← Сира

Сира · id 38114

اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون

موسى بن راشد العازمي

Полный текст (2 595 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

زَوَاجُ الرَّسُولِ ﷺ مِنْ حَفْصَةَ بنْتِ عُمَرَ ﵄ تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ﵄ في شَعْبَانَ مِنَ السَّنَةِ الثَّالِثَةِ لِلْهِجْرَةِ (١)، بَعْدَ أَنِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا مِنْ زَوْجِهَا خُنَيْسِ بنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ ﵁ الذِي كَانَ قَدْ تُوُفِّيَ عَنْهَا بَعْدَ بَدْرٍ. أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ ﵄ يُحَدِّثُ: أَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ ﵁ حِينَ تَأيَّمَتْ (٢) حَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ مِنْ خُنَيْسِ بنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ ﵁، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا، وَتُوُفِّيَ بِالمَدِينَةِ، قَالَ عُمَرُ: فَلَقِيتُ عُثْمَانَ بنَ عَفَّانَ ﵁ فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَفْصَةَ، فَقُلْتُ: إِنْ شِئْتَ أَنْكَحْتُكَ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ، فَقَالَ: سَأَنْظُرُ في ذَلِكَ، قَالَ: فَلَبِثْتُ لَيَالِيَ، فَلَقِيَني، فَقَالَ: مَا أُرِيدُ النِّكَاحَ يَوْمِيَ هَذَا، قَالَ عُمَرُ: فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرٍ، فَقُلْتُ: إِنْ شِئْتَ أَنْكَحْتُكَ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ، قَالَ: فَلَمْ يَرْجعْ إِلَيَّ شَيْئًا، فكُنْتُ أَوْجَدَ (٣) عَلَيْهِ مِنِّي عَلَى عُثْمَانَ، فَلَبِثْتُ لَيَالِيَ، فَخَطَبَهَا إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ

стр. 1157

- ﷺ ، فَأَنْكَحْتُهَا إِيَّاهُ، فَلَقِيَني أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: لَعَلَّكَ وَجَدْتَ في نَفْسِكَ حِينَ عَرَضْتَ عَلَيَّ حَفْصَةَ، فَلَمْ أَرْجعْ إِلَيْكَ شَيْئًا؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَإِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرْجعَ إِلَيْكَ شَيْئًا لَمَّا عَرَضْتَ عَلَيَّ إِلَّا أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُهَا، وَلَمْ أَكُنْ أُفْشِي سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَوْ ترَكَهَا لَنَكَحْتُهَا (١). * فَوَائِدُ الحَدِيثِ: قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: ١ - فِيهِ أَنَّهُ لَوْلَا هَذَا العُذْرُ -وَهُوَ ذِكْرُ الرَّسُولِ ﷺ لِحَفْصَةَ- لَقَبِلَهَا أَبُو بَكْرٍ ﵁، فيسْتَفَادُ مِنْهُ عُذْرُ أَبِي بَكْرٍ ﵁ في كَوْنِهِ لَمْ يَقُلْ كَمَا قَالَ عُثْمَانُ: قَدْ بَدَا لِي أَنْ لَا أَتَزَوَّجَ. ٢ - وَفِيهِ فَضْلُ كِتْمَانِ السِّرِّ، فَإِذَا أَظْهَرَهُ صَاحِبُهُ ارْتَفَعَ الحَرَجُ عَمَّنْ سَمِعَهُ. ٣ - وَفِيهِ عِتَابُ الرَّجُلِ لِأَخِيهِ، وَعَتَبُهُ عَلَيْهِ وَاعْتِذَارُهُ إِلَيْهِ، وَقَدْ جُبِلَتِ الطِّبَاعُ البَشَرِيَّةُ عَلَى ذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ كِتْمَانِ أَبِي بَكْرٍ ذَلِكَ أنَّهُ خَشِيَ أَنْ يبدُوَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ حَفْصَةَ، فَيَقَعُ في قَلْبِ عُمَرَ

стр. 1158

انْكِسَارٌ، وَلَعَلَّ اطِّلَاعَ أَبِي بَكْرٍ ﵁ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَصَدَ خِطْبَةَ حَفْصَةَ كَانَ بِإِخْبَاره لَهُ ﷺ إِمَّا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِشَارَةِ، وَإِمَّا لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَكْتُمُ عَنْهُ شَيْئًا مِمَّا يُرِيدُهُ. ٤ - وَفِيهِ عَرْضُ الإِنْسَانِ بِنْتَهُ، وَغَيْرَهَا مِنْ مُوليَاتِهِ عَلَى مَنْ يَعْتَقِدُ خَيْرَهُ وَصَلَاحَهُ لِمَا فِيهِ مِنَ النَّفْعِ العَائِدِ عَلَى المَعْرُوضَةِ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ لَا استِحْيَاءَ في ذَلِكَ. ٥ - وَفِيهِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِعَرْضِهَا عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ مُتَزَوِّجًا لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ حِينَئِذٍ مُتَزَوِّجًا (١). * طَلَاقُ الرَّسُولِ ﷺ حَفْصَةَ ﵂ وَمُرَاجَعَتُهُ إِيَّاهَا: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ طَلَّقَ حَفْصَةَ ثُمَّ رَاجَعَهَا، فَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ، وَالطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثارِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁ قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَلَّقَ حَفْصَةَ ثُمَّ رَاجَعَهَا (٢). وَأَخْرَجَ ابنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ وَالطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ البُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: دَخَلَ عُمَرُ عَلَى حَفْصَةَ وَهِيَ تَبْكِي، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكِ؟ لَعَلَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ

стр. 1159

طَلَّقَكِ؟ إِنَّهُ قَدْ كَانَ طَلَّقَكِ، ثُمَّ رَاجَعَكِ مِنْ أَجْلِي، فَأَيْمُ اللَّهِ لَئِنْ كَانَ طَلَّقَكِ، لَا كَلَّمْتُكِ كَلِمَةً أَبَدًا (١). * نُبْذَةٌ عن حَفْصَةَ ﵂: كَانَتْ حَفْصَةُ ﵂ أَكْبَرَ مِنْ أَخِيهَا عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ ﵄ بِسِتِّ سِنِينَ، وَتُوُفِّيَتْ ﵂ في شَعْبَانَ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ حَيْثُ بَايَعَ الحَسَنُ بنُ عَلِيٍّ ﵄ مُعَاوِيَةَ ﵁ في عَامِ الجَمَاعَةِ، وَقِيلَ تُوُفِّيَتْ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ بِالمَدِينَةِ، في خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ بنِ أَبِي سُفْيَانَ ﵁، وَصَلَّى عَلَيْهَا مَرْوَانُ بنُ الحَكَمِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ وَالِي المَدِينَةِ، وَدُفِنَتْ بِالبَقِيعِ وَعُمْرُهَا سِتُّونَ سَنَةً، وَقِيلَ ثَلَاثٌ وَسِتُّونَ (٢). * * *

стр. 1160

زَوَاجُ الرَّسُولِ مِنْ زَيْنَبَ بنْتِ خُزَيْمَةَ ﵂ ثُمَّ تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في شَهْرِ رَمَضَانَ مِنَ السَّنَةِ الثَّالِثَةِ لِلْهِجْرَةِ زَيْنَبَ بِنْتَ خُزَيْمَةَ الهِلَالِيَّةَ مِنْ بَنِي عَامِرِ بنِ صَعْصَعَةَ. وَكَانَتْ تُسَمَّى ﵂ أُمَّ المَسَاكِينِ لِكَثْرَةِ إِطْعَامِهَا المَسَاكِينَ وَصَدَقَتِهَا عَلَيْهِمْ، وَهِيَ أُخْتُ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ لِأُمِّهَا. وَكَانَتْ زَوْجَ الطُّفَيْلِ بنِ الحَارِثِ فَطلَّقَهَا، فتَزَوَّجَهَا عُبَيْدَةُ بنُ الحَارِثِ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَاسْتُشْهِدَ عَنْهَا يَوْمَ بَدْرٍ، وَقِيلَ: كَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ اللَّهِ بنِ جَحْشٍ، فَاسْتُشْهِدَ عَنْهَا يَوْمَ أُحُدٍ، فَخَطَبَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَجَعَلَتْ أَمْرَهَا إِلَيْهِ، فتَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمْ تَلْبَثْ عِنْدَهُ ﷺ إِلَّا يَسِيرًا شَهْرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً حَتَّى تُوُفِّيَتْ في آخِرِ شَهْرِ رَبِيعٍ الآخِرِ مِنَ السَّنَةِ الرَّابِعَةِ لِلْهِجْرَةِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهَا في حَيَاتِهِ ﷺ ، وَكَانَ عُمُرُهَا ﵂ لَمَّا تُوُفِّيَتْ ثَلَاثِينَ سَنَةً أَوْ نَحْوَهَا. فَصَلَّى عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَدَفنَهَا بِالبَقِيعِ (١).

стр. 1161

مِنْ بدَايَةِ غَزْوَةِ أُحُدٍ إِلَى نِهَايَتِهَا غَزْوَةُ أُحُدٍ (١) غَزْوَةُ أُحُدٍ لَمْ تَكُنْ مَعْرَكَةً في المَيْدَانِ وَحْدَهُ، إِنَّمَا كَانَتْ مَعْرَكَةً كَذَلِكَ في الضَّمِيرِ. . . كَانَتْ مَعْرَكَةً مَيْدَانُهَا أَوْسَعُ المَيَادِينِ؛ لِأَنَّ مَيْدَانَ القِتَالِ فِيهَا لَمْ يَكُنْ إِلَّا جَانِبًا وَاحِدًا مِنْ مَيْدَانِهَا الهَائِلِ الذِي دَارَتْ فِيهِ. . . مَيْدَانُ النَّفْسِ البَشَرِيَّةِ، وَتَصَوُّرَاتُهَا وَمَشَاعِرُهَا، وَأَطْمَاعُهَا وَشَهَوَاتُهَا، وَدَوَافِعُهَا وَكَوَابِحُهَا، عَلَى العُمُومِ. . . وَكَانَ القُرْآنُ هُنَاكَ يُعَالِجُ هَذه النَّفْسَ بِأَلْطَفِ وَأَعْمَقِ، وَبِأَفْعَلِ وَأَشْمَلِ مَا يُعَالِجُ المُحَارِبُونَ أَقْرَانَهُمْ في النِّزَالِ (٢). * وَقْتُهَا: حَدَثَتْ غَزْوَةُ أُحُدٍ نَهَارَ يَوْمِ السَّبْتِ لِلنِّصْفِ مِنْ شَوَّالَ مِنَ السَّنَةِ

стр. 1162

الثَّالِثَةِ لِلْهِجْرَةِ (١). * سَبَبُهَا: أَنَّ قُرَيْشًا لَمَّا رَجَعُوا مِنْ بَدْرٍ إلى مَكَّةَ، وَقَدْ أُصِيبُوا بِمُصِيبَةٍ لَمْ يُصْابُوا بِمِثْلِهَا، مِنْ قتلِ صَنَادِيدِهِمْ وَأَشْرَافِهِمْ، اتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَقُومُوا بِحَرْبٍ شَامِلَةٍ ضِدَّ المُسْلِمِينَ، تَشْفِي غَيْظَهَا، وَتَرْوِي غِلَّةَ حِقْدِهَا، وَأَخَذَتْ في الِاسْتِعْدَادِ لِخَوْضِ مِثْلِ هَذِهِ المَعْرَكَةِ العَظِيمَةِ مَعْرَكَةِ أُحُدٍ. وَكَانَ عِكْرِمَةُ بنُ أَبِي جَهلٍ، وَصَفْوَانُ بنُ أُمَيَّةَ، وَأَبُو سُفْيَانَ بنُ حَرْبٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بنُ أَبِي رَبِيَعَةَ أَكْثَرَ زُعَمَاءَ قُرَيْشٍ نَشَاطًا، وَتَحَمُّسًا لِخَوْضِ هَذِهِ المَعْرَكَةِ. وَأَوَّلُ مَا فَعَلُوهُ بِهَذَا الصَّدَدِ أَنَّهُمْ احْتَجَزُوا العِيرَ التِي كَانَ قَدْ نَجَا بِهَا أَبُو سُفْيَانَ وَالتِي كَانَتْ سَبَبًا لِمَعْرَكَةِ بَدْرٍ، وَقَالُوا لِلَّذِينَ كَانَتْ أَمْوَالُهُمْ فِيهَا: إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ وَتَرَكُمْ (٢)، وَقَتَلَ خِيَارَكُمْ، فَأَعِينُونَا بِهَذَا المَالِ عَلَى حَرْبِهِ، لعَلَّنَا أَنْ نُدْرِكَ مِنْهُ ثَأْرَنَا

стр. 1163

بِمَنْ أَصَابَ مِنَّا، فَأَجَابُوا لِذَلِكَ، وَكَانَتْ أَلْفَ بَعِيرٍ، وَالمَالُ خَمْسُونَ أَلْفَ دِينَارٍ (١) * اسْتِنْفَارُ قُرَيْشٍ العَرَبَ وَالإِغْرَاءُ بِقَتْلِ حَمْزَةَ ﵁ -: وَتَجَهَّزَتْ قُرَيْشٌ لِحَرْبِ الرَّسُولِ ﷺ ، وَبَعَثَتْ نَفَرًا يَسِيرُونَ في العَرَبِ يَدْعُونَهُمْ إلى نَصْرِهِمْ، وَأَخَذُوا لِذَلِكَ أَنْوَاعًا مِنَ التَّحْرِيضِ. وَأَبَى أَنْ يُعِينَهُمْ أَبُو عَزَّةَ الجُمَحِيُّ (٢)، فَمَشَى إِلَيْهِ صَفْوَانُ بنُ أُمَيَّةَ، فَقَالَ له: يَا أَبَا عَزَّةَ إِنَّكَ امْرُؤٌ شَاعِرٌ، فَأَعِنَّا بِلِسَانِكَ، فَاخْرُجْ مَعَنَا، فَأَبَي، وَقَالَ: مَنَّ عَلَيَّ مُحَمَّدٌ يَوْمَ بَدْرٍ، وَعَاهَدْتُهُ لَا أُظَاهِرُ عَلَيْهِ عَدُوًّا أَبَدًا، وَأَنَا أَفِي لَهُ بِمَا عَاهَدْتُهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ صَفْوَانُ: اخْرُجْ مَعَنَا وَلَكَ اللَّهُ عَلَيَّ إِنْ رَجَعْتَ أَنْ أُغْنِيكَ، وَإِنْ أُصِبْتَ أَنْ أَجْعَلَ بَنَاتَكَ مَعَ بَنَاتِي، يُصِيبُهُنَّ مَا أَصَابَهُنَّ مِنْ عُسْرٍ وَيُسْرٍ. فَخَرَجَ أَبُو عَزَّةَ، وَمُسَافِعُ بنُ عَبْدِ مَنَافٍ، وَهُبَيْرَةُ بنُ أَبِي وَهْبٍ يَسْتَنْفِرُونَ بَنِي كِنَانَةَ، وَأَهْلَ تِهَامَةَ بِأَشْعَارِهِمْ، وَيُحَرِّضُونَهُمْ وَيَدْعُونَهُمْ إلى حَرْبِ الرَّسُولِ ﷺ (٣).

стр. 1164

* جُبَيْرُ بنُ مُطْعِمٍ وَقَتْلُ حَمْزَةَ ﵁ -: وَدَعَا جُبَيْرُ بنُ مُطْعِمٍ غُلَامًا له حبَشِيًّا يُقَالُ له: وَحْشِيٌّ، وَكَانَ يَقْذِفُ بِالحَرْبَةِ، قَلَّمَا يُخْطِئُ بِهَا، فَقَالَ لَهُ: اخْرُجْ مَعَ النَّاسِ، فَإِنْ أَنْتَ قَتَلْتَ حَمْزَةَ عَمَّ مُحَمَّدٍ بِعَمِّي طُعَيْمَةَ بنِ عَدِيٍّ، فَأَنْتَ حُرٌّ (١)، وَكَانَ حَمْزَةُ ﵁ قَتَلَ طُعَيْمَةَ يَوْمَ بَدْرٍ. * قِوَامُ جَيْشِ المُشْرِكينَ وَخُرُوجُهُ: وَمَا زَالَتْ قُرَيْشٌ تَجْمَعُ الجُمُوعَ مِنْ حُلفائِهَا، وَالأَحَابِيشَ (٢)، وَالأَعْرَابَ مِنْ كِنَانَةَ، وَتِهَامَةَ لِحَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهَا أَبُو عَامِرٍ الفَاسِقُ، وَهُوَ وَالِدُ حَنْظَلَةَ غَسِيلِ المَلَائِكَةِ ﵁ في خَمْسِينَ رَجُلًا مِنْ قَوْمِهِ، فتَجَمَّعَ لِقُرَيْشٍ ثَلَاثَةُ آلَافِ مُقَاتِلٍ، فِيهِمْ سَبْعُمِائَةِ دَارعٍ، وَكَانَ مَعَهُمْ مِائتا فَرَسٍ، وَثَلَاثَةُ آلَافِ بَعِيرٍ. ورَأَى قَادَةُ قُرَيْشٍ أَنْ يَسْتَصْحِبُوا مَعَهُمُ النِّسَاءَ، حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ أَبْلَغَ في اسْتِمَاتَةِ الرِّجَالِ، وَحَتَّى لَا يَفِرُّوا، فَخَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ بِزَوْجَتِهِ هِنْدَ بِنْتِ عُتْبَةَ بنِ رَبِيعَةَ، وَخَرَجَ عِكْرِمَةُ بنُ أَبِي جَهْلٍ بِزَوْجَتِهِ أُمِّ حَكِيمٍ بِنْتِ الحَارِثِ بنِ هِشَامٍ،

стр. 1165

وَخَرَجَ طَلْحَةُ بنُ أَبِي طَلْحَةَ بِسُلَافَةَ بِنْتِ سَعْدٍ، وَخَرَجَ صَفْوَانُ بنُ أُمَيَّةَ بِزَوْجَتِهِ بَرْزَةَ بِنْتِ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيَّةِ، وَخَرَجَ عَمْرُو بنُ العَاصِ بِزَوْجَتِهِ رَيطَةَ بِنْتِ مُنبِّهِ بنِ الحَجَّاجِ، فَكَانَتْ عِدَّةُ النِّسَاءِ اللَّاتِي خَرَجْنَ خَمْسَ عَشْرَةَ امْرَأَةً، مَعَهُنَّ الدُّفُوفُ وَالخُمُورُ، فكُنَّ يبكِينَ قتلَى بَدْرٍ، وَيُحَرِّضْنَ الرِّجَالَ عَلَى القِتَالِ، وَعَدَمِ الهَزِيمَةِ وَالفِرَارِ. وَكَانَتِ القِيَادَةُ العَامَّةُ إلى أَبِي سُفْيَانَ بنِ حَرْبٍ، وَقِيَادَةُ الفُرْسَانِ إلى خَالِدِ بنِ الوَليدِ، يُعَاوِنُهُ عِكْرِمَةُ بنُ أَبِي جَهْلٍ، أَمَّا اللِّوَاءُ فَكَانَ إلى بَنِي عَبْدِ الدَّارِ (١). * العَبَّاسُ ﵁ يُرْسِلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِخَبَرِ قُرَيْشٍ: فَلَمَّا خَرَجَتْ قُرَيْشٌ بَعَثَ العَبَّاسُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ ﵁، بِرِسَالَةٍ مُسْتَعْجَلَةٍ إلى الرَّسُولِ ﷺ ، ضَمَّنَهَا جَمِيعَ تَفَاصِيلِ جَيْشٍ قُرَيْشٍ، وَدَفَعَ بِالكِتَابِ إلى رَجُلٍ مِنْ بَنِي غِفَارٍ كَانَ قَدِ اسْتَأْجَرَهُ، وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ المَدِينَةَ في ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَفَعَلَ، وَسَلَّمَ الرِّسَالة إلى الرَّسُولِ ﷺ وَهُوَ بِمَسْجِدِ قُباءَ، فَقَرَأَ الرِّسَالَةَ عَلَى الرَّسُولِ ﷺ أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ ﵁، فَأَمَرَهُ الرَّسُولُ ﷺ بِالكِتْمَانِ (٢). قَالَ ابنُ عَبْدِ البَرِّ في الِاسْتِيعَابِ: وَكَانَ العَبَّاسُ ﵁ يَكْتُبُ بِأَخْبَارِ

стр. 1166

المُشْرِكِينَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَ المُسْلِمُونَ يَتَقَوَّوْنَ بِهِ بِمَكَّةَ (١). وَقَالَ الإِمَامُ الذَّهَبِيُّ: وَلَمْ يَزَلِ العَبَّاسُ مُشْفِقًا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، مُحِبًّا لَهُ، صَابِرًا عَلَى الأَذَى، وَلَمَّا يُسْلِمْ بَعْدُ، بِحَيْثُ إِنَّهُ لَيْلَةَ العَقَبَةِ عَرَفَ، وَقَامَ مَعَ ابْنِ أَخِيهِ في اللَّيْلِ، وَتَوَثَّقَ لَهُ مِنَ السَّبْعِينَ، ثُمَّ خَرَجَ إلى بَدْرٍ مَعَ قَوْمِهِ مُكْرَهًا، فَأُسِرَ، فَأَبْدَى لَهُمْ أَنَّهُ كَانَ أَسْلَمَ (٢)، ثُمَّ رَجَعَ إلى مَكَّةَ، فَمَا أَدْرِي لِمَاذَا أَقَامَ بِهَا (٣)؟ . ثُمَّ إِنَّ الرَّسُولَ ﷺ عَادَ مُسْرِعًا إلى المَدِينَةِ، وَأَخَذَ يَسْتَشِيرُ أَصْحَابَهُ ﵃ أَجْمَعِينَ (٤). * حِرَاسَةُ المَدِينَةِ: وَحِينَئِذٍ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحِرَاسَةِ المَدِينَةِ، وإعْلَانِ حَالَةِ الطَّوَارِئِ فِيهَا خَوْفا مِنْ أَنْ يُؤْخَذُوا عَلَى غِرَّةٍ، وَقَامَ نَفَرٌ مِنَ الأَنْصَارِ فِيهِمْ: سَعْدُ بنُ مُعَاذٍ،

стр. 1167

وَأُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ، وَسَعْدُ بنُ عُبَادَةَ ﵃ بِحِرَاسَةِ الرَّسُول ﷺ ، فَبَاتُوا لَيْلَةَ الجُمُعَةِ عَلَى بَابِهِ، وَعَلَيْهِمُ السِّلَاحُ حَتَّى أَصْبَحُوا (١). * وُصُولُ جَيشِ المُشْرِكِينَ إلى المَدِينَةِ: تَابَعَتْ قُرَيْشٌ وَمَنْ مَعَهَا مَسِيرَهَا إلى المَدِينَةِ، حَتَّى اقْتَرَبُوا مِنَ المَدِينَةِ، فَسَلَكُوا وادِي العَتِيقِ، ثُمَّ انْحَرَفُوا مِنْهُ إلى ذَاتِ اليَمِينِ، حَتَّى نَزَلُوا قَرِيبًا مِنْ جَبَلِ أُحُدٍ، في بَطْنِ قَنَاةٍ (٢) عَلَى شَفِيرِ الوَادِي (٣) مُقَابِلَ المَدِينَةِ، فَعَسْكَرُوا هُنَاكَ، وَكَانَ وُصُولُهُمْ لَيْلَةَ الخَمِيسِ لِخَمْسِ لَيَالٍ مَضَيْنَ مِنْ شَوَّالَ. وشَاعَ خَبَرُ قُرَيْشٍ وَمَسِيرُهُمْ في النَّاسِ، حَتَّى نَزَلُوا ذَا الحُلَيْفَةِ وَأَرْجَفَ (٤) اليَهُودُ وَالمُنَافِقُونَ، فَبَعَثَ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَيْنَيْنِ لَهُ هُمَا: أَنَسٌ وَمُؤْنِسٌ ابْنَا فَضَالة الظَّفَرِيَّانِ، لَيْلَةَ الخَمِيسِ لِخَمْسِ لَيَالٍ مَضَيْنَ مِنْ شَوَّالَ، فَأتيا رَسُول اللَّهِ ﷺ بخَبَرِهِمْ، وَأَنَّهُمْ قَدْ خَلَّوْا إِبِلَهُمْ وَخَيْلَهُمْ في زَرْعٍ لِلْمُسْلِمِينَ حَتَّى تَرَكُوهُ لَيْسَ بِهِ خَضِرًا، ثُمَّ بَعَثَ رَسُول اللَّهِ ﷺ الحبابَ بنَ المُنْذِرِ ﵁ إِلَيْهِمْ، فَدَخَلَ

стр. 1168

فِيهِمْ، فَحَزَرَهُمْ (١) جَاءَهُ بِعِلْمِهِمْ (٢). * رُؤْيَا الرَّسُولِ ﷺ وَمُشَاوَرتُهُ أَصْحَابَهُ ﵃: وَبَعْدَ أَنْ تَأَكَّدَ لِلرَّسُولِ خَبَرُ قُرَيْشٍ، وَوُصُولُهُمْ إلى المَدِينَةِ، عَقَدَ اجْتِمَاعًا اسْتِشَارِيًّا مَعَ الصَّحَابَةِ، وَأَخْبَرَهُمْ بِرُؤْيَاهُ التِي رَآهَا لَيْلَةَ الجُمُعَةِ فَقَالَ ﷺ : "إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ، وَاللَّه خَيْرًا (٣)، رَأَيْتُ بَقَرًا تُذْبَحُ، وَرَأَيْتُ في ذُبَابِ (٤) سيْفِي ثَلْمًا (٥)، وَرَأَيْتُ أَنِّي أَدْخَلْتُ يَدِي في دِرْعٍ حَصِينَةٍ". فَلَمَّا أَخْبَرَهُمْ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِرُؤْيَاهُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَاذَا أَوَّلْتَ رُؤْيَاكَ؟ قَالَ: "فَأَمَّا البَقَرُ، فَهِيَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِي يُقْتَلُونَ، وَأَمَّا الثَّلْمُ الذِي رَأَيْتُ في ذُبَابِ سيْفِي، فَهُوَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يُقْتَلُ، وَأَوَّلْتُ الدِّرْعَ الحَصِينَةَ المَدِينَةَ" (٦).

стр. 1169

وَفِي رِوَايَةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "رَأَيْتُ في سَيْفِي ذِي الفِقَارِ فَلًّا (١)، فَأَوَّلْتُهُ: فَلًّا يَكُونُ فِيكُمْ، وَرَأَيْتُ أَنِّي مُرْدِفٌ كبْشًا، فَأَوَّلْتُهُ: كَبْشَ الكَتِيبَةِ، وَرَأَيْتُ أَنِّي في دِرْعٍ حصِينةٍ، فأولتُهَا: المَدِينَةَ" (٢). وَفِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "رَأَيْتُ في رُؤْيَايَ أَنِّي هَزَزْتُ سَيْفًا فَانْقَطَعَ صَدْرُهُ، فَإِذَا هُوَ مَا أُصِيبَ مِنَ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، ثُمَّ هَزَزْتُهُ أُخْرَى فَعَادَ أَحْسَنَ مَا كَانَ، فَإِذَا هُوَ مَا جَاءَ بِهِ اللَّهُ مِنَ الفَتْحِ، وَاجْتِمَاع المُؤْمِنِينَ" (٣). ثُمَّ قَدَّمَ الرَّسُولُ ﷺ رَأْيَهُ إلى أَصْحَابِهِ فَقَالَ لَهُمْ: "امْكُثُوا في المَدِينَةِ، وَاجْعَلُوا النِّسَاءَ وَالذَّرَارِي الآطَامَ (٤)، فَإِنْ دَخَلَ عَلَيْنَا القَوْمُ قَاتَلْنَاهُمْ في الأَزِقَةِ" (٥).

стр. 1170

وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ في السُّنَنِ الْكُبْرَى، وَالْإِمَامِ أَحْمَدَ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَلَوْ قَاتَلْتُمُوهُمْ في السِّكَكِ (١)، فَرَمَاهُمُ النِّسَاءُ مِنْ فَوْقِ الْحِيطَانِ" (٢). وَكَانَتِ المَدِينَةُ قَدْ شُبِّكَتْ بِالبُنْيَانِ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ حَتَّى صَارَتْ كَالحِصنِ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى في المُسْنَدِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: "لَوْ أَنَّا أَقَمْنَا بِالمَدِينَةِ، فَإِنْ دَخَلُوا عَلَيْنَا فِيهَا، قَاتَلْنَاهُمْ" (٣). وَكَانَ هَذَا أَيْضًا رَأْيَ الأَكَابِرِ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، وَوَافَقَهُمْ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بنُ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ المُنَافِقُ، وَكَانَ قَدْ حَضَرَ المَجْلِسَ بِصِفَتِهِ أَحَدِ زُعَمَاءَ الخَزْرَجِ. قَالَ الشَّيْخُ صَفِيُّ الرَّحْمَنِ المُبَارَكْفُورِي: وَيبدُو أَنَّ مُوَافَقَةَ ابنِ سَلُولٍ لِهَذَا الرَّأْيِ لَمْ تَكُنْ لِأَجْلِ أَنَّ هَذَا هُوَ المَوْقِفُ الصَّحِيحُ مِنْ حَيْثُ الوِجْهَةِ العَسْكَرِيَّةِ، بَلْ لِيَتَمَكَّنَ مِنَ التَّبَاعُدِ عَنِ القِتَالِ دُونَ أَنْ يَعْلَمَ بِذَلِكَ أَحَدٌ، وَشَاءَ اللَّهُ أَنْ

стр. 1171

يُفْتَضَحَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ (١) -كَمَا سَيَأْتِي-. * رَأْيُ شَبَابِ الصَّحَابَةِ ﵃: لَكِنْ كَانَ رَأْيُ الأَغْلَبِيَّةِ مِنَ الصَّحَابَةِ الخُرُوجَ إلى العَدُوِّ، وَخَاصَّةً الذِينَ لَمْ يَشْهَدُوا بَدْرًا، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَاللَّهِ مَا دُخِلَ عَلَيْنَا فِيهَا -أَي الْمَدِينَةُ- في الْجَاهِلِيَّةِ، فَكَيْفَ يدْخَلُ عَلَيْنَا فِيهَا في الْإِسْلَامِ، اخْرُجْ بِنَا إلى أَعْدَائِنَا، لَا يَرَوْنَ أَنَّا جَبُنَّا وَضَعُفْنَا (٢). * رَأْيُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ الْمُنَافِقِ: فَقَالَ رَأْسُ الْمُنَافِقِينَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَقِمْ بِالمَدِينَةِ، لَا تَخْرُجْ إِلَيْهِمْ، فَوَاللَّهِ مَا خَرَجْنَا مِنْهَا إلى عَدُوٍّ لَنَا قَطُّ إِلَّا أَصَابَ مِنَّا، وَلَا دَخَلَهَا عَلَيْنَا إِلَّا أَصَبْنَا مِنْهُ، فَدَعْهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنْ أَقَامُوا أَقَامُوا بِشَرِّ مَحْبَسٍ، وَإِنْ دَخَلُوا قَاتَلَهُمُ الرِّجَالُ في وَجْهِهِمْ، وَرَمَاهُمُ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ بِالحِجَارَةِ مِنْ فَوْقِهِمْ، وَإِنْ رَجَعُوا رَجَعُوا خَائِبِينَ كَمَا جَاؤُوا (٣). قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: وَأَبَى كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ إِلَّا الخُرُوجَ إلى العَدُوِّ، وَلَمْ يتَنَاهَوْا إلى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَأْيِهِ، وَلَوْ رَضُوا بِالذِي أَمَرَهُمْ كَانَ ذَلِكَ،

стр. 1172

وَلَكِنْ غَلَبَ القَضَاءُ وَالقَدَرُ، وَعَامَّةُ مَنْ أَشَارَ عَلَيْهِ بِالخُرُوجِ رِجَالٌ لَمْ يَشْهَدُوا بَدْرًا قَدْ عَلِمُوا الذِي سَبَقَ لِأَصْحَابِ بَدْرٍ مِنَ الفَضِيلَةِ (١). فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ أَبَى إِلَّا الخُرُوجَ إلى العَدُوِّ، وَلَمْ يَتَنَاهَوْا إلى رَأْيِهِ، قَالَ: "شَأْنُكُمْ إِذًا" (٢). * تَهَيُّؤُ الرَّسُولِ ﷺ لِلْخُرُوجِ: ثُمَّ صَلَّى الرَّسُولُ ﷺ الجُمُعَةَ بِالنَّاسِ، فَوَعَظَهُمْ وَأَمَرَهُمْ بِالجِدِّ وَالِاجْتِهَادِ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ لَهُمُ النَّصْرَ إِذَا صَبَرُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالتَّهَيُّؤِ لِعَدُوِّهِمْ، فَفَرِحَ النَّاسُ بِذَلِكَ. ثُمَّ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاسِ العَصْرَ، وَقَدْ حُشِدَوا وَحَضَرَ أَهْلُ العَوَالِي، ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْتَهُ. وَكَانَ النَّاسُ يَنْتَظِرُونَ خُرُوجَهُ ﷺ ، فَقَالَ لَهُمْ سَعْدُ بنُ مُعَاذٍ، وَأُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ ﵄: اسْتَكْرَهْتُمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى الخُرُوجِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِاللَّهِ وَبِمَا يُرِيدُ، وَالوَحْيُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ مِنَ السَّمَاءِ، فردُّوا الأَمْرَ إِلَيْهِ، فنَدِمُوا جَمِيعًا عَلَى مَا صَنَعُوا.

стр. 1173

فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَقَدْ لَبِسَ لَأَمَتَهُ (١)، وَظَاهَرَ بَيْنَ دِرْعَيْنِ (٢)، وَتَقَلَّدَ السَّيْفَ، فَلَمَّا رَآه النَّاسُ قَامُوا، فَاعْتَذَرُوا إِلَيْهِ، وَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُخَالِفَكَ، وَلَا نَسْتَكْرِهَكَ عَلَى الخُرُوجِ، فَاصْنَعْ مَا بَدَا لَكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ إِذَا لَبِسَ لَأْمَتَهُ أَنْ يَضَعَهَا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدُوِّهِ" (٣). ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللَّه ﷺ في النَّاسِ بِالخُرُوجِ إلى العَدُوِّ، وَأَنْ لَا يَرْجعَ حَتَّى يُقَاتِلَ. * عَقْدُ الأَلْوِيَةِ وَخُرُوجُ المُسْلِمِينَ إِلَى أُحُدٍ: ثُمَّ عَقَدَ الرَّسُولُ ﷺ الأَلْوَيةَ، لِوَاءً لِلْأَوْسِ دَفَعَهُ إلى أُسَيْدِ بنِ حُضَيْرٍ ﵁، وَلوَاءً لِلْخَزْرَجِ دَفَعَهُ إِلَى الْحُبَابِ بنِ المُنْذِرِ ﵁، وَلوَاءً لِلْمُهَاجِرِينَ دَفَعَهُ إلى مُصْعَبَ بنِ عُمَيْرٍ ﵁، وَاسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى المَدِينَةِ ابنَ أُمِّ مَكْتُومٍ عَلَى الصَّلَاةِ بِالنَّاسِ بِمَنْ بَقِي في المَدِينَةِ، ثُمَّ خَرَجَ ﷺ في أَلْفٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَخَرَجَ السَّعْدَانِ أَمَامَ الرَّسُولِ ﷺ ، سَعْدُ بنُ مُعَاذٍ ﵁، وَسَعْدُ بنُ عُبَادَةَ ﵁ يَعْدُوَانِ،

стр. 1174

وَكَانَا دَارِعَيْنِ، وَخَرَجَ حَمْزَةُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ ﵁ حَاسِرًا (١). * اسْتِعْرَاضُ الرَّسُولِ ﷺ جَيْشَهُ: سَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَعَهُ جَيْشُهُ، حَتَّى وَصَلَ إلى مَكَانٍ يقَالُ لَهُ: الشَّيْخَيْنِ (٢) فَعَسْكَرَ فِيهِ، ثُمَّ أَخَذَ يَسْتَعْرِضُ (٣) جَيْشَهُ، فَرَدَّ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ صَغِيرًا، فَكَانَ مِنَ الذِينَ رَدَّهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ اليَوْمِ: عَبْدَ اللَّهِ بنَ عُمَرَ، وَزَيدَ بنَ ثَابِتٍ، وَأُسَامَةَ بنَ زَيْدٍ، وزَيْدَ بنَ أَرْقَمٍ، وَالبَرَاءَ بنَ عَازِبٍ، وَعَمْرَو بنَ حَزْمٍ، وَأُسَيْدَ بنَ ظَهِيرٍ، وَعرابَةَ بنَ أَوْسٍ، وَأَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵃ أَجْمَعِينَ. رَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَرَضَهُ يَوْمَ أُحُدٍ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يُجِزْهُ (٤)، وَعَرَضَهُ يَوْمَ الخَنْدَقِ، وَهُوَ ابنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَة فَأَجَازَهُ (٥).

стр. 1175

* إِجَازَةُ رَافِعِ بنِ خَدِيجٍ ﵁، وَسَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ ﵁ -: وَأَجَازَ الرَّسُولُ ﷺ رَافِعَ بنَ خَدِيجٍ ﵁، وَسَمُرَةَ بنَ جُنْدُبٍ ﵁ عَلَى صِغَرِ سِنِّهِمَا، وَذَلِكَ أَنَّ رَافِعَ بنَ خَدِيجٍ ﵁ كَانَ مَاهِرًا في رِمَايَةِ النَّبْلِ فَأَجَازَهُ، فَقَالَ سَمُرَةُ بنُ جُنْدُبٍ ﵁: أَنَا أَقْوَى مِنْ رَافِعٍ، أَنَا أَصْرَعُهُ، فَلَمَّا أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ، أَمَرَهُمَا أَنْ يَتَصَارَعَا أَمَامَهُ، فتَصَارَعَا، فَصَرَعَ سَمُرَةُ ﵁ رَافِعًا ﵁، فَأَجَازَهُ أَيْضًا. وَفي مِنْطَقَةِ الشَّيْخَيْنِ أَدْرَكَهُمُ المَسَاءُ، فَصلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَصْحَابِهِ المَغْرِبَ ثُمَّ صَلَّى العِشَاءَ، وَبَاتَ هُنَاكَ، وَاخْتَارَ خَمْسِينَ رَجُلًا لِحِرَاسَةِ المُعَسْكَرِ يَتَجَوَّلُونَ حَوْلَهُ، وَكَانَ قَائِدَهُمْ مُحَمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ ﵁، وَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَتَوَلَّى حِرَاسَةَ الرَّسُولِ ﷺ : ذَكْوَانُ بنُ عَبْدِ قَيْسٍ، وَلَمْ يُفَارِقْهُ (١). * رُجُوعُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ بِالمُنَافِقِينَ: وَقَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ أَدْلَجَ (٢) رَسُولُ ﷺ في السَّحَرِ، وَكَانَ دَلِيلُهُ أَبُو حَثَمَةَ الْحَارِثيُّ ﵁، فَانْتَهَى إلى مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ: الشَّوَظُ، بَيْنَ المَدِينَةِ وَأُحُدٍ، فَحَانَتْ صَلَاةُ الفَجْرِ، فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، فَصَلَّى رَسُولُ ﷺ بِأَصْحَابِهِ الفَجْرَ. وَفي هَذِهِ الفَتْرَةِ انْخَزَلَ (٣) عَبْدُ اللَّهِ بنُ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ مِنْ ذَلِكَ المَكَانِ، وَمَعَهُ ثَلَاثُمِائَةٍ مِنَ المُنَافِقِينَ -أَيْ ثُلُثُ الجَيْشِ- وَهُوَ يَقُولُ لَعَنَهُ اللَّهُ عَنِ الرَّسُولِ

стр. 1176

- ﷺ : عَصَانِي وَأَطَاعَ الوِلْدَانَ، وَمَنْ لَا رَأْيَ لَهُ، ما نَدْرِي عَلَامَ نَقْتُلُ أَنْفُسَنَا هَاهُنَا؟ ارْجِعُوا أَيُّهَا النَّاسُ، فَرَجَعَ بِمَنْ اتَّبعَهُ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ أَهْلِ النِّفَاقِ وَالشَّكِّ، وَبَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ في سَبْعِمِائَةٍ (١). فَتَبِعَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بنُ عَمْرِو بنِ حَرَامٍ ﵁ وَالِدُ جَابِرٍ، فَقَالَ لَهُمْ: يَا قَوْمِ! أُذَكِّرُكُمُ اللَّه أَنْ لَا تَخْذُلُوا قَوْمَكُمْ وَنَبِيَّكُمْ عِنْدَمَا حَضَرَ مِنْ عَدُوِّهِمْ، فَقَالُوا: لَوْ نَعْلَمُ أنَّكُمْ تُقَاتِلُونَ مَا أسْلَمْنَاكُمْ، وَلَكِنَّا لَا نَرَى أَنْ يَكُونَ قِتَالٌ، فَلَمَّا اسْتَعْصَوْا عَلَيْهِ، وَأَبَوْا إِلَّا الِانْصِرَافَ، قَالَ لَهُمْ: أَبْعَدَكُمُ اللَّهُ أَعْدَاءَ اللَّهِ، فَسَيُغْنِي اللَّهُ عَنْكُمْ نَبِيَّهُ ﷺ . وَفِي هَؤُلَاءَ المُنَافِقِينَ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ (٢).

стр. 1177

وَنَزَلَ أَيْضًا قَوْلُه تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ (١). قَالَ مُجَاهِدُ بنُ جَبْرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: مَيَّزَهُمْ يَوْمَ أُحُدٍ المُنَافِقَ مِنَ المُؤْمِنِ (٢). فَلَمَّا انْخَزَلَ ابنُ سَلُولٍ وَأَصْحَابهُ، قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ نُقَاتِلُهُمْ، وَطَائِفَةٌ قَالَتْ: لَا نُقَاتِلُهُمْ، فنَزَلَ قَوْلُه تَعَالَى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ (٣) بِمَا كَسَبُوا (٤)﴾ (٥). قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ في هَذِهِ الآيَةِ: هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ في سَبَبِ نُزُولِهَا (٦). * تَأَثُّرُ بَنِي سَلِمَةَ وَبَنِي حَارِثَةَ بِالمُنَافِقِينَ: وَلَمَّا رَجَعَ ابنُ سَلُولٍ وَأَصْحَابُهُ هَمَّتْ بَنُو سَلِمَةَ وَبَنُو حَارِثَةَ بِالرُّجُوعِ،

стр. 1178

فَعَصَمَهُمَا اللَّهُ وَثَبَّتَهُمَا، وَلَحِقَتَا بِالرَّسُولِ ﷺ ، وَفيهِمَا يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا (١) وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٢). رَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِينَا: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ بَنِي سَلِمة وَبَنِي حَارِثَةَ، وَمَا أُحِبُّ أَنَّهَا لَمْ تَنْزِلْ، وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ (٣). * لَا نَسْتَعِينُ بِالْمُشْرِكِينَ: وَفي طَرِيقِ الرَّسُولِ ﷺ إِلَى أُحُدٍ جَاءَهُ يَهُودُ بَنِي قَيْنُفَاعَ لِيُقَاتِلُوا مَعَهُ، فَأَبَى ﷺ لأنَّهُمْ لَمْ يُسْلِمُوا، فَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ، وَالطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، حَتَّى إِذَا خَلَّفَ ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ إِذَا هُوَ بِكَتِيبَةٍ خَشْنَاءَ (٤)، فَقَالَ: "مَنْ هَؤُلَاءِ؟ ". قَالُوا: بَنُو قَيْنُقَاعَ، وَهُمْ رَهْطُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ سَلَامٍ، وَهُمْ قَوْمُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ

стр. 1179

أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ، فَقَالُ: "أَسْلِمُوا". فَأَبَوْا، فَقَالَ لَهُمْ: "فَلْيَرْجِعُوا فَإِنَّا لَا نَسْتَعِينُ بِالْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ" (١). * مُتَابعَةُ الرَّسُولِ ﷺ مَسِيرَهُ إِلَى أُحُدٍ: ثُمَّ قَامَ الرَّسُولُ ﷺ بعْدَ رُجُوعِ المُنَافِقِينَ بِبَقِيَّةِ الجَيْشِ -وَهُمْ سَبْعُمِائَةِ مُقَاتِلٍ- لِيُوَاصِلَ سَيْرَهُ نَحْوَ قُرَيْشٍ، وَكَانَ مُعَسْكَرُ المُشْرِكِينَ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُحُدٍ في مَنَاطِقَ كَثِيرَةٍ، فَقَالَ رَسُولُ ﷺ : "مَنْ رَجُلٌ يَخْرُجُ بِنَا عَلَى القَوْمِ مِنْ كَثَبٍ (٢) مِنْ طَرِيقٍ لَا يَمُرُّ بِنَا عَلَيْهِمْ؟ ". فَقَامَ أَبُو حَثَمَةَ الْحَارِثِيُّ ﵁ فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثُمَّ اخْتَارَ طَرِيقًا قَصِيرًا إلى أُحُدٍ، يَمُرُّ بِحَرَّةِ بَنِي حَارِثَةَ وَبِمَزَارِعِهِمْ، حَتَّى مَرَّ بِحَائِطٍ (٣) لِمِرْبَعِ بنِ قَيْظِيٍّ، وَكَانَ رَجُلًا مُنَافِقًا ضَرِيرَ البَصَرِ، فَلَمَّا أَحَسَّ بِالجَيْشِ قَامَ يَحْثُو (٤) في وُجُوهِهِمُ التُّرَابَ، وَيَقُولُ: إِنْ كُنْتَ رَسُولَ اللَّهِ حَقًّا، فَإِنِّي لَا أُحِلُّ لَكَ أَنْ تَدْخُلَ حَائِطِي، ثُمَّ أَخَذَ حَفْنَةً (٥) مِنْ تُرَابٍ في يَدِهِ، وَقَالَ: وَاللَّهِ لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي لَا أُصِيبُ بِهَا غَيْرَكَ يَا مُحَمَّدُ لَضَرَبْتُ بِهَا وَجْهَكَ، فَابْتَدَرَ (٦) إِلَيْهِ سَعْدُ بنُ زَيْدٍ الأَشْهَلِيُّ ﵁، فَضَرَبَهُ

стр. 1180

بِالقَوْسِ في رَأْسِهِ فَشَجَّهُ، وَأَرَادَ القَوْمُ قَتْلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَقْتُلُوهُ، فهَذَا الأَعْمَى أَعْمَى القَلْبِ، أعْمَى البَصَرِ" (١). وَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى نَزَلَ الشِّعْبَ مِنْ أُحُدٍ، في عُدْوَةِ (٢) الوَادِي إلى الجَبَلِ، فَعَسْكَرَ بِجَيْشِهِ مُسْتَقْبِلًا المَدِينَةَ، وَجَاعِلًا ظَهْرَهُ إلى جَبَلِ أُحُدٍ، وَجَعَلَ جَبَلَ عَيْنَيْنِ (٣) عَنْ يَسَارِهِ، وَعَلَى هَذَا صَارَ جَيْشُ العَدُوِّ فَاصِلًا بَيْنَ المُسْلِمِينَ وَبَيْنَ المَدِينَةِ (٤). * تَعْبِئَةُ (٥) الرَّسُولِ ﷺ جَيْشَهُ وَوَصِيَّتُهُ لِلرُّمَاةِ: وَفِي صَبِيحَةِ يَوْمِ السَّبْتِ الخَامِسَ عَشَرَ مِنْ شَوَّالَ عَبَّأَ رَسُولُ ﷺ أَصْحَابَهُ لِلْقِتَالِ، وَأَخَذَ يُسَوِّي صُفُوفَهُمْ، وَأَمَّرَ رَسولُ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بنَ جُبَيْرِ بنِ النُّعْمَانِ الأَنْصَارِيَّ الأَوْسِيَّ البَدْرِيَّ ﵁، عَلَى خَمْسِينَ رَامٍ (٦)، وَأَمَرَهُمْ بِالتَمَرْكُزِ عَلَى جَبَلٍ صَغِيرٍ يَقَعُ عَلَى الضِّفَّةِ الجَنُوبِيَّةِ مِنْ وَادِي قناةٍ -عُرِفَ فِيمَا بَعْدُ بِجَبَلِ

стр. 1181

الرُّمَاةِ- وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ لِأَمِيرِهِمْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ جُبَيْرٍ ﵁: "انْضَحِ (١) الخَيْلَ عَنَّا بِالنَّبْلِ، لَا يَأْتُونَا مِنْ خَلْفِنَا، إِنْ كَانَتْ لَنَا أَوْ عَلَيْنَا، فَاثْبُتْ مَكَانَكَ، لَا نُؤْتيَنَّ مِنْ قِبَلِكَ" (٢). ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلرُّمَاةِ: "احْمُوا ظُهُورَنَا، فَإنْ رَأَيْتُمُونَا نُقَتَلُ، فَلَا تَنْصُرُونَا، وَإِنْ رَأَيْتُمُونَا قَدْ غَنِمْنَا فَلَا تَشْرَكُونَا" (٣). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى في صَحِيحِ البُخَارِيِّ قَالَ ﷺ لِلرُّمَاةِ: "إِنْ رَأَيْتُمُونَا تَخَطَّفُنَا الطَّيْرُ (٤) فَلَا تَبْرَحُوا (٥) مَكَانَكُمْ هَذَا حَتَّى أُرْسلَ إِلَيْكُمْ، وَإِنْ رَأَيْتُمُونَا هَزَمْنَا القَوْمَ، وَأَوْطَأناهُمْ، فَلَا تَبْرَحُوا حَتَّى أُرْسلَ إِلَيْكُمْ" (٦). أَمَّا بَقِيَّةُ الجَيْشِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى المَيْمَنَةِ: المُنْذِرَ بنَ عَمْرٍو ﵁، وَعَلَى المَيْسَرَةِ: الزُّبَيْرَ بنَ العَوَّامِ ﵁ يُسَانِدُهُ: المِقْدَادُ بنُ عَمْرٍو ﵁، وَكَان لِلزُّبَيْرِ ﵁ مَهَمَّةٌ أُخْرَى، وَهِيَ الصُّمُودُ في وَجْهِ فُرْسَانِ خَالِدِ بنَ الوَليدِ (٧).

стр. 1182

وَفِي هَذَا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ (١) وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢). لَقَدْ كَانَتْ خُطَّةً حَكِيمَةً وَدَقِيقَةً جِدًّا، تَتَجَلَّى فِيهَا عَبْقَرِيَّةُ الرَّسُولِ ﷺ العَسْكَرِيَّةُ، وَأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ لِأَيِّ قَائِدٍ مَهْمَا تَقَدَّمَتْ كَفَاءَتُهُ أَنْ يَضَعَ خُطَّة أَدَقَّ وَأَحْكَمَ مِنْ هَذِهِ، فَقَدْ احْتَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَفْضَلَ مَوْضِعٍ مِنْ مَيْدَانِ المَعْرَكَةِ، مَعَ أَنَّهُ نَزَلَ فِيهِ بَعْدَ العَدُوِّ، فَقَدْ حَمَى ظَهْرَهُ وَيَمِينَهُ بِارْتفَاعَاتِ جَبَلِ أُحُدٍ، وَحَمَى مَيْسَرَتَهُ وَظَهْرَهُ، حِينَ احْتَدَمَ القِتَالُ بِسَدِّ الثُّلْمَةِ الوَحِيدَةِ التِي كَانَتْ تُوجدُ في جَانِبِ الجَيْشِ الإِسْلَامِيِّ، وَاخْتَارَ لِمُعَسْكَرِهِ مَوْضِعًا مُرْتَفِعًا يَحْتَمِي بِهِ، إِذَا نَزَلَتْ الهَزِيمَةُ بِالمُسْلِمِينَ، وَلَا يَلْتَجِئُ إلى الفِرَارِ، حَتَّى يَتَعَرَّضَ لِلْوُقُوعِ في قَبْضَةِ العِدَاءِ المُطَارِدِينَ وَأَسْرِهِمْ (٣). وَهَكَذَا تَمَّت تَعْبِئَةُ الجَيْشِ النَّبَوِيِّ صَبَاحَ يَوْمِ السَّبْتِ الخَامِسَ عَشَرَ مِنْ شَهْرِ شَوَّالَ مِنَ السَّنَةِ الثَّالِثَةِ لِلْهِجْرَةِ. * تَحْرِيضُ الرَّسُولِ ﷺ أَصْحابَهُ عَلَى القِتَالِ: ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ ﷺ يَبُثُّ رُوحَ الحَمَاسَةِ، وَالبَسَالَةِ في أَصْحَابِهِ، وَيُحَرِّضُهُمْ عَلَى الصَّبْرِ وَالثَّبَاتِ عِنْدَ اللقاءِ، ثُمَّ عَرَضَ عَلَيْهِمْ سَيْفًا

стр. 1183

بَاتِرًا (١)، وَقَالَ لَهُمْ: "مَنْ يَأْخُذُ مِنِّي هَذَا السَّيْفَ؟ "، فبسَطُوا أَيْدِيَهُمْ، كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ يَقُولُ: أَنَا، أَنَا. فَقَالَ ﷺ : "فَمَنْ يَأْخُذُهُ بِحَقِّهِ؟ فَأَحْجَمَ (٢) القَوْمُ" (٣). وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ في السِّيرَةِ، قَالَ أَبُو دُجَانَةَ (٤) وَاسْمُهُ ﵁ سِمَاكُ (٥) بنُ خَرَشَةَ لِلرَّسُولِ ﷺ : وَمَا حَقُّهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: "أَنْ تَضْرِبَ بِهِ العَدُوَّ حَتَّى يَنْحَنِي" (٦). وَفِي رِوَايَةِ البَيْهَقِيِّ في الدَّلَائِلِ قَالَ ﷺ : "أَلَّا تَقْتُلَ بِهِ مُسْلِمًا وَلَا تَفِرَّ بِهِ عَنْ كَافِرٍ" (٧). فَقَالَ أَبُو دُجَانَةَ ﵁: أنا آخُذُهُ بِحَقِّهِ. قَالَ أَنَسٌ: فَأَخَذَهُ فَفَلَقَ بِهِ هَامَ (٨) المُشْرِكِينَ (٩).

стр. 1184

وَكَانَ أَبُو دُجَانَةَ ﵁، رَجُلًا شُجَاعًا يَخْتَالُ (١) في الحَرْبِ، وَكَانَتْ لَهُ عِصَابَةٌ (٢) حَمْرَاءُ إِذَا اعْتَصَبَ بِهَا عَلِمَ النَّاسُ أَنَّهُ سَيُقَاتِلُ حَتَّى المَوْتِ، فَلَمَّا أَخَذَ السَّيْفَ عَصَبَ رَأْسَهُ بِتِلْكَ العِصَابَةِ ثُمَّ جَعَلَ يتبَخْتَرُ (٣) بَيْنَ الصَّفَّيْنِ، فَلَمَّا رَآه الرَّسُولُ ﷺ يتبَخْتَرُ قَالَ: "إِنَّهَا لَمِشْيَةٌ يبغِضُهَا اللَّهُ إِلَّا في مِثْلِ هَذَا المَوْطِنِ" (٤). * جَوَازُ إِظْهَارِ الكِبْرِ في الحَرْبِ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَظَاهِرِ الكِبْرِ المُحَرَّمَةِ في الأَحْوَالِ العَامَّةِ، تَزُولُ حُرْمَتُهَا في حَالَاتِ الحَرْبِ، فَمِنْ مَظَاهِرِ الكِبْرِ المُحَرَّمَةِ أَنْ يَسِيرَ المُسْلِمُ في الأَرْضِ مَرَحًا (٥) مُتَبَخْتِرًا، وَلَكِنَّ ذَلِكَ في مَيْدَانِ القِتَالِ أَمْرٌ حَسَنٌ، وَلَيْسَ بِمَكْرُوهٍ، وَمِنْ مَظَاهِرِ الكِبْرِ المُحَرَّمَةِ تَزيينُ البُيُوتِ أَوِ الأَوَانِي وَالأَقْدَاحِ بِالذَّهَبِ

стр. 1185

أَوِ الفِضَّةِ، غَيْرَ أَنَّ تَزْيِينَ آلَاتِ الحَرْبِ وَأَسْلِحَتِهَا بِالفِضَّةِ غَيْرُ مَمْنُوعٍ، فَمَظْهَرُ الكِبْرِ هُنَا حَقِيقَتُهُ افْتِخَارٌ بِعِزَّةِ الإِسْلَامِ عَلَى أَعْدَائِهِ، ثُمَّ هُوَ مَعْنًى مِنْ مَعَانِي الحَرْبِ النَّفْسِيَّةِ التِي يَنْبَغِي أَنْ لَا تَفُوتَ المُسْلِمِينَ أَهَمِّيَّتُهَا (١). * تَعْبِئَةُ قُرَيْشٍ جَيْشَهَا: أَمَّا قُرَيْشٌ فَقَدْ عَبَّأَتْ جَيْشَهَا حَسَبَ نِظَامِ الصُّفُوفِ، فَكَانَتِ القِيَادَةُ العَامَّةُ إلى أَبِي سُفْيَانَ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهَا عِكْرِمَةُ بنُ أَبِي جَهْلٍ، وَاسْتَعْمَلُوا عَلَى مَيْمَنَةِ خَيْلِهِمْ خَالِدَ بنَ الوَليدِ، وَكَانَ مَعَهُمْ مِائتَا فَرَسٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَجَعَلُوا عَلَى المُشَاةِ صَفْوَانَ بنَ أُمَيَّةَ، وَيُقَالُ عَمْرَو بنَ العَاصِ، وَعَلَى الرّمَاةِ وَكَانُوا مِائَة، عَبْدَ اللَّهِ بنَ أَبِي رَبِيعَةَ، وَدَفَعُوا اللِّوَاءَ إلى طَلْحَةَ بنِ أَبِي طَلْحَةَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ. وَقَدْ كَانَ بَنُو عَبْدِ الدَّارِ أَصْحَابَ اللِّوَاءِ مُنْذُ أَنِ اقْتَسَمَتْ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ المَنَاصِبَ التِي وَرِثُوهَا مِنْ قُصَيِّ بنِ كِلَابٍ، يَرِثُونَهُ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ، وَلَا يُمْكِنُ لِأَحَدٍ أَنْ ينَازِعَهُمْ في ذَلِكَ. لَكِنَّ أَبَا سُفْيَانَ جَاءَهُمْ لِيُحَرِّضَهُمْ عَلَى القِتَالِ، وَليُثِيرَهُمْ عَلَى حِمَايَةِ اللِّوَاءَ فَقَالَ لَهُمْ: يَا بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، إِنَّكُمْ قَدْ وَليتُمْ لِوَاءَنَا يَوْمَ بَدْرٍ، وَأَصَابَنَا مَا قَدْ رَأَيْتُمْ، وَإِنَّمَا يُؤْتَى النَّاسُ مِنْ قِبلِ رَايَاتِهِمْ، إِذَا زَالَتْ زَالُوا، فَإِمَّا أَنْ تَكْفُونَا لِوَاءَنَا، وَإِمَّا أَنْ تُخَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ فَنَكْفِيكُمُوهُ.

стр. 1186

فَغَضِبَ بَنُو عَبْدِ الدَّارِ لِقَوْلِ أَبِي سُفْيَانَ أَشَدَّ الغَضَبِ، فَهَمُّوا بِهِ وَتَوَعَّدُوهُ، وَقَالُوا لَهُ: نَحْنُ نُسَلِّمُ إِلَيْكَ لِوَاءَنَا! سَتَعْلَمُ غَدًا إِذَا الْتَقَيْنَا كَيْفَ نَصْنَعُ، وَقَدْ ثَبتُوا عِنْدَ احْتِدَامِ المَعْرَكَةِ حَتَّى أُبِيدُوا عَنْ بَكْرَةِ أَبِيهِمْ (١). وَهَكَذَا نَجَحَ أَبُو سُفْيَانَ في إِثَارَةِ حَمِيَّتهِمْ لِحِمَايَةِ اللِّوَاءَ. * مُحَاوَلَاتٌ فَاشِلَةٌ في إِيقَاعِ الفُرْقَةِ وَالنِّزَاعِ في جَيْشِ المُسْلِمِينَ: وَقبيْلَ نُشُوبِ المَعْرَكَةِ حَاوَلَتْ قُرَيْشٌ إِيقَاعَ الفُرْقَةِ وَالنِّزَاعِ في صُفُوفِ المُسْلِمِينَ، فَقَدْ أَرْسَلَ أَبُو سُفْيَانَ رَسُولًا إلى الأَنْصَارِ يَقُولُ لَهُمْ: يَا مَعْشَرَ الأَوْسِ وَالخَزْرَجِ! خَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ ابْنِ عَمِّنَا نَنْصَرِفْ عَنْكُمْ، فَإِنَّهُ لَا حَاجَةَ لَنَا بِقِتَالِكُمْ. وَلَكِنْ أَيْنَ هَذِهِ المُحَاوَلَةُ أَمَامَ الإِيمَانِ الذِي لَا تَقُومُ لَهُ الجِبَالُ، فَقَدْ رَدَّ عَلَيْهِ الأَنْصَارُ رَدًّا عَنِيفا، وَأَسْمَعُوهُ مَا يَكْرَهُ. ثُمَّ خَرَجَ إلى الأَنْصَارِ أَبُو عَامِرٍ الفَاسِقُ، وَاسْمُهُ عَبْدُ عَمْرِو بنِ صَيْفِيٍّ، وَكَانَ يُسَمَّى الرَّاهِبَ، فَسَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الفَاسِقَ، وَكَانَ رَأْسَ الأَوْسِ في الجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ جَاهَرَهُ بِالعَدَاوَةِ، فَخَرَجَ مِنَ المَدِينَةِ وَمَعَهُ خَمْسُونَ غُلَامًا مِنَ الأَوْسِ، وَقِيلَ: خَمْسَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وَذَهَبَ إلى قُرَيْشٍ يُؤَلِّبُهُمْ (٢) وَيَحُضُّهُمْ عَلَى قِتَالِ الرَّسُولِ ﷺ ، وَمِنْ مَكَائِدِهِ يَوْمَ أُحُدٍ حَفْرُ الحُفَرِ

стр. 1187

لِيَقَعَ فِيهَا المُسْلِمُونَ، فَكَانَ مِمَّنْ وَقَعَ في أَحَدِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَطَلْحَةُ بنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ﵁، وَكَانَ يَعِدُ قُرَيْشًا أَنْ لَوْ قَدْ لَقِيَ قَوْمَهُ لَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ مِنْهُمْ رَجُلَانِ، فَذَهَبَ وَأَخَذَ ينَادِي قَوْمَهُ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الأَوْسِ! أَنَا أَبُو عَامِرٍ، فَقَالُوا: لَا أنْعَمَ اللَّهُ بِكَ يَا فَاسِقُ، فَقَالَ: لَقَدْ أَصَابَ قَوْمِي بَعْدِي شَرٌّ، فتَرَامَوْا بِالحِجَارَةِ هُمْ وَالمُسْلِمُونَ حَتَّى وَلَّى أَبُو عَامِرٍ وَأَصْحَابهُ (١). وَهَكَذَا بَاءَتْ كُلُّ مُحَاوَلَاتِ قُرَيْشٍ في التَّفْرِقَةِ بَيْنَ صُفُوفِ المُسْلِمِينَ بِالفَشَلِ. * جُهُودُ نِسَاءِ قُرَيْشٍ في التَّحْرِيضِ عَلَى القِتَالِ: قَامَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ زَوْجَةُ أَبِي سُفْيَانَ في نِسَاءٍ مِنْ قُرَيْشٍ، يَتَجَوَّلْنَ بَيْنَ الصُّفُوفِ، وَيَضْرِبْنَ بِالدُّفُوفِ، وَيُحَرِّضْنَ عَلَى القِتَالِ، وَيَقُلْنَ: وَيْهًا بَنِي عَبْدِ الدَّار ... وَيْهًا حُمَاةَ الأَدْبَار ... ضَرْبًا بِكُلِّ بَتَّار وَيَقُلْنَ أَيْضًا: إِنْ تُقْبِلُوا نُعَانِقْ ... وَنَفْرُشُ النَّمَارِقْ (٢) أَوْ تُدْبِرُوا نُفَارِقْ ... فِرَاقَ غَيْرِ وَامِقْ (٣)

стр. 1188

* بَدْءُ القِتَالِ وَإِبَادَةُ حَمَلَةِ لِوَاءِ المُشْرِكينَ: ثُمَّ الْتَحَمَ الجَيْشَانِ، وَاقْتَتَلَ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ قِتَالًا شَدِيدًا في كُلِّ مَكَانٍ مِنْ مَيْدَانِ المَعْرَكَةِ، وَكَانَ ثِقَلُ المَعْرَكَةِ يَدُورُ حَوْلَ لِوَاءِ المُشْرِكِينَ، فَقَدْ تَعَاقَبَ (١) بَنُو عَبْدِ الدَّارِ لِحَمْلِ اللِّوَاءِ بَعْدَ قَتْلِ قَائِدِهِمْ طَلْحَةُ بنُ أَبِي طَلْحَةَ، فَحَمَلَهُ أَخُوهُ أَبُو شَيْبَةَ عُثْمَانُ بنُ أَبِي طَلْحَةَ، وَتَقَدَّمَ لِلْقِتَالِ، وَهُوَ يَقُولُ: إِنَّ عَلَى أَهْلِ اللِّوَاءِ حَقًّا ... أَنْ تُخْضَبَ (٢) الصَّعْدَة (٣) أَوْ تَنْدَقَّا فَحَمَلَ عَلَيْهِ حَمْزَةُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ ﵁، فَضَرَبَهُ عَلَى عَاتِقِهِ ضَرْبَةً بَترَتْ (٤) يَدَهُ مِنْ كَتِفِهِ، حَتَّى وَصَلَتْ إلى سُرَّتِهِ، فَبَانَتْ رِئَتُهُ، وَمَاتَ. ثُمَّ رَفَعَ اللِّوَاءَ أَخُوهُمَا أَبُو سَعْدِ بنِ أَبِي طَلْحَةَ، فَرَمَاهُ سَعْدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ بِسَهْم أَصَابَ حُنْجُرَتَهُ، فَقَتَلَهُ. ثُمَّ رَفَعَ اللِّوَاءَ مُسَافِعُ بنُ طَلْحَةَ بنِ أَبِي طَلْحَةَ، فَرَمَاهُ عَاصِمُ بنُ ثَابِتِ بنِ أَبِي الأَقْلَحِ ﵁ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ حَمَلَ اللِّوَاءَ بَعْدَهُ أَخُوهُ الحَارِثُ بنُ طَلْحَةَ بنِ أَبِي طَلْحَةَ، فَرَمَاهُ عَاصِمُ بنُ ثَابِتٍ ﵁ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ.

стр. 1189

فَكَانَتْ أُمُّهُمَا -وَهِيَ سُلَافَةُ- مَعَهُمَا، فَلَمَّا رَأَتْ مَا فَعَلَ عَاصِمُ بنُ ثَابِتٍ ﵁ بِأَبْنَائِهَا، نَذَرَتْ إِنْ أَمْكَنَهَا اللَّهُ مِنْ رَأْسِ عَاصِمٍ أَنْ تَشْرَبَ فِيهِ الخَمْرَ، وَكَانَ عَاصِمٌ ﵁، قَدْ عَاهَدَ اللَّهَ أَنْ لَا يَمَسَّ مُشْرِكًا أَبَدًا، وَلَا يَمَسَّهُ مُشْرِكٌ، ثُمَّ حَمَلَ اللِّوَاءَ كِلَابُ بنُ طَلْحَةَ بنِ أَبِي طَلْحَةَ، فَقتَلَهُ الزُّبَيْرُ بنُ العَوَّامِ ﵁. فَهَؤُلَاءِ الأَرْبَعَةُ أَوْلَادُ طَلْحَةَ بنِ أَبِي طَلْحَةَ، كُلُّهُمْ قُتِلُوا حَوْلَ لِوَاءِ المُشْرِكِينَ بَعْدَ أَنْ قُتِلَ أَبُوهُمْ طَلْحَةُ وَعَمَّاهُمْ عُثْمَانُ وَأَبُو سَعْدٍ. ثُمَّ حَمَلَ اللِّوَاءَ بَعْدَهُمْ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ أَرْطَاةُ بنُ شُرَحْبِيلَ، فَقتَلَهُ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁، وَقِيلَ حَمْزَةُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ ﵁، ثُمَّ حَمَلَ اللِّوَاءَ شُرَيْحُ بنُ قَارِظٍ، فَقتَلَهُ قُزْمَانُ، ثُمَّ حَمَلَ لِوَاءَ المُشْرِكِينَ أَبُو يَزِيدَ بنُ عُمَيْرِ بنِ هَاشِمٍ، وَيُقَالُ أَبُو زَيْدٍ عَمْرُو بنُ عَبْدِ مَنَافِ بنِ هَاشِمٍ العَبْدَرِيُّ، فَقتَلَهُ قُزْمَانُ. وهَكَذَا قُتِلَ أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ حَمَلَةِ لِوَاءَ المُشْرِكِينَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ يَحْمِلُهُ. وَأَصْبَحَ لِوَاءُ المُشْرِكِينَ شُؤْمًا عَلَيْهِمْ، مَا يَدْنُو مِنْهُ أَحَدٌ إِلَّا قُتِلَ، فَتَرَكُوهُ مُلْقًى عَلَى الأَرْضِ (١). أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: . . . وَقَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ أَوَّلَ النَّهَارِ، حَتَّى قُتِلَ مِنْ

стр. 1190

أَصْحَابِ لِوَاءِ المُشْرِكِينَ سَبْعَةٌ أَوْ تِسْعَةٌ (١). * شِدَّةُ الصَّحَابَةِ ﵃ في القِتَالِ: وَبَيْنَمَا كَانَ القِتَالُ شَدِيدًا حَوْلَ لِوَاءَ المُشْرِكِينَ، كَانَ القِتَالُ المَرِيرُ يَجْرِي في جَمِيعِ مَيْدَانِ المَعْرَكَةِ، وَلقدْ ظَهَرَتْ لِلصَّحَابَةِ ﵃، بُطُولَاتٌ عَظِيمَةٌ، فَمِنْ ذَلِكَ: * شِدَّة أَبي دجَانَةَ ﵁ في القِتَالِ: أَخْرَجَ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ وَصَحَّحَهُ وَابْنُ إِسْحَاقَ في السِّيرَةِ عَنِ الزُّبَيْرِ بنِ العَوَّامِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: وَجَدْتُ في نَفْسِي حِينَ سَأَلْتُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ السَّيْفَ فَمَنَعَنِيهِ، وَأَعْطَاهُ أَبَا دُجَانَةَ، وَقُلْتُ: أَنَا ابْنُ صَفِيَّةَ عَمَّتِهِ، وَمِنْ قُريْشٍ، وَقَدْ قُمْتُ إِلَيْهِ فَسَأَلتهُ إِيَّاهُ قَبْلَهُ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ وَتَرَكَنِي، وَاللَّهِ لَأَنْظُرَنَّ مَا يَصْنَعُ، فَأَخْرَجَ عِصَابَةً (٢) لَهُ حَمْرَاءَ، فعَصَبَ (٣) بِهَا رَأْسَهُ، فَقَالَتِ الأَنْصَارُ: أَخْرَجَ أَبُو دُجَانَةَ عِصَابَةَ المَوْتِ، فَخَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ: أَنَا الذِي عَاهَدَنِي خَلِيلِي ... وَنَحْنُ بِالسَّفْحِ (٤) لَدَى النَّخِيلِ

стр. 1191

أَلَّا أَقُومَ الدَّهْرَ في الكُيُولِ (١) ... اضْرِبْ بِسَيْفِ اللَّهِ وَالرَّسُولِ فَجَعَلَ لَا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا قتلَهُ، وَكَانَ في المُشْرِكِينَ رَجُلٌ لَا يَدَعُ لَنَا جَرِيحًا إِلَّا ذَفَّفَ (٢) عَلَيْهِ، فَجَعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدْنُو مِنْ صَاحِبِهِ، فَدَعَوْتُ اللَّه أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا، فَالْتَقَيَا، فَاخْتَلفا ضَرْبَتَيْنِ، فَضَرَبَ المُشْرِكُ أَبَا دُجَانَةَ، فَاتَّقَاهُ بدُرْقَتِهِ (٣)، فَعَضَتْ بِسَيْفِهِ (٤)، فَضَرَبَهُ أَبُو دُجَانَةَ فَقَتَلَهُ. ثُمَّ أَمْعَنَ (٥) أَبُو دُجَانَةَ ﵁ في الصُّفُوفِ حَتَّى انتهَى إلى نِسْوَةٍ فِي سَفْحِ الجَبَلِ، فَأَهْوَى بِالسَّيْفِ عَلَى مَفْرَقِ رَأْسِ هِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ زَوْجِ أَبِي سُفْيَانَ، ثُمَّ كَفَّ عَنْهَا. قَالَ الزُّبَيْرُ ﵁: فَلَمَّا انْكَشَفَ القِتَالُ، قُلْتُ لِأَبِي دُجَانَةَ: كُلُّ عَمَلِكَ قَدْ رَأَيْتُ، مَا خَلَا رَفْعِكَ السَّيْفَ عَلَى المَرْأَةِ لِمَ لَمْ تَضْرِبْهَا. فَقَالَ أَبُو دُجَانَةَ ﵁: رَأَيْتُ إِنْسَانًا يُحْمِشُ (٦) النَّاسَ حَمْشًا شَدِيدًا، فَصَمَدْتُ لَهُ، فَلَمَّا حَمَلْتُ عَلَيْهِ السَّيْفَ وَلْوَلَ، فَإِذَا امْرَأَةٌ، فَأَكْرَمْتُ سَيْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَضْرِبَ بِهِ امْرَأَةً (٧).

стр. 1192

* مَقْتَلُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ حَرَامٍ وَالدِ جَابِرٍ ﵄: مِنَ الذِينَ أَبْلَوْا بَلَاءً حَسَنًا يَوْمَ أُحُدٍ وَقُتِلَ: عَبْدُ اللَّهِ بنُ عَمْرِو بنِ حَرَامٍ وَالِدُ جَابِرٍ ﵄، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ، جَيءَ بِأَبِي مُسَجًّى (١)، وَقَدْ مُثِّلَ (٢) بِهِ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْفَعَ الثَّوْبَ، فَنَهَانِي قَوْمِي، ثُمَّ أَرَدْتُ أَنْ أَرْفَعَ الثَّوْبَ، فنَهَانِي قَوْمِي، فَرَفَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَوْ أَمَرَ بِهِ فَرُفِعَ، فَسَمعَ صَوْتَ بَاكِيَةٍ أَوْ صَائِحَةٍ، فَقَالَ ﷺ : "مَنْ هَذِهِ؟ "، فَقَالُوا: بِنْتُ عَمْرٍو، أَوْ أُخْتُ عَمْرٍو (٣). فَقَالَ ﷺ : "وَلِمَ تَبْكِي (٤)؟ فَمَا زَالَتِ المَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رُفِعَ" (٥).

стр. 1193

وَأَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالحَاكِمُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: لَقِيَني النَّبِيُّ ﷺ فقَالَ لِي: "يَا جَابِرُ مَا لِي أَرَاكَ مُنْكَسِرًا؟ "، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اسْتُشْهِدَ أَبِي وَتَرَكَ عِيَالًا وَدَيْنًا. فَقَالَ ﷺ : "أَلَا أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِيَ اللَّهُ بِهِ أباكَ؟ ". قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "مَا كَلَّمَ اللَّهُ أَحَدًا قَطٌّ إِلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَإِنَّ اللَّه أَحْيَا أَبَاكَ فكَلَّمَهُ كفَاحًا (١)، فَقَالَ: يَا عَبْدِي، تَمَنَّ أُعْطِكَ، قَالَ: تُحْيِينِي فَأُقْتَلَ قَتْلَةً ثَانِيَةً، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنِّي قَضَيْتُ أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ " (٢) * وَصِيَّةُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ حَرَامٍ لِابْنِهِ جَابِرٍ ﵄: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ عَمْرِو بنِ حَرَامٍ ﵁ أَوْصَى وَلَدَهُ جَابِرَ ﵄

стр. 1194

بِقَضَاءِ دَيْنِهِ، وَحِفْظِ أَخَوَاتِهِ، فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا حَضَرَ أُحُدٌ دَعَانِي أَبِي مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ: مَا أُرَانِي إِلَّا مَقْتُولًا في أَوَّلِ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَإِنِّي لَا أَتْرُكُ بَعْدِي أَعَزَّ عَلَيَّ مِنْكَ، غَيْرَ نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛ فَإِنَّ عَلَيَّ دَيْنًا، فَاقْضِ، وَاسْتَوْصِ بِأَخَوَاتِكَ خَيْرًا، فَأَصْبَحْنَا، فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ (١). * فَوَائِدُ الحَدِيثِ: قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وَفِي هَذَا الحَدِيثِ مِنَ الفَوَائِدِ: ١ - الإِرْشَادُ إلى بِرِّ الأَوْلَادِ بِالآبَاءَ خُصُوصًا بَعْدَ الوَفَاةِ. ٢ - وَفِيهِ الِاسْتِعَانَةُ عَلَى ذَلِكَ بِإِخْبَارِهِمْ بِمَكَانَتِهِمْ مِنَ القَلْبِ. ٣ - وَفِيهِ قُوَّةُ إِيمَانِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ المَذْكُورِ لِاسْتِثْنَائِهِ النَّبِيَّ ﷺ مِمَّنْ جَعَلَ وَلَدَهُ أَعَزَّ عَلَيْهِ مِنْهُمْ. ٤ - وَفِيهِ كَرَامَتُهُ بِوُقُوعِ الأَمْرِ عَلَى مَا ظَنَّ. ٥ - وَفِيهِ فَضِيلَةٌ لِجَابِرَ ﵁ لِعَمَلِهِ بِوَصِيَّةِ أَبِيهِ بَعْدَ مَوْتِهِ في قَضَاءَ دَيْنِهِ (٢).

стр. 1195

* المَلَائِكَةُ تُغَسِّلُ حَنْظَلةَ ﵁ -: وَمِنَ الأَبْطَالِ الذِينَ قُتِلُوا في هَذِهِ المَعْرَكَةِ العَظِيمَةِ حَنْظَلَةُ -غَسِيلُ المَلَائِكَةِ- وَأَبُوهُ أَبُو عَامِرٍ الفَاسِقُ الذِي ذَكَرْنَا فِيمَا مَضَى عَدَاوَتَهُ لِلْإِسْلَامِ، وَقَدْ كَادَ حَنْظَلَةُ ﵁ أَنْ يَقْتُلَ أَبَا سُفْيَانَ بنَ حَرْبٍ قَائِدَ قُرَيْشٍ لَكِنَّ شَدَّادَ بنَ الأَسْوَدِ قتَلَهُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ، فَقَدْ أَخْرَجَ ابنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ وَالحَاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: كَانَ النَّاسُ انْهَزَمُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى انْتَهَى بَعْضُهُمْ إلى دُونِ الأَعْرَاضِ (١) إلى جَبَلٍ بِنَاحِيَةِ المَدِينَةِ، ثُمَّ رَجَعُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَدْ كَانَ حَنْظَلَةُ بنُ أَبِي عَامِرٍ الْتَقَى هُوَ وَأَبُو سُفْيَانَ بنَ حَرْبٍ فَلَمَّا اسْتَعْلَاهُ حَنْظَلَةُ رَآه شَدَّادُ بنُ الأَسْوَدِ، فعلَاهُ شَدَّادُ بِالسَّيْفِ حَتَّى قتَلَهُ، وَقَدْ كَادَ يَقْتُلُ أَبَا سُفْيَانَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ صَاحِبَكُمْ حَنْظَلة تُغَسِّله المَلَاِئكَةُ، فَسَلُوا صَاحِبَتَهُ" (٢)، فَقَالَتْ: خَرَجَ وَهُوَ جُنُبٌ لَمَّا سَمِعَ الهَائِعَةَ (٣)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَذَاكَ قَدْ غَسَّلَتْهُ المَلَائكَةُ" (٤).
следующие страницы →