← Сира

Сира · id 38114

اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون

موسى بن راشد العازمي

Полный текст (2 595 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

وَيَحُولَ بَيْنَهُمْ وبَيْنَ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِ، فنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ عَلَى أَفْضَلِ بِئْرٍ مِنْ آبَارِ بَدْرٍ. رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: . . . سَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى بَدْرٍ، وَبَدْر بِئْرٌ، فَسَبَقْنَا المُشْرِكِينَ إِلَيْهَا (١). * رِوَايَةٌ مَشْهُورَة ضَعِيفَةٌ: وَأَمَّا مَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ الحُبابَ بنَ المُنْذِرِ ﵁ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أرَأَيْتَ هَذَا المَنْزِلَ، أَمَنْزِلًا أنْزَلَكَهُ اللَّهُ لَيْسَ لَنَا أَنْ نتقَدَّمَهُ، وَلَا نتأَخَّرَ عَنْهُ، أَمْ هُوَ الرَّأْيُ وَالحَرْبُ والمَكِيدَةُ؟ . قَالَ ﷺ : "بَلْ هُوَ الرَّأْيُ وَالحَرْبُ وَالمَكِيدَةُ". قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَنْزِلٍ، فَانْهَضْ بِالنَّاسِ حَتَّى نَأْتِيَ أَدْنَى مَاءٍ مِنَ القَوْمِ، فنَنْزِلهُ، ثُمَّ نُغَوِّرَ (٢) مَا وَرَاءَهُ مِنَ القُلُبِ، ثُمَّ نَبْنِي عَلَيْهِ حَوْضًا فنَمْلَؤُهُ مَاءً، ثُمَّ نُقَاتِلُ القَوْمَ، فنَشْرَبُ وَلَا يَشْرَبُونَ، فَقَالَ ﷺ : "لَقَدْ أَشرْتَ بِالرَأْيِ" (٣).

стр. 982

فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ -رَغْمَ شُهْرَتِهَا- ضَعِيفَةٌ مِنْ حَيْثُ السَّنَدِ، وَمُخَالِفَة لِلرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ التِي أخْرَجَهَا الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ عَنْ عَلِيٍّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ هُوَ الذِي اخْتَارَ النُّزُولَ عَلَى أفْضَلِ مَاءٍ مِنْ مِيَاهِ بِئْرِ بَدْرٍ أَوَّلَ مَا نَزَلَ. * بِنَاءُ العَرِيشِ (١): وَبَعْدَ أَنْ نَزَلَ المُسْلِمُونَ عَلَى المَاءِ وَاسْتَقَرَّ أمْرُهُمْ، قَالَ سَعْدُ بنُ مُعَاذٍ ﵁ لِلرَّسُولِ ﷺ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ! ألا نَبْنِي لَكَ عَرِيشًا تَكُونُ فِيهِ، وَنُعِدُّ عِنْدَكَ رَكَائِبكَ (٢)، ثُمَّ نَلْقَى عَدُوَّنَا، فَإِنْ أَعَزَّنَا اللَّهُ وَأَظْهَرَنَا عَلَى عَدُوِّنَا، كَانَ ذَلِكَ مَا أَحْبَبْنَا، وَإِنْ كَانَتِ الأُخْرَى، جَلَسْتَ عَلَى رَكَائِبِكَ، فَلَحِقْتَ بِمَنْ وَرَاءَنَا مِنْ قَوْمِنَا، فَقَدْ تَخَلَّفَ عَنْكَ أَقْوَامٌ، يَا نَبِيَّ اللَّهِ، مَا نَحْنُ بِأَشَدَّ لَكَ حُبًّا مِنْهُمْ، وَلَوْ ظَنُّوا أَنَّكَ تَلْقَى حَرْبًا مَا تَخَلَّفُوا عَنْكَ، يَمْنَعُكَ اللَّهُ بِهِمْ، يُنَاصِحُونَكَ وَيُجَاهِدُون مَعَكَ. فَأَثْنَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْرًا، وَدَعَا لَهُ بِخَيْرٍ. ثُمَّ بُنِيَ العَرِيشُ، وَكَانَ مِنْ جَرِيدٍ (٣)، فَوْقَ تَلٍّ مُشْرِفٍ (٤) عَلَى المَعْرَكَةِ،

стр. 983

فَدَخَلَهُ الرَّسُولُ ﷺ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ (١). وَقَامَ سَعْدُ بنُ مُعَاذٍ ﵁ مُتَوَشِّحًا سَيْفَهُ في نَفَرٍ مِنَ الأَنْصَارِ يَحْرُسُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (٢). قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: فَهَذِهِ خُصُوصِيَّة لِلصِّدِّيقِ ﷺ حَيْثُ هُوَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في العَرِيشِ، كَمَا كَانَ مَعَهُ في الغَارِ ﵁ وَأَرْضَاهُ (٣). وَهَذِهِ الفِكْرَةُ التِي أشَارَ بِهَا سَعْدٌ ﵁ هِيَ مِنْ أدَقِّ فُنُونِ الحَرْبِ، فَالقَائِدُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بِمَنْأَى عَنْ مَيْدَانِ القِتَالِ؛ حَتَّى يَكُونَ قَادِرًا عَلَى التَّوْجِيهِ وَالإِشَارَةِ بِمَا يَرَاهُ مِنْ أسَالِيبِ القِتَالِ، وَحَتَّى لَا يُصَابَ فَيَنْفَرِطَ بِإِصَابَتِهِ عِقْدُ الجَيْشِ، فَيَكُونَ مَاَلَهُ الفَشَلُ والهَزِيمَةُ (٤).

стр. 984

أَخْرَجَ البَزَّارُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: يَا أيُّها النَّاسُ مَنْ أشْجَعُ النَّاسِ؟ فَقَالُوا: أَنْتَ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: أمَا إِنِّي مَا بَارَزَنِي أَحَدٌ إِلَّا انْتَصَفْتُ مِنْهُ، وَلَكِنْ هُوَ أَبُو بَكْرٍ، إنَّا جَعَلْنَا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَرِيشًا، فَقُلْنَا مَنْ يَكُونُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَهْوِي إِلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَوَاللَّهِ مَا دَنَا مِنَّا أحَدٌ إِلَّا أَبُو بَكْرٍ شَاهِرًا بِالسَّيْفِ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، لَا يَهْوِي إِلَيْهِ أحَدٌ إِلَّا أَهْوَى عَلَيْهِ، فَهَذَا أشْجَعُ النَّاسِ (١). * تَعْبِئَةُ (٢) الرَّسُولِ ﷺ أَصْحَابَهُ وَقَضَاؤُهُ اللَّيْلَ مُصَلِّيًا: ثُمَّ صَفَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أصْحَابَهُ، وعَبَّاَهُمْ لَيْلًا أحْسَنَ تَعْبِئَةٍ، وَذَلِكَ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ السَّاجَ عَشَرَ مِنْ رَمَضانَ، وَجَعَلَ يَمْشِي في مَوْضِعِ المَعْرَكَةِ، وَجَعَلَ يُشِيرُ بِيَدِهِ في أَرْضِ الْمَعْرَكَةِ، وَيَقُولُ: "هَذَا مَصْرَعُ (٣) فُلَانٍ غَدًا، وَهَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ غَدًا إِنْ شاءَ اللَّهُ (٤)، وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى الأَرْضِ، هَهُنَا وَهَهُنَا". قَالَ أنَسٌ

стр. 985

-﵁: فَوَاللَّهِ مَا أمَاطَ (١) رَجُلٌ مِنْهُمْ عَنْ مَوْضِعِ كَفَّيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (٢). وَأخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي أيُّوبٍ الأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: صَفَفْنَا يَوْمَ بَدْرٍ، فنَدَرَتْ مِنَّا نَادِرَةٌ (٣) أمَامَ الصَّفِّ، فنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: "مَعِي (٤) مَعِي" (٥). وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ لَكِنْ يَشْهَدُ لَهُ الحَدِيثُ الذِي قَبْلَهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ ﵁ قَالَ: عَبَّأَنَا النَّبِيُّ ﷺ بِبَدْرٍ لَيْلًا (٦). * نزولُ النُّعَاسِ عَلَى الصَّحَابَةِ ﵃: وَأَصَابَ المُسْلِمِينَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ النُّعَاسُ أَمَنَةً مِنَ اللَّهِ، فنَامُوا جَمِيعًا، فَكَانَتْ لَيْلَةً هَادِئَةً غَمَرَتْ قُلُوبَ الصَّحَابَةِ ﵃ بِالثِّقَةِ، وَأَخَذُوا

стр. 986

مِنَ الرَّاحَةِ قِسْطَهُمْ (١). قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿. . . يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ (٢). أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: مَا كَانَ فِينَا فَارِسٌ يَوْمَ بَدْرٍ غَيْرُ المِقْدَادِ، وَلقدْ رَأَيْتُنَا وَمَا فِينَا إِلَّا نَائِمٌ (٣). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وَابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: أَنَّ أبَا طَلْحَةَ الأَنْصَارِيَّ ﵁ قَالَ: غَشِيَنَا النُّعاسُ وَنَحْنُ في مَصَافِّنَا يَوْمَ بَدْرٍ. قَالَ أَبُو طَلْحَةَ: كُنْتُ فِيمَنْ غَشِيَهُ النُّعَاسُ يَوْمَئِذٍ، فَجَعَلَ سَيْفِي يَسْقُطُ مِنْ يَدِي وَآخُذُهُ، وَيَسْقُطُ وَآخُذُهُ (٤). وَأَمَّا قِصَّةُ النُّعَاسِ الذِي غَشِيَ المُسْلِمِينَ قَبْلَ المَعْرَكَةِ فَهِيَ قِصَّةُ حَالَةٍ نَفْسِيَّةٍ عَجِيبَةٍ، لَا تَكُونُ إِلَّا بِأَمْرِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ وَتَدْبِيرِهِ. . . لَقَدْ فَزعَ المُسْلِمُونَ وَهُمْ يَرَوْنَ أنْفُسَهُمْ قِلَّةً في مُوَاجَهَةِ خَطَرٍ لَمْ يَحْسِبُوا حِسَابَهُ وَلَمْ يَتَّخِذُوا لَهُ عُدَّتَهُ. . .

стр. 987

فَإِذَا النُّعَاسُ يَغْشَاهُمْ، ثُمَّ يَصْحَوْنَ مِنْهُ وَالسَّكِينَةُ تَغْمُرُ نُفُوسَهُمْ، وَالطُّمَأْنِينَةُ تَفِيضُ عَلَى قُلُوبِهِمْ. . . وَلقدْ كُنْتُ أَمُرُّ عَلَى هَذِهِ الآيَاتِ، وَأَقْرَأُ أخْبَارَ هَذَا النُّعَاسِ، فَأُدْرِكُهُ كَحَادِثٍ وَقَعَ، يَعْلَمُ اللَّه سِرَّهُ، وَيُحْكَى لَنَا خَبَرُهُ. . . ثُمَّ إِذَا بِي أَقَعُ في شِدَّةٍ، وَتَمُرُّ عَلَيَّ لَحَظَاتٌ مِنَ الضَّيْقِ المَكْتُومِ، والتَّوَجُّسِ القَلِقِ، في سَاعَةِ غُرُوبٍ. . . ثُمَّ تُدْرِكُنِي سِنَة مِنَ النَّوْمِ لَا تَتَعَدَّى بِضْعَ دَقَائِقَ. . . وَأَصْحُو إِنْسَانًا جَدِيدًا غَيْرَ الذِي كَانَ. . . سَاكِنَ النَّفْسِ. . . مُطْمَئِنَّ القَلْبِ، مُسْتَغْرِقًا في الطُّمَأْنِينَةِ الوَاثِقَةِ العَمِيقَةِ. . . كَيْفَ تَمَّ هَذَا؟ كَيْفَ وَقَعَ هَذَا التَّحَوُّلُ المُفَاجِئُ؟ لَسْتُ أَدْرِي! وَلَكِنِّي بَعْدَهَا أُدْرِكُ قِصَّةَ بَدْرٍ وَأُحُدٍ. أُدْرِكُهَا في هَذِهِ المَرَّةِ بِكَيَانِي كُلِّهِ لَا بِعَقْلِي، وَأسْتَشْعِرُهَا حَيَّةً في حِسِّي لَا مُجَرَّدَ تَصَوُّرٍ. . . لَقَدْ كَانَتْ هَذِهِ الغَشْيَةُ، وَهَذِهِ الطُّمَأْنِينَةُ، مَدَدًا مِنْ أَمْدَادِ اللَّهِ لِلْعُصْبَةِ المُسْلِمَةِ يَوْمَ بَدْرٍ (١). قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: وَكَأَنَّ ذَلِكَ -أَي النُّعاسَ- كَانَ سَجِيَّةً لِلْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ شِدَّةِ البَأْسِ؛ لِتَكُونَ قُلُوُبهُمْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً بِنَصْرِ اللَّهِ، وَهَذَا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ بِهِمْ وَنِعَمِهِ عَلَيْهِمْ (٢). * صَلَاةُ الرَّسُولِ ﷺ بِاللَّيْلِ: أَمَّا الرَّسُولُ ﷺ فَقَدْ بَاتَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ يُصَلِّي تَحْتَ شَجَرَةٍ، يَتَضَرَّعُ إِلَى اللَّهِ ، وَيَبْكِي، وَيُكْثِرُ في سُجُودِهِ قَوْلَ: "يَا حَيُّ يَا قيّومُ"، يُكَرِّرُ ذَلِكَ

стр. 988

حَتَّى أصْبَحَ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وَابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: مَا كَانَ فِينَا فَارِسٌ يَوْمَ بَدْرٍ غَيْرُ المِقْدَادِ، وَلقدْ رَأَيْتُنَا وَمَا فِينَا إِلَّا نَائِم، إِلَّا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَحْتَ شَجَرَةٍ يُصَلِّي، وَيَبْكِي، حَتَّى أصْبَحَ (١). وَأَخْرَجَ ابنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا أصْبَحَ بِبَدْرٍ مِنَ الغَدِ أحْيَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ كُلَّهَا (٢). * صَلَاةُ الفَجْرِ لِيَوْمِ الجُمُعَةِ، وَهُوَ يَوْمُ الفُرْقَانِ: فَلَمَّا طَلَعَ فَجْرُ يَوْمِ الجُمُعَةِ السَّابعَ عَشَرَ مِنْ رَمَضَانَ مِنَ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ لِلْهِجْرَةِ، وَهُوَ يَوْمُ الفُرْقَانِ، يَوْمَ التْقَى الجَمْعَانِ، نَادَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الصَّلَاةُ عِبَادَ اللَّهِ" فَجَاءَ النَّاسُ مِنْ تَحْتِ الشَّجَرِ وَالحَجَفِ (٣)، -وَكَانُوا قَدِ اسْتَظَلُّوا تَحْتَهَا مِنَ المَطَرِ كَمَا ذَكَرْنَا فِيمَا مَضَى- فَصَلَّى بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَحَرَّضَ عَلَى القِتَالِ ثُمَّ قَالَ ﷺ : "إِنَّ جَمْعَ قُريْشٍ تَحْتَ هَذِهِ الضِّلع (٤) الحَمْرَاءِ مِنَ الجَبَلِ" (٥).

стр. 989

* تَسْوِيَةُ الصُّفُوفِ وَتَوْجِيهَاتٌ في كيْفِيَّةِ القِتَالِ: ثُمَّ صَفَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أصْحَابَهُ صَبَاحَ يَوْمِ الجُمُعَةِ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ قُريْشٌ إِلَى الوَادِي، وَأَخَذَ يُعَدِّلُ صُفُوفَهُمْ بِقِدْحٍ (١) في يَدِهِ، يُشِيرُ إِلَى هَذَا تَقَدَّمْ وَإِلَى هَذَا تَأَخَّرْ، فَمَرَّ بِسَوَادِ بنِ غَزِيَّةَ (٢) ﵁، حَلِيفِ بَنِي عَدِيِّ بنِ النَّجَّارِ، وَهُوَ مُسْتَنْتِلٌ (٣) مِنَ الصَّفِّ، فَطَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في بَطْنِهِ بِالقِدْحِ، وَقَالَ: "اسْتَوِ يَا سَوَادُ"، فَقَالَ سَوَاد: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَوْجَعْتَنِي، وَقَدْ بَعَثَكَ اللَّهُ بِالحَقِّ وَالعَدْلِ فَأَقِدْنِي (٤)، فكشَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَطْنِهِ الشَّرِيفِ، وَقَالَ: "اسْتَقِدْ"، فَاعْتَنَقَهُ، فَقَبَّلَ بَطْنَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا يَا سَوَادُ؟ " قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! حَضَرَ مَا تَرَى، فَأَرَدْتُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ العَهْدِ بِكَ أَنْ يَمَسَّ جِلْدِي جِلْدَكَ، فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِخَيْرٍ (٥). وَبَعْدَ ذَلِكَ أمَرَ الرَّسُولُ ﷺ أصْحَابَهُ فَقَالَ: "لَا تَبْدَؤُا القِتَالَ حَتَّى آذَنكُمْ"، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِم في صَحِيحِهِ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ عَنْ أنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: . . . وَجَاءَ المُشْرِكُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدٌ

стр. 990

مِنْكُمْ إِلَى شَيءٍ حَتَّى أَكُونَ أَنَا أُوذِنُهُ" (١). ثُمَّ وَجَّهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أصْحَابَهُ إِلى كَيْفِيَّةِ القِتَالِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ حِينَ صَفَفْنَا لِقُرَيْشٍ: "إِذَا أَكْثَبُوكُمْ (٢) فَارْمُوهُمْ، وَاسْتَبِقُوا (٣) نَبْلَكُمْ" (٤). وفي رواية أبي داود قال ﷺ : "إِذَا أَكْثَبُوكُمْ فَارْمُوهُمْ بِالنَّبْلِ، وَلَا تَسُلُّوا السُّيُوفَ حَتَّى يَغْشَوْكُمْ" (٥).

стр. 991

وَفِي رِوَايَةِ ابنِ إسْحَاقَ في السِّيرَةِ قَالَ ﷺ : "إِنِ اكتَنَفَكُمُ (١) القَوْمُ فَانْضَحُوهُمْ (٢) عَنْكُمْ بِالنَّبْلِ" (٣). * نُزُولُ جَيْشِ قُرَيْشٍ إِلَى وَادِي بَدْرٍ وَوُقُوعُ الِانْشِقَاقِ فِيهِ: أَمَّا قُرَيْشٌ فَقَضَتْ لَيْلَةَ بَدْرٍ في مُعَسْكَرِهَا بِالعُدْوَةِ القُصْوَى، فَلَمَّا رَاَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تنْحَدِرُ مِنَ الكَثِيبِ إِلَى وَادِي بَدْرٍ قَالَ: "اللَّهُمَّ هَذِهِ قُرَيْشٌ قَدْ أَقْبَلَتْ بِخُيَلَائِهَا وَفَخْرِهَا، تُحَادُّكَ (٤) وَتُكَذِّبُ رَسُولَكَ، اللَّهُمَّ فنصْرَكَ الذِي وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ أَحِنْهُمُ (٥) الغَدَاةَ" (٦). فَلَمَّا اطْمَأنَّتْ قُرَيْشٌ بَعَثَتْ عُمَيْرَ بنَ وَهْبٍ الجُمَحِيَّ طَلِيعَةً (٧) لِيَحْزِرَ (٨) أصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَيَأْتِيَهُمْ بِعَدَدِهِمْ وَعُدَّتِهِمْ، فَاسْتَجَالَ (٩) عُمَيْرٌ بِفَرَسِهِ حَوْلَ العَسْكَرِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِم، فَقَالَ: ثَلَاثُمِائَةِ رَجُلٍ يَزِيدُونَ قَلِيلًا أَوْ يَنْقُصُونَ، وَلَكِنْ

стр. 992

أمْهِلُونِي حَتَّى أنْظُرَ أَلِلْقَوْمِ كَمِينٌ أَوْ مَدَدٌ، فَضَرَبَ (١) في الوَادِي حَتَّى أبْعَدَ، فَلَمْ يَرَ شَيْئًا، فَرَجَعَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: مَا وَجَدْتُ شَيْئًا، وَلَكِنِّي قَدْ رَأَيْتُ، يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، البَلَايَا (٢) تَحْمِلُ المَنَايَا، نَوَاضِحُ (٣) يَثْرِبَ تَحْمِلُ السُّمَّ النَاقِعَ (٤)، أَمَا ترَوْنَهُمْ خُرْسًا لَا يَتَكَلَّمُونَ، يَتَلَمَّظُونَ (٥) تَلَمُّظَ الأَفَاعِي، وَاللَّهِ مَا أَرَى أَنْ يُقْتَلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، حَتَّى يَقْتُلَ رَجُلًا مِنْكُمْ، فَإِذَا أصَابُوا مِنْكُمْ أَعْدَادَهُمْ فَمَا خَيْرُ العَيْشِ بَعْدَ ذَلِكَ؟ فَرَوْا رَأْيَكُمْ (٦). فَلَمَّا سَمِعَ حَكِيمُ بنُ حِزَامٍ ذَلِكَ مَشَى في النَّاسِ، فَأَتَى عُتْبَةَ بنَ رَبِيعَةَ فَقَالَ: يَا أبَا الوَليدِ! إِنَّكَ كَبِيرُ قُرَيْشٍ وَسَيِّدُهَا، المُطَاعُ فِيهَا، هَلْ لَكَ إِلَى خَيْرٍ تُذْكَرُ بِهِ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ، أَوْ قَالَ: هَلْ لَكَ أَنْ تَذْهَبَ بِشَرَفِ هَذَا اليَوْمِ مَا بَقِيتَ؟ . قَالَ: وَمَا ذَاكَ يَا حَكِيمُ؟ قَالَ: تَرْجعُ بِالنَّاسِ، وَتَحْمِلُ أَمْرَ حَلِيفِكَ عَمْرِو

стр. 993

بنِ الحَضْرَمِيِّ (١)، أَوْ قَالَ: إِنَّكُمْ لَا تَطْلُبُونَ مِنْ مُحَمَّدٍ إِلَّا دَمَ ابنِ الحَضْرَمِيِّ، وَهُوَ حَلِيفُكَ فتَحَمَّلْ دِيَتَهُ وَتَرْجعَ بِالنَّاسِ، فَقَالَ: قَدْ فَعَلْتُ، أَنْتَ عَلَيَّ بِذَلِكَ، إِنَّمَا هُوَ حَلِيفِي، فَعَلَيَّ عَقْلُهُ (٢)، وَمَا أُصِيبَ مِنْ مَالِهِ (٣). ثُمَّ قَالَ عُتْبَةُ لِحَكِيمِ بنِ حِزَامٍ: فَأْتِ ابنَ الحَنْظَلِيَّةِ -يَعْنِي أبَا جَهْلٍ- فَإِنِّي لَا أخْشَى أَنْ يَشْجُرَ (٤) أمْرَ النَّاسِ غَيْرُهُ، ثُمَّ قَامَ عُتْبَةُ بنُ رَبِيعَةَ خَطِيبًا، فَقَالَ: يَا قَوْمِ، إِنِّي أَرَى قَوْمًا مُسْتَمِيتِينَ لَا تَصِلُونَ إِلَيْهِمْ وَفِيكُمْ خَيْرٌ، يَا قَوْمِ اعْصُبُوهَا اليَوْمَ بِرَأْسِي (٥)، وَقُولُوا: جَبُنَ عُتْبَةُ بنُ رَبِيعَةَ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ أنِّي لَسْتُ بِأَجْبَنِكُمْ (٦). وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوَّلَ مَا رَأَى الكُفَّارَ: "إِنْ يَكْنُ في القَوْمِ أَحَدٌ يَأْمُرُ بِخَيْرٍ، فَعَسَى أَنْ يَكُونَ صَاحِبُ الجَمَلِ الأَحْمَرِ، وَكانَ عُتْبَةَ بنَ رَبِيعَةَ"، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: . . . فَلَمَّا دَنَا القَوْمُ مِنَّا وصَافَفْنَاهُمْ، إِذَا رَجُلٌ مِنْهُمْ عَلَى جَمَلٍ أحْمَرَ يَسِيرُ في

стр. 994

القَوْمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا عَلِيُّ، نَادِ لِي حَمْزَةَ -وَكَانَ أقْرَبَهُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ-: مَنْ صَاحِبُ الجَمَلِ الأَحْمَرِ، وَمَاذَا يَقُولُ لَهُمْ"؟ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنْ يَكُنْ في القَوْمِ أَحَدٌ يَأْمُرُ بِخَيْرٍ، فَعَسَى أَنْ يَكُونَ صَاحِبَ الجَمَلِ الأَحْمَرِ"، فَجَاءَ حَمْزَةُ فَقَالَ: هُوَ عُتْبَةُ بنُ رَبِيعَةَ، وَهُوَ يَنْهَى عَنِ القِتَالِ (١). فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو جَهْلٍ عُتْبَةَ بنَ رَبِيعَةَ وَهُوَ يَنْهَى النَّاسَ عَنِ القِتَالِ قَالَ: أَنْتَ تَقُولُ هَذَا؟ وَاللَّهِ لَوْ غَيْرُكَ يَقُولُ هَذَا لَأَعْضَضْتُهُ (٢)، قَدْ مَلَأَتْ رِئَتُكَ جَوْفَكَ رُعْبًا (٣). وَفِي رِوَايَةِ ابنِ إِسْحَاقَ في السِّيرَةِ قَالَ أَبُو جَهْلٍ: انتفَخَ وَاللَّهِ سَحْرُهُ (٤) حِينَ رَأَى مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ، كَلَّا وَاللَّهِ لَا نَرْجعُ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ، وَمَا بِعُتْبَةَ مَا قَالَ، وَلَكِنَّهُ قَدْ رَأَى أَنَّ مُحَمَّدًا وأَصْحَابَهُ أَكْلَةُ جَزُورٍ (٥)، وَفيهِم ابْنُهُ، فَقَدْ تَخَوَّفكُمْ عَلَيْهِ (٦). فَقَالَ عُتْبَةُ بنُ رَبِيعَةَ لِأَبِي جَهْلٍ: إِيَّايَ تُعَيِّرُ يَا مُصَفَّرَ اسْتِهِ (٧)؟ سَتَعْلَمُ

стр. 995

اليَوْمَ أَيُّنَا الجَبَانُ (١). وَتَعَجَّلَ أَبُو جَهْل لَعَنَهُ اللَّهُ، وَبَعَثَ إِلَى عَامِرٍ الحَضْرَمِيِّ -أخِي عَمْرٍو الحَضْرَمِيِّ المَقْتُولِ في سَرِيَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ جَحْشٍ ﵁ فَقَالَ لَهُ: هَذَا حَلِيفُكَ -أَيْ عُتْبَةُ- يُرِيدُ أَنْ يَرْجعَ بِالنَّاسِ، وَقَدْ رَأَيْتَ ثَأْرَكَ بِعَيْنِكَ، فَقُمْ فَانْشُدْ خُفْرَتَكَ (٢)، وَمَقْتَلَ أخِيكَ، فَقَامَ عَامِرٌ يَصْرَخُ: وَاعَمْرَاهُ، وَاعَمْرَاهُ، فَحَمِيَ القَوْمُ، وَحَقِبَ (٣) أمْرُهُمْ، وَاسْتَوْسَقُوا (٤) عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشَّرِّ، وَأَفْسَدَ عَلَى النَّاسِ الرَّأْيَ الذِي دَعَاهُمْ إِلَيْهِ عُتْبَةُ (٥). وَهَكَذَا تَغَلَّبَ الطَّيْشُ عَلَى الحِكْمَةِ. * بَدْءُ القِتَالِ وَأَوَّلُ قَتِيلٍ في المَعْرَكَةِ: قَالَ ابنُ إِسْحَاقَ: فَخَرَجَ الأَسْوَدُ بنُ عَبْدِ الأَسَدِ المَخْزُومِيُّ (٦)، وَكَانَ رَجُلًا شَرِسًا (٧) سَيِّئَ الخُلُقِ، فَقَالَ: أُعَاهِدُ اللَّهَ لَأَشْرَبَنَّ مِنْ حَوْضِهِمْ، أَوْ لَأَهْدِمَنَّهُ، أَوْ لَأَمُوتَنَّ دُونَهُ، فَلَمَّا خَرَجَ، خَرَجَ إِلَيْهِ حَمْزَةُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ ﵁، فَلَمَّا الْتَقَيَا ضَرَبَهُ حَمْزَةُ فَأَطَنَّ قَدَمَهُ (٨) بِنِصْفِ سَاقِهِ، وَهُوَ دُونَ الحَوْضِ، فَوَقَع

стр. 996

عَلَى ظَهْرِهِ تَشْخُبُ (١) رِجْلُهُ دَمًا، ثُمَّ حبَا إِلَى الحَوْضِ حَتَّى اقْتَحَمَ فِيهِ، يُرِيدُ أَنْ يَبَرَّ يَمِينَهُ، وَلَكِنَّ حَمْزَةَ ﵁ ضَرَبَهُ ضَرْبَةً أُخْرَى، فَقتَلَهُ وَهُوَ دَاخِلَ الحَوْضِ (٢). فَكَانَ هَذَا الرَّجُلُ أَوَّلَ قَتِيلٍ في المَعْرَكَةِ. * المُبَارَزَةُ: ثُمَّ خَرَجَ ثَلَاثَةٌ مِنْ خِيرَةِ فُرْسَانِ قُرَيْشٍ يَطْلُبُونَ المُبَارَزَةَ، وَهُمْ: عُتْبَةُ بنُ رَبِيعَةَ، وَأَخُوهُ شَيْبَةُ، وَابْنُهُ الوَلِيدُ، فَلَمَّا انْفَصَلُوا مِنَ الصَّفِّ طَلَبُوا المُبَارَزَةَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ ثَلَاثَةٌ مِنْ أفْضَلِ شَبَابِ الأَنْصَارِ وَهُمْ: عَوْفٌ، وَمُعَاذٌ ابْنَا الحَارِثِ -وَأُمُّهُمَا عَفْرَاءُ (٣) - وَعَبْدُ اللَّهِ بنُ رَوَاحَةَ ﵃ أجْمَعِينَ، فَقَالُوا مَنْ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: رَهْطٌ مِنَ الأَنْصَارِ، قَالُوا: أَكْفَاءٌ (٤) كِرَامٌ، مَا لَنَا بِكُمْ حَاجَةٌ، وَإِنَّمَا نُرِيدُ بَنِي عَمِّنَا، ثُمَّ نَادَى مُنَادِيهِمْ: يَا مُحَمَّدُ! أَخْرِجْ لَنَا أَكْفَاءَنَا مِنْ قَوْمِنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قُمْ يَا عُبَيْدَةُ بنُ الحَارِثِ، قُمْ يَا حَمْزَةُ، قُمْ يَا عَلِيُّ"، فَلَمَّا قَامُوا وَدَنَوْا مِنْهُمْ، قَالُوا: مَنْ أَنْتُمْ (٥)؟ فَأَخْبَرُوهُمْ، فَقَالُوا: نَعَمْ أكْفَاءٌ كِرَامٌ،

стр. 997

فبارَزَ عُبَيْدَةُ -وَكَانَ أَسَنَّ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ المُسْلِمِينَ- عُتْبَةَ بنَ رَبِيعَةَ، وَبَارَزَ حَمْزَةُ شَيْبَةَ بنَ رَبِيعَةَ، وَبَارَزَ عَلِيٌّ الْوَليدَ بنَ عُتْبَةَ (١)، فَأَمَّا حَمْزَةُ وَعَلِيٌّ فَلَمْ يُمْهِلَا صَاحِبَيْهِمَا أَنْ قَتَلَاهُمَا، وَأَمَّا عُبَيْدَةُ فَاخْتَلَفَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَاحِبِهِ ضَرْبَتَانِ، فأثْخَنَ (٢) كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، ثُمَّ كَرَّ (٣) حَمْزَةُ وَعَلِيٌّ عَلَى عُتْبَةَ فَقتَلَاهُ، وَاحْتَمَلَا عُبَيْدَةَ، فَجَاؤُوا بِهِ إِلَى الرَّسُولِ ﷺ ، وَقَدْ قُطِعَتْ رِجْلُهُ، وَهُوَ يَنْزِفُ دَمًا، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَدَّ عُبَيْدَةَ ﵁ عَلَى قَدَمِهِ الشَّرِيفَةِ، فَقَالَ عُبَيْدَةُ لِرَسُولِ اللَّه ﷺ : يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَوْ كَانَ أَبُو طَالِبٍ حَيًّا لَعَلِمَ أَنِّي أَحَقُّ بِقَوْلهِ: وَنُسْلِمُهُ حَتَّى نُصْرَعُ دُونَهُ ... وَنُذْهَلَ عَنْ أبْنَائِنَا وَالحَلَائِلِ

стр. 998

ثُمَّ مَاتَ ﵁ وَأَرْضَاه (١). وَفِي هَؤُلَاءَ السِّتَّةِ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ (٢). أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: نَزَلَتْ ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ فِي سِتَّةٍ مِنْ قُرَيْشٍ: عَلِيٍّ، وَحَمْزَةَ، وَعُبْيَدَةَ بنِ الحَارِثِ، وَشَيْبَةَ بنِ رَبِيعَةَ، وَعُتْبَةَ بنِ رَبِيعَةَ، وَالوَليدِ بنِ عُتْبَةَ (٣). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: أنا أَوَّلُ مَنْ يَجْثُو (٤) بَيْنَ يَدَيِ الرَّحْمَنِ لِلْخُصُومَةِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَقَالَ قَيْسُ بنُ عَبَّادٍ: وَفِيهِمْ أُنْزِلَتْ ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ قَالَ: هُمُ الذِينَ تَبَارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ: حَمْزَةُ، وَعَلِيٌّ، وعُبَيْدَةُ بنُ الحَارِثِ، وَشَيْبَةُ بنُ رَبِيعَةَ،

стр. 999

وَعُتْبَةُ بنُ رَبِيعَةَ، وَالوَليدُ بنُ عُتْبَةَ (١). * فَوَائِدُ الحَدِيثِ: قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَفِي حَدِيثِ المُبَارَزَةِ مِنَ الفَوَائِدِ: ١ - جَوَازُ المُبَارَزَةِ خِلَافًا لِمَنْ أَنْكَرَهَا كَالحَسَنِ البَصْرِيِّ، وَشَرَطَ الأَوْزَاعِيُّ والثَّوْرِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ لِلْجَوَازِ إِذْنَ الأَمِيرِ عَلَى الجَيْشِ. ٢ - وَجَوَازُ إِعَانَةِ المبارِزِ رَفِيقَهُ. ٣ - وَفِيهِ فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ لِحَمْزَةَ وَعَلِيٍّ وَعُبَيْدَةَ بنِ الحَارِثِ ﵃ (٢). وَقَالَ ابنُ القَيِّمِ: تَأَمَّلْ أسْمَاءَ السِّتَّةِ المُتَبَارِزِينَ يَوْمَ بَدْرٍ كَيْفَ اقْتَضَى القَدَرُ مُطَابَقَةَ أَسْمَائِهِمْ لِأَحْوَالِهِمْ يَوْمَئِذٍ، فَكَانَ الكُفَّارُ: شَيبةَ، وَعُتْبَةَ، وَالوَليدَ، ثَلَاثَةُ أسْمَاءٍ مِنَ الضَّعْفِ، فَالوَليدُ له بِدَايَةُ الضَّعْفِ، وَشَيْبَةُ له نِهَايَةُ الضَّعْفِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ (٣)، وَعُتْبَةُ مِنَ العَتْبِ، فَدَلَّتْ أسْمَاؤُهُمِ عَلَى عَتَبٍ يَحِلُ بِهِمْ، وَضَعْفٍ يَنَالُهُمْ (٤).

стр. 1000

* الهُجُومُ العَامُّ وَنُشُوبُ الحَرْبِ: كَانَتْ نِهَايَةُ هَذِهِ المُبَارَزَةِ بِدَايَةً سَيِّئَةً بِالنِّسْبَةِ إِلَى المُشْرِكِينَ، فَقَدُوا ثَلَاثَةً مِنْ خِيرَةِ فُرْسَانِهِمْ وَقَادَتِهِمْ دُفْعَةً وَاحِدَةً، فَاسْتَشَاطُوا غَضَبًا، وَكَرُّوا عَلَى المُسْلِمِينَ كَرَّةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ (١). * تَسَاقُطُ الشُّهَدَاءِ: ثُمَّ تَزَاحَفَ النَّاسُ، وَدَنَا بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَشَدَّ الكُفَّارُ عَلَى المُسْلِمِينَ، وَنَشَبَتِ الحَرْبُ، فَرُمِيَ مِهْجَعٌ (٢)، مَوْلَى عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁ بِسَهْمٍ فَقتَلَهُ، فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ (٣). ثُمَّ رُمِيَ حَارِثَةُ بنُ سُرَاقَةَ ﵁ وَكَانَ فِي النَّظَّارَةِ كَمَا ذَكَرْنَا- وَهُوَ يَشْرَبُ مِنَ الحَوْضِ، بِسَهْمٍ غَرْبٍ (٤) فَأَصَابَ نَحْرَهُ (٥) فَقتَلَهُ، فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ مِنَ الأَنْصَارِ. أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: أَنَّ أُمَّ حَارِثَةَ بنِ سُرَاقَةَ أَتَتَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَلَا تُحَدِّثُنِي عَنْ حَارِثَةَ -وَكَانَ قَدْ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ، أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ- فَإِنْ كَانَ فِي الجَنَّةِ صَبَرْتُ، وَإِنْ

стр. 1001

كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ اجْتَهَدْتُ عَلَيْهِ فِي البُكَاءِ (١)، فَقَالَ ﷺ : "يَا أُمَّ حَارِثَةَ، إِنَّهَا جِنَانٌ فِي الجَنَّةِ، وَإِنَّ ابْنَكِ أصَابَ الفِرْدَوْسَ الأَعْلَى" (٢). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ قَالَ ﷺ لِأُمِّ حَارِثَةَ: "وَيْحَكِ (٣) أَوَهَبِلْتِ (٤)؟ أَوَجَنَّة وَاحِدَةٌ هِيَ، إِنَّهَا جِنَانٌ كَثِيرَةٌ، وَإِنَّهُ فِي جَنَّةِ الفِرْدَوْسِ الْأَعْلَى" (٥). قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: وَفي هَذَا تَنْبِيهٌ عَظِيمٌ عَلَى فَضْلِ أَهْلِ بَدْرٍ، فَإِنَّ هَذَا الذِي لَمْ يَكُنْ فِي بُحَيْحَةِ (٦) القِتَالِ، وَلَا فِي حَوْمَةِ الوَغَى (٧)، بَلْ كَانَ مِنَ النَّظَّارَةِ مِنْ بَعِيدٍ، وَإِنَّمَا أصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ، وَهُوَ يَشْرَبُ مِنَ الحَوْضِ، وَمَعَ هَذَا أصَابَ

стр. 1002

بِهَذَا المَوْقِفِ الفِرْدَوْسَ الْأَعْلَى التِي هِيَ أَعْلَى الجِنَانِ وَأَوْسَطُ الجَنَّةِ (١)، وَمِنْهُ تُفَجَّرُ أنْهَارُ الجَنَّةِ التِي أَمَرَ الشَّارعُ أُمَّتَهُ إِذَا سَأَلُوا اللَّهَ الجَنَّةَ أَنْ يَسْألوهُ إيَّاهَا (٢)، فَإِذَا كَانَ هَذَا حَالُ هَذَا، فَمَا ظَنُّكَ بِمَنْ كَانَ وَاقِفًا فِي نَحْرِ العَدُوِّ، وَعَدُوُّهُمْ عَلَى ثَلَاثَةِ أضْعَافِهِمْ عَدَدًا، وَعُدَدًا (٣). وَلَمَّا اشْتَدَّ القِتَالُ اسْتَفْتَحَ (٤) أَبُو جَهْلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَقْطَعُنَا لِلرَّحِمِ، وَآتَانَا بِمَا لَا نَعْرِفْ، فَأَحْنِهِ (٥) الغَدَاةَ (٦)، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ

стр. 1003

جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ (١) وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢). إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فتَطْلُبُوا مِنَ اللَّهِ أَنْ يَفْتَحَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ المُسْلِمِينَ، وَأَنْ يُهْلِكَ أَضَلَّ الفَرِيقَيْنِ وَأَقْطَعَهُمَا لِلرَّحِمِ. . . فَقَدِ اسْتَجَابَ اللَّهُ، فَجَعَلَ الدَّائِرَةَ عَلَيْكُمْ تَصْدِيقًا لِاسْتِفْتَاحِكُمْ! لَقَدْ دَارَتِ الدَّائِرَةُ عَلَى أَضَلِّ الفَرِيقَيْنِ وَأَقْطَعَهُمَا لِلرَّحِمِ! وَلقدْ عَلِمْتُمْ -إِنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَعْلَمُوا- مَنْ هُمْ أَضَلُّ الفَرِيقَيْنِ وَأَقْطَعُهُمَا لِلرَّحِمِ! وَعَلَى ضَوْءِ هَذِهِ الحَقِيقَةِ، وَفي ظِلِّ هَذَا الإِيحَاءَ، يُرَغِّبُهُمْ فِي الانْتِهَاءِ عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ وَالكُفْرِ وَالحَرْبِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَالمُشَاقَّةِ للَّهِ وَرَسُولهِ ﷺ (٣). * مُنَاشَدَةُ الرَّسُولِ ﷺ رَبَّهُ : وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ منْذُ رُجُوعِهِ بَعْدَ تَعْدِيلِ الصُّفُوفِ إِلَى العَرِيشِ يُنَاشِدُ رَبَّهُ مَا وَعَدَهُ مِنَ النَّصْرِ وَالظَّفَرِ (٤)، وَيَقُولُ: "اللَّهُمَّ أنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إِنِّي أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ، اللَّهُمَّ إِنْ تَشَأْ لَا تُعْبَدْ بَعْدَ اليَوْمِ،

стр. 1004

اللَّهُمَّ إِنْ تَهْلِكْ هَذِهِ العِصَابَةُ (١) مِنْ أَهْلِ الإِسْلَامِ لَا تُعْبَدُ فِي الأَرْضِ" (٢)، وَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَجْتَهِدُ فِي الدُّعَاءِ (٣)، مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ ﷺ ، فَأَشْفَقَ عَلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ (٤) ﵁، فَجَعَلَ ﵁ يَلْتَزِمُهُ (٥) مِنْ وَرَائِهِ، وَيَسَوِّي عَلَيْهِ رِدَاءَهُ وَيَقُولُ: حَسْبُكَ (٦) يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلْحَحْتَ عَلَى رَبِّكَ، فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ (٧).

стр. 1005

فَزِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي إِنَابَةِ نَبِيٍّ، وَإِلْحَاحِ عَبْدٍ، وَدُعَاءِ مُضْطَرٍّ، وَشَفِعَ لِهَذِهِ العِصَابَةِ فِي كَلِمَاتٍ صَرِيحَةٍ وَاضِحَةٍ، نيَرةٍ خَالِدَةٍ، هِيَ خَيْرُ تَعْرِيفٍ لِهَذِهِ الأُمَّةِ، وَبَيَان لِمَهَمَّتِهَا وَغَرَضِهَا الذِي خُلِقَتْ لَهُ. . . فَكَأَنَّمَا كَانَ بَقَاءُ المُسْلِمِينَ مَشْرُوطًا بِقِيَامِ حَيَاةِ العُبُودِيَّةِ بِهِمْ، وَقِيَامِهِمْ بِهَا، فَلَوِ انْقَطَعَتِ الصِّلَةُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ العِبَادَةِ، وَرَوَاجِهَا وَازْدِهَارِهَا فِي العَالَمِ، انْقَطَعَتِ الصِّلَةُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الحَيَاةِ، وَلَمْ يَبْقَ عَلَى اللَّهِ لَهُمْ حَقٌّ وَذِمَّةٌ، وَأَصْبَحُوا كَسَائِرِ الأُمَمِ خَاضِعِينَ لِنَوَامِيسِ الحَيَاةِ، وَسُنَنِ الكَوْنِ، بَلْ كَانُوا أَشَدَّ جَرِيمَةً، وَأَقَلَّ قِيمَةً مِنَ الأُمَمِ الأُخْرَى، إِذْ لَمْ يَشْتَرِطْ لِبَقَائِهَا وَحَيَاتِهَا مِثْلَ مَا اشْتَرَطَ لَهُمْ، وَكَانَ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ (١). وَأَخْرَجَ الحَاكِمُ وَالنَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ قَاتَلْتُ شَيْئًا مِنْ قِتَالٍ، ثُمَّ جِئْتُ مُسْرِعًا لِأَنْظُرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، مَا فَعَلَ؟ ، فَجِئْتُ فَأَجِدُهُ وَهُوَ سَاجِدٌ يَقُولُ: "يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ"، لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا، فَرَجَعْتُ إِلَى القِتَالِ، ثُمَّ جِئْتُ وَهُوَ سَاجِدٌ يَقُولُ ذَلِكَ، ثُمَّ ذَهَبْتُ إِلَى القِتَالِ، ثُمَّ

стр. 1006

جِئْتُ وَهُوَ سَاجِدٌ يَقُولُ ذَلِكَ، فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ ذَلِكَ حَتَّى فتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ (١). وَفي هَذَا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (٢). * نُزُولُ المَلَائكَةِ: ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ هَذَا الدُّعَاءَ للَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، أَغْفَى إِغْفَاءَةً (٣)، ثُمَّ انْتَبَهَ، فَقَالَ: "أَبْشِرْ يَا أبَا بَكْرٍ، أَتَاكَ نَصْرُ اللَّهِ، هَذَا جِبْرِيلُ آخِذٌ بِعنَانِ (٤) فرَسِهِ يَقُودُهُ عَلَى ثَنَايَاهُ النَّقْعُ" (٥). وَفي رِوَايَةٍ قَالَ ﷺ : "هَذَا جِبْرِيلُ آخِذٌ بِرَأْسِ فَرَسِهِ عَلَيْهِ أَدَاةُ الحَرْبِ" (٦).

стр. 1007

وَجَاءَ نَصْرُ اللَّهِ، وَأَنْزَلَ جُنْدَهُ، وَأَيَّدَ رَسُولَهُ وَالمُؤْمِنِينَ، وَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى المَلَائِكَةِ ﴿أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ (١). إِنَّهُ الأَمْرُ الهَائِلُ. . . إنَّهَا مَعِيَّةُ اللَّهِ لِلْمَلَائِكَةِ فِي المَعْرَكَةِ، وَاشْتِرَاكُ المَلَائِكَةِ فِيهَا مَعَ العُصْبَةِ المُسْلِمَةِ. . . هَذَا هُوَ الأَمْرُ الذِي لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْغَلَنَا عَنْهُ أَنْ نَبْحَثَ: كَيْفَ اشْترَكَتِ المَلَائِكَةُ؟ وَلَا كَمْ قَتِيلًا قَتَلَتْ؟ ، وَلَا كَيْفَ قتَلَتْ؟ . . . إِنَّ الحَقِيقَةَ الكَبِيرَةَ الهَائِلَةَ فِي المَوْقِفِ هِيَ تِلْكَ الحَقِيقَةُ. . . إِنَّ حَرَكَةَ العُصْبَةِ المُسْلِمَةِ فِي الأَرْضِ بِهَذَا الدِّينِ أمْرٌ هَائِلٌ عَظِيمٌ. . . أمْرٌ يَسْتَحِقُّ مَعِيَّةَ اللَّهِ لِمَلَائِكَتِهِ فِي المَعْرَكَةِ، واشْتِرَاكَ المَلَائِكَةِ فِيهَا مَعَ العُصْبَةِ المُسْلِمَةِ (٢). ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ العَرِيشِ، وَهُوَ يَثبُ فِي الدِّرْعِ، وَيَقُولُ: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ (٣). أَخْرَجَ الإِمَامُ أحمدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁

стр. 1008

أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ لِي وَلِأَبِي بَكْرٍ يَوْمَ بَدْرٍ: مَعَ أحَدِكُمَا جِبْرِيلُ، وَمَعَ الآخَرِ مِيكَائِيلُ، وَإِسْرَافِيلُ مَلَكٌ عَظِيمٌ يَشْهَدُ القِتَالَ، أَوْ قَالَ: يَشْهَدُ الصَّفَّ (١). * كَمْ أَمَدَّ اللَّهُ تَعَالَى المُسْلِمين مِنَ المَلَائِكَةِ ؟ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (٢). قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فِي هَذَا الوَعْدِ: هَلْ كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ أَوْ يَوْمَ أُحُدٍ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا -وَهُوَ الصَّحِيحُ-: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾، ورُوِيَ هَذَا عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ، وَعَامِرٍ الشَّعْبِيِّ، والرَّبِيعِ بنِ اصنسٍ، وَغَيْرِهِمْ، وَاخْتَارَهُ ابنُ جَرِيرٍ. قَالَ عَبَّادُ بنُ مَنْصُورٍ: عَنِ الحَسَنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾ قَالَ: هَذَا يَوْمَ بَدْرٍ.

стр. 1009

وَرَوَى ابنُ أَبِي حَاتِمٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ إِلَى الشَّعْبِيِّ: أَنَّ المُسْلِمِينَ بَلَغَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ أَنَّ كُرْزَ بنَ جَابِرٍ يُمِدُّ المُشْرِكِينَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ عَنْ قتادَةَ قَالَ: أَمَدَّ اللَّه المُسْلِمِينَ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ المَلَائِكَةِ. وَعَنِ الرَّبِيعِ بنِ أَنَسٍ قَالَ: أمَدَّ اللَّهُ المُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ بِأَلْفٍ، ثُمَّ زَادَهُمْ فَصَارُوا ثَلَاثَةَ آلافٍ، ثُمَّ زَادَهُمْ فَصَارُوا خَمْسَةَ آلَافٍ. فَإِنْ قِيلَ: فَمَا الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ -عَلَى هَذَا القَوْلِ- وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي قِصَّة بَدْرٍ: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (١). فَالجَوَابُ: أَنَّ التَّنْصيصَ عَلَى الأَلْفِ هَاهُنَا لَا يُنَافِي الثَّلَاثَةَ الآلَافِ فَمَا فَوْقَهَا، لِقَوْلهِ تَعَالَى: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ بِمَعْنَى: يَرْدُفهُمْ غَيْرُهُمْ وَيَتْبَعُهُمْ أُلُوفٌ أُخَرُ مِثْلُهُمْ، وَهَذَا السِّيَاقُ شَبِيهٌ بِهَذَا السِّيَاقِ فِي سُورَةِ آل عِمْرَانَ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ كَمَا هُوَ المَعْرُوفُ مِنْ أَنَّ قِتَالَ المَلَائِكَةِ إِنَّمَا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (٢). وَقَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: . . . وَقَدْ لَمَّحَ المُصَنِّفُ -أي البُخَارِيُّ-

стр. 1010

بِالِاخْتِلَافِ فِي النُّزُولِ فَذَكَرَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ (١) فِي غَزْوَةَ أُحُدٍ، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ (٢)، وَذَكَرَ مَا عَدَا ذَلِكَ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَهُوَ المُعْتَمَدُ (٣). * تَحْرِيضُ الرَّسُولِ ﷺ أَصْحَابَهُ عَلَى القِتَالِ: ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فجَعَلَ يُحَرِّضُ الصَّحَابَةَ ﵃ عَلَى القِتَالِ، وَيُبَشِّرُ النَّاسَ بِالجَنَّةِ، ويُشَجِّعُهُمْ بِنُزُولِ المَلَائِكَةِ، وَالنَّاسُ مَا زَالُوا عَلَى مَصَافِّهِمْ لَمْ يَحْمِلُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ، وَقَدْ حَصَلَ لَهُمُ السَّكِينَةُ وَالطُّمَأْنِينَةُ، وَحَصَلَ لَهُمُ النُّعَاسُ الذِي هُوَ دَلِيل عَلَى الطُّمَأْنِينَةِ وَالثَّبَاتِ وَالإِيمَانِ، فَقَالَ ﷺ : "وَالذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يُقَاتِلُهُمُ اليَوْمَ رَجُلٌ فيقْتَلُ صَابِرًا مُحْتَسِبًا، مُقْبِلًا غَيْرَ مُدْبِرٍ، إِلَّا أدْخَله اللَّهُ الجَنَّةَ" (٤). * قِصَّةُ عُمَيْرِ بنِ الحُمَامِ ﵁ -: ثُمَّ قَالَ ﷺ : "قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ"، فَقَالَ عُمَيْرُ بنُ الحُمَامِ الْأَنْصَارِيُّ ﵁: يَا رَسُولَ اللَّهِ! جَنَّة عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ؟

стр. 1011

قَالَ: "نعم"، قَالَ: بَخٍ بَخٍ (١)، فَقَالَ ﷺ : "مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَوْلِكَ بَخٍ بَخٍ؟ " قَالَ: لَا، وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا رَجَاءَةَ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا، قَالَ ﷺ : "فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا"، فَأَخْرَجَ تَمَرَاتٍ مِنْ قَرَنِهِ (٢)، فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُنَّ، ثُمَّ قَالَ: لَئِنْ أنا حَيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ، إنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ، فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنَ التَّمْرِ، وَأَخَذَ سَيْفهُ، ثُمَّ قَاتَلَ القَوْمَ حَتَّى قُتِلَ ﵁ (٣). قَالَ الحَافِظُ: وَفي قِصَّةِ عُمَيْرِ بنِ الحُمَامِ ﵁ مِنَ الفَوَائِدِ: مَا كَانَ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ مِنْ حُبِّ نَصْرِ الإِسْلَامِ، وَالرَّغْبَةِ فِي الشَّهَادَةِ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ (٤). وَقَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ: وَفِي قِصَّةِ عُمَيْرِ بنِ الحُمَامِ ﵁ جَوَازُ الِانْغِمَارِ فِي الكُفَّارِ، والتَّعَرُّضُ لِلشَّهَادَةِ، وَهُوَ جَائِزٌ بِلَا كَرَاهَة عِنْدَ جَمَاهِيرِ العُلَمَاءِ (٥). * رَمْيُ الرَّسُولِ ﷺ المُشْرِكِينَ بِالحَصْبَاءِ وَالهُجُومُ عَلَيْهِمْ: ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ حَفْنَةً (٦) مِنَ الحَصْبَاءِ (٧) فَاسْتَقْبَلَ بِهَا الكُفَّارَ،

стр. 1012

وَقَالَ: "شَاهَتِ الوُجُوهُ" ثُمَّ رَمَى بِهَا فِي وَجْهِ القَوْمِ، فَمَا بَقِيَ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَّا امْتَلَأَتْ عَيْنَاهُ مِنَ الحَصْبَاءَ، وَفِي ذَلِكَ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (١). * مُشَارَكَةُ الرَّسُولِ ﷺ فِي القِتَالِ: وَقَاتَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِنَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ فِي هَذِهِ الغَزْوَةِ العَظِيمَةِ قِتَالًا شَدِيدًا، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُنَا يَوْمَ بَدْرٍ وَنَحْنُ نَلُوذُ (٢) بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ أَقْرَبُنَا إِلَى العَدُوِّ، وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ بَأْسًا (٣). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا حَضَرَ البَأْسُ (٤) يَوْمَ بَدْرٍ اتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ، مَا كَانَ أَوْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أقْرَبَ إِلَى المُشْرِكِينَ مِنْهُ (٥). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ

стр. 1013

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ يَوْمَ بَدْرٍ: "لَا يَتَقَدَّمَنَّ أحَدٌ مِنْكُمْ إِلَى شَيْءٍ حَتَّى أَكُونَ أَنَا دُونَهُ" (١). قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: وَقَدْ قَاتَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِنَفْسِهِ الكَرِيمَةِ قِتَالًا شَدِيدًا بِبَدَنِهِ، وَكَذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ كَمَا كَانَا فِي العَرِيشِ يُجَاهِدَانِ بِالدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ، ثُمَّ نَزَلَ فَحَرَّضَا وَحَثَّا عَلَى القِتَالِ، وَقَاتَلَا بِالأَبْدَانِ جَمِيعًا بَيْنَ المَقَامَيْنَ الشَّرِيفَيْنِ (٢). * بُطُولَاتُ الصَّحَابَةِ ﵃ أجْمَعِينَ: أَمَّا الصَّحَابَةُ ﵃ فَقَدْ قَاتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا فِي هَذِهِ المَعْرَكَةِ العَظِيمَةِ، وَظَهَرَتْ مِنْهُمْ بُطُولَاتٌ كَثِيرَةٌ. * بُطُولَةُ الزُّبَيْرِ بنِ العَوَّامِ ﵁ -: رَوَى البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: كَانَ فِي الزُّبَيْرِ ثَلَاثُ ضَرَبَاتٍ بِالسَّيْفِ، إِحْدَاهُنَّ فِي عَاتِقِهِ (٣)، قَالَ: إِنْ كُنْتُ لَأُدْخِلُ أصَابِعِي فِيهَا، قَالَ: ضُرِبَ ثِنْتَينِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَوَاحِدَةٌ يَوْمَ اليَرْمُوكِ، قَالَ عُرْوَةُ: وَقَالَ لِي عَبْدُ المَلِكِ بنُ مَرْوَانَ حِينَ قُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ الزُّبَيْرِ: يَا عُرْوَةُ، هَلْ تَعْرِفُ سَيْفَ

стр. 1014

الزُّبَيْرِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَمَا فِيهِ؟ قُلْتُ: فِيهِ فَلَّةٌ (١) فُلَّهَا يَوْمَ بَدْرٍ. قَالَ: صَدَقْتَ بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الكَتَائِبِ (٢). * بُطُولَةُ سَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ -: أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ قَالَ: قِيلَ لِسَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁: مَتَى أُجِبْتَ الدَّعْوَةَ؟ قَالَ: يَوْمَ بَدْرٍ، كُنْتُ أَرْمِي بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَضَعُ السَّهْمَ فِي كَبِدِ القَوْسِ، ثُمَّ أَقُولُ: اللَّهُمَّ زَلْزِلْ أقْدَامَهُمْ، وَأَرْعِبْ قُلُوبَهُمْ، وَافْعَلْ بِهِمْ وَافْعَلْ، فَيَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ : "اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ لِسَعْدٍ" (٣). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ سَعْدًا يُقَاتِلُ يَوْمَ بَدْر قِتَالَ الفَارِسِ وَالرَّاجِلِ (٤).

стр. 1015

وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ سَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ قُتِلَ أَخِي عُمَيْرٌ، وَقَتَلْتُ سَعِيدَ بنَ العَاصِ (١) وَأَخَذْتُ سَيْفَهُ (٢). * بُطُولَةُ أَبِي عُبَيْدَةَ بنِ الجَرَّاحِ ﵁ -: أَخْرَجَ الحَاكِمُ وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ شَوْذَبَ، قَالَ: جَعَلَ أَبُو أَبِي عُبَيْدَةُ بنُ الجَرَّاحِ يَتَصَدَّى لِأَبِي عُبَيْدَةَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَجَعَلَ أَبُو عُبَيْدَةَ يَحِيدُ (٣) عَنْهُ، فَلَمَّا أكْثَرَ الجَرَّاحُ قَصَدَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ فَقتَلَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ هَذِهِ الآيَةَ، حِينَ قتلَ أبَاهُ: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ (٤) وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ

стр. 1016

تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١). وَلهَذَا قَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁، حِينَ جَعَلَ الأَمْرَ شُورَى بَعْدَهُ فِي أُولَئِكَ السِّتَّةِ (٢) قَالَ: لَوْ كَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ حَيًّا لَاسْتَخْلَفْتُهُ (٣). * بُطُولَةُ حَمْزَةَ بنِ عَبْد المُطَّلِبِ ﵁ -: رَوَى الحَاكِمُ فِي المُسْتَدْرَكِ وَصحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ ﵁ قَالَ: قَالَ لِي أُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ، وَأنا بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِهِ عَلِيٍّ آخُذُ بِأَيْدِيهِمَا: يَا عَبْدَ الإِلَهِ مَنِ الرَّجُلُ مِنْكُمُ المُعَلَّمُ بِرِيشَةِ نَعَامَةٍ فِي صَدْرِهِ؟ ، قُلْتُ: ذَاكَ حَمْزَةُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، قَالَ: ذَاكَ الذِي فَعَلَ بِنَا الأَفَاعِيلَ (٤).

стр. 1017

* مُبَاشَرَةُ المَلَائِكَةِ فِي قَتْلِ وَأَسْرِ الكُفَّارِ: أَمَّا المَلَائِكَةُ فَقَدْ نَزَلَتْ أَرْضَ المَعْرَكَةِ، وَشَدُّوا عَلَى المُشْرِكِينَ، وَشَارَكُوا الصَّحَابَةَ ﵃ فِي قتلِ وَأَسْرِ المُشْرِكِينَ، وَلَمْ تُبَاشِرِ المَلَائِكَةُ القِتَالَ فِي أَيِّ غَزْوَةٍ مِنْ غَزَوَاتِ الرَّسُولِ ﷺ إِلَّا فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، أَمَّا فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ فَقَدْ نَزَلَتْ لِحِمَايَةِ الرَّسُولِ ﷺ ، وَأَمَّا فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ فنَزَلَتْ لِإِرْهَابِ الكُفَّارِ. قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ ﵄: لَمْ تُقَاتِلِ المَلَائِكَةُ فِي يَوْمٍ سِوَى بَدْرٍ مِنَ الأَيَّامِ، وَكَانُوا يَكُوُنونَ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الأَيَّامِ عَدَدًا وَمَدَدًا لَا يَضْرِبُونَ (١). وَرَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ يَشْتَدُّ فِي أَثَرِ رَجُلٍ مِنَ المُشْرِكِينَ أَمَامَهُ، إِذْ سَمِعَ ضَرْبَةً بِالسَّوْطِ فَوْقَهُ، وَصَوْتُ الفَارِسِ يَقُولُ: أَقْدِمْ حَيْزُومُ، فنَظَرَ إِلَى المُشْرِكِ أَمَامَهُ فَخَرَّ مُسْتَلْقِيًا، فنَظَرَ إِلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ قَدْ خُطِمَ (٢) أنْفَهُ، وَشُقَّ وَجْهُهُ كَضَرْبَةِ السَّوْطِ، فَاخْضَرَّ ذَلِكَ أَجْمَعُ -أَي اخْضَرَّ لَوْنُهُ-، فَجَاءَ الأَنْصَارِيُّ فَحَدَّثَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: "صَدَقْتَ، ذَلِكَ مِنْ مَدَدِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ" (٣).

стр. 1018

وَأَخْرَجَ الحَاكِمُ فِي المُسْتَدْرَكِ وَصَحَّحَهُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بنِ سَهْلٍ قَالَ: قَالَ لِي أَبِي: يَا بُنَيَّ لَقَدْ رَأَيْتُنَا يَوْمَ بَدْرٍ، وَإِنَّ أَحَدَنَا لَيُشِيرُ بِسَيْفِهِ إِلَى رَأْسِ المُشْرِكِ فَيَقَعُ رَأْسُهُ عَنْ جَسَدِهِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ (١). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي دَاوُدَ المَازِنيِّ ﵁-وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا- قَالَ: إِنِّي لَأَتْبَعُ رَجُلًا مِنَ المُشْرِكِينَ لِأَضْرِبَهُ، إِذْ وَقَعَ رَأْسُهُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ سَيْفِي، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ قَدْ قتَلَهُ غَيْرِي (٢). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: . . . فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ (٣) قَصِيرٌ بِالعَبَّاسِ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ أَسِيرًا، فَقَالَ العَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذَا وَاللَّهِ مَا أسَرَنِي، لَقَدْ أَسَرَنِي رَجُلٌ أَجْلَحُ (٤) مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ وَجْهًا، عَلَى فَرَسٍ أَبْلَقَ (٥)، مَا أَرَاهُ فِي القَوْمِ، فَقَالَ

стр. 1019

الأَنْصَارِيُّ: أَنا أَسَرْتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَقَدْ أَيَّدَكَ اللَّهُ تَعَالَى بِمَلَكٍ كَرِيمٍ" (١). وَفي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي المُسْنَدِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ الذِي أَسَرَ العَبَّاسَ بنَ عَبْدَ المُطَّلِبِ أَبُو اليَسَرِ بنُ عَمْرٍو، وَهُوَ كَعْبُ بنُ عَمْرٍو، أَحَدُ بَنِي سَلِمَةَ، فَقَالَ له رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَيْفَ أَسرْتَهُ يَا أبَا اليَسَرِ؟ " قَالَ: لَقَدْ أَعَانَنِي عَلَيْهِ رَجُلٌ مَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ وَلَا قَبْلُ، هَيْئتهُ كَذَا، هَيْئتهُ كَذَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَقَدْ أَعَانَكَ عَلَيْهِ مَلَكٌ كَرِيمٌ" (٢). وَأَخْرَجَ الحَاكِمُ وَابْنُ سَعْدٍ فِي طَبَقَاتِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ هِشَامَ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَتْ عَلَى الزُّبَيْرِ عِمَامَةٌ صَفْرَاءُ مُعْتَجِرًا (٣) بِهَا يَوْمَ بَدْرٍ، فنَزَلَتِ المَلَائِكَةُ عَلَيْهِمْ عَمَائِمُ صُفْرٌ، عَلَى سِيمَا الزُّبَيْرِ (٤). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ رِفَاعَةَ بنِ رَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ، وَكَانَ أَبُوهُ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: مَا تَعُدُّونَ أَهْلَ بَدْرٍ فِيكُمْ؟ قَالَ: "مِنْ أَفْضَلِ المُسْلِمِينَ" -أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا- قَالَ:

стр. 1020

وَكَذَلِكَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ المَلَائِكَةِ (١) * نُكُوصُ (٢) إِبْلِيسَ: وَلَمَّا رَأَى إِبْلِيسُ مَا تَفْعَلُ المَلَائِكَةُ بِالمُشْرِكِينَ فَرَّ وَنَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ -وَكَانَ قَدْ جَاءَ فِي صُورَةِ سُرَاقَةَ بنِ مَالِكٍ كَمَا ذَكَرْنَا- فتَشَبَّثَ بِهِ الحَارِثُ بنُ هِشَامٍ، وَهُوَ يَظُنُّهُ سُرَاقَةُ، فَقَالَ إِلَى أَيْنَ يَا سُرَاقَةُ؟ أَلمْ تَزْعُمْ أَنَّكَ لَنَا جَارٌ؟ لَا تُفَارِقُنَا، فَقَالَ: إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ، إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَاللَّهُ شَدِيدُ العِقَابِ، ثمَّ دَفَعَ الحَارِثَ فَأَلْقَاهُ، وَخَرَجَ هَارِبًا حَتَّى أَلْقَى نَفْسَهُ فِي البَحْرِ (٣). وَفِي هَذَا المَوْقِفِ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٤). أَخْرَجَ الإِمَامُ مَالِكٌ فِي المُوَطَّأِ بِسَنَد مُرْسَلٍ عَنْ طَلْحَةَ بنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ كَرِيزٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَا رُؤِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا هُوَ فِيهِ أَصْغَرَ، وَلَا أَدْحَرَ (٥)،
следующие страницы →