماجريات أخوته أولاد علاء الدين خوارزم شاه في أثناء السنين الآتية إن شاء الله. ذكر بقيه الحوادث منها أن الملك المظفر شهاب الدين غازي بن الملك العادل استولى على أخلاط (٣) و ميافارقين (٤)، وذلك أنه كانت بيده الرها (٥) وسروج (٦)، وكانت ميافارقين وأخلاط بيد

стр. 983

الملك الأشرف، ولم يكن للأشرف ولد فجعل أخاه المظفر المذكور ولي عهده، وأعطاه ميافارقين وأخلاط وبلادها، وهي إقليم عظيم يضاهي ديار مصر، وأخذ الأشرف منه الرها سروج (١). ومنها أن الملك المعظم عزل المعتمد مبارز (٢) [٤٠٧] الدين إبراهيم عن ولاية دمشق وولاها العزيز خليل (٣). ومنها أن في المحرم هبت رياح ببغداد، وجاءت بروق، وسمعت رعود شديدة، وسقطت صاعقة بالجانب الغربي على المنارة المجاورة لعُوق (٤) ومُعِين (٥) فثلمتها، ثم أصلحت وغارت الصاعقة في الأرض (٦). ومنها أن صاحب سنجار قتل أخاه، فسار الأشرف إليها فأخذها، وعوض صاحب سنجار الرقة (٧). وفيها أن ابن المشطوب نافق على الأشرف، وعاث في أرض سنجار، وساعده صاحب ماردين (٨)، وكان نجم الدين بن عصرون مع ابن المشطوب قدوزّر له، فسار الأشرف ونزل على دنيسير، وجاء الملك الصالح فأصلح بين صاحب ماردين والأشرف، ودخل ابن مشطوب إلى تل أعفر (٩)، وسار إليه فارس الدين بن صبرة من نصيبين، وبدر الدين لؤلؤ من الموصل وحصراه في تل أعفر، فأنزله بدر الدين لؤلؤ بالأمان وحمله معه إلى الموصل، ثم قيده وبعث به إلى الأشرف، فألقاه الحاجب علي في الجب، فمات

стр. 984

بالقمل والجوع، وكان نور الدين بن عماد الدين صاحب قرقيسيا (١) مع الأشرف وقد كاتب عليه، واتفق مع ابن المشطوب، فاعتقله الأشرف وبعث به مع العلم تعاسيف إلى قرقيسيا وعانه، وعلق نور الدين برجليه تحت القلعتين وعذبه، فسُلمت إلى تعاسيف جميع بلاده، وأراد الأشرف أن يرميه في الجب فتشفع إلى الملك المعظم، فشفع فيه إلى الأشرف فأطلقه، وسار نور الدين إلى دمشق وأحسن المعظم إليه، فاشترى في العقيبة بستان ابن جيوش وأقام به. قلت: العلم تعاسيف اسمه قيصر، وتعاسيف لقبه (٢). ومنها أنه كانت في رجب وقعة بين الملك الكامل وبين الإفرنج في أرض البرلس (٣)، وكانت وقعة عظيمة، قتل الكامل منهم عشرة الاف، وغنم خيولهم وسلاحهم، ورجعوا إلى دمياط مهزومين (٤). وفيها ( ........... ) (٥) وفيها حج بالناس من العراق أقباش (٦) الناصري، ولكنه قتل كما نذكره في الوفيات. ومن الشام المعتمد مبارز الدين إبراهيم، ولم يحج أحد من العجم بسبب خروج التتار في البلاد وفسادهم (٧). ذكر من توفي فيها من الأعيان شيخ (٨) الشيوخ صدر الدين أبو الحسن محمد بن شيخ الشيوخ عماد الدين محمود بن حمويه من بيت رئاسة وإمرة عند بني أيوب، وكان شيخ الشيوخ هذا فقيهًا فاضلًا، درس بتربة الشافعي بمصر وبمشهد الحسين وولي مشيخة سعيد السعداء والنظر فيها، وكانت له حرمة وافرة عند الملوك، وأرسله الملك الكامل إلى الخليفة يستنصره على الفرنج فمات بالموصل بالإسهال، ودفن بها عند قضيب البان عن ثلاث وسبعين سنة.

стр. 985

وقال أبو شامة (١): وصل إلى الموصل في منتصف جمادى الآخرة فتوفي بها بعلة الذرب في الرابع والعشرين منه. ابن الجهني (٢) أبو عبد الله الحسين بن محمد بن أبي بكر بن المجلى الموصلي، ويعرف بابن الجهني، كان شابًا فاضلًا، ولي كتابة الإنشاء لبدر الدين لؤلؤ زعيم الموصل، ومن شعره: [٤٠٨] نفسي فداءُ الذي فكرتُ فيه وقد … غدوتُ أغرق في بحر العجبِ يبدو بليل على صبح على قمر … على قضيب على وهم على كثب رضي (٣) الدين المؤيد بن محمد بن على الطوسي الأصل النيسابوري الدار؛ المحدث، مات في هذه السنة، وكان أعلى المتأخرين إسنادا، سمع كتاب مسلم من الفقيه أبي عبد الله محمد بن الفضل الفراوي وكان الفراوي فاضلا، قرأ الأصول على إمام الحرمين، وسمع الفراوي صحيح مسلم على عبد الغافر في سنة تسع وعشرين وخمسمائة، وكانت ولادة رضي الدين في سنة أربع وعشرين وخمسمائة، ومات في شوال من هذه السنة. الشيخ (٤) عبد الله اليونيني؛ أسد الشام، من قرية يقال لها: يونين. من بعلبك، وكانت له زاوية يقصد فيها للزيارة، وكان من الصالحين الكبار المشهورين بالعبادة والرياضة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، له همة عالية في الزهد والورع بحيث أنه كان لا يقتني شيئا ولا يملك مالا ولا ثيابا، ولا يتجاوز قميصا في الصيف وفروة فوقه في الشتاء، وعلى رأسه قبع من جلد الماعز، شعره إلى ظاهره، وكان لا ينقطع عن غزاة من الغزوات، ويرمي عن قوس زنته ثمانون رطلًا بالدمشقي، وكان يجاور في بعض الأحيان بجبل لبنان، ويأتي في الشتاء إلى عيون العاسريا التي في سفح الجبل المطل على قرية دومة، شرقي دمشق، لأجل سخونة الماء فيقصد بالزيارة هنالك، ويجيء تارة إلى دمشق فينزل بسفح قاسيون عند القادسية، وكانت له أحوال ومكاشفات صالحة.
следующие страницы →