← Сира

Сира · id 38114

اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون

موسى بن راشد العازمي

Полный текст (2 595 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

* مَقْتَلُ النَّضْرِ بنِ الحَارِثِ، وَعُقْبَةَ بنِ أَبِي مُعَيْطٍ: أَكْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَرِيقَهُ إِلَى المَدِينَةِ وَمَعَهُ الأَسْرَى، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى مِنْطَقَةِ الصَّفْرَاءَ، أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلِ النَّضْرِ بنِ الحَارِثِ، وَكَانَ حَامِلَ لِوَاءِ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَكَانَ مِنْ أَكَابِرِ مُجْرِمِي قُرَيْشٍ، وَمِنْ أَشَدِّ النَّاسِ كَيْدًا لِلْإِسْلَامِ، وَإِيذَاءً لِلرَّسُولِ ﷺ ، فَضَرَبَ عُنُقهُ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فَقتَلَهُ (١). وَعِنْدَمَا وَصَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى عِرْقِ الظَّبْيَةِ أَمَرَ عَاصِمَ بنَ ثَابِتِ بنِ أَبِي الأَقْلَحِ، أَنْ يَضْرِبَ عُنُقَ عُقْبَةَ بنِ أَبِي مُعَيْطٍ، وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ الذِي وَضَعَ سَلَى الْجَزُورِ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ سَاجِدٌ (٢)، وَهُوَ الذِي وَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى عُنُقِ الرَّسُولِ ﷺ وَهُوَ سَاجِدٌ (٣). فَقَالَ عُقْبَةُ: مَنْ لِلصِّبْيَةِ يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ ﷺ : "النَّارُ" (٤).

стр. 1052

قَوْلُ عُقْبَةَ: مَنْ لِلصِّبْيَةِ: أَيْ مَنْ يَكْفُلُ الأَطْفَالَ ويُرَبِّيهِمْ، كَأَنَّهُ يُرِيدُ اسْتِعْطَافَ الرَّسُولِ ﷺ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ ﷺ : "النَّارُ"، قَالَ الطِّيبِيُّ: يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ النَّارَ عِبَارَةٌ عَنِ الضَّيَاعِ، وَثَانِيهَا: أَنَّ الجَوَابَ مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمَ، أَيْ لَكَ النَّارُ، وَدَعْ أَمْرَ الصِّبْيَةِ، فَإِنَّ كَافِلَهُمْ هُوَ اللَّهُ (١). قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: كَانَ هَذَانِ الرَّجُلَانِ -النَّضْرُ بنُ الحَارِثِ، عُقْبَةُ بنُ أَبِي مُعَيْطٍ- مِنْ شَرِّ عِبَادِ اللَّهِ، وَأَكْثَرِهِمْ كُفْرًا وَعِنَادًا، وَبَغْيًا وَحَسَدًا، وَهِجَاءً لِلْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، لَعَنَهُمَا اللَّهُ، وَقَدْ فَعَلَ (٢). * تَبْشِيرُ أَهْلِ المَدِينَةِ بِالنَّصْرِ: ثُمَّ ارْتَحَلَ رَسُولُ اللَّهِ مُؤَيَّدًا مَنْصُورًا، قَرِيرَ العَيْنِ بِنَصْرِ اللَّهِ لَهُ، وَمَعَهُ الأُسَارَى، وَالغَنَائِمُ الكَثِيرَةُ، وَقَدْ بَعَثَ بَيْنَ يَدَيْهِ بَشِيرًا إِلَى المَدِينَةِ بِالفَتْحِ وَالنَّصْرِ وَالظَّفَرِ عَلَى مَنْ أشْرَكَ بِاللَّهِ، أَحَدُهُما: عَبْدُ اللَّهِ بنُ رَوَاحَةَ، وَالثَّانِي: زَيْدُ بنُ حَارِثَةَ. أَخْرَجَ الحَاكِمُ فِي المُسْتَدْرَكِ وَصَحَّحَهُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بنِ سَهْلٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ بَدْرٍ، بَعَثَ بَشِيْرَيْنِ إِلَى أَهْلِ المَدِينَةِ، بَعَثَ زَيْدَ بنَ

стр. 1053

حَارِثَةَ ﵁ إِلَى أَهْلِ السَّافِلَةِ، وَبَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بنَ رَوَاحَةَ ﵁ إِلَى أَهْلِ العَالِيَةِ، يُبَشِّرُونَهُمْ بِفَتْحِ اللَّهِ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ ، فَوَافَقَ زَيْدُ بنُ حَارِثَةَ ابْنَهُ أُسَامَةَ حِينَ سُوِّي التُّرَابُ عَلَى رُقيَّةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقِيلَ له: ذَاكَ أَبُوكَ حِينَ قَدِمَ، قَالَ أُسَامَةُ: فَجِئْتُ وَهُوَ وَاقِف لِلنَّاسِ يَقُولُ: قُتِلَ عُتْبَةُ بنُ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةُ بنُ رَبِيعَةَ، وَأَبُو جَهْلِ بنُ هِشَامٍ، وَنُبِيهُ وَمُنبِّهُ ابْنَا الحَجَّاجِ، وَأُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ، فَقُلْتُ: يَا أَبَتِ أَحَقٌّ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ وَاللَّهِ يَا بُنَيَّ (١). وَرَوَى البَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ ﵄ قَالَ: . . . فَجَاءَ زَيْدُ بنُ حَارِثَةَ عَلَى العَضْبَاءِ نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالبِشَارَةِ، قَالَ أُسَامَةُ: فَسَمِعْتُ الهَيْعَةَ (٢)، فَخَرَجْتُ، فَإِذَا زَيْدٌ قَدْ جَاءَ بِالبِشَارَةِ، فَوَاللَّهِ مَا صَدَّقْتُ حَتَّى رَأَيْتُ الأُسَارَى (٣). وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بنُ رَوَاحَةَ ﵁ فَجَعَلَ يُنَادِي أَهْلَ العَالِيَةِ، وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ! أَبْشِرُوا بِسَلَامَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقتلِ المُشْرِكِينَ وأَسْرِهِمْ، قُتِلَ ابْنَا رَبِيعَةَ، وَابْنَا الحَجَّاجِ، وَأَبُو جَهْلٍ، وَقُتِلَ زَمْعَةُ بنُ الأَسْوَدِ، وَأُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ، وَأُسِرَ سُهَيْلُ بنُ عَمْرٍو، قَالَ عَاصِمُ بنُ عَدِيٍّ: فَقُمْتُ إِلَيْهِ فنَحَوْتُهُ (٤)

стр. 1054

فَقُلْتُ: أَحَقًّا يَا ابْنَ رَوَاحَةَ؟ فَقَالَ؛ إِي وَاللَّهِ، وَغَدًا يَقْدُمُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالأَسْرَى مُقَرَّنِينَ، ثُمَّ تَتبَعَ دُورَ الأَنْصَارِ بِالعَالِيَةِ يُبَشِّرُهُمْ دَارًا دَارًا، وَالصِّبْيَانُ يُنْشِدُونَ مَعَهُ يَقُولُونَ: قُتِلَ أَبُو جَهْلٍ الفَاسِقُ، حَتَّى انتهَى إِلَى بَنِي أُمَيَّةَ بنِ زَيْدٍ (١). قَالَ حَسَّانُ بنُ ثَابِتٍ ﵁: فَمَا نَخْشَى بِحَوْلِ اللَّهِ قَوْمًا ... وَإِنْ كَثُرُوا وَأَجْمَعَتِ الزُّحُوفُ إِذَا مَا أَلَّبُوا (٢) جَمْعًا عَلَيْنَا ... كَفَانَا حَدَّهُمْ رَبٌّ رَؤُوفُ سَمَوْنَا يَوْمَ بَدْرٍ بِالعَوَالِي ... سِرَاعًا مَا تُضَعْضِعُنَا (٣) الحُتُوفُ (٤) فَلَمْ تُرَ عُصْبَةً فِي النَّاسِ أَنْكَى ... لِمَنْ عَادَوْا إِذَا لَقِحَتْ كُشُوفُ وَلَكِنَّا تَوَكَّلْنَا وَقُلْنَا ... مَآثِرُنَا وَمَعْقِلُنَا السُّيُوفُ لَقِينَاهُمْ بِهَا لَمَّا سَمَوْنَا ... وَنَحْنُ عِصَابَة وَهُمُ أُلُوفُ (٥) * تَهْنِئَةُ الرَّسُولِ ﷺ بِالنَّصْرِ: وَلَمَّا وَصَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى مِنْطَقَةِ الرَّوْحَاءِ لَقِيَهُ رُؤُوسُ المُسْلِمِينَ

стр. 1055

يُهَنِّؤُونَهُ بِمَا فتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ أُسَيْدُ بنُ الحُضَيْرِ ﵁: يَا رَسُولَ اللَّهِ الحَمْدُ للَّهِ الذِي أَظْفَرَكَ وَأَقَرَّ عَيْنَكَ، وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كَانَ تَخَلُّفِي عَنْ بَدْرٍ، وَأَنَا أَظُنُّ أَنَّكَ تَلْقَى عَدُوًّا، وَلَكِنْ ظَنَنْتُ أَنَّهَا عِيرٌ، وَلَوْ ظَنَنْتُ أَنَّهُ عَدُوٌّ مَا تَخَلَّفْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "صَدَقْتَ" (١). ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى دَخَلَ المَدِينَةَ النَّبَوِيَّةَ مُؤَيَّدًا مُظَفَّرًا، قَدْ خَافه كُلُّ عَدُوٍّ لَهُ دَاخِلَ وَخَارجَ المَدِينَةِ، فَأَسْلَمَ بَشَرٌ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ، وَحِينَئِذٍ دَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ، وَأَصْحَاُبهُ فِي الإِسْلَامِ نِفَاقًا. * قَضِيَّةُ الأَسْرَى: أَمَّا الْأَسْرَى، فَقَدْ فَرَّقَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَصْحَابِهِ، وَقَالَ: "اسْتَوْصُوا بِهِمْ خَيْرًا" (٢). فَكَانَ الصَّحَابَةُ ﵃، يُطْعِمُونَ أَسْرَاهُمُ الخُبْزَ. قَالَ أَبُو عَزِيزٍ أَخُو مُصْعَبِ بنِ عُمَيْرٍ -وَكَانَ أَسِيرًا-: كُنْتُ فِي رَهَطٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَكَانُوا إِذَا قَدَّمُوا غَدَاءَهُمْ أَوْ عَشَاءَهُمْ خَصُّونِي بِالخُبْزِ، وَأَكَلُوا التَّمْرَ، لِوَصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِيَّاهُمْ بِنَا، حَتَّى مَا تَقَعُ فِي يَدِ رَجُلٍ مِنْهُمْ كِسْرَةُ

стр. 1056

خُبْزٍ إِلَّا نَاوَلَنِي إِيَّاهَا، قَالَ: فَأَسْتَحْيِي، فَأَرُدُّهَا عَلَى أَحَدِهِمْ، فَيَرُدُّهَا عَلَيَّ مَا يَمَسُّهَا (١). * مَوْقِفٌ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ، ﵂: وَقَدْ دُهِشَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ ﵂ لَمَّا رَأَتْ سُهَيْلَ بنَ عَمْرٍو وَيَدَاهُ مَعْقُودَتَانِ إِلَى عُنُقِهِ بِحَبْلٍ فَقَالَتْ: أَبَا يَزِيدَ، أَعْطَيْتُمْ بِأَيْدِيكُمْ، أَلَا مُتُّمْ كِرَامًا! ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا سَوْدَةُ، أَعَلَى اللَّهِ وَعَلَى رَسُولِهِ تُحَرِّضِينَ؟ ". فَقَالَتْ ﵂: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَالذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ مَا مَلَكْتُ حِينَ رَأَيْتُ أبَا يَزِيدَ مَجْمُوعَةً يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ بِحَبلٍ أَنْ قُلْتُ مَا قُلْتُ (٢). * اسْتِشَارَةُ الرَّسُولِ ﷺ أَصْحَابَهُ فِي شَأْنِ الأَسْرَى: ثُمَّ أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَشِيرُ أصْحَابَهُ فِي الأَسْرَى، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: . . . فَلَمَّا أَسَرُوا الأُسَارَى، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لأبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ

стр. 1057

عَنْهُمَا: "مَا ترَوْنَ فِي هَؤُلَاءِ الأُسَارَى؟ "، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! هُمْ بَنُو العَمِّ وَالعَشِيرَةُ، أَرَى أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُمْ فِدْيَةً، فتَكُونَ لَنَا قُوَّةً عَلَى الكُفَّارِ، فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُمْ لِلْإِسْلَامِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا تَرَى يَا ابْنَ الخَطَّابِ؟ ". فَقَالَ عُمَرُ ﵁: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَرَى الذِي رَأَى أَبُو بَكْرٍ، وَلَكِنِّي أَرَى أَنْ تُمَكِّنَّا فنَضْرِبَ أعْنَاقَهُمْ، فتمَكِّنَ عَلِيًّا مِنْ عَقِيلٍ فَيَضْرِبَ عُنقهُ، وَتُمَكِنِّي مِنْ فُلَانٍ -نَسِيبًا لِعُمَرَ- فَأَضْرِبَ عنقه، حَتَّى يَعْلَمَ اللَّهُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي قُلُوبِنَا هَوَادَةٌ (١) لِلْمُشْرِكِينَ، هَؤُلَاءِ صَنَادِيدُهُمْ (٢) وَأَئِمَّتُهُمْ وَقَادَتُهُمْ. فهَوِيَ (٣) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁، وَلَمْ يَهْوَ مَا قَالَ عُمَرُ ﵁، فَأَخَذَ مِنْهُمُ الفِدَاءَ. قَالَ عُمَرُ ﵁: فَلَمَّا كَانَ مِنَ الغَدِ جِئْتُ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ قَاعِدَيْنِ يبكِيَانِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَخْبِرْنِي مِنْ أَيِّ شَيْءٍ تَبْكِي أَنْتَ وَصَاحِبُكَ، فَإِنْ وَجَدْتُ بُكَاءً بَكَيْتُ، وَإِنْ لَمْ أَجِدْ بُكَاءً تَباكَيْتُ لِبُكَائِكُمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَبْكِي لِلَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أَصْحَابُكَ مِنْ أَخْذِهِمُ الفِدَاءَ، لَقَدْ

стр. 1058

عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابُهُمْ أَدْنَى مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ" -شَجَرَةً قَرِيبَةً مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ وَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ (١) فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ (٢) لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ " (٣). وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الحَاكِمِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ قَالَ ﷺ لِعُمَرَ: "كَادَ أَنْ يُصِيبَنَا

стр. 1059

فِي خِلَافِكَ بَلَاءٌ" (١). وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ أَطْعَمَنَا الغَنَائِمَ، رَحْمَةً رَحِمَنَا بِهَا، وَتَخْفِيفًا خَفَّفَهُ عَنَّا لِمَا عَلِمَ مِنْ ضَعْفِنَا" (٢). قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَفِي هَذَا الحَدِيثِ اخْتِصَاصُ هَذِهِ الأُمَّةِ بِحِلِّ الغَنِيمَةِ، وَكَانَ ابْتِدَاءُ ذَلِكَ مِنْ غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَفِيهَا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ فَأَحَلَّ اللَّهُ لَهُمُ الغَنِيمَةَ، وَقَدْ ثبتَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄، لَكِنْ وَقَعَ فِي السِّيرَةِ أَنَّ أَوَّلَ غَنِيمَةٍ خُمِّسَتْ غَنِيمَةُ السَّرِيَّةِ التِي خَرَجَ فِيهَا عَبْدُ اللَّهِ بنُ جَحْشٍ ﵁، وَذَلِكَ قَبْلَ بَدْر بِشَهْرَيْنِ، وَيُمْكِنُ الجَمْعُ بِمَا ذَكَرَ ابنُ سَعْدٍ فِي طَبَقَاتِهِ (٣): أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ أَخَّرَ غَنِيمَةَ تِلْكَ السَّرِيَّةِ حَتَّى رَجَعَ مِنْ بَدْرٍ فَقَسَمَهَا مَعَ غَنَائِمِ بَدْرٍ (٤).

стр. 1060

وَأَخْرَجَ ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَمْ تَحِلَّ الغَنَائِمُ لِأَحَدٍ سُودِ الرُّؤُوسِ قَبْلَكُمْ، كَانَتْ تَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ نَار فتَأْكُلَهَا"، فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ أَسْرَعَ النَّاسُ فِي الغَنَائِمِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ (١). * تَرْجِيحُ ابْنِ القَيِّمِ رَأْيَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ -: قَالَ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَقَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ، فِي أَيِّ الرَّأْيَيْنِ كَانَ أَصْوَبَ -رَأْيُ أَبِي بَكْرٍ أَمْ عُمَرَ- فَرَجَّحَتْ طَائِفَةٌ، قَوْلَ عُمَرَ لِهَذَا الحَدِيثِ، وَرَجَّحَتْ طَائِفَةٌ قَوْلَ أَبِي بَكْرٍ، لِاسْتِقْرَارِ الأَمْرِ عَلَيْهِ، وَمُوَافَقَتِهِ الكِتَابَ الذِي سَبَقَ مِنَ اللَّهِ بِإِحْلَالِ ذَلِكَ لَهُمْ، وَلمُوَافَقَتِهِ الرَّحْمَةَ التِي غَلَبَتِ الغَضَبَ (٢)، وَلتَشْبِيهِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ فِي ذَلِكَ بِإِبْرَاهِيمَ وَعِيسَى ﵉، وَتَشْبِيهِهِ لِعُمَرَ بِنُوحٍ وَمُوسَى (٣) ﵉، وَلحُصُولِ الخَيْرِ العَظِيمِ الذِي حَصَلَ بِإسْلَامِ

стр. 1061

أَكْثَرِ أُولَئِكَ الأَسْرَى، وَلخُرُوجِ مَنْ خَرَجَ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ، وَلحُصُولِ القُوَّةِ التِي حَصلَتْ لِلْمُسْلِمِينَ بِالفِدَاءَ، وَلمُوَافَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ أَوَّلًا، وَلمُوَافَقَةِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ آخِرًا حَيْثُ اسْتَقَرَّ الأَمْرُ عَلَى رَأْيِهِ، وَلكَمَالِ نَظَرِ الصِّدِّيقِ ﵁، فَإِنَّهُ رَأَى مَا يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ حُكْمُ اللَّهِ آخِرًا، وَغَلَّبَ جَانِبَ الرَّحْمَةِ عَلَى جَانِبِ العُقُوبَةِ. قَالُوا: وَأَمَّا بُكَاءُ النَّبِيِّ ﷺ ، فَإِنَّمَا كَانَ رَحْمَةً لِنُزُولِ العَذَابِ لِمَنْ أَرَادَ بِذَلِكَ عَرَضَ الدُّنْيَا، وَلَمْ يُرِدْ ذَلِكَ ﷺ ، وَلَا أَبُو بَكْرٍ، وَإِنْ أَرَادَهُ بَعْضُ الصَّحَابَةِ، فَالفِتْنَةُ كَانَتْ تَعُمُّ، وَلَا تُصِيبُ مَنْ أَرَادَ ذَلِكَ خَاصَّةً، كَمَا هُزِمَ العَسْكَرُ يَوْمَ حُنَيْنٍ بِقَوْلِ أَحَدِهِمْ: لَنْ نُغْلَبَ اليَوْمَ مِنْ قِلَّةٍ، وَبِإْعَجاِب كَثْرَتِهِمْ لِمَنْ أَعْجَبتْهُ مِنْهُمْ، فَهُزِمَ الجَيْشُ بِذَلِكَ فِتْنَةً وَمِحْنَةً، ثُمَّ اسْتَقَرَّ الأَمْرُ عَلَى النَّصْرِ وَالظَّفَرِ وَاللَّه أَعْلَمُ (١). * نسْخُ حُكْمِ الفِدَاءِ وَجَعْله لِلْإِمَامِ: كَانَ أَخْذُ الفِدَاءِ فِي أَوَّلِ الإِسْلَامِ، ثُمَّ جُعِلَ فِيمَا بَعْدُ الخِيَارُ لِلْإِمَامِ بَيْنَ القَتْلِ أَوِ الفِدَاءِ أَوِ المَنِّ مَا عَدَا الأَطْفَالِ وَالنِّسَاءِ، إِذْ لَا يَجُوزُ قتلُهُمْ، مَا دَامُوا

стр. 1062

غَيْرَ مُحَارِبِينَ (١)، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ (٢). قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: وَقَدِ اسْتَقَرَّ فِي الأَسْرَى عِنْدَ جُمْهُورِ العُلَمَاءِ: أَنَّ الإِمَامَ مُخَيَّرٌ فِيهِمْ: إِنْ شَاءَ قتلَ -كَمَا فَعَلَ ﷺ ببَنِي قُرَيْظَةَ- وَإِنْ شَاءَ فَادَى بِمَالٍ -كَمَا فَعَلَ ﷺ بِأَسْرَى بَدْرٍ- أَوْ بِمَنْ أُسِرَ مِنَ المُسْلِمِينَ -كَمَا فَعَلَ ﷺ فِي تِلْكَ الجَارِيَةِ وَابْنَتِهَا اللَّتَيْنِ كَانتا فِي سَبْيِ سَلَمَةَ بنِ الأَكْوَعِ، حَيْثُ رَدَّهُمَا وَأَخَذَ فِي مُقَابِلِتِهِمَا مِنَ المُسْلِمِينَ الذِينَ كَانُوا عِنْدَ المُشْرِكِينَ (٣)، وَإِنْ شَاءَ اسْتَرَقَّ (٤) مَنْ أَسَرَ (٥). وَقَالَ الإِمَامُ ابنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: وَالصَّوَابُ مِنَ القَوْلِ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ (٦) مُحْكَمَةٌ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ، وَذَلِكَ أَنَّ صِفَةَ النَّاسِخِ وَالمَنْسُوخِ مَا قَدْ بَيَّنَّا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ فِي كِتَابِنَا أَنَّهُ مَا لَمْ يَجُزِ اجْتِمَاعُ حُكْمَيْهِمَا فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ مَا قَامَتِ الحُجَّةُ بِأَنَّ أحَدَهُمَا نَاسِخٌ لِلآخَرِ، وَغَيْرُ

стр. 1063

مُسْتَنْكَرٍ أَنْ يَكُونَ جَعْلُ الخِيَارِ فِي المَنِّ (١) وَالفِدَاءِ وَالقَتْلِ إِلَى الرَّسُولِ ﷺ ، وَإِلَى القَائِمِينَ بَعْدَهُ بِأَمْرِ الأُمَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ القَتْلُ مَذْكُورًا فِي هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَذِنَ بِقَتْلِهِمْ فِي آيَةٍ أُخْرَى، وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآية (٢)، بَلْ ذَلِكَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَذَلِكَ كَانَ يَفْعَلُ فِيمَنْ صَارَ أَسِيرًا فِي يَدِهِ مِنْ أَهْلِ الحَرْبِ، فَيَقْتُلُ بَعْضًا، وَيُفَادِي بِبَعْضٍ، وَيَمُنُّ عَلَى بعْضٍ، مِثْلَ يَوْمِ بَدْرٍ قتلَ عُقْبَةَ بنَ أَبِي مُعَيْطٍ، وَقَدْ أُتِيَ بِهِ أَسِيرًا، وَقَتَلَ بَنِي قرَيْظَةَ (٣)، وَقدْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بنِ مُعَاذٍ ﵁، وَصَارُوا فِي يَدِهِ سِلْمًا، وَهُوَ عَلَى فِدَائِهِمْ وَالمَنِّ عَلَيْهِمْ قَادِرٌ، وَفَادَى بِجَمَاعَةٍ أُسَارَى المُشْرِكِينَ الذِينَ أُسِرُوا بِبَدْرٍ، وَمَنَّ عَلَى ثُمَامَةَ بنِ أُثَالٍ الحَنَفِيِّ، وَهُوَ أَسِيرٌ فِي يَدِهِ (٤)، وَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ ثَابِتًا مِنْ سَيْرِهِ فِي أَهْلِ الحَرْبِ مِنْ لَدُنْ أَذِنَ اللَّهُ لَهُ بِحَرْبِهِمْ، إِلَى أَنْ قبضَهُ إِلَيْهِ ﷺ ، دَائِمًا ذَلِكَ فِيهِمْ (٥).

стр. 1064

وَقَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ، بَعْدَ أَنْ سَاقَ أَقْوَالَ العُلَمَاءِ فِي حُكْمِ الأَسِيرِ قَالَ: فَدَلَّ كُلُّ ذَلِكَ عَلَى تَرْجِيحِ قَوْلِ الجُمْهُورِ: إِنَّ ذَلِكَ رَاجعٌ إِلَى رَأْي الإِمَامِ (١). * فِدَاءُ (٢) الأُسَارَى: جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِدَاءَ الأَسْرَى كُلٌّ عَلَى قَدْرِ مَالِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ فِدَاءٌ، وَيُحْسِنُ القِرَاءَةَ وَالكِتَابَةَ، جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِدَاءه أَنْ يُعَلِّمَ أَوْلَادَ الأَنْصَارِ القِرَاءَةَ وَالكِتَابَةَ، فَإِذَا حَذِقُوا (٣) فَهُوَ فِدَاؤُهُ، وَبَعْضُ الأَسْرَى لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَالٌ، فَمَنَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فأَطْلقهُمْ بِغَيْرِ فِدَاءٍ. أَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الدَّلَائِلِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ أُسِرَ سَبْعُونَ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ فِدَاءَ كُلِّ وَاحِدٍ أَرْبَعِينَ أُوقِيَةً ذَهَبًا (٤). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄ قَالَ: كَانَ نَاسٌ مِنَ الأَسْرَى يَوْمَ بَدْرٍ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِدَاءٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِدَاءَهُمْ أَنْ يُعَلِّمُوا أَوْلَادَ الأَنْصَارِ الكِتَابَةَ (٥).

стр. 1065

قَالَ الدُّكْتُور مُحَمَّد أَبُو شَهْبَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَقَبُولُ النَّبِيِّ ﷺ تَعْلِيمَ القِرَاءَةِ والكِتَابَةِ بَدَلَ الفِدَاءِ فِي هَذَا الوَقْتِ الذِي كَانُوا فِيهِ بِأَشَدِّ الحَاجَةِ إِلَى المَالِ، يُرِيَنَا سُمُوَّ الإِسْلَامِ، فِي نَظْرَتِهِ إِلَى العِلْمِ وَالمَعْرِفَةِ وَإِزَالَةِ الأُمِّيَّةِ، وَلَيْسَ هَذَا بِعَجِيبٍ مِنْ دِينٍ كَانَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنْ كِتَابِهِ الكَرِيمِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (١). وَاسْتَفَاضَتْ فِيهِ نُصُوصُ القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ فِي التَّرْغِيبِ فِي العِلْمِ، وَبَيَانِ مَنْزِلَةِ العُلَمَاءِ، وَبِهَذَا العَمَلِ الجَلِيلِ يُعْتَبَرُ الرَّسُولُ ﷺ أوَّلَ مَنْ وَضَعَ حَجَرَ الأَسَاسِ فِي إِزَالَةِ الأُمِّيَّةِ، وَإِشَاعَةِ القِرَاءَةِ وَالكِتَابَةِ، وَأَنَّ السَّبْقَ فِي هَذَا لِلْإِسْلَامِ (٢). * مَنُّ الرَّسُولِ ﷺ لِرِجَالٍ مِنْ قُرَيشٍ بِغَيْرِ فِدَاءٍ: مِمَّنْ مَنَّ عَلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ فَأَطْلَقَهُمْ بِغَيْرِ فِدَاءٍ: المُطَّلِبُ بنُ حَنْطَبٍ، وَصَيْفِيُّ بنُ أَبِي رِفَاعَةَ، وَأَمَّا أَبُو عَزَّةَ الجُمَحِيُّ، فَقَدْ كَانَ فَقِيرًا، وَذُو بَنَاتٍ، فَقَالَ لِلرَّسُولِ ﷺ : لَقَدْ عَرَفْتَ مَالِي مِنْ مَالٍ، وَإِنِّي لَذُو حَاجَةٍ وَذُو عِيَالٍ، فَامْنُنْ عَلَيَّ، فَمَنَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَأَخَذَ عَلَيْهِ عَهْدًا أَنْ لَا يُقَاتِلَهُ، وَلَا يُظَاهِرَ (٣)

стр. 1066

عَلَيْهِ أَحَدًا، وَلَا يُكَثِّرَ عَلَيْهِ أَبَدًا، فَلَمْ يَفِ لَهُ بِشَيْءٍ، وَلَعِبَ المُشْرِكُونَ بِعَقْلِهِ، فَرَجَعَ إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ أُحُدٍ أُسِرَ أَيْضًا، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ مُنَّ عَلَيَّ، وَذَكَرَ فَقْرَهُ وَعِيَاله، فَقَالَ ﷺ : "لَا أَدَعُكَ تَمْسَحُ عَارِضَيْكَ بِمَكَّةَ تَقُولُ: سخِرْتُ بِمُحَمَّدٍ مَرَّتَيْنِ، لَا يُلدغ المُؤْمنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ" (١)، وَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ (٢). * أَوَّلُ مَنِ افْتَدَى مِنَ الأَسْرَى: أَوَّلَ أَسِيرٍ افتدِيَ مِنْ أَسْرَى بَدْرٍ أَبُو وَدَاعَةَ الحَارِثُ بنُ ضُبَيْرَةَ السَّهْمِيُّ، فَدَاهُ ابْنُهُ المُطَّلِبُ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ لَهُ بِمَكَّةَ ابْنًا كَيِّسًا (٣) تَاجِرًا ذَا مَالٍ، وَكَأَنَّكُمْ بِهِ قَدْ جَاءَكُمْ فِي طَلَبِ فِدَاء أَبِيهِ"، فَكَانَ كَذَلِكَ، فَلَمَّا قَالَتْ قُرَيْش: لَا تَعْجَلُوا بِفِدَاءَ أَسْرَاكُمْ لَا يَأْرَبُ (٤) عَلَيْكُمْ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ، فَقَالَ المُطَّلِبُ بنُ أَبِي وَدَاعَةَ: صَدَقْتُمْ، لَا تَعْجَلُوا، وَانْسَلَّ (٥) مِنَ اللَّيْلِ، فَقَدِمَ

стр. 1067

المَدِينَةَ، فَفَدَى أَبَاهُ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَرَجَعَ بِهِ إِلَى مَكَّةَ (١) قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: وَكَانَ هَذَا أَوَّلَ أَسِيرٍ فُدِيَ (٢). * فِدَاءُ سُهَيْلِ بنِ عَمْرٍو ﵁ -: مِنْ بَيْنِ الأُسَارَى سُهَيْلُ بنُ عَمْرٍو، وَكَانَ خَطِيبًا مُصَقَّعًا مَفُوَّهًا، فَقَالَ عُمَرُ ﵁: يَا رَسُولَ اللَّهِ! دَعْنِي أَنْزع ثَنِيّتَي سُهَيْلِ بنِ عَمْرٍو يَدْلَعُ (٣) لِسَانَهُ، فَلَا يَقُومُ عَلَيْكَ خَطِيبًا فِي مَوْطِنٍ أَبَدًا، فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَقَالَ: "إِنَّهُ عَسَى أَنْ يَقُومَ مَقَامًا لَا تَذُمُّهُ" (٤). قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: وَهَذَا المَقَامُ الذِي قَامَهُ سُهَيْلُ بنُ عَمْرٍو ﵁ كَانَ بِمَكَّةَ حِينَ مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَارْتَدَّ مَنِ ارْتَدَّ مِنَ العَرَبِ، وَنَجَمَ (٥) النِّفَاقُ بِالمَدِينَةِ وَغَيْرِهَا، فَقَامَ بِمَكَّةَ، فَخَطَبَ النَّاسَ، وَثَبَّتَهُمْ عَلَى الدِّينِ الحَنِيفِ (٦). وَكَانَ الذِي افتدَى سُهَيْلَ بنَ عَمْرٍو، هُوَ مِكْرَزُ بنُ حَفْصِ بنِ الأَخْيَفِ (٧).

стр. 1068

* فِدَاءُ أَبِي العَاصِ بنِ الرَّبيع ﵁ -: مِنَ الأَسْرَى كَذَلِكَ صِهْرُ الرَّسُولِ ﷺ أَبُو العَاصِ بنُ الرَّبِيعِ ﵁، زَوْجُ زَيْنَبَ بِنْتِ الرَّسُولِ ﷺ ، وَكَانَ مَا زَالَ مُشْرِكًا، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثارِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا بَعَثَ أَهْلُ مَكَّةَ فِي فِدَاءَ أسْرَاهُمْ، بَعَثَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي فِدَاءِ أَبِي العَاصِ بنِ الرَّبِيعِ بِمَالٍ، وبَعَثَتْ فِيهِ بِقِلَادَةٍ لَهَا كَانَتْ لِخَدِيجَةَ ﵂، أَدْخَلَتْهَا بِهَا عَلَى أَبِي العَاصِ حِينَ بَنَى (١) عَلَيْهَا، قَالَتْ: فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَقَّ لَهَا رِقَّةً شَدِيدَةً، وَقَالَ: "إِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تُطْلِقُوا لَهَا أَسِيرَهَا، وَتَرُدُّوا عَلَيْهَا الذِي لَهَا، فَافْعَلُوا"، فَقَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَطْلَقُوهُ، وَرَدُّوا عَلَيْهَا الذِي لَهَا (٢). وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَخَذَ عَهْدًا عَلَى أَبِي العَاصِ بنِ الرَّبِيعِ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِ زَيْنَبَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛ لِأنَّهَا كَانَتْ زَوْجَةَ أَبِي العَاصِ بنِ الرَّبِيعِ، وَكَانَتْ لَا تَزَالُ فِي مَكَّةَ لَمْ تُهَاجِرْ ﵂. وَأَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ وَالحَاكِمُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ، خَرَجَتِ ابْنَتُهُ مِنْ

стр. 1069

مَكَّةَ مَع بَنِي كِنَانَةَ فَخَرَجُوا فِي أَثَرِهَا -وَكَانَتْ ﵂ حَامِلًا- فَأدْرَكَهَا هَبَّارُ بنُ الأَسْوَدِ، فَلَمْ يَزَلْ يَطْعَنُ بَعِيرَهَا بِرُمْحِهِ حَتَّى صَرَعَهَا، فَأَلْقَتْ مَا فِي بَطْنِهَا وَاهْرِيقَتْ دَمًا، فَانْطَلَقَ بِهَا، وَاشْتَجَرَ فِيهَا بَنُو هَاشِمٍ، وَبَنُو أُمَيَّةَ، فَقَالَ بَنُو أُمَيَّةَ: نَحْنُ أَحَقُّ بِهَا، وَكَانَتْ تَحْتَ ابْنِ عَمِّهِمْ أَبِي العَاصِ بنِ الرَّبِيعِ بنِ عَبْدِ شَمْسٍ، فَكَانَتْ عِنْدَ هِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ بنِ رَبِيعَةَ، وَكَانَتْ تَقُولُ لَهَا هِنْدٌ: هَذَا فِي سَبَبِ أَبِيكِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِزَيْدِ بنِ حَارِثَةَ: "ألا تَنْطَلِقُ فتَجِئُ بِزَيْنَبَ؟ " (١)، قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ ﷺ : "فَخُذْ خَاتَمِي هَذَا، فَأَعْطِهَا إِيَّاهُ"، فَانْطَلَقَ زَيْدٌ، فَلَمْ يَزَلْ يَلْطُفُ (٢) وَتَرَكَ بَعِيرَهُ حَتَّى أَتَى رَاعِيًا، فَقَالَ لَهُ: لِمَنْ تَرْعَى؟ قَالَ: لِأَبِي العَاصِ بنِ الرَّبِيعِ، قَالَ: فَلِمَنْ هَذِهِ الغَنَمُ؟ قَالَ: لِزَيْنَبَ بِنْتِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، فَسَارَ مَعَهُ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ لَهُ: هَلْ لَكَ أَنْ أُعْطِيَكَ شَيْئًا تُعْطِيَهَا إِيَّاهُ، وَلَا تَذْكُرُهُ لِأَحَدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَعْطَاهُ الخَاتَمَ، فَانْطَلَقَ الرَّاعِي،

стр. 1070

فَأَدْخَلَ غَنَمَهُ، وَأَعْطَاهَا الخَاتَمَ فَعَرَفَتْهُ، فَقَالَتْ: مَنْ أَعْطَاكَ هَذَا؟ قَالَ: رَجُلٌ، قَالَتْ: وَأَيْنَ تَرَكْتَهُ؟ قَالَ: مَكَانَ كَذَا وَكَذا، فَسَكَنَتْ حَتَّى إِذَا كَانَ اللَّيْلُ خَرَجَتْ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهَا زَيْد: ارْكَبِي بَيْنَ يَدَيَّ، قَالَتْ: لَا وَلَكِنْ ارْكَبْ أَنْتَ، فَرَكِبَ وَرَكِبتْ وَرَاءَهُ حَتَّى أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ ، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "هِيَ أَفْضَلُ بَنَاتِي (١) أُصِيبَت فِيَّ" (٢). وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُثْنِي عَلَى أَبِي العَاصِ بنِ الرَّبِيعِ ﵁ زَوْجِ زَيْنَبَ ﵂، فَيَقُولُ: "حَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي، وَوَعَدَنِي فَوَفَى لِي" (٣).

стр. 1071

* شَأْنُ هَبَّارِ بنِ الأَسْوَدِ: وَأَمَّا هَبَّارُ بنُ الأَسْوَدِ الذِي طَعَنَ بَعِيرَ زَيْنَبَ فَأَسْقَطَهَا مِنْهُ، فَقَدْ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصْحَابَهُ أنهُ مَنْ وَجَدَهُ أَنْ يُحَرِّقَهُ بِالنَّارِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ البخاري فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْثٍ فَقَالَ: "إِنْ وَجَدْتُمْ فُلَانًا وَفُلَانًا فَأَحْرِقُوهُمَا بِالنَّارِ"، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَرَدْنَا الخُرُوجَ: "إِنِّي أَمَرْتُكُمْ أَنْ تُحْرِقُوا فُلَانًا وَفُلَانًا، وَإِنَّ النَّارَ لَا يُعَذِّبُ بِهَا إِلَّا اللَّهُ، فَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمَا فَاقْتُلُوهُمَا" (١). قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ قَوْلُهُ ﷺ : "إِنْ وَجَدْتُمْ فُلَانًا فَأَحْرِقُوهُ بِالنَّارِ" (٢). هَكَذَا بِالإِفْرَادِ، فكأَنَّ إِفْرَادَ هَبَّارِ بنِ الْأَسْوَدِ بِالذِّكْرِ لِكَوْنِهِ كَانَ الأَصْلَ فِي ذَلِكَ، وَالآخَرَ كَانَ تَبعًا له (٣). وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ عَنِ ابنِ عُيَيْنَةَ عَنِ ابنِ أَبِي نَجِيحٍ: أَنَّ هَبَّارَ بنَ الأَسْوَدِ أَصَابَ زَيْنَبَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِشَيْءٍ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً فَقَالَ: "إِنْ وَجَدْتُمُوهُ فَاجْعَلُوهُ بَيْنَ حَزْمَتَيْ حَطَب ثُمَّ أَشْعِلُوا فِيهِ النَّارَ"، ثُمَّ قَالَ

стр. 1072

- ﷺ : "إِنِّي لَأَسْتَحِي مِنَ اللَّهِ، لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُعَذِّبَ بِعَذَابِ اللَّهِ" (١). فَلَمْ تُصِب هَذِهِ السَّرِيَّةُ هَبَّارَ بنَ الأَسْوَدِ، فَأَهْدَرَ الرَّسُولُ ﷺ دَمَهُ فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَسْلَمَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَعَاشَ إِلَى خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ بنِ أَبِي سُفْيَانَ ﵁ (٢). * فِدَاء العَبَّاسِ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ ﵁ -: مِنْ بَيْنِ الأَسْرَى العَبَّاسُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ ﵁، أَسَرَهُ أَبُو اليَسَرِ كَعْبُ بنُ عَمْرٍو الخَزْرَجِيُّ الأَنْصَارِيُّ ﵁ كَمَا ذَكَرْنَا. وَكَانَ العَبَّاسُ ﵁ رَجُلًا طَوِيلًا (٣)، فَلَمَّا أُتِيَ بِهِ أَسِيرًا إِلَى المَدِينَةِ طَلَبَتِ الأَنْصَارُ ثَوْبًا يُلْبِسُونَهُ، فَلَمْ يَجِدُوا قَمِيصًا يَصْلُحُ لَهُ، إِلَّا قَمِيصَ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ المُنَافِقِ، فكَسَاهُ إِيَّاهُ، وَهُوَ نَفْسُ القَمِيصِ الذِي كَفَّنَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بنَ سَلُولٍ المُنَافِقَ لَمَّا مَاتَ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ أُتِيَ بِأُسَارَى وَأُتِيَ بِالعَبَّاسِ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ثَوْبٌ، فنَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ لَهُ قَمِيصًا، فَوَجَدُوا قَمِيصَ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ يُقَدَرُ عَلَيْهِ، فكَسَاهُ النَّبِيُّ ﷺ إيَّاهُ،

стр. 1073

فَلِذَلِكَ نَزَعَ النَّبِيُّ ﷺ قَمِيصهُ الذِي أَلْبَسَهُ (١). أَمَّا فِدَاءُ العَبَّاسِ ﵁ فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَالحَاكِمُ فِي المُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ حَسَن عَنْ ابْنِ عَبَّاس ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْعَبَّاسِ: "يَا عَبَّاسَ، افْدِ نَفْسَكَ، وَابْنَ أَخِيكَ عَقِيلَ بنَ أَبِي طَالِبٍ، وَنَوْفَلَ بنَ الحَارِثِ، وحَلِيفَكَ عُتْبَةَ بنَ جَحْدَمٍ"، أَحَدَ بَنِي الحَارِثِ بنِ فِهْرٍ، فَقَالَ العَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ مُسْلِمًا (٢)، وَلَكِنَّ القَوْمَ اسْتَكْرَهُونِي، فَقَالَ رَسُولىُ اللَّهِ ﷺ : "اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِسْلَامِكَ، إِنْ يَكُ مَا تَدَّعِي حَقًّا، فَاللَّهُ يَجْزِيكَ بِذَلِكَ، وَأَمَّا ظَاهِرُ أَمْرِكَ، فَقَدْ كَانَ عَلَيْنَا، فَافْدِ نَفْسَكَ"، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ

стр. 1074

قَدْ أَخَذَ مِنْهُ عِشْرِينَ أُوقِيَّةَ ذَهَبٍ (١)، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ احْسِبْهَا مِنْ فِدَايَ، قَالَ: "لَا، ذَلِكَ شَيْءٌ أَعْطَانَاهُ اللَّهُ مِنْكَ"، فَقَالَ العَبَّاسُ: فَإِنَّهُ لَيْسَ لِي مَالٌ، فَقَالَ ﷺ : "فَأيْنَ المَالُ الذِي وَضَعْتَهُ بِمَكَّةَ، حَيْثُ خَرَجْتَ، عِنْدِ أُمِّ الفَضْلِ بِنْتِ الحَارِثِ (٢)، وَلَيْسَ مَعَكُمَا أَحَدٌ غَيْرُكُمَا؟ ، فَقُلْتَ: إِنْ أُصِبْتُ فِي سَفَرِي هَذَا، فَلِلْفَضْلِ كَذَا، وَلِقُثَمٍ كَذَا، وَلِعَبْدِ اللَّهِ كَذَا"، فَقَالَ العَبَّاسُ: وَالذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، مَا عَلِمَ بِهَذَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ غَيْرِي وَغَيْرَهَا، وَإِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ (٣). وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الدَّلَائِلِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْر أُسِرَ سَبْعُونَ فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ فِدَاءَ كُلِّ وَاحِدٍ أَرْبَعِينَ أُوقِيَّة ذَهَبًا، وَجَعَلَ عَلَى عَمِّهِ العَبَّاسِ مِائَةً، وَعَلَى عَقِيلٍ ثَمَانِينَ (٤). * مَوْقِفُ الأَنْصَارِ مِنَ العَبَّاسِ ﵁ -: وَكَانَ رِجَالٌ مِنَ الأَنْصَارِ اسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَتْرُكَ فِدَاءَ العَبَّاسِ ﵁، فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُمْ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ

стр. 1075

-﵁ أَنَّ رِجَالًا مِنَ الأَنْصَارِ اسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: ائْذَنْ لَنَا فَلْنَتْرُكْ لِابْنِ أُخْتِنَا (١) عَبَّاسٍ فِدَاءَهُ، قَالَ ﷺ : "وَاللَّهِ لَا تَذَرُونَ مِنْهُ دِرْهَمًا" (٢). قَالَ الحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: وَالحِكْمَةُ فِي أَنَّهُ ﷺ لَمْ يُعْفِ العَبَّاسَ مِنَ الفِدَاءَ؛ لِأنَّهُ خَشِيَ أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ مُحَابَاةً له؛ لِكَوْنِهِ عَمَّهُ لَا لِكَوْنِهِ قَرِيبَهُمْ مِنَ النِّسَاءِ فَقَطْ، وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ القَرِيبَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَظَاهَرَ بِمَا يُؤْذِي قَرِيبَهُ، وَإِنْ كَانَ فِي البَاطِنِ يَكْرَهُ مَا يُؤْذِيهِ، فَفِي تَرْكِ قَبُولِ مَا يَتَبَرَّعُ لَهُ الأَنْصَارُ بِهِ مِنَ الفِدَاءَ تَأْدِيبٌ لِمَنْ يَقَعُ له مِثْلُ ذَلِكَ (٣). * نُزُولُ آيَةٍ: ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى قَوْلَهُ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤).

стр. 1076

قَالَ العَبَّاسُ ﵁ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: أَعْطَانِي اللَّهُ مَكَانَ العِشْرِينَ أُوقِيَّةً فِي الإِسْلَامِ عِشْرِينَ عَبْدًا، كُلُّهُمْ فِي يَدِهِ مَالٌ يَضْرِبُ بِهِ، مَعَ مَا أَرْجُو مِنْ مَغْفِرَةِ اللَّهِ (١). وَفِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الدَّلَائِلِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، قَالَ العَبَّاسُ ﵁ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، لَوَدِدْتُ أَنَّكَ كُنْتَ أَخَذْتَ مِنِّي أضْعَافَهَا، فَآتَانِيَ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهُ (٢). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَالٍ مِنَ البَحْرَيْنِ فَقَالَ ﷺ : "انْثُرُوهُ (٣) فِي المَسْجِدِ"، وَكَانَ أَكْثَرَ مَالٍ أُتِيَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الصَّلَاةِ وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ جَاءَ فَجَلَسَ إِلَيْهِ، فَمَا كَانَ يَرَى أَحَدًا إِلَّا أَعْطَاهُ، إِذْ جَاءَهُ العَبَّاسُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْطِنِي، فَإِنِّي فَادَيْتُ نَفْسِي وَفَادَيْتُ عَقِيلًا، فَقَالَ لَهُ ﷺ : "خُذْ"، فَحَثَا (٤) فِي ثَوْبِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ يُقِلُّهُ (٥)، فَلَمْ يَسْتَطِعْ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُؤْمُرْ بَعْضَهُمْ يَرْفَعْهُ إِلَيَّ، قَالَ: "لَا"، قَالَ:

стр. 1077

فَارْفَعْهُ أَنْتَ عَلَيَّ، قَالَ: "لَا"، فنَثَرَ مِنْهُ، ثُمَّ ذَهَبَ يُقِلُّهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُؤْمُرْ بَعْضَهُمْ يَرْفَعْهُ، قَالَ: "لَا" قَالَ: فَارْفَعْهُ أَنْتَ عَلَيَّ، قَالَ: "لَا"، فنَثَرَ مِنْهُ، ثُمَّ احْتَمَلَهُ فَأَلْقَاهُ عَلَى كَاهِلِهِ (١). ثُمَّ انْطَلَقَ، فَمَا زَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُتْبِعُهُ بَصَرَهُ -حَتَّى خَفَى عَلَيْنَا- عَجَبًا مِنْ حِرْصِهِ، فَمَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَثَمَّ مِنْهَا دِرْهَمٌ (٢). * فَوَائِدُ الحَدِيثِ: قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ: وَفِي هَذَا الحَدِيثِ مِنَ الفَوَائِدِ: ١ - بَيَانُ كَرَمِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَعَدَمُ الْتِفَاتِهِ إِلَى المَالِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ. ٢ - وَفِيهِ أَنَّ الإِمَامَ يَنْبَغِي له أَنْ يُفَرِّقَ مَالَ المَصَالِحِ فِي مُسْتَحِقِّيهَا وَلَا يُؤَخِّرَهُ. ٣ - وَفِيهِ أَنَّ سَهْمَ القُرْبَى مِنَ الفَيْءِ لَا يَخْتَصُّ بِفَقِيرِهِمْ؛ لِأَنَّ العَبَّاسَ كَانَ مِنَ الأَغْنِيَاءِ. ٤ - وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ جَوَازُ وَضْعِ مَا يَعُمُّ نَفْعُهُ فِي المَسْجِدِ، كَالمَاءَ لِشُرْبِ مَنْ يَعْطَشُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (٣).

стр. 1078

* إِجْلَالُ الرَّسُولِ ﷺ لِعَمِّهِ العَبَّاسِ ﵁ -: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُجِلُّ (١) عَمَّهُ العَبَّاسَ ﵁، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهَ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ سَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُجَهِّزُ بَعْثًا فِي مَوْضِعِ سُوقِ النَّخَّاسِينَ اليَوْمَ، إِذْ طَلَعَ العَبَّاسُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هَذَا العَبَّاسُ عَمُّ نَبِيَكُمْ، أَجْوَدُ قُريْشٍ كفًّا (٢) وَأَوْصَلُهَا" (٣). * وُقُوعُ الإِسْلَامِ فِي قَلْبِ جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ: قَدِمَ جُبَيْرُ بنُ مُطْعِمٍ ﵁ عَلَى الرَّسُولِ ﷺ فِي المَدِينَةِ لِيَفْدِيَ أَسْرَاهُ، فَوَافَقَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي صَلَاةِ المَغْرِبِ، وَهُوَ يَقْرَأُ سُورَةَ الطُّورِ، فَكَانَ هَذَا أَوَّلَ وُقُوعِ الإِسْلَامِ فِي قَلْبِهِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ أَنَّهُ قَالَ: قَدِمْتُ فِي فِدَاءِ أَهْلِ بَدْرٍ، فَسَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يُصلِّي بِالنَّاسِ المَغْرِبَ، وَهُوَ يَقْرَأُ ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ (٤).

стр. 1079

وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي المَغْرِبِ بِالطُّورِ، فَلَمَّا بَلَغَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ (١)، قَالَ: كَادَ قَلْبِي أَنْ يَطيرَ (٢). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ قَالَ جُبَيْرٌ ﵁: وَذَلِكَ أَوَّلُ مَا وَقَرَ الإِيمَانُ فِي قَلْبِي (٣). قَالَ جُبَيْرٌ ﵁: فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ مِنْ صَلَاتِهِ، كَلَّمْتُهُ فِي أُسَارَى بَدْرٍ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَوْ كَانَ المُطْعِمُ بنُ عَدِي حَيًّا فكلَّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى (٤) لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ" (٥) يَعْنِي أُسَارَى بَدْرٍ. قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَالسَّبَبُ فِي قَوْلِهِ ﷺ ذَلِكَ، لِأَنَّ المُطْعِمَ بنَ عَدِيٍّ أَجَارَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ رَجَعَ مِنَ الطَّائِفِ، وَكَانَ أَحَدَ الذِينَ قَامُوا فِي

стр. 1080

نَقْضِ الصَّحِيفَةِ التِي كَتَبَتهَا قُرَيْشٌ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَمَنْ مَعَهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، حِينَ حَصَرُوهُمْ فِي الشِّعْبِ (١). وَقَدْ مَاتَ المُطْعِمُ بنُ عَدِيٍّ وَالِدُ جُبَيْرٍ قَبْلَ غَزْوَةِ بَدْرٍ بِنَحْوِ سَبْعَةِ أَشْهُرٍ عَلَى كُفْرِهِ (٢). وَأَسْلَمَ جُبَيْرُ بنُ مُطْعِمٍ بَيْنَ الحُدَيْبِيَةِ وَالفَتْحِ، وَقِيلَ أَسْلَمَ فِي الفَتْحِ (٣). * إِسْلَامُ عُمَيْرِ بنِ وَهْبٍ ﵁ -: وَكَانَ له قَدْرٌ وَشرَفٌ فِي قُرَيْشٍ، وَهُوَ ابنُ عَمِّ صَفْوَانَ بنِ أُمَيَّةَ، وَشَهِدَ بَدْرًا مَعَ المُشْرِكِينَ كَافِرًا، وَهُوَ الذِي حَرَّشَ بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَكَانَ مِنْ أَبْطَالِ المُشْرِكِينَ وَشَيَاطِينِهِمْ، فَلَمَّا انْهَزَمَ المُشْرِكُونَ يَوْمَ بَدْرٍ، كَانَ عُمَيْرٌ فِيمَنْ نَجَا، وَأُسِرَ ابْنُهُ وَهْبُ بنُ عُمَيْرٍ يَوْمَئِذٍ، فَجَلَسَ يَوْمًا مَعَ صَفْوَانَ بنِ أُمَيَّةَ فِي الحِجْرِ -حِجْرِ إِسْمَاعِيلَ ﵇ بَعْدَ مُصَابِ أَهْلِ بَدْرٍ مِنْ قُرَيْشٍ بِيَسِيرٍ، فتَذَاكَرَ أَصْحَابَ القَلِيبِ وَمُصَابَهُمْ، فَقَالَ صَفْوَانُ: وَاللَّهِ مَا فِي العَيْشِ بَعْدَهُمْ خَيْرٌ، فَقَالَ عُمَيْرٌ: صَدَقْتَ وَاللَّهِ، أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا دَيْنٌ عَلَيَّ لَيْسَ له عِنْدِي قَضَاءٌ، وَعِيَالٌ أَخْشَى عَلَيْهِمُ الضَّيْعَةَ بَعْدِي، لَرَكِبْتُ إِلَى مُحَمَّدٍ حَتَّى أَقْتُلَهُ، فَإِنَّ لِي قِبَلَهُمْ عِلَّةً (٤)، ابْنِي أَسِيرٌ فِي أَيْدِيهِمْ، فَاغْتَنَمَهَا صَفْوَانُ وَقَالَ: عَلَيَّ دَيْنُكَ، أَنَا

стр. 1081

أَقْضِيهِ عَنْكَ، وَعِيَالُكَ مَعَ عِيَالِي أُوَاسِيهِمْ مَا بَقُوا، لَا يَسَعُنِي شَيْءٌ وَيَعْجَزُ عَنْهُمْ، فَقَالَ له عُمَيْرٌ: فَاكْتُمْ شَأْنِي وَشَأنْكَ، قَالَ: أَفْعَلُ، ثُمَّ أَمَرَ عُمَيْرٌ بِسَيْفِهِ، فَشُحِذَ (١) لَهُ، وَسُمَّ، ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى قَدِمَ المَدِينَةَ، فَبَيْنَا عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁، فِي نَفَرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ يَتَحَدَّثُونَ عَنْ يَوْمِ بَدْرٍ، وَيَذْكُرُونَ مَا أَكْرَمَهُمُ اللَّهُ بِهِ، وَمَا أَرَاهُمْ بِهِ مِنْ عَدُوِّهِمْ، إِذْ نَظَرَ عُمَرُ ﵁ إِلَى عُمَيْرِ بنِ وَهْبٍ حِينَ أنْاخَ (٢) عَلَى بَابِ المَسْجِدِ مُتَوَشِّحًا (٣) السَّيْفَ، فَقَالَ عُمَرُ ﵁: هَذَا الكَلْبُ عَدُوُّ اللَّهِ عُمَيْرُ بنُ وَهْبٍ، وَاللَّهِ مَا جَاءَ إِلَّا لِشَرٍّ، وَهُوَ الذِي حَرَّشَ (٤) بَيْنَنَا وَحَزَرَنَا (٥) لِلْقَوْمِ يَوْمَ بَدْرٍ، ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ ﵁ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! هَذَا عَدُوُّ اللَّهِ عُمَيْرُ بنُ وَهْبٍ قَدْ جَاءَ مُتَوَشِّحًا سَيْفَهُ، قَالَ ﷺ : "فَأَدْخِلْهُ عَلَيَّ" فَأَقْبَلَ عُمَرُ حَتَّى أَخَذَ بِحِمَالَةِ سَيْفِهِ (٦) فِي عُنُقِهِ فَلَبَّبَهُ (٧) بِهَا، وَقَالَ لِرِجَالٍ مِمَّنْ كَانُوا مَعَهُ مِنَ الأَنْصَارِ: ادْخُلُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاجْلِسُوا عِنْدَهُ، وَاحْذَرُوا عَلَيْهِ مِنْ هَذَا الخَبِيثِ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مَأْمُونٍ، ثُمَّ دَخَلَ بِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ

стр. 1082

- ﷺ ، وَعُمَرُ ﵁ آخِذٌ بِحِمَالَةِ سَيْفِهِ فِي عُنُقِهِ، قَالَ: "أَرْسِلْهُ يَا عُمَرُ، ادْنُ يَا عُمَيْرُ"، فَدَنَا، ثُمَّ قَالَ: أَنْعِمُوا صَبَاحًا -وَكَانَتْ تَحِيَّةَ أَهْلِ الجَاهِلِيَّةِ بَيْنَهُمْ- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قَدْ أَكرَمَنَا اللَّهُ بِتَحِيَّةٍ خَيْرٍ مِنْ تَحِيَّتكَ يَا عُمَيْرُ، بِالسَّلَامِ، تَحِيَّةِ أَهْلِ الجَنَّةِ"، فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ يَا مُحَمَّدُ إِنْ كُنْتَ بِهَا لَحَدِيثَ عَهْدٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَمَا جَاءَ بِكَ يَا عُمَيْرُ؟ " قَالَ: جِئْتُ لِهَذَا الأَسِيرِ الذِي بَيْنَ أَيْدِيكُمْ فَأَحْسِنُوا فِيهِ، فَقَالَ ﷺ : "فَمَا بَالُ السَّيْفِ فِي عُنُقِكَ؟ " قَالَ: قَبَّحَهَا اللَّهُ مِنْ سُيُوفٍ، وَهَلْ أَغْنَتْ عَنَّا شَيْئًا؟ فَقَالَ ﷺ : "اصْدُقْنِي، مَا الذِي جِئْتَ لَهُ؟ " قَالَ: مَا جِئْتُ إِلَّا لِذَلِكَ، فَقَالَ ﷺ : "بَلْ قَعَدْتَ أَنْتَ وَصَفْوَانُ بنُ أُمَيَّةَ فِي الحِجْرِ، فَذَكَرْتُمَا أَصْحَابَ القَلِيبِ مِنْ قُرَيْشٍ، ثُمَّ قُلْتَ: لَوْلَا دَيْنٌ عَلَيَّ وَعِيَالٌ عِنْدِي لَخَرَجْتُ حَتَّى أَقْتُلَ مُحَمَّدًا، فتَحَمَّلَ لَكَ صَفْوَانُ بنُ أُمَيَّةَ بِدَيْنِكَ وَعِيَالِكَ عَلَى أَنْ تَقْتُلَنِي لَهُ، وَاللَّهُ حَائِلٌ بَيْنَكَ وَبَيْنَ ذَلِكَ". فَقَالَ عُمَيْرُ بنُ وَهْبٍ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَدْ كُنَّا يَا رَسُولَ اللَّهِ نُكَذِّبُكَ بِمَا كُنْتَ تَأْتِينَا بِهِ مِنْ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَمَا يَنْزِلُ عَلَيْكَ مِنَ الوَحْي، وَهَذَا أَمْرٌ لَمْ يَحْضُرْهُ إِلَّا أَنَا وَصَفْوَانُ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ مَا أَتَاكَ بِهِ إِلَّا اللَّهُ، فَالحَمْدُ للَّهِ الذِي هَدَانِي لِلْإِسْلَامِ، وَسَاقَنِي هَذَا المَسَاقَ، ثُمَّ شَهِدَ شَهَادَةَ الحَقِّ، فَفَرِحَ المُسْلِمُونَ حِينَ هَدَاهُ اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: "فَقِّهُوا أَخَاكمْ فِي دِينِهِ، وَأَقْرِئُوهُ القُرْآنَ، وأَطْلِقُوا لَهُ أَسِيرَهُ"، فَفَعَلُوا.

стр. 1083

ثُمَّ قَالَ عُمَيْرٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي كُنْتُ جَاهِدًا عَلَى إِطْفَاءِ نُورِ اللَّهِ، شَدِيدَ الأَذَى لِمَنْ كَانَ عَلَى دِينِ اللَّهِ ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ تَأْذَنَ لِي، فَأَقْدِمَ مَكَّةَ، فَأَدْعُوَهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَإِلَى رَسُولهِ ﷺ ، وَإِلَى الإِسْلَامِ، لَعَلَّ اللَّهَ يَهْدِيهِمْ، وَإِلَّا آذَيْتُهُمْ فِي دِينِهِمْ كَمَا كُنْتُ أُوذِي أَصْحَابَكَ فِي دِينِهِمْ، فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَلَحِقَ بِمَكَّةَ، وَكَانَ صَفْوَانُ بنُ أُمَيَّةَ حِينَ خَرَجَ عُمَيْرٌ، يَقُولُ: أَبْشِرُوا بِوَقْعَةٍ تَأْتِيكُمُ الآنَ فِي أَيَّامٍ، تُنْسِيكُمْ وَقْعَةَ بَدْرٍ، وَكَانَ صَفْوَانُ يَسْأَلُ عَنْهُ الرُّكْبَانَ، حَتَّى قَدِمَ رَاكِبٌ فَأَخْبَرَهُ عَنْ إِسْلَامِ عُمَيْرِ بنِ وَهْبٍ، فَحَلَفَ صَفْوَانُ أَنْ لَا يُكَلِّمَ عُمَيْرًا أَبَدًا، وَلَا يَنْفَعَهُ بِنَفْعٍ أَبَدًا. فَلَمَّا قَدِمَ عُمَيْرٌ مَكَّةَ أَقَامَ بِهَا يَدْعُو إِلَى الإِسْلَامِ، وَيُؤْذِي مَنْ خَالفَهُ أَذًى شَدِيدًا، فَأَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ نَاسٌ كَثِيرٌ (١). قُلْتُ: وَقَدْ أَسْلَمَ كَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ الأَسْرَى عَلَى فتَرَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَبَعْدَهَا. * فَرَحُ النَّجَاشِيِّ بِنَصْرِ الرَّسُولِ ﷺ فِي بَدْرٍ: وَلَمَّا بَلَغَ النَّجَاشِيَّ نَصْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِبَدْرٍ، فَرِحَ فَرَحًا شَدِيدًا، فَقَدْ

стр. 1084

رَوَى البَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ: أَنَّ النَّجَاشِيَّ أَرْسَلَ ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى جَعْفَرَ بنِ أَبِي طَالِبٍ وَأَصْحَابِهِ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ وَهُوَ فِي بَيْتٍ، عَلَيْهِ خِلْقَانٌ (١) جَالِسٌ عَلَى التُّرَابِ. فَقَالَ جَعْفَرٌ: فَأَشْفَقْنَا مِنْهُ حِينَ رَأَيْنَاهُ عَلَى تِلْكَ الحَالِ، فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وُجُوهِنَا، قَالَ: إِنِّي أُبَشِّرُكُمْ بِمَا يَسُرّكُمْ، إِنَّهُ جَاءَنِي مِنْ نَحْوِ أَرْضِكُمْ عَيْنٌ (٢) لِي، فَأَخْبَرَنِي أَنَّ اللَّهَ قَدْ نَصَرَ نَبِيَّهُ ﷺ وَأَهْلَكَ عَدُوَّهُ، وَأُسِرَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ، وَقُتِلَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ، الْتَقَوْا بِوَادٍ يُقَالُ لَهُ: بَدْرٌ، كَثِيرُ الأَرَاكِ (٣)، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ، كُنْتُ أَرْعَى بِهِ لِسَيِّدِي، رَجُلٌ مِنْ ضَمْرَةَ إِبِلَهُ، فَقَالَ لَهُ جَعْفَرٌ: مَا بَالُكَ جَالِسٌ عَلَى التُّرَابِ لَيْسَ تَحْتَكَ بِسَاطٌ، وَعَلَيْكَ هَذِهِ الأَخْلَاقُ؟ قَالَ: إِنَّا نَجِدُ فِيمَا أُنْزِلَ عَلَى عِيسَى ﵇ أَنَّ حَقًّا عَلَى عِبَادِ اللَّهِ أَنْ يُحْدِثُوا للَّهِ تَوَاضُعًا عِنْدَمَا أَحْدَثَ لَهُمْ نِعْمَةً، فَلَمَّا أَحْدَثَ اللَّهُ لِي نَصْرَ نَبِيِّهِ ﷺ أَحْدَثْتُ له هَذَا التَّوَاضُعَ (٤). * فَضْلُ مَنْ شَهِدَ غَزْوَةَ بَدْرٍ الكُبْرَى: جَاءَ فِي فَضْلِ مَنْ شَهِدَ غَزْوَةَ بَدْرٍ الكُبْرَى أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا:

стр. 1085

مَا أَخْرَجَهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ مُعَاذِ بنِ رِفَاعَةَ بنِ رَافِعٍ الزُّرَقِيِّ عَنْ أَبِيهِ، وَكَانَ أَبُوهُ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: مَا تَعُدُّونَ أَهْلَ بَدْرٍ فِيكُمْ؟ قَالَ: "مِنْ أَفْضَلِ المُسْلِمِينَ" -أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا-، قَالَ: وَكَذَلِكَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ المَلَائِكَةِ (١). وَأَخْرَجَ ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ رَافِعِ بنِ خَدِيجٍ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ جِبْرِيلُ أَوْ مَلَكٌ، فَقَالَ: كَيْفَ أَهْلُ بَدْرٍ فِيكُمْ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "هُمْ عِنْدَنَا أَفَاضِلُ النَّاسِ"، قَالَ: وَكَذَلِكَ مَنْ شَهِدَ عِنْدَنَا مِنْ المَلَائِكَةِ (٢). وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فِي قِصَّةِ حَاطِبِ بنِ أَبِي بَلْتَعَةَ ﵁ عِنْدَمَا أَرْسَلَ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ كِتَابًا يُخْبِرُهُمْ عَزْمَ الرَّسُولِ ﷺ عَلَى فَتْحِ مَكَّةَ. . . فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّهُ قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُول وَالمُؤْمِنِينَ فَدَعْنِي فَلْأَضْرِبْ عنقه، فَقَالَ ﷺ : "أَليْسَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ؟ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ وَجَبَتْ لَكُمُ الجَنَّة" أَوْ "فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ". وَفِي رِوَايَةِ الإِمَامِ مُسْلِمٍ فِي صَحِيحِهِ قَالَ ﷺ : "إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَمَا

стр. 1086

يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ، فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ"، فَدَمَعَتْ عَيْنَا عُمَرَ ﵁ وَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُول أَعْلَمُ (١). قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَفي هَذَا الحَدِيثِ بِشَارَةٌ عَظِيمَةٌ لِأَهْلِ بَدْرٍ لَمْ تَقَعْ لِغَيْرِهِمْ (٢). * اسْتِشْكَالُ حَدِيثٍ: وَقَدِ اسْتُشْكِلَ قَوْلُهُ ﷺ : "اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ" فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ لِلْإِبَاحَةِ، وَهُوَ خِلَافُ عَقْدِ الشَّرْعِ، قَالَ الْإِمَامُ الْقُرْطُبِيُّ: وَقَدْ ظَهَرَ لِي أَنَّ هَذَا الخِطَابَ خِطَابُ إِكْرَامٍ وَتَشْرِيفٍ، تَضمَّنَ أَنَّ هَؤُلَاءَ حَصَلَتْ لَهُمْ حَالَة غُفِرَتْ بِهَا ذُنُوبُهُمُ السَّالِفَةُ، وتَأَهَّلُوا أَنْ يُغْفَرَ لَهُمْ مَا يُسْتَأْنَفُ مِنَ الذُّنُوبِ اللَّاحِقَةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الصَّلَاحِيَةِ لِلشَّيْءِ وُقُوعُهُ، وَقَدْ أَظْهَرَ اللَّهُ صِدْقَ رَسُولِهِ ﷺ فِي كُلِّ مَنْ أَخْبَرَ عَنه بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا عَلَى أَعْمَالِ الجَنَّةِ إِلَى أَنْ فَارَقُوا الدُّنْيَا، وَلَوْ قُدِّرَ صُدُورُ شَيْءٍ مِنْ أَحَدِهِمْ لَبَادَرَ إِلَى التَّوْبَةِ وَلَازَمَ الطَّرِيقَ المُثْلَى، وَيَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْ أَحْوَالِهِمْ بِالقَطْعِ مَنِ اطَّلَعَ عَلَى سِيَرِهِمْ (٣).

стр. 1087

وَقَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَقَوْلُه ﷺ عَنْ أَهْلِ بَدْرٍ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لَهُمْ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ" أَنَّ الرَّاجِحَ أَنَّ المُرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ الذُّنُوبَ تَقَعُ مِنْهُمْ -كَمَا وَقَعَ مِسْطَحٌ ﵁ فِي حَقِّ عَائِشَةَ ﵂ فِي قِصَّةِ الإِفْكِ، وَكَمَا شَرِبَ قُدَامَةُ بنُ مَظْعُونٍ ﵁ الخَمْرَ- مُتَأَوِّلًا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ (١) فَقَالَ له عُمَرُ: أَخْطَأْتَ التَّأوِيلَ، فَحَدَّهُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁ (٢) لَكِنَّهَا مَقْرُونَةٌ بِالمَغْفِرَةِ تَفْضِيلًا لَهُمْ عَلَى غَيْرِهِمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ المَشْهَدِ العَظِيمِ -مَشْهَدِ بَدْرٍ- (٣). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: أَنَّ عَبْدًا لِحَاطِبَ بنِ أَبِي بَلْتَعَةَ ﵁ جَاءَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَشْكُو حَاطِبًا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيَدْخُلَنَّ حَاطِبٌ النَّارَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَذَبْتَ، لَا يَدْخُلُهَا، فَإِنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا وَالحُدَيْبِيَةَ" (٤). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ قَيْسٍ قَالَ: كَانَ عَطَاءُ البَدْرِيِّينَ

стр. 1088

خَمْسَةَ آلَافٍ، خَمْسَةَ آلَافٍ، وَقَالَ عُمَرُ: لَأُفَضِّلَنَّهُمْ عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ (١). وَأَخْرَجَ البَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنِّي لَأَرْجُو (٢) أَنْ لَا يَدْخُلَ النَّارَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ" (٣). وَقَدْ ذَكَرْنَا قِصَّةَ حَارِثَةَ بنِ سُرَاقَةَ ﵁ عِنْدَمَا قُتِلَ وَكَانَ فِي النَّظَّارَةِ، وَقَوْلِ الرَّسُولِ ﷺ لأُمِّهِ: "يَا أُمَّ حَارِثَةَ، إِنَّهَا جِنَانٌ فِي الجَنَّةِ، وَإِنَّ ابْنَكِ أَصَابَ الفِرْدَوْسَ الأَعْلَى" (٤). قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مُعَلِّقًا عَلَى حَدِيثِ حَارِثَةَ بنِ سُرَاقَةَ ﵁ قَالَ: وَفي هَذَا تَنْبِيهٌ عَظِيمٌ عَلَى فَضْلِ أَهْلِ بَدْرٍ، فَإِنَّ هَذَا الذِي لَمْ يَكُنْ فِي بُحَيْحَةِ القِتَالِ (٥)، وَلَا فِي حَوْمَةِ الوَغَى (٦)، بَلْ كَانَ مِنَ النَّظَّارَةِ مِنْ بَعِيدٍ، وَإِنَّمَا أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ وَهُوَ يَشْرَبُ مِنَ الحَوْضِ، وَمَعَ هَذَا أَصَابَ بِهَذَا المَوْقِفِ

стр. 1089

الفِرْدَوْسَ التِي هِيَ أَعْلَى الجِنَانِ وَأَوْسَطُ الجَنَّةِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أنْهَارُ الجَنَّةِ التِي أَمَرَ الشَّارعُ أُمَّتَهُ إِذَا سَأَلُوا اللَّهَ الجَنَّةَ أَنْ يَسْأَلُوهُ إِيَّاهَا، فَإِذَا كَانَ هَذَا حَالُ هَذَا، فَمَا ظَنُّكَ بِمَنْ كَانَ وَاقِفًا فِي نَحْرِ العَدُوِّ، وَعَدَدُهُمْ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْعَافِهِمْ عَدَدًا وَعُدَدًا (١). * مَا نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ: وَحَوْلَ مَوْضُوعِ هَذِهِ المَعْرَكَةِ العَظِيمَةِ نَزَلَتْ سُورَةُ الأَنْفَالِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ قَالَ قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: سُورَةُ الأَنْفَالِ؟ قَالَ: نَزَلَتْ فِي بَدْرٍ (٢). وَقَالَ ابنُ إِسْحَاقَ: فَلَمَّا انْقَضَى أَمْرُ بَدْرٍ، أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ مِنَ القُرْآنِ الأَنْفَالَ بِأَسْرِهَا (٣). * * *

стр. 1090

الأَحْدَاثُ بيْنَ غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَغَزْوَةِ أُحُدٍ وَفَاةُ رقيَّةَ بِنْتِ الرَّسُولِ ﷺ - كَانَتْ وَفَاتُهَا ﵂ عِنْدَمَا وَصَلَ زَيْدُ بنُ ثَابِتٍ ﵁، وَعَبْدُ اللَّهِ بنُ رَوَاحَةَ ﵁ المَدِينَةَ بِالبُشْرَى بِانْتِصَارِ المُسْلِمِينَ فِي بَدْرٍ، فَقَدْ أَخْرَجَ الحَاكِمُ فِي المُسْتَدْرَكِ وَصَحَّحَهُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بنِ سَهْلٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ بَدْرٍ بَعَثَ بَشِيرينِ إِلَى أَهْلِ المَدِينَةِ، بَعَثَ زَيْدَ بنَ حَارِثَةَ ﵁ إِلَى أَهْلِ السَّافِلَةِ، وَبَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بنَ رَوَاحَةَ ﵁ إِلَى أَهْلِ العَالِيَةِ يُبَشِّرُونَهُمْ بِفَتْحِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ ، فَوَافَقَ زَيْدَ بنَ حَارِثَةَ ابْنُهُ أُسَامَةُ حِينَ سُوِّيَ التُّرَابُ عَلَى رُقَيَّةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (١). وَكَانَتْ رُقَيَّةُ ﵂، قَدِ اشْتَكَتْ، فَخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهَا زَوْجَهَا عُثْمَانَ بنَ عَفَّانَ ﵁، فَلَمْ يَشْهَدْ عُثْمَانُ بَدْرًا بِسَبَبِ تَخَلُّفِهِ عَلَى زَوْجَتِهِ رُقَيَّةَ بِنْتِ الرَّسُولِ ﷺ . أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:
следующие страницы →