← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 38103

موسوعة علوم القرآن

عبد القادر محمد منصور

Полный текст (270 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

أصله في السنة الشريفة ولم يأت نصّ صريح يقرّره، وإنّما استأنس علماء هذا الفن برواية، قد ذكرها ابن الجزري في كتابه (التمهيد) بسنده المتصل إلى عبد الرحمن بن أبي بكرة: [أنّ جبريل أتى النبي ﷺ فقال: اقرأ القرآن على حرف. فقال ميكائيل: استزده. فقال: اقرأ على حرفين. فقال ميكائيل: استزده. حتى بلغ سبعة أحرف، كلّ شاف كاف، ما لم تختم آية عذاب بآية رحمة، أو آية رحمة بآية عذاب]. وفي رواية أخرى: [ما لم تختم آية رحمة بعذاب، أو آية عذاب بمغفرة (١)]. قال أبو عمرو: «هذا تعليم الوقف التام من رسول الله ﷺ عن جبريل ﵇ .. ». الوقف الكافي وهو الوقف على الكلمة القرآنية، ولها تعلق بما بعدها معنى فقط

стр. 142

ويكون في رءوس الآي، وفي أثنائها. فكل كلام تام مفهوم، وما بعده مستغن عمّا قبله في اللفظ فقط، كان الوقف عليه كافيا. وسمّي كافيا لاكتفائه بما بعده من جهة المعنى. مثاله في وسط الآي إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً البقرة/ ٣٠/. وفي آخرها ... لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً الكهف/ ٧١/. أصله وأصله من السنة الشريفة ما روي عن ابن مسعود قال. قال لي رسول الله ﷺ : اقرأ عليّ. فقلت له: أقرأ عليك، وعليك أنزل؟ قال: إنّي أحبّ أن أسمعه من غيري. قال: فافتتحت سورة النساء، فلما بلغت فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً (١). قال: فرأيته وعيناه تذرفان دموعا.

стр. 143

فقال لي: حسبك (١)]. واستنبط أهل هذا الفن من هذا الحديث حكم قسم الوقف الكافي، بحجة أنه ﷺ قطع القراءة عند (شهيدا). ولهذه الكلمة تعلّق معنوي بما بعدها. حيث إنّ المعنى لم يكتمل حتى نهاية الآية الثانية. وبالذات عند قوله (حديثا). وعندها يكتمل المعنى، وتنقضي القصة. وأمر رسول الله ﷺ بقطع القراءة عند (شهيدا) لدلالة واضحة على جواز القطع على الكافي. رمزه ويمكن الاعتماد على معرفته غالبا، من خلال الرمز المصحفي (قلى)، وليس ذلك على سبيل الحصر، وإنّما قد يتجاوزه إلى رمز آخر. لكنّ الرمز هذا قد يسهّل المعرفة. حكمه والحكم فيه. أنه يحسن الوقف عليه، والابتداء بما بعده.

стр. 144

الوقف الحسن هو الوقف على الكلمة القرآنية، ولها تعلّق بما بعدها لفظا ومعنى. وسمّي (حسنا) لإفادته فائدة يحسن السكوت عليها. مواضعه ويكون في أواخر الآي، وفي أثنائها. حكمه يحسن الوقف عليه. لكنّ الابتداء بما بعده يحسن إن كان رأس آية، ولا يحسن إن كان الموقوف عليه ليس برأس آية. لذلك، فإن الكلمة الموقوف عليها، إن صلح الابتداء بها، ابتدئ، وإلّا فممّا قبلها ممّا يصلح الابتداء به. رمزه ويمكن ان نعتمد فيه على الرمز المصحفي (صلى) - غالبا- لكن قد يتجاوزه إلى غيره من الرموز.

стр. 145

أصله وأصله حديث أم سلمة أم المؤمنين. [أن النبيّ ﷺ كان إذا قرأ، قطّع قراءته آية آية يقول: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ثم يقف. ثم يقول الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ثم يقف. ثمّ يقول: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ- مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (١). وتخريج الوقف الحسن من الحديث: هو وقوف رسول الله ﷺ على الفواصل التي لها تعلّق بما بعدها- لفظا ومعنى. حكمه يحسن الوقف عليه، والابتداء بما بعده إن كانت في رءوس الآية، بل هو سنّة أيضا. وإن كان في وسط الآي، فالحكم مختلف، فيحسن الوقف عليه، ولا يحسن الابتداء بما بعده، وذلك لتعلّقه بما بعده لفظا ومعنى.

стр. 146

مثاله في رءوس الآي. الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*. مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ. في وسط الآي. الْحَمْدُ لِلَّهِ. رَبِّ الْعالَمِينَ. الوقف القبيح هو الوقوف على كلام لا يؤدي معنى صحيحا، وذلك لشدّة تعلقه بما بعده- لفظا ومعنى- فلا يفهم السامع منها شيئا مفيدا. وسمّي قبيحا: لقبح الوقف عليه. إلّا لضرورة- كانقطاع نفس مثلا. حكمه لا يجوز الوقف عليه إلّا لضرورة، فإن وقف عليه، كان الابتداء بالموقوف عليها إن صلح الابتداء بها، وإلّا فبما قبلها. مثاله ١ - الوقف على الجار والمجرور (بسم). ٢ - الوقف على المبتدأ (الحمد). ٣ - نحو (هذا).

стр. 147

أصله وأصله في السنة الشريفة. عن عدي بن حاتم قال: [- جاء رجلان إلى النبي ﷺ فتشهد أحدهما. فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما. ووقف. فقال رسول الله ﷺ : - قم. أو اذهب. بئس الخطيب أنت (١)]. تخريج الوقف القبيح منه : إذ استنكار رسول الله ﷺ الوقف على المستبشع، لدليل واضح على قباحته، والمستبشع هنا الجمع بين حالتين متناقضتين لنتيجة واحدة وهي الرشاد، فقد سوّى المتحدث بين الطائع والعاصي. وإذا كان هذا يكره في كلام البشر، فأولى أن يكره أشدّ كراهة في كلام الله سبحانه.

стр. 148

المرخّص للضرورة (١) الاغتفار في الوقف والابتداء يغتفر لمن يقرأ في كتاب الله أن يقف أو يبتدأ في مواضع ليست مناسبة وفق قواعد الوقف والابتداء، ويسمّى الوقف عندئذ: المرخّص للضرورة. وهذه المواضع هي : ١ - الفواصل الطويلة. ٢ - القصص الطويلة. ٣ - الجمل المعترضة، ونحو ذلك. ٤ - حالة الجمع في القراءات. ٥ - قراءة التحقيق. ٦ - قراءة الترتيل. ويقول السيوطي: «فربّما أجيز الوقف والابتداء، لبعض ما ذكر، ولو كان لغير ذلك لم يبح». ومثّل السجاوندي لهذا الوقف ب وَالسَّماءَ بِناءً*. وقال ابن الجزري: «الأحسن تمثيله بنحو قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ. وبنحو وَالنَّبِيِّينَ*. وبنحو وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ* وبنحو

стр. 149

عاهَدُوا*. وبنحو كلّ من فواصل قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ (٩) أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ. والنحويون يكرهون الوقف الناقص في التنزيل مع إمكان التام، فإن طال الكلام، ولم يوجد فيه وقف تام، حسن الأخذ بالناقص. كقوله: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً الجن. إن كسرت بعده [إن]. وإن فتحتها. فإلى قوله كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً الجن. محسنات الوقف الناقص ١ - أن يكون لضرب من البيان. كقوله: وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً الكهف/ ١/. فالوقف على عِوَجاً بيّن أنّ قَيِّماً منفصل عنه، وأنه حال في نية التقديم. وكقوله: وَبَناتُ الْأُخْتِ النساء/ ٢٣/.

стр. 150

ليفصل به بين التحريم النسبي، والسببي. ٢ - أن يكون الكلام مبنيا على الوقف. نحو: يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ الحاقة/ ٢٥ - ٢٦/. وحسبنا هنا ما أثبتناه، فهو كاف بالغرض الذي وضع من أجله هذا العلم.

стр. 151

علم النظام الصوتي في القرآن المجيد والكتاب السماوي الأوحد، الذي كلّف العباد أن يتعبدوا بتلاوته بفهم، أو بغير فهم، هو القرآن المجيد، كما أنّه تفرّد بنظام صوتي فريد، له قواعد محدّدة، يندرج تحتها مجموعات حرفية، مرتبطة بها بحكمة وإتقان. وعنون له أسلافنا ب (علم التجويد). لكنّ تجزئة الصوتيات منه لجديرة بالانفراد، لأنّ الحروف هي أصوات تخرج من فم الإنسان في مساحة تحدّ بين الحنجرة، والشفتين. مواقع خروج الأصوات ولكل حرف من العربية له موقع في الخروج، يتوجّب على المسلم إذا أراد قراءة القرآن أن يلتزم بإخراجها من مواقعها الصحيحة، التي نزل بها القرآن الكريم على نبينا محمد ﷺ بواسطة جبريل ﵇. وهذه المواقع أطلق عليها اسم (المخارج).

стр. 152

فما تلك المواقع الصوتية وفق ما جاءت في إلقاء جبريل ﵇ لها، على رسول الله ﷺ ؟؟. وحتى نحدّدها بدقة، علينا أن نثبت أسماء المواقع المعتبرة علميا، وهي (أحد عشر) موقعا، كلّ منها هو بمثابة نقطة ارتكاز في خروج أيّ صوت عربي. مواقع ارتكاز الحرف العربي ولنبدأ أولا: من خارج الفم، وهو موقع الشفتين، فمنه تخرج الحروف الشفوية المحضة وهي: (ب. م. و. و.- و. و) ثانيا: موقع الأسنان العلوية، مع الشفة السفلى، فمنه يخرج الحرف الأسناني الشفوي. وهو: (ف) ثالثا: موقع ما بين الثنايا العليا، والسفلى، فمنه تخرج الحروف البينية، الثنوية وهي: (ث. ذ، ظ)

стр. 153

رابعا: موقع أصول الثنايا العليا مع مقدمة اللّثة. فمنه تخرج الحروف الثنويّة اللثويّة. وهي: (ت. د، ض. ط. ل. ن) خامسا: موقع اللّثة. فمنه تخرج الحروف اللثوية. وهي: (ر. ز. س. ص) سادسا: موقع اللثة، مع مقدمة الحنك الصلب. فمنه تخرج الحروف (اللثوحنكية). وهي: (ج. ش) سابعا: موقع وسط الحنك. فمنه تخرج الحروف، (وسطحنكية). وهي: (ي. ي. ي. ي) ثامنا: موقع أقصى الحنك. فمنه يخرج حرف (أقصحنكي). وهو حرف واحد: (ك)

стр. 154

تاسعا: موقع اللهاة. فمنه تخرج الحروف (اللهوية). وهي (ق. غ. خ) عاشرا: موقع الحلق. فمنه تخرج الحروف (الحلقية). وهي حرفان: (ع. ح) الحادي عشر: موقع الحنجرة. فمنه تخرج الحروف (الحنجرية). وهي (ء. هـ) مع الحركات (س. سا. س. سو. س. سي) فهذه المواقع التي حدّدها علماء الصوتيات لإخراج الحروف العربية، وعليه: فإنّه يلزم من أراد قراءة القرآن أن يراعي تطبيقها. امتثالا لقوله تعالى: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا المزمل/ ٤/. كيفية التعرّف على مواقع الصوتيات ؟ ولكي نتعرّف على موقع كل حرف علينا أن نتبع التالي: أن نردّد النطق بالصوت في حالة تسكينه.

стр. 155

وأن نبدأ بهمزة مفتوحة، لنتحسس نقطة الارتكاز للحرف الذي نريد إخراجه، عن طريق حبس النفس، أو تضييق المجرى له. مثال ذلك: إذا أردنا التعرّف على موقع حرف الباء، علينا أن نسكّنه، ثم نضع أمامه همزة مفتوحة، ثم نردّده (أب. أب. أب). وبهذا نتعرّف الموقع، ونتذوّقه. وهكذا سائر الحروف. صفات الحروف الثابتة نطوي الآن صفحة المواقع لخروج الحروف، ونفتح صفحة الصفات لها، فهي السمات المميزة لأي حرف منها، كي لا يحدث تداخل بين حرف وآخر، أو يقع تجاوز بينها. وهذه الصفات تنقسم إلى قسمين: صفات مضادّة. وصفات أحاديّة. فالصفات الضديّة كثيرة نختار منها ما يفيد في التلاوة، وهي ثلاثة ضدّ ثلاثة، ويمكن جدولتها هكذا: ١ - الشدّة (الانفجار) ضدّها: الرخاوة (الاحتكاك) ٢ - الجهر. ضدّها: الهمس. ٣ - التفخيم. ضدّها: الترقيق.

стр. 156

الشدّة والرخاوة والشدّة: انحباس الهواء الخارج حبسا تاما في نقطة ارتكاز ما، في مجرى الفم، بحيث يضغط ضغطا قويا، حتى الإغلاق، ثم يطلق فجأة، ليحدث انفجار. حروفه (ب/ ض. د. ط. ت./ ك/ ق/ ء). (١) وهي مرتبة وفق المخارج من الشفتين حتى الحنجرة. واختلف التصنيف هنا عن القديم، نظرا للنطق الحالي، فقد عدّ قديما حرف (الضاد) صوتا رخويا، لكنّه اليوم ينطقه قرّاؤنا صوتا شديدا بناء على ما نسمعه، وأسقطنا هنا حرف (الجيم) من عداد الحروف الشديدة، نظرا لتجارب عليه، حتى تذوّق مخرجه بين الشدّة والرخاوة، أو مركب منهما. والرخاوة: «تضييق مجرى الهواء الخارج من الفم، وبدرجات

стр. 157

مختلفة ومن مواقع متباينة، فعندئذ يحدث احتكاك، ينجم عنه الصوت». وحروفه: ما سوى حروف الشّدة، عدا الجيم، لأن علماء الصوتيات حديثا- عدّوه مركبا من صفتين، فيبدأ (شديدا) وينتهي (رخوا)، فهو يتحلى بصفة بينية. الجهر، والهمس فالجهر: حدوث ذبذبة في الأوتار الصوتية على جانبي شفتي الحنجرة عند النطق بصوت من الأصوات. ويمكن التعرّف عليه بأحد طريقين: إما بلمس الحنجرة، فتحسّ بذبذبة. وإما بوضع الإصبعين في الأذنين، فيسمع دويّ. ولكي يتحقق القارئ من الجهر، عليه أن يلفظ بالحرف مسكّنا أو مشددا. مثل (أرّ. أمّ. أنّ ... ). وحروفه المتفق عليها عند علماء التجويد، وعلماء الصوتيات المحدثين.

стр. 158

هي: (ب. م. و/ ظ. ذ/ ض. د. ل. ن./ ز. ر./ ج/ ي/ غ/ ع) والحركات الصغيرة الثلاث، وحروف المدّ الثلاثة. وحروف اختلف فيها بين الفريقين السالفين. هي: (ط. ق. ء). فعلماء التجويد، قد صنفوها في عداد الحروف (المجهورة)، وعلماء الصوتيات المحدثين قد صنفوها في عداد (المهموسة)، وصوّب تصنيفهم هذا، وذلك بناء على نطق المهرة من القرّاء في عصرنا الحاضر. والهمس: «إخفاء الحرف، لضعفه، وجريان النفس معه عند النطق به، لضعف الاعتماد عليه». وحروفه ما تبقى من الحروف العربية. التفخيم والترقيق والتفخيم: أن ترتفع مؤخّرة اللسان عند النطق بصوت ما من الأصوات وبقدر درجة الارتفاع تزداد درجة التفخيم.

стр. 159

وحروفه: (ظ/ ض. ط/ ص/ غ. خ/ ق). وأشدّها تفخيما عند علماء التجويد الأربعة الأولى، وتدعى بحروف (الإطباق). والتفخيم يجري على الحركات القصيرة، فيؤثّر. فيها، فيكون شديدا مع الفتحة فالضمة، فالسكون، ويقلّ مع الكسرة. والترقيق: «انخفاض في مؤخّرة اللسان عند النطق بصوت ما من الأصوات (١)». ويسميه علماء التجويد ب (الاستفال). ويجري على بقية الحروف العربية عدا (ألف المدّ، واللام، والراء). فهذه الثلاثة ليست على وتيرة الترقيق فقط أو التفخيم. وإنما يعتريها تارة تفخيم، وأخرى ترقيق وفق قانون ضابط. ولغتنا يغلب عليها طابع الترقيق خلا تسعة أحرف، سبعة منها مجموعة ب (خص ضغط قظ). واثنان آخران، هما (اللام، والراء) فالسبعة: تلازم التفخيم تلازما تاما، وسبق الحديث عنها.

стр. 160

أما اللام، والراء، وألف المدّ: فقد خرجت عن قاعدة التفخيم والترقيق ولو كانت في الأصل تابعة لحروف الترقيق، فهي تفخّم أحيانا تفخيما عارضا، لأحد سببين: ١ - لفظي. ٢ - معنوي. فاللام ترقّق دائما إلّا لعارض، فتنزع لأجله ثوب الترقيق، وتلبس مكانه ثوب التفخيم، وحصرا يكون في لفظ الجلالة (الله). وفي حالتي سبقها بحركتي (الفتح والضمّ). مثل (قال الله- يقول الله). ولتفخيمها هنا سببان ماديّ ومعنويّ: فالمادي: مجاورة اللام لحرف تحلّى بحركة الفتح، وآخر بحركة الضمّ. والمعنوي: مراعاة صفة الجلالة والعظمة في اسم الله تعالى. والراء: مرققة، ولا تفخّم إلّا لسبب عارض من أربعة: ١ - إذا حرّكت بالضمّ والفتح. (ربكم. ردّوا). ٢ - إذا سكّنت، فعندئذ تضعف ويقوى حرف التفخيم المتقدّم عليها، فيغلبها (ترمي- يرسل). ٣ - إذا سكّنت بعد كسر، وبعدها حرف استعلاء في كلمة واحدة. (إرصادا. مرصادا. قرطاس) (١).

стр. 161

٤ - إذا وقع الراء ساكنا في أول الكلمة، وسبقه همزة وصل، فكسرها في هذه الحالة عارض، فلم يؤثّر في السكون. مثل (أم ارتابوا). وأما الألف المدية: فهي مرققة أيضا، ويعرض لها التفخيم أحيانا بالتغالب، كما إذا وقعت بعد حرف استعلاء، فيغلبها التفخيم فتفخم مثل: (الصابرين). وإذا ألقيت عليها: حركة الفتحة، فتفخم بعد حروف الاستعلاء مثل: (صدق). الصفات الآحادية وهي صفات تخص بعض الحروف دون الأخرى، وتلازمها وفق قانون مرسوم. وعددها أربعة: قلقلة. عنة. انحراف. تكرير. فالقلقلة: هي نطق الصوت بصفة الشدّة مع نبرة قوية، تنطلق من الهواء، وكأنّه فقاعة مائية، توحي بحركة خفيفة، ولا تتمّ إلا بتسكين الحرف، وتكون أشدّ ظهورا عند الوقف على الحرف، إذا كان مشدّدا.

стр. 162

وحروفها مجموعة في (قطب جد). قيمتها الصوتية: تحافظ على الهيئة الصحيحة لذات الصوت، وتبقي عليه خصائصه، ولا يلتبس بصوت آخر. مثال (قطمير. يبتغ. يدع. الأخدود) والغنة: صفة أنفية تلازم صوتي النون والميم المشددتين لأن الهواء يخرج من الأنف عند نطقها، لا من الفم. ومواطنها خمسة : ١ - عند النون الساكنة والتنوين بأحد حروف (ينمو). ٢ - عند انقلابهما ميما إذا وليهما مباشرة حرف (الباء). ٣ - عند اخفائهما بأحد حروف الإخفاء. ٤ - عند ادغام الميم الساكنة بمثلها. ٥ - عند إخفاء الميم الساكنة في حرف الباء إذا وليها مباشرة. مثل (ربّهم بهم). ومقدارها: حركتان بمقدار ثني الإصبع أو بسطها.

стр. 163

وحكمها: الوجوب. ومثالها (إنّ. الطامّة). والانحراف: أن ينحرف الهواء من داخل الفم عند النطق بالحرف إمّا إلى أحد جانبي اللسان أو إلى كليهما، ولا يخرج الهواء مستقيما كسائر الحروف. وحروفه (اللام. الراء). والتكرير: أن يطرق اللسان اللثة طرقتين أو ثلاثا، ويحسن أن لا يزيد على ذلك. وهي صفة سلبية. ولها حرف واحد. وهو الراء. ويلحق بالصوتيات هذه أحكام النون الساكنة والتنوين، وغيرها من أحكام إظهارية، وإدغامية، وغيرهما، ممّا يناط بالصوت، ولم نخطّها هنا لضيق المساحة من جهة ولبدهيتها عند المتعلمين من جهة أخرى، فهي تكاد أن تحفظ كما الاسم والنفس. وآن لنا أن نطوي- الآن- صفحة الصوتيات، لنفتح صفحة الصوائت- كما سماها المحدثون من علماء الأصوات، وهذه الصوائت، قد قعّد لها علماء التجويد باسم قواعد (المدود).

стр. 164

وكان تقعيدهم هذا غاية في الدقة والعبقرية، فكان ضابطا لا يفلت منه كلمة أو حرف. فإلى تلك القواعد، ووحداتها القياسية، وأصواتها. الصوائت ثمة حروف عربية، نضطر في إخراجها من الفم أن نمدّ الصوت فيها، لتكون سهلة، وجميلة، بل ومعبّرة أبلغ التعبير. وهي: (ا- وُ- يِ). وتسمّى حروف المدّ. مثال: (قال. يقول. قيل). ومد الصوت فيها يخضع- أثناء تلاوة القرآن- لقانون تنبثق عنه وحدات قياسية زمنية، يجب الالتزام بها حسب الحالة. وقديما- كان ضبط الوحدات بحركة الإصبع بسطا وقبضا، لكنّه اليوم يمكن ضبطها وفق الثواني، ولدى الاستقراء لقراءة القرّاء وجدنا تفاوتا في الضبط لا يمكن إحصاؤه. فما يشبه قارئ قارئا. لذا. يتوجب على المختصين بهذا الشأن أن يدّارسوا المسألة على ضوء الثواني، ثم يخرجوا بقرار يلزم الجميع.

стр. 165

الوحدات القياسية الزمنية ويمكننا أن نوجز الوحدات القياسية الزمنية لأنواع المد بطريقة التشجير، مع ذكر أنواع كل وحدة قياسية، وذكر سببها ليتضح من خلالها مدى عبقرية أسلافنا، وفرط ذكائهم. الوحدات القياسية مشجّرة الوحدة الأصلية: ومقدار المدّ فيها، حركتان مثل (هذا) والمدّ هنا (الألف) بعد (الهاء). ويسمى المدّ الأصلي. الوحدة الفرعية: ويختلف المدّ فيها وجوبا وجوازا حسب النوع. النوع الأول: وحدة مد الحركات الأربع أو الخمس سببها: الهمز. أنواعها : ١ - متصل (جاء). ٢ - منفصل (يا أيها).

стр. 166

٣ - صلة طويلة (ربه أحدا). ٤ - بدل (آدم). الثاني: وحدة مدّ الحركات الست أو الأربع أو الثنتين. سببها: السكون أو الوقف. أنواعها : ١ - لازم (الطامّة). ٢ - عارض للسكون (العالمين). ٣ - عوض (عدّا). ٤ - لين (خوف). الثالث: وحدة مد الحركتين. سببها: الإشباع. نوعها: صلة قصيرة. (به). وبهذا القدر نكون قد قدّمنا للقارئ أهمّ ما يناط بهذا العلم الواسع. حتى يرفد طرفا من الثقافة، إلى ثقافته العلمية.

стр. 167

علم التفسير والتفسير، كلمة أضيفت إلى علم، وهي إضافة محدثة، لم تكن من ذي قبل، لكنّ الضرورة الفنية صيّرتها علما. فما جذر هذه الكلمة وممّ اشتقت ؟ إنّ قواميس اللغة العربية أفادت أنّها اشتقت من الفسر. ومعناه: الإبانة والكشف، أو كشف المغطّى. وفي بعض المعاجم غايرت ما بين المشتق والمشتق منه. فقالت: الفسر: كشف المغطّى. والتفسير: كشف المراد من اللفظ المشكل. والخلاصة في هذا: أنّ مفردة التفسير استعملت في اللغة بمعنى الكشف الحسّي، ثم بمعنى الكشف عن المعاني الكلامية، وكثر في الأخير وشاع. وكان انتزاع كلمة التفسير، وإقحامها في (عنونة علم) يناط بكتاب الله تعالى، لخطوة جريئة، لكنّ القصد الحسن منها، يجعلها ضرورة خدمة للقرآن الكريم، وتبسيطا لمعانيه السامية، وإبرازا لمعجزاته الخالدة.

стр. 168

تعريفه فما المعنى الذي أضفي- بعد- على كلمة التفسير هذه؟. لقد اصطلح علماء التفسير في وضعها- كعلم- على أنها ترمز على «العلم الذي يفهم به كتاب الله المنزل على نبيه محمّد ﷺ ، وبيان معانيه، واستخراج أحكامه، وحكمه» (١). وهناك تعاريف أخرى، في النهاية تدور في فلك هدف واحد. وهو (علم يبحث عن مراد الله تعالى بقدر الطّاقة البشريّة). تأويل وتفسير لفظان، ما دام قد ذكرا على ألسنة المعنيين بهذا الشأن، وهما (تأويل، وتفسير) يتطلب منّا أن نتعرف على معنى كلّ منهما، والوقوف على الفارق بينهما. ونضطر في استجلاء معانيهما أن نردّهما إلى جذرهما، والمهمّة التي

стр. 169

وضعا من أجلها. فالتأويل لغة: مأخوذ من الرجوع. وهو من آل إليه أولا، ومآلا. بمعنى: رجع. وعنه: ارتدّ. وأوّل الكلام وتأوّله: تدبّره وقدّره، وفسّره. واصطلح علماء السلف على معنى له. فقيل: «هو تفسير الكلام، وبيان معناه، سواء أكان موافقا للظاهر أم مخالفا له». وعليه فالتأويل والتفسير مترادفان، لكنّ المتأخرين من الفقهاء والمتكلمين، والمحدثين قد صرفوا لفظ التأويل على: «أنه صرف اللفظ عن معناه الراجح، إلى المعنى المرجوح لدليل يقترن به». وعليه: فيكون اللفظان متباينين من جهة، دون جهة، فيكون التفسير أعمّ من التأويل. ومنهم من علق التفسير بالرواية، والتأويل بالدراية، وعليه فهما متباينان تباينا كاملا.

стр. 170

وتبقى المسألة اجتهاديّة الوضع، والاستعمال. ولنا أن نختار الرأي الأخير، فهو أدنى لصحة التعامل مع النص القرآني المقدّس، فنقول: «إنّ التفسير: ما كان راجعا إلى الرواية، والتأويل: ما كان راجعا إلى الدراية، لأنّ التفسير معناه (كشف وبيان) والكشف عن مراد الله تعالى، لا يكون إلّا بالنقل الصحيح عن رسول الله ﷺ ، أو عن بعض أصحابه الذين شهدوا نزول الوحي، وأحاطوا بالحوادث والوقائع علما كبيرا. فإن أشكل عليهم معنى له، رجعوا إلى رسول الله ﷺ فسألوه عنه، فأجابهم. أما التأويل: فيلحظ فيه ترجيح أحد محتملات اللفظ، وفق الدليل والبرهان، وإعمال العقل في تجلية المغطّى، واستخدام مدلولات اللفظ في العربية، ومراعاة السياق والسباق، وغير ذلك من لوازم المعرفة، ويعتمد في هذا كله على ملكة الاجتهاد. أهمية علم التفسير وعلم التفسير يعتبر أحقّ العلوم الإسلامية بالدراسة والتدبّر، وكشف المعاني، والأسرار، كي تزيد في إيمان العبد، وتوسّع له مداركه.

стр. 171

وقمين بالمؤمن أن يجري وراء استجلائها، ليفقه خطاب ربّه، وينهل من معين الحياة الطيبة، فهو- بحقّ- أب لسائر العلوم وسائرها دونه. لأنه المصدر التشريعي الأول، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه الحاوي لكلّ وسائل السعادة، الهادي إلى سواء السبيل، المحكم في قوانينه، وتشاريعه. قال الله تعالى: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١). ولم تكن الأهمية له متأخرة، بل وجدت مع أوّل تنزيلاته، فأعلن القرآن أنّ الضامن لحفظه منزّله سبحانه، وذلك حين بدأ التنزيل على رسول الله ﷺ بواسطة جبريل ﵇، طفق رسول الله ﷺ إلى أخذه، ومن ثمّ صار يسابقه في قراءته، حرصا أن يفلت بعض منه، فهبط جبريل ﵇ بأمر الله أن لا يعجل، فمن أنزله يحفظه، وييسّر أداءه. قال الله تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (٧) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (٢). ولم يقف الأمر ببيان معانيه عند رسول الله ﷺ وحده، وإنما تعدّاه

стр. 172

منذ البداية إلى صحابته ﵃، فهم قد كلّفوا بالتفكير لاستجلاء معانيه وأسراره. قال عز من قائل: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١). ثم تعدّاه أخيرا إلى دعوة الأمّة للتدبّر في آياته، والتفتيش عن كنوزه، حتى يوم الدين. قال الله تعالى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ. وجاء خطاب قرآني آخر بأسلوب التبكيت لمن أعرض، وأدبر، عن ذكره. فقال عز من قائل: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها. وتجاوب الصحابة مع النداء، فحرصوا على معرفة معانيه، والوقوف على أسراره، فرسموا لأنفسهم نهجا وئيدا، ينطوي على عبقريتهم وسداد رأيهم.

стр. 173

فقد روى ابن جرير الطبري بسنده عن ابن مسعود ﵁ قال: [كان الرجل منّا إذا تعلّم عشر آيات لم يجاوزهنّ حتى يعرف معانيهن والعمل بهنّ] (١). وروى أيضا عن عبد الرحمن السلمي قال: [حدثنا الذين يقرءوننا: أنّهم كانوا يستقرءون من النبي ﷺ ، فكانوا إذا تعلّموا عشر آيات، لم يخلفوها حتى يعلموا ما فيها من العمل. - فتعلّمنا القرآن، والعمل جميعا] (٢). مقوّمات المفسّر، ومؤهلاته والقرآن إذا فسّرت آياته بنصوص نبوية صحيحة، اقتصر عليها، واعتمدت بيانا وإيضاحا بهذا الباب. بيد أنّه إذا وجدت الآية غير مفسّرة من قبل رسول الله ﷺ جاز لنا أن نفسّرها عند الطلب، أو البيان بشروط اعتبارية، وهذه الشروط قد

стр. 174

وضعها العلماء كمؤهلات علمية للمفسّر، يحرم عليه أن يقول بكتاب الله شيئا حتى يكون ملمّا بها، ويكون التفسير عندئذ تحت عنوان (التفسير العقلي). وسمّي بذلك لأن المفسّر هنا يعمل عقله بالبيان، وليس له حظّ من وحي السماء، غير أنّه يلحظ- في تأويل له- أشباها ونظائر في آي القرآن، ليكون أقرب إلى الصواب. ولكي يكون مقبولا شرعا، عليه أن يتمتع بالمؤهلات الآتية:. ١ - أن يكون عالما باللغة العربية، حتى يشرح مفرداته وفق مدلولات اللغة، وحسب وضعها، فالقرآن ما نزل إلّا بالعربية. ٢ - أن يكون عالما بالنحو، فالمعنى التفسيري يختلف باختلاف الإعراب، فلا بدّ من التمتع به. ٣ - أن يكون عالما ب (الصرف) لأنه به تعرف الأبنية والصيغ. ٤ - أن يكون عالما ب (الاشتقاق) لأنّ الاسم إذا كان اشتقاقه من مادتين مختلفتين، اختلف المعنى باختلافها. ٥ - أن يكون عالما، بعلوم البلاغة الثلاثة: المعاني. البيان. البديع. فعلم المعاني: يعرف به خواص تراكيب الكلام من جهة إفادتها المعنى المراد.

стр. 175

وعلم البيان: يعرف به خواص التراكيب من جهة اختلافها في وضوح الدلالة وخفائها. وعلم البديع: يعرف به وجوه تحسين الكلام. ٨ - أن يكون عالما بالقراءات- فبمعرفتها يمكن ترجيح بعض الوجوه على بعضها الآخر. ٩ - أن يكون عالما بأصول الدين (العقيدة) فمن خلال هذا العلم يستطيع المفسّر أن يستدل على ما يجب في حقه سبحانه، وما يجوز، وما يستحيل، وأن ينظر في الآيات المتعلقة بالنبوات والمعاد. ١٠ - أن يكون عالما بأصول الفقه، فبه يعرف المفسّر كيف يستخرج الأحكام من الآيات، وكيف يستدل عليها، ويعرف المجمل والمفسّر وغير ذلك من فنون هذا العلم. ١١ - أن يكون عالما بأسباب النزول، لأنه يعين على فهم المراد من الآية. ١٢ - أن يكون عالما بفنّ القصص، لأنّ معرفة القصة تفصيلا تعين على توضيح ما أجمل منها في القرآن. ١٣ - أن يكون عالما بفن الناسخ والمنسوخ، فبه يعرف المحكم من غيره ومن جهله ربّما يحكم بحكم منسوخ، فيضلّ ويضل. ١٤ - أن يكون عالما بالحديث، لأنّه المبيّن لما أجمل في الآي والشارح لما أبهم فيها، وغير ذلك.

стр. 176

١٥ - أن يتمتع بعلم الموهبة. وهو علم يورّثه الله من عمل بما علم ويستدل عليه بقوله تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ (١). وبقوله ﷺ : [من عمل بما علم، ورّثه الله علم ما لم يعلم] (٢). هذا. وإن بعض العلماء قد زاد شرطا آخر: علم أحوال البشر. وبعضهم زاد أيضا: علمي التاريخ، وتقويم البلدان. والخلاصة: فإن زيادة الشروط تفرض بزيادة الحاجة إلى كشف ما هو مغطّى من معاني الآي القرآني، فالإعجاز العلمي مثلا صار علما بارزا يؤمّه العاقلون، ويعتمد عليه في تجلية المعاني المرادة، وكاد أن يتفرد في هذا المجال!! لذا. فإنّ الآية الكونية يجب في تجلية معناها الاستعانة بما جدّ من علم تجريبيّ.

стр. 177

تحذيرات للمفسّر وفوق ما تقدّم من شروط دقيقة في السماح لمن يتصدى لهذا العلم تحذيرات، عليه أن يجتنبها حتى لا يقع في الزلل، وينخرط في خطّ الفساد. وإليكموها مفصّلة: ١ - حذار أن يهجم المفسّر على تحديد بيان مراد الله من الآي القرآني، بالاعتماد على كلامه، مع الجهالة بقوانين اللغة، وأصول الشريعة الغرّاء. ٢ - حذار من الخوض فيما استأثر الله بعلمه، كالمتشابه منه، وأمور الغيب، لأنها سرّ من أسرار الله تعالى. ٣ - حذار من السير وفق الهوى، وما تستحسنه النفس في كشف المراد، فإن فعل كان جرأة على الله، وتجاوزا الحدود المفروضة عليه. ٤ - حذار من التأويل وفق مذهب فاسد يريد تقويته، وليّ النصوص وتسخيرها لدعم ذاك المذهب أو هذا. ٥ - حذار من القطع في التفسير. بأن يقول: (مراد الله كذا) دون أن يبرهن عليه بدليل، وهذا منهيّ عنه شرعا. قال الله تعالى وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (١).

стр. 178

المنهج المشروع في التفسير إن من يتصدى لتفسير كتاب الله، عليه أن ينهج منهجا يراعي فيه القواعد التالية، وحذار أن يخرج عنها: ١ - المطابقة بين التفسير والمفسّر، فلا يزيد إن كان الأمر لا يحتاج إلى زيادة إيضاح أو يزيد بما لا يليق بالغرض ولا يناسب المقام، وحذار من الزيغ عن المعنى، والعدول عن المراد. ٢ - مراعاة المعنى الحقيقي والمجازي، فالقرآن قد عبّر بهما، ولن يستقيم الأمر إلّا بمراعاتهما. ٣ - مراعاة التأليف بين المفردات، والمؤاخاة بينها، والوقوف على أغراضها. ٤ - مراعاة النسبة والتناسب بين الآيات، ليربط بين السابق واللاحق منها، حتى يقرّر أن القرآن ذو آيات متناسبة يأخذ بعضها بحجز البعض. ٥ - ملاحظة أسباب النزول حين بيان المراد، لأن الآية التي نزلت بسبب لا يمكن أن يعطى فيها بيان دقيق، وقريب من الصواب إلّا بمعرفة السبب. ٦ - التسلسل في تحليل المفردة القرآنية، فيبدأ بالإعراب، ثمّ بما يناط بها من المعاني، ثم البيان، ثم البديع، ثم تحديد المعنى المراد.

стр. 179

ثم استنباط الأحكام من تلك الآيات. ٧ - أن يتجنب ادعاء التكرار في القرآن ما أمكن، فكلام الله فصل، لا فضول ولا تقصير، ولا تكرار. ٨ - أن يتجنب رواية الإسرائيليات، والأحاديث الموضوعة، والأسباب والفضائل الواهية، حفاظا على قدسية القرآن الكريم. وما أكثرها في كتب التراث المطوّلة. المصادر التفسيرية ومن أراد أن يقتحم هذا الميدان، يجب أن ينبثق رأيه في كشف المعنى من الآي القرآني، من مصادر يعتمد عليها في هذا الشأن، ليكون مسدّد الخطا، وأدنى في قوله إلى الصواب. فما هي المصادر المعتمدة في هذا المجال ؟ إنّها خمسة مصادر، يمكن أن نرتبها حسب الآتي: ١ - القرآن ذاته، فعليه أن يرجع الآيات إلى بعضها، إن كانت تحمل ذات الموضوع، ثم يجري مقارنة ببعضها، فمنها ما هو مجمل، فيفسّره بما هو مفسّر بمكان آخر، ومنها ما هو موجز، لكنّه بسط في مكان آخر. وهلمّ جرّا، وهذا ما يسمى (تفسير القرآن بالقرآن). وبهذا النهج أخذ المفسّر ابن كثير، ومن نحا نحوه.

стр. 180

٢ - النقل الصحيح عن رسول الله ﷺ ، فإن وجد نصا صحيحا في تفسير آية، لا يحق له العدول عنه، وليحذر النص الضعيف والموضوع. ولسوف نلحظ هذا عند ابن كثير أيضا والألوسي، والشوكاني. ٣ - الأخذ بما صحّ عن الصحابة من تفسير، وليحذر غير الصحيح فإن وجد الصحيح عنهم لزمه، وطرح رأيه، لأنّهم أعلم بكتاب الله وأدرى بأسباب التنزيل. لكنّ هذا المصدر شائك، ولم يخدم حتى الآن، إذ نجد لأحد من الصحابة- كابن عباس مثلا- روايات عدّة في آية واحدة، بل وأحيانا متناقضة. فأيّها الصحيح؟. هذا ما ننشده. ولعلّ الله أن يوفّق المختصين بهذا الشأن أن يحرّروا لنا الصحيح من السقيم. ليطمئنّ المفسّر والقارئ والمستمع في أخذه تأويلا عن أحد من الصحابة. ٤ - الأخذ بمطلق اللغة، لأن القرآن نزل بلسان عربي مبين. ومن ثمّ قال الإمام مالك: «لا أوتى برجل غير عالم بلغة العرب، يفسّر كتاب الله إلّا جعلته نكالا».
следующие страницы →