← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 38107

معالم مكة التأريخية والأثرية

عاتق البلادي

Полный текст (291 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وعجز البيت الأول يروى: (بفخ وحولي أذخر وجليل) وهي معالم من مكة معروفة. وذكر في كتاب العصامي: إن مجنَّة هي الماء المعروف اليوم بالأطوى وقد تقدم. أما أنا فقد قررت أن بلدة بحرة الواقعة بين مكة وجُدّة في منتصف المسافة تقريباً، هي مجنة، السوق المشار إليها، أو أنه غير بعيد منها، وما استندت إليه هو ما يأتي: أ- كونها أسفل مرّ الظَّهران، ولا يعد أسفل مر الظهران حتى يتجاوز سَرْوَعة والرِّكَاني شمال حَدَّاء. ب- كونها من بلاد بني كنانة وحد بني كنانة من الشرق كان قريباً من الحُمَيمة على أكيال من سوعة شرقاً. جـ- الجبل الأصفر لا زال يعرف يشرف على بحرة من الغرب. د- قال لي شيخ من أهل الناحية: أنه أدرك أسفل وادي الشعبة الذي يصب بين بحرة والجبل الأصفر يسمى مجنة، ونلاحظ أن عرب اليوم يسمون المقبرة مجنة، وكذلك كان الشيخ يعتقد أن هذا المكان كان مجنة أي مقبرة فاندثرت. هـ- لم تعرف بحرة حتى القرن السادس الهجري ولم يذكرها ابن جبير في رحلته حين مر هنا، وقال إن المحطة كانت تسمى القُرَين، وهو مكان لا زال معروفاً. وفي عهود متأخرة حفر أحدهم بئراً فظهرت عزيرة فسموها بحرة لغزر مائها. و موقعها أصلح مكان هناك ليكون سوقاً، فأرضها عزاز والماء متوفر، وقريبة من ديار القبائل الآخرى، كهذيل وخزاعة. ز- ماؤها عذب يضرب بعذوبته المثل. أما كونها بعيدة عن شامة وطفيل فالشعر الذي أنشده بلال ﵁ لا يدل على أن تلك الأمكن متجاورة، خاصة إذا عرفنا أن فخّاً

стр. 212

وأذاخر وجَلِيلاً من مكة على هذه الرواية. ح- زد على كل ما تقدم أن بئراً ومكاناً يسمى المندسّة قرب بلدة (بحرة) وكلمة (المندسة) تعطي نفس معنى (مجنة). أما القول: إنها الجموم فهو قول مستبعد، وأول عناصر استبعاده: إن الجموم كانت لخزاعة، تشركهم فيها بنو عمرو من هذيل، وإن الجموم ليست بأسفل مر الظهران، وإن السوق ثابت إنه في ديار كنانة وفي ديار بني الدئل منهم خاصة، وكان لبني الدئل: سروعة وجبل ضاف المشرف على حداء من الشمال، وكان لهم ذهبان قرية شمال جُدّة. وكانت ديار كنانة عموماً تبدأ من وسط وادي الصفراء -يليل قديماً- فتمتد على الساحل وما يليه متجهة جنوباً حتى تقرب من صَبْيا وعتود القريب منها، ولا زالت لها بقية معروفة في حَلي، وبطون عديدة في جنوب مكة وقرب حلي. هل الأطوى هو مجنة؟ بعد كتابة هذا الفصل قمت بزيارة للإطوَى -كذا ينطقه أهله- فرأيت به آثاراً، ورسمت له مخططاً، وقد قلل -ما شاهدته- من حماستي لفكرتي الأُولى القائلة بأن مجنة هي بلدة بحرة المتقدمة، إلا أنّني لا زلت أجد في النفس أن موقع الإطوى بعيد عن مراكز القبائل ليكون سوقاً. أما الآثار فلا يستبعد أن تكون استحكامات أقامها بعض ولاة مكة أو أحد البارزين من الأشراف عندما يدب الخلاف بينهم، فقد جاء في تاريخهم أن بعضهم كان ينزل (العُدّ) للتجهّز أو الاحتماء من خصمه، وكان بعضهم ينزل (الجديدة) والزبارة، والركاني، وكلها أقل تحصيناً من الإطوى ذي الوقع الاستراتيجي الممتاز.

стр. 213

مَحْرض: بفتح الميم وسكون الحاء، كأنه مكان للحرض، ولفظ مَحْرض وحُرَاض وحُرُض تكثر في ديار هذيل: وهو وادٍ صغير يسيل من جنوب دفاق بينه وبن إدام ثم يدفع في ملكان من الجنوب بعد دفاق، ماراً بين لبنين الواقعين جنوب ملكان، وهما ما كان يعرف بألْبان، وقد تقدم ذكرهما وتكرر. ورأسه بين لبنين يسمى ضُهَاء. فيه مزارع عثرية، أعلاه للأشراف الحمودية وأسفله لخُزَاعة البر. قال عمر بن أبي ربيعة: (١) أفي رسم دارٍ دارسٍ أنت واقِفُ، ... . بقاعٍ تعفّيه الرياح العواصِفُ؟ بها جازت الشَّعْثاء فالخيمة التي ... قَفَا مَحْرضٍ كأنهن صحائِفُ مُحَسِّر: بضم الميم، وفتح الحاء المهملة، وتشديد السين المهملة أيضاً، وآخره راء: هو وادٍ صغير يأتي من الجهة الشرقية لثَبير الأعظم من طرف (ثَقَبَة) ويذهب إلى وادي عُرَنة -بالنونَ- فإذا مر بين مِنىً ومزدلفة كان الحد بينهما، فيتجه جنوباً، ويمر سيله عند عين الحُسَينية قبل أن يصب في عُرَنة وهو قبل ذلك يختلط بأودية المفاجر الثلاثة، فتصير وادياً واحداً، وقد عُمِر اليوم اجتماعها فصار حيّاً من أحياء مكة. ليست بمحسر زراعة ولا عمران، والمعروف منه للعامة ما يمر فيه الحاج بين مزدلفة ومنى، وله علامات هناك منصوبة، وكثير من الناس يركضون حتى يجتازوه، كما يركضون بين الصفا والمروة، إذا وصلوا بطن وادي إبراهيم. وروي عن رسول الله ﷺ ، أنه قال: عرفة -بالفاء- كلها

стр. 214

موقف، وارتفعوا عن بطن عرنة -بالنون- وجمع كلها موقف، وارتفعوا عن بطن مُحسِّر. ويسمى محُسِّر (وادي النار) ويسمى (المُهلّل) وكان رسول الله ﷺ ، يوضع فيه راحلته، أي يحثها على العدو. وكان عمر يفعل كذلك، ويقول: إليك تسعى قَلِقاً وضينُها ... مخالفاً دين النصارى دينُها معترضاً في بطنِها جنينُها ... قد ذهب الشحم الذي يزينُها وكان ابنه عبد الله يفعل ذلك إذا هبط بطن محسِّر. ولا زالت ترى هذه السنة من المشاة، أما السيارات فليس إلى إركاضها سبيل ذلك اليوم إنما تدب دبيباً لكثرة الزحام. وقال الفَضْل بن العبَّاس اللُّهيبي: (١) أقول لأصحابي بسفح محُسِّر ... ألم يأن منكم للرحيل هبوبُ فيتبعكم بادي الصبابة عاشقٌ ... له بعد نوم العاشقين نحيبُ قال: بسفح محسر. أي بسفح جبل محسر الذي يمر تحته. وقال عمر بن أبي ربيعة المُغَيري: (٢) ومقالها بالنعف نعف محسِّر ... لفتاتها: هل تعرفين المُعرِّضا؟ نعف محسر: يعرف اليوم بدقم الوَبُر. وهو مكان مشهور بين

стр. 215

المزدلفة ومنى. وقال عمر أيضاً: (١) بحيث التقى جمع وأقصى محسِّر ... معالمه كادت على العهد تخلق ذلك أن محسِّر يتصل بجمع، ويفيض ماؤهما معاً، إلى عُرنَة. المُحْسنية: وتعرف ببئر محُسِن: بئر على الطريق بين مكة وعسفان على بعد (٥٤) كيلا من مكة، حفرها الشريف محسن بن الحسن بن أبي نمي، والي مكة سنة ١٠٣٠ هـ وهي ولايته المستقلة، وكان شريكاً لعمه إدريس قبل ذلك ومحسن هذا كان خيراً محسناً فعلاً، اشتهر بأعمال الخير والصلاح، فحج الحاج في إحدى السنين في وقت قيظ وكانت تلك المفازة لا ماء فيها فمات من الحاج خلق كثير، وفزع محسن إلى هناك وطلب من الحفارين حفر بئر في مكان لا يعرف به ماء، ولما عارضه الحفارون وحاولوا إقناعه بعدم إمكان وجود الماء هناك أخذ المسحاة وضرب بها الأرض وقال: احفروا هنا فحفروا فظهر الماء. وكانت الحرة المشرفة على البئر من الشمال الشرقي تسمى (ضجنان)، وقد تقدمت فسميت (حرة المحسنية) نسبة إلى البئر. توفي الشريف محسن بصنعاء سنة ١٠٣٨ هـ. والمحسنية اليوم من ديار بِشرْ من بني عمرو بن حرب ويذكرها شاعرهم الشعبي محدداً ديار قومه ناسباً إياها إلى محبوبته، فيقول: سيدي مرابيهْ من حَوْز الرِّقاب ليام جِرفان ... من بئر محسنْ ليا الوطيه ليا برقا الغَمِيم وليا تشاملْ يردنّهْ على بيار عسفانْ ... وليا تيامنْ يردّهْ فجّ ابن عبد الكَريم

стр. 216

الرقاب وأم جرفان: موضعان من ديار بشر شمال غربي المحسنية. الوطية: ماء الرَّجيع، وهو شمال تلك البئر على قرابة (٢٠) كيلاً بعيداً عن الجادة. برقاء الغميم: كراع الغميم، وقد تقدمت. بيار عسفان: بلدة عسفان نفسها. فج ابن عبد الكريم، وشممى فج الكريمي نسبة إلى جد الأشراف ذوي عبد الكريم: هو ما كان يعرف بثنية المرار: وهي ثنية بل فج تراه من الحديبية. شمالاً عدلاً بين جبلين: شرقي ويعرف بجبل مُكسِّر -بتشديد السين- وغربي يعرف بجبل ضَاف. وفيهما يقول الشاعر الشعبي أيضاً: يا مكسِّر نصاك اليوم ترف القدمْ ... سارح بالغنمِ من يم ضلعان ضافْ هُو دخيلكْ من الرمضا وشوك السَلمْ ... والظمأ لا يجي راعِ الثمانْ الرِّهافْ ترف القدم: رقيق القدمين، من الترف. يم: جهة. راع الثمان: ذو الثنايا البيض الرقيقة التي ليس فيها نشاز ولا غلظ. ويقولون: الثمان، يقصدون بها الثنايا الأربع والرباعيات الأربع، ذلك أن الإنسان إذا ضحك افتر ثغره عنها. وثنية المرار: هي التي مر فيها رسول الله ﷺ في غزوة الحديبية، فبركت ناقته القصواء. فقال الناس: خلأت القصواء. فقال: ما خلأت وما هو لها بطبع، إنما حبسها حابس الفيل، والذي نفس محمد بيده لا تدعوني قريش اليوم إلى خلة

стр. 217

فيها صلة رحم إلا قبلتها. فكان صلح الحديبية، ثم تلاه الفتح الأكبر -فتح مكة-. المُحَصِّب: بضم الميم وفتح الحاء المهملة وتشديد الصاد المهملة أيضاً، مع الكسر ويروى بالفتح، ثم موحدة تحتية: اختلف المتقدمون في تحديده، فقال بعضهم هو من شعب عمرو -الملاوي اليوم- إلى شعب بني كنانة، قرب البياضية، وقال آخرون: هو خيف بني كنانة، وحده من الحجون إلى مِنىً. وقال غيرهم: هو موضع رمي الجمار، ذلك أن حصى الجمار يسمى الحصباء، واستدل بالشاهد الآتي "ترمي جمار المحصب" والذي أراه أن المحصب هو المكان الذي تنتظم فيه الجمرات الثلاث، فهو يخصص من منى بالمحصب، ومنى يشمل المحصب وخيف بني كنانة، حيث مسجد الخيف، من منى. ومن قال: إن خيف بني كنانة قرب الحجون فقد أخطأ. قال الحارث بن خالد المخزومي: (١) يا دار أقفر رسمها ... بين المحصب والحجون أقوت وغير آيها ... مر الحوادث والسنين وهذا يشهد أنه بعيد من الحجون، بحيث يكون بينهما حوز. وقال أحمر الرأس السلمي: عكوفاً وقوفاً بالمحصب من منى ... يديرون شمساً إن يحين ظلامها

стр. 218

فقال من منى. وهذا شاهد أيضاً يدحض من قال أنه من الأبطح عند الحجون. وقال عمر بن أبي ربيعة: (١) نظرت إليها بالمحصب من مِنىً، ... ولي نظر -لولا التحرُّم- عارمُ فقلت: أشمسٌ أمْ مصابيح بِيعةٍ ... بدت لك تحت السجف أم أنت حالمُ؟ مهفهفةٌ غرّاءٌ صِفْرٌ وشاحُها ... وفي المِرطِ منها أهْيَلٌ مزاكمُ بعيدةُ مَهْوَى القُرط إما لنوفل ... أبوها، وإما عبد شمسٍ، وهاشمُ وقال مروان بن أبي حفصة مولى بني أمية يمدح هارون الرشيد، وهذا من تشيب القصيدة: (٢) لعمرك ما أنسى غداة المُحصب ... إشارة سلمىَ بالبنان المخضّب وقد صدر الحجاج إلاّ أقلهم ... مصادر شتى موكباً بعد موكبِ المخيم: بفتح الميم، وكسر الخاء المعجمة بعدها مثناة تحت فياء فميم، وقد يروى (المُخَيِّم). قال أبو ذؤيب الهذلي: ثم انتهى عنهم بَصري وقد بلغوا ... بطنَ المخيم فقالوا الجوّ أو راحوا

стр. 219

وقال المعترض بن حَبْواء الظفري من بني سليم، وقد أوقع ببني واثلة بن معاوية من هذيل: فإمّا تقتلوا نَفَراً فإنا ... فجعلناكم بأصْحابِ القُدُوم تركنا الضُّبْع ساريةً إليكم ... تنوب اللحم في سرب المَخِيمِ مهامِهم بمزفارٍ صياحٌ ... يدعِّي بالشرابِ بني تمِيم وهذا يوم مذفار. والمعترض له غارات عديدة على هذيل، تقدم منها: يوم أنف. ويوم الجرف. وقيل ثنية القدوم من نعمان. ولم نعثر عليها اليوم. المراخ: جمع مَرْخَة: الشجرة المعروفة: شعاب تصب من داءة في نخلة اليمانية من الشمال قرب يسوم، تسمى كل واحدة منها، مَرْخَة، فيقولون: المرخة الشامية والمرخة اليمانية والمرخة الوسطى، كما قالوا: نخلة الشامية ونخلة اليمانية. قال مرة بن عبد الله اللَّحْياني الهذلي: (١) تركنا بالمراخ وذي سُحيم ... أبا حَيّان في نَفْر مُنافي وقد رويت بالحاء المهملة "المراح" وأورد الشاهد بالإهمال وهو وهم، إذ لا زالت المراخ تعلم. والمرختان، ويسمونهما المراخ أيضاً: شعبتان تصبان في إدام من أعلاه. وقال ياقوت: اسم موضع في

стр. 220

أخبار هذيل، خرج منها عمرو بن خويلد الهُذلي في نفر من قومه يريدون عَضَل وهم بالمرخة القصوى اليمانية حتى قدم أهلاً له من بني قُرَيم بن صاهلة وهم بالمرخة الشامية. قلت: وهاتان المرختان كانتا على الحدود بين هذيل وكنانة، وعضل كانت متفرقة في نواحي مكة، وهي اليوم بطن من بني شعبة من كنانة تنزل وادي مركوب، جنوب هذا الموضع بما يقرب من سبعين كيلاً. ذو مُرَاخ: بضم الميم وراء وآخره خاء معجمة: هيِ تلك الأرض التي تمتد من المُزْدلِفة إلى الجنوب إلى أن تتصل بعُرَنة -بالنون- وغرباً إلى الحُسيينية. وقد تصحف على بعض المتقدمين فرواه بالحاء المهملة في آخره. وخلط بعضهم بينه وبن المراخ -جمع مرخه- وقدمناه. وقال بعضهم: هو من بطن كساب، وليس هذا القول بشيء، لأن كساباً جبل، وبينه وبين ذي مراخ وادي عرنه -بالنون- بعد أن يجتمع بنعمان. وذكره عبد الله بن إبراهيم الجُمَحي في شعر هذيل يوم الأحث في قصة: (١) وجهنا الظعن إلى كساب وذي مُراخ، نحو الحرم فقال أبو قُلابة الهُذلي: يئست من الحذية أم عمرو ... غداة إذ انتحوني بالجناب يصاح بكاهِلٍ حولي وعمرو ... وهم كالضاريات من الكِلاَب

стр. 221

يسامون الصَّبُوحَ بذي مُراخٍ ... وأخرى القوم تحت خريق غابِ فيأساً من صَديقكِ ثم يأساً ... ضُحى يوم الأحث من الإياب والواقع أن الأحث يبعد جنوب ذي مرك قرابة أربعين كيلاً، وفي تلك الأيام لا تنتقل المعركة في يوم واحد من مكان إلى آخر بهذا البعد، وعند الأحث المراخ -جمع مرخة- ولكن الشاعر قال (ذو مراخ) وهو لفظ لا تتحمله المراخ الجمع، ولكن ربما استمر القتال أكثر من يوم، خاصة أنه قال: وجهنا الظعن إلى كساب وذي مراخ وهما من حدود الحرم. ويعرف ذو مراخ اليوم بالمرخيات، وهو كما حددناه آنفاً. وقال الفضل بن عباس اللهيبي (١): وإنك والحنين إلى سُلَيْمى ... حنين العَوْد في الشَّوْل النِّزاعِ تحنّ ويزدهيها الشوق حتى ... حنا جرهُنّ كالقصب اليرَاعِ ليالي، إذ تخالف من نحاها ... إذ الواشي بنا غير المُطاعِ تحلّ الميثَ من كَنَفَيْ مراخ ... إذا ارْتَبَعَتْ وتشرَبُ بالرِّقاعِ وقال كُثيِّر (٢): أقوى وأقفز من ماوية البرق ... فذو مُراخٍ فَقَفْرُ العَلْقِ فالحُرقُ

стр. 222

فأُكمُ النَّعفِ وحشٌ لا أنيس بها ... إلاّ القطا فتلاعُ النَّبْعَة العُمُقُ مَرْبْعَ: بفتح الميم وسكون الراء، وباء مفتوحة ثم عين مهملة: قالوا جبل قرب مكة. قال الأبح بن مرة الهُذَلي أخو أبي خِراش: لعَمْرك ساريَ بن أبي زُنَيْم ... لأنتَ بعرعَرَ الثأرُ الهنيم عليك بنو معاوية بن صخر ... وأنت بمَرْبَعٍ وهم بضِيم قال هنا: أنت بعرعر، وعرعر واد يصب في ضيم، وذكر ضيماً أيضاً وهو وادٍ يصب في ملكان، وكل هذه المواضع جنوب مكة الشرقي، فضِيمْ وعرعر ومربع، ماؤها في ملكان. وقال في معجم البلدان: ساري هذا وهو سارية الذي ناداه عمر من على المنبر "يا سارية الجبل" وقيل: إن سارية سمعه وهو بالشام، وللعلم الحديث في مثل هذه الأمور تعليلات وتأويلات لسنا بصددها. ومربع هذا: ريع بين ضيم وملكان، يجاور جبلاً يسمى الأشيب، وأهله دعد من هذيل. (كذا رواه لي نوار بن سنان الدعدي) وقال مرة ونحن نسير بين ضيم وملكان -ليلاً- هذا مَرْبع. وأشار إلى اليمين. والبيت السابق يروى هكذا: تركت لنا معاوية بن صخر ... وأنت بمَرْبَعٍ وهم بضيم المُرْتَمَى: بضم الميم وسكون الراء، وبالقصر:

стр. 223

قال أبو صخر الهذلي: عفا سرِف من جمُل فال مُرْ تَمَى قفرُ ... فشعب فأدبار الثنيات فالغَمْر فخَيف مِنىً أقوى خلاف قطينة، ... فمكة وحش من جميلة فالحجرُ تبدت بأجياد فقلت لصحبتي ... أألشمسُ أضحت بعد غيم أم البدرُ؟ الأماكن التي ذكرها الشاعر هنا كلها معروفة وكلها تقدمت، فسرف على "١٢" كيلاً شمال مكة لا زال معروفاً يسميه أهل مكة وادي النوارية. الثنيات: قرب عسفان، والغَمْر غمر ذي كندة معروف قرب نخلة الشامية. وخيف منى والحجر معروفان كذلك. ولكن الغريب من هذا الشاعر أن يقول: أقفرت كل هذه الأماكن من جميلة، ويقول تبدت بأجياد، وكان أجياد بعيداً جداً عن هذه المواضع. ولعله يقصد الذكرى في الماضي. مَرّ: بفتح الميم وتشديد الراء: المرات في الحجاز ثلاثة. مر الظهران، وهو قصدنا هنا، ومر آخر من روافد الأول يصب في مر الظهران بعد اجتماع النخلتين من الشمال، كثير المياه. ومر وادي رابغ وكان يسمى (مَرّ عُنَيب) بضم العين. مر الظهران: وادٍ قلما يوجد في أودية الحجازمثله خصوبةً ومياهاً وكثافة سكان. قال بعضهم: كان فيه ثلاثمائة عين جارية، وأدركت أنا فيه نيفاً وثلاثين عيناً، لم تبق منها إلاّ بضع عشرة عيناً -انظر المعجم- يأخذ مر الظهران أعلى مساقط مياهه من منحدرات السراء الشرقية حيث يقاسم وَجّ وعقيق الطائف الماء قرب المحرم، ويتكون من

стр. 224

رافدين عظيمين، هما: ١ - نخلة الشامية: وهي وادٍ طويل كثير التعرج وكثير الروافد، يبدأ من جبل الحَبَلَة، وهي التي تراها على يسارك وأنت تخرج من المحرم -محرم طريق كرا- صاعد النَّقْيَة الحَمْراء إلى هَدَأة الطائف، فتسمى نخلة -هناك- (وادي الغِديريْن) ثم وادي المحرم، ثم وادي قَرْن إلى بلدة السيل الكبير، ثم بعجاً، ثم حُراضاً، فإذا جاءتها من اليمين الزرقاء سمي الوادي، وادي المَضِيق أو وادي الليمون إلى أن تجتمع بنخلة اليمانية، فيسمى الوادي وادي الزَّبَارة. وسكان نخلة الشامية: في الغديرين قريش والمحرم، وطويرق من ثقيف، وعند السيل إلى حراض الثبتة من عتيبة، ثم هذيل ويمتلك جل عين المضيق الأشراف الحرث (١). ٢ - نخلة اليمانية: أعلى مسايلها عند بلدة السيل الكبير، وتأخذ غرباً باستقامة إلى أن تجتمع بالأولى حيث ذكرت، غير أن أحد روافدها يكاد يكون أطول وأغزر مياهاً من الوادي الأم، وهذا الرافد هو وادي تُضَاع، وهو يأخذ كل أودية هدأة الطائف، فإذا اجتمعت سمي وادي الأغْرَاف، ثم يسمى الشَّرْقة ثم تُضاعاً ثم الكفو. وسكانه: قريش وثقيف، وهذيل على التتالي، فإذا اجتمع الواديان سمي وادي الزبارة كما قدمنا ثم وادي الريان ثم وادي الطرفاء ثم وادي القشاشية، كلها

стр. 225

عيون فيه، فإذا شاهد الجَمُوم عند عين شمس سمي وادي فاطمة، ويسمى وادي الشريف أيضاً، فيتسع حتى يصير نهياً، وقراه كثيرة وسكانه خليط من الأشراف وهُذَيل وخُزَاعة وشيوخ وحَرْب، ثم يمر بحداء وبحرة حتى يصب في البحر جنوب جُدَّة. روافد مَرّ الظَّهْران: وتاريخه وما قيل فيه من أشعار، وأشهر قراه: أ- روافد مر الظهران: في ما تقدم ذكرنا أعظم رافدين من روافده، هما: نخلة الشامية ونخلة اليمانية. ونذكر هنا بعضاً من هذه الروافد، فمنها: وادي ضَرْعا: وادٍ لهذيل يصب في مر الظهران من الشمال، فيما يسمى بوادي الز بارة، وكان وادي الزبارة يعرف قديماً بالمسد، ووادي ضرعاء هذا وادٍ فحل لبني مسعود خاصة. وادي مر: وهو غير الوادي الأب: وادٍ كثير المياه تسيل غيولاً وبعولاً على وجه الأرض، يصب في مر الظهران من الشمال أيضاً فوق وادي عَلاّف، فيه عين لذوي عمير من هذيل، ومر هذا رأسه الضَّرِيبة ميقات أهل العراق، وكان المكان يسمى ذات عرق، والضريبة شعبة منه، ثم أطلق اسم الضرِيبة على الوادي. وادي عَلاّف: يأتي من الشمال أيضاً ويصب قريباً من عين الطرفاء والقشاشية بينهما وبين خيف الرواجحة. وادي نَبْع: يأخذ مياهه من قرب الجعرانة -العمرة المعروفة- ثم يدفع شمالاً في مر الظهران عند عين المبارك والريان، وهو لهذيل أيضاً. وادي سرف: يأخذ مياه الجعرانة، وما حولها ثم يدفع غرباً فيصب في مر الظهران من ضفته اليسرى عند دف زَيْني، وهو لبني لَحْيان من هذيل. وادي

стр. 226

يأجج: يسيل من جبال بَشْم وما حولها ثم يدفع غرباً يوازي سرف فيصب في مر الظهران من الضفة اليسرى أيضاً، عند دف خزاعة. وخزاعة: قبيلة لا زالت معروفة هناك، وهو لبني لحيان. وادي فَخّ: من أكبر روافد مر الظهران بعد النخلتين: يأخذ مياه حراء وثنية خلّ ثم يمر ببعض أحياء مكة فيدفع عند الحديبية، وهو وادي الشهداء ووادي بلدح ووادي فخ، أسماء لمسمى واحد. ووادي مر الظهران كثير العيون ولذلك يسمى عند كل عين كبيرة بها، وقد قدمنا ذلك. "تاريخ مر الظهران" تاريخ مر الظهران يملأ كتاباً لا بحثاً صغيراً كهذا، إلاّ أنَّ لكل شيء أساساً، والتاريخ يؤسس على أهم الوقائع، وأول ما شاهدنا من تاريخ مر الظهران قول قدمائنا: إن قبائل الأزد اليمانية عندما تهدم سد مأرب هاجرت إلى الشمال فكان منها: أزد غسان سارت على الساحل، وأزد شَنُوءَة سارت على السراة، وأزد عُمان سارت إلى عُمان، وعندما وصلت أزد غسان إلى مر الظهران تخلفت عنها خُزاعة. وشاهده من قول عون ابن أيّوب الأنصاري: فلما هبطنا بطنَ مرٍّ تخزَّعتْ ... خُزَاعة عنا في حلولٍ كراكر ثم قويت خزاعة فحالفت مضر واستولت على البيت ونفت جرهم، فلما قام قُصي بن كِلاب،

стр. 227

أقصى خزاعة إلى مر الظهران، وكانت تجاورهم من الغرب بني بكر بن عبد مناة الكنانية وتجاورهم من الشرق هذيل. أي أن الوادي كانت تسكنه ثلاث قبائل قبل الإسلام: هذيل في صدره وخزاعة في وسطه، وكنانة في أسفله. ثم غزا رسول الله ﷺ غزوة الحديبية في السنة السادسة للهجرة، وهي من مر الظهران. وبات ﷺ بمر الظهران قبل فتح مكة بليلة، وهناك جيء له بأبي سفيان. ثم جاءت دولة الإسلام فامتلك جل الوادي الأشراف بنو حسن حتى سمي وادي الشريف. فلما تسلموا السلطة في مكة كانوا كأية طبقة تحكم فتتصارع على السلطة، فكانت لهم وقائع بالزبارة والجديدة وبالركاني وغيرها، وكلها من مر الظهران. وفي عهد الدولة السعودية عينت بادىء ذي بدء أحد الأشراف ذوي حسي من ذوي بركات أميراً على الوادي، وكان مقره قرية الجَمُوم، ثم عينت منصوباً من قبلها هو الشيخ عبد الله بن سَلُّوم، فتطورت الجموم قاعدة مر الظهران حتى أصبحت بلدة متقدمة (١). ويستثنى من ذلك بلدة بحرة فهي تابعة لقائمقام العاصمة: الشريف شاكر بن هزل العبدلي. ب- ما قيل في مر الظهران من الشعر: هذا الوادي طويل كثير القرى والروافد والأعلام، لذا فإن ما يحصل من شواهد من أشعار أهل الديار أو المارين به فإنها كثيراً

стр. 228

ما تحدد معلماً خاصاً، دون أن تذكر اسم مر، إلاَّ أن هناك من ذكره، ومن ذلك قول عون المتقدم منه بيت وينسب لحسَّان: فلما هبطنا بطنَ مرٍّ تخَزَّعتْ ... خُزاعةُ عنا في حلول كراكر حمَتْ كل وادٍ من تهامة واحتمتْ ... بصُمّ القنا والمرهفاتِ البواترِ خُزاعتُنَا أهل اجتهادٍ وهجرةٍ ... وأنصارُنا جند النبي المهاجرِ وقال عمر بن أبي ربيعة: وقلت لأصحابي انفروا إن موعداً ... لكم مر فليرجع عليّ حكيم وقال الكُمَيتُ في نونيته المشهورة: ونحن الرافدون غداة مرّ ... خزيمة بالذي لا ينكرون تباشر إذ رآنا أهلُ مرٍّ ... فكذبنا منى المتباشرينا وقال عمر بن أبي ربيعة أيضاً: قل للمنازل بالظهران: قد حانا ... أن تنطقي فتبيني اليوم تبيانا قالت: ومن أنتَ قل لي؟ قلت ذو شَغَفٍ ... هاجت له من دواعي الشوق أحزانا

стр. 229

جـ- أشهر القرى: من أشهر المعمور في مر الظهران: بلدة بحرة، وهي بلدة متقدمة تغني شهرتها عن تعريفها، تقع في منتصف المسافة بين مكة وجُدّة، وكانت تعرف بذي مجَنَّة ثم عرفت بالقرين (١)، ثم سميت بحرة، وخبر ذلك في (معجم معالم الحجاز). بلدة الجموم: قاعدة الوادي كله، فيها الإمارة وبعض الدوائر الحكومية، تقع شمال مكة على ٢٥ كيلاً على طريق المدينة. بلدة حَدَّاء: بتشديد الدال: على الطريق من مكة إلى جدة على قرابة ٢٩ كيلاً، سكانها خليط من الأشراف وحرب والحضارم. دف خُزَاعة: بين حداء والجموم شمال غربي مكة، سكانه خزاعة، ويقال لهم: خزاعة الوادي. وهم بنو مَدَّة. دف زيني: بين دف خزاعة والجموم، سكانه ذوو زيني من الشيوخ، والشيوخ ينتسبون إلى الأنصار، وخلطاء معهم. وهناك قرى عديدة منها: أبو عروة والحميمة، وخيف الرواجحة -من الأشراف- والقشاشية، والطرفاء، والريان، للأشراف أيضاً، والزبارة لبني عمير من هذيل، وسُولة للزواهرة من هذيل، وأصلهم من حرب، والزيمة للقناوية، وهم هاشميون حسب قولهم ويشاركهم بطن صغير يقال لهم: الصَّوَافَا. والمضيق وكان يعرف بمضيق نخلة للأشراف الحرث، وأحياء من هذيل. وهناك عشرات القرى غيرها على أن كثيراً من عيونه انقطعت في

стр. 230

السبعينات من هذا القرن الرابع عشرالهجري ويزمع الآن سد الوادي في المكان المعروف بأبي حصاني، فإذا تم ذلك فستعود العيون فيعود وادي فاطمة أو وادي الشريف الأخضر النضر، (والله يحيي ويميت بيده الخير وهو عى كل شيءٍ قدير). المَرْوَةُ: بلفظ الحجر المعروف: هي بالمسجد الحرام إحدى مشاعر الحج والعمرة، يكون السعي بينها وبين الصفا سبعة أشواط يبدأ بالصفا وينتهي بالمروة، فالصفا رأس المسعى الجنوبي، والمروة رأس المسعى الشمالي قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ وكانت المَرْوَة -وهي أكمة صخرية بيضاء- متصلة بعمران مكة، وبعد التوسعة السعودية الأخيرة للمسجد الحرام عزل المسجد والمسعى عن بيوت السكن، وجعل الأسفلت يطيف بالمروة على شكل قوس سمي شارع المروة. وقد ذكر شعراء العرب المروة كعادتهم في التغني بالديار فقال جرير (١): فلا يقربَنّ الحروتين ولا الصفا ... ولا مسجدَ اللهِ الحرام المطهَّرا قال: المروتين، ليستقيم له الوزن وهي عادة غير منكرة. وقال جميل العُذْرِي (٢): وبين الصفا والمروتين ذكرتكم ... بمختلف ما بين ساع وموجفُ وعند طوافي قد ذكرتُكِ ذكرةً ... هي الموتُ بل كادتْ على الموت ضعفُ وقال كثيِّر عَزّة (٣):

стр. 231

طلعنَ علينا بين مروةَ والصَّفَا ... يمرْنَ على البطحاءِ مورَ السحائبِ فكدْنَ لَعَمر اللهِ يحدثْنَ فتنةً ... لمختشعٍ من خشية الله تائبِ وقال الشاعر المعاصر طاهر زمخشري، مع اختلاف الأسلوب: أمر بروحي على الرابية ... وبين المصافي وفي المروتين أمرغ خدِّي ببطحائه ... وألثمُ منه الثرى باليدين المُزْدَلِفَة: من الازدلاف: أحد مشاعر الحج، بين منى وعرفة، يفيض الحاج إليها ليلة عشر من ذي الحجة فيصلي فيها المغرب والعشاء، قصراً وجمعاً، وحدودها: من. الشمال ثَبِير النِّصعْ وثَبِير الأحدب ومفجر مُزْدلِفَة، ومن الجنوب جبل مُكسر ووادي ضَبّ، بعضه، ومن الغرب وادي محسر وعليه علامات تنص بنهاية مزدلفة، ومن الشرق المأزمان وريع المرار وقسم من ثَبير النِّصع. وتسمى المزدلفة جمعاً لاجتماع الناس بها، وفيها المشعر الحرام المذكور في القرآن، ومنها يسن للحاج أن يلتقط الجمار. وكانت قبائل الحُمْس من العرب وعلى رأسها قريش لا تقف بعرفة، بل تقف بجمع، فلما جاء الإسلام أبطل هذه العادة. ورأيت ما قيل فيها من شعر جاء في "جمع" ما عدا بيتين أوردهما ياقوت، فلم أر لهما مناسبة هنا. المُسْتَحِيرة: وهم يطلقون اسم حائر ومحير على ما يروض الماء فيه، أي بحير فيه، وردت في شعر مالك بن خالد الخُنَاعي: أشقّ جواز البيد والوعث معرضاً ... كأني مما أيبس الصيفُ حاطبُ

стр. 232

ْويممت قاع المستحيرة أنني ... بأن يتلاحوا آخر اليوم آرب وديار خناعة كانت شمال مكة وشمالها الشرقي، ولم أجد من يعرف المستحيرة، ولا أعتقد أنه كان موضعاً مهماً، إنما هو مكان مر به الشاعر. مسجد: المساجد التأريخية والأثرية كثيرة في مكة، منها ما هو معروف تأريخه وسبب بنائه، وبعضها يظهر أنه حدث في عصور متأخرة ولكنه بني على أساس روايات تأريخية، كمسجد أبي بكر ومسجد خالد ومسجد الجن وغيرها. ونحن نورد طائفة منها هنا حسب تسلسلها المعجمي، مع ذكر شيء موجز عنها، وذكر المصدر لمن أراد التعمق في معرفة ذلك. مسجد إبراهيم الخليل: جاء في أخبار مكة للأزرقي: إن أول من جمع بالحاج صلاة الظهر والعصر بعرفة هو إبراهيم، ﵇ في (مسجد إبراهيم) ثم راح بهم إلى الموقف من عرفة (١). وهذا المسجد يعرف بمسجد (نمِرَة) ونمرة جبل تراه غرب المسجد بينهما بطن عُرَنة، وهو معروف أيضاً في عهد الأزرقي، وبعضهم يسمي المسجد بالمكان فيقول (مسجد عرفة) والأزرقي سماه (مسجد إبراهيم خليل الرحمن) (٢). ثم يقول الأزرقي: ومسجد بعرفة عن يمين الموقف يقال له: مسجد إبراهيم، وليس بمسجد عرفة الذي يصلي فيه الإمام (٣). ومسجد على جبل أبي قبيس، يقال له مسجد إبراهيم، سمعت يوسف بن محمد بن إبراهيم يسألُ عنه، هل هو مسجد إبراهيم

стр. 233

خليل الرحمن؟ فرأيته ينكر ذلك، ويقول: إنما قيل هذا حديثاً من الدهر. ثم نسب المسجد إلى إبراهيم القُبَيسي نسبة إلى أبي قبيس (١). أقول: وهذا المسجد يسمى اليوم مسجد بلال، وليس هو بلال بن رباح. مسجد الإجابة= مسجد قنفد. مسجد أبي بكر: لم يذكره الأزرقي ضمن المساجد التي ذكرها، وهذا دليل على أنه لم يكن موجوداً، ثم ذكره ابن ظَهِيرة في الجامع اللطيف، فقال: مسجد بأسفل مكة ينسب لأبي بكر الصديق ﵁، يقال: أنه من داره التي هاجر منها إلى المدينة. ويعرف الآن بدار الهجرة، وهو بالقرب من بركة الماجن. (٢) أقول: وهذا المسجد لا زال مغموراً بمسفلة مكة بسفح ثَبِير الزنج من الشرق. مسجد البيعة: قال الأزرقي، ومسجد بأعلى مكة أيضاً يقال له: (مسجد الجن) وهو الذي يسميه أهل مكة (مسجد الحرس) وإنما سمي مسجد الحرس أن صاحب الحرس كان يطوف بمكة حتى إذا انتهى إليه وقف عنده ولم يجزه حتى يتوافى عنده عرفاؤه وحرسه، إلى أن يقول: وهو فيما يقال: موضع الخط الذي خطه رسول الله ﷺ لابن مسعود ليلة استمع إلى الجن، وهو يسمى (مسجد البيعة) يقال: إن الجن بايعوا رسول الله ﷺ ، في ذلك الموضع. (٣)

стр. 234

أقول: هذا المسجد لا يعرف اليوم إلا بمسجد الجن، وهو بعد ريع الحجون إلى المسجد الحرام غير بعيد، وقد عمر سنة ١٣٩٩ هـ عمارة بديعة ولبست جدرانه الخارجية بالحجر الممثل الجميل. ومسجد البيعة أيضاً: مسجد دوين العقبة، مبني بالحجر والجص بناية عثمانية، يظل دائماً مهجوراً، وربما صلِّي فيه أيام الحج، وهو المكان الذي بايع الأنصار فيه رسول الله ﷺ في منى ودعوه إلى المدينة. وذكره ابن ظَهِيرة في الجامع اللطيف. وأخبار البيعة مستفيضة في السيرة، مسجد التنعيم: التنعيم وادٍ يقع شمال مكة والمسجد الأثري هناك يسمى مسجد عائشة ﵂، ذلك أن رسول الله ﷺ ، أمر عبد الرحمن بن أبي بكر بعد النزول من حجة الوداع بأن يعمر أخته عائشة من ذلك الموضع، لأنها عندما قدمت مكة حاجة كانت حائضاً، فأعمرها بعد الحج، وهذا المسجد أقرب الحل إلى الحرم، وقد عمر حديثاً عمارة حسنة. وظل الناس يعتمرون منه، وفيهم كما روى الأزرقي - عبد الله بن الزبير، ﵁، ثم ابتنى محمد بن علي الشافعي مسجداً في ذلك الموضع، وذكر الأزرقي أيضاً أنه كان خراباً في عهده، ثم عمره أبو العباس عبد الله بن محمد بن داوود، وجعل على بيره قبة، وكان أمير مكة، ثم بنته (العجوز) وجودته وأحسنت بناءه (١). ولا زال هذا المسجد معروفاً. ويذكر ابن ظَهِيرة في الجامع اللطيف مسجداً آخر لعائشة ﵂، قال: هو بسفح ثبير، فوق مسجد الكبش، وهو غار لطيف عليه بناء دائر يسمى مَعتكف عائشة وبيت أم المؤمنين (٢).

стр. 235

وما سمعت بهذا المسجد اليوم، ولا شك أنه اتخذ تبركاً بمنزل عائشة ﵂، وهي أعمال كثرت في العهد العثماني. مسجد الجعرانة: روى الأزرقي أن رسول الله ﷺ ، اعتمر أربع عمر: عمرة الحديبية، وعمرة القضاء من قابل، والثالثة عمرة الجعرانة، والرابعة عمرة حجته. ثم ذكر أن رجلاً من قريش بنى مسجداً هناك (١)، غير أنه ذكر أن رسول الله ﷺ كان بالعدوة القصوى بينما المسجد اليوم وفي عهد الأزرقي في العدوة الدنيا، ولا زال معموراً يعتمر منه أهل مكة، وهو مبني بالأسمنت. ورجح ابن ظهيرة أن عمرته ﷺ ، من الجعرانة كانت ليلة الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة عام الفتح. (٢) مسجد الجن = مسجد البيعة ومسجد الحرس. المسجد الحرام: المسجد الحرام والكعبة المشرفة ليسا في حاجة إلى تعريف، فلا يكاد مسلم يبلغ أشده حتى يشد الرحال إليهما أو يظل يحن إليهما، ولم يعد اليوم بعد ظهور التلفزيون ونقله بواسطة الأقمار الصناعية من لم ير المسجد الحرام على الشاشة. أما عمارته والطواف بالكعبة فهو قديم موغل في القدم، وأول خبر ثابت أن إبراهيم ﵇ بنى البيت (الكعبة) بمساعدة ابنه إسماعيل، أما المسجد فكان عبارة عن صحن المطاف حول البيت، ثم بدىء بتوسعته، وأول من فعل ذلك عمر بن الخطاب، وأحاط عليه جداراً. ثم ظل يعمر ويوسع حتى صار اليوم مبنياً دائرة من طبقتين، وكذلك المسعى، وهي التوسعة السعودية التي اكتملت قبل سنتين فقط أي سنة ١٣٩٨ هـ.

стр. 236

وذكر ما مر به المسجد يحتاج إلى كتاب كامل، فانظره في أخبار مكة وبقية تأريخها. وقد ألحق بأخبار مكة ملحق يبين ذلك. مسجد الحرس= مسجد البيعة. مسجد خديجة "﵂ ". ذكره الأزرقي، وقال: كان منزل النبي الذي في زقاق العطارين، أي قبل الهجرة، ثم قال: يقال له (مسجد خديجة بنت خويلد)، يصعد إليه من المسعى بخمس درجات. (١) وقد دخل اليوم في التوسعة، غير أن ازرقي نص في مكان آخر على أنها ما يعرف اليوم ببيت فاطمة، في زقاق الصوغ بالقشاشية، وشايعه ابن ظهيرة في ذلك (٢) وأراه الصواب، لأن هذه الآثار تتوارث على مر السنين. وبيت فاطمة أو مولد فاطمة هو اليوم مدرسة للبنات بحي القشاشية، عمرها السيد عباس قطان سنة ١٣٦٩ هـ من ماله الخاص، ثم أوقفها. مسجد الخَيْف: هو مسجد منى، له تأريخ طويل وفضله مشهور، يقع بسفح جبل الصابح من داخل منى، تصلى فيه صلاة عيد الأضحى، وقد جدد في العهد السعودي، وقد أفاض في ذكره الأزرقي وأورد ما قيل في فضله، ثم قال: ويسمى مسجد العيشومة، والعيشومة شجرة كانت نابتة هناك. (٣). ونقل كثيراً من أقواله ابن ظَهِيرة في الجامع اللطيف. وقد أصبح اليوم جامعاً واسع الأرجاء كثير الأعمدة مفروشاً بالبسط الفاخرة، وله إمام خطيب ثابت. مسجد دار الأرقم: منسوب إلى الأرقم بن أبي الأرقم صاحب رسول الله، وداره

стр. 237

التي كان يجتمع فيها المسلمون الأوائل قبل الهجرة، وقد هدمت في التوسعة السعودية، ومكانها اليوم في ساحة لوقوف السيارات، شرق المسعى، ورأيت عليها علامة لا يعرفها أكثر الناس. قال الأزرقي: ومسجد في دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي عند الصفا يقال لها: دار الخيزران، كان بيتاً وكان رسول الله ﷺ مختبئاً فيه، وفيه أسلم عمر بن الخطاب. (١) وذكر دار الأرقم مستفيض معروف، في السيرة والطبقات وكتب الأدب. مسجد ذي طوى: قال الأزرقي: ومسجد بذي طوى بين ثنية المدنيين المشرفة على مقبرة مكة، وبين الثنية التي تهبط على الحصحاص، بنته (زبيدة) بأزج. (٢) قلت: هذا المسجد غير معروف اليوم. مسجد الراية: لا زال معروفاً بالمعلاة، مقابل مصب شعب عامر، معموراً بالمصلين. وقال الأزرقي: ومسجد بأعلى مكة عند الردم عند بير جبير بن مطعم يقال: إن النبي ﷺ صلى فيه، وقد بناه عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن محمد بن عبد الله بن عباس. (٣) وعلق محقق أخبار مكة على هذا قائلاً: ويسمى مسجد الراية، لأن النبي ﷺ ، ركز الراية في هذا الموضع يوم الفتح. (٢) ويقول ابن ظَهِيرة: مسجد بأعلى مكة عند الردم وهو المدعى عرفة الطبري بمسجد الراية ويعرف بذلك إلى وقتنا (٤) هذا وبجانبه

стр. 238

الآن منارة تعرف بمنارة أبي شامة، يقال إن النبي ﷺ ، صلى فيه. (١) مسجد السرر: ذكر الأزرقي بأنه بآخر منى مما يلي محسر، ويسميه أهل مكة مسجد عبد الصمد، لأنه هو الذي بناه. وهو عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس ﵁، ولد سنة ١٠٤ وتوفي سنة ١٨٥ هـ تولى ولايات عديدة في العهد العباسي الأول (٢). قلت: ولم أسمع اليوم لهذا المسجد ذكراً، وما رأيت مسجداً حيث حدد مسجد السرر. مسجد سوق الغَنَم: قال الأزرقي: ومسجد بأعلى مكة عند سوق الغنم عند قرن مسقلة، ويزعمون أن عنده بايع النبي ﷺ الناس بمكة يوم الفتح (٣). المؤلف: سوق الغنم يتغير باستمرار، ولكنه في وقت الأزرقي كان بشارع الجودرية في نهاية الغزة من أعلاها، ومسجد الغنم معروف اليوم عند كبار السن من أهل مكة. مسجد سلسبيل: ذكره الأزرقي بنص قد يكون فيه تحريف، فقال: الحجون الجبل المشرف على مسجد الحرس (مسجد الجن) بأعلى مكة على يمينك وأنت مصعد، وهو أيضاً مشرف على شعب الجزارين في أصله دار ابن أبي ذر إلى موضع القبة بمسجد سلسبيل أم زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر (٤). قلت: لم أسمع عن هذا المسجد، غير أن هناك مسجداً يجاور

стр. 239

مسجد الجن، لا أعلم اسمه. وقوله: على يمينك وأنت مصعد سبق قلم، صوابه على يسارك، ذلك أن جبل الحجون هو الذي في أصله مقبرة أهل مكة القديمة، وفي جانبه الغربي كانت المجزرة إلى ما بعد عام ١٣٧٠ هـ، ثم نقلت إلى أذاخر. وسلسبيل أظنه تحريف سبيل. مسجد الشجرة: ذكره الأزرقي قرب مسجد الجن، وقال ابن ظَهِيرة: قد اندثر. ولكن المشهور بمسجد الشجرة هو مسجد الحُدَيبية، ولم يذكره مؤرخو مكة لأنه خارج الحرم، والناس يتعسون أن يكون المسجد الذي صلى فيه النبي ﷺ في غزوة الحديبية، ولكن الثقاة من الصحابة قالوا: لقد التمسناه بعد مدة فلم نعرفه. راجع ذلك في السيرة النبوية، وراجع الحديبية وتفاصيل عنها في (معجم معالم الحجاز). وهذا المسجد هو اليوم خراب، وقد بنت الحكومة السعودية مسجدا غيره يصلى فيه. مسجد عائشة= مسجد التنعيم مسجد عبد الصمد= مسجد السرر مسجد عرفة= مسجد إبراهيم مسجد العيشومة= مسجد الخيف مسجد الفتح: قال ابن ظَهِيرة: (١) مسجد يقال له مسجد الفتح بالقرب من الجموم من وادي مر وهو مشهور بهذا الاسم إلى هذا الزمان يقال إن النبي صلَّى فيه، والله أعلم. قلت: هو معروف اليوم معمور، وبه إمام خطيب.

стр. 240

مسجد قُنفُد: قال الأزرقي إن شعب قنفد يسارك وأنت ذاهب إلى منى من مكة فوق حايط خرمان، وفي هذا الشعب مسجد مبني يقال إن النبي ﷺ ، صلَّى فيه (١). قلت: هذا الشعب يسمى اليوم شعبة النور، والمسجد لا زال يصلى فيه، والناس لا زالوا على اعتقادهم به. كما قال الأزرقي: إنه منسوب إلى قُنْفُد بن زُهَير من بني أسد بن خزيمة. وقال ابن ظَهِيرة: مسجد يعرف بمسجد الإجابة ثم وصفه بما تقدم (٢). مسجد الكَبْش: هو موضع معروف من منى يسار الذاهب باتجاه عرفة، وقال الأزرقي: الصخرة التي بمنى بأصل ثبير هي التي ذبح عليها إبراهيم ﵇ فداء ابنه إسحاق، هبط عليه من ثبير كبش أعين أقرن له ثغاء فذبحه، وقال: -في رواية أخرى- لما فدى الله إسماعيل ﵇ بالذبح نظر إبراهيم فإذا الكبش منهبطاً من ثبير على العرق الأبيض الذي يلي باب شعب علي ... إلى أن يقول: يقال بنَتْ عليه لبابة بنت علي بن عبد الله بن عباس المسجد الذي يقال له: مسجد الكبش (٣). ويذكر ابن ظَهِيرة أن من تقدمه اختلفوا في موضع نحر إبراهيم، كما اختلفوا في من هو المفدي إسماعيل أو إسحاق (٤). ولكن الراجح لدى ثقات المسلمن أن المفدي هو إسماعيل لا إسحاق ﵉. مسجد المُزدلِفة: هو المشعر الحرام الذي ذكره الله في القرآن، ولا زال معموراً

стр. 241

يصلى فيه ليلة جمع وفجرها. وأطال الأزرقي في وصفه وتحديده، وقد أوجزنا أمره في (معجم معالم الحجاز). مسجد المُتَكَأ: المُتكَأ مكان معروف من أجياد الصغير، وهناك مسجد صغير بهذا الاسم، وقال الأزرقي: ومسجد بأجياد وموضع فيه يقال له: المتكأ سمعت جدي أحمد بن محمد ويوسف بن محمد بن إبراهيم يسألان عن المتكأ وهل يصح عندهما أن النبي ﷺ إتّكي فيه؟ فرأيتهما ينكران ذلك ويقولان: لم نسمع به من ثبت، ثم خلص إلى أن أمر المتكأ ضعيف، ولكنهم يثبتون صلاته ﵇ بأجياد الصغير، وإنّ موضع الصلاة لا يوقف عليه (١). مسجد المُرْسَلاتِ: قال عنه ابن ظَهِيرة: مسجد لطيف يماني مسجد الخيف فيه غار به أثر يقال إنه أثر رأس الرسول ﷺ ، ويعرف بغار المرسلات وهو مشهور به إلى هذا الوقت، ثم روى حديثاً إن سورة ﴿والمُرْسَلاتِ عُرفا﴾ نزلت بهذا الغار (٢). قال المؤلف: غار المرسلات معروف معلوم بمنى، بين مسجد الخيف وجبل الصابح الذي يشرف على المسجد من الجنوب الغربي، والغار في سفح الجبل بارتفاع، جنوباً من مسجد الخيف، ولا أعلم مسجداً هناك وربما كان فاندثر أو هدم. مسجد نمِرَة= مسجد إبراهيم ومسجد عرفة، والأشهر مسجد نمِرَة، غير أن الأزرقي سماه مسجد إبراهيم. انظره. المَسَد: بالميم والسين المهملة، وآخره دال مهملة أيضاً وبالتحريك:

стр. 242

هو لا زال في لغة هذيل يعني "السد" وهو سد الوادي يروض الماء لأغراض الزراعة. قالوا: هو ملتقى النخلتين. وقالوا: هو في المكان المسمى بستان بن معمر وهما واحد. وقالوا: على مرحلة من مكة، وهو أيضاً قول يتفق مع ما تقدم (١). ويقول عطية الشيبي المطرفي: إن المسد في ديارهم معروف إلى الآن وهو في وادٍ يصب في الزَّرْقَاء من روافد نخلة الشامية وأرى هذا غير ذاك، وأورد ياقوت شاهداً على المسد، هكذا: (١) ألفَيْتُ أغلبَ من أُشد المَسَدِّ حَديـ ... ـدَ النَّابِ أخْذَتُه عَفْرٌ فتَطريحُ ونسب البكري البيت لأبي ذؤيب (١). مَسُولاَ: بفتح أوله وضم السين المهملة ولام، مقصور: ويقولون اليوم "مسُوليا": جبل عال يقع في الشمال الشرقي من محرم الضريبة على قرابة (١٢) كيلاً، يسار المتجه من الضريبة إلى العراق. قال ياقوت عن نصر: بأقصى شراء الأسود الذي لبني عقيل بأكناف غَمْرة في أقصاه جبلان، وقيل قريتان وراء ذات عرق فوقهما جبل طويل يسمى مَسُولا. قال المرّار: (٢) أإنْ هب عُلويٌّ يُعلِّل فتيةً ... بنخلةَ وَهْناً، فاض منك المدامعُ

стр. 243

فهاج جوَىً في القلب ضمّنه الهوى ... ببينونةٍ تنأى بها من توادعُ وهاج المعنى مثل ما هاج قلبه ... عليك بنعْمان الحمام السواجعُ فأصبحت مهموماً كأن مطيتي ... بجنب مَسُولا أو بوَجْرةَ ظالعُ وقد روي (مسولى) (١) وكل من غَمْرة ووَجْرة ليست بعيدة عن مسولا هذا. المَطَابخ: بمكة بجنب حارة الباب جبل يسمى جبل المطابخ، وهو أحد نعوف قعيقعان الجنوبية، وقال المتقدمون: سمي بذلك لأن تبعاً هم بهدم البيت الحرام، فقسمه فنذر إن شفاه الله أن ينحر ألف بدنة، فعوفيَ فوفىَّ بما نذر، وجعلت المطابخ هناك، ثم أطعم الناس. قال أحدهم: (٢) أطوّفُ بالمطابخ كلَّ يومٍ ... مخافة أنْ يشردني حكيمُ يعني حكيم بن أمية بن حارثة السلمى. ويقول الأزرقي: كان فيها حكيم بن أمية بن حارثة ابن الأوقص السلمي، الذي كانت قريش أمرته على سقائها، وهو الذي يقول فيه الحارث بن أمية الأصغر: (٣)

стр. 244

أقرر بالمطابخ كل يوم ... مخافة أن يشردني حكيمُ وبمكة مطابخ أخرى، قال الأزرقي، في خبر قتال جرهم وقطوراء: (١) ثم إن القوم تداعوا للصلح فساروا حتى تزلوا المطابخ، شعباً بأعلى مكة، يقال له: شعب عبد الله بن عامر بن كريز. ونحر مضاض بن عمرو -ملك جرهم- للناس وطبخ فسمي المطابخ. قلتُ: هذا يعرف اليوم بشعب عامر، وله ذكر في المساجد، تقدم. المطاحل: على وزن المفاعل: قال ياقوت موضع قرب حُنَين في بلاد غَطَفَان. قلت: كيف يكون قرب حُنَين ثم يكون في بلاد غطفان؟ والصواب أنه قرب حنين في بلاد هذيل، أما جملة (في بلاد غطفان) فهي مقحمة إقحاماً لا لزوم له وهو يقرن مع أنف المتقدم وعاذ المتقدم أيضاً، ويضاف كل منهما إلى الآخر فيقال: (أنف عاذ المطاحل). قال عبد مناف بن رِبْع الهذلي: هُمُ منعوكمْ من حُنَين ومائه ... وهُمْ أسلكوكُمْ أنفَ عاذ المطاحلِ وأنف لا زال معروفاً جنوب شرقي ماء حنين (الشرائع اليوم) وقد تقدم في بابه.

стр. 245

أما عاذ المطاحل، وعاذ مفرداً، أو المطاحل مفردة فلم أعثر عليها، وقد سألت عطية الشيبي المطرفي وهو يمدنا بمعلومات قيمة عن هذه النواحي، فلم يعرفهما. وعلى العموم فهما من أنف، وأنف معروف قرب حنين. وربما يقصد بالمطاحل جمع (مُطْحل) وهم بطن من بني قرد من هذيل، ورد في (أنف): واثلة بن مطحل. فإذاً عاذ جبل لبني مطحل، فقيل عاذ المطاحل، وأنف: نعف أو شعب من عاذ فسمي أنف عاذ، ونسب إلى المطاحل، فقيل: أنف عاذ المطاحل. المُغَمّس: بضم الميم وفتح الغين المعجمة وتشديد الميم مع الفتح وآخره سين مهملة: سهل أفيح يمتد من الشمال إلى الجنوب مبدؤه من الصفاح وأسفل حنين ولبن الأسفل، ومنتهاه عرفة -بالفاء- وجبل سعد، والخطم، تشرف عليه من الشرق سلسلة جبلية عالية، عظمها كبكب الذي تطلع شمس وسط المغمس من فوقه، وطرفها الشمالي يشرف على البجيدي وحنين والجنوبي جبل بَرَقة والوصيق، أما من الغرب فتحف بالسهل جبال الطارقي ويسمونها الطُّرَّق بتشديد الراء -كجمع طارق، ويتصل بها جبل سلع في فيئها العشى، وجبال الشُّعُر جنوباً حيث تنتهي بالخطم الذي يرى من عَرَفة- شمالاً غربياً .. فهو شرق مكة على "٢٠" كيلاً. وجبل الطَّارِقي: يشرف على ثنية خَلّ التي يأخذها الطريق من مكة إلى الطائف المار بنخلة اليمانية وكله في الحرم، كما أن المغمس كله في الحل، تجد ثنية خل قبيل علمي الحرم، فهي والطارقي من أرض الحرم الشرقية. ويتخلل هذا السهل الواسع

стр. 246

مخطط تقريبي لمنطقة المغمس عمل: عاتق بن غيث البلادي

стр. 247

وادي عُرَنة -بالنون- وهناك زراعات متفرقة بعضها على الضخ الآلي وبعضها عثرية، وتصب في المغمس أودية وشعاب عديدة من أهمها: وادي ذي المجاز، يسيل من كبكب مغرباً فيصب في عرنة في وسط المغمس. وقد ذكر. ووادي البُجَيدي: وادٍ يسيل من كبكب وجهات الشراء ولبنين وفيه زراعة حسنة للأشراف الجوازين. ووادي حُنَين: يسيل من طاد وكِنثيل والثنية ومن روافده، يدعان، وفيه بلدة الشرائع ذات النخل والنزل، وهي ما كان يعرف بماء حنين، ويصب في المُغَمّس من الشمال وادي حواس والصفاح ومياه الستار (ستار) ومن الغرب الضَّيْقة تصب من الشعر والطارقي. ومن جبل بَرَقة والوَصيق: وادي الخيام يصب في طرف المغمَّس الجنوبي الشرقي قرب عرفة شمالاً ويكسو هذا السهل غابات كثيفة من أشجار الطلح والسرح، حيث تتسع الدوحة منها لعشرات من الناس يستظلون تحتها، وتكسو جنباته غابات السلم والسمر والقتاد والحرمل ونباتات كثيرة مما يجعله دائم الخضرة والنضارة، ومن أجمل السهول في الحجاز، كما أن وجوده في تهامة، وبين هذه الجبال الشوامخ (والجو الدافىء شتاء) الغائم في أغلب أوقات الشتاء والربيع، ووجود الغابات الكثيفة وتوفر المياه فيه يجعله من أحسن المشاتي التهامية وكثيراً ما تنتجعه قبائل عتيبة القاطنة وراء عفيف، إذا رج المُغَمّس وبرد نجد. وأهل المغمس كانوا وما زالوا قريش، ولهم فيه قرى صغيرة وبعضهم بدو رحل، وهم بطون كثيرة، كلها تعود بأنسابها إلى قريش.

стр. 248

وعندما يذكر المُغَمَّس فإن أول ما يتبادر إلى ذهن القارىء هو خبر الفيل (محمود) حين جاء أبرهة ليهدم الكعبة في العام الذي ولد فيه سيد ولد آدم ﷺ ، فقد قال ياقوت: موضع قرب مكة في طريق الطائف مات فيه أبو رغال، وقبره يرجم، لأنه كان دليل صاحب الفيل فمات هناك. يقصد بصاحب الفيل أبرهة الأشرم قائد الأحباش. ومن أخباره: إنه بني بنية بصنعاء - وكانت تحت حكم الأحباش سماها (القُلَّيْس) وزخرفها وجعل لها كسوة ومطافاً مضاهاة للكعبة، وطلب من العرب أن تحج إليها فرفضت، فأراد هدم الكعبة ليضطر العرب إلى الحج إلى قُلَّيْسه. وقال البكري: هو الموضع الذي ربض فيه الفيل حين جاء أبْرَهَة، فجعلوا ينخسونه بالحراب فلا ينبعث، حتى بعث الله عليهم طَيرْاً أبابيل فأهلكتهم. والقول: إن قبر أبي رغال في المغمس، فيه تجوز، إذ أن قبره يقع في رأس يدعان بين الشرائع والزيمة بعيداً من المُغَمَّس بما يقرب من ثمانية إلى تسعة أكيال. المغمس في الشعر العربي: لعل أول أبيات وردت في المغمس هذه الأبيات لرجل من أياد هو أبو المنذر الإيَّادي وقيل ثعلبة بن غيلان الإيَّادي، عندما نفيت إيَّاد من تهامة: (١) تحن إلى أرض المُغَمَّس ناقتي ... ومن دونها ظهر الجَرِيب وراكسُ

стр. 249

بها قطعتْ عنّا الوَذيم نساؤُنا ... وعرّفَت الأبناء فينا الخوارس إذا شئتُ غنّاني الحمام بأيكةٍ ... وليس سواء صوتها والعرانسُ تجوب بنا المَوْماة كل شِمِلةٍ ... إذا أعرضتْ منها القفار البسايسُ وقال أمية بن أبي الصَّلت الثَّقَفي: (١) إن آياتِ ربنا ظاهراتٍ ... ما يماري فيهُن إلا الكفورُ حَبَس الفَيلَ بالمُغَمَّس حتى ... ظل يحبو كأنه معقورُ كلُّ دينٍ يوم القيامةِ عند الله ... إلاّ دينُ الحنيفة بورُ خَلّفُوه ثم ابذَعَرُّوا جميعاً ... كلُّهُم عَظمُ ساقِه مكسورُ ويروى هذا لعمرو بن سنة الخزاعي كذا: (٢) ضربوا الفيلَ بالمُغَمّس حتى ... ظل يحبو كأنّه محمومُ وقال نُفَيل بن حَبيب الخثعمي: (٣) ألا حُيّيتِ عنا يا رُدَينا ... نعمناكم مع الأصباح عَينا رُدَينةُ لو رأيتِ ولن تَريه ... لَدَى جنب المُغَمَّس ما رأينا

стр. 250

إذاً لعذرتني ورضيت أمري ... ولنَ تأسى على ما فات بَيْنا حمدتُ الله أن أبصرتُ طيراً ... وخفتُ حجارة تلقى علينا وكل القَوْم يسأل عن نُفَيل ... كأنّ عليَّ للحِبْشانِ دَينا. وقال عمر بن أبي ربيعة: (١) ألم تسأل الأطلالَ والمُتَربعا ... ببطنِ حُليّات دوارسَ بلقعا إلى الشري من وادي المُغَمّس بدِّلتْ ... معالمه وبلاً ونكباء زعرعا وقال المُؤرّق: غدرتم غدرةً فضحتْ أباكم ... ونتَّفت المُغَمّس والظرابا وقال عمر أيضاً: (٢) غَشيتُ بأذنابِ المُغمَّس منزلاً ... به للتي نهوى مصيفٌ ومربعْ مغاني أطلالٍ، ونؤياً، ودمنةً ... أضرّ بها وبل ونكباء زعزع ببطن حليات كأنّ رسومها ... كتاب زبور في عسيبٍ مرجّع
следующие страницы →