Полный текст (2 595 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الحَسَنِ النَّدْوِيِّ: وَعَادَى الإِسْلَامُ كُلَّ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ، وَفِي السِّيَادَةِ طَمَعٌ، وَضَاقَ ذَرْعًا بِهَذَا الدِّينِ الزَّاحِفِ، الذِي هَدَمَ كُلَّ مَا بَنَاهُ، وَنَقَضَ كُلَّ مَا أَبْرَمَهُ، وَجَعَلَ لِلْمَدِينَةِ شَأْنًا غَيْرَ الشَّأْنِ، وَمِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ أُمَّةً وَاحِدَةً، أَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، وَبَذَلَتْ نُفُوسَهَا دُونَ الرَّسُولِ ﷺ ، وَقَدَّمَتْ مَحَبَّتَهُ عَلَى مَحَبَّةِ الآبَاءِ وَالأَبْنَاءِ وَالأَزْوَاجِ، فَامْتَلَأَتْ قُلُوبُ هَؤُلَاءِ المُنَافِقِينَ غَيْظًا وَحَسَدًا، فَصَارُوا يَكِيدُونَ لِلْإِسْلَامِ، وَيَتَرَبَّصُونَ بِهِ الدَّوَائِرَ، وَيُقَلِّبُونَ لَهُ الأُمُورَ، وَتَكَوَّنَتْ فِي المَدِينَةِ جَبْهَةٌ مُعَادِيَةٌ، مُتَسَرِّبَةٌ فِي المُجْتَمَعِ الإِسْلَامِيِّ، وَكَانَ عَلَى المُسْلِمِينَ أَنْ يَكُونُوا مِنْهَا عَلَى حَذَرٍ دَائِمًا، فَقَدْ تَكُونُ أَشَدَّ خَطَرًا عَلَى الإِسْلَامِ وَالمُسْلِمِينَ مِنَ الأَعْدَاءِ المُجَاهِرِينَ، وَمِنْ هُنَا زَخَرَ (١) القُرْآنُ بِذِكْرِهِمْ، وَإِزَاحَةِ السِّتَارِ عَنْهُمْ، وَكَانَ لَهُمْ مَعَ الإِسْلَامِ، وَلِلْإِسْلَامِ مَعَهُمْ شَأْنٌ (٢).
* * * стр. 1122
غَزْوَةُ بَنِي قَيْنُقَاعَ
حَدَثَتْ غَزْوَةُ بَنِي قَيْنُقَاعَ يَوْمَ السَّبْتِ لِلنِّصْفِ مِنْ شَوَّالَ مِنَ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ لِلْهِجْرَةِ (١). وَكَانَ بَنُو قَيْنُقَاعَ مِنْ أَشْجَعِ يَهُودٍ، وَكَانُوا صَاغَةً (٢)، وَكَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الرَّسُولِ ﷺ عَهْدٌ -كَمَا ذَكَرْنَا فِيمَا مَضَى مِنْ أَمْرِ الصَّحِيفَةِ التِي كَتَبَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِكُلِّ مَنْ سَكَنَ المَدِينَةَ- فَلَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ بَدْرٍ أَظْهَرُوا البَغْيَ وَالحَسَدَ، وَنَبَذُوا العَهْدَ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ .
أَخْرَجَ ابنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ وَأَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ بِالشَّوَاهِدِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا أَصَابَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُرَيْشًا يَوْمَ بَدْرٍ، وَقَدِمَ المَدِينَةَ، جَمَعَ اليَهُودَ فِي سُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعَ، فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ يَهُودٍ، أَسْلِمُوا قَبْلَ أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قُرَيْشًا"، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، لَا يَغُرَّنَّكَ مِنْ نَفْسِكَ أَنَّكَ قَتَلْتَ نَفَرًا مِنْ قُرَيْشٍ كَانُوا أَغْمَارًا (٣) لَا يَعْرِفُونَ القِتَالَ، إِنَّكَ لَوْ стр. 1123
قَاتَلْتَنَا لَعَرَفْتَ أَنَّا نَحْنُ النَّاسُ، وَأَنَّكَ لَمْ تَلْقَ مِثْلَنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٢) قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (١).
كَانَ مَا أَجَابَ بِهِ بَنُو قَيْنُقَاعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ هُوَ الإِعْلَانُ السَّافِرُ بِالحَرْبِ، وَزَادَ يَهُودُ بَنِي قَيْنُقَاعَ جُرْأَةً، فَقَلَّمَا لَبِثُوا أَنْ أَثَارُوا فِي المَدِينَةِ قَلَقًا وَاضْطِرَابًا، فَقَدْ رَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أَبِي عَوْنٍ قَالَ: أَنَّ امْرَأَةً مِنَ العَرَبِ قَدِمَتْ بِجَلَبٍ (٢) لَهَا، فَبَاعَتْهُ فِي سُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعَ، وَجَلَسَتْ إِلَى صَائِغٍ، فَجَعَلُوا يُرِيدُونَهَا عَلَى كَشْفِ وَجْهِهَا، فَأَبَتْ، فَعَمَدَ الصَّائِغُ إِلَى طَرَفِ ثَوْبِهَا، فَعَقَدَهُ إِلَى ظَهْرِهَا -وَهِيَ غَافِلَةٌ- فَلَمَّا قَامَتْ انْكَشَفَتْ عَوْرَتُهَا، فَضَحِكُوا بِهَا، فَصَاحَتْ، فَوَثَبَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ عَلَى الصَّائِغِ فَقَتَلَهُ، وَكَانَ الصَّائِغُ يَهُودِيًّا، فَشَدَّتِ اليَهُودُ عَلَى المُسْلِمِ فَقَتَلُوهُ، فَاسْتَصْرَخَ أَهْلُ المُسْلِمِ المُسْلِمِينَ عَلَى اليَهُودِ، فَغَضِبَ المُسْلِمُونَ، فَوَقَعَ الشَّرُّ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بَنِي قَيْنُقَاعَ (٣). стр. 1124
* حِصَارُ بَنِي قَيْنُقَاعَ ثُمَّ جَلَاؤُهُمْ:
فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ يَهُودَ بَنِي قَيْنُقَاعَ نَقَضُوا العَهْدَ وَالمِيثَاقَ، وَتَوَسَّعُوا فِي اسْتِفْزَازِهِمْ سَارَ إِلَيْهِمْ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى المَدِينَةِ أَبَا لُبَابَةَ بَشِيرَ بنَ عَبْدِ المُنْذِرِ ﵁، وَدَفَعَ اللِّوَاءَ إِلَى حَمْزَةَ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ ﵁، وَكَانَ لِوَاءً أَبْيَضَ.
فَلَمَّا رَأَوْا المُسْلِمِينَ تَحَصَّنُوا فِي حُصُونِهِمْ، فَحَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَشَدَّ الحِصَارِ، وَدَامَ الحِصَارُ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً إِلَى هِلَالِ ذِي القَعْدَةِ، حَتَّى قَذَفَ اللَّهُ الرُّعْبَ فِي قُلُوبِهِمْ، فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِ الرَّسُولِ ﷺ ، فَأَمَرَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَكُتِّفُوا (١).
فَحِينَئِذٍ قَامَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ لَعَنَهُ اللَّهُ بِدَوْرِهِ النِّفَاقِيِّ، فَأَلَحَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! أَحْسِنْ فِي مَوَالِيَّ -وَكَانَ بَنُو قَيْنُقَاعَ حُلَفَاءَ الخَزْرَجِ- فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! أَحْسِنْ فِي مَوَالِيَّ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ الرَّسُولُ ﷺ ، فَأَدْخَلَ ابنُ سَلُولٍ يَدَهُ فِي جَيْبِ دِرْعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَرْسِلْنِي" وَغَضِبَ حَتَّى رَأَوْا لِوَجْهِهِ ظُلَلًا (٢)، ثُمَّ قَالَ: "وَيْحَكَ أَرْسِلْنِي" قَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا أُرْسِلُكَ حَتَّى تُحْسِنَ فِي стр. 1125
مَوَالِيَّ، أَرْبَعَمِائَةِ حَاسِرٍ (١) وَثَلاثُمِائَةِ دَارعٍ قَدْ مَنَعُونِي مِنَ الأَحْمَرِ وَالأَسْوَدِ، تَحْصُدُهُمْ فِي غَدَاةٍ وَاحِدَةٍ؟ ، إِنِّي وَاللَّهِ امْرُؤٌ أَخْشَى الدَّوَائِرَ (٢)، فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : "هُمْ لَكَ" (٣).
وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُجْلَوْا (٤) مِنَ المَدِينَةِ بِذَرَارِيهِمْ وَنِسَائِهِمْ، وَأَمْهَلَهُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَوَكَّلَ بِإِخْرَاجِهِمْ مِنْهَا عُبَادَةَ بنَ الصَّامِتِ ﵁.
فَأَخَذَهُمْ عُبَادَةُ ﵁ بِالرَّحِيلِ وَالإِجْلَاءِ، وَطَلَبُوا التَّنَفُّسَ (٥)، فَقَالَ لَهُمْ عُبَادَةُ: وَلَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، لَكُمْ ثَلَاثٌ لَا أَزِيدُكُمْ عَلَيْهَا، هَذَا أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَوْ كُنْتُ أَنَا مَا نَفَّسْتُكُمْ، فَلَمَّا مَضَتْ ثَلَاثٌ خَرَجَ فِي آثَارِهِمْ حَتَّى سَلَكُوا إِلَى الشَّامِ، وَبَلَغَ خَلْفَ ذُبَابٍ (٦)، ثُمَّ رَجَعَ.
رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أَنَّ يَهُودَ بَنِي النَّضِيرِ وَقُرَيْظَةَ حَارَبُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَأَجْلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَنِي النَّضِيرِ، وَأَقَرَّ قُرَيْظَةَ، وَمَنَّ عَلَيْهِمْ، حَتَّى حَارَبَتْ قُرَيْظَةُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقتَلَ стр. 1126
رِجَالَهُمْ، وَقَسَمَ نِسَاءَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بَيْنَ المُسْلِمِينَ. . . وَأَجْلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَهُودَ المَدِينَةِ كُلَّهُمْ: بَنِي قَيْنُقَاعَ، وَهُمْ قَوْمُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ سَلَامٍ، وَيَهُودَ بَنِي حَارِثَةَ، وَكُلَّ يَهُودِيٍّ كَانَ بِالمَدِينَةِ (١).
وَغَنِمَ المُسْلِمُونَ مَا كَانَ لَهُمْ مِنْ مَالٍ، وَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ أَرْضُونَ وَلَا مَزَارعُ، إِنَّمَا كَانُوا صَاغَةً، وَوَجَدُوا فِي حُصُونِهِمْ آلَةَ الصِّيَاغَةِ، وَسِلَاحًا كَثِيرًا، فَقُسِّمَتِ الغَنَائِمُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ بَعْدَ إِخْرَاجِ الخُمُسِ لِلرَّسُولِ ﷺ ، وَكَانَ الذِي وَلِيَ قَبْضَ أَمْوَالِهِمْ مُحَمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ ﵁ (٢).
* * * стр. 1127
غَزْوَةُ السَّوِيقِ (١)
وَفِي الخَامِسِ مِنْ ذِي الحِجَّةِ مِنَ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ لِلْهِجْرَةِ حَدَثَتْ غَزْوَةُ السَّوِيقِ (٢).
لَمَّا رَجَعَ أَبُو سُفْيَانَ إِلَى مَكَّةَ، وَرَجَعَ فَلُّ (٣) قُرَيْشٍ مِنْ بَدْرٍ، نَذَرَ أَبُو سُفْيَانَ أَنْ لَا يَمَسَّ رَأْسَهُ مَاءً مِنْ جَنَابَةٍ (٤) حَتَّى يَغْزُوَ مُحَمَّدًا ﷺ ، وَيَثْأَرَ لِأَصْحَابِهِ.
فَخَرَجَ فِي مِائَتَيْ رَاكِبٍ مِنْ قُرَيْشٍ، لِيَبَرَّ بِيَمِينِهِ، وَوَصَلَ إِلَى أَطْرَافِ المَدِينَةِ لَيْلًا، وَلَجَأَ إِلَى بَنِي النَّضِيرِ، فَأَتَى حُيَيَّ بنَ أَخْطَبَ، فَضَرَبَ عَلَيْه بَابَهُ، стр. 1128
فَأَبَى أَنْ يَفْتَحَ لَهُ بَابَهُ وَخَافَهُ، فَانْصَرَفَ عَنْهُ إِلَى سَلَّام بنِ مِشْكَمٍ، وَكَانَ سَيِّدَ بَنِي النَّضِيرِ فِي زَمَانِهِ ذَلِكَ، وَصَاحِبَ كَنْزِهِمْ، فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ، فَأَذِنَ لَهُ، فَضَيَّفَهُ وَسَقَاهُ خَمْرًا، وَأَخْبَرَهُ مِنْ أَخْبَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ خَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ فِي عَقِبِ لَيْلَتِهِ حَتَّى أَتَى أَصْحَابَهُ، فَبَعَثَ رِجَالًا مِنْ قُرَيْشٍ، فَأَتَوْا نَاحِيَةً مِنَ المَدِينَةِ، يُقَالُ لَهَا: العُرَيْضُ (١)، فَحَرَّقُوا فِي أَصْوَارٍ (٢) مِنْ نَخْلٍ بِهَا، وَوَجَدُوا رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ، وَحَلِيفًا لَهُ فِي حَرْثٍ لَهُمَا، فَقَتَلُوهُمَا، ثُمَّ وَلَّوْا مُدْبِرِينَ.
* خُرُوجُ الرَّسُولِ ﷺ -:
فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَخَرَجَ فِي أَثَرِهِمْ يَطْلُبُهُمْ فِي مِائَتَيْنِ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى المَدِينَةِ أَبَا لُبَابَةَ بَشِيرَ بنَ عَبْدِ المُنْذِرِ ﵁، فَجَعَلَ أَبُو سُفْيَانَ وَأَصْحَابُهُ يُلْقُونَ جُرَبَ (٣) السَّوِيقَ، وَهِيَ عَامَّةُ أَزْوَادِهِمْ، يَتَخَفَّفُونَ مِنْهَا لِلنَّجَاءِ، حَتَّى بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَرْقَرَةَ (٤) الكُدْرِ (٥)، ثُمَّ انْصَرَفَ رَاجِعًا إِلَى المَدِينَةِ، وَقَدْ فَاتَهُ أَبُو سُفْيَانَ وَأَصْحَابُهُ، وَكَانَتْ غَيْبَةُ الرَّسُولِ ﷺ стр. 1129
خَمْسَةَ أَيَّامٍ، فَقَالَ المُسْلِمُونَ حِينَ رَجَعَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا رَسُول اللَّهِ! أَتَطْمَعُ لَنَا أَنْ تَكُونَ غَزْوَةً؟ قَالَ: "نَعَمْ".
قَالَ ابنُ هِشَامٍ: وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ غَزْوَةَ السَّوِيقِ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا طَرَحَ القَوْمُ مِنْ أَزْوَادِهِمْ السَّوِيقَ، فَرَجَعَ المُسْلِمُونَ بِسَوِيقٍ كَثِيرٍ (١).
* * * стр. 1130
أَوَّل أَضْحَى رَآهُ المُسْلِمُونَ
قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ فِي تَارِيخِهِ: وَبَعْدَ أَنِ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى المَدِينَةِ حَضَرَتِ الأَضْحَى، وَكَانَ أَوَّلَ أَضْحَى رَآهُ المُسْلِمُونَ، فَذُكِرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ضَحَّى وَأَهْلَ الْيُسْرِ مِنْ أَصْحَابِهِ، يَوْمَ العَاشِرِ مِنْ ذِي الحِجَّةِ، وَخَرَجَ بِالنَّاسِ إِلَى المُصَلَّى، فَصَلَّى بِهِمْ، فَذَلِكَ أَوَّلُ صَلَاةِ أَضْحَى صَلَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاسِ بِالمَدِينَةِ بِالمُصَلَّى، وَذَبَحَ فِيهِ بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ شَاتَيْنِ، وَقِيلَ شَاةً (١).
* هَدْيُ الرَّسُولِ ﷺ فِي الأُضْحِيَةِ:
وَأَمَّا هَدْيُهُ ﷺ فِي الأَضَاحِي فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَدَعُ الأُضْحِيَةَ، وَكَانَ يُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ، وَكَانَ يَنْحَرُهُمَا بَعْدَ صَلَاةِ العِيدِ، وَأَخْبَرَ أَنَّ: "مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَلَيْسَ مِنَ النُّسُكِ (٢) فِي شَيْءٍ، وَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ قَدَّمَهُ لِأَهْلِهِ" (٣)، هَذَا الذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ سُنَّتُهُ وَهَدْيُهُ ﷺ . стр. 1131
أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ -وَاللَّفْظُ لَهُ- عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ ﷺ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُضَحِّي (١) بِكَبْشَيْنِ أَقْرَنَيْنِ أَمْلَحَيْنِ (٢)، وَكَانَ يُسَمِّي وَيُكَبِّرُ، وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَذْبَحُهُمَا بِيَدِهِ وَاضِعًا عَلَى صِفَاحِهِمَا (٣) قَدَمَهُ (٤).
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَفِي هَذَا الحَدِيثِ مِنَ الفَوَائِدِ:
١ - اسْتِحْبَابُ مُبَاشَرَةِ المُضَحِّي الذَّبْحَ بِنَفْسِهِ.
٢ - وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الذَّبْحِ.
٣ - وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ التَّكْبِيرِ مَعَ التَّسْمِيَةِ.
٤ - وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ وَضْعِ الرِّجْلِ عَلَى صَفْحَةِ عُنُقِ الأُضْحِيَةِ الأَيْمَنِ، стр. 1132
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ إِضْجَاعَهَا يَكُونُ عَلَى الجَانِبِ الأَيْسَرِ فَيَضَعُ رِجْلَهُ عَلَى الجَانِبِ الأَيْمَنِ لِيَكُونَ أَسْهَلَ عَلَى الذَّابحِ فِي أَخْذِ السِّكِّينِ بِاليَمِينِ وَإِمْسَاكِ رَأْسِهَا بِيَدِهِ اليَسَارِ (١).
* هَدْيُ الرَّسُولِ ﷺ فِي عِيدِ الأَضْحَى:
وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ أَنَّ مَنْ أَرَادَ التَّضْحِيَةَ، وَدَخَلَ يَوْمُ العَشْرِ (٢)، فَلَا يَأْخُذُ مِنْ شَعْرِهِ، وَبَشَرِهِ شَيْئًا، ثَبَتَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (٣).
وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ اخْتِيَارُ الأُضْحِيَةِ، وَاسْتِحْسَانُهَا، وَسَلَامَتُهَا مِنَ العُيُوبِ (٤).
* * * стр. 1133
وَفَاةُ عُثْمَانَ بنِ مَظْعُونٍ ﵁ -
وَفِي ذِي الحِجَّةِ مِنَ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ لِلْهِجْرَةِ تُوُفِّيَ عُثْمَانُ بنُ مَظْعُونٍ ﵁ (١)، وَكَانَ ﵁ مِنْ سَادَةِ المُهَاجِرِينَ، وَمِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ المُتَّقِينَ الذِينَ فَازُوا بِوَفَاتِهِمْ فِي حَيَاةِ نَبِيِّهِمْ، فَصَلَّى عَلَيْهِمْ (٢).
أَسْلَمَ ﵁ أَوَّلَ الإِسْلَامِ، قَالَ ابنُ إِسْحَاقَ: أَسْلَمَ عُثْمَانُ بنُ مَظْعُونٍ بَعْدَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وَهَاجَرَ إِلَى الحَبَشَةِ هُوَ وَابْنُهُ السَّائِبُ الهِجْرَةَ الأُولَى مَعَ جَمَاعَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَبَلَغَهُمْ وَهُمْ فِي الحَبَشَةِ أَنَّ قُرَيْشًا أَسْلَمَتْ فَعَادُوا (٣).
ثُمَّ هَاجَرَ إِلَى المَدِينَةِ، وَشَهِدَ بَدْرًا، وَكَانَ ﵁ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ اجْتِهَادًا فِي العِبَادَةِ، يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ، وَيَجْتَنِبُ المُبَاحَاتِ، وَيَعْتَزِلُ النِّسَاءَ، وَاسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي التَّبَتُّلِ (٤) وَالِاخْتِصَاءِ فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ.
أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ سَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: رَدَّ стр. 1134
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى عُثْمَانَ بنِ مَظْعُونٍ التَّبَتُّلَ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لَاخْتَصَيْنَا (١).
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَالحِكْمَةُ فِي مَنْعِهِمْ مِنَ الِاخْتِصَاءِ إِرَادَةُ تَكْثِيرِ النَّسْلِ لِيَسْتَمِرَّ جِهَادُ الكُفَّارِ، وَإِلَّا لَوْ أَذِنَ فِي ذَلِكَ لَأَوْشَكَ تَوَارُدُهُمْ عَلَيْهِ، فَيَنْقَطِعَ النَّسْلُ فَيَقِلَّ المُسْلِمُونَ بِانْقِطَاعِهِ وَيَكْثُرَ الكُفَّارُ، وَهُوَ خِلَافُ المَقْصُودِ مِنَ البِعْثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ (٢).
* حَدِيثٌ ضَعِيفٌ:
أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُثْمَانَ بنَ مَظْعُونٍ وَهُوَ مَيِّتٌ حَتَّى رَأَيْتُ الدُّمُوعَ تَسِيلُ عَلَى وَجْهِهِ (٣).
* فَضِيلَةٌ لِعُثْمَانَ بنِ مَظْعُونٍ ﵁ -:
رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ الْمُطَّلِبِ -وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ стр. 1135
حَنْطَبٍ- قَالَ: لَمَّا مَاتَ عُثْمَانُ بنُ مَظْعُونٍ ﵁ أُخْرِجَ بِجَنَازَتِهِ فَدُفِنَ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا أَنْ يَأْتِيَهُ بِحَجَرٍ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ حَمْلَهُ، فَقَامَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَحَسَرَ (١) عَنْ ذِرَاعَيْهِ، قَالَ كَثِيرٌ: قَالَ الْمُطَّلِبُ: قَالَ الذِي يُخْبِرُنِي ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ ذِرَاعَي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ حَسَرَ عَنْهُمَا، ثُمَّ حَمَلَهَا فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَأْسِهِ، وَقَالَ: "أَتَعَلَّمُ بِهَا قَبْرَ أَخِي، وَأَدْفِنُ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِي" (٢).
* عَيْنٌ جَارِيَةٌ لِعُثْمَانَ بنِ مَظْعُونٍ ﵁ -:
أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فَي صَحِيحِهِ عَنْ أُمِّ العَلَاءِ ﵂ قَالَتْ: رَأَيْتُ لِعُثْمَانَ فِي النَّوْمِ عَيْنًا تَجْرِي، فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: "ذَاكَ عَمَلُهُ يَجْرِي لَهُ" (٣).
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَقَوْلُهُ ﷺ : "ذَاكَ عَمَلُهُ يَجْرِي لَهُ"، قِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ لِعُثْمَانَ ﵁ شَيْءٌ عَمِلَهُ بَقِيَ لَهُ ثَوَابُهُ جَارِيًا كَالصَّدَقَةِ، وَقَدْ كَانَ عُثْمَانُ بنُ مَظْعُونٍ ﵁ مِنَ الأَغْنِيَاءِ، فَلَا يَبْعُدُ أَنْ تَكُونَ لَهُ صَدَقَةٌ اسْتَمَرَّتْ بَعْدَ مَوْتِهِ، стр. 1136
فَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ لِغَيْرِهِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: دَخَلَتِ امْرَأَةُ عُثْمَانَ بنِ مَظْعُونٍ عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَرَأَيْنَهَا سَيِّئَةَ الهَيْئَةِ، فَقُلْنَ لَهَا: مَالَكِ؟ فَمَا فِي قُرَيْشٍ أَغْنَى مِنْ بَعْلِكِ (١)! قَالَتْ: مَا لَنَا مِنْهُ شَيْءٌ؟ أَمَّا لَيْلُهُ فَقَائِمٌ، وَأَمَّا نَهَارُهُ فَصَائِمٌ (٢).
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِعَمَلِ عُثْمَانَ بنِ مَظْعُونٍ ﵁ مُرَابَطَتُهُ فِي جِهَادِ أَعْدَاءِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ مِمَّنْ يَجْرِي لَهُ عَمَلُهُ كَمَا ثَبَتَ فِي السُّنَنِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ فَضَالَةَ بنِ عُبَيْدٍ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَالَ: "كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ إِلَّا الذِي مَاتَ مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ يَنْمُو عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَيَأْمَنُ فِتْنَةَ القَبْرِ" (٣).
وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي صَحِيحِهِ وَالنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ سَلْمَانَ ﵁ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الذِي كَانَ يَعْمَلُهُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ، وَأَمِنَ الفَتَّانَ" (٤). стр. 1137
فَلْيُحْمَلْ حَالُ عُثْمَانَ بنِ مَظْعُونٍ ﵁ عَلَى ذَلِكَ وَيَزُولُ الإِشْكَالُ مِنْ أَصْلِهِ (١).
* دَفْنُ عُثْمَانَ بنِ مَظْعُونٍ ﵁ -:
وَدُفِنَ ﵁ فِي البَقِيعِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ دُفِنَ بِالبَقِيعِ مِنَ المُهَاجِرِينَ (٢).
* * * стр. 1138
السَّنَةُ الثَّالِثَةُ لِلْهِجْرَةِ
غَزْوَةُ بَنِي سُلَيْمٍ أَوْ قَرْقَرَةُ الكُدْرِ
وَفِي مُنْتَصَفِ المُحَرَّمِ مِنَ السَّنَةِ الثَّالِثَةِ لِلْهِجْرَةِ، خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مِائَتَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَذَلِكَ عِنْدَمَا بَلَغَهُ أَنَّ جَمْعًا مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ وَغَطَفَانَ تَجَمَّعَتْ بِقَرْقَرَةِ الكُدْرِ، وَهُوَ مَاءٌ لِبَنِي سُلَيْمٍ، وَاسْتَخْلَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى المَدِينَةِ سِبَاعَ بنَ عُرْفُطَةَ الغِفَارِيَّ ﵁، أَوِ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَدَفَعَ لِوَاءَهُ إِلَى عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁.
فَسَارَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ حَتَّى بَلَغَ قَرْقَرَةَ الكُدْرِ، فَأَقَامَ عَلَيْهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، فَلَمْ يَلْقَ أَحَدًا مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ وَغَطَفَانَ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِي أَعْلَى الوَادِي، وَاسْتَقْبَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَطْنِ الوَادِي، فَوَجَدَ رُعَاءً فِيهِمْ غُلَامٌ يُقَالُ لَهُ: يَسَارٌ، فَسَأَلَهُ عَنِ النَّاسِ، فَقَالَ: لَا عِلْمَ لِي بِهِمْ إِنَّمَا أُورِدُ لِخِمْسٍ (١)، وَهَذَا يَوْمُ رِبْعِيٍّ (٢)، وَالنَّاسُ قَدِ ارْتَفَعُوا إِلَى المِيَاهِ، وَنَحْنُ عُزَّابٌ стр. 1139
فِي النَّعَمِ (١)، فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَقَدْ ظَفِرَ بِالنَّعَمِ، فَانْحَدَرَ بِهِ إِلَى المَدِينَةِ، وَكَانَتِ النَّعَمُ خَمْسَمِائَةِ بَعِيرٍ، فَأَخْرَجَ خُمُسَهُ وَقَسَمَ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهِ عَلَى المُسْلِمِينَ، فَأَصَابَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ بَعِيرَيْنِ، وَصَارَ يَسَارٌ فِي سَهْمِ النَّبِيِّ ﷺ فَأَعْتَقَهُ، وَغَابَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً (٢).
* * * стр. 1140
غَزْوَةُ ذِي أَمْرٍ أَوْ غَطَفَانَ
وَفِي المُحَرَّمِ مِنَ السَّنَةِ الثَّالِثَةِ لِلْهِجْرَةِ (١) خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أَرْبَعِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ رَجُلًا، وَهِيَ أَكْبَرُ حَمْلَةٍ عَسْكَرِيَّةٍ قَادَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ غَزْوَةِ أُحُدٍ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى المَدِينَةِ عُثْمَانَ بنَ عَفَّانَ ﵁، وَذَلِكَ عِنْدَمَا جَاءَهُ الخَبَرُ مِنْ عُيُونِهِ (٢) أَنَّ جَمْعًا مِنْ غَطَفَانَ مِنْ بَنِي ثَعْلَبَةَ بنِ مُحَارِبٍ تَجَمَّعُوا (بِذِي أَمْرٍ) فِي نَجْدٍ يُرِيدُونَ الإِغَارَةَ عَلَى أَطْرَافِ المَدِينَةِ، فَلَمَّا سَمِعُوا بِخُرُوجِ الرَّسُولِ ﷺ هَرَبُوا إِلَى رُؤُوسِ الجِبَالِ.
* قِصَّةُ دُعْثُورِ بنِ الحَارِثِ:
سَارَ الرَّسُولُ ﷺ حَتَّى بَلَغَ مَاءً يُقَالُ لَهُ: ذُو أَمْرٍ، فَعَسْكَرَ بِهِ، وَأَصَابَهُمْ مَطَرٌ كَثِيرٌ، فَابْتَلَّتْ ثِيَابُ الرَّسُولِ ﷺ ، فَنَزَلَ تَحْتَ شَجَرَةٍ هُنَاكَ، وَنَشَرَ ثِيَابَهُ لِتَجِفَّ، وَذَلِكَ بِمَرْأَى مِنَ المُشْرِكِينَ، وَاشْتَغَلَ المُسْلِمُونَ بِشُؤُونِهِمْ، فَبَعَثَ المُشْرِكُونَ رَجُلًا شُجَاعًا مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ: دُعْثُورُ بنُ الحَارِثِ؛ لِقَتْلِ الرَّسُولِ ﷺ فَمَا شَعَرَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ إِلَّا وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ بِالسَّيْفِ مَشْهُورًا، فَقَالَ: مَنْ стр. 1141
يَمْنَعُكَ مِنِّي يَا مُحَمَّدُ؟ فَقَالَ: الرَّسُولُ ﷺ : "اللَّهُ"، وَدَفَعَ جِبْرِيلُ ﵇ فِي صَدْرِهِ، فَوَقَعَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ، فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ: "مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ " قَالَ: لَا أَحَدْ، وَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنْ لَا أُكَثِّرَ (١) عَلَيْكَ جَمْعًا أَبَدًا.
فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَيْفَهُ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ قَالُوا: وَيْلَكَ، مَالَكَ؟ فَقَالَ: نَظَرْتُ إِلَى رَجُلٍ طَوِيلٍ فَدَفَعَ فِي صَدْرِي، فَوَقَعْتُ لِظَهْرِي، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ مَلَكٌ، وَشَهِدْتُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَاللَّهِ لَا أُكَثِّرُ عَلَيْهِ جَمْعًا، وَجَعَلَ يَدْعُو قَوْمَهُ إِلَى الإِسْلَامِ، وَنَزَلَ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٢).
* قِصَّةٌ أُخْرَى شَبِيهَةٌ بِقِصَّةِ دُعْثُورٍ:
قُلْتُ: وَقَعَ فِي الصَّحِيحَيْنِ (٣) قِصَّةٌ شَبِيهَةٌ بِقِصَّةِ دُعْثُورِ بنِ الحَارِثِ، وَلَكِنْ بِغَيْرِ سِيَاقِ أَهْلِ السِّيَرِ وَالمَغَازِي، وَفِي غَيْرِ هَذِهِ الغَزْوَةِ، وَبِغَيْرِ اسْمِهِ стр. 1142
هَذَا، بَلِ اسْمُهُ غَوْرَثُ بنُ الحَارِثِ، وَأَنَّهُ لَمْ يُسْلِمْ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
قَالَ البَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ: وَسَيَأْتِي فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ قِصَّةٌ تُشْبِهُ هَذِهِ فَلَعَلَّهُمَا قِصَّتَانِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (١).
وَقَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: إِنْ كَانَتْ هَذِهِ مَحْفُوظَةً فَهِيَ غَيْرُهَا قَطْعًا، لِأَنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ اسْمُهُ غَوْرَثُ بنُ الحَارِثِ، وَلَمْ يُسْلِمْ، بَلِ اسْتَمَرَّ عَلَى دِينِهِ، وَلَمْ يَكُنْ عَاهَدَ النَّبِيَّ ﷺ أَنْ لَا يُقَاتِلَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (٢).
* * * стр. 1143
مَقْتَلُ كَعْبِ بنِ الأَشْرَفِ
كَانَ كَعْبُ بنُ الأَشْرَفِ مِنْ أَشَدِّ اليَهُودِ عَدَاوَةً لِلرَّسُولِ وَأَصْحَابِهِ، وَكَانَ أَبُوهُ عَرَبِيًّا مِنْ قَبِيلَةِ طَيِّءٍ، مِنْ بَنِي نَبْهَانَ، وَكَانَ أَصَابَ دَمًا فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَأَتَى المَدِينَةَ فَحَالَفَ بَنِي النَّضِيرِ، فَشَرُفَ فِيهِمْ، وَتَزَوَّجَ عَقِيلَةَ بِنْتَ أَبِي الحُقَيْقِ، فَوَلَدَتْ لَهُ كَعْبًا، وَكَانَ طَوِيلًا جَسِيمًا، وَكَانَ شَاعِرًا مُجِيدًا، سَادَ يَهُودَ الحِجَازِ بِكَثْرَةِ مَالِهِ، فَكَانَ يُعْطِي أَحْبَارَ يَهُودٍ وَيَصِلُهُمْ، وَكَانَ حِصْنُهُ شَرْقِيَّ جَنُوبِ المَدِينَةِ فِي خَلْفِيَّاتِ دِيَارِ بَنِي النَّضِيرِ (١).
وَكَانَ مِنْ عَدَاوَتِهِ أَنَّهُ لَمَّا بَلَغَهُ خَبَرُ انْتِصَارِ المُسْلِمِينَ، وَقَتْلُ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ فِي بَدْرٍ، قَالَ: أَحَقٌ هَذَا؟ هَؤُلَاءِ أَشْرَافُ العَرَبِ وَمُلُوكُ النَّاسِ، وَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ أَصَابَ هَؤُلَاءَ القَوْمِ لَبَطْنُ الأَرْضِ خَيْرٌ لِي مِنْ ظَهْرِهَا.
فَلَمَّا تَأَكَّدَ لَدَيْهِ الخَبَرُ، انْبَعَثَ عَدُوُّ اللَّهِ يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالمُسْلِمِينَ، وَيَمْدَحُ عَدُوَّهُمْ، وَيُحَرِّضُ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَرْضَ بِهَذا القَدْرِ حَتَّى رَكِبَ إِلَى قُرَيْشٍ، فَبَكَى قَتْلَاهُمْ فِي بَدْرٍ، وَحَرَّضَهُمْ عَلَى قِتَالِ المُسْلِمِينَ، فَنَزَلَ بِمَكَّةَ стр. 1144
عَلَى المُطَّلِبِ بنِ أَبِي وَدَاعَةَ السَّهْمِيِّ، فَأَنْزَلَهُ وأَكْرَمَهُ، وَجَعَلَ يُنْشِدُ الأَشْعَارَ، وَيُحَرِّضُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالمُسْلِمِينَ.
أَخْرَجَ ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ كَعْبُ بنُ الأَشْرَفِ مَكَّةَ أَتَوْهُ، فَقَالُوا: نَحْنُ أَهْلُ السِّقَايَةِ (١) وَالسِّدَانَةِ (٢)، وَأَنْتَ سَيِّدُ أَهْلِ يَثْرِبَ، فَنَحْنُ خَيْرٌ أَمْ هَذَا الصُّنَيْبِيرُ (٣) المُنْبَتِرُ (٤) مِنْ قَوْمِهِ يَزْعُمُ أَنَّهُ خَيْرٌ مِنَّا؟
فَقَالَ: أَنْتُمْ خَيْرٌ مِنْهُ، فَنَزَلَ عَلَى رَسُول اللَّهِ ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٥)﴾ (٦)، وَنَزَلَتْ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ стр. 1145
بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ (١).
ثُمَّ رَجَعَ كَعْبٌ إِلَى المَدِينَةِ عَلَى تِلْكَ الحَالِ، وَأَخَذَ يُشَبِّبُ (٢) فِي أَشْعَارِهِ بِنِسَاءِ الصَّحَابَةِ، وَيُؤْذِيهِمْ بِسَلَاطَةِ (٣) لِسَانِهِ أَشَدَّ الإِيذَاءِ.
فَحِينَئِذٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ لِكَعْبِ بنِ الأَشْرَفِ (٤)؟ فَإِنَّهُ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ"، فَانْتَدَبَ لَهُ: مُحَمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ، وَعَبَّادُ بنُ بِشْرٍ، وَأَبُو نَائِلَةَ سِلْكَانُ بنُ سَلَامَةَ، وَهُوَ أَخُو كَعْبِ بنِ الأَشْرَفِ مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَالحَارِثُ بنُ أَوْسٍ، وَأَبُو عَبْسِ بنِ جَبْرٍ، وَكَانَ قَائِدَ هَذِهِ المَجْمُوعَةِ مُحَمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ ﵁.
وَفِي رِوَايَةِ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا قَالَ: "مَنْ لِكَعْبِ بنِ الأَشْرَفِ؟ فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ"، فَقَامَ مُحَمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ قَالَ: "نَعَمْ" (٥). стр. 1146
فَقَالَ مُحَمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ ﵁: فَائْذَنْ لِي أَنْ أَقُولَ (١) شَيْئًا، قَالَ: "قُلْ" فَذَهَبَ مُحَمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ إِلَى كَعْبِ بنِ الأَشْرَفِ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ -أَيْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ سَأَلَنَا صَدَقَةً، وَإِنَّهُ قَدْ عَنَّانَا (٢) وَإِنِّي قَدْ أَتَيْتُكَ أَسْتَسْلِفُكَ، قَالَ: وَأَيْضًا (٣) وَاللَّهِ لَتَمُلَّنَّهُ (٤).
فَقَالَ مُحَمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ: إِنَّا قَدِ اتَّبَعْنَاهُ، فَلَا نُحِبُّ أَنْ نَدَعَهُ حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى أَيِّ شَيْءٍ يَصِيرُ شَأْنُهُ، وَقَدْ أَرَدْنَا أَنْ تُسْلِفَنَا وَسْقًا (٥) أَوْ وَسْقَيْنِ.
قَالَ كَعْبٌ: نَعَمْ أَرْهِنُونِي (٦).
قَالَ مُحَمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ: أَيَّ شَيْءٍ تُرِيدُ؟ .
قَالَ كَعْبٌ: أَرْهِنُونِي نِسَاءَكُمْ؟
فَقَالَ مُحَمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ: كَيْفَ نَرْهَنُكَ نِسَاءَنَا وَأَنْتَ أَجْمَلُ العَرَبِ؟ стр. 1147
قَالَ كَعْبٌ: فَأَرْهِنُونِي أَبْنَاءَكُمْ.
قَالَ مُحَمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ: كَيْفَ نَرْهَنُكَ أَبْنَاءَنَا، فيسَبُّ أَحَدُهُمْ؟ فيقَالُ: رُهِنَ بِوَسْقٍ أَوْ وَسْقَيْنِ هَذَا عَارٌ عَلَيْنَا، وَلَكِنَّا نَرْهَنُكَ اللَّأَمَةَ، يَعْنِي السِّلَاحَ.
فَوَاعَدَهُ مُحَمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ أَنْ يَأْتِيَهُ بِالسَّلَاحِ.
وَصَنَعَ أَبُو نَائِلَةَ مِثْلَ مَا صَنَعَ مُحَمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ، فَقَدْ جَاءَ كَعْبًا فتَنَاشَدَ مَعَهُ أَطْرَافَ الأَشْعَارِ سُوَيْعَةً، ثُمَّ قَالَ لَهُ: وَيْحَكَ يَا ابْنَ الأَشْرَفِ، إِنِّي قَدْ جِئْتُكَ لِحَاجَةٍ أُرِيدُ ذِكْرَهَا لَكَ، فَاكْتُمْ عَنِّي. قَالَ كَعْبٌ: أَفْعَلُ.
قَالَ أَبُو نَائِلَةَ: كَانَ قُدُومُ هَذَا الرَّجُلِ -أَي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَلَاءً، عَادَتْنَا العَرَبُ، ورَمَتْنَا عَنْ قَوْس وَاحِدَةٍ، وَقَطَعَتْ عَنَّا السُّبُلَ، حَتَّى ضَاعَ العِيَالُ، وَجَهِدَتِ الأَنْفُسُ، وَأَصْبَحْنَا قَدْ جَهِدْنَا وَجَهِدَ عِيَالُنَا.
ثُمَّ قَالَ أَبُو نَائِلَةَ: إِنَّ مَعِيَ أَصْحَابًا لِي عَلَى مِثْلَ رَأْيِي، وَقَدْ أَرَدْتُ أَنْ آتِيَكَ بِهِمْ، فتَبِيعَهُمْ وَتُحْسِنَ في ذَلِكَ.
وَهَكَذَا نَجَحَ مُحَمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ، وَأَبُو نَائِلَةَ في هَذَا الحِوَارِ إلى مَا قَصَدَا، فَإِنَّ كَعْبًا لَنْ يُنْكِرَ مَعَهُمَا السِّلَاحَ، وَالأَصْحَابَ بَعْدَ هَذَا الحِوَارِ.
وَفِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ -لَيْلَةِ الرَّابع عَشَرَ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ مِنَ السَّنَةِ الثَّالِثَةِ لِلْهِجْرَةِ- اجْتَمَعَتْ هَذِهِ المَجْمُوعَةُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَمَشَى مَعَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى بَقِيعِ الغَرْقَدِ، ثُمَّ وَجَّهَهُمْ قَائِلًا: "انْطَلِقُوا عَلَى اسمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ أَعِنْهُمْ"،
стр. 1148
ثُمَّ رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى بَيْتِهِ، وَطَفِقَ يُصَلِّي، وَيَدْعُو رَبَّهُ.
وَأَقْبَلُوا حَتَّى انْتَهَوْا إلى حِصْنِ كَعْبِ بنِ الأَشْرَفِ، فَهَتَفَ بِهِ أَبُو نَائِلَةَ، فَقَامَ لِيَنْزِلَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأتهُ -وَكَانَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِعُرْسٍ- أَيْنَ تَخْرُجُ هَذِهِ السَّاعَةَ؟ .
فَقَالَ: إِنَّمَا هُوَ أَخِي مُحَمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ وَرَضِيعِي أَبُو نَائِلَةَ، قَالَتْ: أَسْمَعُ صَوْتًا كَأَنَّهُ يَقْطُرُ مِنْهُ الدَّمُ.
قَالَ: إِنَّمَا هُوَ أَخِي مُحَمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ وَرَضِيعِي أَبُو نَائِلَةَ، إِنَّ الكَرِيمَ لَوْ دُعِيَ إلى طَعْنَةٍ بِلَيْلٍ لَأَجَابَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْهِمْ، وَهُوَ مُتَطَيِّب يَنْفُحُ رَأْسُهُ.
وَكَانَ أَبُو نَائِلَةَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: إِذَا مَا جَاءَنِي فَإِنِّي آخُذُ بِشَعْرِهِ فَأَشُمُّهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمُونِي اسْتَمْكَنْتُ مِنْ رَأْسِهِ، فَدُونَكُمْ فَاضْرِبُوهُ.
فَلَمَّا نَزَلَ كَعْبٌ إِلَيْهِمْ تَحَدَّثَ مَعَهُمْ سَاعَةً، وَتَحَدَّثُوا مَعَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ أَبُو نَائِلَةَ: هَلْ لَكَ يَا ابْنَ الأَشْرَفِ أَنْ نَتَمَاشَى إلى شِعْبِ العَجُوزِ، فنَتَحَدَّثَ بَقِيَّةَ لَيْلَتِنَا؟ .
قَالَ: إِنْ شِئْتُمْ، فَخَرَجُوا يَتَمَاشَوْنَ، فَقَالَ أَبُو نَائِلَةَ وَهُوَ في الطَّرِيقِ: مَا رَأَيْتُ كَاللَّيْلَةِ طِيبًا أَعْطَرَ قَطُّ.
فَقَالَ كَعْبٌ: عِنْدِي أَعْطَرُ نِسَاءِ العَرَبِ، فَقَالَ أَبُو نَائِلَةَ: أتأْذَنُ لِي أَنْ أَشُمَّ رَأْسَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ فَأَدْخَلَ يَدَهُ في رَأْسِهِ فَشَمَّهُ.
стр. 1149
ثُمَّ مَشَى سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ أَبُو نَائِلَةَ: أَعُودُ -أَيْ لِشَمِّ رَأْسِهِ- قَالَ كَعْبٌ: نَعَمْ، فَعَادَ لِمِثْلِهَا حَتَّى اطْمَأَنَّ: ثُمَّ مَشَى سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ أَبُو نَائِلَةَ: أَعُودُ -أَيْ لِشَمِّ رَأْسِهِ- قَالَ كَعْبٌ: نَعَمْ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ في رَأْسِهِ، فَلَمَّا اسْتَمْكَنَ مِنْهُ، قَالَ أَبُو نَائِلَةَ لِأَصْحَابِهِ: دُونَكُمْ عَدُوَّ اللَّهِ، فَاخْتَلفتْ عَلَيْهِ أَسْيَافُهُمْ، لَكِنَّهَا لَمْ تُغْنِ شَيْئًا، فَأَخَذَ مُحَمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ مِعْوَلًا، فَوَضَعَهُ في ثُنَّتِهِ (١)، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ حَتَّى بَلَغَ عَانَتَهُ، فَوَقَعَ عَدُوُّ اللَّهِ قَتِيلًا، وَكَانَ قَدْ صَاحَ صَيْحَةً شَدِيدَةً أَفْزَعَتْ مَنْ حَوْله، فَلَمْ يبقَ حِصْنٌ إِلَّا أُوقِدَتْ عَلَيْهِ النِّيرَانُ.
وَرَجَعَتْ هَذِه المَجْمُوعَةُ، وَقَدْ أُصِيبَ الحَارِثُ بنُ أَوْسٍ بِذُبَابِ (٢) بَعْضِ سُيُوفِ أَصْحَابِهِ، فَجُرِحَ وَنَزَفَ الدَّمَ، فَلَمَّا بَلَغَتْ هَذِهِ المَجْمُوعَةُ حَرَّةَ العَرِيضِ، رَأَتْ أَنَّ الحَارِثَ لَيْسَ مَعَهُمْ، فَوَقَفُوا سَاعَةً حَتَّى أَتاهُمْ يتبَعُ آثارَهُمْ، فَاحْتَمَلُوهُ، حَتَّى إِذَا بَلَغُوا بَقِيعَ الغَرْقَدِ كَبّروا، فَسَمعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَكْبِيرَهُمْ، فَعَرَفَ أَنَّهُمْ قَدْ قَتَلُوهُ، فَكَبَّرَ، فَلَمَّا انْتَهَوْا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَذَلِكَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ قَالَ ﷺ : "أَفْلَحَتِ الوُجُوهُ"، قَالُوا: وَوَجْهُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَحَمِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى قَتْلِهِ، وَتَفَلَ عَلَى جُرْحِ الحَارِثِ فَبَرِئ (٣). стр. 1150
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وَفِي قِصَّةِ كَعْبِ بنِ الأَشْرَفِ مِنَ الفَوَائِدِ:
١ - جَوَازُ قتلِ المُشْرِكِ بِغَيْرِ دَعْوَةٍ إِذَا كَانَتِ الدَّعْوَةُ العَامَّةُ قَدْ بَلَغَتْهُ.
٢ - وَفِيهِ جَوَازُ الكَلَامِ الذِي يُحْتَاجُ إِلَيْهِ في الحَرْبِ وَلَوْ لَمْ يَقْصِدْ قَائِلهُ إلى حَقِيقَتِهِ.
٣ - وَفِيهِ دَلَالَة عَلَى قُوَّةِ فِطْنَةِ امْرَأَةِ كَعْبِ بنِ الأَشْرَفِ، وَصِحَّةِ حَدِيثِهَا، وَبَلَاغَتِهَا في إِطْلَاقِهَا أَنَّ الصَّوْتَ يَقْطُرُ مِنْهُ الدَّمُ (١).
وَلَمَّا عَلِمَتِ اليَهُودُ بِمَصْرَعِ طَاغِيَتهَا كَعْبِ بنِ الأَشْرَفِ، دَبَّ الرُّعْبُ في قُلُوبِهِمْ العَنِيدَةِ، وَعَلِمُوا أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ لَنْ يَتَوَانَى في اسْتِخْدَامِ القُوَّةِ حِينَ يَرَى أَنَّ النُّصْحَ لَا يُجْدِي نَفْعًا لِمَنْ يُرِيدُ العَبَثَ بِالأَمْنِ، وَإِثَارَةِ الِاضْطِرَابَاتِ وَعَدَمَ احْتِرَامِ المَوَاثِيقِ، فَلَمْ يُحَرِّكُوا سَاكِنًا لِقَتْلِ طَاغِيَتهِمْ، بَلْ لَزِمُوا الهُدُوءَ، وَتَظَاهَرُوا بِإيفَاءَ العُهُودِ، وَاسْتَكَانُوا، وَأَسْرَعَتِ الأَفَاعِي إلى جُحُورِهَا تَخْتَبِئُ فِيهَا (٢). стр. 1151
سَرِيَّةُ زَيدِ بنِ حَارِثَةَ ﵁ إِلَى القَرَدَةَ
وَهَذِهِ السَّرِيَّةُ هِيَ آخِرُ، وَأَنْجَحُ سَرِيَّةٍ قَامَ بِهَا المُسْلِمُونَ قَبْلَ غَزْوَةِ أُحُدٍ، وَحَدَثَتْ في جُمَادَى الآخِرَةِ مِنَ السَّنَةِ الثَّالِثَةِ لِلْهِجْرَةِ.
وَكَانَ سَبَبُهَا أَنَ قُرَيْشًا بَعْدَ غَزْوَةِ بَدْرٍ، خَافَتْ أَنْ تَسْلُكَ الطَّرِيقَ المُعْتَادَةَ الذِي كَانَتْ تَسْلُكُهُ إلى الشَّامِ قَبْلَ غَزْوَةِ بَدْرٍ، فَقَالُوا -وَقَدِ اقْترَبَ مَوْسِمُ رِحْلَتِهِمْ في الصَّيْفِ إلى الشَّامِ-: إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ عَوَّرَ (١) عَلَيْنَا مَتْجَرَنَا، وَهُوَ عَلَى طَرِيقِنَا، فَمَا نَدْرِي أَيْنَ نَسْلُكُ، فَقَالَ صَفْوَانُ بنُ أُمَيَّةَ: إِنْ أَقَمْنَا بِمَكَّةَ أَكَلْنَا رُؤُوسَ أَمْوَالِنَا، فَلَمْ يَكُنْ لَهَا مِنْ بَقَاءٍ، وَإِنَّمَا حَيَاتنا بِمَكَّةَ عَلَى التِّجَارَةِ.
فَقَالَ الأَسْوَدُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ: أَنَا أَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يَسْلُكُ بِكُمْ طَرِيقَ النَّجْدِيَّةِ -وَهِي طَرِيقٌ طَوِيلَةٌ جِدًّا تَخْتَرِقُ نَجْدَ إلى الشَّامِ، وَتَمُرُّ في شَرْقِيِّ المَدِينَةِ عَلَى بُعْدٍ كَبِيرٍ مِنْهَا، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَجْهَلُ هَذِهِ الطَّرِيقَ كُلَّ الجَهْلِ-.
فَقَالَ صَفْوَانُ بنُ أُمَيَّةَ: مَنْ هَذَا الرَّجُلُ -أَي الدَّلِيلُ؟ .
قَالَ: فُرَاتُ بنُ حَيَّانٍ: مِنْ بَنِي بَكْرِ بنِ وَائِلٍ، فَدَعَوْهُ، فَاسْتَأْجَرُوهُ دَلِيلًا стр. 1152
عَلَى الطَّرِيقِ، وَخَرَجَتْ عِيرُ قُرَيْشٍ، وَفِيهَا مَالٌ كَثِيرٌ، وَفِضَّةٌ كَثِيرَةٌ وَزْنَ ثَلَاثِينَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، يَقُودُهَا صَفْوَانُ بنُ أُمَيَّةَ، وَقِيلَ أَبُو سُفْيَانَ بنِ حَرْبٍ، فَسَلَكَ بِهِمْ فُرَاتُ بنُ حَيَّانَ عَلَى ذَاتِ عِرْقٍ طَرِيقِ العِرَاقِ.
وَقَدْ بَلَغَتِ الرَّسُولَ ﷺ أَنْبَاءُ هَذِهِ العِيرِ، وَذَلِكَ أَنَّ نُعَيْمَ (١) بنَ مَسْعُودٍ الأَشْجَعِيَّ قَدِمَ المَدِينَةَ، وَهُوَ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ، فنَزَلَ عَلَى كِنَانَةِ بنِ أَبِي الحُقَيْقِ في بَنِي النَّضِيرِ، فَشَرِبَ مَعَهُ الخَمْرَ، وَعِنْدَهُ سَلِيطُ بنُ النُّعْمَانِ -وَكَانَ قَدْ أَسْلَمَ- وَلَمْ تُحَرَّمِ الخَمْرُ يَوْمَئِذٍ، فَلَمَّا أَخَذَتِ الخَمْرُ مِنْ نُعَيْمٍ تَحَدَّثَ بِالتَّفْصِيلِ عَنْ أَمْرِ العِيرِ وَخُطَّةِ سَيْرِهَا، فَخَرَجَ سَلِيط مِنْ سَاعَتِهِ مُسْرِعًا إلى الرَّسُولِ ﷺ ، فَأَخْبَرَهُ بِأَمْرِهِمْ.
* خُرُوجُ زَيْدِ بنِ حَارِثَةَ ﵁ -:
فَبعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيْدَ بنَ حَارِثَةَ ﵁، في مِائَةِ رَاكِبٍ يَعْتَرِضُ عِيرَ قُرَيْشٍ، فَلَقِيَهُمْ عَلَى مَاءٍ مِنْ مِيَاهِ نَجْدٍ يُقَالُ لَهُ: القَرَدَةُ، فَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا كُلَّهَا، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ صَفْوَانَ بنِ أُمَيَّةَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ حَرَسِ القَافِلَةِ إِلَّا الفِرَارُ بِدُونِ أَيِّ مُقَاوَمَةٍ.
* أَسْرُ دَلِيلِ القَافِلَةِ وَإِسْلَامُهُ:
وَأَسَرَ المُسْلِمُونَ دَلِيلَ القَافِلَةِ فُرَاتَ بنَ حَيَّانٍ، فَقَدِمُوا بِهِ، وَبِالعِيرِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَمَرُّوا بِهِ بِحَلَقَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ فُرَات: إِنِّي مُسْلِمٌ، فَقَالُوا: стр. 1153
يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّهُ مُسْلِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ مِنْكُمْ رِجَالًا نَكِلُهُمْ إلى إِيمَانِهِمْ، مِنْهُمْ: فُرَاتُ بنُ حَيَّانَ" (١).
وَلَمَّا أَسْلَمَ فُرَاتٌ ﵁ حَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَفَقُهَ في الدِّينِ، وَلَمْ يَزَلْ يَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى أَنْ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَانْتَقَلَ إلى مَكَّةَ فنَزَلَهَا.
وَقَسَمَ رَسُول اللَّهِ ﷺ غَنَائِمَ هَذه السَّرِيَّةِ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ السَّرِيَّةِ، بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَ الخُمُسَ (٢).
وَكَانَتْ مَأْسَاةً شَدِيدَةً، وَنَكْبَةً كَبِيرَةً أَصَابَتْ قُرَيْشًا بَعْدَ بَدْرٍ، اشْتَدَّ لَهَا قَلَقُ قُرَيْشٍ، وَزَادَتْهَا هَمًّا وَحُزْنًا، وَلَمْ تبقَ أَمَامَهَا إِلَّا طَرِيقَانِ، إِمَّا أَنْ تَمْتَنِعَ عَنْ غَطْرَسَتِهَا وَكِبْرِيائِهَا، وَتَأْخُذَ طَرِيقَ المُوَادَعَةِ وَالمُصَالَحَةِ مَعَ المُسْلِمِينَ، أَوْ تَقُومَ بِحَرْبٍ شَامِلَةٍ تُعِيدُ لَهَا مَجْدَهَا التَّلِيدَ وَعِزَّهَا القَدِيمَ، وَتَقْضِي عَلَى قُوَّاتِ المُسْلِمِينَ، بِحَيْثُ لَا تبقَى لَهُمْ سَيْطَرَةٌ عَلَى هَذَا وَلَا ذَاكَ، وَقَدْ اخْتَارَتْ مَكَّةُ الطَّرِيقَ الثَّانِيَةَ، فَازْدَادَ إِصْرَارُها عَلَى المُطَالَبَةِ بِالثَّأْرِ، وَالتَّهَيُّؤِ لِلِقَاءِ المُسْلِمِينَ في تَعْبِئَةٍ كَامِلَةٍ، وَتَصْمِيمُهَا عَلَى الغَزْوِ في دِيَارِهِمْ، فكان ذَلِكَ وَمَا سَبَقَ مِنْ أَحْدَاثٍ التَمْهِيدَ القَوِيِّ لِمَعْرَكَةِ أُحُدٍ (٣). стр. 1154
زَوَاجُ عُثْمَانَ ﵁ مِنْ أُمِّ كُلْثُومٍ بنْتِ الرَّسُولِ ﷺ -
وَفِي رَبِيعٍ الأَوَّلِ مِنَ السَّنَةِ الثَّالِثَةِ لِلْهِجْرَةِ تَزَوَّجَ عُثْمَانُ بنُ عَفَّانَ ﵁ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ الرَّسُولِ ﷺ ، وَكَانَتْ بِكْرًا (١)، وَلَمْ تَلِدْ لِعُثْمَانَ ﵁ (٢).
وَكَانَ عُثْمَانُ ﵁ قَدْ تَزَوَّجَ أُخْتَهَا رُقَيَّةَ، فَمَرِضَتْ قَبْلَ غَزْوَةِ بَدْرٍ، فَأَمَرَ الرَّسُولُ ﷺ عُثْمَانَ ﵁ أَنْ يَبْقَى عِنْدَهَا عِنْدَمَا ذَهَبَ إِلَى بْدرٍ، فَمَاتَتْ ﵂ عِنْدَمَا جَاءَ بَشِيرُ الرَّسُولِ ﷺ لِأَهْلِ المَدِينَةِ بِالفَتْحِ، وَالنَّصْرِ يَوْمَ بَدْرٍ -كَمَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ-، فَلَمَّا مَاتَتْ رُقَيَّةُ زَوَّجَهُ الرَّسُولُ ﷺ ابْنَتَهُ الثَّانِيَةَ أُمَّ كُلْثُومٍ ﵂.
أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ وَالإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وَالطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ عَنْ عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ ﵁ قَالَ: بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِالحَقِّ، فكنْتُ مِمَّنِ اسْتَجَابَ للَّهِ وَلِرَسُولهِ ﷺ ، وَآمَنَ بِمَا بُعِثَ بِهِ، ثُمَّ هَاجَرْتُ الهِجْرَتَيْنِ، وَنِلْتُ صِهْرَ (٣) رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَبَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَوَاللَّهِ مَا стр. 1155
عَصَيْتُهُ، وَلَا غَشَشْتُهُ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ (١).
وَلَمْ يُعْرَفْ لِأَحَدٍ تَزَوَّجَ ابْنَتَيْ نَبِيٍّ غَيْرُ عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ ﵁.
* * * стр. 1156
زَوَاجُ الرَّسُولِ ﷺ مِنْ حَفْصَةَ بنْتِ عُمَرَ ﵄
تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ﵄ في شَعْبَانَ مِنَ السَّنَةِ الثَّالِثَةِ لِلْهِجْرَةِ (١)، بَعْدَ أَنِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا مِنْ زَوْجِهَا خُنَيْسِ بنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ ﵁ الذِي كَانَ قَدْ تُوُفِّيَ عَنْهَا بَعْدَ بَدْرٍ.
أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ ﵄ يُحَدِّثُ: أَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ ﵁ حِينَ تَأيَّمَتْ (٢) حَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ مِنْ خُنَيْسِ بنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ ﵁، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا، وَتُوُفِّيَ بِالمَدِينَةِ، قَالَ عُمَرُ: فَلَقِيتُ عُثْمَانَ بنَ عَفَّانَ ﵁ فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَفْصَةَ، فَقُلْتُ: إِنْ شِئْتَ أَنْكَحْتُكَ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ، فَقَالَ: سَأَنْظُرُ في ذَلِكَ، قَالَ: فَلَبِثْتُ لَيَالِيَ، فَلَقِيَني، فَقَالَ: مَا أُرِيدُ النِّكَاحَ يَوْمِيَ هَذَا، قَالَ عُمَرُ: فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرٍ، فَقُلْتُ: إِنْ شِئْتَ أَنْكَحْتُكَ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ، قَالَ: فَلَمْ يَرْجعْ إِلَيَّ شَيْئًا، فكُنْتُ أَوْجَدَ (٣) عَلَيْهِ مِنِّي عَلَى عُثْمَانَ، فَلَبِثْتُ لَيَالِيَ، فَخَطَبَهَا إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ стр. 1157
- ﷺ ، فَأَنْكَحْتُهَا إِيَّاهُ، فَلَقِيَني أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: لَعَلَّكَ وَجَدْتَ في نَفْسِكَ حِينَ عَرَضْتَ عَلَيَّ حَفْصَةَ، فَلَمْ أَرْجعْ إِلَيْكَ شَيْئًا؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَإِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرْجعَ إِلَيْكَ شَيْئًا لَمَّا عَرَضْتَ عَلَيَّ إِلَّا أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُهَا، وَلَمْ أَكُنْ أُفْشِي سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَوْ ترَكَهَا لَنَكَحْتُهَا (١).
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ:
١ - فِيهِ أَنَّهُ لَوْلَا هَذَا العُذْرُ -وَهُوَ ذِكْرُ الرَّسُولِ ﷺ لِحَفْصَةَ- لَقَبِلَهَا أَبُو بَكْرٍ ﵁، فيسْتَفَادُ مِنْهُ عُذْرُ أَبِي بَكْرٍ ﵁ في كَوْنِهِ لَمْ يَقُلْ كَمَا قَالَ عُثْمَانُ: قَدْ بَدَا لِي أَنْ لَا أَتَزَوَّجَ.
٢ - وَفِيهِ فَضْلُ كِتْمَانِ السِّرِّ، فَإِذَا أَظْهَرَهُ صَاحِبُهُ ارْتَفَعَ الحَرَجُ عَمَّنْ سَمِعَهُ.
٣ - وَفِيهِ عِتَابُ الرَّجُلِ لِأَخِيهِ، وَعَتَبُهُ عَلَيْهِ وَاعْتِذَارُهُ إِلَيْهِ، وَقَدْ جُبِلَتِ الطِّبَاعُ البَشَرِيَّةُ عَلَى ذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ كِتْمَانِ أَبِي بَكْرٍ ذَلِكَ أنَّهُ خَشِيَ أَنْ يبدُوَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ حَفْصَةَ، فَيَقَعُ في قَلْبِ عُمَرَ стр. 1158
انْكِسَارٌ، وَلَعَلَّ اطِّلَاعَ أَبِي بَكْرٍ ﵁ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَصَدَ خِطْبَةَ حَفْصَةَ كَانَ بِإِخْبَاره لَهُ ﷺ إِمَّا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِشَارَةِ، وَإِمَّا لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَكْتُمُ عَنْهُ شَيْئًا مِمَّا يُرِيدُهُ.
٤ - وَفِيهِ عَرْضُ الإِنْسَانِ بِنْتَهُ، وَغَيْرَهَا مِنْ مُوليَاتِهِ عَلَى مَنْ يَعْتَقِدُ خَيْرَهُ وَصَلَاحَهُ لِمَا فِيهِ مِنَ النَّفْعِ العَائِدِ عَلَى المَعْرُوضَةِ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ لَا استِحْيَاءَ في ذَلِكَ.
٥ - وَفِيهِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِعَرْضِهَا عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ مُتَزَوِّجًا لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ حِينَئِذٍ مُتَزَوِّجًا (١).
* طَلَاقُ الرَّسُولِ ﷺ حَفْصَةَ ﵂ وَمُرَاجَعَتُهُ إِيَّاهَا:
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ طَلَّقَ حَفْصَةَ ثُمَّ رَاجَعَهَا، فَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ، وَالطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثارِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁ قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَلَّقَ حَفْصَةَ ثُمَّ رَاجَعَهَا (٢).
وَأَخْرَجَ ابنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ وَالطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ البُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: دَخَلَ عُمَرُ عَلَى حَفْصَةَ وَهِيَ تَبْكِي، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكِ؟ لَعَلَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ стр. 1159
طَلَّقَكِ؟ إِنَّهُ قَدْ كَانَ طَلَّقَكِ، ثُمَّ رَاجَعَكِ مِنْ أَجْلِي، فَأَيْمُ اللَّهِ لَئِنْ كَانَ طَلَّقَكِ، لَا كَلَّمْتُكِ كَلِمَةً أَبَدًا (١).
* نُبْذَةٌ عن حَفْصَةَ ﵂:
كَانَتْ حَفْصَةُ ﵂ أَكْبَرَ مِنْ أَخِيهَا عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ ﵄ بِسِتِّ سِنِينَ، وَتُوُفِّيَتْ ﵂ في شَعْبَانَ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ حَيْثُ بَايَعَ الحَسَنُ بنُ عَلِيٍّ ﵄ مُعَاوِيَةَ ﵁ في عَامِ الجَمَاعَةِ، وَقِيلَ تُوُفِّيَتْ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ بِالمَدِينَةِ، في خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ بنِ أَبِي سُفْيَانَ ﵁، وَصَلَّى عَلَيْهَا مَرْوَانُ بنُ الحَكَمِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ وَالِي المَدِينَةِ، وَدُفِنَتْ بِالبَقِيعِ وَعُمْرُهَا سِتُّونَ سَنَةً، وَقِيلَ ثَلَاثٌ وَسِتُّونَ (٢).
* * * стр. 1160
زَوَاجُ الرَّسُولِ مِنْ زَيْنَبَ بنْتِ خُزَيْمَةَ ﵂
ثُمَّ تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في شَهْرِ رَمَضَانَ مِنَ السَّنَةِ الثَّالِثَةِ لِلْهِجْرَةِ زَيْنَبَ بِنْتَ خُزَيْمَةَ الهِلَالِيَّةَ مِنْ بَنِي عَامِرِ بنِ صَعْصَعَةَ.
وَكَانَتْ تُسَمَّى ﵂ أُمَّ المَسَاكِينِ لِكَثْرَةِ إِطْعَامِهَا المَسَاكِينَ وَصَدَقَتِهَا عَلَيْهِمْ، وَهِيَ أُخْتُ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ لِأُمِّهَا.
وَكَانَتْ زَوْجَ الطُّفَيْلِ بنِ الحَارِثِ فَطلَّقَهَا، فتَزَوَّجَهَا عُبَيْدَةُ بنُ الحَارِثِ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَاسْتُشْهِدَ عَنْهَا يَوْمَ بَدْرٍ، وَقِيلَ: كَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ اللَّهِ بنِ جَحْشٍ، فَاسْتُشْهِدَ عَنْهَا يَوْمَ أُحُدٍ، فَخَطَبَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَجَعَلَتْ أَمْرَهَا إِلَيْهِ، فتَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمْ تَلْبَثْ عِنْدَهُ ﷺ إِلَّا يَسِيرًا شَهْرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً حَتَّى تُوُفِّيَتْ في آخِرِ شَهْرِ رَبِيعٍ الآخِرِ مِنَ السَّنَةِ الرَّابِعَةِ لِلْهِجْرَةِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهَا في حَيَاتِهِ ﷺ ، وَكَانَ عُمُرُهَا ﵂ لَمَّا تُوُفِّيَتْ ثَلَاثِينَ سَنَةً أَوْ نَحْوَهَا.
فَصَلَّى عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَدَفنَهَا بِالبَقِيعِ (١). следующие страницы →