← Сира

Сира · id 38114

اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون

موسى بن راشد العازمي

Полный текст (2 595 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ، فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ"، فَدَمَعَتْ عَيْنَا عُمَرَ ﵁ وَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُول أَعْلَمُ (١). قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَفي هَذَا الحَدِيثِ بِشَارَةٌ عَظِيمَةٌ لِأَهْلِ بَدْرٍ لَمْ تَقَعْ لِغَيْرِهِمْ (٢). * اسْتِشْكَالُ حَدِيثٍ: وَقَدِ اسْتُشْكِلَ قَوْلُهُ ﷺ : "اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ" فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ لِلْإِبَاحَةِ، وَهُوَ خِلَافُ عَقْدِ الشَّرْعِ، قَالَ الْإِمَامُ الْقُرْطُبِيُّ: وَقَدْ ظَهَرَ لِي أَنَّ هَذَا الخِطَابَ خِطَابُ إِكْرَامٍ وَتَشْرِيفٍ، تَضمَّنَ أَنَّ هَؤُلَاءَ حَصَلَتْ لَهُمْ حَالَة غُفِرَتْ بِهَا ذُنُوبُهُمُ السَّالِفَةُ، وتَأَهَّلُوا أَنْ يُغْفَرَ لَهُمْ مَا يُسْتَأْنَفُ مِنَ الذُّنُوبِ اللَّاحِقَةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الصَّلَاحِيَةِ لِلشَّيْءِ وُقُوعُهُ، وَقَدْ أَظْهَرَ اللَّهُ صِدْقَ رَسُولِهِ ﷺ فِي كُلِّ مَنْ أَخْبَرَ عَنه بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا عَلَى أَعْمَالِ الجَنَّةِ إِلَى أَنْ فَارَقُوا الدُّنْيَا، وَلَوْ قُدِّرَ صُدُورُ شَيْءٍ مِنْ أَحَدِهِمْ لَبَادَرَ إِلَى التَّوْبَةِ وَلَازَمَ الطَّرِيقَ المُثْلَى، وَيَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْ أَحْوَالِهِمْ بِالقَطْعِ مَنِ اطَّلَعَ عَلَى سِيَرِهِمْ (٣).

стр. 1087

وَقَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَقَوْلُه ﷺ عَنْ أَهْلِ بَدْرٍ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لَهُمْ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ" أَنَّ الرَّاجِحَ أَنَّ المُرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ الذُّنُوبَ تَقَعُ مِنْهُمْ -كَمَا وَقَعَ مِسْطَحٌ ﵁ فِي حَقِّ عَائِشَةَ ﵂ فِي قِصَّةِ الإِفْكِ، وَكَمَا شَرِبَ قُدَامَةُ بنُ مَظْعُونٍ ﵁ الخَمْرَ- مُتَأَوِّلًا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ (١) فَقَالَ له عُمَرُ: أَخْطَأْتَ التَّأوِيلَ، فَحَدَّهُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁ (٢) لَكِنَّهَا مَقْرُونَةٌ بِالمَغْفِرَةِ تَفْضِيلًا لَهُمْ عَلَى غَيْرِهِمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ المَشْهَدِ العَظِيمِ -مَشْهَدِ بَدْرٍ- (٣). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: أَنَّ عَبْدًا لِحَاطِبَ بنِ أَبِي بَلْتَعَةَ ﵁ جَاءَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَشْكُو حَاطِبًا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيَدْخُلَنَّ حَاطِبٌ النَّارَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَذَبْتَ، لَا يَدْخُلُهَا، فَإِنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا وَالحُدَيْبِيَةَ" (٤). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ قَيْسٍ قَالَ: كَانَ عَطَاءُ البَدْرِيِّينَ

стр. 1088

خَمْسَةَ آلَافٍ، خَمْسَةَ آلَافٍ، وَقَالَ عُمَرُ: لَأُفَضِّلَنَّهُمْ عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ (١). وَأَخْرَجَ البَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنِّي لَأَرْجُو (٢) أَنْ لَا يَدْخُلَ النَّارَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ" (٣). وَقَدْ ذَكَرْنَا قِصَّةَ حَارِثَةَ بنِ سُرَاقَةَ ﵁ عِنْدَمَا قُتِلَ وَكَانَ فِي النَّظَّارَةِ، وَقَوْلِ الرَّسُولِ ﷺ لأُمِّهِ: "يَا أُمَّ حَارِثَةَ، إِنَّهَا جِنَانٌ فِي الجَنَّةِ، وَإِنَّ ابْنَكِ أَصَابَ الفِرْدَوْسَ الأَعْلَى" (٤). قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مُعَلِّقًا عَلَى حَدِيثِ حَارِثَةَ بنِ سُرَاقَةَ ﵁ قَالَ: وَفي هَذَا تَنْبِيهٌ عَظِيمٌ عَلَى فَضْلِ أَهْلِ بَدْرٍ، فَإِنَّ هَذَا الذِي لَمْ يَكُنْ فِي بُحَيْحَةِ القِتَالِ (٥)، وَلَا فِي حَوْمَةِ الوَغَى (٦)، بَلْ كَانَ مِنَ النَّظَّارَةِ مِنْ بَعِيدٍ، وَإِنَّمَا أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ وَهُوَ يَشْرَبُ مِنَ الحَوْضِ، وَمَعَ هَذَا أَصَابَ بِهَذَا المَوْقِفِ

стр. 1089

الفِرْدَوْسَ التِي هِيَ أَعْلَى الجِنَانِ وَأَوْسَطُ الجَنَّةِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أنْهَارُ الجَنَّةِ التِي أَمَرَ الشَّارعُ أُمَّتَهُ إِذَا سَأَلُوا اللَّهَ الجَنَّةَ أَنْ يَسْأَلُوهُ إِيَّاهَا، فَإِذَا كَانَ هَذَا حَالُ هَذَا، فَمَا ظَنُّكَ بِمَنْ كَانَ وَاقِفًا فِي نَحْرِ العَدُوِّ، وَعَدَدُهُمْ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْعَافِهِمْ عَدَدًا وَعُدَدًا (١). * مَا نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ: وَحَوْلَ مَوْضُوعِ هَذِهِ المَعْرَكَةِ العَظِيمَةِ نَزَلَتْ سُورَةُ الأَنْفَالِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ قَالَ قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: سُورَةُ الأَنْفَالِ؟ قَالَ: نَزَلَتْ فِي بَدْرٍ (٢). وَقَالَ ابنُ إِسْحَاقَ: فَلَمَّا انْقَضَى أَمْرُ بَدْرٍ، أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ مِنَ القُرْآنِ الأَنْفَالَ بِأَسْرِهَا (٣). * * *

стр. 1090

الأَحْدَاثُ بيْنَ غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَغَزْوَةِ أُحُدٍ وَفَاةُ رقيَّةَ بِنْتِ الرَّسُولِ ﷺ - كَانَتْ وَفَاتُهَا ﵂ عِنْدَمَا وَصَلَ زَيْدُ بنُ ثَابِتٍ ﵁، وَعَبْدُ اللَّهِ بنُ رَوَاحَةَ ﵁ المَدِينَةَ بِالبُشْرَى بِانْتِصَارِ المُسْلِمِينَ فِي بَدْرٍ، فَقَدْ أَخْرَجَ الحَاكِمُ فِي المُسْتَدْرَكِ وَصَحَّحَهُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بنِ سَهْلٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ بَدْرٍ بَعَثَ بَشِيرينِ إِلَى أَهْلِ المَدِينَةِ، بَعَثَ زَيْدَ بنَ حَارِثَةَ ﵁ إِلَى أَهْلِ السَّافِلَةِ، وَبَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بنَ رَوَاحَةَ ﵁ إِلَى أَهْلِ العَالِيَةِ يُبَشِّرُونَهُمْ بِفَتْحِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ ، فَوَافَقَ زَيْدَ بنَ حَارِثَةَ ابْنُهُ أُسَامَةُ حِينَ سُوِّيَ التُّرَابُ عَلَى رُقَيَّةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (١). وَكَانَتْ رُقَيَّةُ ﵂، قَدِ اشْتَكَتْ، فَخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهَا زَوْجَهَا عُثْمَانَ بنَ عَفَّانَ ﵁، فَلَمْ يَشْهَدْ عُثْمَانُ بَدْرًا بِسَبَبِ تَخَلُّفِهِ عَلَى زَوْجَتِهِ رُقَيَّةَ بِنْتِ الرَّسُولِ ﷺ . أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:

стр. 1091

إِنَّمَا تَغَيَّبَ عُثْمَانُ عَنْ بَدْرٍ، فَإِنَّهُ كَانَ تَحْتَهُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَتْ مَرِيضَةً، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ لَكَ أَجْرَ رَجُلٍ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا وَسَهْمَهُ" (١). * * *

стр. 1092

أَوَّلُ عِيدِ فِطْرٍ يَمُرُّ عَلَى المُسْلِمِينَ قَالَ الشَّيْخُ صَفِيُّ الرَّحْمَنِ المُبارَكْفُورِي: وَمِنْ أَحْسَنِ المَوَاقِعِ وَأَرْوَعِ الصُّدَفَاتِ أَنَّ أَوَّلَ عِيدٍ تَعَيَّدَ بِهِ المُسْلِمُونَ فِي حَيَاتِهمْ هُوَ العِيدُ الذِي وَقَعَ فِي شَوَّالَ مِنَ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ لِلْهِجْرَةِ، إِثْرَ الفَتْحِ المُبِينِ الذِي حَصَلُوا عَلَيْهِ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، فَمَا أَرْوَعَ هَذَا العِيدَ السَّعِيدَ الذِي جَاءَ بِهِ اللَّهُ بَعْدَ أَنْ تَوَّجَ هَامَتَهُمْ (١) بِتَاجِ الفَتْحِ وَالعِزِّ، وَمَا أَرْوَقَ مَنْظَرَ تِلْكَ الصَّلَاةِ التِي صَلَّوْهَا بَعْدَ أَنْ خَرَجُوا مِنْ بُيُوتِهِمْ يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّكْبِيرِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّحْمِيدِ، وَقَدْ فَاضَتْ قُلُوبُهُمْ رَغْبَةً إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَحَنِينًا إِلَى رَحْمَتِهِ وَرِضْوَانِهِ بَعْدَمَا أَوْلَاهُمْ مِنَ النِّعَمِ، وَأَيَّدَهُمْ بِهِ مِنَ النَّصْرِ، وَقَدْ ذَكَّرَهُمْ بذَلِكَ فَقَالَ: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٢). وَكَانَ لِأَهْلِ المَدِينَةِ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ:

стр. 1093

"إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الفِطْرِ، وَيَوْمَ النَّحْرِ"، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثارِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ أَنسٍ ﵁ قَال: قَدِمَ رَسُول اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ، وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَقَال ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الفِطْرِ، وَيَوْمَ النَّحْرِ" (١). * هَدْيُ الرَّسُولِ ﷺ فِي العِيدِ: وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ فِي عِيدِ الفِطْرِ أَنَّهُ لَا يَخْرُج إِلَى الصَّلَاةِ حَتَّى يَأْكُلَ ثَلَاثَ تَمَرَاتٍ وِتْرًا، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ أَنسٍ ﵁ قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ لَا يَغْدُو يَوْمَ الفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ، وَيَأْكُلُهُنَّ وِتْرًا (٢). وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵁ قَال: مَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ فِطْرٍ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا (٣).

стр. 1094

وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَلْبَسُ أَجْمَلَ ثِيَابِهِ، فَكَانَ له حُلَّةٌ يَلْبَسُهَا لِلْعِيدَيْنِ وَالجُمُعَةِ (١). وَكَانَ ﷺ يَخْرُجُ مَاشِيًا، وَالعَنَزَةُ (٢) تُحْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَإِذَا وَصَلَ إِلَى المُصَلَّى، نُصِبَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ لِيُصَلِّيَ إِلَيْهَا، فَإِنَّ المُصَلَّى كَانَ إِذْ ذَاكَ فَضَاءً لَمْ يَكُنْ فِيهِ بِنَاءٌ وَلَا حَائِطٌ، وَكَانَتِ الحَرْبَةُ سُتْرَتَهُ (٣). أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَغْدُو إِلَى المُصَلَّى وَالعَنَزَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ تُحْمَلُ وَتُنْصَبُ بِالمُصَلَّى بيْنَ يَدَيْهِ، فيصَلِّي إِلَيْهَا (٤). وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُخَالِفُ الطَّرِيقَ يَوْمَ العِيدِ، فَيَذْهَبُ فِي طَرِيقٍ، وَيَرْجعُ فِي آخَرَ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا كَانَ يَوْمُ عِيدٍ خَالَفَ الطَّرِيقَ (٥). وَأَخْرَجَ ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَابْنُ مَاجَه بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ

стр. 1095

-﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا خَرَجَ إِلَى العِيدَيْنِ، رَجَعَ فِي غَيْرِ الطَّرِيقِ الذِي خَرَجَ مِنْهُ (١). * الحِكْمَةُ فِي مُخَالفَةِ الطَّرِيقِ: وَالحِكْمَةُ مِنْ مُخَالفَةِ الطَّرِيقِ: لِيُسَلِّمَ عَلَى أَهْلِ الطَّرِيقَيْنِ، وَقِيلَ: لِيَنَالَ بَرَكتَهُ الفَرِيقَانِ، وَقِيلَ: لِيَقْضِيَ حَاجَةَ مَنْ لَهُ حَاجَةٌ مِنْهُمَا، وَقِيلَ: لِيُظْهِرَ شَعَائِرَ الإِسْلَامِ فِي سَائِرِ الفِجَاجِ وَالطُّرُقِ، وَقِيلَ: لِيَغِيظَ المُنَافِقِينَ بِرُؤْيَتِهِمْ عِزَّةَ الإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، وَقِيَامَ شَعَائِرِهِ، وَقِيلَ: لِتَكْثُرَ شَهَادَةُ البِقَاعِ، فَإِنَّ الذَّاهِبَ إِلَى المَسْجِدِ وَالمُصَلَّى إِحْدَى خُطْوَتَيْهِ تَرْفَعُ دَرَجَةً، وَالأُخْرَى تَحُطُّ خَطِيئَةً حَتَّى يَرْجعَ إِلَى مَنْزِلهِ، وَقِيلَ -وَهُوَ الأَصَحُّ-: إِنَّهُ لِذَلِكَ كُلِّهِ، وَلغَيْرِهِ مِنَ الحِكَمِ التِي لَا يَخْلُو فِعْلُهُ عَنْهَا (٢). * * *

стр. 1096

زَوَاجُ عَلِيٍّ ﵁ مِنْ فَاطِمَةَ ﵂ تَزَوَّجَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ مِنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﵂ فِي السَّنَةِ الأُولَى مِنَ الهِجْرَةِ، وَبَنَى بِهَا (١) فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الهِجْرَةِ، عَقِبَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، وَاخْتُلِفَ فِي تَحْدِيدِ الشَّهْرِ، وَلَعَلَّهُ كَانَ فِي شَوَّالَ، فَإِنَّ غَزْوَةَ بَدْرٍ كَانَتْ فِي رَمَضَانَ، وَقِيلَ فِي ذِي الحِجَّةِ (٢). وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ بِنَاءَ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ بِفَاطِمَةَ بَعْدَ غَزْوَةِ بَدْرٍ مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: كَانَتْ لِي شَارِفٌ (٣) مِنْ نَصِيبِي مِنَ المَغْنَمِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَعْطَانِي شَارِفًا مِنَ الخُمُسِ، فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أَبْتَنِيَ بِفَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ واعَدْتُ رَجُلًا صَوَّاغًا مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ أَنْ يَرْتَحِلَ مَعِيَ فَنَأْتِيَ بِإِذْخِرٍ (٤) أَرَدْتُ أَنْ أَبِيعَهُ الصَّوَّاغِينَ، وَأَسْتَعِينَ بِهِ فِي وَلِيمَةِ عُرْسٍ (٥).

стр. 1097

وَكَانَ عُمُرُ فَاطِمَةَ ﵂ يَوْمَ بَنَى بِهَا عَلِيٌّ ﵁ ثَمَانَ عَشْرَةَ سَنَةً (١)، وَعُمُرُ عَلِيٍّ ﵁ يَومَئِذٍ خَمْسَهٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً (٢). * خِطْبَتُهَا وَصَدَاقُهَا ﵂: وَقَدْ سَبَقَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فِي خِطْبَتِهِ لِفَاطِمَةَ ﵂، أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَعُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵄، فَرَدَّهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، لِكَوْنِهَا كَانَتْ صَغِيرَةً، فَقَدْ أَخْرَجَ ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالنَّسَائِيُّ فِي السُّنَنِ الكُبْرَى بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَطَبَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَاطِمَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّهَا صَغِيرَةٌ"، فَخَطَبَهَا عَلِيٌّ ﵁ فَزَوَّجَهَا مِنْهُ (٣). قَالَ الإِمَامُ السِّنْدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَفِي هَذَا الحَدِيثِ أَنَّ المُوَافَقَةَ فِي السِّنِّ أَوِ المُقَارَبَةِ مَرْعِيَّةٌ لِكَوْنِهَا أَقْرَبَ إِلَى المُؤَالَفَةِ، ثُمَّ قَدْ يُتْرَكُ ذَاكَ لِمَا هُوَ

стр. 1098

أَعْلَى مِنْهُ كَمَا فِي تَزْوِيجِ عَائِشَةَ ﵂ (١). وَأَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ نَفَرٌ مِنَ الأَنْصَارِ لِعَلِيٍّ ﵁: عِنْدَكَ فَاطِمَةُ (٢)، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا حَاجَةُ ابنِ أَبِي طَالِبٍ؟ " قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَقَالَ ﷺ : "مَرْحَبًا وَأَهْلًا"، لَمْ يَزِدْهُ عَلَيْهَا، فَخَرَجَ عَلِيٌّ ﵁ عَلَى أُولَئِكَ الرَّهْطِ مِنَ الأَنْصَارِ وَهُمْ يَنْتَظِرُونَهُ، فَقَالُوا: مَا وَرَاءَكَ؟ قَالَ: مَا أَدْرِي، وَلَكِنَّهُ قَالَ لِي: "مَرْحَبًا وَأَهْلًا"، قَالُوا: يَكْفِيكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِحْدَاهُمَا أَعْطَاكَ الأَهْلَ، وَأَعْطَاكَ المَرْحَبَ (٣). وَأَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالنَّسَائِيُّ فِي السُّنَنِ الكُبْرَى بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ لِي عَلِيٌّ ﵁: أَرَدْتُ أَنْ أَخْطِبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ابْنَتَهُ، فَقُلْتُ: مَا لِي مِنْ شَيْءٍ فَكَيْفَ؟ ثُمَّ ذَكَرْتُ صِلَتَهُ وَعَائِدَتَهُ ﷺ ، فَخَطَبْتُهَا إِلَيْهِ، فَقَالَ ﷺ : "هَلْ لَكَ مِنْ شَيْءٍ؟ " قُلْتُ: لَا. قَالَ: "فَأَيْنَ دِرْعُكَ الحُطَمِيَّةُ؟ " (٤). قَالَ: هِيَ عِنْدِي. قَالَ ﷺ :

стр. 1099

"فَأَعْطِنِيهَا"، قَالَ عَلِيٌّ ﵁: فَأَعْطَيْتُهَا إِيَّاهُ (١). وَأَخْرَجَ ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: مَا اسْتَحَلَّ عَلِيٌّ ﵁ فَاطِمَةَ ﵂ إِلاَّ بِبَدَنٍ (٢) مِنْ حَدِيدٍ (٣). * جِهَازُهَا ﵂: ثُمَّ جَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ابْنَتَهُ فَاطِمَةَ ﵂، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: "جَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاطِمَةَ فِي خَمِيلٍ (٤)، وَقِرْبَةٍ (٥)، وَوِسَادَةِ أَدَمٍ (٦) حَشْوُهَا لِيفُ الإِذْخِرِ" (٧).

стр. 1100

* وَلِيمَةُ (١) العُرْسِ: وَلَمَّا أَرَادَ عَلِيٌّ ﵁ أَنْ يَبْنِيَ بِفَاطِمَةَ ﵂، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا عَلِيُّ، إِنَّهُ لَابُدَّ لِلْعُرْسِ مِنَ وَلِيمَةٍ". فَقَالَ سَعْدٌ: عَلَيَّ كَبْشٌ، وَجَمَعَ لَهُ رَهْطٌ مِنَ الأَنْصَارِ آصُعًا (٢) مِنْ ذُرَةٍ (٣). فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةَ البِنَاءِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ ﵁: "لَا تُحْدِثْ شَيْئًا حَتَّى تَلْقَانِي"، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ مِنْهُ، ثُمَّ إِنَّهُ أَفْرَغَهُ عَلَى عَلِيٍّ ﵁، ثُمَّ قَالَ ﷺ : "اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِمَا، وَبَارِكْ عَلَيْهِمَا، وَبَارِكْ فِي نَسْلِهِمَا" (٤). * أَوْلَادُهُمَا ﵄: وَوَلَدَتْ فَاطِمَةُ ﵂ لِعَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁: الحَسَنَ، وَالحُسَيْنَ، وَمُحَسِّنًا، وَأُمَّ كُلْثُومٍ، وَزَيْنبَ ﵃ أجْمَعِينَ. أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا وُلِدَ الحَسَنُ سَمَّيْتُهُ حَرْبًا، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "أَرُونِي ابْنِي، مَا سَمَّيْتُمُوهُ؟ " قَالَ: قُلْتُ: حَرْبًا. فَقَالَ ﷺ : "بَلْ هُوَ

стр. 1101

حَسَنٌ"، فَلَمَّا وُلِدَ الحُسَيْنُ سَمَّيْتُهُ حَرْبًا، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "أَرُونِي ابْنِي، مَا سَمَّيْتُمُوهُ؟ " قَالَ: قُلْتُ: حَرْبًا. قَالَ ﷺ : "بَلْ هُوَ حُسَيْنٌ"، فَلَمَّا وُلِدَ الثَّالِثُ سَمَّيْتُهُ حَرْبًا، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "أَرُونِي ابْنِي، مَا سَمَّيْتُمُوهُ؟ " قَالَ: قُلْتُ: حَرْبًا. قَالَ ﷺ : "بَلْ هُوَ مُحَسِّنٌ"، ثُمَّ قَالَ ﷺ : "سَمَّيْتُهُمْ بِأَسْمَاءِ وَلَدِ هَارُونَ: شَبْرٌ وَشَبِيرٌ وَمُشَبِّرٌ" (١). وَجَاءَ فِي تَسْمِيَةِ الحَسَنِ وَالحُسَيْنِ سَبَبٌ آخَرُ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ الإِمَامُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: لَمَّا وُلِدَ الحَسَنُ سَمَّاهُ حَمْزَةَ، فَلَمَّا وُلِدَ الحُسَيْنُ سَمَّاهُ بِعَمِّهِ جَعْفَرَ، قَالَ فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أُغَيِّرَ اسْمَ هَذَيْنِ"، فَقُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَمَّاهُمَا حَسَنًا وَحُسَيْنًا (٢). * عَقِيقَةُ (٣) الحَسَنِ وَالحُسَيْنِ ﵄: وَعَقَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الحَسَنِ وَالحُسَيْنِ كَبْشًا كَبْشًا يَوْمَ السَّابعِ مِنْ وِلَادَتِهِمَا، فَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالحَاكِمُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: عَقَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ حَسَنٍ وَحُسَيْنٍ يَوْمَ السَّابِعِ،

стр. 1102

وَسَمَّاهُمَا، وَأَمَرَ أَنْ يُمَاطَ عَنْ رَأْسِهِمَا الأَذَى (١). وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَقَّ عَنِ الحَسَنِ وَالحُسَيْنِ كَبْشًا كَبْشًا (٢). * شَأْنُ الحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ ﵁ وَفَضْلُهُ: فَأَمَّا الحَسَنُ بنُ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ ﵄: فَهُوَ سِبْطُ (٣) رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ابْنُ ابْنَتِهِ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءَ، وَرَيْحَانَتُهُ، وَأَشْبَهُ خَلْقِ اللَّهِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي وَجْهٍ (٤)، وُلِدَ ﵁ لِلنِّصْفِ مِنْ رَمَضَانَ، وَقِيلَ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ ثَلَاثٍ مِنَ الهِجْرَةِ (٥)، فَحَنَّكَهُ (٦) رَسُولُ اللَّهِ بِرِيقِهِ، وَسَمَّاهُ حَسَنًا،

стр. 1103

وَهُوَ أَكْبَرُ وَلَدِ أَبَوَيْهِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُحِبُّهُ حُبًّا شَدِيدًا، وَرُبَّمَا مَصَّ لِسَانَهُ (١) وَاعْتَنَقَهُ وَدَاعَبَهُ، وَرُبَّمَا جَاءَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَاجِدٌ فِي الصَّلَاةِ، فَيَرْكَبُ عَلَى ظَهْرِهِ فَيُقِرُّهُ عَلَى ذَلِكَ، وَيُطِيلُ السُّجُودَ مِنْ أَجْلِهِ (٢)، ورُبَّمَا صَعِدَ مَعَهُ إِلَى المِنْبَرِ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الحَدِيثِ: أَنَّهُ ﷺ بَيْنَمَا هُوَ يَخْطُبُ إِذْ رَأَى الحَسَنَ وَالحُسَيْنَ مُقْبِلَيْنِ، فَنَزَلَ إِلَيْهِمَا، فَاحْتَضَنَهُمَا، وَأَخَذَهُمَا مَعَهُ إِلَى المِنْبَرِ، وَقَالَ: "صَدَقَ اللَّهُ: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ. .﴾، إِنِّي رَأَيْتُ هَذَيْنِ يَمْشِيَانِ وَيَعْثُرَانِ فَلَمْ أَمْلِكْ أَنْ نَزَلْتُ إِلَيْهِمَا" (٣). قَالَ الإِمَامُ الذَّهَبِيُّ عَنِ الحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ ﵄: وَقَدْ كَانَ هَذَا الإِمَامُ سَيِّدًا، وَسِيمًا، جَمِيلًا، عَاقِلًا، رَزِينًا (٤)، جَوَادًا، مُمَدَّحًا، خَيِّرًا، دَيِّنًا، وَرِعًا، مُحْتَشِمًا، كَبِيرَ الشَّأْنِ (٥). أَخْرَجَ الإِمَامُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وأَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ -وَاللَّفْظُ لَهُ- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى سُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعَ مُتَّكِئًا عَلَى يَدِي،

стр. 1104

فَطَافَ فِيهَا، ثُمَّ رَجَعَ فَاحْتَبَى (١) فِي المَسْجِدِ، وَقَالَ: "أَيْنَ لُكَاعٌ (٢)؟ ادْعُوا لِي لُكَاعًا"، فَجَاءَ الحَسَنُ، فَاشْتَدَّ حَتَّى وَثَبَ فِي حَبْوَتِهِ، فَأَدْخَلَ فَمَهُ فِي فَمِهِ ثُمَّ قَالَ ﷺ : "اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ، وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُ" ثَلَاثًا (٣). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي المُسْنَدِ وَفِي فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ حَامِلًا الحَسَنَ بنَ عَلِيٍّ عَلَى عَاتِقِهِ، وَلُعَابُهُ يَسِيلُ عَلَيْهِ (٤). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ: بَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ جَاءَ الحَسَنُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ" (٥).

стр. 1105

وَالمَقْصُودُ بِالفِئَتَيْنِ فِي هَذَا الحَدِيثِ جَيْشُ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، وَجَيْشُ مُعَاوِيَةَ بنِ أَبِي سُفْيَانَ ﵁، فَإِنَّهُ لَمَّا قُتِلَ عَلِيٌّ ﵁، وَبُويِعَ الحَسَنُ بنُ عَلِيٍّ بِالخِلَافَةِ تَنَازَلَ عَنْهَا لِمُعَاوِيَةَ بنِ أَبِي سُفْيَانَ ﵁، وَكَانَ تَسْلِيمُ الحَسَنِ ﵁ الأَمْرَ لِمُعَاوِيَةَ ﵁ فِي الخَامِسِ مِنْ رَبِيعٍ الأَوَّلِ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ مِنَ الهِجْرَةِ، وَسُمِّيَ ذَلِكَ العَامُ عَامَ الجَمَاعَةِ؛ لِاجْتِمَاعِ الكَلِمَةِ فِيهِ عَلَى مُعَاوِيَةَ ﵁. قَالَ ابْنُ العِمَادِ فِي شَذَرَاتِ الذَّهَبِ فِي أَحْدَاثِ سَنَةِ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ فِي رَبِيعٍ الأَوَّلِ مِنْهَا: سَارَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ الحَسَنُ بنُ عَلِيٍّ ﵁ بِجُيُوشِهِ نَحْوَ الشَّامِ، وَعَلَى مُقَدِّمَتِهِ قَيْسُ بنُ سَعْدِ بنِ عُبَادَةَ ﵁، وَسَارَ مُعَاوِيَةُ ﵁ بِجُيُوشِهِ فَالْتَقَوْا بِنَاحِيَةِ الأَنْبَارِ (١)، فَوَفَّقَ اللَّهُ الحَسَنَ ﵁، فَحَقَنَ دِمَاءَ المُسْلِمِينَ، وَتَرَكَ الأَمْرَ لِمُعَاوِيَةَ ﵁ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ، وَظَهَرَ حِينَئِذٍ صِدْقُ الحَدِيثِ النَّبَوِيِّ فِيهِ حَيْثُ قَالَ ﷺ : "إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ" (٢). * فَوَائِدُ الحَدِيثِ: قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَفِي هَذَا الحَدِيثِ مِنَ الفَوَائِدِ: ١ - عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ.

стр. 1106

٢ - وَمَنْقَبَةٌ لِلْحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ ﵄، فَإِنَّهُ تَرَكَ المُلْكَ لَا لِقِلَّةٍ، وَلَا لِذِلَّةٍ وَلَا لِعِلَّةٍ، بَلْ لِرَغْبَتِهِ فِيمَا عِنْدَ اللَّهِ لِمَا رَآهُ مِنْ حَقْنِ دِمَاءَ المُسْلِمِينَ، فَرَاعَى أَمْرَ الدِّينِ وَمَصْلَحَةَ الأُمَّةِ. ٣ - وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى الخَوَارِجِ الذِينَ كَانُوا يُكَفِّرُونَ عَلِيًّا ﵁ وَمَنْ مَعَهُ، وَمُعَاوِيَةَ ﵁ وَمَنْ مَعَهُ، بِشَهَادَةِ النَّبِيِّ ﷺ لِلطَّائِفَتَيْنِ بِأَنَّهُمْ مِنَ المُسْلِمِينَ. ٤ - وَفِيهِ فَضِيلَةُ الإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ وَلَا سِيَّمَا فِي حَقْنِ دِمَاءَ المُسْلِمِينَ. ٥ - وَفِيهِ وِلَايَةُ المَفْضُولِ الخِلَافَةَ مَعَ وُجُودِ الأَفْضَلِ؛ لِأَنَّ الحَسَنَ ﵁ وَمُعَاوِيَةَ ﵁ وَلِيَ كُلٌّ مِنْهُمَا الخِلَافَةَ، وَسَعْدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁، وَسَعِيدُ بنُ زَيْدٍ ﵁ فِي الحَيَاةِ، وَهُمَا بَدْرِيَّانِ. ٦ - وَفِيهِ جَوَازُ خَلْعِ الخَلِيفَةِ نَفْسَهُ إِذَا رَأَى فِي ذَلِكَ صَلَاحًا لِلْمُسْلِمِينَ. ٧ - وَفِيهِ النُّزُولُ عَنِ الوَظَائِفِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ بِالمَالِ. ٨ - وَفِيهِ أَنَّ السِّيَادَةَ لَا تَخْتَصُّ بِالأَفْضَلِ، بَلْ هُوَ الرَّئِيسُ عَلَى القَوْمِ وَالجَمْعُ سَادَةٌ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ السُّؤْدُدِ، وَقِيلَ مِنَ السَّوَادِ لِكَوْنِهِ يَرْأَسُ عَلَى السَّوَادِ العَظِيمِ مِنَ النَّاسِ أَي الأَشْخَاصِ الكَثِيرَةِ. ٩ - وَفِيهِ إِطْلَاقُ الِابْنِ عَلَى ابْنِ البِنْتِ (١).

стр. 1107

* شَأْنُ الحُسَيْنِ بنِ عَلِيٍّ ﵁ وَفَضْلُهُ: وَأَمَّا الحُسَيْنُ ﵁ فَوُلِدَ فِي شَعْبَانَ مِنَ السَّنَةِ الرَّابِعَةِ مِنَ الهِجْرَةِ (١)، وَكَانَ ﵁ أَشْبَهَ النَّاسِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَسْفَلِ صَدْرِهِ إِلَى أَسْفَلِهِ، فَقَدْ أَخْرَجَ ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَالإِمَامُ أَحْمَدُ فِي المُسْنَدِ، وَالفَضَائِلِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: الحَسَنُ أَشْبَهُ النَّاسِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا بَيْنَ الصَّدْرِ إِلَى الرَّأْسِ، وَالحُسَيْنُ أَشْبَهُ النَّاسِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا كَانَ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ (٢). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عِنْدَ الطَّيَالِسِيِّ، قَالَ عَلِيٌّ ﵁: كَانَ الحَسَنُ بنُ عَلِيٍّ أَشْبَهَ النَّاسِ بِرَسُولِ ﷺ مِنْ وَجْهِهِ إِلَى سُرَّتِهِ، وَكَانَ الحُسَيْنُ أَشْبَهَ النَّاسِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا أَسْفَلَ ذَلِكَ (٣). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الحَسَنُ والحُسَيْنُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الجَنَّةِ" (٤).

стр. 1108

وَأَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ ابْنِ أَبِي نُعْمٍ قَالَ: كُنْتُ شَاهِدًا لِابْنِ عُمَرَ، وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ دَمِ الْبَعُوضِ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: مِمَّنْ أَنْتَ؟ قَالَ: مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ، قَالَ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا يَسْأَلُنِي عَنْ دَمِ الْبَعُوضِ، وَقَدْ قَتَلُوا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَسَمِعْتُ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: "هُمَا رَيْحَانَتَايَ مِنَ الدُّنْيَا" (١). قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: أَوْرَدَ ابْنُ عُمَرَ هَذَا مُتَعَجِّبًا مِنْ حِرْصِ أَهْلِ العِرَاقِ عَلَى السُّؤَالِ عَنِ الشَّيْءِ اليَسِيرِ، وَتَفْرِيطِهِمْ فِي الشَّيْءِ الجَلِيلِ (٢). * مَقْتَلُ الحُسَيْنِ بنِ عَلِيٍّ ﵄: وَقَدْ قُتِلَ الحُسَيْنُ بنُ عَلِيٍّ ﵄ يَوْمَ الجُمُعَةِ، يَوْمَ عَاشُورَاءَ مِنَ المُحَرَّمِ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ لِلْهِجْرَةِ، وَلَهُ مِنَ العُمُرِ ثَمَانٌ وَخَمْسُونَ سَنَةً (٣). رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَفِي فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ جِبْرِيلُ ﵇ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَالحُسَيْنُ

стр. 1109

مَعِي فَبَكَى، فَتَرَكْتُهُ، فَدَنَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ جِبْرِيلُ: أَتُحِبُّهُ يَا مُحَمَّدُ؟ فَقَالَ ﷺ : "نَعَمْ". فَقَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ سَتَقْتُلُهُ، وَإِنْ شِئْتَ أَرَيْتُكَ مِنْ تُرْبَةِ الأَرْضِ التِي يُقْتَلُ بِهَا (١). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ عَمَّارَ بنِ أَبِي عَمَّارٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي المَنَامِ بِنِصْفِ النَّهَارِ، أَشْعَثَ أغْبَرَ، مَعَهُ قَارُورَةٌ فِيهَا دَمٌ يَلْتَقِطُهُ أَوْ يَتَّبَّعُ فِيهَا شَيْئًا، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا هَذَا؟ ، قَالَ ﷺ : "دَمُ الحُسَيْنِ وَأَصْحَابِهِ، لَمْ أَزَلْ أَتَتَبَّعُهُ مُنْذُ اليَوْمِ"، قَالَ عَمَّارٌ: فَحَفِظْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ، فَوَجَدْنَاهُ قُتِلَ ذَلِكَ اليَوْمِ (٢). * شَأْنُ مُحَسِّنِ بنِ عَلِيٍّ ﵄: وَأَمَّا مُحَسِّنٌ فَقَدْ مَاتَ صَغِيرًا، قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: اتَّفَقَ أَهْلُ العِلْمِ بِالأَخْبَارِ أَنَّ مُحَسِّنَ بنَ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ، مَاتَ صَغِيرًا فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ (٣). * شَأْنُ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عَلِيٍّ ﵄: وَأَمَّا أَمُّ كُلْثُومٍ، فَوُلِدَتْ فِي حُدُودِ سَنَةِ سِتٍّ مِنَ الهِجْرَةِ، وَرَأَتِ النَّبِيَّ

стр. 1110

- ﷺ ، وَلَمْ تَرْوِ عَنْهُ شَيْئًا (١)، وَقَدْ تَزَوَّجَهَا عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁، فَوَلَدَتْ لَهُ زَيْدًا، وَمَاتَ عَنْهَا عُمَرُ ﵁، فتَزَوَّجَتْ بَعْدَهُ بِبَنِي عَمِّهَا جَعْفَرَ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، تَزَوَّجَتْ بِعَوْنِ بنِ جَعْفَرَ، فَمَاتَ عَنْهَا، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا أَخُوهُ مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ، فَمَاتَ عَنْهَا، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا أَخُوهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بنُ جَعْفَرٍ، فَمَاتَتْ عِنْدَهُ (٢). أَخْرَجَ الحَاكِمُ فِي المُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ فِي الشَّوَاهِدِ عَنْ عَلِيِّ بنِ الحُسَيْنِ قَالَ: أَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ ﵁ خَطَبَ إِلَى عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أُمَّ كُلْثُومٍ، فَقَالَ: أَنْكِحْنِيهَا، فَقَالَ عَلِيٌّ: إِنِّي أَرْصُدُهَا (٣) لِابْنِ أَخِي عَبْدِ اللَّهِ بنِ جَعْفَرَ، فَقَالَ عُمَرُ: أنْكِحْنِيهَا فَوَاللَّهِ مَا مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ يَرْصُدُ مِنْ أَمْرِهَا مَا أَرْصُدُهُ فَأَنْكَحَهُ عَلِيٌّ، فَأَتَى عُمَرُ المُهَاجِرِينَ، فَقَالَ: أَلَا تُهَنُّونِي؟ فَقَالُوا: بِمَنْ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ: بِأُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عَلِيٍّ وَابْنَةِ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "كُلُّ نَسَبٍ وَسَبَبٍ يَنْقَطِعُ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ سَبَبِي وَنَسَبِي"، فَأَحْبَبْتُ أَنْ يَكُونَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَسَبٌ وَسَبَبٌ (٤).

стр. 1111

* شَأْنُ زَيْنَبَ بِنْتِ عَلِيٍّ ﵄: وَأَمَّا زَيْنَبُ ﵂، فَإِنَّهَا وُلِدَتْ فِي حَيَاةِ الرَّسُولِ ﷺ ، وَكَانَتِ امْرَأَةً عَاقِلَةً لَبِيبَةً (١) جَزْلَةً (٢)، زَوَّجَهَا أبُوهَا عَلِيٌّ ﵄ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أَخِيهِ جَعْفَرَ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَلِيًّا، وَعَوْنًا الأَكْبَرَ، وَعَبَّاسًا، وَمُحَمَّدًا، وَأُمَّ كُلْثُومٍ، وَكَانَتْ مَعَ أَخِيهَا الحُسَيْنِ ﵁ لَمَّا قُتِلَ، وَحُمِلَتْ إِلَى دِمَشْقَ، وَمَاتَتْ عِنْدَ زَوْجِهَا عَبْدِ اللَّهِ بنِ جَعْفَرَ ﵃ أجْمَعِينَ (٣). * غَضَبُ الرَّسُولِ ﷺ لِابْنَتِهِ فَاطِمَةَ ﵂: وَلَمْ يَتَزَوَّجْ عَلِيٌّ ﵁ عَلَى فَاطِمَةَ ﵂ حَتَّى مَاتَتْ، وَعِنْدَمَا أَرَادَ عَلَيٌّ ﵁ أَنْ يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا ابْنَةَ أَبِي جَهْلٍ، غَضِبَتْ فَاطِمَةُ، وَأَتَتِ الرَّسُولَ ﷺ تَشْتَكِيهِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنِ المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ ﵁ قَالَ: إِنَّ عَلِيًّا خَطَبَ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ، فَسَمِعَتْ بِذَلِكَ فَاطِمَةُ، فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَزْعُمُ قَوْمُكَ أَنَّكَ لَا تَغْضَبُ لِبَنَاتِكَ، وَهَذَا عَلِيٌّ نَاكِحٌ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَسَمِعْتُهُ حِينَ تَشَهَّدَ يَقُولُ: "أَمَّا بَعْدُ أَنْكَحْتُ أَبَا العَاصِ بنَ الرَّبِيعِ فَحَدَّثَنِي وَصَدَقَنِي (٤)، وَإِنَّ فَاطِمَةَ

стр. 1112

بَضْعَةٌ (١) مِنِّي، وَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يَسُوءُهَا، وَاللَّهِ لَا تَجْتَمعُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَبِنْتُ عَدُوِّ اللَّهِ عِنْدَ رَجُلٍ وَاحِدٍ". وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ ﷺ : "إِنَّ بَنِي هِشَامِ بنِ المُغِيرَةِ اسْتَأْذَنُوا فِي أَنْ يُنْكِحُوا ابْنَتَهُمْ عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ، فَلَا آذَنُ، ثُمَّ لَا آذَنُ، ثُمَّ لَا آذَنُ، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ ابنُ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يُطَلِّقَ ابْنَتِي وَيَنْكِحَ ابْنَتَهُمْ، فَإِنَّهَا هِيَ بَضْعَةٌ مِنِّي يُرِيبُنِي مَا أَرَابَهَا، ويُؤْذِينِي مَا آذَاهَا". وَفِي لَفْظٍ قَالَ ﷺ : "إِنَّ فَاطِمَةَ مِنِّي، وَأَنَا أَتَخَوَّفُ أَنْ تُفْتَنَ فِي دِينِهَا"، ثُمَّ ذَكَرَ صِهْرًا لَهُ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ (٢) فَأَثْنَى عَلَيْهِ فِي مُصَاهَرَتِهِ إِيَّاهُ، قَالَ: "حَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي، وَوَعَدَنِي فَوَفَى لِي، وَإِنِّي لَسْتُ أُحَرِّمُ حَلَالًا وَلَا أُحِلُّ حَرَامًا (٣)، وَلَكِنْ وَاللَّهِ لَا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَبِنْتُ عَدُوِّ اللَّهِ أَبَدًا".

стр. 1113

فَترَكَ عَلِيٌّ ﵁ الخِطْبَةَ (١). * سَبَبُ غَضَبِ الرَّسُولِ ﷺ لِابْنَتِهِ فَاطِمَةَ ﵂: قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَلَّ أَنْ يُوَاجِهَ أَحَدًا بِمَا يُعَابُ بِهِ، وَلَعَلَّهُ إِنَّمَا جَهَرَ بِمُعَاتَبَةِ عَلِيٍّ ﵁ مُبَالَغَةً فِي رِضَا فَاطِمَةَ ﵂، وَكَانَتْ هَذِهِ الوَقْعَةُ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَلَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ تَأَخَّرَ مِنْ بَنَاتِ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرُهَا، وَكَانَتْ أُصِيبَتْ بَعْدَ أُمِّهَا بِإِخْوَتِهَا، فَكَانَ إِدْخَالُ الغَيْرَةِ عَلَيْهَا مِمَّا يَزِيدُ حُزْنَهَا (٢). * حُبُّ الرَّسُولِ ﷺ لِابْنَتِهِ فَاطِمَةَ ﵂: وَكَانَتْ فَاطِمَةُ ﵂ أَشْبَهَ النَّاسِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَلْقًا وَكَلَامًا، وَكَانَتْ ﵂ إِذَا دَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَامَ إِلَيْهَا، وَقَبَّلَهَا، وَرَحَّبَ بِهَا، فَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَشْبَهَ كَلَامًا وَحَدِيثًا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ

стр. 1114

فَاطِمَةَ، وَكَانَتْ إِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ قَامَ إِلَيْهَا، وَقَبَّلَهَا، وَرَحَّبَ بِهَا، وَأَخَذَ بِيَدِهَا، وَأَجْلَسَهَا فِي مَجْلِسِهِ، وَكَانَتْ هِيَ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا، قَامَتْ إِلَيْهِ، فَقَبَّلَتْهُ، وَأَخَذَتْ بِيَدِهِ (١). وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشْبَهَ سَمْتًا (٢) وَهَدْيًا (٣) وَدَلًّا (٤) بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي قِيَامِهَا وَقُعُودِهَا مِنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (٥). وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِي كَأَنَّ مِشْيَتَهَا مَشْيُ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَرْحَبًا يَا ابْنَتِي"، ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ (٦).

стр. 1115

* فَضَائِلُ فَاطِمَةَ ﵂: أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: . . . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِفَاطِمَةَ: "يَا فَاطِمَةُ! أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ أَهْلِ الجَنَّةِ، أَوْ نِسَاءِ المُؤْمِنِينَ" (١). وَرَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الأَرْضِ خُطُوطًا أَرْبَعَةً، قَالَ: "أَتَدْرُونَ مَا هَذَا؟ "، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "أَفْضَلُ نِسَاءِ أَهْلِ الجَنَّةِ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَآسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ" (٢). * اسْتِدْلَالٌ قَوِيٌّ: قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَأَقْوَى مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى تَقْدِيمِ فَاطِمَةَ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ نِسَاءِ عَصْرِهَا وَمَنْ بَعْدَهُنَّ مَا ذُكِرَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : "إنَّهَا سَيِّدَةُ نِسَاءِ العَالَمِينَ

стр. 1116

إِلَّا مَرْيَمَ ﵍"، وَأَنَّهَا رُزِئَتْ (١) بِالنَّبِيِّ ﷺ دُونَ غَيْرِهَا مِنْ بَنَاتِهِ، فَإِنَّهُنَّ مِتْنَ فِي حَيَاتِهِ، فَكُنَّ فِي صَحِيفَتِهِ، وَمَاتَ هُوَ ﷺ فِي حَيَاتِهَا، فَكَانَ فِي صَحِيفَتِهَا، وَكُنْتُ أَقُولُ ذَلِكَ اسْتِنْبَاطًا إِلَى أَنْ وَجَدْتُهُ مَنْصُوصًا: قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِ آلِ عِمْرَانَ مِنْ طَرِيقِ فَاطِمَةَ بِنْتِ الحُسَيْنِ بنِ عَلِيٍّ: إِنَّ جَدَّتَهَا فَاطِمَةَ قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا، وَأَنَا عِنْدَ عَائِشَةَ فَنَاجَانِي فَبَكَيْتُ، ثُمَّ نَاجَانِي فَضَحِكْتُ، فَسَأَلَتْنِي عَائِشَةُ عَنْ ذَلِكَ فَقُلْتُ: لَقَدْ عَلِمْتُ أَأخْبِرُكِ بِسِرِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَتَرَكَتْنِي، فَلَمَّا تُوُفِّيَ سَأَلَتْ فَقُلْتُ: نَاجَانِي. . .، فَذَكَرَ الحَدِيثَ فِي مُعَارَضَةِ جِبْرِيلَ لَهُ بِالقُرْآنِ مَرَّتَيْنِ، وَأَنَّهُ قَالَ: "أَحْسَبُ أَنِّي مَيِّتٌ فِي عَامِي هَذَا، وَأَنَّهُ لَمْ تُرْزَأ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَاءِ العَالَمِينَ مِثْلَ مَا رُزِئْتِ، فَلَا تَكُونِي دُونَ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ صَبْرًا"، فَبَكَيْتُ، فَقَالَ: "أَنْتِ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الجَنَّةِ إِلَّا مَرْيَمَ" فَضَحِكَتْ (٢). قُلْتُ: (القَائِلُ ابنُ حَجَرٍ)، وَأَصْلُ الحَدِيثِ فِي الصَّحِيحَيْنِ دُونَ هَذِهِ الزِّيَادَةِ (٣).

стр. 1117

وَقَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: فَلِهَذَا عَظُمَ أَجْرُهَا ﵂؛ لِأَنَّهَا أُصِيبَتْ بِهِ ﷺ (١). * لَا تَعَارُضَ بَيْنَ الأَحَادِيثِ: قُلْتُ: وَهَذَا الفَضْلُ لِفَاطِمَةَ ﵂ لَا يُعَارِضُهُ قَوْلُهُ ﷺ لِابْنَتِهِ زَيْنَبَ ﵂ فِي الحَدِيثِ الذِي أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ، وَالحَاكِمُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ: "هِيَ أَفْضَلُ بَنَاتِي أُصِيبَتْ فِيَّ" (٢). قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ فِي قِصَّةِ مَجِيءِ زَيْدِ بنِ حَارِثَةَ ﵁ بِزَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَكَّةَ، وَفِي آخِرِهِ قَالَ ﷺ : "هِيَ أَفْضَلُ بَنَاتِي أُصِيبَتْ فِيَّ". فَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ بَعْضُ الأَئِمَّةِ بِتَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مُتَقَدِّمًا، ثُمَّ وَهَبَ اللَّهُ تَعَالَى لِفَاطِمَةَ مِنَ الأَحْوَالِ السَّنِيَّةِ وَالكَمَالِ مَا لَمْ يُشَارِكْهَا أَحَدٌ مِنْ نِسَاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ مُطْلَقًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (٣). * وَفَاةُ فَاطِمَةَ ﵂: تُوُفِّيَتْ فَاطِمَةُ ﵂ بَعْدَ وَفَاةِ الرَّسُولِ ﷺ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، لَيْلًا

стр. 1118

وَعُمُرُهَا ﵂ قِيلَ سَبْعٌ، وَقِيلَ ثَمَانٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً. أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: . . . وَعَاشَتْ -أَيْ فَاطِمَةُ- بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ دَفَنَهَا زَوْجُهَا عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ لَيْلًا (١). * * *

стр. 1119

ظُهُورُ النِّفَاقِ وَالمُنَافِقِينَ فِي المَدِينَةِ لَمْ يَكُنْ فِي مَكَّةَ نِفَاقٌ؛ لِأَنَّ المُسْلِمِينَ كَانُوا ضِعَافًا، وَكَانَ كُلُّ مَنْ يَدْخُلُ فِي الإِسْلَامِ يَتَعَرَّضُ لِلْخَطَرِ وَالضَّرَرِ، فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ إِلَّا مَنْ صَدَقَ عَزْمُهُ، وَقَوِيَ إِيمَانُهُ، وَجَازَفَ بِحَيَاتِهِ وَمُسْتَقْبَلِهِ، فَلَمَّا انْتَقَلَ الرَّسُولُ ﷺ إِلَى المَدِينَةِ، وَاسْتَقَرَّ بِهَا هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَبَعْدَ الهَزِيمَةِ السَّاحِقَةِ التِي تَعَرَّضَ لَهَا كُفَّارُ قُرَيْشٍ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ الكُبْرَى، بَدَأَتْ ظَاهِرَةُ النِّفَاقِ تَظْهَرُ، فَدَخَلُوا فِي الإِسْلَامِ ظَاهِرًا، وَأَبْطَنُوا الكُفْرَ وَالحِقْدَ وَالكَيْدَ فِي قُلُوبِهِمْ لِلْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، وَكَانَ زَعِيمُ المُنَافِقِينَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ أُبي بنِ سَلُولٍ، الذِي كَانَ قَوْمُهُ قَدْ نَظَمُوا لَهُ الخَرَزَ لَيُتَوِّجُوهُ مَلِكًا عَلَيْهِمْ قَبْلَ مَقْدَمِ الرَّسُولِ ﷺ المَدِينَةَ -كَمَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ- (١). أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ ﵄ قَالَ: . . . فَلَمَّا غَزَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَدْرًا، فَقَتَلَ اللَّهُ بِهِ صَنَادِيدِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، قَالَ ابنُ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ، وَمَنْ مَعَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ: هَذَا أَمْرٌ قَدْ تَوَجَّهَ (٢)،

стр. 1120

فَبَايِعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَأَسْلِمُوا (١). يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ (٢) وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ (٣). أَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَثَلُ المُنَافِقِ كَمَثَلِ الشَّاةِ العَائِرَةِ (٤) بَيْنَ الغَنَمَيْنِ، تَعِيرُ إِلَى هَذِهِ مَرَّةً، وَإِلَى هَذِهِ مَرَّةً" (٥).

стр. 1121

قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الحَسَنِ النَّدْوِيِّ: وَعَادَى الإِسْلَامُ كُلَّ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ، وَفِي السِّيَادَةِ طَمَعٌ، وَضَاقَ ذَرْعًا بِهَذَا الدِّينِ الزَّاحِفِ، الذِي هَدَمَ كُلَّ مَا بَنَاهُ، وَنَقَضَ كُلَّ مَا أَبْرَمَهُ، وَجَعَلَ لِلْمَدِينَةِ شَأْنًا غَيْرَ الشَّأْنِ، وَمِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ أُمَّةً وَاحِدَةً، أَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، وَبَذَلَتْ نُفُوسَهَا دُونَ الرَّسُولِ ﷺ ، وَقَدَّمَتْ مَحَبَّتَهُ عَلَى مَحَبَّةِ الآبَاءِ وَالأَبْنَاءِ وَالأَزْوَاجِ، فَامْتَلَأَتْ قُلُوبُ هَؤُلَاءِ المُنَافِقِينَ غَيْظًا وَحَسَدًا، فَصَارُوا يَكِيدُونَ لِلْإِسْلَامِ، وَيَتَرَبَّصُونَ بِهِ الدَّوَائِرَ، وَيُقَلِّبُونَ لَهُ الأُمُورَ، وَتَكَوَّنَتْ فِي المَدِينَةِ جَبْهَةٌ مُعَادِيَةٌ، مُتَسَرِّبَةٌ فِي المُجْتَمَعِ الإِسْلَامِيِّ، وَكَانَ عَلَى المُسْلِمِينَ أَنْ يَكُونُوا مِنْهَا عَلَى حَذَرٍ دَائِمًا، فَقَدْ تَكُونُ أَشَدَّ خَطَرًا عَلَى الإِسْلَامِ وَالمُسْلِمِينَ مِنَ الأَعْدَاءِ المُجَاهِرِينَ، وَمِنْ هُنَا زَخَرَ (١) القُرْآنُ بِذِكْرِهِمْ، وَإِزَاحَةِ السِّتَارِ عَنْهُمْ، وَكَانَ لَهُمْ مَعَ الإِسْلَامِ، وَلِلْإِسْلَامِ مَعَهُمْ شَأْنٌ (٢). * * *

стр. 1122

غَزْوَةُ بَنِي قَيْنُقَاعَ حَدَثَتْ غَزْوَةُ بَنِي قَيْنُقَاعَ يَوْمَ السَّبْتِ لِلنِّصْفِ مِنْ شَوَّالَ مِنَ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ لِلْهِجْرَةِ (١). وَكَانَ بَنُو قَيْنُقَاعَ مِنْ أَشْجَعِ يَهُودٍ، وَكَانُوا صَاغَةً (٢)، وَكَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الرَّسُولِ ﷺ عَهْدٌ -كَمَا ذَكَرْنَا فِيمَا مَضَى مِنْ أَمْرِ الصَّحِيفَةِ التِي كَتَبَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِكُلِّ مَنْ سَكَنَ المَدِينَةَ- فَلَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ بَدْرٍ أَظْهَرُوا البَغْيَ وَالحَسَدَ، وَنَبَذُوا العَهْدَ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ . أَخْرَجَ ابنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ وَأَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ بِالشَّوَاهِدِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا أَصَابَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُرَيْشًا يَوْمَ بَدْرٍ، وَقَدِمَ المَدِينَةَ، جَمَعَ اليَهُودَ فِي سُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعَ، فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ يَهُودٍ، أَسْلِمُوا قَبْلَ أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قُرَيْشًا"، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، لَا يَغُرَّنَّكَ مِنْ نَفْسِكَ أَنَّكَ قَتَلْتَ نَفَرًا مِنْ قُرَيْشٍ كَانُوا أَغْمَارًا (٣) لَا يَعْرِفُونَ القِتَالَ، إِنَّكَ لَوْ

стр. 1123

قَاتَلْتَنَا لَعَرَفْتَ أَنَّا نَحْنُ النَّاسُ، وَأَنَّكَ لَمْ تَلْقَ مِثْلَنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٢) قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (١). كَانَ مَا أَجَابَ بِهِ بَنُو قَيْنُقَاعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ هُوَ الإِعْلَانُ السَّافِرُ بِالحَرْبِ، وَزَادَ يَهُودُ بَنِي قَيْنُقَاعَ جُرْأَةً، فَقَلَّمَا لَبِثُوا أَنْ أَثَارُوا فِي المَدِينَةِ قَلَقًا وَاضْطِرَابًا، فَقَدْ رَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أَبِي عَوْنٍ قَالَ: أَنَّ امْرَأَةً مِنَ العَرَبِ قَدِمَتْ بِجَلَبٍ (٢) لَهَا، فَبَاعَتْهُ فِي سُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعَ، وَجَلَسَتْ إِلَى صَائِغٍ، فَجَعَلُوا يُرِيدُونَهَا عَلَى كَشْفِ وَجْهِهَا، فَأَبَتْ، فَعَمَدَ الصَّائِغُ إِلَى طَرَفِ ثَوْبِهَا، فَعَقَدَهُ إِلَى ظَهْرِهَا -وَهِيَ غَافِلَةٌ- فَلَمَّا قَامَتْ انْكَشَفَتْ عَوْرَتُهَا، فَضَحِكُوا بِهَا، فَصَاحَتْ، فَوَثَبَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ عَلَى الصَّائِغِ فَقَتَلَهُ، وَكَانَ الصَّائِغُ يَهُودِيًّا، فَشَدَّتِ اليَهُودُ عَلَى المُسْلِمِ فَقَتَلُوهُ، فَاسْتَصْرَخَ أَهْلُ المُسْلِمِ المُسْلِمِينَ عَلَى اليَهُودِ، فَغَضِبَ المُسْلِمُونَ، فَوَقَعَ الشَّرُّ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بَنِي قَيْنُقَاعَ (٣).

стр. 1124

* حِصَارُ بَنِي قَيْنُقَاعَ ثُمَّ جَلَاؤُهُمْ: فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ يَهُودَ بَنِي قَيْنُقَاعَ نَقَضُوا العَهْدَ وَالمِيثَاقَ، وَتَوَسَّعُوا فِي اسْتِفْزَازِهِمْ سَارَ إِلَيْهِمْ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى المَدِينَةِ أَبَا لُبَابَةَ بَشِيرَ بنَ عَبْدِ المُنْذِرِ ﵁، وَدَفَعَ اللِّوَاءَ إِلَى حَمْزَةَ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ ﵁، وَكَانَ لِوَاءً أَبْيَضَ. فَلَمَّا رَأَوْا المُسْلِمِينَ تَحَصَّنُوا فِي حُصُونِهِمْ، فَحَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَشَدَّ الحِصَارِ، وَدَامَ الحِصَارُ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً إِلَى هِلَالِ ذِي القَعْدَةِ، حَتَّى قَذَفَ اللَّهُ الرُّعْبَ فِي قُلُوبِهِمْ، فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِ الرَّسُولِ ﷺ ، فَأَمَرَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَكُتِّفُوا (١). فَحِينَئِذٍ قَامَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ لَعَنَهُ اللَّهُ بِدَوْرِهِ النِّفَاقِيِّ، فَأَلَحَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! أَحْسِنْ فِي مَوَالِيَّ -وَكَانَ بَنُو قَيْنُقَاعَ حُلَفَاءَ الخَزْرَجِ- فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! أَحْسِنْ فِي مَوَالِيَّ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ الرَّسُولُ ﷺ ، فَأَدْخَلَ ابنُ سَلُولٍ يَدَهُ فِي جَيْبِ دِرْعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَرْسِلْنِي" وَغَضِبَ حَتَّى رَأَوْا لِوَجْهِهِ ظُلَلًا (٢)، ثُمَّ قَالَ: "وَيْحَكَ أَرْسِلْنِي" قَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا أُرْسِلُكَ حَتَّى تُحْسِنَ فِي

стр. 1125

مَوَالِيَّ، أَرْبَعَمِائَةِ حَاسِرٍ (١) وَثَلاثُمِائَةِ دَارعٍ قَدْ مَنَعُونِي مِنَ الأَحْمَرِ وَالأَسْوَدِ، تَحْصُدُهُمْ فِي غَدَاةٍ وَاحِدَةٍ؟ ، إِنِّي وَاللَّهِ امْرُؤٌ أَخْشَى الدَّوَائِرَ (٢)، فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : "هُمْ لَكَ" (٣). وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُجْلَوْا (٤) مِنَ المَدِينَةِ بِذَرَارِيهِمْ وَنِسَائِهِمْ، وَأَمْهَلَهُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَوَكَّلَ بِإِخْرَاجِهِمْ مِنْهَا عُبَادَةَ بنَ الصَّامِتِ ﵁. فَأَخَذَهُمْ عُبَادَةُ ﵁ بِالرَّحِيلِ وَالإِجْلَاءِ، وَطَلَبُوا التَّنَفُّسَ (٥)، فَقَالَ لَهُمْ عُبَادَةُ: وَلَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، لَكُمْ ثَلَاثٌ لَا أَزِيدُكُمْ عَلَيْهَا، هَذَا أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَوْ كُنْتُ أَنَا مَا نَفَّسْتُكُمْ، فَلَمَّا مَضَتْ ثَلَاثٌ خَرَجَ فِي آثَارِهِمْ حَتَّى سَلَكُوا إِلَى الشَّامِ، وَبَلَغَ خَلْفَ ذُبَابٍ (٦)، ثُمَّ رَجَعَ. رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أَنَّ يَهُودَ بَنِي النَّضِيرِ وَقُرَيْظَةَ حَارَبُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَأَجْلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَنِي النَّضِيرِ، وَأَقَرَّ قُرَيْظَةَ، وَمَنَّ عَلَيْهِمْ، حَتَّى حَارَبَتْ قُرَيْظَةُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقتَلَ
следующие страницы →