مماثل لها متحرك فواو الجماعة أعقبتها (واو) العطف وفي المثال الثالث (ياء) مدية أعقبتها (ياء) غير مدية. فعلى القارئ هنا أيضا أن يتوخى الدقة فى إعطاء كل حرف حقه من الزمن اللازم للنطق به وألا ينقص من زمن المد شيئا.
ثانيا: مد الفرق:
وهو لون من «المد اللازم الكلمي» جاء «مثقلا» في كلمتين لا غير في القرآن الكريم هما (ءآلذكرين) ذكرت مرتين في الأنعام (١٤٣، ١٤٤). و (ءآلله) ذكرت مرة في يونس (٥٩) ومرة في النمل (٥٩). وجاء «مخففا» في كلمة واحدة هي (ءآلآن) ذكرت مرتين في سورة يونس (٥١، ٩١). ووجه تسميته «مد الفرق» أن المد فيه يمنع حدوث لبس بين الجملة الخبرية التي تقرر خبرا أو حقيقة، وبين الجملة الاستفهامية التي تسوق سؤالا ينتظر الإجابة، ويمكن السامع أن يفرق بينهما. ونضرب لذلك مثلا بكلمة (الآن) وردت في الأنفال (آية ٦٦) في قوله تعالى: (الآن خفف الله عنكم .. )، فهذا أسلوب خبري تقريري يقرر حقيقة، والمفروض أنها كلمة مبدوءة بهمزة وصل، فإن أردنا الابتداء بها مقطوعة عما قبلها حولنا همزة الوصل إلى همزة قطع محققة في النطق. فإذا أردنا أن نبتدئ جملة استفهامية بنفس الكلمة (الآن) أدخلنا عليها همزة قطع للاستفهام، حينئذ تتطابق الكلمتان حال الخبر والاستفهام، فلا يدري السامعء أنت تسأله أم تخبره. ولكي نفرق بين الحالتين، أتينا بالمد اللازم (بمقدار ٦ حركات) بعد الهمزة حال الاستفهام فقط، لكي يتحقق الفرق بينهما، وهو مع كلمة (ءالآن) يسمى مد الفرق المخفف لعدم وجود شدة بعد المد ومع (ءآلذّكرين) و (ءآلله) يسمى مد الفرق المشدد لوجود شدة بعد المد (فوق الذال) من الكلمة الأولى و (فوق اللام) من الكلمة الثانية.
ثالثا: مد التعظيم أو المبالغة:
وهو مد لا يتوقف على سبب لفظي كالهمز أو السكون ولكنه جاء لسبب
стр. 177
يختص بالمعنى وذلك حين تمد ألف (لا) في نحو (لا إله إلا الله) لتوكيد نفي الألوهية عن كل ما عدا الله ولتوكيد شدة المبالغة في ذلك النفي تعظيما لقدر الله . وهذا المد يكون عند من يقصر المد المنفصل وهو لا يجوز لحفص إلا من طريق (المصباح والروضة)، يقال له أيضا (مد المبالغة).
وذكر بن الجزري في النشر قول ابن مهران في كتاب المدات:
(إنما سمي مد المبالغة لأنه طلب للمبالغة في نفي الألوهية عما سوى الله .
رابعا: مد البدل الكبير:
صنف حفص ﵀ مد البدل تصنيفا واحدا ملحقا بالمد الطبيعى فقط، فليس لحفص (وكذا جميع القراء عدا ورش) في مد البدل إلا «القصر» حيث لا يمد عنده أكثر من «حركتين». ولما كنا فى كتابنا هذا ملتزمين برواية «حفص» كما ذكرنا فى المقدمة فقد صنفناه ملحقا بالمد الطبيعى وتوخينا من أجل ذلك أن يشترط فى تعريف مد البدل «ألا يلى حرف المد منه همز أو سكون». ولكن بعض كتب التجويد التى لا تلزم نفسها برواية بعينها تصنف مد البدل مدا فرعيا يمد بمقدار حركتين أو أربع أو ست لأن «ورشا» يجيز ذلك ومن هنا نجد فى كتبهم أنواعا مختلفة لمد البدل المسمّى ب (الكبير) منها:
١ - مد واجب بدل كبير: وهو أن تأتى بعد حرف المد المسبوق بهمز (أى مد البدل) همزة قطع نحو (برءاؤا) [الممتحنة: ٤]. (وهو عند حفص: مد واجب متصل).
٢ - مد جائز بدل كبير: وهو أن تنتهى كلمة بهمز ممدود ثم يعقبها همزة قطع تقع فى أول الكلمة التى تليها مباشرة نحو: (رءا أيديهم) [هود: ٧٠].
(وهو عند حفص: مد جائز منفصل).
٣ - مد البدل اللازم المخفف والمثقل: وهو أن يأتى بعد حرف المد المسبوق
стр. 178
بهمز حرف ساكن سكونا أصليا فى كلمة غير مدغم فى حرف آخر بعده (أى غير مشدد) وهذا هو المخفف نحو (ءآلآن) [يونس: ٥١، ٩١]. (وهو عند حفص مد لازم كلمى مخفف). أما المثقل فهو ما كان الحرف الساكن فيه مشددا نحو: (آمّين) [المائدة: ٢]، (ءآلذّكرين) [الأنعام: ١٤٣] (وهو عند حفص مد لازم كلمي مثقل).
مد البدل العارض للسكون: وهو أن يأتى بعد حرف المد المسبوق بهمز حرف سكن للوقف عليه فى كلمة نحو: (مئاب) [الرعد: ٢٩]، (ليئوس) [هود: ٩]، (متكئين) [الرحمن: ٥٤] (وهو عند حفص مد عارض للسكون).
فلما كانت تلك المدود التى ذكرناها لحفص فى الأمثلة السابقة أقوى رتبة من «مد البدل» كان ذلك مدعاة لإغفاله (أى إغفال مد البدل) وتقديمها عليه لضعف قوته عنها جميعا ويتبين لنا ذلك من خلال تعرفنا على مراتب المدود التى نعرض لتوضيحها الآن (علاوة على أن التنبيه الثانى من التنبيهات الواردة بآخر الباب تزيد هذا القول وضوحا فمن شاء فليرجع إليه).
(مراتب المدود)
كما أن للغنن مراتب، وللتفخيم والترقيق مراتب، وللقلقلة مراتب، فإن للمدود أيضا خمس مراتب. فالمدود تتفاوت فيما بينها قوة وضعفا تبعا لتفاوت أسبابها قوة وضعفا. وقد رتبها الشيخ السمنودي ﵀ ترتيبا تنازليا، الأقوى فالأضعف ... في البيت التالي:
أقوى المدود «لازم» «فما اتصل» ... «فعارض» «فذو انفصال» «فبدل»
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» فترتيبه لها هكذا:
١ - المد اللازم ٢ - المد المتصل ٣ - المد العارض للسكون ٤ - المد المنفصل ٥ - مد البدل
стр. 179
من هذا الترتيب نلاحظ ما يلى:
أولا: نلاحظ أن المد «اللازم» قد صنف فى أعلى مرتبة من حيث القوة لعدة أسباب هى:
١ - أصالة سببه، وهو «السكون» الثابت وصلا ووقفا.
٢ - اجتماع حرف المد والسكون معا في «كلمة» واحدة (في اللازم الكلمى المثقل والمخفف) أو في «حرف» واحد (فى اللازم الحرفي المثقل والمخفف).
٣ - لزوم مده حالة واحدة «بإجماع القراء» وهي (٦ حركات).
ثانيا: تمّ تصنيف المد «المتصل» في المرتبة الثانية للأسباب التالية:
١ - أصالة سببه وهو «الهمز».
٢ - اجتماع «المد» مع «الهمز» في كلمة واحدة.
٣ - وقد قل في مرتبته عن «اللازم» بسبب اختلاف القراء فى مقدار مده.
ثالثا: المد «العارض للسكون» (ويندرج معه مد «اللين») جاء في المرتبة الثالثة لما يلي:
١ - اجتماع سببه (حرف المد، أو اللين) مع السكون في «كلمة» واحدة.
٢ - ونقص في مرتبته عن المدود السابقة لأن السكون فيه «عارض»، وليس «أصليا»، ولأن مقدار مده مختلف فيه بين «المد»، و «التوسط» و «القصر» (٦ حركات، أو ٤، أو ٢).
رابعا: أما المد «المنفصل» فكان في المرتبة الرابعة بسبب:
١ - انفصال سببه عنه وهو «الهمز».
٢ - أنه مختلف في مقدار مده أيضا.
خامسا: أما مد «البدل» فكان في أدنى المراتب الخمس للأسباب التالية:
١ - أن جميع المدود السابقة يقع سببها بعدها، بينما سبب مد البدل وهو الهمز متقدم عليه.
стр. 180
٢ - حرف المد في المدود السابقة كلها أصلي ولكنه في مد البدل مبدل من الهمز «غالبا».
تنبيهات
١ - إذا اجتمع مدان أو أكثر من نوع واحد في آية واحدة- وقيل (في كل القراءة) - وكانت تلك المدود من نوع واحد كالمد المنفصل مثلا، أو المتصل، أو العارض وجب على القارئ التسوية بين مدود كل نوع منها، فلا يجوز له أن يمد أحدها أربعا مثلا ويمد نظيره من نفس النوع خمسا بحجة جواز الوجهين في هذا النوع من المد، بل عليه أن يلتزم بالمقدار الذى قرأ به أول مد من هذا النوع.
٢ - إذا اجتمع سببان من أسباب المد، أحدهما قوي، والآخر ضعيف أخذنا بالقوى، وأهملنا الضعيف. ومثال ذلك كلمة (الدعاء) اجتمع فيها سببان للمد، أحدهما سبب المد المتصل (وهو حرف المد الذي أعقبه همزة)، وفيها سبب المد العارض للسكون أعملنا المتصل وأهملنا العارض. ونضرب مثلا آخر لاجتماع سببين من أسباب المد
يتنازعان حرفا واحدا بقوله تعالى:
(وجاءوا أباهم) «فالهمزة الأولى» وهي همزة الفعل «جاء» وقعت بعدها واو مدية فأصبحت بذلك من قبيل مد البدل (حركتان)، «والهمزة الثانية» همزة القطع الواقعة أول كلمة (أباهم) وهي همزة وقعت بعد حرف المد «(الواو) التي سبقتها» وهذا يعتبر من المد الجائز المنفصل (٤ أو ٥ حركات) وبذلك تنازع الواو سببان للمد: أحدهما ما سبقها من همز، والآخر ما بعدها من همز. ولما كان المد «المنفصل» أقوى من مد «البدل» أخذنا بالأقوى وأهملنا الأضعف. ونجد مثالا آخر في نحو (ءامّين) حيث تنازع «الألف المدية الساكنة» سببان للمد أحدهما الهمز الذي تقدم عليها فصار مد بدل
стр. 181
(حركتان)، والآخر السكون الذي أعقبها فصار مدا لازما (٦ حركات) فنأخذ «باللازم» وهو الأقوى، ونهمل «البدل» وهو الأضعف.
٣ - إذا اجتمع مدان مختلفان وكان أحدهما أضعف من الآخر، فإن تقدم الضعيف جاز في القوى: «مساواة» الضعيف أو «الزيادة» عليه بقدر ما يحتمل القوى من مد، وإذا تقدم القوى جاز في الضعيف «مساواة» القوى إن كان يحتمل الزيادة أو «النقصان» عن القوى.
стр. 182
الوقف والابتداء
[مقدمة]
علم الوقف والابتداء هو علم بالقواعد التي يعرف بها محال الوقف ومحال الابتداء في القرآن الكريم ما يصح منها وما لا يصح ..
فائدته: صون النص القرآني من أن تنسب فيه كلمة إلى غير جملتها.
ويعد علم الوقف والابتداء من أهم العلوم التي يجدر بالقارئ أن يوليها شديد العناية والاهتمام. وقد اشترط كثير من أئمة الخلف علي المجيز ألا يجيز أحدا إلا بعد معرفة الوقف والابتداء حتى أن بعضهم جعل تعلم الوقف واجبا.
وقد ذكر ابن الجزري في النشر عن على بن أبي طالب كرم الله وجهه ورضي عنه أنه سئل عن معنى الترتيل في قوله تعالى: (ورتل القرآن ترتيلا) فقال: «هو تجويد الحروف، ومعرفة الوقوف» وهذا دليل على وجوب تعلمه ومعرفته وقد جاء في رواية أخرجها أبو جعفر النحاس (١) أن خطيبا خطب بين يدي الرسول ﷺ فقال: «من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما» ثم وقف على (يعصهما) فغضب رسول الله ﷺ وقال: «بئس خطيب القوم أنت قل: (ومن يعص الله ورسوله فقد غوى) وقد كان هذا الوقف القبيح سببا لكراهة النبي ﷺ له واستنكاره. إذ جمع الخطيب بوقفه هذا بين حال من أطاع ومن عصى، ولم يفصل بينهما فقد كان ينبغي له أن يقف على قوله (فقد رشد) ثم يستأنف ما بعد ذلك، أو يصل كلامه إلى آخره فيقول (ومن يعصهما فقد غوى). علاوة على جمعه الله تعالى ورسوله بقوله: (يعصهما) وكان الأحرى به أن يقول:
(ومن يعص الله ورسوله فقد غوى).
стр. 183
«فإذا كان مثل هذا الوقف مكروها مستبشعا في الكلام الجاري بين المخلوقين فهو في كلام الله تعالى أشد كراهة واستبشاعا وتجنبه أولى وأحق» (١).
ومن المعلوم أنه لا يجوز عند قراءة القرآن التنفس بين الكلمتين حال الوصل كما لا يجوز التنفس أثناء الكلمة وعلى ذلك فمن غير المتوقع استطاعة القارئ أن يقرأ السورة أو القصة من السورة في نفس واحد دون توقف بل من المتعيّن عليه أن يتخير متى وأين يقف، وكيف يبتدئ بعد أن يتنفس. ولن يعينه على ذلك إلا علمه بأحكام الوقف والابتداء. ومن هنا كانت معرفة الوقوف من أهم متطلبات التجويد في القراءة. قال الهذلى في كتابه (الكامل):
«الوقف حلية التلاوة، وزينة القارئ، وبلاغ التالي، وفهم المستمع وفخر العالم، وبه يعرف الفرق بين المعنيين المختلفين، والنقيضين المتنافيين، والحكمين المتغايرين. وقد ذهب بعض العلماء إلى حد أن قالوا: من لم يعرف الوقف لم يعرف القرآن. إذ لا يتأتى لأحد معرفة القرآن إلا بمعرفة الفواصل.
وقد وردت السنة بالوقف على رءوس الآيات. ففي حديث أم سلمة رضى الله عنها أنها سئلت عن قراءة النبي ﷺ فقالت كان يقطع قراءته يقول: (الحمد لله رب العالمين). ويقف، (الرحمن الرحيم) ويقف (أخرجه الترمذى).
وفى رواية عن أبى داود أنها قالت: كان يقطع قراءته آية، آية .. وقد صنف العلماء فى باب الوقف كتبا مدونة، وذكروا فيها أصولا مجملة، وفروعا من الآيات مفصلة، فمنها ما آثروه عن أئمة القراءات وفاق الأثر وخلافه، ومنها ما اقتدوا فيه بالأثر فقط كالوقف على رءوس الآى. وهو وقف النبي ﷺ .
وانفرد القاضى أبو يوسف (٢) برأي خاص في ذلك المقام إذ ذهب في رأيه إلى أن: تقدير الموقوف عليه في القرآن الكريم بالتام، والكافي، والحسن،
стр. 184
والقبيح- وتسميته بذلك- «بدعة»، ومسميه، ومتعمد الوقف عند نحوه «مبتدع». قال: لأن القرآن معجز، وهو كله كالقطعة الواحدة، وبعضه قرآن معجز، وكله تام حسن، وبعضه تام حسن.
وقد رد عليه المحققون بما يدحض قوله ومن هؤلاء ابن الجزرى في كتابه (التمهيد) إذ يقول: «ففي معرفة الوقف والابتداء الذي دوّنه العلماء تبيين معاني القرآن العظيم، وتعريف مقاصده، وإظهار فوائده، وبه يتهيأ الغوص على درره وفرائده. فإن كان هذا «بدعة» فنعمت البدعة هذه». ا. هـ
ملحوظة: بعض العلماء عرفوا «الوقف»، «والسكت»، و «القطع» بمعنى واحد، وبعضهم وضع لكل منها تعريفا خاصا. لذا وجب أن نوضح تعريف كل منها لغة واصطلاحا.
١ - الوقف:
الوقف لغة: الحبس والكف.
واصطلاحا: قطع الصوت بغرض التنفس على آخر الكلمة، وإسكان الحرف إن كان متحركا بنية استئناف القراءة بما يلي الحرف الموقوف عليه أو بما قبله، وليس بنية الإعراض عن القراءة. ولا يجب التعوذ بعده وإن طال زمنه.
ويكون فى رءوس الآي وأواسطها، ولا بدّ معه من التنفس ولا يأتي الوقوف في وسط الكلمة، ولا فيما اتصل رسما، فلا يوقف على أين في قوله تعالى:
«أينما تكونوا» - لاتصاله رسما (١).
٢ - السكت:
السكت لغة: المنع يقال سكت الرجل عن الكلام أى امتنع عنه.
واصطلاحا: قطع الصوت على آخر الكلمة من غير تنفس بنية القراءة ويقدر زمنه بحركتين عند بعض القراء. وعند حفص مقدار قليل لطيف.
стр. 185
٣ - القطع:
القطع لغة: الإبانة والإزالة. تقول قطعت الشجرة إذا أبنتها أو أزلتها.
واصطلاحا: عبارة عن قطع القراءة رأسا. فهو كالانتهاء، فالقارئ بالقطع كالمعرض عن القراءة، والمنتقل منها إلى حالة أخرى سوى القراءة. ولا يكون القطع إلا على رأس آية. فلا يصح القطع أثناء الآية. ذكر «ابن الجزري» في «النشر» أن عبد الله بن الهذيل قال «إذا افتتح أحدكم آية يقرؤها فلا يقطعها حتى يتمها. ا. هـ «فإذا قطع القارئ قراءته ثم بدا له أن يعود فيستأنف القراءة مرة أخرى فعليه أن يستعيذ بعد القطع للقراءة المستأنفة.
أولا: الوقف
أقسامه: باعتبار حال «الواقف»: أربعة أقسام:
١ - اضطراريّ ٢ - اختباري ٣ - انتظاريّ ٤ - اختياريّ
١ - الوقف الاضطراريّ: وهو ما يعرض للقارئ بسبب ضيق النفس أو العطاس أو السعال أو النسيان ونحو ذلك ولا إثم فيه على القارئ لأن سببه خارج عن إرادته. ويجوز له حينئذ أن يقف على أي كلمة وإن لم يتم المعنى، كأن يقف مثلا على شرط دون جوابه، أو على موصول دون صلته، لكن يجب الابتداء بالكلمة التي وقف عليها إن صلح الابتداء بها.
٢ - الوقف الاختباري: ويكون عند سؤال ممتحن، أو تعليم متعلم، فيطلب المعلم من تلميذه الوقف على كلمة لبيان المقطوع والموصول، والثابت والمحذوف، إلى غير ذلك بغرض تعليمه كيف يقف إذا اضطر إلى ذلك، وهو ليس محل وقف في العادة.
٣ - الوقف الانتظاري: ويكون لمن أراد أن يجمع عدة روايات من القراءات المتواترة فيقف على كل كلمة ليعطف عليها غيرها بوجوه القراءات المختلفة.
стр. 186
٤ - الوقف الاختياري: يكون الوقف اختياريا إذا قصده القارئ بمحض إرادته من غير عروض سبب خارجي. وهذا الوقف الاختياري هو محل دراستنا في هذا الموضع.
حكمه: جائز ما لم يوجد ما يوجبه أو يمنعه. وعلينا أن نعلم أنه ليس في القرآن وقف واجب شرعا بحيث لو تركه القارئ يأثم، كما أنه ليس هناك أيضا وقف حرام شرعا بحيث لو فعله القارئ يأثم إلا ما أفسد المعنى. فعلى القارئ حينئذ أن يتجنبه، فإن توخى الوقف عليه متعمدا أثم ولا شك، لما يترتب على ذلك من عدم إيضاح المعنى، أو إيهام غيره مما ليس مقصودا من كلام الله تعالى وقد أشار «ابن الجزري» إلى ذلك قائلا:
ليس في القرآن من وقف وجب ... ولا حرام غير ما له سبب
وعلى كل قارئ أن يعي معنى ما يقرؤه من الآيات لأن فهم المعنى يعينه على اختيار أماكن الوقف الصحيحة، ويزيد من قدرته على التمييز بين أنواعه، اللازم منها، والجائز، والممتنع، فحسن الوقف والابتداء من حسن التلاوة. فإن وجد القارئ أن الوصل يغير المعنى كما في (إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى ... ) فعليه أن يقف، فالوقف على (يسمعون) لازم، لأنه لو وصل اشترك الموتى مع الذين يسمعون في صفة الاستجابة ففسد المعنى بهذا الوصل القبيح، لأن كلمة الموتى مبتدأ، وخبره يأتي بعده (يبعثهم الله). وكما غير الوصل المعنى المراد في ذلك الموضع وأشباهه، قد يغير الوقف أيضا المعنى في بعض المواضع وقد يوهم معنى غير ما أراده الله تعالى كالوقف
على قوله إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي فعلى القارئ أن يصل فلا يقف لأن ذلك يعد وقفا قبيحا يتولد عنه معنى بشع.
стр. 187
أقسام الوقف الاختياري [تصوير] يجدر بنا أن نعلم أن معرفتنا لكل نوع من أنواع الوقوف وكذا الابتداء يتوقف على مدى تفهمنا وإدراكنا للعلاقة التي تربط بين ما قبل الوقف من كلام، وبين ما بعده، وتتلخص تلك العلاقة في مصطلحين سوف نتعامل معهما بالضرورة في هذا الفصل عند ما نتعرض لتعريف كل نوع من أنواع الوقوف والابتداء، هذان المصطلحان هما: (التعلق المعنوي) و (التعلق اللفظي) لذا كان لزاما علينا أن نتوقف قليلا كي نوضح معني كل من هذين المصطلحين:
١ - (التعلق المعنوي): أن يكون ما بعد الوقف من المعاني مستكمل لما قبله، كأن يكون الأمر يختص بقصة من قصص القرآن، أو موضوع معين لم يتم ولم يستكمل بعد، وما زال الكلام بعد الوقف يكمل ما قبله، حتى وإن كان ما قبل الوقف يفيد في ذاته معنى صحيحا مقصودا. ولو ضربنا لذلك مثلا بقصة من قصص الأنبياء لوجدنا أننا نأخذ من تتابع الآيات لبنات يضاف لاحقها إلى سابقها حتى يكتمل بناء القصة فتكون كل لبنة قد أفادت معنى في ذاتها، ولكنها ما زالت تفتقر لما بعدها، حتى تكتمل اللبنة الأخيرة من القصة. فإذا وقفنا عليها يكون الوقف تاما من جهة المعنى. حيث ينتقل الكلام بعدها إلى موضوع آخر ليس له تعلق مباشر بما قبلها، عندئذ ينتهي التعلق من جهة المعنى.
стр. 188
٢ - التعلق اللفظي: أن يكون ما بعد الوقف متعلقا بما قبله من جهة الإعراب يقول «ابن الجزري» في «التمهيد»:
«واعلم أنه يجب على القارئ أن يصل المنعوت بنعته، والفاعل بمفعوله، والمؤكد بمؤكده، والبدل بالمبدل منه، والمستثنى بالمستثنى منه، والمعطوف بالمعطوف عليه، والمضاف بالمضاف إليه، والمبتدآت بأخبارها (١)، والأحوال بأصحابها، والأجوبة بطالبها (٢)، والمميّزات بمميّزاتها (٣) وجميع المعمولات بعواملها ولا يفصل شيئا من هذه الجمل إلا في بعض أجزائها».
ملحوظة:
كل تعلق لفظي لا بدّ أن يتبعه حتما تعلق معنوي، وليس العكس صحيحا. فليس شرطا عند وجود التعلق المعنوي أن يتبعه تعلق لفظي. فقد يوجد أو لا يوجد.
أقسام الوقف الاختياري
أولا: الوقف التام
تمهيد: اختلف علماؤنا في أقسام الوقف وقد صنفوا في ذلك كما يقول ابن الجزري كتبا مدونة، وذكروا فيها أصولا مجملة واختار ابن الجزري منها أربعة أقسام: «تام مختار، وكاف جائز، وحسن مفهوم، وقبيح متروك» (٤) فالذين صنفوا الوقف أربعة أقسام فقط، ميزوا عند تعريفهم للوقف التام بين «التام اللازم»، وبين «التام المطلق». وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى. وآخرون جعلوا التام اللازم قسما مستقلا قائما بذاته وله تعريفه الخاص، فصارت أقسام الوقف عندهم خمسة أقسام: لازم، وتام، وكاف، وحسن، وقبيح. ولأن الوقف اللازم هو في الحقيقة وقف تام أيضا لذا فضلنا أن نضعه تحت ذات العنوان (الوقف التام) على أن نبين كل نوع على حده.
стр. 189
تعريف الوقف التام:
هو الوقف على كلام تام في ذاته غير متعلق بما بعده تعلقا معنويا أو لفظيا (أي لا من جهة المعنى ولا من جهة الإعراب)
حكمه: يوقف عليه ويبتدأ بما بعده.
ويكون في نهاية السور، وأواخر الآيات، وفي انقضاء القصص، كما يكون عند انقضاء الكلام عن موضوع بعينه والانتقال إلى غيره.
أنواعه: نوعان: أ- تام لازم (مقيد) ب- تام (مطلق).
أ- الوقف التام اللازم «المقيد»:
وحكمه: لزوم الوقف عليه، والابتداء بما بعده ما لم يوجد مانع من ذلك.
سبب لزومه: أنه لو وصل بما بعده لأوهم معنى غير المعنى المراد.
تسميته: يسميه البعض الوقف (اللازم) أو (الواجب) أو (التام المقيد) أو (وقف البيان).
علامته في المصحف: وضع ميم أفقية (م) أعلى الكلمة التي يلزم الوقف عليها.
أمثلته: قوله تعالى: وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ [الفتح: ٩] فالضمير فيها للنبي ﷺ . والضمير في «وتسبحوه» بعدها لله تعالى والوقف على توقروه يظهر هذا المعنى المراد (١).
٢ - إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ ..... فلو لم نقف على كلمة العقاب لأوهم ذلك أن شدة العقاب من الله للفقراء المهاجرين.
٣ - وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فلو لم نقف على كلمة (الظالمين) لأوهم أنهم هم الذين آمنوا وهاجروا.
стр. 190
ب- الوقف التام «المطلق»:
حكمه: يحسن الوقف عليه ويحسن الابتداء بما بعده ومعنى ذلك أنه يجوز وصله بما بعده طالما أن وصله لا يغير المعنى المراد.
علامته في المصحف: (قلى) مكانه: ذكر «ابن الجزري» في كتابه «التمهيد» أن هذا القسم من الوقف وهو التام يكثر وجوده في الفواصل (أى رءوس الآي)
كقوله تعالى: وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [البقرة: ٥] ثم الابتداء بقوله إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا [البقرة: ٦] كقوله تعالى: وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ [البقرة: ٤٦] ثم الابتداء بقوله يا بَنِي إِسْرائِيلَ [البقرة: ٤٧].
وقد يوجد الوقف التام قبل انقضاء الفاصلة- أى قبل رأس الآية أو في وسط الآية- كالوقف على «جاءني» من قوله تعالى: لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي قلى وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا، وقد يوجد بعد انقضاء الفاصلة بكلمة، كقوله تعالى: لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً* كَذلِكَ فآخر الفاصلة (سترا) والتمام (كذلك). وقوله تعالى: وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ* وَبِاللَّيْلِ [الصافات: ١٣] فآخر الفاصلة (مصبحين) والتمام (وبالليل) لأنه عطف على المعنى تقديره: مصبحين ومليّلين.
وقوله تعالى: وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ* وَزُخْرُفاً [الزخرف: ٣٤، ٣٥] فآخر الفاصلة (يتكئون) والتمام (وزخرفا)
من علامات الوقف التام: ١ - يكون على رءوس الآي: كالوقف على قوله وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [البقرة: ٥]
٢ - الفصل بين آية عذاب وآية رحمة كالوقوف على (الكافرين) في قوله
стр. 191
فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ* وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا ... [البقرة: ٢٥]
٣ - الابتداء بعده بالاستفهام نحو أَلَمْ تَرَ* أو أَلَمْ تَعْلَمْ [الحج: ٩].
٤ - الابتداء بعده بالنفي نحو لَيْسَ الْبِرَّ .... [البقرة: ٧].
٥ - الابتداء بعده بالنهي نحو لا يَغُرَّنَّكَ .... [آل عمران: ٩٥].
٦ - الابتداء بعده بيا النداء يا أَيُّهَا الَّذِينَ- يا بَنِي إِسْرائِيلَ-* يا بَنِي آدَمَ .... * الخ
٧ - نهاية قصة وبداية أخرى وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا* وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى
فائدة:
قد يكون الوقف «تاما» على قراءة، «حسنا» على غيرها كما يقول ابن الجزري ويمثل لذلك بقوله تعالى: إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ.
فيقول: هذا وقف «تام» على قراءة من رفع «الهاء» من لفظ الجلالة في قوله اللَّهِ الَّذِي [إبراهيم ١، ٢] ووقف «حسن» على قراءة من جر «الهاء» على أنه نعت.
وكذا مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وقف (تام) على قراءة من كسر الخاء في وَاتَّخِذُوا [البقرة: ١٢٥] ووقف «كاف» على قراءة نافع وابن عامر (واتخذوا) بفتح الخاء على أنه إخبار.
وقد يختلف الوقف الواحد في نوعه باختلاف تفسير المفسرين وتأويلهم لمعنى الآية. كقوله تعالى: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران: ٧] فهو وقف «تام» على تأويل من زعم أن ما بعده مستأنف وإلى هذا المعنى ذهب أكثر المفسرين فقالوا إن معنى وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ أي يسلمون ويصدقون به. وقال آخرون:- لا يوقف على قوله (إلا الله) لأن وَالرَّاسِخُونَ
стр. 192
فِي الْعِلْمِ معطوف عليه ١ فهو على قولهم غير تام.
جدول يوضح الفرق بين نوعي الوقف التام
[تصوير]
ما يلحق بالوقف التام
نلحق بالوقف التام بعض المواضع التي أثر عن رسول الله ﷺ الوقوف عليها من غير رءوس الآي. وقد اختلف محققوا علماء القراءات في تحديد ذلك (١) فمنهم من قال بأنها سبعة عشر موضعا كما نقل صاحب منار الهدي عن العلامة السخاوي. ومنهم من قال بأنها سبعة عشر موضعا كما نقل صاحب انشراح الصدور مع اختلاف في معظم المواضع مع صاحب منار الهدي. ومنهم من قال بأنها سبعة عشر موضعا علي اختلاف في معظم المواضع مع صاحب انشراح الصدور كما نقل صاحب
انشراح الصدور. كما نقل بعضهم غير ذلك (٢).
لكن تفاوتها يعد تفاوتا في الرواية وليس تفاوت التناقض والاضطراب فمن حفظ حجة على من لم يحفظ فكلها صحيحة ونقلتها عدول وقد ذكر كل منهم
стр. 193
ما انتهى إليه علمه بحسب التلقي والمشافهة عن شيوخه ولهذا فلا اختلاف.
ومن أمثلة ذلك ليس على سبيل الحصر:
١ - وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ* أَيْنَ ما تَكُونُوا ...
[البقرة: ١٤٨].
٢ - قُلْ صَدَقَ اللَّهُ* فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً ... [آل عمران: ٩٥].
٣ - فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً ... [المائدة: ٤٨].
٤ - قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ* عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [يوسف: ١٠٨].
٥ - سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ* إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ ...
[المائدة/ ١١٦].
٦ - كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ* لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى [الرعد: ١٧].
٧ - وَالْأَنْعامَ خَلَقَها* لَكُمْ فِيها دِفْءٌ [النحل: ٥].
٨ - أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً* لا يَسْتَوُونَ [السجدة: ١٨].
٩ - ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى فَحَشَرَ* فَنادى [النازعات: ٢٢].
١٠ - فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ* إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ [يس: ٧٦].
ولقد تتبعت المصاحف فوجدت معظمها يرمز له بالوقف الجائز (ج) إلا القليل منها أمثال وَالْأَنْعامَ خَلَقَها رمز لها ب (قلى) وفَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ رمز لها ب (م).
стр. 194
ثانيا: الوقف الكافي:
تعريفه: هو الوقف على كلام تام في ذاته يتعلق بما بعده من ناحية المعنى دون اللفظ.
حكمه: يحسن الوقف عليه والابتداء بما بعده كالوقف التام غير أن الوقف على التام يكون أكثر حسنا.
تسميته: سمي كافيا للاكتفاء به، واستغنائه عما بعده لعدم تعلقه به لفظا وهو أكثر الوقوف ورودا في القرآن الكريم (١).
علامته: وضع حرف (ج) يسار أعلى الكلمة الموقوف عليها وهى تعنى أن الوقف هنا جائز، أو (صلى) وهي تعني (الوصل أولى) فالوصل هنا هو المقدم وهو الأولى يليه الجائز.
أمثلة: ١ - قال تعالى: إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ [النمل: ٣٤].
فالوقف على «أذلة» كاف. والكلام قبل الوقف مفيد تام في ذاته وليس له تعلق بما بعده من ناحية الإعراب وكذلك الكلام بعد الوقف تام في ذاته ولكنه يمضي في سياق الموضوع الذي بدأ قبل الوقف. فالكلام الذي انتهى عند موضع الوقف هو كلام «بلقيس» وقد تم عند الوقف. والكلام بعد الوقف هو كلام من الله تعالى، ولكن الترابط المعنوي بين كل من العبارتين يأتي من أن كلام الله تعالى وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ تصديق لقول بلقيس في الملوك وهذا الترابط في سياق الموضوع يجعل الوقف على «أذلة» وقفا «كافيا».
٢ - ومثال آخر قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ [البقرة: ٤] فهذا كلام مفهوم والوقف عليه كاف، وما بعده كلام مستقل مستغن عما قبله من ناحية الإعراب، ولكنه يتصل به من ناحية المعني لأن سياق الموضوع ما زال مستمرا.
стр. 195
يقول ابن الجزري في التمهيد: والكافي يتفاضل في الكفاية كتفاضل التام، فمن المقاطع التي بعضها أكفى من بعض قوله تعالى: وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ
[البقرة: ٩٣] فالقطع على (بكفرهم) كاف، و (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) * أكفى منه. وكذا القطع على: (ربنا تقبل منا) كاف وإِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة: ١٢٧] أكفى منه.
وقد يكون الوقف كافيا على قراءة. ويكون موضع الوقف موصولا على قراءة أخرى كما في قوله تعالى: يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ فمن قرأ بفتح همزة (وأن الله) وصل ما قبلها بما بعدها ولم يقف.
ومن قرأ بكسرها على الاستئناف وقف على (وفضل) وبدأ بما بعدها وهو قوله تعالى (وإن الله).
وقد يكون الوقف كافيا تبعا لتأويل المعنى عند بعض المفسرين، ويكون غير كاف على تأويل آخرين كما في قوله تعالى: وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ* وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ ... [البقرة: ١٠٣].
فمن جعل (ما) من (وما أنزل) نافية وقف علي (السحر) وكان وقفا كافيا ومن جعلها (اسم موصول) بمعني (الذي) وصل ولم يقف. وكقوله: فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ فإذا اعتبرنا الهاء من كلمة (عليه) تعود على الصديق أبي بكر ﵁ وقفنا عليها وكان الوقف كافيا وهو قول سعيد بن جبير قال: لأن النبي ﷺ لم تزل السكينة معه (أي لم يصبه اضطراب ولا خوف) ومن جعل الهاء للنبي ﷺ لم يكن الوقف كافيا ووجب الوصل.
علاماته: يغلب أن يكون بعده:
١ - (السين) أو (سوف): كما في: وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ [هود: ٩٣]
стр. 196
وكما في .. وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف: ١٦١].
٢ - (بل): كما في أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ [ق: ١٥]
٣ - استفهام: كما في قوله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: ١٠٦]
أو قوله كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا* أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا [مريم: ٨٢، ٨٣]
٤ - مبتدأ: كما في قوله تعالى: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ* أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى [البقرة: ١٦].
٥ - مفعول به بفعل محذوف. أو خبر لمبتدإ محذوف هُدىً لِلْمُتَّقِينَ لله الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة: ٢] وذلك إذا اعتبرنا (الذين) مفعول به لفعل محذوف تقديره (أعني) أو اعتبرناها خبرا لمبتدإ محذوف تقديره (هم).
٦ - أن يكون بعده نفي: كقوله تعالى وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ [يس: ٦٩]
ثالثا: الوقف الحسن
تعريفه: هو الوقف علي كلام تام في ذاته إلا أن بينه وبين ما بعده تعلق معنوي ولفظي
مثال: قوله تعالى اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ ...... [البقرة: ٢٥٥].
فإذا وقفنا على قوله (إلا هو) فالكلام جملة مفيدة تفيد وحدانية الله ولكنه متعلق بما بعده لفظا ومعنى لأن (الْحَيُّ) * و (الْقَيُّومُ) * و (لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ) و (لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) * كلها صفات الموصوف بها هو الله سبحانه تعالى ولو وقفنا لفصلنا الصفات عن موصفها.
стр. 197
تسميته: سمي حسنا لأن الوقوف عليه يفيد معنى في ذاته.
علامته في المصاحف: (صلى) ومعناها (الوصل أولى).
حكمه: يحسن الوقف عليه. وفي الابتداء بما بعده خلاف بين العلماء وتفصيل كثير يستوجب أن نوضحه فيما يلي:
بداية يجب أن نعلم أن الوقف الحسن أثناء الآية لا خلاف فيه. فيحسن الوقف عليه، ولا يحسن الابتداء بما بعده اتفاقا. وعلى القارئ أن يعيد ثم يصل، أما الوقف علي رءوس الآي فموضع خلاف. وقد فرق العلماء بين حالتين:
الأولى: ألا يؤدي الوقف على رأس الآية إلي توهم معني غير المعني المقصود بالكلام.
والثانية: أن يؤدي الوقف على رأس الآية إلى توهم معنى غير المقصود بالكلام.
حكم الحالة الأولى: إذا كان الوقف لا يتوهم بسببه معني غير المقصود.
وذلك كالوقف على مصبحين من قوله تعالى: وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ من قوله تعالى وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ* وَبِاللَّيْلِ [الصافات: ١٣٧].
انقسم العلماء في حكمهم على مثل هذا النوع من الوقف إلى ثلاث طوائف:
الطائفة الأولى تقول: يوقف عليه ويبتدأ بما بعده لأن الوقف هنا سنة عن رسول الله ﷺ ١.
الطائفة الثانية تقول: يوقف عليه ولكن لا يبتدأ بما بعده إلا إذا كان يحسن الابتداء به لإفادته معنى أما إذا لم يفد معنى كقوله (وبالليل) فيستحب للقارئ أن يعيد ثم يصل، ومثل ذلك أيضا قوله تعالى لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ* فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ .. [البقرة ٢١٩، ٢٢٠] وقوله تعالى وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ* مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ [آل عمران ٣، ٤].
الطائفة الثالثة: لم تفرق في حكمها بين الوقف أثناء الآية، والوقف على رأسها، فجعلت لكليهما حكما واحدا هو أن الوقف الحسن يحسن الوقوف
стр. 198
عليه، ولا يبتدأ بما بعده مطلقا، لذا كتبوا (قف) و (لا) فوق الفواصل كما كتبوا فوق غير الفواصل وقالوا: إن الاستدلال بحديث أم سلمة على سنية وقف الفواصل لا دلالة فيه على ذلك، لأنه إنما قصد به إعلام الفواصل. قال البيهقي:
«وجهل قوم هذا المعنى وسموه وقف السنة إذ لا يسن إلا ما فعله (أي الرسول ﷺ تعبدا، ولكن هو وقف بيان» (١).
حكم الحالة الثانية: إذا كان الوقف على رأس الآية يؤدي إلى توهم معنى غير المراد. كالوقف على قوله تعالى فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ [الماعون: ٤] وهذا النوع من الوقف يمتنع فيه القطع أما الوقف ففيه خلاف أيضا بين العلماء فقد انقسموا حول هذا الوقف وأمثاله إلى ثلاث طوائف كذلك:
الطائفة الأولى: عدت هذا النوع من الوقف القبيح، ولا يجوز الوقف عليه إلا لمن اضطر.
الطائفة الثانية: تجيز الوقف عليه والابتداء بما بعده بشرط عدم القطع، لأن القطع في هذا المكان يوهم خلاف المعنى ويجعل الوعيد للمصلين، في حين أنه لو وصل القراءة مع الوقف فإنه حينئذ يظهر من المتوعد. والوقف سنة فلا بأس عندهم من الوقف مع وصل القراءة.
الطائفة الثالثة: تجيز الوقف ولا تجيز الابتداء بما بعده إلا إذا أعاد القارئ ثم وصل الوقف بما بعده.
ولما كان الوقف وثيق الصلة بالمعنى والإعراب، بل أنه مبني عليهما، لذا نجد أنه قد يحتمل الموضع الواحد أن يكون الوقف عليه تاما على معنى، وكافيا على غيره، وحسنا على غيرهما، ويضرب ابن الجزري لذلك مثالا (٢) بقوله تعالى هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة: ٢]، فيقول هُدىً لِلْمُتَّقِينَ يجوز أن يكون وقفا تاما إذا كان الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ مبتدأ
стр. 199
وخبره أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ*، ويجوز أن يكون كافيا إذا جعلت (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) على معنى (هم الذين) (١) أو منصوبا بتقدير (أعني الذين) (٢) ويجوز أن يكون حسنا إذا جعلت (الذين) نعتا ل (المتقين).
رابعا: الوقف القبيح
تعريفه: هو الوقف على كلام لا يؤدي معنى صحيحا لشدة تعلقه بما بعده لفظا ومعنى إلا أن الوقف عليه يعطي معنى ناقصا، أو خاطئا، أو فاسدا غير مقبول.
حكمه: لا يتعمد الوقف عليه، فإن وقف القارئ مضطرا أعاد، وربما رجع كلمة أو كلمتين حتى يبين المعنى المقصود.
تسميته: يسمى قبيحا لفساد أو قبح المعنى الذي ينتج عنه.
أنواعه: ثلاثة أنواع (٣):
النوع الأول: يختص بالتعلق اللفظي بما بعده، ومن ذلك الوقف على العامل دون معموله كالوقف على الفعل دون مفعوله، أو الموصوف دون صفته، أو المبتدأ دون خبره ... إلى آخر المتعلقات اللفظية. ومن أمثلة ذلك:
أمثلة: ١ - الوقف على اهْدِنَا من قوله تعالى اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ.
٢ - الوقف على إن وأخواتها دون اسمها أو دون خبرها، ومثلها كان وأخواتها مثل (إن) من (إن الله) أو (كان الناس) من (كانَ النَّاسُ أُمَّةً) أو على الموصول دون صلته نحو (الذي) من (الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ)، أو حرف الجر دون المجرور كالوقف على (من) في (مِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ).
النوع الثاني: يختص بالتعلق المعنوي، كالوقف على كلام يفيد معنى يخالف المعنى الذي قصده الشارع الحكيم، نظرا لأن ما بعد الوقف هو الذي
стр. 200
يتمم المعنى المقصود. كالوقف على كلمة (الصلاة) من قوله تعالى لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ فالوقف على (الصلاة) يوهم النهي عن أداء الصلاة مطلقا، والمقصود ليس كذلك، بل المقصود النهي عن اقتراب الصلاة مع السكر حتى يتبينوا ما يقولون وهذا المعنى لا يتم إلا إذا انضم ما بعد الوقف إلى ما قبله.
النوع الثالث: الوقف على كلام يوهم معنى لا يليق بالله تعالى نحو إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي ولِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ وفَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ أو وَما أَرْسَلْناكَ .. أو لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ... علامته في المصحف يرمز له ب (لا).
أمثلة للوقف القبيح وقد بين الشيخ- مكي نصر- (١) في شرحه لما يتعلق بالوقف القبيح أن كل كلمة تعلقت بما بعدها بأن يكون ما بعدها من تمامها (أي لا يتم المعنى إلا به) لا
يوقف عليه، وضرب لذلك أنواعا مختلفة من الوقف القبيح نوضحها ونفصلها فيما يلي:
١ - لا يجوز أن نقف على المضاف دون المضاف إليه نحو بِسْمِ* من بِسْمِ اللَّهِ* وذِكْرُ رَحْمَتِ من ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ الكهف.
٢ - ولا على الموصوف دون صفته نحو (اهْدِنَا الصِّراطَ) من (اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ).
٣ - ولا على الرافع دون المرفوع نحو (قال) من (فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا) * ونحو (هنالك دعا .. ) والابتداء (زكريا).
٤ - ولا الناصب دون المنصوب نحو: (اهدنا) من (اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) لأن الصراط مفعول به منصوب بالفعل (اهد).
стр. 201
٥ - ولا المعطوف دون المعطوف عليه نحو: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) (البقرة) فلا يجوز الوقف عليه حتى يقول (وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ) * لأنها معطوفة على ما سبق.
٦ - ولا على (إن) وأخواتها دون أسمائهن نحو (إنّ) من (إنّ الله). ولا على أسمائهن دون أخبارهن نحو (إن الله .. ) ويترك الخبر، ولا على (كان) وأخواتها دون أسمائهن، ولا على أسمائهن دون أخبارهن.
ولا على صاحب الحال دون الحال نفسها نحو ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما* فلا يقف حتى يقول (لاعبين).
٧ - ولا على المستثنى منه دون المستثنى نحو لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ*. فلا تقف حتى يقول (إلا أياما) ونحو (ثم توليتم) فلا يقف حتى يقول (إلا قليلا).
٨ - ولا على المفسّر دون التفسير نحو وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ .. فلا يقف حتى يقول (ليلة). ونحو وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ .. فلا يقف حتى يقول (سنين). ونحو إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ ... فلا يقف حتى يقول (نعجة).
١٠ - ولا على الموصول (الذي والتي والذين وما .. ) دون صلته نحو:
(والذين) من قوله (الذين يؤمنون) وعلى (من) من قوله وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى، وكالوقف على (ما) من قوله تعالى قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا.
١١ - ولا على الفعل دون مصدره نحو: الوقف على وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى فلا يقف حتى يقول تَكْلِيماً والوقف على وَسَلِّمُوا فلا يقف حتى يقول تَسْلِيماً.
١٢ - ولا على حروف الاستفهام وأسمائه دون ما استفهم بها عنه نحو الوقف على ما من قوله تعالى وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى ومن قوله وَما
стр. 202
رَبُّ الْعالَمِينَ، و (كيف) من قوله فَكَيْفَ إِذا جِئْنا و (أين) من فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ ولا على همزة الاستفهام من آللَّهُ* وآلذَّكَرَيْنِ*.
١٣ - ولا على أدوات الشرط دون المشروط نحو (من) من قوله تعالى مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً* ولا على الشرط دون الجزاء نحو وَما تَفْعَلُوا ... * من قوله وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ.
١٤ - ولا على الأمر دون جوابه نحو: فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ فلا يقف حتى يقول: يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ.
والسبب: أن هذه الوقوف المشار إليها كلها لا يتم بها كلام، ولا يفهم منها معنى، فلا يجوز الوقف عليها، ولا الابتداء بما بعدها.
ويعلق الإمام السيوطي- ﵀ على ذلك فيقول: «قولهم لا يجوز الوقف علي كذا، وكذا، إلى آخر ما تقدم إنما يريدون بذلك الجواز الأدائي وهو الذي يحسن في القراءة، ولا يريدون بذلك أنه حرام أو مكروه، إلا أن يقصد بذلك تحريف القرآن وخلاف المعنى الذي أراد الله تعالى فإنه يكفر والعياذ بالله تعالى، فضلا عن أن يأثم. ويجب ردعه بحبسه على ما تقتضيه الشريعة المطهرة.
وهناك أمثلة أخرى كثيرة لنوعين من الوقف القبيح أحدهما: الذي يوهم الوقف عليه وصفا لا يليق به تعالى. والثاني: الذي يفهم منه معنى غير ما أراده الله تعالى. ونكتفي منها بما أوردناه أثناء تناول هذين النوعين من الوقف القبيح.
وقف التعسف
تطلق تلك التسمية علي بعض الوقوف التي يتكلفها بعض القراء أثناء قراءتهم. فتراهم يتعمدون الوقوف علي غير المألوف من مواضع الوقف مستندين في ذلك إلي ما يتكلفه بعض المعربين (المشتغلين بإعراب الكلمات) حين يجنحون في إعرابهم وتأويلهم إلى ما هو جائز ولكنه متعسف قد يؤدي بالمعنى إلى الإغراق في الغرابة، والابتعاد عن مألوفه وقد ذكر صاحب الثغر الباسم «وقف التعسف» نقلا عن ابن الجزري في النشر فقال:
стр. 203
«ليس كل ما يتعسفه بعض المعربين، أو يتكلفه بعض القراء أو يتناوله بعض أهل الأهواء مما يقتضي وقفا أو ابتداء ينبغي أن لا يتعمد الوقف عليه، بل ينبغي تحري المعني الأتمّ، والوقف الأوجه».
وقد ضرب لذلك أمثلة عديدة نكتفي ببعضها:
١ - الوقف على (أم لم تنذر ... ) والابتداء (هم لا يؤمنون) (يس) على أن (هم لا يؤمنون) جملة من مبتدأ وخبر.
٢ - الوقف على قوله: وَارْحَمْنا أَنْتَ ... والابتداء مَوْلانا فَانْصُرْنا (البقرة) على معنى النداء (أي يا مولانا فانصرنا)
الوقف على: ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ ... والابتداء بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا ...
(أي نقسم بالله إن أردنا ... ).
٤ - الوقف على وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ والابتداء بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ ... على معنى القسم كالمثال السابق.
٥ - فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكانَ حَقًّا أي وكان انتقامنا حقا.
والابتداء عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ بمعني لازم أو واجب.
٦ - ومن ذلك أيضا قول بعضهم في عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا [الإنسان: ١٨] أن الوقف على «تسمى» أي عينا مسماة «معروفة» والابتداء «سلسبيلا» هكذا جملة أمرية (أى مبدوءة بفعل أمر) فعلها: «سل» بمعنى اسأل، و «سبيلا» أي طريقا موصلة إلى إليها.
يقول ابن الجزري تعليقا على هذا الوقف:
«وهذا مع ما فيه من التحريف يبطله إجماع المصاحف على أنه كلمة واحدة»
٧ - ومنه أيضا تعسف بعضهم إذا وقف على وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ ويبتدئ (اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ)، ويبقى الفعل «يشاء» بغير فاعل وتكون جملة الابتداء بعدها جملة اسمية مكونة من مبتدأ وخبر.
стр. 204
٨ - ومنه الوقف على: وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ ويبتدئ رَأَيْتَ نَعِيماً [الإنسان: ٢٠] يقول ابن الجزري وليس بشيء، لأن الجواب بعده، و «ثم» ظرف لا يتصرف فلا يقع «فاعلا» ولا «مفعولا» وغلط من أعربه مفعولا لرأيت أو جعله محذوفا والتقدير إذا رأيت الجنة رأيت فيها ما لا عين رأيت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
٩ - ومن الوقف على قوله كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ ثم الابتداء عِلْمَ الْيَقِينِ يقول ابن الجزري:
«فإن ذلك وما أشبهه تعنت وتعسف لا فائدة فيه، فينبغي تجنبه لأنه محض تقليد، وعلم العقل لا يعمل به إلا إذا وافق النقل. فعليك بمراعاة ما نص عليه أئمة هذا الشأن، فهو أولي من اتباع الأهواء والله الموفق للصواب».
قال العلماء: يدخل الواقف على هذه الوقوف المنهي عنها في عموم قوله ﷺ في حق من لم يعمل بالقرآن: (ربّ قارئ للقرآن والقرآن يلعنه. أ. هـ.).
وقف المراقبة
ويسمى أيضا وقف «المعانقة» أو «التعانق» وعلامته بالمصحف «» بحيث تكون كل ثلاث نقاط أعلى يسار الكلمة المراد الوقف عليها أو عدم الوقف عليها ويكون ذلك إذا تعانق وقفان في موضعين متقاربين أو متتاليين في آية واحدة فلا يصح للقارئ أن يقف على كل منهما، ولكن إذا وقف على أحدهما امتنع الوقف على الآخر لئلا يختل المعنى كمن أجاز الوقف في أوائل سورة البقرة على قوله تعالى «لا ريب» فإنه لا يجيز الوقف على قوله «فيه» والذي يجيز الوقف على «فيه» لا يجيزه على «لا ريب» لما يسببه اجتماع الوقفين من خلل في المعنى. وفي سورة البقرة أربعة مواضع لوقف المعانقة. وهو في عموم القرآن كله «خمسة وثلاثون» موضعا فمن أرادها مفصلة فعلية بكتب الوقف والابتداء كالأشموني والسجاوندي وأول من نبه على وقف المراقبة الإمام أبو الفضل الرازي.
стр. 205
ثانيا: (الابتداء) (أو البدء)
تعريفه: لغة: هو الشروع.
واصطلاحها: الشروع في القراءة بعد قطع أو وقف.
أنواعه: هو نوعان بدء اختياري، وبدء اختباري، وليس هناك بدء اضطراري.
وما نخصه ببحثنا هنا هو البدء الاختياري.
البدء الاختياري: نوعان جائز وغير جائز.
والبدء الجائز: هو أيضا نوعان: بدء حقيقي، وبدء إضافي.
البدء الحقيقي: هو ما كان بعد قطع للقراءة السابقة، والانتهاء منها، أو الانصراف عنها إلى أمور أخرى غير القراءة. فعند العودة للقراءة مرة أخرى يكون البدء حينئذ بدءا حقيقيا. لذا يستحب معه مراعاة أحكام الاستعاذة والبسملة.
البدء الإضافي: وهو ما كان بعد وقف على آخر كلمة قرآنية زمنا يسيرا، يتنفس فيه عادة، بنية استئناف القراءة لا بنية الإعراض عنها وهو أيضا ثلاثة أنواع:
١ - بدء تام:
تعريفه: هو الابتداء بكلام تام في نفسه، وليس له بما قبله تعلق لفظي، ولا معنوي وعلى ذلك فكل أول سورة من سور القرآن العظيم بدء تام وأول القصص القرآني
وكذلك أول كل مقطع لا تعلق بينه وبين ما سبقه لفظا ولا معنى.
أمثلته: أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ ... [النحل: ١]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ [البقرة: ٢٥٨]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ... [الأنفال: ٢٠].
٢ - بدء كاف:
تعريفه:
هو البدء بكلمة قرآنية بينها وبين ما قبلها تعلق معنوي فقط لا لفظي.
стр. 206
أمثلة: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ .... الآية وذلك بعد قوله سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* حيث أن جملة خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ ... تتعلق بحال الكفار الذين لا يؤمنون من ناحية المعنى ولكنها لا تتعلق بها من ناحية الإعراب.
٣ - بدء حسن:
تعريفه: هو البدء بكلام يتعلق بما قبله من حيث المعنى والإعراب معا، ولا يصح ذلك إلا على رءوس الآي فقط شرط أن يكون بدءا إضافيا بعد وقف. فلا يصح البدء به بدءا حقيقيا، أي بعد قطع رغم كونه رأس آية.
أمثلة: للبدء الحسن الذي سوغه كونه رأس آية:
١ - قوله تعالى: إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ ..... بعد قوله تعالى ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ [المؤمنون: ٤٥]
٢ - البدء بقوله تعالى: نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ ... بعد قوله تعالى:
أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ [المؤمنون: ٥٥، ٥٦].
٣ - البدء بقوله تعالى: الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ بعد قوله فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ
٤ - البدء بقوله تعالى: فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ... بعد قوله لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ. [البقرة: ٢١٩، ٢٢٠]
٥ - قوله تعالى: وَبِاللَّيْلِ. بعد قوله: وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ فإن لم يكن رأس آية فلا مسوغ للبدء بكلمة قرآنية متعلقة بما قبلها من حيث المعنى والإعراب فإن كانت الآية طويلة لا يسعها نفس القارئ فعليه أن يقف ثم يعيد ويصل ما قبل الوقف بما بعده حتى لا يبدأ بدءا قبيحا.
البدء القبيح وهو غير جائز:
تعريفه: هو البدء بكلمة قرآنية بينها وبين ما قبلها تعلق لفظي ومعنوي في
стр. 207
غير رءوس الآي- فيكون قبيحا وعلى القارئ أن يتجنبه وذلك نحو أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ من سورة المسد. كما يكون البدء أشد قبحا إذا ابتدأ بكلمة توهم معنى غير المراد:
مثال ذلك: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً من قوله وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً ويَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ من قوله تعالى وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ وإِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ من قوله تعالى لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ.
ثالثا: الوقف باعتبار كيفية الوقف
الوقف باعتبار الكيفية ينقسم إلى ثلاثة أقسام ١ - الإسكان ٢ - الإشمام ٣ - الروم قد يكون الوقف بالسكون المحض وإعدام الحركة كلية أو بالروم أو بالإشمام، وقد يوقف بالسكون المحض والروم، وقد يوقف بالثلاثة معا.
أولا: السكون المحض:
تعريفه: هو السكون الخالص من الحركة المسموعة أو المرئية.
مواضعه: ١ - الحرف الساكن سكونا أصليا (أي وصلا ووقفا) نحو لَمْ يَلِدْ* وَلَمْ يُولَدْ.
٢ - الحرف المتحرك حال الوصل حركة عارضة ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ (ما يفعل) كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ* (عليكم) يا صاحِبَيِ السِّجْنِ* (صاحبى).
٣ - تاء أو هاء التأنيث الموقوف عليها بالهاء رسما: وَشَجَرَةً تَخْرُجُ يوقف عليها هكذا (شجره)، وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ يوقف عليها هكذا (جنه).
٤ - المتحرك بالفتح حال الوصل نحو الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، والمنصوب اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ.
стр. 208
حكمه: الوقف بالسكون المحض
ثانيا: الروم
الروم لغة: الطلب والقصد
واصطلاحا: هو الإتيان ببعض الحركة (بقدر الثلث) بصوت خفي يسمعه القريب المصغي دون البعيد (لا يؤخذ إلا بالمشافهة)
مواضعه: في المرفوع والمضموم والمجرور والمكسور (على أن يكون ضما وكسرا أصليا) نحو إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ونحو وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ.
استثناء: يستثني من ذلك:
١ - إذا كان الحرف الأخير هاء مضمومة أو مكسورة أو تاء التأنيث المرسومة (تاء مربوطة) فإن الهاء يوقف عليها بالسكون المحض فقط والتاء المربوطة يوقف عليها بهاء ساكنة فقط (١).
والروم يكون في آخر الكلمة ولم يرد في وسطها إلا في كلمة (تأمنا) من سورة يوسف ومثلها ما مَكَّنِّي فِيهِ من الكهف والروم كالوصل (رومهم كما وصلهم).
والروم: الإتيان بثلث الحركة أما الاختلاس: فهو الإتيان بثلثي الحركة، كما يكون الاختلاس في المفتوح والمضموم والمكسور.
ثالثا: الإشمام
تعريفه: هو ضم الشفتين (بغير انطباق) بعيد تسكين الحرف كهيئتهما عند النطق بالواو وهو يري ولا يسمع. ولا يكون الإشمام إلا في المضموم، ولا يكون الإشمام إلا في آخر الكلمة فيما عدا كلمة (تأمنا) من سورة يوسف، ولا يكون الإشمام إلا كما يكون الوقف (أي كما يكون الوقف بالسكون المحض).
стр. 209
يقول الإمام الشاطبى فى تعريف الروم والإشمام:
ورومك إسماع المحرك واقفا ... بصوت خفىّ كل دان تنولا
والإشمام إطباق الشفاه بعيد ما ... يسكن لا صوت هناك فيصحلا
مقارنة بين الروم والإشمام
[تصوير]
فائدة الروم والإشمام:
فائدتهما إعلام السامع بحركة الحرف الموقوف عليه وعلى ذلك فإن كان القارئ منفردا فليس عليه روم ولا إشمام عدا كلمة (تأمنا).
الخلاصة: ١ - يجوز الوقف بالسكون المحض، والروم، والإشمام علي المضموم، والمرفوع عدا الهاء والتاء المربوطة.
٢ - يجوز الوقف بالسكون والروم على المكسور والمجرور والمضموم والمرفوع عدا الهاء والتاء المربوطة.
٣ - يجوز الوقف بالسكون فقط علي هاء التأنيث وعلي الكسرة التي جيء بها لالتقاء الساكنين وضمة ميم الجمع التي جاء بعدها ساكن، وعلي الساكن وصلا ووقفا، والمنصوب غير المنون.
(مواضع السكت)
سبق أن تعرضنا لتعريف السكت في مقدمة الكلام عن الوقف وبينا الفرق بين السكت والوقف والقطع. والسكت عند حفص يوجد في القرآن كله في ستة مواضع أربعة منها إجبارية واثنان اختياريان.
стр. 210
السكتات عند حفص
رواية عاصم بطريق الشاطبية مواضع السكت عند حفص أربعة حكمها الوجوب وهي:
١ - على ألف (عوجا) [الكهف: ١].
٢ - على ألف (مرقدنا) [يس: ٥٢].
٣ - على نون (من راق) [القيامة: ٢٧].
٤ - على لام (بل ران) [المطففين: ١٤].
ويجوز للقارئ في السكتتين الأوليين أن يختار بين السكت إن أراد الوصل وبين الوقف إن رأي أن يقف فكلاهما جائز ولا مانع من أحدهما وفي السكتتين الأخيرتين يمتنع الإدغام بين الحرف الذي قطع الصوت عليه والحرف الذي يليه ويلزم الإظهار.
موضعا السكت الاختياري عند حفص هما: ١ - الانتقال من آخر سورة [الأنفال] إلى أول سورة [التوبة].
٢ - في قوله تعالى ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ* هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ وذلك في حال وصل الآيتين من غير وقف على الأولى فالقارئ مخير بين إدغام المتماثلين (بين هاء «ماليه» وهاء
«هلك») وبين السكت على ماليه ووصلها بهلك.
كيفية الوقف على أواخر الكلمات
١ - الوقف على التنوين: إن كان الموقوف عليه منونا مرفوعا أو مجرورا نحو (رحيم) (حميد) فيحذف منه التنوين فإن كان منصوبا أبدل ألفا نحو (خيرا) فإن كانت الكلمة منونة وكتبت بتاء التأنيث المربوطة فيوقف عليها بالهاء
стр. 211
الساكنة ولا يجوز الوقف عليها إلا بالسكون نحو قوله تعالى: (تَصْلى ناراً حامِيَةً) (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ) (فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ) (١).
٢ - الوقف على المد المتصل المتطرف الهمزة: إذا وقف على نحو (شاء) جاز لحفص فيه ثلاث أوجه وهي المدود الثلاثة (القصر والتوسط والإشباع) بالسكون. ولذا جاز المد ستا من أجل السكون. وإذا وقف على نحو (في السماء) جاز فيه خمسة أوجه وهي المدود الثلاثة (القصر، أو التوسط أو الإشباع) بالسكون المحض .. والروم مع التوسط أو الإشباع فقط. وإذا وقف على نحو (يشاء) جاز فيه ثمانية أوجه وهي (المدود الثلاثة) مع السكون المحض ومثلها مع الإشمام، والتوسط والإشباع فقط مع الروم.
٣ - الوقف على صلة هاء الضمير الغائب المفرد: مثال للهاء المضمومة (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ).
حكمها: عند الوقف عليها تحذف واو الصلة الملفوظة غير المكتوبة.
مثال الهاء المضمومة: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ).
عند الوقف عليها تحذف واو الصلة الملفوظة غير المكتوبة.
مثال الهاء المكسورة (ما لهم به ى من علم) عند الوقف عليها تحذف ياء الصلة الملفوظة غير المكتوبة.
٤ - الوقف على ألفات (أنا) وأخواتها: وهذه الألفات هي:
- ألف (أنا) التي هي ضمير المتكلم، وذلك في عموم القرآن كله.
- ألف (لكنا) [الكهف: ٣٨].- ألف (الظنونا) [الأحزاب: ١٠].
- ألف (الرسولا) [الأحزاب: ٦٦].- ألف (السبيلا) [الأحزاب: ٦٧].
- ألف (قواريرا) الأولى [الدهر: ١٥].
стр. 212
حكمها: تثبت الألف الواقعة في الكلمات السابقة وقفا وتحذف وصلا.
٥ - الوقف على الألف المحذوفة وصلا ووقفا وإن ثبتت رسما وهذه وقعت في لفظين: أولهما: ألف (ثمودا). وذلك في «أربعة مواضع» (١) وثانيهما: ألف (قواريرا) الثانية [الدهر: ١٦].
حكمها: تسقط الألف وصلا ووقفا من اللفظين رغم ثبوتها رسما في كتابة المصحف.
٦ - الوقف على كلمة (سلاسلا) [الدهر: ٤]:
قرأها حفص بغير تنوين وصلا، ووقف عليها بالألف، ومن غير الألف، مع إسكان اللام من طريقي الشاطبية، وطيبة النشر.
٧ - الوقف على ما حذفت ياؤه الأخيرة رسما:
إذا وقف على مثل قوله تعالى (ويستحي) [القصص: ٤] وفي كل ما حذفت ياؤه الأخيرة من أجل التماثل والتشاكل نحو (يحي) فيوقف عليه بإثبات الياء الأخيرة المحذوفة رسما.
٨ - الوقف على المد العارض للسكون:
إذا كان ما قبل الحرف الأخير من الكلمة حرف مد أو حرف لين، وكان الحرف الأخير مفتوحا قبل الوقف عليه، فليس فيه إلا السكون المحض مع (الطول أو التوسط أو القصر). (رَبِّ الْعالَمِينَ) * (وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ) * وإذا كان مضموما ففيه سبعة أوجه (الطول أو التوسط أو القصر)، ومثلها مع الإشمام وسابعها الروم مع القصر نحو (نستعين) - (خير) وإن كان الحرف الأخير مكسورا ففيه أربعة أوجه (الطول- التوسط- القصر) مع السكون ورابعها القصر مع الروم نحو (الرحيم) (على قوم).
стр. 213
(الوقف على أواخر الكلمات بالحذف)
ويكون الحذف في ثلاثة حروف هي: (الألف) و (الواو) و (الياء) والمقصود بالحذف: إسقاط الحرف لفظا (أي عدم النطق به) رغم ثبوته خطأ بالمصحف.
أولا: حذف الألف
١ - تحذف الألف وفقا لحذفها رسما في ثلاث كلمات فقط وهي:
(أيه المؤمنون) [النور: ٣١]- (يا أيه الساحر) [الزخرف: ٤٩]- أَيُّهَ الثَّقَلانِ [الرحمن: ٣١].
(أيه) اتباعا لرسم المصحف وقد حذفت الألف منها على نية الوصل، لأنه صادف أن جاء بعدها همزة وصل. ونقف عليها بالسكون.
٢ - تحذف ألف (ما) الاستفهامية إذا دخل عليها حرف من حروف الجر نحو: عَمَّ يَتَساءَلُونَ [النبأ: ١]، فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها [النازعات:
٤٣]، فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ [النمل: ٣٥]، فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ [الطارق: ٥].
٣ - الألف المحذوفة خطا، ووقفا، ووصلا نحو: وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ [البقرة: ٢٤٧] ونحو وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ [لقمان: ١٧].
٤ - ألف (ثمودا) وقد سبق الإشارة إليها في مواضعها الأربعة.
٥ - (قوارير) في الموضع الثاني من قوله تعالى: قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ [الإنسان: ١٦].
حكمها: الوقف بالسكون على ما قبل الألف المحذوفة اتباعا لرسم المصحف.
ثانيا: حذف الواو:
وهي الواو المحذوفة من رسم المصحف لغير علة «كعلامة الجزم أو البناء أو نحو ذلك» وجاءت في خمسة مواضع كلها (أفعال) ما عدا كلمة واحدة فهي (اسم):
стр. 214
١ - قال تعالى: وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ [الإسراء: ١١].
٢ - قال تعالى: يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ [القمر: ٦].
٣ - وقال تعالى: وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ [الشورى: ٢٤].
٤ - قال تعالى: سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ [العلق: ١٨].
٥ - قال تعالى: فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ [التحريم: ٤].
ويوقف على الأفعال: (ويدع) (يمح) (سندع) بالسكون أما الكلمة الخامسة (صالح) فمختلف فيها. فبعض العلماء يرى أنها (مفرد) وعلى ذلك فلا دخل لها ببحثنا هذا. والبعض الآخر يرى أن أصلها (وصالحو المؤمنين) على أنها مضاف و (المؤمنين) مضاف إليه وحذفت النون من (صالحون) للإضافة ثم حذفت الواو أيضا من غير علة كما حذفت من الأفعال السابقة وعلى ذلك يوقف عليها بدون واو كما رسمت.
كما يضاف إلى ما سبق واو هاء الكناية للمفرد الغائب (مد الصلة) عند الوقف (سبق الكلام عنها).
ثالثا: حذف الياء:
رسمت بعض الكلمات بين يدي رسول الله ﷺ محذوفة الياء على نية الوصل ونقف عليها بحذف الياء اتباعا لرسم المصحف.
وقد نقل بعض القراء إلينا إثبات الياء المحذوفة عند الوقف بالعودة بها إلى الأصل. وهذه الياء محذوفة عند الجميع حال الوصل أما حال الوقف فإن حفصا يحذفها أيضا مراعاة لرسم المصحف والأمثلة على الياء المحذوفة كثيرة نورد هنا بعضا منها ونقيس عليها بقية ما جاء في المصحف الشريف من ياءات محذوفة.
الأمثلة على الياءات المحذوفة:
١ - ما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ [الروم: ٥٣].
стр. 215
٢ - إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ [يس: ٢٣]
٣ - مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ [الصافات: ١٦٣].
٤ - فَما تُغْنِ النُّذُرُ [القمر: ٥].
٥ - وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ [الرحمن: ٢٤].
٦ - الْجَوارِ الْكُنَّسِ [التكوير: ١٦].
٧ - وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ [المائدة: ٣].
٨ - فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ [المائدة: ٣].
٩ - نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ [يونس: ١٠٣].
١٠ - يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ [ق: ٤١].
١١ - لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا [الحج: ٥٤].
١٢ - بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ [طه: ١٢].
١٣ - حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ [النمل: ١٨].
١٤ - مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ [القصص: ٣٠].
حكم الوقف على قوله بَلى * ونِعْمَ* وكُلا*
أولا: (بلى)
وقعت (بلى) في القرآن في اثنين وعشرين موضعا في خمس عشرة سورة وهي على ثلاثة أقسام:
الأول: قسم يختار الوقف عليه الثاني: قسم يمتنع الوقف عليه الثالث: قسم اختلف فيه بين جواز الوقف وامتناعه.
القسم الأول:
وهو ما تقع فيه (بلى) جوابا لما قبلها وحكمها الوقف عليها وهو في عشرة مواضع ثلاثة منها بالبقرة: