← Сира

Сира · id 38114

اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون

موسى بن راشد العازمي

Полный текст (2 595 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

أَلَّا أَقُومَ الدَّهْرَ في الكُيُولِ (١) ... اضْرِبْ بِسَيْفِ اللَّهِ وَالرَّسُولِ فَجَعَلَ لَا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا قتلَهُ، وَكَانَ في المُشْرِكِينَ رَجُلٌ لَا يَدَعُ لَنَا جَرِيحًا إِلَّا ذَفَّفَ (٢) عَلَيْهِ، فَجَعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدْنُو مِنْ صَاحِبِهِ، فَدَعَوْتُ اللَّه أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا، فَالْتَقَيَا، فَاخْتَلفا ضَرْبَتَيْنِ، فَضَرَبَ المُشْرِكُ أَبَا دُجَانَةَ، فَاتَّقَاهُ بدُرْقَتِهِ (٣)، فَعَضَتْ بِسَيْفِهِ (٤)، فَضَرَبَهُ أَبُو دُجَانَةَ فَقَتَلَهُ. ثُمَّ أَمْعَنَ (٥) أَبُو دُجَانَةَ ﵁ في الصُّفُوفِ حَتَّى انتهَى إلى نِسْوَةٍ فِي سَفْحِ الجَبَلِ، فَأَهْوَى بِالسَّيْفِ عَلَى مَفْرَقِ رَأْسِ هِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ زَوْجِ أَبِي سُفْيَانَ، ثُمَّ كَفَّ عَنْهَا. قَالَ الزُّبَيْرُ ﵁: فَلَمَّا انْكَشَفَ القِتَالُ، قُلْتُ لِأَبِي دُجَانَةَ: كُلُّ عَمَلِكَ قَدْ رَأَيْتُ، مَا خَلَا رَفْعِكَ السَّيْفَ عَلَى المَرْأَةِ لِمَ لَمْ تَضْرِبْهَا. فَقَالَ أَبُو دُجَانَةَ ﵁: رَأَيْتُ إِنْسَانًا يُحْمِشُ (٦) النَّاسَ حَمْشًا شَدِيدًا، فَصَمَدْتُ لَهُ، فَلَمَّا حَمَلْتُ عَلَيْهِ السَّيْفَ وَلْوَلَ، فَإِذَا امْرَأَةٌ، فَأَكْرَمْتُ سَيْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَضْرِبَ بِهِ امْرَأَةً (٧).

стр. 1192

* مَقْتَلُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ حَرَامٍ وَالدِ جَابِرٍ ﵄: مِنَ الذِينَ أَبْلَوْا بَلَاءً حَسَنًا يَوْمَ أُحُدٍ وَقُتِلَ: عَبْدُ اللَّهِ بنُ عَمْرِو بنِ حَرَامٍ وَالِدُ جَابِرٍ ﵄، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ، جَيءَ بِأَبِي مُسَجًّى (١)، وَقَدْ مُثِّلَ (٢) بِهِ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْفَعَ الثَّوْبَ، فَنَهَانِي قَوْمِي، ثُمَّ أَرَدْتُ أَنْ أَرْفَعَ الثَّوْبَ، فنَهَانِي قَوْمِي، فَرَفَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَوْ أَمَرَ بِهِ فَرُفِعَ، فَسَمعَ صَوْتَ بَاكِيَةٍ أَوْ صَائِحَةٍ، فَقَالَ ﷺ : "مَنْ هَذِهِ؟ "، فَقَالُوا: بِنْتُ عَمْرٍو، أَوْ أُخْتُ عَمْرٍو (٣). فَقَالَ ﷺ : "وَلِمَ تَبْكِي (٤)؟ فَمَا زَالَتِ المَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رُفِعَ" (٥).

стр. 1193

وَأَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالحَاكِمُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: لَقِيَني النَّبِيُّ ﷺ فقَالَ لِي: "يَا جَابِرُ مَا لِي أَرَاكَ مُنْكَسِرًا؟ "، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اسْتُشْهِدَ أَبِي وَتَرَكَ عِيَالًا وَدَيْنًا. فَقَالَ ﷺ : "أَلَا أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِيَ اللَّهُ بِهِ أباكَ؟ ". قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "مَا كَلَّمَ اللَّهُ أَحَدًا قَطٌّ إِلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَإِنَّ اللَّه أَحْيَا أَبَاكَ فكَلَّمَهُ كفَاحًا (١)، فَقَالَ: يَا عَبْدِي، تَمَنَّ أُعْطِكَ، قَالَ: تُحْيِينِي فَأُقْتَلَ قَتْلَةً ثَانِيَةً، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنِّي قَضَيْتُ أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ " (٢) * وَصِيَّةُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ حَرَامٍ لِابْنِهِ جَابِرٍ ﵄: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ عَمْرِو بنِ حَرَامٍ ﵁ أَوْصَى وَلَدَهُ جَابِرَ ﵄

стр. 1194

بِقَضَاءِ دَيْنِهِ، وَحِفْظِ أَخَوَاتِهِ، فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا حَضَرَ أُحُدٌ دَعَانِي أَبِي مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ: مَا أُرَانِي إِلَّا مَقْتُولًا في أَوَّلِ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَإِنِّي لَا أَتْرُكُ بَعْدِي أَعَزَّ عَلَيَّ مِنْكَ، غَيْرَ نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛ فَإِنَّ عَلَيَّ دَيْنًا، فَاقْضِ، وَاسْتَوْصِ بِأَخَوَاتِكَ خَيْرًا، فَأَصْبَحْنَا، فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ (١). * فَوَائِدُ الحَدِيثِ: قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وَفِي هَذَا الحَدِيثِ مِنَ الفَوَائِدِ: ١ - الإِرْشَادُ إلى بِرِّ الأَوْلَادِ بِالآبَاءَ خُصُوصًا بَعْدَ الوَفَاةِ. ٢ - وَفِيهِ الِاسْتِعَانَةُ عَلَى ذَلِكَ بِإِخْبَارِهِمْ بِمَكَانَتِهِمْ مِنَ القَلْبِ. ٣ - وَفِيهِ قُوَّةُ إِيمَانِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ المَذْكُورِ لِاسْتِثْنَائِهِ النَّبِيَّ ﷺ مِمَّنْ جَعَلَ وَلَدَهُ أَعَزَّ عَلَيْهِ مِنْهُمْ. ٤ - وَفِيهِ كَرَامَتُهُ بِوُقُوعِ الأَمْرِ عَلَى مَا ظَنَّ. ٥ - وَفِيهِ فَضِيلَةٌ لِجَابِرَ ﵁ لِعَمَلِهِ بِوَصِيَّةِ أَبِيهِ بَعْدَ مَوْتِهِ في قَضَاءَ دَيْنِهِ (٢).

стр. 1195

* المَلَائِكَةُ تُغَسِّلُ حَنْظَلةَ ﵁ -: وَمِنَ الأَبْطَالِ الذِينَ قُتِلُوا في هَذِهِ المَعْرَكَةِ العَظِيمَةِ حَنْظَلَةُ -غَسِيلُ المَلَائِكَةِ- وَأَبُوهُ أَبُو عَامِرٍ الفَاسِقُ الذِي ذَكَرْنَا فِيمَا مَضَى عَدَاوَتَهُ لِلْإِسْلَامِ، وَقَدْ كَادَ حَنْظَلَةُ ﵁ أَنْ يَقْتُلَ أَبَا سُفْيَانَ بنَ حَرْبٍ قَائِدَ قُرَيْشٍ لَكِنَّ شَدَّادَ بنَ الأَسْوَدِ قتَلَهُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ، فَقَدْ أَخْرَجَ ابنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ وَالحَاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: كَانَ النَّاسُ انْهَزَمُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى انْتَهَى بَعْضُهُمْ إلى دُونِ الأَعْرَاضِ (١) إلى جَبَلٍ بِنَاحِيَةِ المَدِينَةِ، ثُمَّ رَجَعُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَدْ كَانَ حَنْظَلَةُ بنُ أَبِي عَامِرٍ الْتَقَى هُوَ وَأَبُو سُفْيَانَ بنَ حَرْبٍ فَلَمَّا اسْتَعْلَاهُ حَنْظَلَةُ رَآه شَدَّادُ بنُ الأَسْوَدِ، فعلَاهُ شَدَّادُ بِالسَّيْفِ حَتَّى قتَلَهُ، وَقَدْ كَادَ يَقْتُلُ أَبَا سُفْيَانَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ صَاحِبَكُمْ حَنْظَلة تُغَسِّله المَلَاِئكَةُ، فَسَلُوا صَاحِبَتَهُ" (٢)، فَقَالَتْ: خَرَجَ وَهُوَ جُنُبٌ لَمَّا سَمِعَ الهَائِعَةَ (٣)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَذَاكَ قَدْ غَسَّلَتْهُ المَلَائكَةُ" (٤).

стр. 1196

* عَمْرُو بنُ الجَمُوحِ ﵁ يَخُوضُ في الجَنَّةِ بِعَرْجَتِهِ: وَكَانَ ﵁ أَعْرَجَ شَدِيدَ العَرَجِ، وَكَانَ لَهُ أَرْبَعَةُ أَبْنَاءٍ شَبَابٍ، يَشْهَدُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المَشَاهِدَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ، قَالَ له أَبْنَاؤُهُ: إِنَّ اللَّه قَدْ عَذَرَكَ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَذِنَ لَهُ (١). أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي قتَادَةَ ﵁، أَنَّهُ قَالَ: أتى عَمْرُو بنُ الجَمُوحِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلْتُ في سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى أُقْتَلَ أَمْشِي بِرَجْلِي هَذِهِ صَحِيحَةً في الجَنَّةِ -وَكَانَتْ رِجْلُهُ عَرْجَاءَ- فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : "نَعَمْ"، فَقَتَلُوهُ يَوْمَ أُحُدٍ، فَمَرَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْكَ تَمْشِي بِرِجْلِكَ هَذِهِ صَحِيحَةً في الجَنَّةِ" (٢). وَأَخْرَجَ ابنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: جَاءَ عَمْرُو دنُ الجَمُوحِ ﵁ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ قُتِلَ اليَوْمَ دَخَلَ الجَنَّةَ؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قَالَ: وَالذِي نَفْسِي بِيَده، لَا أَرْجعُ إلى أَهْلِي حَتَّى أَدْخُلَ الجَنَّةَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁: يَا عَمْرُو, لَا تَأَلَّ (٣) عَلَى اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَهْلًا يَا عُمَرُ، فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ

стр. 1197

لَأَبَرَّهُ (١) مِنْهُمْ: عَمْرُو بنُ الجَمُوحِ، يَخُوضُ في الجَنَّةِ بِعَرْجَتِهِ" (٢). * نُبْذَةٌ عَنْ عَمْرِو بنِ الجَمُوحِ ﵁ -: قُلْتُ: وَعَمْرُو بنُ الجَمُوحِ ﵁ هُوَ سَيِّدُ بَنِي سَلِمَةَ، فَقَدْ أَخْرَجَ البُخَارِيُّ في الأَدَبِ المُفْرَدِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ سَيِّدُكُمْ يَا بَنِي سَلِمَةَ؟ " قُلْنَا: جَدُّ بنُ قَيْسٍ، عَلَى أنَّا نُبَخِّلُهُ، فَقَالَ ﷺ : "وَأَيُّ دَاءٍ أَدْوَى مِنَ البُخْلِ (٣)، بَلْ سَيِّدُكُمْ عَمْرُو بنُ الجَمُوحِ" (٤). وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثارِ وَالحَاكِمِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "سَيِّدُكُمْ بِشْرُ (٥) بنُ البَرَاءِ بنُ مَعْرُورٍ" (٦). قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وَيُمْكِنُ الجَمْعُ بَيْنَ الحَدِيثَيْنِ بِحَمْلِ قِصَّةِ بِشْرِ بنِ

стр. 1198

البَرَاءِ بنِ مَعْرُورٍ ﵁ عَلَى أَنَّهَا بَعْدَ قتلِ عَمْرِو بنِ الجَمُوحِ ﵁ (١). * الأُصَيْرِمُ ﵁ دَخَلَ الجَنَّةَ وَلَمْ يُصَلِّ للَّهِ رَكْعَةً: وَكَانَ عَمْرُو بنُ ثَابِتٍ ﵁ المَعْرُوفُ بِالأُصَيْرِمِ الأَنْصَارِيِّ مِنْ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ يَأْبَى الإِسْلَامَ عِنْدَمَا قَدِمَ الرَّسُولُ ﷺ المَدِينَةَ -كَمَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ-، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ، قَذَفَ اللَّهُ الإِسْلَامَ في قَلْبِهِ لِلْحُسْنَى (٢) التِي سَبَقَتْ لَهُ مِنْهُ ، فَأَسْلَمَ وَأَخَذَ سَيْفَهُ، وَلَحِقَ بِالرَّسُولِ ﷺ ، فَقَاتَلَ فَأَثْبَتَتْهُ (٣) الجِرَاحُ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَحَدٌ بِأَمْرِهِ، فَلَمَّا انْجَلَتِ (٤) الحَرْبُ، طَافَ بَنُو عَبْدِ الأَشْهَلِ في القَتْلَى؟ يَلْتَمِسُونَ قَتْلَاهُمْ، فَوَجَدُوا الأُصَيْرِمَ وَبِهِ رَمَقٌ (٥) يَسِيرٌ، فَقَالُوا: وَاللَّهِ إِنَّ هَذَا الأُصَيْرِمَ، مَا جَاءَ بِهِ؟ لَقَدْ كَانَ يَأْبَى عَلَيْنَا الإِسْلَامَ، ثُمَّ سَأَلُوهُ مَا الذِي جَاءَ بِكَ؟ أَحَدَبٌ (٦) عَلَى قَوْمِكَ، أَمْ رَغْبَةٌ في الإِسْلَامِ؟ فَقَالَ: بَلْ رَغْبَةً في الإِسْلَامِ،

стр. 1199

آمَنْتُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَسْلَمْتُ، ثُمَّ قَاتَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، حَتَّى أَصَابَنِي مَا ترَوْنَ، وَمَاتَ في وَقْتِهِ، فَذَكَرُوهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ ﷺ : "إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ". قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: وَلَمْ يُصَلِّ للَّهِ صَلَاةً قَطُّ (١). * المُجَدَّعُ (٢) عَبْدُ اللَّهِ بنُ جَحْشٍ ﵁: قَالَ ابنُ الأَثِيرِ: كَانَ يُقَالُ لِعَبْدِ اللَّهِ بنِ جَحْشٍ ﵁: المُجَدَّعُ في اللَّهِ (٣)، وَكَانَ ﵁ يَدْعُو اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَرْزُقَهُ الشَّهَادَةَ في أُحُدٍ بَعْدَ أَنْ يُجَدَّعَ، فَقَدْ أَخْرَجَ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ إِسْحَاقَ بنِ سَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بنَ جَحْشٍ ﵁ قَالَ يَوْمَ أُحُدٍ: أَلَا تَأْتِي نَدْعُو اللَّهَ، فَخَلَوْا في نَاحِيَةٍ، فَدَعَا سَعْدٌ ﵁، فَقَالَ: يَا رَبِّ إِذَا لَقِينَا القَوْمَ غَدًا فَلَقِّينِي رَجُلًا شَدِيدًا بَأْسُهُ، شَدِيدًا حَرَدُهُ (٤)، فَأُقَاتِلُهُ فِيكَ، وَيُقَاتِلُنِي ثُمَّ ارْزُقْنِي عَلَيْهِ الظَّفَرَ (٥) حَتَّى أَقْتُلَهُ، وَآخُذَ سَلَبَهُ، فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ جَحْشٍ ﵁، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي غَدًا رَجُلًا شَدِيدًا حَرَدُهُ، شَدِيدًا بَأْسُهُ، أُقَاتِلُهُ فِيكَ، ويُقَاتِلُنِي ثُمَّ

стр. 1200

يَأْخُذُنِي فَيَجْدَعَ أَنْفِي وَأُذُنِي، فَإِذَا لَقِيتُكَ غَدًا قُلْتَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ فِيمَ جُدِعَ أنْفُكَ وَأُذُنُكَ؟ فَأَقُولَ: فِيكَ وَفِي رَسُولكَ، فَيَقُولَ: صَدَقْتَ. قَالَ سَعْدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁: يَا بَنِيَّ كَانَتْ دَعْوَةُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ جَحْشٍ خَيْرًا مِنْ دَعْوَتِي، لَقَدْ رَأَيْتُهُ آخِرَ النَّهَارِ، وَإِنَّ أُذُنَهُ وَأَنْفَهُ لَمُعَلَّقَاتٍ في خَيْطٍ (١). هَذِهِ صُورَةٌ لِلرُّجُولَةِ الفَارِعَةِ (٢) التِي اصْطَدَمَ بِهَا الكُفْرُ أَوَّلَ المَعْرَكَةِ وَآخِرَهَا، فَمَادَ (٣) أَمَامَهَا، وَاضْطَرَبَتْ مِنْ تَحْتِ أَقْدَامِهِ الأَرْضُ، فَمَا رَبِحَ شَيْئًا في بِدَايَةِ القِتَالِ، وَلَا انتفَعَ بِمَا رَبِحَ آخِرَهُ. . . مَنْ سِرُّ هَذَا الإِلْهَامِ؟ مَنْ مُشْرِقُ هَذَا الضِّيَاءَ؟ مَنْ مُبْعِثُ هَذَا الِاقْتِدَارِ؟ إِنَّهُ مُحَمَّد رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ! إِنَّهُ هُوَ الذِي رَبَّى ذَلِكُمُ الجِيلَ الفَذَّ، وَمِنْ قَلْبِهِ الكَبِيرِ أُتْرِعَتْ (٤) هَذِهِ القُلُوبُ تَفَانِيًا في اللَّهِ، وَإِيثَارًا لِمَا عِنْدَهُ (٥). * مَقْتَلُ سَعْدِ بنِ الرَّبِيعِ ﵁ -: وَسَعْدُ بنُ الرَّبِيعِ ﵁ هُوَ الذِي آخَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ ﵁، وَكَانَ ﵁ مِنْ أَغْنِيَاءَ الأَنْصَارِ، وَقِصَّتُهُ مَشْهُورَةٌ في

стр. 1201

تَقْسِيمِ مَالِهِ نِصْفَيْنِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ ﵁ وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِيمَا تَقَدَّمَ-، وَقَدْ قُتِلَ ﵁ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَدْ أَخْرَجَ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ وَصَحَّحَهُ عَنْ زَيْدِ بنِ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، يَوْمَ أُحُدٍ لِطَلَبِ سَعْدِ بنِ الرَّبِيعِ، وَقَالَ لِي: "إِنْ رَأَيْتَهُ فَأَقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ، وَقُلْ لَهُ: يَقُولُ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ كيْفَ تَجِدُكَ؟ ". قَالَ زَيْدٌ: فَجَعَلْتُ أَطُوفُ بَيْنَ القَتْلَى، فَأَصَبْتُهُ وَهُوَ في آخِرِ رَمَقٍ، وَبِهِ سَبْعُونَ ضَرْبَةً مَا بَيْنَ طَعْنَةٍ بِرُمْحٍ، وَضَرْبَةٍ بِسَيْفٍ، وَرَمْيَةٍ بِسَهْمٍ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا سَعْدُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُقْرِئُ عَلَيْكَ السَّلَامَ، وَيَقُولُ لَكَ: "أَخْبِرْنِي كيْفَ تَجِدُكَ؟ ". قَالَ ﵁: عَلَى رَسُولِ اللَّهِ السَّلَامُ، وَعَلَيْكَ السَّلَامُ، قُلْ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَجِدُنِي أَجِدُ رِيحَ الجَنَّةِ، وَقُلْ لِقَوْمِيَ الأَنْصَارِ: لَا عُذْرَ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَنْ يُخْلَصَ (١) إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَفِيكُمْ شُفْرٌ (٢) يَطْرِفُ. قَالَ زَيْدٌ: وَفَاضَتْ نَفْسُهُ ﵀ (٣).

стр. 1202

* المُنْتَحِرُ في النَّارِ: مِمَّنْ قَاتَلَ يَوْمَ أُحُدٍ حَمِيَّةً، وَلَيْسَ بِنِيَّةِ الجِهَادِ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَكَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ قُزْمَانُ (١)، فَقَدْ أَخْرَجَ ابنُ إِسْحَاقَ في السِّيرَةِ عَنْ عَاصِمِ بنِ عُمَرَ بنِ قتَادَةَ قَالَ: كَانَ فِينَا رَجُلٌ غَرِيبٌ، لَا يُدْرَى مِمَّنْ هُوَ، يُقَالُ لَهُ قُزْمَانُ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِذَا ذُكِرَ لَهُ: "إِنَّهُ لَمِنْ أَهْلِ النَّارِ"، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ قَاتَلَ قِتَالًا شَدِيدًا، فَقَتَلَ وَحْدَهُ ثَمَانِيَةً أَوْ سَبْعَةً مِنَ المُشْرِكِينَ، وَكَانَ ذَا بَأْسٍ، فَأَثْبَتَتْهُ الجِرَاحُ، فَجَعَلَ رِجَالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، يَقُولُونَ لَهُ: وَاللَّهِ لَقَدْ أَبْلَيْتَ اليَوْمَ يَا قُزْمَانُ، فَأَبْشِرْ، قَالَ: بِمَاذَا أُبَشَّرُ؟ فَوَاللَّهِ إِنْ قَاتَلْتُ إِلَّا عَنْ أَحْسَابِ قَوْمِي، وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا قَاتَلْتُ، فَلَمَّا اشْتَدَّتْ عَلَيْهِ جِرَاحَتُهُ أَخَذَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ فَقتَلَ بِهِ نَفْسَهُ (٢). * حَدِيثٌ في التَّرْهِيبِ مِنَ الِانْتِحَارِ: قُلْتُ: جَاءَتِ الأَحَادِيثُ الكَثِيرَةُ في التَّرْهِيبِ مِنْ أَنْ يَقْتُلَ الإِنْسَانُ نَفْسَهُ،

стр. 1203

وَمَنْ قتَلَهَا فَسَيَكُونُ مَصِيرُهُ النَّارَ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ في نَارِ جَهَنَّمَ يَترَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا؛ لدًا، وَمَنْ تَحَسَّى (١) سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَسُمُّهُ في يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ في نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبدًا، وَمَنْ قتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ في يَدِهِ يَجَأُ (٢) بِهَا في بَطْنِهِ في نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا" (٣). * المَنْحُورُ أَبُو رُهْمٍ الغِفَارِيُّ ﵁ -: مِمَّنْ أَبْلَى بَلَاءً حَسَنًا يَوْمَ أُحُدٍ أَبُو رُهْمٍ كُلْثُومُ بنُ الحُصيْنِ الغِفَارِيُّ ﵁، فَقَدْ رُمِيَ يَوْمَئِذٍ بِسَهْمٍ فَوَقَعَ في نَحْرِهِ (٤)، فَجَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَبَسَقَ (٥) عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَبَرِئَ، فَكَانَ أَبُو رُهْمٍ يُسَمَّى المَنْحُورَ (٦). * البَطَلُ سَعْدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ -: وَقَاتَلَ سَعْدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قِتَالًا شَدِيدًا في هَذِهِ الغَزْوَةِ العَظِيمَةِ،

стр. 1204

حَتَّى إِنَّ الرَّسُولَ ﷺ مِنْ شِدَّةِ إِعْجَابِهِ بِسَعْدٍ ﵁ يَوْمَ أُحُدٍ، فَدَّاهُ بِأَبِيهِ وَأُمِّهِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: مَا سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ جَمَعَ أَبَوَيْهِ لِأَحَدٍ إِلَّا لِسَعْدِ بنِ مَالِكٍ، فَإِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ يَوْمَ أُحُدٍ: "يَا سَعْدُ ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي" (١). * هَذَا الحَصْرُ فِيهِ نَظَرٌ: قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وَفِي هَذَا الحَصْرِ -أَيْ حَصْرِ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا قَالَ لِأَحَدٍ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي إِلَّا لِسَعْدٍ- نَظَرٌ، فَإِنَّهُ ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَمَعَ أَبَوَيْهِ لِلزُّبَيْرِ بنِ العَوَّامِ ﵁ يَوْمَ الخَنْدَقِ (٢)، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ عَلِيًّا ﵁ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى ذَلِكَ، أَوْ مُرَادُهُ بِذَلِكَ بِقَيْدِ يَوْمِ أُحُدٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (٣). * شِدَّةُ أَبِي سَلَمَةَ بنِ عَبْدِ الأَسَدِ ﵁: وَقَاتَلَ أَبُو سَلَمَةَ بنُ عَبْدِ الأَسَدِ ﵁ زَوْجُ أُمِّ سَلَمَةَ هِنْدِ بِنْتِ أَبِي أُمَيَّة رَضِيَ

стр. 1205

اللَّهُ عَنْهُمَا، فَجُرِحَ يَوْمَ أُحُدٍ في عَضُدِهِ (١)، فَمَكَثَ شَهْرًا يُدَاوِيهِ فَبَرِئَ، وَقَدْ انْدَمَلَ الجُرْحُ (٢) عَلَى بَغْيٍ لَا يَعْرِفُهُ (٣)، وَمَاتَ ﵁ بَعْدَ أُحُدٍ، كَمَا سَيَأْتِي (٤). * مَقْتَلُ رَافِعِ بنِ خَدِيجٍ: وَمِمَّنْ قَاتَلَ قِتَالًا شَدِيدًا في أُحُدٍ رَافِعُ بنُ خَدِيجٍ ﵁، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالطَّيَالِسِيُّ في مُسْنَدَيْهِمَا بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ امْرَأَةِ رَافِعِ بنِ خَدِيجٍ ﵁ قَالَتْ: أَنَّ رَافِعًا رُمِيَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ بِسَهْمٍ في ثُنْدُوَتِهِ (٥)، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، انْزَعِ السَّهْمَ، قَالَ: "يَا رَافِعُ، إِنْ شِئْتَ نَزَعْتُ السَّهْمَ وَالقُطْبَةَ (٦) جَمِيعًا، وَإِنْ شِئْتَ نَزَعْتُ السَّهْمَ، وَتَرَكتُ القُطْبَةَ، وَشَهِدْتُ لَكَ يَوْمَ القِيَامَةِ أَنَّكَ شَهِيدٌ"، قَالَ رَافِعٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَلِ انْزَعِ السَّهْمَ، وَدعَ القُطْبَةَ، وَاشْهَدْ لِي يَوْمَ القِيَامَةِ أَنِّي شَهِيدٌ، قَالَ: فنَزَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ السَّهْمَ، وَتَرَكَ القُطْبَةَ (٧). وَظَلَّ رَافِعُ بنُ خَدِيجٍ ﵁ لَا يُحِسُّ بِشَيْءٍ إِلَى أَنِ انْتَفَضَ جُرْحُهُ فَمَاتَ،

стр. 1206

وَذَلِكَ في خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ بنِ أَبِي سُفْيَانَ ﵁ (١). * يَوْمُ أُحُدٍ كُلُّهُ لِطَلْحَةَ ﵁ -: أَمَّا طَلْحَةُ بنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ﵁ فَقَدْ أَبْلَى ﵁ بَلَاءً عَظِيمًا يَوْمَ أُحُدٍ، وَوَقَى رَسُولَ اللَّهِ ﵁ بِنَفْسِهِ، وَاتَّقَى عَنْهُ النَّبْلَ بِيَدِهِ حَتَّى شُلَّتْ، كَمَا سَيَأْتِي. رَوَى التِّرْمِذِيُّ في جَامِعِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ مُوسَى وَعِيسَى ابْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَبِيهِمَا، أَنَّ أصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالُوا لِأَعْرَابِيٍّ جَاهِلٍ: سَلْهُ (٢) عَمَّنْ قَضَى نَحْبَهُ (٣) مَنْ هُوَ؟ وَكَانُوا لَا يَجْتَرِئُونَ عَلَى مَسْأَلتِهِ، يُوَقِّرُونَهُ وَيَهَابُونَهُ، فَسَأَلَهُ الأَعْرَابِيُّ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ سَأَلهُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ. قَالَ طَلْحَةُ: ثُمِّ إِنِّي اطَّلَعْتُ مِنْ بَابِ المَسْجِدِ، وَعَلَيَّ ثِيَابٌ خُضْرٌ، فَلَمَّا رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أَيْنَ السَّائِلُ عَمَّنْ قَضَى نَحْبَهُ؟ "، قَالَ الأَعْرَابِيُّ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ ﷺ : "هَذَا مِمَّنْ قَضَى نَحْبَهُ" (٤).

стр. 1207

* شِدَّةُ وَشَجَاعَةُ حَمْزَةَ ﵁ -: كَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ قِتَالًا يَوْمَ أُحُدٍ حَمْزَةُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ ﵁، فَإِنَّهُ أَخَذَ يَهُدُّ الكَافِرِينَ هَدًّا. فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ وَحْشِيِّ بنِ حَرْبٍ قَاتِلِ حَمْزَةَ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ النَّاسِ إِلَى القِتَالِ فَلَمَّا اصْطَفُّوا لِلْقِتَالِ خَرَجَ سِبَاعُ بنُ عَبْدِ العُزَّى الخُزَاعِيُّ، فَقَالَ: هَلْ مِنْ مُبَارِزٍ؟ قَالَ: فَخَرَجَ إِلَيْهِ حَمْزَةُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ ﵁، فَقَالَ: يَا سِبَاعُ يَا ابْنَ أُمِّ أَنْمَارٍ مُقَطِّعَةِ البُظُورِ (١) أَتُحَادُّ (٢) اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﷺ ؟ قَالَ: ثُمَّ شَدَّ (٣) عَلَيْهِ، فَكَانَ كَأَمْسِ الذَّاهِبِ (٤). * قِصَّةُ الرَّجُلِ الذِي أَلْقَى الثَّمَرَاتِ: رَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ: أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ، فَأَيْنَ أَنَا؟ .

стр. 1208

فَقَالَ ﷺ : "في الجَنَّةِ"، فَأَلقى تَمَرَاتٍ في يَدِهِ، ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ (١). قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، وَزَعَمَ ابْنُ بِشْكُوَالَ أَنَّهُ عُمَيْرُ بنُ الحُمَامِ، وَسَبَقَهُ إِلَى ذَلِكَ الخَطِيبُ، وَاحْتَجَّ بِمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم في صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ عُمَيْرَ بنَ الحُمَامِ ﵁ أَخْرَجَ تَمَرَاتٍ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُنَّ، ثُمَّ قَالَ: لَئِنْ أَنَا حيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ، إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ، فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنَ التَّمْرِ، ثُمَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ (٢). لَكِنْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ في حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَالقِصَّةُ التِي في البَابِ وَقَعَ التَّصْرِيحُ في حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّهَا كَانَتْ يَوْمَ أُحُدٍ، فَالذِي يَظْهَرُ أَنَّهُمَا قِصَّتَانِ وَقَعَتَا لِرَجُلَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (٣). * أَمْهَرُ الرُّمَاةِ أَبُو طَلْحَةَ (٤) الأَنْصَارِيُّ ﵁: وَقَاتَلَ أَبُو طَلْحَةَ الأَنْصَارِيُّ ﵁ قِتَالًا عَظِيمًا يَوْمَ أُحُدٍ، وَكَانَ مِنْ أَمْهَرِ

стр. 1209

الرُّمَاةِ فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْهَزَمَ النَّاسُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَبُو طَلْحَةَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ مُجَوِّبٌ (١) عَلَيْهِ، بِحَجَفَةٍ (٢) لَهُ، وَكانَ أَبُو طَلْحَةَ رَجُلًا رَامِيًا شَدِيدَ النَّزْعِ (٣)، كَسَرَ يَوْمَئِذٍ قَوْسَيْن أَوْ ثَلَاثًا (٤). وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْجَبُ بِشَجَاعَةِ أَبِي طَلْحَةَ ﵁، حَتَّى إِنَّهُ قَالَ ﷺ : "لَصَوْتُ أَبِي طَلْحَةَ أَشَدُّ عَلَى المُشْرِكينَ مِنْ فِئَةٍ" (٥). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى في المُسْنَدِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "صَوْتُ أَبِي طَلْحَةَ في الجَيْشِ خَيْرٌ مِنْ فِئَةٍ" (٦)، قَالَ: وَكَانَ يَجْثُو (٧) بَيْنَ يَدَيْهِ

стр. 1210

فِي الحَرْبِ ثُمَّ يَنْثُرُ كِنَانَتَهُ، وَيَقُولُ: وَجْهِي لِوَجْهِكَ الوِقَاءُ، وَنَفْسِي لِنَفْسِكَ الفِدَاءُ (١). * مُخَيْرِيقٌ (٢) خَيْرُ يَهُودٍ: مِمَّنْ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ رَجُلٌ اسْمُهُ مُخَيْرِيقُ، وَهُوَ مِنْ عُلَمَاءِ يَهُودٍ، فَإِنَّهُ يَوْمَ أُحُدٍ ذَهَبَ إِلَى يَهُودٍ، وَقَالَ لَهُمْ: يَا مَعْشَرَ يَهُودٍ، وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ نَصْرَ مُحَمَّدٍ عَلَيْكُمْ لَحَقٌّ، قَالُوا: إِنَّ اليَوْمَ يَوْمُ السَّبْتِ، قَالَ: لَا سَبْتَ لَكُمْ، فَأَخَذَ سَيْفَهُ وَعُدَّتَهُ، وَقَالَ: إِنْ أُصِبْتُ فَمَالِي لِمُحَمَّدٍ، يَصْنَعُ فِيهِ مَا يَشَاءُ، ثُمَّ غَدَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَاتَلَ مَعَهُ حَتَّى قُتِلَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مُخَيْرِيقٌ خَيْرُ يَهُودٍ " (٣). وَكَانَ مُخَيْرِيقٌ أَوْصَى بِأَمْوَالِهِ إِلَى رَسُولِهِ ﷺ ، فَقَدْ رَوَى عُمَرُ بنُ شَبَّةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَوْنٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: كَانَتْ صَدَقَةُ النَّبِيِّ ﷺ بِالمَدِينَةِ أَمْوَالًا لِمُخَيْرِيقَ، وَكَانَ يَهُودِيًّا مِنْ بَقَايَا بَنِي قَيْنُقَاعَ، نَازِلًا بِبَنِي النَّضِيرِ، فَشَهِدَ أُحُدًا فَقُتِلَ فِيهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مُخَيْرِيقٌ سَابِقُ يَهُودٍ"، وَأَوْصَى

стр. 1211

مُخَيْرِيقٌ بِأَمْوَالِهِ لِلنَّبِيِّ ﷺ (١). * انْتِصَارُ المُسْلِمِينَ السَّاحِقُ وَدَوْرُ الرُّمَاةِ: وَهَكَذَا دَارَتْ رَحَا (٢) الحَرْبِ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ نَصْرَهُ عَلَى المُسْلِمِينَ، وَصَدَقَهُمْ وَعْدَهُ، فَحَسُّوهُمْ (٣) بِالسُّيُوفِ، وَوَلَّتْ نِسَاءُ المُشْرِكِينَ لَا يَلْوُونَ (٤) عَلَى شَيْءٍ، وَكَانَتِ الهَزِيمَةُ التِي لَا شَكَّ فِيهَا، وَسَيْطَرَ المُسْلِمُونَ عَلَى أَرْضِ المَعْرَكَةِ سَيْطَرَةً تَامَّةً، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ (٥). رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ ﵁ قَالَ: . . . فَهَزَمُوهُمْ، فَأَنَا وَاللَّهِ رَأَيْتُ النِّسَاءَ يَشْدُدْنَ، قَدْ بَدَتْ خَلَاخِلُهُنَّ (٦) وَأَسْوَاقُهُنَّ (٧)، رَافِعَاتٍ ثِيَابَهُنَّ (٨).

стр. 1212

وَرَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: هُزِمَ المُشْرِكُونَ يَوْمَ أُحُدٍ هَزِيمَةً تُعْرَفُ فِيهِمْ (١). وَفِي رِوَايَةِ ابنِ إِسْحَاقَ في السِّيرَةِ قَالَ الزُّبَيْرُ ﵁: وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُنِي أَنْظُرُ إِلَى خَدَمِ (٢) هِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ، وَصَوَاحِبَاتِهَا مُشَمِّرَاتٍ هَوَارِبَ (٣). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وَالحَاكِمُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّهُ قَالَ: مَا نُصِرَ النَّبِيُّ ﷺ في مَوْطِنٍ كَمَا نُصِرَ يَوْمَ أُحُدٍ. قَالَ: فَأَنْكَرْنَا ذَلِكَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: بَيْنِي وَبَيْنَ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ كِتَابُ اللَّهِ ، إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ في يَوْمِ أُحُدٍ: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ " (٤). قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: وَالحَسُّ: القَتْلُ (٥). * مُطَارَدَةُ الصَّحَابَةِ لِلْمُشْرِكِينَ: وَبَدَأَ الصَّحَابَةُ ﵃ بَعْدَ هَذَا الِانْتِصَارِ العَظِيمِ يَتْبَعُونَ

стр. 1213

المُشْرِكِينَ، وَيَجْمَعُونَ الغَنَائِمَ، وَقَدْ كَانَ لِلرُّمَاةِ دَوْرٌ بَارِزٌ في هَذَا النَّصْرِ المُؤَزَّرِ، فَقَدْ حَمَلَتْ (١) خَيْلُ المُشْرِكِينَ بِقِيَادَةِ خَالِدِ بنِ الوَليدِ ﵁ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ عَلَى المُسْلِمِينَ، لِيُحْدِثُوا البَلْبَلَةَ وَالِاضْطِرَابَ في صُفُوفِهِمْ، لَكِنْ دُونَ جَدْوَى بِسَبَبَ نَضْحِ (٢) الرُّمَاةِ عَلَيْهِمْ بِالنَّبْلِ، حَتَّى رَجَعَتْ خَيْلُهُمْ مَغْلُوبَةً، وَفَشِلَتْ هَجَمَاتُهُمُ الثَّلَاثُ (٣). * مُخَالفَةُ الرُّمَاةِ أَمْرَ الرَسُولِ ﷺ -: وَبَيْنَمَا المُسْلِمُونَ يَتْبَعُونَ المُشْرِكِينَ يَقْتُلُونَ وَيَأْسِرُونَ، وَيَجْمَعُونَ الغَنَائِمَ، وَإِذْ بِالرُّمَاةِ الذِينَ وَضَعَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الجَبَلِ يَتْرُكُونَ أَمَاكِنَهُمْ. أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنِ البَرَاءَ بنِ عَازِبٍ ﵁ قَالَ: . . . فَهَزَمُوهُمْ، . . . فَقَالَ أَصحَابُ ابْنِ جُبَيْرٍ: الغَنِيمَةَ أَيْ قَوْمِ الغَنِيمَةَ، ظَهَرَ (٤) أَصْحَابُكُمْ فَمَا تَنتظِرُونَ؟ . فَقَالَ لَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بنُ جُبَيْرٍ ﵁: أَنَسِيتُمْ مَا قَالَ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (٥)؟ .

стр. 1214

وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَنِ الْبَرَاءَ بنِ عَازِبٍ ﵁ قَالَ: . . . قَالَ لَهُمْ عَبْدُ اللَّهُ بنُ جُبَيْرٍ ﵁: عَهِدَ إِلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ لَا تَبْرَحُوا (١). فَقَالُوا: وَاللَّهِ لَنَأْتِيَنَّ النَّاسَ، فَلَنُصِيبَنَّ مِنَ الغَنِيمَةِ (٢). وَفِي رِوَايَةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ في المُسْنَدِ وَالحَاكِمِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: . . . فَلَمَّا غَنِمَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَبَاحُوا (٣) عَسْكَرَ المُشْرِكِينَ، أَكَبَّ (٤) الرُّمَاةُ جَمِيعًا (٥)، فَدَخَلُوا في العَسْكَرِ يَنْهَبُونَ (٦). وَتَرَكَ أَغْلَبُ الرُّمَاةِ الخَمْسِينَ أَمَاكِنَهُمْ التِي أَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ لَا يَتْرُكُوهَا، وَخَلَّوْا ظُهُورَ المُسْلِمِينَ لِلْعَدُوِّ، وَثَبَتَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ جُبَيْرٍ ﵁ في مَكَانِهِ وَثَبَتَ مَعَهُ نَفَرٌ مَا يَبْلُغُونَ العَشَرَةَ (٧).

стр. 1215

وَفِيهِمْ نَزَلَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ (١) مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا (٢) وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ (٣)﴾ (٤). وَالقُرْآنُ يُسَلِّطُ الضَّوْءَ عَلَى خَفَايَا القُلُوبِ، التِي مَا كَانَ المُسْلِمُونَ أَنْفُسُهُمْ يَعْرِفُونَ وُجُودَهَا في قُلُوبِهِمْ (٥). فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ مَسْعُودٍ ﵁ يَقُولُ: فَلَوْ حَلَفْتُ يَوْمَئِذٍ رَجَوْتُ أَنْ أَبَرَّ، إِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَّا يُرِيدُ الدُّنْيَا، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ (٦). وَبِذَلِكَ يَضَعُ قُلُوبَهُمْ أَمَامَهُمْ مَكْشُوفَةً بِمَا فِيهَا، وَيُعَرِّفُهُمْ مِنْ أَيْنَ جَاءَتْهُمُ الهَزِيمَةُ لِيَتَّقُوهَا (٧).

стр. 1216

* خَالِدُ بنُ الوَلِيدِ ﵁ يَلْتَفُّ مِنْ وَرَاءِ المُسْلِمِينَ: وَانتهَزَ خَالِدُ بنُ الوَليدِ ﵁ هَذِهِ الفُرْصَةَ الذَّهَبِيَّةَ، فَاسْتَدَارَ بِسُرْعَةٍ خَاطِفَةٍ، حَتَّى وَصَلَ إِلَى مُؤَخِّرَةِ جَيْشِ المُسْلِمِينَ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ أَبَادَ عَبْدَ اللَّهَ بنَ جُبَيْرٍ ﵁ (١) وَأَصْحَابَهُ، ثُمَّ انْقَضَّ عَلَى المُسْلِمِينَ مِنْ خَلْفِهِمْ، وَصَاحَ فُرْسَاُنهُ صَيْحَةً عَالِيَةً عَرَفَ المُشْرِكُونَ المُنْهَزِمُونَ أَنَّ خَيْلَهُمْ تُقَاتِلُ وَتُنَادِي، فَأَقْبَلُوا، وَأَسْرَعَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُمْ هِيَ: عَمْرَةُ بِنْتُ عَلْقَمَةَ الحَارِثِيَّةُ، فَرَفَعَتْ لِوَاءَ المُشْرِكِينَ المَطْرُوحَ عَلَى الأَرْضِ، فَاجْتَمَعَ حَوْلَهُ المُشْرِكُونَ، وَتَنَادَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا، حَتَّى اجْتَمَعُوا عَلَى المُسْلِمِينَ، وَأُحِيطَ بِهِمْ مِنَ الأَمَامِ وَالخَلْفِ (٢). * اضْطِرَابُ المُسْلِمِينَ وَنُزُولُ القَتْلِ فِيهِمْ: فَلَمَّا وَقَعَ المُسْلِمُونَ فِي هَذَا التَّطْوِيقِ مِنْ قِبَلِ المُشْرِكِينَ، حَدَثَتْ فَوْضَى عَارِمَةٌ في صُفُوفِهِمْ، وَانْفَلَتَ الزِّمَامُ، وَضَاعَ النِّظَامُ، لَقَدْ تَحَوَّلَ جَيْشُ المُسْلِمِينَ إِلَى شَبَكَةٍ لَا يُعْرَفُ لَهَا أَوَّلٌ وَلَا آخِر، تِلْكَ الصُّفُوفُ المُنَظَّمَةُ التِي كَانَتْ تُقَاتِلُ كَبُنْيَانٍ مَرْصُوصٍ، حَوَّلَهَا الرُّمَاةُ بِمُخَالفَتِهِمْ أَمْرَ الرَّسُولِ ﷺ إِلَى شَيْءٍ كَالفَوْضَى.

стр. 1217

أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وَالحَاكِمُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: . . . فَلَمَّا غَنِمَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَأَبَاحُوا عَسْكَرَ المُشْرِكِينَ، أَكَبَّ الرُّمَاةُ جَمِيعًا فَدَخَلُوا في العَسْكَرِ يَنْهَبُونَ، وَقَدِ الْتَقَتْ صُفُوفُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَهُمْ: هَكَذَا -وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابعِ يَدَيْهِ- وَالْتَبَسُوا، فَلَمَّا أَخَلَّ الرُّمَاةُ تِلْكَ الخَلَّةَ التِي كَانُوا فِيهَا دَخَلَتِ الخَيْلُ مِنْ ذَلِكَ المَوْضِعِ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَضَرَبَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَالْتَبَسُوا، وَقُتِلَ مِنَ المُسْلِمِينَ نَاسٌ كَثِيرٌ (١). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ هُزِمَ المُشْرِكُونَ، فَصَرَخَ إِبْلِيسُ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ: أَيْ عِبَادَ اللَّهِ أُخْرَاكُمْ (٢)، فَرَجَعَتْ أُولَاهُمْ فَاجْتَلَدَتْ (٣) هِيَ وَأُخْرَاهُمْ (٤). * المُسْلِمُونَ يَقْتُلُونَ اليَمَانَ وَالِدَ حُذَيْفَةَ ﵄ خَطَأً: فَبَصُرَ حُذَيْفَةُ ﵁ فَإِذَا هُوَ بِأَبِيهِ اليَمَانِ ﵁، فَقَالَ: أَيْ عِبَادَ اللَّهِ أَبِي أَبِي،

стр. 1218

قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا احْتَجَزُوا حَتَّى قتَلُوهُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ (١). وَفِي رِوَايَةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ مَحْمُودَ بنِ لَبِيدٍ ﵁، قَالَ: اخْتَلفتْ سُيُوفُ المُسْلِمِينَ عَلَى اليَمَانِ أَبِي حُذَيْفَةَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَلَا يَعْرِفُونَهُ فَقتَلُوهُ، فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَدِيَهُ (٢)، فتَصَدَّقَ حُذَيْفَةُ بِدِيَتِهِ عَلَى المُسْلِمِينَ (٣). وَرَوَى الحَاكِمُ وَابْنُ إِسْحَاقَ في السِّيرَةِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مَحْمُودَ بنِ لَبِيدٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أُحُدٍ. . . كَانَ اليَمَانُ وَالِدُ حُذَيْفَةَ، وَثَابِتُ بنُ وَقْشٍ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ، فترَكَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ. فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَفَلَا نَأْخُذُ أَسْيَافَنَا، ثُمَّ نَلْحَقُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَعَلَّ اللَّهَ يَرْزُقُنَا شَهَادَةً مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَأَخَذَا أَسْيَافَهُمَا ثُمَّ خَرَجَا، حَتَّى دَخَلَا في النَّاسِ، وَلَمْ يُعْلَمْ بِهِمَا، فَأَمَّا ثَابِتُ بنُ وَقْشٍ ﵁ فَقتَلَهُ المُشْرِكُونَ، وَأَمَّا اليَمَانُ وَهُوَ حُسَيْلُ بنُ جَابِرٍ ﵁ وَالِدُ حُذَيْفَةَ ﵁ فَاخْتَلفتْ عَلَيْهِ أَسْيَافُ المُسْلِمِينَ، فَقتَلُوهُ، وَلَا يَعْرِفُونَهُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: أَبِي أَبِي، فَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا عَرَفْنَاهُ، وَصَدَقُوا، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: يَغْفِرُ اللَّهُ

стр. 1219

لَكُمْ، وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَدِيَهُ، فتَصَدَّقَ حُذَيْفَةُ بِدِيَتِهِ عَلَى المُسْلِمِينَ، فزَادَهُ ذَلِكَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَيْرًا (١). قَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّد الغَزَالِي: في لَحْظَةٍ يَسِيرَةٍ مِنْ لَحَظَاتِ الضَّعْفِ الإِنْسَانِيِّ عَرَضَتْ لِفَرِيقٍ مِنَ الجُنْدِ، فَأَوْقَعَتِ الِارْتِبَاكَ في صُفُوفِ الجَيْشِ كُلِّهِ، فَضَاعَتْ في سَاعَةِ نَزَقٍ (٢) كُلُّ المَكَاسِبِ التِي أَحْرَزَتْهَا الشَّجَاعَةُ النَّادِرَةُ، وَالتَّضْحِيَةُ البَالِغَةُ (٣). * مَقْتَلُ حَمْزَةَ ﵁ -: وَمَعَ هَذِهِ الفَوْضَى وَالفُرْقَةِ التِي حَدَثَتْ في المُسْلِمِينَ انْكَشَفَ حَمْزَةُ ﵁ لِوَحْشِيٍّ، فَاسْتَغَلَّ وَحْشِيٌّ ذَلِكَ فَرَمَاهُ بِالرُّمْحِ فَقتَلَهُ. رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ، وَالطَّيَالِسِيُّ في مُسْنَدِهِ، عَنْ وَحْشِيِّ بنِ حَرْبٍ (٤) -قَاتِلِ حَمْزَةَ- قَالَ: كُنْتُ غُلَامًا لِجُبيْرِ بنِ مُطْعِمٍ، فَقَالَ لِي: إِنَّ

стр. 1220

حَمْزَةَ قتَلَ عَمِّي طُعَيْمَةَ بنَ عَدِيٍّ بِبَدْرٍ، فَإِنْ قتَلْتَ حَمْزَةَ بِعَمِّي فَأَنْتَ حُرٌّ، قَالَ وَحْشِيٌّ: فَخَرَجْتُ مَعَ النَّاسِ إِلَى القِتَالِ، وَكُنْتُ رَجُلًا حبَشِيًّا أَقْذِفُ بِالحَرْبَةِ قَذْفَ الحَبَشَةِ، قَلَّمَا أُخْطِئُ بِهَا شَيْئًا، فَخَرَجْتُ يَوْمَئِذٍ مَا أُرِيدُ أَنْ أَقْتُلَ أَحَدًا، وَلَا أُقَاتِلَهُ إِلَّا حَمْزَةُ، فَلَمَّا الْتَقَى النَّاسُ خَرَجْتُ أَنْظُرُ حَمْزَةَ وَأَتَبَصَّرُهُ، حَتَّى رَأَيْتُهُ في عُرْضِ النَّاسِ مِثْلَ الجَمَلِ الأَوْرَقِ (١)، يَهُدُّ النَّاسَ بِسَيْفِهِ هَدًّا، مَا يَرْفَعُ لَهُ أَحَدٌ إِلَّا قَمَعَهُ (٢) بِالسَّيْفِ، فَهِبْتُهُ، وَجَعَلْتُ ألوذُ (٣) مِنْهُ، فَلُذْتُ بِصَخْرَةٍ، وَمَعِي حَرْبَتِي، حَتَّى إِذَا اسْتَمْكَنْتُ مِنْهُ هَزَزْتُ حَرْبَتِي، ثُمَّ أَرْسَلْتُهَا فَوَقَعَتْ في ثُنَّتِهِ (٤) حَتَّى خَرجَتْ مِنْ بينِ وِرْكَيْهِ (٥). وَفِي رِوَايَةِ ابنِ إسْحَاقَ في السِّيرَةِ، قَالَ وَحْشِيٌّ: . . . حَتَّى خَرَجَتْ مِنْ بَيْنِ رِجْلَيْهِ، وَذَهَبَ لِيَنُوءَ (٦) نَحْوِي، فَغُلِبَ (٧)، وتُرِكْتُ وَإيَّاهَا حَتَّى مَاتَ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَأَخَذْتُ حَرْبَتِي، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى العَسْكَرِ، فَقَعَدْتُ فِيهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِي بِغَيْرِهِ

стр. 1221

حَاجَةً، وَإِنَّمَا قتلْتُهُ لِأُعْتَقَ، فَلَمَّا قَدِمْتُ مَكَّة أُعْتِقْتُ (١). قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وَفِي حَدِيثِ وَحْشِيٍّ مِنَ الفَوَائِدِ: الحَذَرُ في الحَرْبِ، وَأَنْ لَا يَحْقِرَ المَرْءُ مِنْهَا أَحَدًا، فَإِنَّ حَمْزَةَ لَاُبدَّ أَنْ يَكُونَ رَأَى وَحْشِيًّا في ذَلِكَ اليَوْمِ لَكِنَّهُ لَمْ يَحْتَرِزْ مِنْهُ احْتِقَارًا مِنْهُ إِلَى أَنْ أُتِيَ مِنْ قِبَلِهِ (٢). * عُمْرُ حَمْزَةَ ﵁ لَمَّا اسْتُشْهِدَ: قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: وَكَانَ حَمْزَةُ ﵁ أَخَا النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَأَخَا أَبِي سَلَمَةَ بنِ عَبْدِ الأَسَدِ، أَرْضَعَتْهُمْ ثُوَيْبَةُ مَوْلَاةُ أَبِي لَهَبٍ كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ في الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ (٣)، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ حَمْزَةُ قَدْ جَاوَزَ الخَمْسِينَ مِنَ السِّنِينِ يَوْمَ قُتِلَ ﵁ (٤). * مَقْتَلُ مُصْعَبِ بنِ عُمَيْرٍ ﵁ -: وَتَرَاجَعَ المُسْلِمُونَ وَترَكَ بَعْضُهُمْ سَاحَةَ القِتَالِ، وَثَبَتَ مُصْعَبُ بنُ عُمَيْرٍ ﵁، وَهُوَ حَامِلُ لِوَاءَ المُسْلِمِينَ يُقَاتِلُ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ ابنُ

стр. 1222

قَمِئَةٍ وَهُوَ فَارِسٌ، فَضَرَبَ يَدَهُ اليُمْنَى فَقَطَعَهَا، وَمُصْعَبٌ يَقُولُ ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾، فَأَخَذَ اللِّوَاءَ بِيَدِهِ اليُسْرَى، فَضَرَبَ ابْنُ قَمِئَةَ يَدَهُ اليُسْرَى فَقَطَعَهَا، فَضَمَّ اللِّوَاءَ بِعَضُدَيْهِ إِلَى صَدْرِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾، ثُمَّ هَجَمَ ابْنُ قَمِئَةَ فَضَرَبَهُ بِالرُّمْحِ، فَقتَلَهُ، وَسَقَطَ مُصْعَبُ بنُ عُمَيْرٍ ﵁ قَتِيلًا، وَسَقَطَ اللِّوَاءُ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَنْ يَرْفَعَ اللِّوَاءَ، فَرَفَعَهُ (١). * إِشَاعَةُ مَقْتَلِ الرَّسُولِ ﷺ وَتَأْثِيرُ ذَلِكَ عَلَى الصَّحَابَةِ: فَلَمَّا قتَلَ ابنُ قَمِئَةَ مُصْعَبَ بنَ عُمَيْرٍ ﵁، وَكَانَ مُصْعَبٌ يُشْبِهُ الرَّسُولَ ﷺ إِذَا لَبِسَ لَأَمَتَهُ، فَظَنَّ أَنَّهُ قتَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَرَجَعَ إِلَى قُرَيْشٍ، وَهُوَ يَقُولُ: قتَلْتُ مُحَمَّدًا، وَصَرَخَ الشَّيْطَانُ بِصَوْتٍ عَالٍ: أَلَا إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، فَلَمَّا سَمِعَ المُسْلِمُونَ ذَلِكَ، عَظُمَ الأَمْرُ عَلَيْهِمْ، وَطَاشَتْ أَحْلَامُهُمْ (٢)، وَذُهِلُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ، وَأَصْبَحُوا حَيَارَى لَا يَدْرُونَ مَاذَا يَصْنَعُونَ، فَصَارُوا ثَلَاثَ فِرَقٍ:

стр. 1223

* الفِرْقَةُ الأُولَى: لَاذَتْ بِالفِرَارِ وَتَرَكَتْ سَاحَةَ المَعْرَكَةِ، فَلَمْ تَرُدَّهُمْ إِلَّا حِيطَانُ (١) المَدِينَةِ، وَكَانَ الفَارُّونَ لَا يَلْوُونَ عَلَى شَيْءٍ، فَمِنْهُمْ مَنِ انْطَلَقَ إِلَى فَوْقِ الجَبَلِ، إِلَى قَرِيبٍ مِنَ المِهْرَاسِ (٢) في الشِّعْبِ، وَمِنْهُمُ اسْتَمَرَّ في الهَزِيمَةِ، فَمَا رَجَعُوا إِلَّا بَعْدَ انْقِضَاءَ القِتَالِ، وَهَؤُلَاءِ قَلِيلُونَ، كَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَنِ انْهَزَمَ: عُثْمَانُ بنُ عَفَّانَ، وَالحَارِثُ بنُ حَاطِبٍ، وَسَوَادُ بنُ غَزِيَّةَ، وسَعْدٌ وعُقْبَةُ ابْنَا عُثْمَانَ، وَرِفَاعَةُ بنُ مُعَلَّى، وَخَارِجَةُ بنُ عَمْرٍو، وَأَوْسُ بنُ قَيْظِيٍّ، وَهَؤُلَاءِ نَزَلَ فِيهِمْ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (٣). عَفَا عَمَّا وَقَعَ مِنْكُمْ مِنْ ضَعْفٍ وَمِنْ نِزَاعٍ وَمِنْ عِصْيَانٍ، وَعَفَا كَذَلِكَ عَمَّا وَقَعَ مِنْكُمْ مِنْ فِرَارٍ وَانْقِلَاب وَارْتِدَادٍ. . . عَفَا عَنْكُمْ فَضْلًا مِنْهُ وَمِنَّةً، وتَجَاوُزا عَنْ ضَعْفِكُمُ البَشَرِيِّ الذِي لَمْ تُصَاحِبْهُ نِيَّةٌ سَيِّئَةٌ، وَلَا إِصْرَارٌ عَلَى الخَطِيئَةِ. . . عَفَا عَنْكُمْ، لأَنَّكُمْ تُخْطِئُونَ وتَضَعُفُونَ في دَائِرَةِ الإِيمَانِ بِاللَّهِ، وَالِاسْتِسْلَامِ لَهُ (٤). أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ عُثْمَانَ بنِ مَوْهَبٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ حَجَّ البَيْتَ فَرَأَى قَوْمًا جُلُوسًا فَقَالَ: مَنْ هَؤُلَاءِ القُعُودُ؟ قَالُوا: هَؤُلَاءَ قُرَيْشٌ،

стр. 1224

قَالَ: مَنِ الشَّيْخُ؟ قَالُوا: ابْنُ عُمَرَ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ شَيْءٍ أَتُحَدِّثُنِي؟ قَالَ: أَنْشُدُكَ بِحُرْمَةِ هَذَا البَيْتِ أَتَعْلَمُ أَنَّ عُثْمَانَ بنَ عَفَّانَ فَرَّ يَوْمَ أُحُدٍ؟ . . . فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: أَمَّا فِرَارُهُ يَوْمَ أُحُدٍ فَأَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ عَفَا عَنْهُ (١). * الفِرْقَةُ الثَّانِيَةُ: أَمَّا الْفِرْقَةُ الثَّانِيَةُ: فَصَارُوا حَيَارَى لَمَّا سَمِعُوا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قُتِل، فَصَارَ غَايَةُ الوَاحِدِ مِنْهُمْ أَنْ يَذُبَّ عَنْ نَفْسِهِ، أَوْ يَسْتَمِرَّ عَلَى بَصِيرَتِهِ في القِتَالِ إِلَى أَنْ يُقْتَلَ، وَهُمْ أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ، ثُمَّ تَرَاجَعَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ الثَّانِيَةُ إِلَى الرَّسُولِ ﷺ شَيْئًا فَشَيْئًا لَمَّا عَرَفُوا أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ حَيٌّ (٢). * قِصَّةُ أَنَسِ بنِ النَّضْرِ ﵁ -: فَمَرَّ أَنَسُ بنُ النَّضْرِ ﵁ عَمُّ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵁ عَلَى بَعْضِ الصَّحَابَةِ، مِمَّنْ أَذْهَلَتْهُمُ الشَّائِعَةُ -وَهِيَ قتلُ الرَّسُولِ ﷺ وَأَلقَوْا بِسِلَاحِهِمْ، فَقَالَ: مَا يُجْلِسُكُمْ؟ قَالُوا: قُتِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: فَمَاذَا تَصْنَعُونَ بِالحَيَاةِ بَعْدَهُ؟ قُومُوا فَمُوتُوا عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ ثُمَّ قَالَ ﵁: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءَ -يَعْنِي أَصْحَابَهُ- وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءَ -يَعْنِي المُشْرِكِينَ- ثُمَّ تَقَدَّمَ، فَلَقِيَهُ سَعْدُ بنُ مُعَاذٍ ﵁ مُنْهَزِمًا، فَقَالَ: أَيْنَ يَا أَبَا عَمْرٍو؟

стр. 1225

فَقَالَ: يَا سَعْدَ بنَ مُعَاذٍ الجَنَّةُ وَرَبِّ النَّضْرِ، إِنِّي أَجِدُ رِيحَهَا دُونَ أُحُدٍ (١)، ثُمَّ أَخَذَ يُقَاتِلُ المُشْرِكِينَ حَتَّى قُتِلَ ﵁. قَالَ سَعْدُ بنُ مُعَاذٍ ﵁ لِلرَّسُولِ ﷺ بعْدَ المَعْرَكَةِ: فَمَا اسْتَطَعْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ أَصْنَعَ مَا صَنَعَ أَنَسُ بنُ النَّضْرِ (٢)، فَوُجِدَ في جَسَدِهِ بِضْع وَثَمَانُونَ مَا بَيْنَ ضَرْبَةٍ بِسَيْفٍ، أَوْ طَعْنَةٍ بِرُمْحٍ، أَوْ رَمْيَةٍ بِسَهْمٍ، وَقَدْ مَثَّلَ بِهِ المُشْرِكُونَ، فَمَا عَرَفَهُ إِلَّا أُخْتُهُ (٣) بِبَنَانِهِ (٤)، وَكَانَ حَسَنَ البَنَانِ. قَالَ أنَسُ بنُ مَالِكٍ ﵁: كُنَّا نرَى أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ، وَفِي أَشْبَاهِهِ وَهِيَ قَوْلُه تَعَالَى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (٥).

стр. 1226

* فَوَائِدُ الحَدِيثِ: قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وَفِي قِصَّةِ أَنَسِ بنِ النَّضْرِ ﵁ مِنَ الفَوَائِدِ: ١ - جَوَازُ بَذْلِ النَّفْسِ في الجِهَادِ. ٢ - وَفِيهِ فَضْلُ الوَفَاءِ بِالعَهْدِ؛ لِأَنَّ أَنَسًا عَاهَدَ اللَّهَ بِقَوْلهِ: لَئِنْ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِتَالٌ مَعَ قُرَيْشٍ بَعْدَ بَدْرٍ؛ لَيَرَيَنَّ اللَّهُ مَا أَصْنَعُ، وَلَوْ شَقَّ عَلَى النَّفْسِ حَتَّى يَصِلَ إِلَى إِهْلَاكِهَا. ٣ - وَأَنَّ طَلَبَ الشَّهَادَةِ في الجِهَادِ لَا يَتَنَاوَلَهُ النَّهْيُ عَنِ الإِلْقَاءِ إِلَى التَّهْلُكَةِ. ٤ - وَفِيهِ فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ لِأَنَسِ بنِ النَّضْرِ ﵁، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ صِحَّةِ الإِيمَانِ وَكَثْرَةِ التَّوَقِّي، وَالتَّوَرُّعِ، وَقُوَّةِ اليَقِينِ (١). * الفِرْقَةُ الثَّالِثَةُ: وَأَمَّا الْفِرْقَةُ الثَّالِثَةُ: فَهُمُ الذِينَ ثَبَتُوا مَعَ الرَّسُولِ ﷺ ، كَمَا سَيَأْتِي. * ثَبَاتُ الرَّسُولِ ﷺ -: وَأَمَّا الرَّسُولُ ﷺ فَقَدْ ثَبَتَ في سَاحَةِ المَعْرَكَةِ ثَبَاتَ الجِبَالِ الرَّاسِيَاتِ،

стр. 1227

وَلَمْ يُفَارِقْ مَكَانَهُ، قَالَ المِقْدَادُ بنُ عَمْرٍو ﵁: فَوَالذِي بَعَثَهُ بِالحَقِّ، مَا زَالَتْ قَدَمُهُ شِبْرًا وَاحِدًا عَنْ مَوْقِفِهِ، وَإِنَّهُ لَفِي وَجْهِ العَدُوِّ (١). أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا إِذَا احْمَرَّ البَأْسُ (٢)، وَلَقِيَ القَوْمُ القَوْمَ، اتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَمَا يَكُونُ مِنَّا أَحَدٌ أَدْنَى إِلَى القَوْمِ مِنْهُ (٣). فَلَمَّا انْكَشَفَ المُسْلِمُونَ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يُنَادِيهِمْ: "إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ، إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ، أَنَا رَسُولُ اللَّهِ"، فَعَرَفَ المُشْرِكُونَ صَوْتَهُ ﷺ فكَرُّوا (٤) عَلَيْهِ وَهَاجَمُوهُ، وَمَالُوا إِلَيْهِ بِثِقْلِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ حِينَئِذٍ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ، وَفِيهِمْ: طَلْحَةُ بنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ﵁، وَقِيلَ: بَلْ سَبْعَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ، وَرَجُلَانِ مِنْ قُرَيْشٍ. وَعِنْدَ ابنِ سَعْدٍ في طَبَقَاتِهِ (٥) قَالَ: وَثَبَتَ مَعَهُ ﷺ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا: سَبْعَةً مِنَ المُهَاجِرِينَ فِيهِمْ: أَبُو بَكْرٍ ﵁، وَسَبْعَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ.

стр. 1228

* مَقْتَلُ السَّبْعَةِ مِنَ الأَنْصَارِ: رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ، وَابْنُ حِبَّانَ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُفْرِد يَوْمَ أُحُدٍ في سَبْعَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَرَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ (١)، فَلَمَّا رَهِقُوهُ (٢)، قَالَ ﷺ : "مَنْ يَرُدُّهُمْ عَنَّا وَلَهُ الجَنَّة، أَوْ هُوَ رَفِيقِي في الجَنَّةِ؟ ". فتَقَدَّمَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، ثُمَّ رَهِقُوهُ أَيْضًا، فَقَالَ ﷺ : "مَنْ يَرُدُّهُمْ عَنَّا وَلَهُ الجَنَّة، أَوْ هُوَ رَفِيقِي في الجَنَّةِ؟ "، فتَقَدَّمَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى قُتِلَ السَّبْعَةُ، فَقَالَ ﷺ لِصَاحِبَيْهِ: "مَا أَنْصَفْنَا أَصْحَابَنَا" (٣).

стр. 1229

وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ في السُّنَنِ الكُبْرَى، وَالبَيْهَقِيُّ في الدَّلَائِلِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ، وَوَلَّى النَّاسُ، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في نَاحِيَةٍ في اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا (١) مِنَ الأَنْصَارِ، وَفِيهِمْ طَلْحَةُ بنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ﵁، فَأَدْرَكَهُ المُشْرِكُونَ، فَالْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؛ فَقَالَ: "مَنْ لِلقوْمِ؟ ". فَقَالَ طَلْحَةُ: أَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "كَمَا أَنْتَ". فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: أنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: "أَنْتَ"، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، ثُمَّ الْتَفَتَ ﷺ ، فَإِذَا بِالمُشْرِكِينَ، فَقَالَ: "مَنْ لِلقوْمِ؟ ". قَالَ طَلْحَةُ: أنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ ﷺ : "كَمَا أَنْتَ". قَالَ رَجُل مِنَ الأَنصَارِ: أَنَا. فَقَالَ: "أَنْتَ"، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يَقُولُ ذَلِكَ، وَيَخْرُجُ إِلَيْهِمْ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَيُقَاتِلُ قِتَالَ مَنْ قَبْلَهُ حَتَّى يُقْتَلَ، حَتَّى بَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَطَلْحَةُ بنُ عُبَيْدِ اللَّهِ (٢).

стр. 1230

وَكَانَ آخِرَ مَنْ قُتِلَ مِنْ هَؤُلَاءِ الأَنْصَارِ عُمَارَةُ بنُ زِيَادِ بنِ السَّكَنِ ﵁، فَقَاتَلَ حَتَّى أَثْبَتَتْهُ الجِرَاحَةُ، فَقَالَ ﷺ : "أَدْنُوهُ مِنِّي"، فَأَدْنَوْهُ مِنْهُ، فَوَسَّدَهُ قَدَمَهُ، فَمَاتَ، وَخَدُّهُ عَلَى قَدَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (١). * مَا أَصَابَ الرَّسُولَ ﷺ مِنَ الجِرَاحِ: وَلَمْ يَبْقَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ مَقْتَلِ هَؤُلَاءِ الأَنْصَارِ غَيْرُ طَلْحَةَ بنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَسَعْدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ ﵄، فَشَدَّ المُشْرِكُونَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَرَمَاهُ عُتْبَةُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ بِالحِجَارَةِ، فَوَقَعَ ﷺ لِشِقِّهِ، وَأُصِيبَتْ شَفَتُهُ السُّفْلَى فَجَرَحَهَا، وَكَسَرَ رَبَاعِيَتَهُ اليُمْنَى (٢)، وَكُسِرَتِ البَيْضَةُ (٣) عَلَى رَأْسِهِ ﷺ ، وَتَقَدَّمَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ فَشَجَّهُ في جَبْهَتِهِ ﷺ ، وَأَتَى ابنُ قَمِئَةَ فَعَلَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالسَّيْفِ، وَضَرَبَهُ عَلَى مَنْكبهِ (٤) الأَيْمَنِ ضَرْبَةً شَدِيدَةً، شَكَا الرَّسُولُ ﷺ لِأَجْلِهَا أَكْثَرَ مِنْ شَهْرٍ، ثُمَّ ضَرَبَهُ عَلَى وَجْنَتَيْهِ (٥) وَقَالَ: خُذْهَا وَأَنَا
следующие страницы →