← Сира

Сира · id 38114

اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون

موسى بن راشد العازمي

Полный текст (2 595 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١). وَلهَذَا قَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁، حِينَ جَعَلَ الأَمْرَ شُورَى بَعْدَهُ فِي أُولَئِكَ السِّتَّةِ (٢) قَالَ: لَوْ كَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ حَيًّا لَاسْتَخْلَفْتُهُ (٣). * بُطُولَةُ حَمْزَةَ بنِ عَبْد المُطَّلِبِ ﵁ -: رَوَى الحَاكِمُ فِي المُسْتَدْرَكِ وَصحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ ﵁ قَالَ: قَالَ لِي أُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ، وَأنا بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِهِ عَلِيٍّ آخُذُ بِأَيْدِيهِمَا: يَا عَبْدَ الإِلَهِ مَنِ الرَّجُلُ مِنْكُمُ المُعَلَّمُ بِرِيشَةِ نَعَامَةٍ فِي صَدْرِهِ؟ ، قُلْتُ: ذَاكَ حَمْزَةُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، قَالَ: ذَاكَ الذِي فَعَلَ بِنَا الأَفَاعِيلَ (٤).

стр. 1017

* مُبَاشَرَةُ المَلَائِكَةِ فِي قَتْلِ وَأَسْرِ الكُفَّارِ: أَمَّا المَلَائِكَةُ فَقَدْ نَزَلَتْ أَرْضَ المَعْرَكَةِ، وَشَدُّوا عَلَى المُشْرِكِينَ، وَشَارَكُوا الصَّحَابَةَ ﵃ فِي قتلِ وَأَسْرِ المُشْرِكِينَ، وَلَمْ تُبَاشِرِ المَلَائِكَةُ القِتَالَ فِي أَيِّ غَزْوَةٍ مِنْ غَزَوَاتِ الرَّسُولِ ﷺ إِلَّا فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، أَمَّا فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ فَقَدْ نَزَلَتْ لِحِمَايَةِ الرَّسُولِ ﷺ ، وَأَمَّا فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ فنَزَلَتْ لِإِرْهَابِ الكُفَّارِ. قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ ﵄: لَمْ تُقَاتِلِ المَلَائِكَةُ فِي يَوْمٍ سِوَى بَدْرٍ مِنَ الأَيَّامِ، وَكَانُوا يَكُوُنونَ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الأَيَّامِ عَدَدًا وَمَدَدًا لَا يَضْرِبُونَ (١). وَرَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ يَشْتَدُّ فِي أَثَرِ رَجُلٍ مِنَ المُشْرِكِينَ أَمَامَهُ، إِذْ سَمِعَ ضَرْبَةً بِالسَّوْطِ فَوْقَهُ، وَصَوْتُ الفَارِسِ يَقُولُ: أَقْدِمْ حَيْزُومُ، فنَظَرَ إِلَى المُشْرِكِ أَمَامَهُ فَخَرَّ مُسْتَلْقِيًا، فنَظَرَ إِلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ قَدْ خُطِمَ (٢) أنْفَهُ، وَشُقَّ وَجْهُهُ كَضَرْبَةِ السَّوْطِ، فَاخْضَرَّ ذَلِكَ أَجْمَعُ -أَي اخْضَرَّ لَوْنُهُ-، فَجَاءَ الأَنْصَارِيُّ فَحَدَّثَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: "صَدَقْتَ، ذَلِكَ مِنْ مَدَدِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ" (٣).

стр. 1018

وَأَخْرَجَ الحَاكِمُ فِي المُسْتَدْرَكِ وَصَحَّحَهُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بنِ سَهْلٍ قَالَ: قَالَ لِي أَبِي: يَا بُنَيَّ لَقَدْ رَأَيْتُنَا يَوْمَ بَدْرٍ، وَإِنَّ أَحَدَنَا لَيُشِيرُ بِسَيْفِهِ إِلَى رَأْسِ المُشْرِكِ فَيَقَعُ رَأْسُهُ عَنْ جَسَدِهِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ (١). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي دَاوُدَ المَازِنيِّ ﵁-وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا- قَالَ: إِنِّي لَأَتْبَعُ رَجُلًا مِنَ المُشْرِكِينَ لِأَضْرِبَهُ، إِذْ وَقَعَ رَأْسُهُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ سَيْفِي، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ قَدْ قتَلَهُ غَيْرِي (٢). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: . . . فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ (٣) قَصِيرٌ بِالعَبَّاسِ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ أَسِيرًا، فَقَالَ العَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذَا وَاللَّهِ مَا أسَرَنِي، لَقَدْ أَسَرَنِي رَجُلٌ أَجْلَحُ (٤) مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ وَجْهًا، عَلَى فَرَسٍ أَبْلَقَ (٥)، مَا أَرَاهُ فِي القَوْمِ، فَقَالَ

стр. 1019

الأَنْصَارِيُّ: أَنا أَسَرْتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَقَدْ أَيَّدَكَ اللَّهُ تَعَالَى بِمَلَكٍ كَرِيمٍ" (١). وَفي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي المُسْنَدِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ الذِي أَسَرَ العَبَّاسَ بنَ عَبْدَ المُطَّلِبِ أَبُو اليَسَرِ بنُ عَمْرٍو، وَهُوَ كَعْبُ بنُ عَمْرٍو، أَحَدُ بَنِي سَلِمَةَ، فَقَالَ له رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَيْفَ أَسرْتَهُ يَا أبَا اليَسَرِ؟ " قَالَ: لَقَدْ أَعَانَنِي عَلَيْهِ رَجُلٌ مَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ وَلَا قَبْلُ، هَيْئتهُ كَذَا، هَيْئتهُ كَذَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَقَدْ أَعَانَكَ عَلَيْهِ مَلَكٌ كَرِيمٌ" (٢). وَأَخْرَجَ الحَاكِمُ وَابْنُ سَعْدٍ فِي طَبَقَاتِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ هِشَامَ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَتْ عَلَى الزُّبَيْرِ عِمَامَةٌ صَفْرَاءُ مُعْتَجِرًا (٣) بِهَا يَوْمَ بَدْرٍ، فنَزَلَتِ المَلَائِكَةُ عَلَيْهِمْ عَمَائِمُ صُفْرٌ، عَلَى سِيمَا الزُّبَيْرِ (٤). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ رِفَاعَةَ بنِ رَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ، وَكَانَ أَبُوهُ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: مَا تَعُدُّونَ أَهْلَ بَدْرٍ فِيكُمْ؟ قَالَ: "مِنْ أَفْضَلِ المُسْلِمِينَ" -أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا- قَالَ:

стр. 1020

وَكَذَلِكَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ المَلَائِكَةِ (١) * نُكُوصُ (٢) إِبْلِيسَ: وَلَمَّا رَأَى إِبْلِيسُ مَا تَفْعَلُ المَلَائِكَةُ بِالمُشْرِكِينَ فَرَّ وَنَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ -وَكَانَ قَدْ جَاءَ فِي صُورَةِ سُرَاقَةَ بنِ مَالِكٍ كَمَا ذَكَرْنَا- فتَشَبَّثَ بِهِ الحَارِثُ بنُ هِشَامٍ، وَهُوَ يَظُنُّهُ سُرَاقَةُ، فَقَالَ إِلَى أَيْنَ يَا سُرَاقَةُ؟ أَلمْ تَزْعُمْ أَنَّكَ لَنَا جَارٌ؟ لَا تُفَارِقُنَا، فَقَالَ: إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ، إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَاللَّهُ شَدِيدُ العِقَابِ، ثمَّ دَفَعَ الحَارِثَ فَأَلْقَاهُ، وَخَرَجَ هَارِبًا حَتَّى أَلْقَى نَفْسَهُ فِي البَحْرِ (٣). وَفِي هَذَا المَوْقِفِ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٤). أَخْرَجَ الإِمَامُ مَالِكٌ فِي المُوَطَّأِ بِسَنَد مُرْسَلٍ عَنْ طَلْحَةَ بنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ كَرِيزٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَا رُؤِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا هُوَ فِيهِ أَصْغَرَ، وَلَا أَدْحَرَ (٥)،

стр. 1021

وَلَا أَحْقَرَ، وَلَا أَغْيَظَ مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا رَأَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ، وَتَجَاوُزِ اللَّهِ عَنِ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ، إِلَّا مَا أُرِيَ يَوْمَ بَدْرٍ"، قِيلَ: وَمَا رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "أَمَا إِنَّهُ قَد رَأَى جِبْرِيلَ يَزَعُ (١) المَلَائِكَةَ" (٢). * الهَزِيمَةُ السَّاحِقَةُ: وَحِينَئِذٍ أَصْدَرَ الرَّسُولُ ﷺ أَوَامِرَهُ الأَخِيرَةَ بِالهُجُومِ الكَاسِحِ فَقَالَ: "شُدُّوا" (٣)، فَبَدَأَ الصَّحَابَةُ بِالهُجُومِ فَجَعَلُوا يَقْلِبُونَ الصُّفُوفَ، وَيُقَطِّعُونَ الأَعْنَاقَ، وَزَادَهُمْ نَشَاطًا وَحِدَّةً لِمَا رَأَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَثِتُ فِي الدِّرْعِ، وَيَقُولُ فِي جَزْمٍ وَصَرَاحَةٍ: "سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ" (٤)، فَقَاتَلَ المُسْلِمُونَ أَشَدَّ قِتَالٍ، وَأَعَانَتْهُمُ المَلَائِكَةُ. وَبَدَأَتْ أَمَارَاتُ (٥) الفَشَلِ وَالِاضْطِرَابِ فِي صُفُوفِ المُشْرِكِينَ، وَجَعَلَتْ

стр. 1022

تَتَهَدَّمُ أَمَامَ حَمَلَاتِ المُسْلِمِينَ العَنِيفَةِ، وَاقْترَبَتِ المَعْرَكَةُ مِنْ نِهَايَتَهَا، وَأَخَذَتْ جُمُوعُ المُشْرِكِينَ فِي الفِرَارِ وَالِانْسِحَابِ، وَرَكِبَ المُسْلِمُونَ ظُهَورَهُمْ (١) يَأْسِرُونَ وَيَقْتُلُونَ حَتَّى تَمَّتْ عَلَيْهِمُ الهَزِيمَةُ (٢). * نَهْيُ الرَّسُولِ ﷺ عَنْ قَتْلِ رِجَالٍ مِنْ قُرَيْشٍ: وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ عَنْ قَتْلٍ عَدَدٍ مِنْ رِجَالِ قُرَيْشٍ فَقَالَ ﷺ : "إنِّي قَدْ عَرَفْتُ أَنَّ رِجَالًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَغَيْرِهِمْ قَدْ أُخْرِجُوا كُرْهًا، لَا حَاجَةَ لَهُمْ بِقِتَالِنَا، فَمَنْ لَقِيَ مِنْكُمْ أَحَدًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ فَلَا يَقْتُلْهُ، وَمَنْ لَقِيَ أَبَا البَخْتَرِيِّ بنَ هِشَامٍ (٣) فَلَا يَقْتُلْهُ، وَمَنْ لَقِيَ العَبَّاسَ بنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ، عَمَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَا يَقْتُلْهُ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا أُخْرِجَ مُسْتَكْرَهًا" (٤). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ: "مَنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَأْسِرُوا مِنْ بَنِي

стр. 1023

عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَإِنَّهُمْ خَرَجُوا كرْهًا" (١). * مَوقِفُ أَبِي حُذَيْفَةَ بنِ عُتْبَةَ ﵁ -: وَلَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالكَفِّ عَنْ هَؤُلَاءَ، قَالَ أَبُو حُذَيْفَةَ بنُ عُتْبَةَ بنِ رَبِيعَةَ ﵁: أَنَقْتُلُ آبَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا وَإِخْوَانَنَا وعَشِيرَتَنَا وَنَتْرُكُ العَبَّاسَ! وَاللَّهِ لَئِنْ لَقِيتُهُ لَأُلْحِمَنَّهُ (٢) السَّيْفَ، فَبَلَغَتْ مَقَالتهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ لِعُمَرَ بنِ الخَطَّابِ: "يَا أبا حَفْصٍ أَيُضْرَبُ وَجْهُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالسَّيْفِ؟ " قَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ إِنَّهُ لَأَوَّلُ يَوْمٍ كَنَّانِي فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأبِي حَفْصٍ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دَعْنِي فَلْأَضْرِبْ عُنقهُ بِالسَّيْفِ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ نَافَقَ. فَكَانَ أَبُو حُذَيْفَةَ ﵁ يَقُولُ: مَا أنا بِآمِنٍ مِنْ تِلْكَ الكَلِمَةِ التِي قُلْتُ يَوْمَئِذٍ، وَلَا أَزَالُ مِنْهَا خَائِفًا، إِلَّا أَنْ تُكَفِّرَهَا عَنِّيَ الشَّهَادَةُ، فَقُتِلَ ﵁ يَوْمَ اليَمَامَةِ شَهِيدًا، وَهُوَ ابنُ لسِتٍّ وَخَمْسِينَ سَنَةً، فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ (٣). * مَقْتَلُ أَبِي البَخْتَرِيِّ بنِ هِشَامٍ: وَلَمْ يُقْتَلْ أَحَدٌ مِنَ النَّفَرِ الذِينَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَتْلِهِمْ، إِلَّا أَبَا

стр. 1024

البَخْتَرِيِّ، وَاسْمُهُ العَاصُ بنُ هِشَامِ بنِ الحَارِثِ، فَقَدْ ذَكَرَ ابنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ: أَنَّ المُجَذَّرَ بْنَ ذِيَادٍ البَلَوِيَّ لَقِيَ أبَا البَخْتَرِيِّ فِي المَعْرَكَةِ، وَمَعَهُ زَمِيلٌ لَهُ فَخَرَجَ مَعَهُ مِنْ مَكَّةَ يُقَالُ لَهُ: جُنَادَةُ بنُ مُلَيْحَةَ اللَّيْثيُّ، فَقَالَ المُجَذَّرُ لِأَبِي البَخْتَرِيِّ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ نَهَانَا عَنْ قتلِكَ، فَقَالَ: وَزَمِيلِي؟ قَالَ المُجَذَّرُ: لَا وَاللَّهِ، مَا نَحْنُ بِتَارِكِي زَمِيلِكَ، مَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَّا بِكَ وَحْدَكَ. فَقَالَ أَبُو البَخْتَرِيِّ: لَا وَاللَّهِ، لَأَمُوتَنَّ أَنَا وَهُوَ جَمِيعًا، لَا تَتَحَدِّثُ عَنِّي نِسَاءُ مَكَّةَ أَنِّي تَرَكْتُ زَمِيلِي حِرْصًا عَلَى الحَيَاةِ، فَاقْتَتَلَا، فَقتَلَهُ المُجَذَّرُ بنُ ذِيَادٍ، ثُمَّ إن المُجَذَّرَ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: وَالذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَقَدْ جَهِدْتُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَأْسِرَ فَآتِيَكَ بِهِ، فَأَبَى إِلَّا أَنْ يُقَاتِلَنِي، فَقَاتَلْتُهُ، فَقتَلْتُهُ (١). * مَصْرَعُ الطُّغَاةِ: * مَقْتَلُ أُمَيَّةَ بنِ خَلَفٍ لعنَهُ اللَّهُ: وَهَذَا الرَّجُلُ كَانَ مِنْ أَشَدِّ مَنْ عَانَدَ الرَّسُولَ ﷺ ، وَهُوَ الذِي كَانَ يُعَذِّبُ بِلَالًا ﵁ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَقِصَّةُ قتلِهِ أخْرَجَهَا الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَابْنُ إسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ ﵁، وَسَأَذْكُرُ رِوَايَةَ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ لِأَنَّ فِيهَا تَفْصِيلًا أَكْثَرَ، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوْفٍ ﵁: كَانَ أُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ لِي صَدِيقًا بِمَكَّةَ، وَكَانَ اسْمِي عَبْدُ عَمْرٍو، فَتَسَمَّيْتُ حِينَ

стр. 1025

أَسْلَمْتُ: عَبْدَ الرَّحْمَنِ، وَنَحْنُ بِمَكَّةَ، فَكَانَ إِذْ نَحْنُ بِمَكَّةَ، يَقُولُ: يَا عَبْدَ عَمْرٍو، أَرَغِبْتَ عَنِ اسْمٍ سَمَّاكَهُ أَبَوَاكَ؟ فَأَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: فَإِنِّي لَا أَعْرِفُ الرَّحْمَنَ، فَاجْعَلْ بَيْني وَبَيْنَكَ شَيْئًا أَدْعُوكَ بِهِ، أَمَّا أَنْتَ فَلَا تُجِيبُنِي بِاسْمِكَ الْأَوَّلِ، وَأَمَّا أَنا فَلَا أَدْعُوكَ بِمَا لَا أَعْرِفُ، فَقُلْتُ له: يَا أَبَا عَلِيٍّ، اجْعَلْ مَا شِئْتَ، قَالَ: فَأَنْتَ عَبْدُ الْإِلَهِ، فَقُلْتُ: نَعَمْ، فكُنْتُ إِذَا مَرَرْتُ بِهِ، قَالَ: يَا عَبْدَ الْإِلَهِ فَأُجِيبُهُ، فَأتَحَدَّثُ مَعَهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ مَرَرْتُ بِهِ وَهُوَ وَاقِفٌ مَعَ ابْنِهِ عَلِيِّ بنِ أُمَيَّةَ، آخِذٌ بِيَدِهِ، وَمَعِي أدْرَاعٌ، قَدِ اسْتَلَبْتُهَا، فَأَنَا أحْمِلُهَا، فَلَمَّا رَآنِي قَالَ لِي: يَا عَبْدَ عَمْرٍو! فَلَمْ أُجِبْهُ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ الإِلَهِ، فَقُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: هَلْ لَكَ فِيَّ؟ فَأَنَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ هَذِهِ الأَدْرَاعِ التِي مَعَكَ، فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَطَرَحْتُ الأَدْرَاعَ مِنْ يَدِي، وَأَخَذْتُ بِيَدِهِ وَيَدِ ابْنِهِ، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: ثُمَّ خَرَجْتُ أَمْشِي بِهِمَا، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَقُودُهُمَا إِذْ رَآه بِلَالٌ مَعِي -وَكَانَ أُمَيَّةُ يُعَذِّبُ بِلَالًا بِمَكَّةَ عَلَى تَرْكِ الإِسْلَامِ- فَقَالَ بِلَالٌ: رَأْسُ الكُفْرِ أُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ، لَا نَجَوْتُ إِنْ نَجَا، فَقُلْتُ: أَيْ بِلَالُ! أَبَأَسِيرِي، قَالَ: لَا نَجَوْتُ إِنْ نَجَا، ثُمَّ صَرَخَ بِلَالٌ فِي الأَنْصَارِ، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَلَمَّا خَشِيتُ أَنْ يَلْحَقُونَا خَلَّفْتُ لَهُمُ ابْنَهُ لِأَشْغَلَهُمْ، فَقتَلُوهُ، ثُمَّ أَبَوْا حَتَّى يتبَعُونَا -وَكَانَ أُمَيَّةُ رَجُلًا ثَقِيلًا (١) - فَلَمَّا أَدْرَكُونَا قُلْتُ لَهُ: ابْرُكْ، فبرَكَ، فَأَلْقَيْتُ عَلَيْهِ نَفْسِي لِأَمْنَعَهُ، فتَجَلَّلُوهُ (٢) بِالسُّيُوفِ مِنْ تَحْتِي حَتَّى

стр. 1026

قَتَلُوهُ، وَأَصَابَ أحَدُهُمْ رِجْلِي بِسَيْفِهِ (١). * مَقْتَلُ عُبَيْدَةَ بنِ سَعِيدِ بنِ العَاصِ: أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ الزُّبَيْرِ بنِ العَوَّامِ ﵁ قَالَ: لَقِيتُ يَوْمَ بَدْرٍ عُبَيْدَةَ بنَ سَعِيدِ بنِ العَاصِ، وَهُوَ مُدَجَّجٌ (٢) لَا يُرَى منهُ إِلَّا عَيْنَاهُ، وَهُوَ يُكْنَى: أبَا ذَاتِ الكِرْشِ، فَقَالَ: أنا أَبُو ذَاتِ الكِرْشِ، فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ بِالعَنَزَةِ (٣)، فَطَعَنْتُهُ فِي عَيْنَيْهِ فَمَاتَ، قَالَ هِشَام: فَأُخْبِرْتُ أَنَّ الزُّبَيْرَ قَالَ: لَقَدْ وَضَعْتُ رِجْلِي عَلَيْهِ، ثُمَّ تَمَطَّأْتُ (٤)، فَكَانَ الجَهْدُ أَنْ نَزَعْتُهَا وَقَدْ انْثَنَى طَرَفَاهَا، قَالَ عُرْوَةُ: فَسَأَلَهُ إِيَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَعْطَاهُ، فَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أخَذَهَا، ثُمَّ طَلَبَهَا أَبُو بَكْرٍ ﵁ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهَا، فَلَمَّا قُبِضَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ سَأَلَهَا إِيَّاهُ عُمَرُ ﵁ فَأَعْطَاهُ، فَلَمَّا قُبِص عُمَرُ ﵁ أَخَدهَا، ثُمَّ طَلَبَهَا عُثْمَانُ ﵁ مِنْهُ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهَا، فَلَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ ﵁، وَقَعَتْ عِنْدَ آل عَلِيٍّ، فَطَلَبَهَا عَبْدُ اللَّهِ بنُ الزُّبَيْرِ فَكَانَتْ عِنْدَهُ حَتَّى قُتِلَ (٥).

стр. 1027

* مَقْتَلُ أَبِي جَهْلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ: رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ ﵁ قَالَ: بَيْنَا أَنَا وَاقِفٌ فِي الصَّفِّ يَوْمَ بَدْرٍ، فنَظَرْتُ عَنْ يَمِيني وَشِمَالِي، فَإِذَا أَنَا بَيْنَ غُلَامَيْنِ مِنَ الْأَنْصَارِ حَدِيثَةٌ أَسْنَانُهُمَا، تَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ بَيْنَ أَضْلَعَ مِنْهُمَا (١)، فَغَمَزَنِي (٢) أَحَدُهُمَا، فَقَالَ: يَا عَمُّ! هَلْ تَعْرِفُ أَبا جَهْلٍ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، مَا حَاجَتُكَ إِلَيْهِ يَا ابْنَ أَخِي؟ قَالَ: أُخْبِرْتُ أَنَّهُ يَسُبُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ رَأَيْتُهُ لَا يُفَارِقُ سَوَادِي سَوَادَهُ (٣) حَتَّى يَمُوتَ الأَعْجَلُ مِنَّا (٤)، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ﵁: فَتَعَجَّبْتُ لِذَلِكَ. قَالَ: فَغَمَزَنِيَ الآخَرُ فَقَالَ لِي مِثْلَهَا، فَلَمْ أَنْشَبْ (٥) أَنْ نَظَرْتُ إِلَى أَبِي جَهْلٍ يَجُولُ بَيْنَ النَّاسِ، فَقُلْتُ: أَلا تَرَيَانِ؟ هَذَا صَاحِبُكُمَا الذِي تَسْأَلَانِي عَنْهُ، فَابْتَدَرَاهُ، فَضَرَبَاهُ بِسَيْفَيْهِمَا، حَتَّى قَتَلَاهُ (٦)، ثُمَّ انْصَرَفَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَاهُ.

стр. 1028

فَقَالَ ﷺ : "أيُّكُمَا قَتَلَهُ؟ ". فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَنَا قَتَلْتُهُ. فَقَالَ ﷺ : "هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا؟ ". قَالَا: لَا. فنَظَرَ ﷺ فِي السَّيْفَيْنِ، فَقَالَ: "كِلَاكُمَا قتَلَهُ" (١). وَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَلَبِهِ لِمُعَاذِ بنِ عَمْرِو بنِ الجَمُوحِ، وَكَانَ الفَتَيَانِ مُعَاذُ بنُ عَفْرَاءَ (٢)، وَمُعَاذُ بنُ عَمْرِو بنِ الجَمُوحِ (٣).

стр. 1029

وَرَوَى ابنُ إسْحَاقَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ مُعَاذِ بنِ الجَمُوحَ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ القَوْمَ، وَأَبُو جَهْلٍ فِي مِثْلِ الحَرَجَةِ (١)، وَهُمْ يَقُولُونَ: أَبُو الحَكَمِ لَا يُخْلَصُ (٢) إِلَيْهِ، قَالَ: فَلَمَّا سَمِعْتُهَا جَعَلْتُهُ مِنْ شَأْنِي، فَصَمَدْتُ نَحْوَهُ، فَلَمَّا أمْكَنَنِي حَمَلْتُ عَلَيْهِ، فَضَرَبْتُهُ ضَرْبَةً أَطَنَتْ (٣) قَدَمَهُ بِنِصْفِ سَاقِهِ. . .، قَالَ: وَضَرَبَنِي عِكْرِمَةُ ابْنُهُ عَلَى عَاتِقِي، فَطَرَحَ يَدِي، فتَعَلَّقْتُ بِجِلْدَةٍ مِنْ جَنْبِي، وَأَجْهَضَنِيَ (٤) القِتَالُ عَنْهُ، فَلَقَدْ قَاتَلْتُ عَامَّةَ يَوْمِي، وَإِنِّي لَأَسْحَبُهَا خَلْفِي، فَلَمَّا آذَتْنِي وَضَعْتُ عَلَيْهَا قَدَمِي، ثُمَّ تَمَطَّيْتُ (٥) بِهَا عَلَيْهَا حَتَّى طَرَحْتُهَا (٦)، ثُمَّ مَرَّ بِأَبِي جَهْلٍ وَهُوَ عَقِيرٌ (٧)، مُعَوِّذُ بنُ عَفْرَاءَ، فَضَرَبَهُ حَتَّى أثبتَهُ، فترَكَهُ وَبِهِ رَمَقٌ (٨)، وَقَاتَلَ مُعَوِّذٌ ﵁ حَتَّى قُتِلَ (٩).

стр. 1030

* عَبْدُ اللَّهِ بنُ مَسْعُودٍ ﵁ يُجْهِزُ عَلَى أَبِي جَهْلٍ: وَلَمَّا انْتَهَتِ المَعْرَكَةُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ يَنْظُرُ مَا صَنَعَ أبو جَهْلٍ؟ " (١). فتَفَرَّقَ النَّاسُ فِي طَلَبِهِ، فَوَجَدَهُ عَبْدُ اللَّهِ بنُ مَسْعُودٍ ﵁ بِآخِرِ رَمَقٍ فَعَرَفَهُ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ مَسْعُودٍ ﵁: حِينَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُلْتَمَسَ فِي الْقَتْلَى. . . وَجَدْتُهُ بِآخِرِ رَمَقٍ فَعَرَفْتُهُ، فَوَضَعْتُ رِجْلِي عَلَى عُنقهِ، قَالَ: وَقَدْ كَانَ ضَبَثَ بِي مَرَّةً بِمَكَّةَ -يَعْنِي قَتضَ عَلَيْهِ وَلَزِمَهُ- فَآذَانِي وَلَكَزَنِي (٢)، ثُمَّ قُلْتُ لَهُ: هَلْ أَخْزَاكَ اللَّهُ يَا عَدُوَّ اللَّهِ؟ قَالَ: وَبِمَاذَا أَخْزَانِي! أَعْمَدُ مِنْ رَجُلٍ قَتَلْتُمُوهُ، أَخْبِرْنِي لِمَنِ الدَّائِرَةُ (٣) اليَوْمَ؟ قُلْتُ: للَّهِ وَلِرَسُولهِ. . . قَالَ: لقدِ ارْتَقَيْتَ مُرْتَقًى صَعْبًا يَا رُوَيْعِيَّ الْغَنَمِ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁: ثُمَّ احْتَزَزْتُ (٤) رَأْسَهُ، ثُمَّ جِئْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا رَأْسُ عَدُوِّ اللَّهِ أَبِي جَهْلٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :

стр. 1031

"آللَّهُ الذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ، وَاللَّهِ الذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، فَحَمِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اللَّهَ تَعَالَى (١). وَرَوَى ابْنُ مَاجَه فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أَبِي أَوْفَى ﵁ قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى يَوْمَ بُشِّرَ بِرَأْسِ أَبِي جَهْلٍ رَكْعَتَيْنِ (٢). * قَتْلَى الفَرِيقَيْنِ: وَهَكَذَا انْتَهَتْ هَذِهِ المَعْرَكَةُ العَظِيمَةُ بِهَزِيمَةٍ سَاحِقَةٍ لِلْكُفَّارِ، وَبِفَتْحٍ مُبِينٍ لِلْمُسْلِمِينَ، وَقَدِ اسْتُشْهِدَ مِنَ المُسْلِمِينَ فِي هَذِهِ المَعْرَكَةِ العَظِيمَةِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، سِتَّةٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ، وَثَمَانِيَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ. أَمَّا المُشْرِكُونَ فَقَدْ لَحِقَتْهُمْ خَسَائِرُ فَادِحَةٌ، قُتِلَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ وَأُسِرَ سَبْعُونَ، وَعَامَّتُهُمْ مِنَ القَادَةِ وَالزُّعَمَاءِ (٣). أَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: . . . فَقتَلُوا يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ، وَأَسَرُوا سَبْعِينَ (٤).

стр. 1032

وَأَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ ﵄ قَالَ: . . . وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابهُ أَصَابُوا مِنَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ أَرْبَعِينَ وَمِائَةً، سَبْعِينَ أَسِيرًا، وَسَبْعِينَ قَتِيلًا (١). قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: هَذَا هُوَ الحَقُّ فِي عَدَدِ القَتْلَى، وَأَطْبَقَ أَهْلُ السِّيَرِ عَلَى أَنَّهُمْ خَمْسُونَ قَتِيلًا يَزِيدُونَ قَلِيلًا أَوْ يَنْقُصُونَ، سَرَدَهُمُ ابْنُ إِسْحَاقَ (٢) فَبَلَغُوا خَمْسِينَ، وَزَادَ الوَاقِدِيُّ ثَلَاثَةً أَوْ أَرْبَعَةً، وَأَطْلَقَ كَثِير مِنْ أَهْلِ المَغَازِي أَنَّهُمْ بِضْعَةٌ وَأَرْبَعُونَ لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ مَعْرِفَةِ أسْمَاءِ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ عَلَى التَّعْيِينِ أَنْ يَكُونُوا جَمِيعَ مَنْ قُتِلَ، وَقَوْلُ البَرَاءِ: إِنَّ عِدَّتَهُمْ سَبْعُونَ قَدْ وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ ابنُ عَبَّاسٍ وَآخَرُونَ، وَأَخْرَجَ ذَلِكَ مُسْلِم مِنْ حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ (٣)، وَاتفقَ أَهْلُ العلْمِ بِالتَّفْسِيرِ عَلَى أَنَّ المُخَاطَبِينَ بِذَلِكَ أَهْلُ أُحُدٍ، وَأَنَّ المُرَادَ بِأَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا يَوْمَ بَدْرٍ، وَعَلَى أَنَّ عِدَّةَ مَنِ اسْتُشْهِدَ مِنَ المُسْلِمِينَ بِأُحُدٍ سَبْعُونَ نَفْسًا، وَبِذَلِكَ جَزَمَ ابنُ هِشَامٍ، وَاسْتَدَلَّ له بِقَوْلِ كَعْبِ بنِ مَالِكٍ ﵁: فَأَقَامَ بِالطَّعْنِ المُطَعَّنِ مِنْهُمُ ... سَبْعُونَ عُتْبَة مِنْهُمْ وَالأَسْوَدُ يَعْنِي عُتْبَةَ بنَ رَبِيعَةَ بنَ عَبْدِ شَمْسٍ، وَالأَسْوَدَ بنَ عَبْدِ الأَسَدِ بنَ هِلَالٍ

стр. 1033

المَخْزُومِيَّ قَتَلَهُ حَمْزَةُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ ﵁. ثُمَّ سَرَدَ ابنُ هِشَامٍ أسْمَاءً أُخْرَى مِمَّنْ قُتِلَ بِبَدْرٍ غَيْرَ مَنْ ذَكَرَهُ ابنُ إِسْحَاقَ فزَادُوا عَلَى السِّتِّينَ فَقَوِيَ مَا قُلْنَاهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (١). * طَرْحُ المُشْرِكِينَ فِي القَلِيبِ: وَلَمَّا انتهَتِ المَعْرَكَةُ أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلًا مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ (٢) فَقُذِفُوا فِي طَوِيٍّ (٣) مِنْ أَطْوَاءِ بَدْرٍ خَبِيثٍ مُخَبَّثٍ (٤). وَفي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي المُسْنَدِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالقَتْلَى أَنْ يُطْرَحُوا فِي القَلِيبِ، فَطُرِحُوا فِيهِ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ أُمَيَّةَ بنِ خَلَفٍ، فَإِنَّهُ انتفَخَ فِي دِرْعِهِ فَمَلَأَهَا، فَذَهَبُوا لِيُحَرِّكُوهُ، فتَزَايَلَ (٥)، فَأَقَرُّوهُ

стр. 1034

وَأَلْقَوْا عَلَيْهِ مَا غَيَّبَهُ مِنَ التُّرَابِ وَالحِجَارَةِ (١). وَفي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ قَالَ ابنُ مَسْعُودٍ ﵁: . . . فَلَمَّا جَرُّوهُ -أَيْ أُمَيَّةَ بنَ خَلَفٍ- تَقَطَّعَتْ أَوْصَالُهُ (٢). قَالَ العُلَمَاءُ: إِنَّمَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِإِلْقَائِهِمْ فِي البِئْرِ لِئَلَّا يَتَأَذَّى النَّاسُ بِرِيحِهِمْ، وَإِلَّا فَالحَرْبِيُّ لَا يَجِبُ دَفْنُهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ البِئْرَ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَاءٌ معِينٌ (٣). * مَوْقِفُ أَبِي حُذَيْفَةَ بنِ عُتْبَةَ بنِ رَبِيعَةَ ﵁ -: وَلَمَّا أُلْقِيَ الكُفَّارُ فِي القَلِيبِ، وَبَعْدَ أَنْ غُيِّبَ (٤) عُتْبَةُ بنُ رَبِيعَةَ وَالِدُ أَبِي حُذَيْفَةَ ﵁ بِالتُّرَابِ وَالحِجَارَةِ، نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ، فَإِذَا هُوَ كَئِيبٌ قَدْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، فَقَالَ لَهُ الرَّؤُوفُ الرَّحِيمُ ﷺ : "يَا أبا حُذَيْفَةَ! لَعَلَّكَ قَدْ دَخَلَكَ مِنْ شَأْنِ أَبِيكَ شَيْءٌ؟ " فَقَالَ: لَا، وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا شَكَكْتُ فِي اللَّهِ، وَفِي رَسُولِ اللَّهِ، وَلَكِنَّنِي كُنْتُ أَعْرِفُ مِنْ أَبِي رَأْيًا وَحِلْمًا (٥)

стр. 1035

وَفَضْلًا (١)، فَكُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَهْدِيَهُ ذَلِكَ إِلَى الإِسْلَام، فَلَمَّا رَأَيْتُ مَا أصَابَهُ، وَذَكَرْتُ مَا مَاتَ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، بَعْدَ الذِي كُنْتُ أرْجُو لَهُ، أحْزَنَنِي ذَلِكَ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَبِي حُذَيْفَةَ ﵁ بِخَيْرٍ (٢). * الرَّسُولُ ﷺ يُنَادِي صَنَادِيدَ قُرَيْشٍ فِي القَلِيبِ: جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَ لَيَالٍ (٣) فِي بَدْرٍ بَعْدَ انْتِهَاءَ الْمَعْرَكَةِ، فَلَمَّا كَانَ

стр. 1036

بِبَدْرٍ اليَوْمُ الثَّالِثُ أَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ، فَشُدَّ عَلَيْهَا رَحْلُهَا، ثُمَّ مَشَى وَتَبِعَهُ أصْحَابَهُ، وَقَالُوا: مَا نُرَاهُ يَنْطَلِقُ إِلَّا لِبَعْضِ حَاجَتِهِ حَتَّى قَامَ عَلَى شَفَةِ الرِّكيِّ (١)، فَجَعَلَ يُنَادِيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِم: "يَا فُلَانَ بنَ فُلَانٍ، وَفُلَانَ بنَ فُلَانٍ، أَيَسُرُّكُمْ أَنَّكُمْ أَطَعْتُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ؟ فَإِنَّا قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكمْ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ ". فَقَالَ عُمَرُ ﵁: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تُكَلِّمُ مِنْ أَجْسَادٍ لَا أَرْوَاحَ لَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَالذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ". قَالَ قتادَةُ: أحْيَاهُمُ اللَّهُ حَتَّى أسْمَعَهُمْ قَوْله، تَوْبِيخًا وَتَصْغِيرًا، وَنَقِيمَةً وحَسْرَةً ونَدَمًا (٢). وَفِي رِوَايَةِ الإِمَامِ مُسْلِمٍ فِي صَحِيحِهِ وَالإِمَامِ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَنسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا أبَا جَهْلِ بنَ هِشَامٍ، يَا عُتْبَةَ بنَ رَبِيعَةَ، يَا شَيْبَةَ بنَ رَبِيعَةَ، يَا أُمَيَّةَ بنَ خَلَفٍ (٣)، هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكمْ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ فَإنِّي

стр. 1037

وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا؟ " قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تنادِي قَوْمًا قَدْ جَيَّفُوا! قَالَ: "مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُجِيبُوا" (١). * خَطَأٌ فِي الرِّوَايَةِ: قُلْتُ: وَقَعَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (٢) أَنَّ مِنْ بَيْنِ الَّذِينَ نَادَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْوَليدَ بنَ عُقْبَةَ، وَهُوَ غَلَطٌ، وَالصَّوَابُ الوَلِيدُ بنُ عُتْبَةَ. قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ: هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ نُسَخِ مُسْلِمٍ: الْوَلِيدُ بنُ عُقْبَةَ بِالْقَافِ، وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ غَلَطٌ، وَصَوَابُهُ الْوَلِيدُ بنُ عُتْبَةَ بِالتَّاءِ كَمَا ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بنِ أَبِي شَيْبَةَ بَعْدَ هَذَا (٣). وَرَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ (٤) قَالَ: هُمْ وَاللَّهِ كُفَّارُ قُرَيْشٍ. قَالَ عَمْرُو بنُ دِينَارٍ: وَهُمْ قُرَيْشٌ، وَمُحَمَّدٌ ﷺ نِعْمَةُ اللَّهِ، ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ

стр. 1038

الْبَوَارِ﴾ (١) قَالَ: النَّارَ يَوْمَ بَدْرٍ (٢). وَبَعْدَ انْتِهَاءِ هَذِهِ المَعْرَكَةِ العَظِيمَةِ، وَأَخْذِ الأَسْرَى، قِيلَ لِلرَّسُولِ ﷺ : عَلَيْكَ بِالعِيرِ، لَيْسَ دُونَهَا شَيْءٌ، فنَادَاهُ العَبَّاسُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ لَهُ، فَقَالَ ﷺ : "ولِمَ؟ " قَالَ العَبَّاسُ: لِأَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا وَعَدَكَ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَقَدْ أَعْطَاكَ مَا وَعَدَكَ، فَقَالَ ﷺ : "صَدَقْتَ" (٣). * مَكَّةُ تَتَلَقَّى أنْبَاءَ الهَزِيمَةِ ومَوْتُ أَبِي لَهَبٍ: فَرَّ المُشْرِكُونَ مِنْ سَاحَةِ بَدْرٍ فِي صُورَةٍ غَيْرِ مُنَظَّمَةٍ، تَبَعْثَرُوا فِي الوِدْيَانِ وَالشِّعَابِ، وَاتَّجَهُوا صَوْبَ مَكَّةَ مَذْعُورِينَ، لَا يَدْرُونَ كَيْفَ يَدْخُلُونَهَا خَجَلًا (٤). وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ قَدِمَ مَكَّةَ بِمُصَابِ قُرَيْشٍ الحَيْسُمَانُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ الخُزَاعِيُّ، فَقَالُوا: مَا وَرَاءَكَ؟ قَالَ: قُتِلَ عُتْبَةُ بنُ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةُ بنُ رَبِيعَةَ، وَأَبُو الحَكَمِ بنُ

стр. 1039

هِشَامٍ، وَأُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ، وَزَمْعَةُ بنُ الأَسْوَدِ، وَنُبَيْهٌ وَمُنَبِّهٌ ابْنَا الحَجَّاجِ، وَأَبُو البَخْتَرِيِّ بنُ هِشَامٍ، فَلَمَّا أَخَذَ يُعَدِّدُ أشْرَافَ قُرَيْشٍ، قَالَ صَفْوَانُ بنُ أُمَيَّةَ، وَهُوَ قَاعِدٌ فِي الحِجْرِ: وَاللَّهِ إِنْ يَعْقِلْ هَذَا، فَاسْأَلْوهُ عَنِّي، فَقَالُوا: وَمَا فَعَلَ صَفْوَانُ بنُ أُمَيَّةَ؟ . قَالَ: هَا هُوَ ذَاكَ جَالِسًا فِي الحِجْرِ، وَقَدْ وَاللَّهِ رَأَيْتُ أَبَاهُ وَأَخَاهُ حِينَ قُتِلا (١). رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ ﵁ مَوْلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ : كُنْتُ غُلَامًا لِلْعَبَّاسِ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَكَانَ الإِسْلَامُ قَدْ دَخَلَنَا أَهْلَ البَيْتِ، فَأَسْلَمَ العَبَّاسُ، وَأَسْلَمَتْ أُمُّ الفَضْلِ، وَأَسْلَمْتُ، وَكَانَ العَبَّاسُ يَهَابُ قَوْمَهُ، وَيَكْرَهُ خِلَافَهُمْ، وَكَانَ يَكْتُمُ إِسْلَامَهُ، وَكَانَ ذَا مَالٍ كَثِيرٍ مُتَفَرِّقٍ فِي قَوْمِهِ، وَكَانَ أَبُو لَهَبٍ قَدْ تَخَلَّفَ عَنْ بَدْرٍ، فَبَعَثَ مَكَانَهُ العَاصَ بنَ هِشَامِ بنِ المُغِيرَةِ، . . . فَلَمَّا جَاءَهُ الخَبَرُ عَنْ مُصَابِ بَدْرٍ مِنْ قُرَيْشٍ كَبَتَهُ (٢) اللَّهُ وَأَخْزَاهُ، وَوَجَدْنَا فِي أنْفُسِنَا قُوَّةً وَعِزًّا، وَكُنْتُ رَجُلًا ضَعِيفًا، وَكُنْتُ أَعْمَلُ الأَقْدَاحَ (٣) أنْحَتُهَا فِي حُجْرَةِ زَمْزَمَ،

стр. 1040

فَوَاللَّهِ إِنِّي لَجَالِسٌ فِيهَا أنْحَتُ أقْدَاحِي، وَعِنْدِي أُمُّ الفَضْلِ جَالِسَة، وَقَدْ سَرَّنَا مَا جَاءَنَا مِنَ الخَبَرِ، إِذْ أَقْبَلَ أَبُو لَهَبٍ يَجُرُّ رِجْلَيْهِ بِشَرٍّ، حَتَّى جَلَسَ عَلَى طُنُبِ (١) الحُجْرَةِ، فَكَانَ ظَهْرُهُ إِلَى ظَهْرِي، فبيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ، إِذَا قَالَ النَّاسُ: هَذَا أَبُو سُفْيَانَ بنُ الحَارِثِ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ قَدْ قَدِمَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو لَهَبٍ: هَلُمَّ إِلَيَّ فَعِنْدَكَ لَعَمْرِيَ الخَبَرُ، قَالَ: فَجَلَسَ إِلَيْهِ، وَالنَّاسُ قِيَامٌ عَلَيْهِ، فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي! أخْبِرْنِي كَيْفَ كَانَ أمْرُ النَّاسِ؟ . قَالَ: وَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ لَقِينَا القَوْمَ فَمَنَحْنَاهُمْ أكْتَافنَا يَقْتُلُونَنَا كَيْفَ شَاؤُوا، وَأَيْمُ اللَّهِ مَعَ ذَلِكَ مَا لُمْتُ النَّاسَ، لَقِينَا رِجَالًا بِيضًا، عَلَى خَيْلٍ بُلْقٍ، بَيْنَ السَّمَاءَ وَالأَرْضِ، وَاللَّهِ مَا تُلِيقُ (٢) شَيْئًا، وَلَا يَقُومُ لَهَا شَيْءٌ. قَالَ أَبُو رَافِعٍ: فَرَفَعْتُ طُنُبَ الحُجْرَةِ بِيَدِي، ثُمَّ قُلْتُ: تِلْكَ وَاللَّهِ المَلَائِكَةُ، قَالَ: فَرَفَعَ أَبُو لَهَبٍ يَدَهُ فَضَرَبَ بِهَا وَجْهِي ضَرْبَةً شَدِيدَةً، فَثَاوَرْتُهُ (٣) فَاحْتَمَلَنِي فَضَرَبَ بِيَ الأَرْضَ، ثُمَّ بَرَكَ عَلَيَّ يَضْرِبُنِي، وَكُنْتُ رَجُلًا ضَعِيفًا، فَقَامَتْ أُمُّ الفَضْلِ إِلَى عَمُودٍ مِنْ عُمُدِ الحُجْرَةِ فَأَخَذَتْهُ، فَضَرَبَتْهُ بِهِ ضَرْبَةً فَلقتْ (٤) فِي رَأْسِهِ شَجَّةً مُنْكَرَةً، وَقَالَتْ لِأَبِي لَهَبٍ: اسْتَضْعَفْتَهُ أَنْ غَابَ عَنْهُ سَيِّدُهُ؟ .

стр. 1041

فَقَامَ أَبُو لَهَبٍ مُوَليًا ذَلِيلًا، فَوَاللَّهِ مَا عَاشَ إِلَّا سَبْعَ لَيَالٍ حَتَّى رَمَاهُ اللَّهُ بِالعَدَسَةِ (١) فَقتَلَتْهُ. قَالَ أَبُو رَافِعٍ: فَلَقَدْ تَرَكَهُ ابْنَاهُ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً مَا يَدْفِنَانِهِ حَتَّى أنْتَنَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ لِابْنَيْ أَبِي لَهَبٍ: أَلَا تَسْتَحِيَانِ إِنَّ أبَاكُمَا قَدْ أَنْتَنَ فِي بَيْتهِ؟ فَقَالَا: إنَّا نَخْشَى هَذِهِ القَرْحَةَ، وَكَانَتْ قُرَيْش تَتَّقِي العَدَسَةَ كَمَا تَتَّقِي الطَّاعُونَ، فَقَالَ رَجُلٌ: انْطَلِقَا فَأَنَا مَعَكُمَا، فَوَاللَّهِ مَا غَسَلُوهُ إِلَّا قَذْفًا بِالمَاءِ عَلَيْهِ مِنْ بَعِيدٍ، ثُمَّ احْتَمَلُوهُ، فَقَذَفُوهُ فِي أَعْلَى مَكَّةَ إِلَى جِدَارٍ، وَقَذَفُوا عَلَيْهِ الحِجَارَةَ (٢). وَهَكَذَا تَلَقَّتْ مَكَّةُ أنْبَاءَ الهَزِيمَةِ السَّاحِقَةِ فِي مَيْدَانِ بَدْرٍ، وَقَدْ أَثَرَ ذَلِكَ فِيهِمْ أَثَرًا سَيِّئًا جِدًّا، حَتَّى مَنَعُوا النّيَاحَةَ (٣) عَلَى القَتْلَى، لِئَلَّا يَشْمَتَ بِهِمُ المُسْلِمُونَ (٤). قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَكَانَ هَذَا مِنْ تَمَامِ مَا عَذَّبَ اللَّهُ بِهِ أحْيَاءَهُمْ فِي ذَلِكَ الوَقْتِ، وَهُوَ تَرْكُهُمُ النَّوْحَ عَلَى قتلَاهُمْ، فَإِنَّ البُكَاءَ عَلَى

стр. 1042

المَيِّتِ مِمَّا يَبُلُّ فُؤَادَ الحَزِينِ (١). وَعِنْدَ مُوسَى بنِ عُقْبَةَ فِي مَغَازِيهِ قَالَ: لَمَّا وَصَلَ الخَبَرُ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ وَتَحَقَّقُوهُ، قَطَّعَتِ النِّسَاءُ شُعُورَهُنَّ، وَعُقِرَتْ خُيُولٌ كَثِيرَةٌ وَرَوَاحِلُ (٢). * طُرْفَةٌ لِلْأَسْوَدِ بنِ عَبْدِ المُطلِبِ: وَمِنَ الطَّرَائِفِ أَنَّ الأَسْوَدَ بنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ أُصِيبَ له ثَلَاثَةٌ مِنْ أَبْنَائِهِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يَبْكِيَ عَلَيْهِمْ، وَكَانَ ضَرِيرَ البَصَرِ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ، إِذْ سَمِعَ نَائِحَةً مِنَ اللَّيْلِ، فبعَثَ غُلَامَهُ، وَقَالَ له: انْظُرْ هَلْ أُحِلَّ النَّحْبُ (٣)؟ هَلْ بَكَتْ قُرَيْشٌ عَلَى قتلَاهَا؟ لَعَلِّي أَبْكِي عَلَى أَبِي حَكِيمَةَ -ابْنِهِ- فَإِنَّ جَوْفِي قَدِ احْترَقَ، فَرَجَعَ الغُلَامُ، وَقَالَ: إِنَّمَا هِيَ امْرَأَةٌ تَبْكِي عَلَى بَعِيرٍ لَهَا أضَلَّتْهُ، فَلَمْ يتمالَكْ الأَسْوَدُ نَفْسَهُ، وَقَالَ: أَتَبْكِي أَنْ يَضِلَّ لَهَا بَعِيرٌ ... وَيَمْنَعَهَا مِنَ النَّوْمِ السَّهُودِ (٤) فَلَا تَبْكِي عَلَى بَكْرٍ وَلَكِنْ ... عَلَى بَدْرٍ تَقَاصَرَتِ الجُدُودِ (٥) وَبَكَى إِنْ بُكِيَتْ عَلَى عَقِيلٍ ... وَبَكَى حَارِثًا أَسَدَ الأُسُودِ

стр. 1043

وَبَكْيَهُمْ وَلَا تُسَمَّى جَمِيعًا ... وَمَا لِأَبِي حَكِيمَةَ مِنْ نَدِيدِ (١) أَلَا قَدْ سَادَ بَعْدَهُمُ رِجَالٌ ... وَلَوْلَا يَوْمُ بَدْرٍ لَمْ يَسُودُوا (٢) * عَوْدَةُ الرَّسُولِ ﷺ إِلَى المَدِينَةِ: أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ببَدْرٍ، بَعْدَ انْتِهَاءِ المَعْرَكَةِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ -وَكَانَتْ هَذِهِ عَادَتُهُ ﷺ كَمَا ذَكَرْنَا- ثُمَّ أَقْبَلَ رَاجِعًا إِلَى المَدِينَةِ، وَمَعَهُ الأُسَارَى مِنَ المُشْرِكِينَ، فِيهِمْ عُقْبَةُ بنُ أَبِي مُعَيطٍ، وَالنَّضْرُ بنُ الحَارِثِ، وَاحْتَمَلَ مَعَهُ النَّفَلَ (٣) الذِي أَصَابَ مِنَ المُشْرِكِينَ، وَجَعَلَ عَلَيْهِ عَبْدَ اللَّهِ بنَ كَعْبٍ الأَنْصَارِيَّ ﵁ (٤). * أَمْرُ الغَنَائِمِ: وَقَبْلَ رَحِيلِ المُسْلِمِينَ مِنْ بَدْرٍ وَقَعَ خِلَافٌ بَيْنَهُمْ حَوْلَ الغَنَائِمِ؛ لِأَنَّ حُكْمَهَا لَمْ يَكُنْ شُرعَ يَوْمَئِذٍ، وَاشْتَدَّ الخِلَافُ بَيْنَهُمْ حَتَّى أنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى سُورَةَ الأَنْفَالِ. أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ: عُبَادَةَ بنَ الصَّامِتِ ﵁ عَنِ الأَنْفَالِ، فَقَالَ: فِينَا مَعْشَرَ أصْحَابِ بَدْرٍ

стр. 1044

نَزَلَتْ حِينَ اخْتَلَفْنَا فِي الأَنْفَالِ، وَسَاءَتْ فِيهِ أخْلَاقُنَا، فَانْتَزَعَهُ اللَّهُ مِنْ أيْدِينَا، وَجَعَلَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَسَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ المُسْلِمِينَ عَنْ بَوَاءٍ، يَقُولُ: عَلَى السَّوَاءِ (١). * سَبَبُ الِاخْتِلَافِ فِي غَنَائِم غَزْوَةِ بَدْرٍ: وَكَانَ سَبَبُ الخِلَافِ فِي غنَائِمِ بَدْرٍ مَا أخْرَجَهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَالحَاكِمُ وابْنُ إسْحَاقَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَشَهِدْتُ مَعَهُ بَدْرًا، فَالْتَقَى النَّاسُ فَهَزَمَ اللَّهُ العَدُوَّ، فَانْطَلَقَتْ طَائِفَةٌ فِي آثَارِهِمْ يَهْزِمُونَ وَيَقْتُلُونَ، وَأَكَبَّتْ طَائِفَةٌ عَلَى العَسْكَرِ يَحْوُونَهُ (٢) ويَجْمَعُونَهُ،

стр. 1045

وَأَحْدَقَتْ (١) طَائِفَة بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا يُصِيبُ العَدُوُّ مِنْهُ غِرَّةً (٢)، حَتَّى إِذَا كَانَ اللَّيْلُ، وَفَاءَ (٣) النَّاسُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، قَالَ الذِينَ جَمَعُوا الغَنَائِمَ: نَحْنُ حَوَيْنَاهَا وَجَمَعْنَاهَا، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهَا نَصِيبٌ، وَقَالَ الذِينَ خَرَجُوا فِي طَلَبِ العَدُوِّ: لَسْتُمْ بِأَحَقَّ بِهَا مِنَّا، نَحْنُ نَفَيْنَا عَنْهَا العَدُوَّ وهَزَمْنَاهُمْ، وَقَالَ الذِينَ أحْدَقُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : لَسْتُمْ بِأَحَقَّ بِهَا مِنَّا، نَحْنُ أحْدَقْنَا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَخِفْنَا أَنْ يُصِيبَ العَدُوُّ مِنْهُ غِرَّةً وَاشْتَغَلْنَا بِهِ، فنَزَلَتْ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ (٤). وَأَخْرَجَ ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَأَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ: "مَنْ فَعَلَ كَذَا وَكَذَا فَلَهُ مِنَ النَّفْلِ كَذَا وَكَذَا"، فتَقَدَّمَ الفِتْيَانُ (٥) وَلَزِمَ المَشْيَخَةُ (٦) الرَّايَاتِ فَلَمْ يَبْرَحُوهَا، فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، قَالَ المَشْيَخَةُ: كُنَّا رِدْءًا (٧) لَكُمْ، لَوِ

стр. 1046

انْهَزَمْتُمْ لَفِئْتُمْ إِلَيْنَا، فَلَا تَذْهَبُوا بِالغُنْمِ وَنَبْقَى، فَأَبَى الفِتْيَانُ، وَقَالُوا: جَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ. . .﴾ إلى قوله تَعَالَى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ (١). * سَبَبٌ آخَرُ: وَوَرَدَ سَبَبٌ آخَرُ فِي نُزُولِ آيَةِ الأنْفَال وَهُوَ مَا أخْرَجَهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ لِغَيْرِهِ عَنْ سَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ، قُتِلَ أَخِي عُمَيْرٌ، وَقَتَلْتُ سَعِيدَ بنَ العَاصِ (٢) وَأَخَذْتُ سَيْفَهُ، وَكَانَ يُسَمَّى ذَا الكَتِيفَةِ، فَأتَيْتُ بِهِ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: "اذْهَبْ فَاطْرَحْهُ فِي القَبَضِ" (٣). قَالَ: فَرَجَعْتُ، وَبِي مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ مِنْ قتلِ أَخِي، وَأَخْذِ سَلَبِي، قَالَ: فَمَا جَاوَزْتُ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى نَزَلَتْ سُورَةُ الأَنْفَالِ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ

стр. 1047

"اذْهَبْ فَخُذْ سيْفَكَ" (١). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالتِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ سَعْدِ بنِ وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ شَفَانِيَ اللَّهُ اليَوْمَ مِنَ المُشْرِكِينَ، لِي هَذَا السَّيْفَ، قَالَ: "إِنَّ هَذَا السَّيْفَ لَيْسَ لَكَ وَلَا لِي، ضَعْهُ"، قال: فَوَضَعْتُهُ، ثُمَّ رَجَعْتُ، قُلْتُ: عَسَى أَنْ يُعْطِي هَذَا السَّيْفُ اليَوْمَ مَنْ لَمْ يُبْلَ بَلَائِي (٢)، قَالَ: إِذَا رَجُلٌ يَدْعُونِي مِنْ وَرَائِي (٣)، قُلْتُ: قَدْ أُنْزِلَ فِيَّ شَيْءٌ؟ قال: "كُنْتَ سَأَلْتَنِي السَّيْفَ، وَلَيْسَ هُوَ لِي، وَإِنَّهُ قَدْ وُهِبَ لِي، فَهُوَ لَكَ"، قال: وَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٤). وَظَاهِرُ هَذِهِ الأَحَادِيثِ أَنَّ مَا فِيهَا كُلَّهَا أسْبَابٌ لِنُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ (٥)، وَلَيْسَ فِيهَا مَا يُسْتَنْكَرُ فَإِنَّ الجَمِيعَ أَخْبَرَ بِمَا شَاهَدَهُ أَوْ حَصَلَ لَهُ فِي هَذِهِ الغَزْوَةِ، وَالأَسْبَابُ قَدْ تَتَعَدَّدُ كَمَا هُوَ مَعْلُوم.

стр. 1048

* قِسْمَةُ الغَنَائِمِ: فَلَمَّا وَصَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى مَنْطِقَةِ الصَّفْرَاءَ فِي طَرِيقِ العَوْدَةِ إِلَى المَدِينَةِ، قَسَمَ هُنَالِكَ الغَنَائِمَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، فَأَخْرَجَ الخُمُسَ، وَقَسَمَ البَاقِي بَيْنَ المُسْلِمِينَ، وَأَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّحَابَةَ الذِينَ لَم يَشْهَدُوا غَزْوَةَ بَدْرٍ بِسَبَبِ أعْذَارِهِمْ، مِنْهُمْ عُثْمَانُ بنُ عَفَّانَ ﵁؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُمَرِّضُ زَوْجَتَهُ رُقَيَّةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (١). أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ الزُّبَيْرِ ﵁ قَالَ: ضُرِبَتْ يَوْمَ بَدْرٍ لِلْمُهَاجِرِينَ بِمِائَةِ سَهْمٍ (٢). وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صحِيحَيْهِمَا عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: كَانَتْ لِي شارِفٌ (٣) مِنْ نَصِيبِي مِنَ المَغْنَمِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ أعْطَانِي شَارِفًا مِنَ الخُمُسِ (٤). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ وأَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: نَفَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ سَيْفَ أَبِي جَهْلٍ (٥).

стр. 1049

* صَفِيُّ (١) الرَّسُولِ ﷺ : قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: وَقَدْ كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ مِنَ المَغَانِمِ شَيْءٌ يَصْطَفِيهِ لِنَفْسِهِ عَبْدًا أَوْ أَمَةً أَوْ فَرَسًا، أَوْ سَيْفًا، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ مُحَمَّدُ بنُ سِيرِينَ، وَعَامِرٌ الشَّعْبِيُّ، وَتَبِعَهُمَا عَلَى ذَلِكَ أكْثَرُ العُلَمَاءِ (٢). فَقَدْ أَخْرَجَ ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَأَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَتْ صَفِيَّةُ (٣) مِنَ الصَّفِيِّ (٤). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالنَّسَائيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي العَلَاءِ بنِ الشِّخِّيرِ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ مُطَرِّفٍ فِي سُوقِ الإِبِلِ، فَجَاءَهُ أعْرَابِيٌّ مَعَهُ قِطْعَةُ أَدِيمٍ (٥)، أو جِرَابٌ (٦)، فقال: مَنْ يَقرَأ؟ ، أَوْ فِيكمْ مَنْ يَقرَأ؟ ، قلتُ: نَعَمْ، فَأَخَذْتُهُ فَإِذَا فِيهِ: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُول اللَّهِ، لبنِي زُهَيْرِ

стр. 1050

بنِ أُقَيْشٍ -حَيٍّ مِنْ عُكْلٍ-: أَنَّهُمْ إِنْ شَهِدُوا أنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَفَارَقُوا المُشْرِكِينَ، وَأَقَرُّوا بِالخُمْسِ فِي غَنَائِمِهِمْ، وَسَهْمِ النَّبِيِّ ﷺ وَصَفِيِّهِ، فَإِنَّهُمْ آمِنُونَ بِأَمَانِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ" (١). * نَصِيبُ الرَّسُولِ ﷺ مِنَ الغَنَائِمِ: فَكَانَ مِنْ نَصِيبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ الكُبْرَى، مَا أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَابْنُ مَاجَه بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: تَنَفَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَيْفَهُ ذَا الفِقَارِ يَوْمَ بَدْرٍ (٢). ثُمَّ صَارَ هَذَا السَّيْفُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ (٣). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَابْنُ مَاجَه بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ كَانَ أَهْدَى جَمَلَ أَبِي جَهْلٍ، الذِي كَانَ اسْتُلِبَ (٤) يَوْمَ بَدْرٍ فِي رَأْسِهِ بُرَّةٌ (٥) مِنْ فِضَّةٍ، عَامَ الحُدَيْبِيَةِ فِي هَدْيِهِ؛ لِيُغِيظَ بِذَلِكَ المُشْرِكِينَ (٦).

стр. 1051

* مَقْتَلُ النَّضْرِ بنِ الحَارِثِ، وَعُقْبَةَ بنِ أَبِي مُعَيْطٍ: أَكْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَرِيقَهُ إِلَى المَدِينَةِ وَمَعَهُ الأَسْرَى، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى مِنْطَقَةِ الصَّفْرَاءَ، أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلِ النَّضْرِ بنِ الحَارِثِ، وَكَانَ حَامِلَ لِوَاءِ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَكَانَ مِنْ أَكَابِرِ مُجْرِمِي قُرَيْشٍ، وَمِنْ أَشَدِّ النَّاسِ كَيْدًا لِلْإِسْلَامِ، وَإِيذَاءً لِلرَّسُولِ ﷺ ، فَضَرَبَ عُنُقهُ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فَقتَلَهُ (١). وَعِنْدَمَا وَصَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى عِرْقِ الظَّبْيَةِ أَمَرَ عَاصِمَ بنَ ثَابِتِ بنِ أَبِي الأَقْلَحِ، أَنْ يَضْرِبَ عُنُقَ عُقْبَةَ بنِ أَبِي مُعَيْطٍ، وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ الذِي وَضَعَ سَلَى الْجَزُورِ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ سَاجِدٌ (٢)، وَهُوَ الذِي وَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى عُنُقِ الرَّسُولِ ﷺ وَهُوَ سَاجِدٌ (٣). فَقَالَ عُقْبَةُ: مَنْ لِلصِّبْيَةِ يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ ﷺ : "النَّارُ" (٤).

стр. 1052

قَوْلُ عُقْبَةَ: مَنْ لِلصِّبْيَةِ: أَيْ مَنْ يَكْفُلُ الأَطْفَالَ ويُرَبِّيهِمْ، كَأَنَّهُ يُرِيدُ اسْتِعْطَافَ الرَّسُولِ ﷺ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ ﷺ : "النَّارُ"، قَالَ الطِّيبِيُّ: يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ النَّارَ عِبَارَةٌ عَنِ الضَّيَاعِ، وَثَانِيهَا: أَنَّ الجَوَابَ مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمَ، أَيْ لَكَ النَّارُ، وَدَعْ أَمْرَ الصِّبْيَةِ، فَإِنَّ كَافِلَهُمْ هُوَ اللَّهُ (١). قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: كَانَ هَذَانِ الرَّجُلَانِ -النَّضْرُ بنُ الحَارِثِ، عُقْبَةُ بنُ أَبِي مُعَيْطٍ- مِنْ شَرِّ عِبَادِ اللَّهِ، وَأَكْثَرِهِمْ كُفْرًا وَعِنَادًا، وَبَغْيًا وَحَسَدًا، وَهِجَاءً لِلْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، لَعَنَهُمَا اللَّهُ، وَقَدْ فَعَلَ (٢). * تَبْشِيرُ أَهْلِ المَدِينَةِ بِالنَّصْرِ: ثُمَّ ارْتَحَلَ رَسُولُ اللَّهِ مُؤَيَّدًا مَنْصُورًا، قَرِيرَ العَيْنِ بِنَصْرِ اللَّهِ لَهُ، وَمَعَهُ الأُسَارَى، وَالغَنَائِمُ الكَثِيرَةُ، وَقَدْ بَعَثَ بَيْنَ يَدَيْهِ بَشِيرًا إِلَى المَدِينَةِ بِالفَتْحِ وَالنَّصْرِ وَالظَّفَرِ عَلَى مَنْ أشْرَكَ بِاللَّهِ، أَحَدُهُما: عَبْدُ اللَّهِ بنُ رَوَاحَةَ، وَالثَّانِي: زَيْدُ بنُ حَارِثَةَ. أَخْرَجَ الحَاكِمُ فِي المُسْتَدْرَكِ وَصَحَّحَهُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بنِ سَهْلٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ بَدْرٍ، بَعَثَ بَشِيْرَيْنِ إِلَى أَهْلِ المَدِينَةِ، بَعَثَ زَيْدَ بنَ

стр. 1053

حَارِثَةَ ﵁ إِلَى أَهْلِ السَّافِلَةِ، وَبَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بنَ رَوَاحَةَ ﵁ إِلَى أَهْلِ العَالِيَةِ، يُبَشِّرُونَهُمْ بِفَتْحِ اللَّهِ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ ، فَوَافَقَ زَيْدُ بنُ حَارِثَةَ ابْنَهُ أُسَامَةَ حِينَ سُوِّي التُّرَابُ عَلَى رُقيَّةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقِيلَ له: ذَاكَ أَبُوكَ حِينَ قَدِمَ، قَالَ أُسَامَةُ: فَجِئْتُ وَهُوَ وَاقِف لِلنَّاسِ يَقُولُ: قُتِلَ عُتْبَةُ بنُ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةُ بنُ رَبِيعَةَ، وَأَبُو جَهْلِ بنُ هِشَامٍ، وَنُبِيهُ وَمُنبِّهُ ابْنَا الحَجَّاجِ، وَأُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ، فَقُلْتُ: يَا أَبَتِ أَحَقٌّ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ وَاللَّهِ يَا بُنَيَّ (١). وَرَوَى البَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ ﵄ قَالَ: . . . فَجَاءَ زَيْدُ بنُ حَارِثَةَ عَلَى العَضْبَاءِ نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالبِشَارَةِ، قَالَ أُسَامَةُ: فَسَمِعْتُ الهَيْعَةَ (٢)، فَخَرَجْتُ، فَإِذَا زَيْدٌ قَدْ جَاءَ بِالبِشَارَةِ، فَوَاللَّهِ مَا صَدَّقْتُ حَتَّى رَأَيْتُ الأُسَارَى (٣). وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بنُ رَوَاحَةَ ﵁ فَجَعَلَ يُنَادِي أَهْلَ العَالِيَةِ، وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ! أَبْشِرُوا بِسَلَامَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقتلِ المُشْرِكِينَ وأَسْرِهِمْ، قُتِلَ ابْنَا رَبِيعَةَ، وَابْنَا الحَجَّاجِ، وَأَبُو جَهْلٍ، وَقُتِلَ زَمْعَةُ بنُ الأَسْوَدِ، وَأُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ، وَأُسِرَ سُهَيْلُ بنُ عَمْرٍو، قَالَ عَاصِمُ بنُ عَدِيٍّ: فَقُمْتُ إِلَيْهِ فنَحَوْتُهُ (٤)

стр. 1054

فَقُلْتُ: أَحَقًّا يَا ابْنَ رَوَاحَةَ؟ فَقَالَ؛ إِي وَاللَّهِ، وَغَدًا يَقْدُمُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالأَسْرَى مُقَرَّنِينَ، ثُمَّ تَتبَعَ دُورَ الأَنْصَارِ بِالعَالِيَةِ يُبَشِّرُهُمْ دَارًا دَارًا، وَالصِّبْيَانُ يُنْشِدُونَ مَعَهُ يَقُولُونَ: قُتِلَ أَبُو جَهْلٍ الفَاسِقُ، حَتَّى انتهَى إِلَى بَنِي أُمَيَّةَ بنِ زَيْدٍ (١). قَالَ حَسَّانُ بنُ ثَابِتٍ ﵁: فَمَا نَخْشَى بِحَوْلِ اللَّهِ قَوْمًا ... وَإِنْ كَثُرُوا وَأَجْمَعَتِ الزُّحُوفُ إِذَا مَا أَلَّبُوا (٢) جَمْعًا عَلَيْنَا ... كَفَانَا حَدَّهُمْ رَبٌّ رَؤُوفُ سَمَوْنَا يَوْمَ بَدْرٍ بِالعَوَالِي ... سِرَاعًا مَا تُضَعْضِعُنَا (٣) الحُتُوفُ (٤) فَلَمْ تُرَ عُصْبَةً فِي النَّاسِ أَنْكَى ... لِمَنْ عَادَوْا إِذَا لَقِحَتْ كُشُوفُ وَلَكِنَّا تَوَكَّلْنَا وَقُلْنَا ... مَآثِرُنَا وَمَعْقِلُنَا السُّيُوفُ لَقِينَاهُمْ بِهَا لَمَّا سَمَوْنَا ... وَنَحْنُ عِصَابَة وَهُمُ أُلُوفُ (٥) * تَهْنِئَةُ الرَّسُولِ ﷺ بِالنَّصْرِ: وَلَمَّا وَصَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى مِنْطَقَةِ الرَّوْحَاءِ لَقِيَهُ رُؤُوسُ المُسْلِمِينَ

стр. 1055

يُهَنِّؤُونَهُ بِمَا فتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ أُسَيْدُ بنُ الحُضَيْرِ ﵁: يَا رَسُولَ اللَّهِ الحَمْدُ للَّهِ الذِي أَظْفَرَكَ وَأَقَرَّ عَيْنَكَ، وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كَانَ تَخَلُّفِي عَنْ بَدْرٍ، وَأَنَا أَظُنُّ أَنَّكَ تَلْقَى عَدُوًّا، وَلَكِنْ ظَنَنْتُ أَنَّهَا عِيرٌ، وَلَوْ ظَنَنْتُ أَنَّهُ عَدُوٌّ مَا تَخَلَّفْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "صَدَقْتَ" (١). ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى دَخَلَ المَدِينَةَ النَّبَوِيَّةَ مُؤَيَّدًا مُظَفَّرًا، قَدْ خَافه كُلُّ عَدُوٍّ لَهُ دَاخِلَ وَخَارجَ المَدِينَةِ، فَأَسْلَمَ بَشَرٌ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ، وَحِينَئِذٍ دَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ، وَأَصْحَاُبهُ فِي الإِسْلَامِ نِفَاقًا. * قَضِيَّةُ الأَسْرَى: أَمَّا الْأَسْرَى، فَقَدْ فَرَّقَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَصْحَابِهِ، وَقَالَ: "اسْتَوْصُوا بِهِمْ خَيْرًا" (٢). فَكَانَ الصَّحَابَةُ ﵃، يُطْعِمُونَ أَسْرَاهُمُ الخُبْزَ. قَالَ أَبُو عَزِيزٍ أَخُو مُصْعَبِ بنِ عُمَيْرٍ -وَكَانَ أَسِيرًا-: كُنْتُ فِي رَهَطٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَكَانُوا إِذَا قَدَّمُوا غَدَاءَهُمْ أَوْ عَشَاءَهُمْ خَصُّونِي بِالخُبْزِ، وَأَكَلُوا التَّمْرَ، لِوَصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِيَّاهُمْ بِنَا، حَتَّى مَا تَقَعُ فِي يَدِ رَجُلٍ مِنْهُمْ كِسْرَةُ
следующие страницы →