← Сира

Сира · id 38114

اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون

موسى بن راشد العازمي

Полный текст (2 595 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

* فَوَائِدُ الحَدِيثِ: قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وَفِي قِصَّةِ أَنَسِ بنِ النَّضْرِ ﵁ مِنَ الفَوَائِدِ: ١ - جَوَازُ بَذْلِ النَّفْسِ في الجِهَادِ. ٢ - وَفِيهِ فَضْلُ الوَفَاءِ بِالعَهْدِ؛ لِأَنَّ أَنَسًا عَاهَدَ اللَّهَ بِقَوْلهِ: لَئِنْ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِتَالٌ مَعَ قُرَيْشٍ بَعْدَ بَدْرٍ؛ لَيَرَيَنَّ اللَّهُ مَا أَصْنَعُ، وَلَوْ شَقَّ عَلَى النَّفْسِ حَتَّى يَصِلَ إِلَى إِهْلَاكِهَا. ٣ - وَأَنَّ طَلَبَ الشَّهَادَةِ في الجِهَادِ لَا يَتَنَاوَلَهُ النَّهْيُ عَنِ الإِلْقَاءِ إِلَى التَّهْلُكَةِ. ٤ - وَفِيهِ فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ لِأَنَسِ بنِ النَّضْرِ ﵁، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ صِحَّةِ الإِيمَانِ وَكَثْرَةِ التَّوَقِّي، وَالتَّوَرُّعِ، وَقُوَّةِ اليَقِينِ (١). * الفِرْقَةُ الثَّالِثَةُ: وَأَمَّا الْفِرْقَةُ الثَّالِثَةُ: فَهُمُ الذِينَ ثَبَتُوا مَعَ الرَّسُولِ ﷺ ، كَمَا سَيَأْتِي. * ثَبَاتُ الرَّسُولِ ﷺ -: وَأَمَّا الرَّسُولُ ﷺ فَقَدْ ثَبَتَ في سَاحَةِ المَعْرَكَةِ ثَبَاتَ الجِبَالِ الرَّاسِيَاتِ،

стр. 1227

وَلَمْ يُفَارِقْ مَكَانَهُ، قَالَ المِقْدَادُ بنُ عَمْرٍو ﵁: فَوَالذِي بَعَثَهُ بِالحَقِّ، مَا زَالَتْ قَدَمُهُ شِبْرًا وَاحِدًا عَنْ مَوْقِفِهِ، وَإِنَّهُ لَفِي وَجْهِ العَدُوِّ (١). أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا إِذَا احْمَرَّ البَأْسُ (٢)، وَلَقِيَ القَوْمُ القَوْمَ، اتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَمَا يَكُونُ مِنَّا أَحَدٌ أَدْنَى إِلَى القَوْمِ مِنْهُ (٣). فَلَمَّا انْكَشَفَ المُسْلِمُونَ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يُنَادِيهِمْ: "إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ، إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ، أَنَا رَسُولُ اللَّهِ"، فَعَرَفَ المُشْرِكُونَ صَوْتَهُ ﷺ فكَرُّوا (٤) عَلَيْهِ وَهَاجَمُوهُ، وَمَالُوا إِلَيْهِ بِثِقْلِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ حِينَئِذٍ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ، وَفِيهِمْ: طَلْحَةُ بنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ﵁، وَقِيلَ: بَلْ سَبْعَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ، وَرَجُلَانِ مِنْ قُرَيْشٍ. وَعِنْدَ ابنِ سَعْدٍ في طَبَقَاتِهِ (٥) قَالَ: وَثَبَتَ مَعَهُ ﷺ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا: سَبْعَةً مِنَ المُهَاجِرِينَ فِيهِمْ: أَبُو بَكْرٍ ﵁، وَسَبْعَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ.

стр. 1228

* مَقْتَلُ السَّبْعَةِ مِنَ الأَنْصَارِ: رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ، وَابْنُ حِبَّانَ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُفْرِد يَوْمَ أُحُدٍ في سَبْعَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَرَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ (١)، فَلَمَّا رَهِقُوهُ (٢)، قَالَ ﷺ : "مَنْ يَرُدُّهُمْ عَنَّا وَلَهُ الجَنَّة، أَوْ هُوَ رَفِيقِي في الجَنَّةِ؟ ". فتَقَدَّمَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، ثُمَّ رَهِقُوهُ أَيْضًا، فَقَالَ ﷺ : "مَنْ يَرُدُّهُمْ عَنَّا وَلَهُ الجَنَّة، أَوْ هُوَ رَفِيقِي في الجَنَّةِ؟ "، فتَقَدَّمَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى قُتِلَ السَّبْعَةُ، فَقَالَ ﷺ لِصَاحِبَيْهِ: "مَا أَنْصَفْنَا أَصْحَابَنَا" (٣).

стр. 1229

وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ في السُّنَنِ الكُبْرَى، وَالبَيْهَقِيُّ في الدَّلَائِلِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ، وَوَلَّى النَّاسُ، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في نَاحِيَةٍ في اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا (١) مِنَ الأَنْصَارِ، وَفِيهِمْ طَلْحَةُ بنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ﵁، فَأَدْرَكَهُ المُشْرِكُونَ، فَالْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؛ فَقَالَ: "مَنْ لِلقوْمِ؟ ". فَقَالَ طَلْحَةُ: أَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "كَمَا أَنْتَ". فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: أنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: "أَنْتَ"، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، ثُمَّ الْتَفَتَ ﷺ ، فَإِذَا بِالمُشْرِكِينَ، فَقَالَ: "مَنْ لِلقوْمِ؟ ". قَالَ طَلْحَةُ: أنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ ﷺ : "كَمَا أَنْتَ". قَالَ رَجُل مِنَ الأَنصَارِ: أَنَا. فَقَالَ: "أَنْتَ"، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يَقُولُ ذَلِكَ، وَيَخْرُجُ إِلَيْهِمْ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَيُقَاتِلُ قِتَالَ مَنْ قَبْلَهُ حَتَّى يُقْتَلَ، حَتَّى بَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَطَلْحَةُ بنُ عُبَيْدِ اللَّهِ (٢).

стр. 1230

وَكَانَ آخِرَ مَنْ قُتِلَ مِنْ هَؤُلَاءِ الأَنْصَارِ عُمَارَةُ بنُ زِيَادِ بنِ السَّكَنِ ﵁، فَقَاتَلَ حَتَّى أَثْبَتَتْهُ الجِرَاحَةُ، فَقَالَ ﷺ : "أَدْنُوهُ مِنِّي"، فَأَدْنَوْهُ مِنْهُ، فَوَسَّدَهُ قَدَمَهُ، فَمَاتَ، وَخَدُّهُ عَلَى قَدَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (١). * مَا أَصَابَ الرَّسُولَ ﷺ مِنَ الجِرَاحِ: وَلَمْ يَبْقَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ مَقْتَلِ هَؤُلَاءِ الأَنْصَارِ غَيْرُ طَلْحَةَ بنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَسَعْدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ ﵄، فَشَدَّ المُشْرِكُونَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَرَمَاهُ عُتْبَةُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ بِالحِجَارَةِ، فَوَقَعَ ﷺ لِشِقِّهِ، وَأُصِيبَتْ شَفَتُهُ السُّفْلَى فَجَرَحَهَا، وَكَسَرَ رَبَاعِيَتَهُ اليُمْنَى (٢)، وَكُسِرَتِ البَيْضَةُ (٣) عَلَى رَأْسِهِ ﷺ ، وَتَقَدَّمَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ فَشَجَّهُ في جَبْهَتِهِ ﷺ ، وَأَتَى ابنُ قَمِئَةَ فَعَلَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالسَّيْفِ، وَضَرَبَهُ عَلَى مَنْكبهِ (٤) الأَيْمَنِ ضَرْبَةً شَدِيدَةً، شَكَا الرَّسُولُ ﷺ لِأَجْلِهَا أَكْثَرَ مِنْ شَهْرٍ، ثُمَّ ضَرَبَهُ عَلَى وَجْنَتَيْهِ (٥) وَقَالَ: خُذْهَا وَأَنَا

стр. 1231

ابْنُ قَمِئَةَ، فَدَخَلَتْ حَلَقَاتٌ مِنْ حِلَقِ المِغْفَرِ (١) في وَجْنَتِهِ ﷺ ، فَقَالَ ﷺ : "أَقْمَاكَ (٢) اللَّهُ " (٣). وَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْفَعُ هَؤُلَاءِ المُشْرِكِينَ، فَسَقَطَ في حُفْرَةٍ مِنَ الحُفَرِ التِي كَانَ أَبُو عَامِرٍ الفَاسِقُ قَدْ حَفَرَهَا لِيَقَعَ فِيهَا المُسْلِمُونَ، فَجُحِشَتْ (٤) رُكبَتَاهُ ﷺ ، فَأَخَذ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ بِيَدِهِ، وَرَفَعَهُ حَتَّى اسْتَوَى قَائِمًا (٥). رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ، وَالطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ دَمُّوا (٦) وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ، وَهَشَمُوا (٧) عَلَيْهِ البَيْضَةَ، وَكَسَرُوا رَبَاعِيَتَهُ" (٨). * اسْتِجَابَةُ اللَّهِ تَعَالَى دَعْوَةَ نَبِيِّهِ ﷺ -: وَقَدِ اسْتَجَابَ اللَّهُ دَعْوَةَ نَبِيِّهِ ﷺ في ابْنِ قَمِئَةَ، فَإِنَّهُ لَمَّا انْصَرَفَ مِنْ ذَلِكَ اليَوْمِ إِلَى أَهْلِهِ خَرَجَ إِلَى غَنَمِهِ، فَوَجَدَهَا عَلَى ذُرْوَةِ جَبَلٍ،

стр. 1232

فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ تَيْسًا، فَلَمْ يَزَلْ يَنْطَحُهُ حَتَّى قَطَّعَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ: فَشَدَّ عَلَيْهِ التَّيْسُ فنَطَحَهُ نَطْحَةً أَرْدَاهُ مِنْ شَاهِقِ الجَبَلِ فتَقَطَّعَ (١). وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى عُتْبَةَ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ، فَقَالَ: "اللَّهُمَّ لَا تُحِلْ عَلَيْهِ الحَوْلَ (٢) حَتَّى يَمُوتَ كَافِرًا"، فَمَا حَالَ عَلَيْهِ الحَوْلُ حَتَّى مَاتَ كَافِرًا إِلَى النَّارِ (٣) وَأَخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلَائِلِ وَابْنُ إِسْحَاقَ في السِّيرَةِ عَنْ سَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: وَاللَّهِ مَا حَرَصْتُ عَلَى قتلِ رَجُلٍ قَطُّ كَحِرْصِي عَلَى قَتْلِ عُتْبَةَ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَإِنْ كَانَ مَا عَلِمْتُهُ لَسَيِّئَ الخُلُقِ، مُبغَّضًا فِي قَوْمِهِ (٤) * دِفَاعُ طَلْحَةَ بنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ -: وَكَانَ هَدَفُ المُشْرِكِينَ قتلَ الرَّسُولِ ﷺ ، إِلَّا أَنَّ طَلْحَةَ بنَ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَسَعْدَ بنَ أَبِي وَقَّاصٍ ﵄، قَامَا بِبُطُولَةٍ نَادِرَةٍ، وَقَاتَلَا بِبَسَالَةٍ مُنْقَطِعَةِ النَّظِيرِ، حَتَّى لَمْ يَتْرُكَا -وَهُمَا اثْنَانِ- سَبِيلًا إِلَى المُشْرِكِينَ لِتَحْقِيقِ هَدَفِهِمْ (٥).

стр. 1233

فَعِنْدَمَا تَجَمَّعَ المُشْرِكُونَ حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقُتِلَ النَّفَرُ مِنَ الأَنْصَارِ دُونَهُ ﷺ ، بَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَطَلْحَةُ بنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ﵁، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ لِلقَوْمِ؟ ". فَقَالَ طَلْحَةُ: أنَا، فَقَاتَلَ طَلْحَةُ قِتَالَ الأَحَدَ عَشَرَ حَتَّى ضُرِبَتْ يَدُهُ، فَقُطِعَتْ أَصَابِعُهُ، فَقَالَ: حِسٌّ (١)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَوْ قُلْتَ: بِسْمِ اللَّهِ، لَرَفَعَتْكَ المَلَائِكَةُ والنَّاسُ يَنْظُرُونَ" (٢). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى في فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مُوسَى بنِ طَلْحَةَ أَنَّهُ قَالَ: أَنَّ طَلْحَةَ ﵁، ضُرِبَتْ كَفُّهُ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَالَ: حِسٌّ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "لَوْ قُلْتَ: بِسْمِ اللَّهِ، لَرَأَيْتُ يُبْنَى لَكَ بِهَا بَيْتٌ في الجَنَّةِ، وَأَنْتَ حَيٌّ في الدُّنْيَا" (٣). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ قَيْسٍ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ يَدَ طَلْحَةَ شَلَّاءَ (٤) وَقَى بها النَّبيَّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ (٥).

стр. 1234

وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مُوسَى بنِ طَلْحَةَ قَالَ: جُرِحَ طَلْحَةُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِضْعًا وَعِشْرِينَ جِرَاحَةً (١). * دِفَاعُ سَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ -: وَأَمَّا سَعْدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁، فَكَانَ مِنْ أَشَدِّ المُقَاتِلِينَ يَوْمَ أُحُدٍ كَمَا ذَكَرْنَا، وَكَانَ مِمَّنْ ثَبَتَ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ يَوْم انْهَزَمَ النَّاسُ. رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ سَعْدِ بنِ أَبِى وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: نَثَلَ (٢) لِيَ النَّبِيُّ ﷺ كِنَانَتَهُ (٣) ﵁ يَوْمَ أُحُدٍ فَقَالَ: "ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمَي" (٤). * نُزُولُ المَلَائِكَةِ: وَفِي هَذِهِ اللَّحَظَاتِ الحَرِجَةِ أَنْزَلَ اللَّهُ مَلَائِكَتَهُ لِحِمَايَةِ نَبِيِّهِ ﷺ ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ سَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، وَمَعَهُ رَجُلَانِ يُقَاتِلَانِ عَنْهُ (٥)، عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ

стр. 1235

بِيضٌ، كَأَشَدِّ القِتَالِ، مَا رَأَيْتُهُمَا قَبْلُ وَلَا بَعْدُ (١). زَادَ مُسْلِمٌ في رِوَايَتِهِ عَنْهُ ﵁: يَعْنِي جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ ﵉ (٢). قُلْتُ: نَزَلَتِ المَلَائِكَةُ لِحِمَايَةِ الرَّسُول ﷺ ، وَلَمْ تُقَاتِلِ المَلَائِكَةُ إِلَّا في غَزْوَةِ بَدْرٍ الكُبْرَى. قَال ابنُ عَبَّاسٍ ﵄: لَمْ تُقَاتِلِ المَلَائِكَةُ في يَوْمٍ سِوَى يَوْمِ بَدْرٍ، وَكَانُوا يَكُوُنونَ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْأَيَّامِ عَدَدًا وَمَدَدًا لَا يَضْرِبُونَ (٣). * عَوْدَةُ الصَّحَابَةِ حَوْلَ الرَّسُولِ ﷺ وَاسْتِمَاتَتُهُمْ في الدِّفَاع عَنْهُ: وَمَا كَادَ الصَّحَابَةُ الذِينَ يُقَاتِلُونَ المُشْرِكِينَ، يَسْمَعُونَ صَوْتَ الرَّسُولِ ﷺ يُنَادِيهِمْ: "إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ، إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ"، حَتَّى أَقْبَلُوا إِلَيْهِ، وَقَدْ كَثُرَ فِيهِمُ الجِرَاحُ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، سَبْعَةٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ، وَسَبْعَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ مِنْهُمْ: أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَعُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، وَعَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بنُ الجَرَّاحِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوْفٍ، وَأَبُو طَلْحَةَ الأَنْصَارِيُّ، وَالحَارِثُ بنُ الصِّمَّةِ، وَمَالِكُ بنُ سِنَانٍ وَالِدُ أَبِي سَعِيدٍ

стр. 1236

الخُدْرِيِّ، وَأَبُو دُجَانَةَ، وَأُمُّ عُمَارَةَ نُسَيْبَةُ بِنْتُ كَعْبٍ ﵃ أَجْمَعِينَ. * دِفَاعُ أَبِي دُجَانَةَ ﵁ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ -: وَأَخَذَ هَؤُلَاءِ الصَّحَابَةُ يَدْفَعُوا المُشْرِكِينَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِكُلِّ مَا أُتُوا مِنْ قُوَّةٍ، مَعَ كَثْرَةِ الجِرَاحِ التِي فِيهِمْ، فَقَامَ أَبُو دُجَانَةَ ﵁ وَتَرَّسَ (١) نَفْسَهُ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، يَقَعُ النَّبْلُ في ظَهْرِهِ، وَهُوَ مُنْحَنٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، حَتَّى امْتَلَأَ ظَهْرُهُ سِهَامًا، وَهُوَ لَا يَتَحَرَّكُ، غَيْرَ مُبَالٍ مَا أَصَابَهُ في سَبِيلِ اللَّهِ (٢). * دِفَاعُ أَبِي طَلْحَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -: وَمِمَّنِ اسْتَمَاتَ في الدِّفَاعِ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ أَبُو طَلْحَةَ الأَنْصَارِيُّ ﵁، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْهَزَمَ النَّاسُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَبُو طَلْحَةَ بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ ﷺ مُجَوِّبٌ (٣) عَلَيْهِ بِحَجَعَةٍ (٤) لَهُ، وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ رَجُلًا رَامِيًا شَدِيدَ النَّزْعِ، كَسَرَ يَوْمَئِذٍ قَوْسَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، وَكَانَ الرَّجُلُ يَمُرُّ مَعَهُ بِجَعْبَةٍ (٥) مِنَ النَّبْلِ، فَيَقُولُ ﷺ : "انْثُرْهَا لِأَبِي

стр. 1237

طَلْحَةَ"، قَالَ: وَيُشْرِفُ (١) النَّبِيُّ ﷺ يَنْظُرُ إِلَى القَوْمِ، فَيَقُولُ أَبُو طَلْحَةَ: "بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي لَا تُشْرِفْ يُصِيبُكَ سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ القَوْمِ، نَحْرِي دُونَ نَحْرِكَ" (٢). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَصَوْتُ أَبِي طَلْحَةَ أَشَدُّ عَلَى المُشْرِكِينَ مِنْ فِئَةٍ" (٣). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى في المُسْنَدِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: "صَوْتُ أَبِي طَلْحَةَ في الجَيْشِ خَيْرٌ مِنْ فِئَةٍ" (٤). قَالَ: وَكَانَ يَجْثُو (٥) بَيْنَ

стр. 1238

يَدَيْهِ في الحَرْبِ ثُمَّ يَنْثُرُ كِنَانتهُ، ويَقُولُ: وَجْهِي لِوَجْهِكَ الوِقَاءُ، وَنَفْسِي لِنَفْسِكَ الْفِدَاءُ (١). * دِفَاعُ سَهْلِ بنِ حُنَيْفٍ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -: وَمِنْهُمْ سَهْلُ بنُ حُنَيْفٍ ﵁، فَإِنَّهُ ثَبَتَ مَعَ الرَّسُولِ حِينَ انْكَشَفَ النَّاسُ، وَبَايَعَ يَوْمَئِذٍ عَلَى المَوْتِ، وَجَعَلَ يَنْضَحُ (٢) يَوْمَئِذٍ بِالنَّبْلِ (٣) عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَيَقُولُ ﷺ : "نَبِّلُوا (٤) سَهْلًا فَإِنَّهُ سَهْلٌ" (٥). * دِقَاعُ عَيْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -: وَقَاتَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوْفٍ ﵁، حَتَّى أُصِيبَ فَمُهُ يَوْمَئِذٍ فَهُتِمَ (٦) وَجُرِحَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ جِرَاحَةً، وَجُرِحَ في رِجْلِهِ فَكَانَ يَعْرُجُ مِنْهَا (٧).

стр. 1239

* دِفَاعُ مَالِكِ بنِ سِنَانٍ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -: وَأَمَّا مَالِكُ بنُ سِنَانٍ وَالِدُ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵄، فَإِنَّهُ امْتَصَّ دَمَ الرَّسُولِ ﷺ مِنْ وَجْنَتِهِ (١) الشَّرِيفَةَ ﷺ حَتَّى أَنْقَاهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مُجَّهُ" (٢)، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَمُجُّهُ أَبَدًا، ثُمَّ أَدْبَرَ فَقَاتَلَ، فَقَالَ ﷺ : "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَنْ خَالَطَ دَمِي دَمُهُ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَالِكِ بنِ سِنَانٍ" (٣). وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ في السِّيرَةِ قَالَ ﷺ : "مَنْ مَسَّ دَمِي دَمُهُ لَمْ تُصِبْهُ النَّارُ" (٤). * بُطُولَةُ نُسَيْبَةَ بِنْتِ كَعْبٍ ﵂: وَقَاتَلَتْ أُمُّ عُمَارَةَ نُسَيْبَةُ بِنْتُ كَعْبٍ المَازِنِيَّةُ ﵄، قَالَ ابْنُ سَعْدٍ في طَبَقَاتِهِ: شَهِدَتْ أُمَّ عُمَارَةَ بِنْتَ كَعْبٍ أُحُدًا، مَعَ زَوْجِهَا غَزِيَّةُ بنُ عَمْرٍو وَابْنَيْهَا، وخَرَجَتْ تَسْقِي، وَمَعَهَا شَنٌّ (٥) لَهَا.

стр. 1240

وَكَانَتْ تُقَاتِلُ يَوْمَئِذٍ أَشَدَّ القِتَالِ، وأَبْلَتْ بَلَاءً حَسَنًا، وَإِنَّهَا لَحَاجِزَةٌ (١) ثَوْبَهَا عَلَى وَسَطِهَا، حَتَّى جُرِحَتْ اثْنَيْ عَشَرَ جُرْحًا، وكَانَ قَدْ ضَرَبَهَا ابنُ قَمِئَةَ -قبَّحَهُ اللَّهُ- ضَرْبَةً عَلَى عَاتِقِهَا (٢)، وَكَانَ أَعْظَمَ جِرَاحِهَا، فَدَاوَتْهُ سَنَةً، وَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ يَقُولُ: "مَنْ يُطِيقُ مَا تُطِيقِينَ يَا أُمَّ عِمَارَةَ؟ "، فَقَالَتْ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ نُرَافِقَكَ في الجَنَّةِ. فَقَالَ ﷺ : "اللَّهُمَّ اجْعَلْهُمْ رُفَقَائِي في الجَنَّةِ". فَقَالَتْ ﵂: مَا أُبَالِي مَا أَصَابَنِي مِنَ الدُّنْيَا (٣). قَالَ الدُّكْتُور مُحَمَّد أَبُو شَهْبَة رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَإِنَّ الإِنْسَانَ لَيُدْهَشُ مِنْ هَذِهِ الشَّجَاعَةِ التِي لَا نَكَادُ نَجِدُ لَهَا مِثَالًا في تَارِيخِ الدُّنْيَا، وَإِنَّ لِهَذِهِ السَّيَدَةِ البَطَلَةِ لَتَارِيخًا حَافِلًا في بَابِ الجِهَادِ في الإِسْلَامِ، . . . وَشَهِدَتْ كَذَلِكَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ، وَأَبْلَت بَلَاءً حَسَنًا في حُرُوبِ الرِّدَّةِ (٤). * جِهَادُ النِّسَاءِ: وَلقدْ ضَرَبَ نِسَاءُ الصَّحَابَةِ ﵅، أَرْوَعَ الأَمْثِلَةِ في غَزْوَةِ أُحُدٍ العَظِيمَةِ، فكُنَّ يَسْقِينَ العَطْشَى، وَيُدَاوِينَ الجَرْحَى، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: . . . وَلقدْ رَأَيْتُ عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ،

стр. 1241

وَأُمَّ سُلَيْمٍ (١)، وَإِنَّهُمَا لَمُشَمِّرَتَانِ (٢) أَرَى خَدَمَ (٣) سُوقِهِمَا تَنْقُلَانِ (٤) الْقِرَبِ عَلَى مُتُونِهِمَا (٥) ثُمَّ تُفْرِغَانِهِ في أَفْوَاهِ القَوْمِ، ثُمَّ تَرْجِعَانِ، فتَمْلَآنِهَا ثُمَّ تَجِيئَانِ، فَتُفْرِغَانِهِ في أَفْوَاهِ القَوْمِ (٦). * جِهَادُ أُمِّ سَلِيطٍ ﵂: وَمِنْهُنَّ أُمُّ سَلِيطٍ، وَهِيَ وَالِدَةُ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵄، كَانَتْ زَوْجًا لِأَبِي سَلِيطٍ، فَمَاتَ عَنْهَا قَبْلَ الهِجْرَةِ، فتَزَوَّجَهَا مَالِكُ بنُ سِنَانٍ الخُدْرِيُّ فَوَلَدَتْ لَهُ أَبَا سَعِيدٍ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ ثَعْلَبَةَ بنِ أَبِي

стр. 1242

مَالِكٍ قَالَ: إِنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ ﵁ قَسَمَ مُرُوطًا (١) بَيْنَ نِسَاءٍ مِنْ نِسَاءِ المَدِينَةِ، فَبَقِيَ مِرْطٌ جَيِّدٌ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ مَنْ عِنْدَهُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ أَعْطِ هَذَا ابْنَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ التِي عِنْدَكَ -يُرِيدُونَ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عَلِيٍّ- فَقَالَ عُمَرُ: أُمُّ سَلِيطٍ أَحَقُّ، وَأُمُّ سَلِيطٍ مِنْ نِسَاءَ الأَنْصَارِ مِمَّنْ بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ عُمَرُ: فَإِنَّهَا كَانَتْ تَزْفِرُ (٢) لَنَا القِرَبَ يَوْمَ أُحُدٍ (٣). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صحِيحِهِ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يغْزُو بِأُمِّ سُلَيْمٍ، وَنِسْوَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ مَعَهُ إِذَا غَزَا، فَيَسْقِينَ المَاءَ وَيُدَاوِينَ الجَرْحَى (٤). قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ: وَفِي هَذَا الحَدِيثِ جَوَازُ خُرُوجِ النِّسَاءَ في الغَزْوِ وَالِانْتِفَاعِ بِهِنَّ في السَّقْي وَالمُدَاوَاةِ وَنَحْوِهِمَا، وَهَذ المُدَاوَاةُ لِمَحَارِمِهِنَّ وَأَزْوَاجِهِنَّ، وَمَا كَانَ مِنْهَا لِغَيْرِهِمْ لَا يَكُونُ فِيهِ مَسُّ بَشَرَةٍ إِلَّا في مَوْضِعِ الحَاجَةِ (٥). قَالَ الدُّكْتُور مُحَمَّد أَبُو شَهْبَة: فَالإِسْلَامُ يُبِيحُ لِلْمَرْأَةِ المُشَارَكَةَ في

стр. 1243

الجِهَادِ، وَلَكِنْ بِشَرْطِ التَّدَيُّنِ وَالتَّصَوُّنِ وَالتَّعَفُّفِ، وَعَدَمِ الِابْتِذَالِ، وَالوُقُوعِ في المَآثِمِ، وَإِلَّا كَانَ ضَرَرُهَا أَكْثَرَ مِنْ نَفْعِهَا، وَإِفْسَادُهَا أَكْثَرَ مِنْ إِصْلَاحِهَا (١). * انْحِيَازُ (٢) الرَّسُولِ ﷺ بِأَصْحَابِهِ نَحْوَ الجَبَلِ: وَبَعْدَ أَنْ تَمَكَّنَ الصحَابَةُ ﵃ الذِينَ رَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ صَدِّ هَجَمَاتِ المُشْرِكِينَ، اسْتَطَاعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَشُقَّ الطَّرِيقَ إِلَى بَقِيَّةِ المُسْلِمِينَ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِمْ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ عَرَفَهُ -بَعْدَ انْتِشَارِ شَائِعَةِ قَتْلِهِ- كَعْبُ بنُ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: عَرَفْتُ عَيْنَيْهِ الشَّرِيفَتَيْنِ تَتَلَأْلَآنِ مِنْ تَحْتِ المِغْفَرِ، فنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ! أَبْشِرُوا! هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ أَنِ اصْمِتْ، وَذَلِكَ لِئَلَّا يَعْرِفَ المُشْرِكُونَ مَكَانَهُ، إِلَّا أَنَّ هَذَا الصَّوْتَ بَلَغَ إِلَى آذَانِ المُسْلِمِينَ، فَلَاذَ إِلَيْهِ المُسْلِمُونَ، حَتَّى تَجَمَّعَ حَوْلَهُ حَوَالِي ثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنَ الصَّحَابَةِ، فَلَمَّا رَأَوْهُ حَيًّا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ فَرِحُوا حَتَّى كَأَنَّهُ لَمْ يُصِبْهُمْ مَا أَصَابَهُمْ، وَهَانَ عَلَيْهِمْ مَا فَاتَهُمْ مِنَ القَوْمِ بَعْدَ ظُهُورِهِ ﷺ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَلَبَ مِنْهُمْ أَنْ يَنْحَازُوا نَحْوَ جَبَلِ أُحُدٍ، وَعِنْدَمَا أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَشُقُّ الطَّرِيقَ إِلَى شِعْبِ الجَبَلِ، وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَطَلْحَةُ، والزُّبَيْرُ، وسَعْدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَالحَارِثُ بنُ الصِّمَّةِ، وَكَعْبُ بنُ مَالِكٍ، وَأَبُو

стр. 1244

دُجَانَةَ، وَسَهْلُ بنُ حُنَيْفٍ وَغَيْرُهُمْ، سَعَى المُشْرِكُونَ إِلَى عَرْقَلَةِ انْسِحَابِهِ ﷺ بِالمُسْلِمِينَ، واشْتَدُّوا في هُجُومِهِمْ، لِعَرْقَلَةِ الِانْسِحَابِ إِلَّا أَنَّهُمْ فَشِلُوا أَمَامَ بَسَالَةِ (١) لُيُوثِ (٢) المُسْلِمِينَ. وَهَكَذَا انْهَزَمَ المُشْرِكُونَ، وَفَشِلَتْ مُحَاوَلَاتُهُمْ أَمَامَ بَسَالَةِ المُسْلِمِينَ (٣). * صُعُودُ الرَّسُولِ ﷺ الصَّخْرَةَ: وَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَعْلُوَ الصَّخْرَةَ التِي في الشِّعْبِ، فَلَمَّا ذَهَبَ لِيَنْهَضَ لَمْ يَسْتَطِعْ، لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ بَدَّنَ (٤)، وَظَاهَرَ بَيْنَ دَرْعَيْنِ (٥)، وَأَصَابَهُ الضَّعْفُ لِكَثْرَةِ مَا نَزَفَ دَمًا مِنْ جُرْحِهِ، فَبَرَكَ طَلْحَةُ بنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ﵁ تَحْتَهُ، فَصَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى ظَهْرِهِ حَتَّى جَلَسَ عَلَى الصَّخْرَةِ، فَقَالَ ﷺ : "أَوْجَبَ طَلْحَةُ" (٦).

стр. 1245

أَيْ أَنَّهُ فَعَلَ شَيْئًا اسْتَوْجَبَ بِهِ الجَنَّةَ حِينَ صَنَعَ بِرَسُولِهِ ﷺ مَا صَنَعَ. * مَقْتَلُ أُبَيِّ بنِ خَلَفٍ لَعَنَهُ اللَّهُ: فَلَمَّا أَسْنَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الشِّعْبِ أَدْرَكَهُ أُبَيُّ بنُ خَلَفٍ، وَهُوَ يَقُولُ: أَيْنَ مُحَمَّدٌ؟ لَا نَجَوْتُ إِنْ نَجَا، فَقَالَ القَوْمُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : أَيَعْطِفُ (١) عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنَّا؟ ، فَقَالَ ﷺ : "دَعُوهُ". وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ في طَبَقَاتِهِ: فَاعْتَرَضَهُ رِجَالٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ لِيَقْتُلُوهُ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اسْتَأْخِرُوا، اسْتَأْخِرُوا"، فَخَلَّوْا سَبِيلَهُ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ تَنَاوَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الحَرْبَةَ مِنَ الحَارِثِ بنِ الصِّمَّةِ ﵁، فَلَمَّا أَخَذَهَا ﷺ انْتَفَضَ بِهَا انْتِفَاضَةً تَطَايَرَ عَنْهُ أصْحَابُهُ تَطَايُرَ الشَّعْرَاءِ (٢) عَنْ ظَهْرِ البَعِيرِ إِذَا انْتَفَضَ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَطَعَنَهُ في تُرْقُوَتِهِ (٣) مِنْ فُرْجَةٍ بَيْنَ سَابِغَةِ (٤) الدِّرْعِ، وَالبَيْضَةِ تَدَهْدَهَ (٥) مِنْهُ -أَيْ مِنَ الطَّعْنَةِ- عَنْ فَرَسِهِ مِرَارًا،

стр. 1246

وَجَعَلَ يَخُورُ كَمَا يَخُورُ الثَّوْرُ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى قُرَيْشٍ، وَقَدْ خَدَشَهُ في عُنُقهِ خَدْشًا غَيْرَ كَبِيرٍ، قَالَ: قَتَلَنِي وَاللَّهِ مُحَمَّدٌ، فَقَالُوا لَهُ: ذَهَبَ وَاللَّهِ فُؤَادُكَ، وَاللَّهِ إِنَّ بِكَ مِنْ بَأْسٍ، قَالَ: إِنَّهُ قَدْ كَانَ قَالَ لِي بِمَكَّةَ: "أَنَا أَقْتُلُكَ"، فَوَاللَّهِ لَوْ بَصَقَ عَلَيَّ لَقَتَلَنِي. وَقِصَّةُ ذَلِكَ أَنَّ أُبَيَّ بنَ خَلَفٍ كَانَ يَلْقَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّ عِنْدِي فَرَسًا أَعْلِفُهُ كُلَّ يَوْمٍ فَرَقًا (١) مِنْ ذُرَةٍ أَقْتُلُكَ عَلَيْهِ، فَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "بَلْ أَنَا أَقْتُلُكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ". وَمَاتَ عَدُوُّ اللَّهِ بِسَرِفٍ (٢)، وَهُمْ رَاجِعُونَ إِلَى مَكَّةَ (٣). أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى رَجُلٍ يَقْتُلُهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في سَبِيلِ اللَّهِ " (٤).

стр. 1247

قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ: قَوْلَهُ ﷺ : "فِي سَبِيلِ اللَّهِ" احْتِرَازٌ مِمَّنْ يَقْتُلُهُ فِي حَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ؛ لِأَنَّ مَنْ يَقْتُلُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَانَ قَاصِدًا قَتْلَهُ النَّبِيُّ ﷺ (١). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَالطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ، رَجُلٌ قَتَلَ نَبِيًّا، أَوْ قَتَلَهُ نَبِيٌّ، وَإِمَامُ ضَلَالَةٍ، وَمُمَثِّلٌ (٢) مِنَ المُمَثِّلِينَ" (٣). * آخِرُ هُجُومٍ قَامَ بِهِ المُشْرِكُونَ: وَلَمَّا اسْتَقَرَّ الرَّسُولُ ﷺ فِي الشِّعْبِ، قَامَ المُشْرِكُونَ بِآخِرِ هُجُومٍ حَاوَلُوا فِيهِ النَّيْلَ (٤) مِنَ المُسْلِمِينَ، إِلَّا أَنَّ المُسْلِمِينَ رَمَوْهُمْ بِالحِجَارَةِ، وَقَاتَلُوهُمْ حَتَّى فَشِلُوا، وَارْتَدُّوا عَلَى أعْقَابِهِمْ. فَبَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالشِّعْبِ، مَعَهُ أُولَئِكَ النَّفَرُ مِنْ أَصْحَابِهِ، إِذْ عَلَتْ عَالِيَةٌ مِنْ خَيْلِ قُرَيْشٍ لِلجَبَلِ، يَقُودُهُمْ أَبُو سُفْيَانَ، وَخَالِدُ بنُ الوَليدِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَعْلُونَا" (٥)، "اللَّهُمَّ! إِنَّكَ إِنْ تَشَأْ لَا

стр. 1248

تُعْبَدْ فِي الأَرْضِ" (١)، ثُمَّ نَدَبَ (٢) أَصْحَابَهُ ﷺ ، فتَصَدَّى لَهُمْ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁ فِي رَهْطٍ (٣) مِنَ المُهَاجِرِينَ، فَقَاتَلُوهُمْ وَرَمَوْهُمْ بِالحِجَارَةِ حَتَّى أَهْبَطُوهُمْ مِنَ الجَبَلِ (٤). * تَغْشِيَةُ النُّعَاسِ لِلْمُؤْمِنِينَ: ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ عَلَى المُسْلِمِينَ، حِينَ اشتَدَّ عَلَيْهِمُ الخَوْفُ، فَمَا مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا وَهُوَ نَائِمٌ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ (٥). رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ الأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: كُنْتُ فِيمَنْ تَغَشَّاهُ النُّعَاسُ يَوْمَ أُحُدٍ حَتَّى سَقَطَ سَيْفِي مِنْ يَدِي مِرَارًا، يَسْقُطُ وَآخُذُهُ، وَيَسْقُطُ فَآخُذُهُ (٦). وَرَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صحِيحِهِ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْهَزَمَ نَاسٌ مِنَ النَّاسِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، . . . وَلقدْ وَقَعَ السَّيْفُ مِنْ يَدَيْ أَبِي

стр. 1249

طَلْحَةَ إِمَّا مَرَّتَيْنِ وَإِمَّا ثَلَاثًا، مِنَ النُّعَاسِ (١). وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَالحَاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ ﵁ قَالَ: رَفَعْتُ رَأْسِي يَوْمَ أُحُدٍ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ، وَمَا مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ إِلَّا يَمِيدُ (٢) تَحْتَ حَجَفَتِهِ (٣) مِنَ النُّعَاس، فَذَلِكَ قَوْلَهُ : ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ (٤). قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: وَالمَقْصُودُ أَنَّ أُحُدًا وَقَعَ فِيهَا أَشْيَاءُ مِمَّا وَقَعَ فِي بَدْرٍ، مِنْهَا: حُصُولُ النُّعَاسِ حَالَ الْتِحَامِ الحَرْبِ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى طُمَأْنِينَةِ القُلُوبِ بِنَصْرِ اللَّهِ وَتَأْيِيدِهِ، وَتَمَامِ تَوَكُّلِهَا عَلَى خَالِقِهَا وَبَارِئِهَا (٥). وَقَالَ ابنُ القَيِّمِ: وَالنُّعَاسُ فِي الحَرْبِ وَعِنْدَ الخَوْفِ دَلِيلٌ عَلَى الأَمْنِ، وَهُوَ مِنَ اللَّهِ، وَفِي الصَّلَاةِ، وَمَجَالِسِ الذِّكْرِ، وَالعِلْمِ مِنَ الشَّيْطَانِ (٦).

стр. 1250

* حَالُ المُنَافِقِينَ: وَأَمَّا المُنَافِقُونَ فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ هَمٌّ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ، أَجْبَنُ القَوْمِ وَأَرْعَنُهُمْ (١)، وَأَخَذَلُهُمْ لِلْحَقِّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فيهم: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ (٢) يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ (٣) يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (٤). * مُدَاوَاةُ جِرَاحِ الرَّسُولِ ﷺ -: فَلَمَّا هَدَأَ الأَمْرُ أَخَذَ الصَّحَابَةُ ﵃ يُدَاوُونَ جِرَاحَ الرَّسُولِ ﷺ ، فَقَدْ أَخْرَجَ ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَنِ الزُّبَيْرِ بنِ العَوَّامِ ﵁

стр. 1251

قَالَ: . . . أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فَأَتَى المِهْرَاسَ (١)، وَأَتَاهُ بِمَاءٍ فِي دَرَقَتِهِ (٢)، فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَشْرَبَ مِنْهُ، فَوَجَدَ لَهُ رِيحًا فَعَافَهُ، فَغَسَلَ بِهِ الدَّمَ الذِي فِي وَجْهِهِ، وَهُوَ يَقُولُ ﷺ : "اشتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى مَنْ دَمَّى وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " (٣). ثُمَّ جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ الرَّسُولِ ﷺ ، وَأَخَذَتْ تُدَاوِي جِرَاحَ الرَّسُولِ ﷺ ، فَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ سَعِيدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَومُ أُحُدٍ، وَانْصَرَفَ المُشْرِكُونَ خَرَجَ النِّسَاءُ إِلَى الصَّحَابَةِ يُعِينُونَهُمْ، فَكَانَتْ فَاطِمَةُ فِيمَنْ خَرَجَ، فَلَمَّا رَأَتِ النَّبِيَّ ﷺ اعْتَنَقَتْهُ، وَجَعَلَتْ تَغْسِلُ جِرَاحَاتِهِ بِالمَاءِ فَيَزْدَادُ الدَّمُ (٤). وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: . . . فَكَانَتْ فَاطِمَةُ ﵂ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَغْسِلُ الدَّمَ، وكَانَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ يَسْكُبُ (٥) عَلَيْهَا المَاءَ بِالمِجَنِّ (٦)، فَلَمَّا رَأَتْ فَاطِمَةُ أَنَّ المَاءَ لَا يَزِيدُ

стр. 1252

الدَّمَ إِلَّا كَثْرَةً، أَخَذَتْ قِطْعَةً مِنْ حَصِيرٍ (١) فَأَحْرَقْتُهُ حَتَّى صَارَ رَمَادًا، ثُمَّ أَلْصَقْتُهُ بِالْجُرُوحِ، فَاسْتَمْسَكَ الدَّمُ (٢). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ يَوْمَ أُحُدٍ، وَشُجَّ فِي رَأْسِهِ، فَجَعَلَ يَسْلُتُ (٣) الدَّمَ عَنْهُ وَيَقُولُ: "كَيْفَ يُفْلحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ، وَكسَرُوا رَبَاعِيَتَهُ، وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ؟ "، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ (٤). * فَوَائِدُ الحَدِيثِ: قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَفِي هَذَا الحَدِيثِ مِنَ الفَوَائِدِ: ١ - جَوَازُ التَّدَاوِي. ٢ - وَأَنَّ الأَنْبِيَاءَ قَدْ يُصَابُونَ بِبَعْضِ العَوَارِضِ الدُّنْيَوِيَّةِ مِنَ الآلَامِ وَالأَسْقَامِ لِيَعْظُمَ لَهُمْ بِذَلِكَ الأَجْرُ، وتَزْدَادَ دَرَجَاتُهُمْ رِفْعَةً، وَليَتَأَسَّى بِهِمْ أَتْبَاعُهُمْ فِي الصَّبْرِ عَلَى المَكَارِهِ، وَالعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ.

стр. 1253

٣ - وَفِيهِ مُبَاشَرَةُ المَرْأَةِ لِأَبِيهَا، وَكَذَلِكَ لِغَيْرِهِ مِنْ ذَوِي مَحَارِمِهَا، وَمُدَاوَاتُهَا لأمراضهم (١). * تَشْوِيهُ شُهَدَاءِ المُسْلِمِينَ: فَلَمَّا رَأَى المُشْرِكُونَ أَنَّهُمْ لَنْ يَصِلُوا إِلَى الرَّسُولِ ﷺ ، وَإِلَى الصَّحَابَةِ، آثَرُوا الِانْسِحَابَ، وَلَمْ يَكُوُنوا يَعْرِفُوا مَا مَصِيرُ الرَّسُولِ ﷺ هَلْ قُتِلَ أَمْ لَا، فَأَخَذُوا يَتَهَيَّؤُونَ لِلرُّجُوعِ إِلَى مَكَّةَ، وَأَخَذَ بَعْضُهُمْ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ يُمَثِّلُونَ بِقَتْلَى المُسْلِمِينَ، يُقَطِّعُونَ الآذَانَ، وَالأُنُوفَ، وَالفُرُوجَ، ويَبْقَرُونَ (٢) البُطُونَ. وَبَقَرَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ عَنْ كَبِدِ حَمْزَةَ ﷺ ، فَلَاكَتْهَا (٣) فَلَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تُسِيغَهَا، فَأَلْقَتْهَا، وَكَانَتْ قَدْ نَذَرَتْ إِنْ قَدِرَتْ عَلَى حَمْزَةَ لَتَأْكُلَنَّ مِنْ كَبِدِهِ (٤). وَلَمْ يَتْرُكِ المُشْرِكُونَ قَتِيلًا مِنَ المُسْلِمِينَ إِلَّا مَثَّلُوا بِهِ، إِلَّا حَنْظَلَةَ بنَ أَبِي عَامِرٍ -غَسِيلَ المَلَائِكَةِ- فَتُرِكَ بِسَبَبِ وَالِدِهِ الفَاسِقِ، كَانَ مَعَ المُشْرِكِينَ. وَمِمَّنْ مُثِلَ بِهِ يَوْمَئِذٍ عَبْدُ اللَّهِ بنُ عَمْرِو بنِ حَرَامٍ وَالِدُ جَابِرٍ ﵄، فَجَدَعُوا (٥) أَنْفَهُ وَأُذُنَهُ.

стр. 1254

وَمِمَّنْ مُثِّلَ بِهِ أَيْضًا عَبْدُ اللَّهِ بنُ جَحْشٍ ﵁، قَطَعُوا أَنْفَهُ وَأُذُنَيْهِ، إِلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يَبْقَرُوا بَطْنَهُ ﵁ (١). * شَمَاتَةُ أَبِي سُفْيَانَ بَعْدَ نِهَايَةِ المَعْرَكَةِ: فَلَمَّا أَرَادَ المُشْرِكُونَ الِانْصِرَافَ، أَشْرَفَ أَبُو سُفْيَانَ عَلَى الجَبَلِ، فَنَادَى المُسْلِمِينَ: أَفِي القَوْمِ مُحَمَّدٌ؟ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تُجِيبُوهُ"، ثُمَّ قَالَ: أَفِي القَوْمِ ابنُ أَبِي قُحَافَةَ؛ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تُجِيبُوهُ"، ثُمَّ قَالَ: أَفِي القَوْمِ ابنُ الخَطَّابِ؛ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تُجِيبُوهُ". ثُمَّ رَجَعَ أَبُو سُفْيَانَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَمَّا هَؤُلَاءِ، فَقَدْ قُتِلُوا، فَلَوْ كَانُوا أَحْيَاءً لَأَجَابُوا، فَلَمْ يَمْلِكْ عُمَرُ نَفْسَهُ (٢)، فَقَالَ: كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ أَبْقَى اللَّهُ عَلَيْكَ مَا يُخْزِيكَ (٣). فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ، وَالأَيَّامُ دُوَلٌ (٤)، وَالحَرْبُ سِجَالٌ (٥)، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَا سَوَاءَ، قَتْلَانَا فِي الجَنَّةِ، وَقَتْلَاكُمْ فِي النَّارِ.

стр. 1255

ثُمَّ أَخَذَ أَبُو سُفْيَانَ يَرْتَجِزُ (١): أُعْلُ هُبَلْ، أُعْلُ هُبَلْ، فَقَالَ الرَّسُولُ ﷺ : "أَلَا تُجِيبُونَهُ؟ ". قَالُوا: مَا نَقُولُ؟ قَالَ: "قُوُلوا: اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ"، فَقَالَ عُمَرُ: اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: لَنَا العُزَّى وَلَا عُزَّى لَكُمْ، فَقَالَ الرَّسُولُ ﷺ : "أَلَا تُجِيبُونَهُ؟ "، قَالُوا: مَا نَقُولُ؟ قَالَ: "قُولُوا: اللَّهُ مَوْلَانَا وَلَا مَوْلَى لَكُمْ"، فَقَالَ عُمَرُ ﵁: اللَّهُ مَوْلَانَا وَلَا مَوْلَى لَكُمْ (٢). * فَوَائِدُ الحَدِيثِ: قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَفِي هَذَا الحَدِيثِ مِنَ الفَوَائِدِ: ١ - مَنْزِلَةُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَخُصُوصِيَّتُهُمَا بِهِ بِحَيْثُ كَانَ أَعْدَاؤُهُ لَا يَعْرِفُونَ بِذَلِكَ غَيْرَهُمَا، إِذْ لَمْ يَسْأَلْ أَبُو سُفْيَانَ عَنْ غَيْرِهِمَا. ٢ - وأَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنْ يَتَذَكَّرَ نِعْمَةَ اللَّهِ، وَيَعْتَرِفَ بِالتَّقْصِيرِ عَنْ أَدَاءِ شُكْرِهَا.

стр. 1256

٣ - وَفِيهِ شُؤْمُ ارْتِكَابِ المَعْصِيَةِ، وَأَنَّهُ يَعُمُّ ضَرَرُهُ مَنْ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (١). ٤ - وَفِيهِ أَنَّ مَنْ آثَرَ دُنْيَاهُ أَضَرَّ بِأَمْرِ آخِرَتِهِ، وَلَمْ تَحْصُلْ لَهُ دُنْيَاهُ، وَاسْتُفِيدَ مِنْ هَذِهِ الكَائِنَةِ أَخْذُ الصَّحَابَةِ الحَذَرَ مِنَ العَوْدِ إِلَى مِثْلِهَا، وَالمُبَالَغَةُ فِي الطَّاعَةِ، وَالتَّحَرُّزُ مِنَ العَدُوِّ الذِينَ كَانُوا يُظْهِرُونَ أَنَّهُمْ مِنْهُمْ، وَلَيْسُوا مِنْهُمْ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ. . .﴾ إلى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ وَقَالَ : ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ (٢). * مُوَاعَدَةُ التَّلَاقِي فِي بَدْرٍ: وَلَمَّا انْصَرَفَ أَبُو سُفْيَانُ، وَمَنْ مَعَهُ نَادَى فِي المُسْلِمِينَ: إِنَّ مَوْعِدَكُمْ بَدْرٌ عَلَى رَأْسِ الحَوْلِ (٣)، حَيْثُ قَتَلْتُمْ أَصْحَابَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁: "قُلْ نَعَمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، هُوَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدٌ"، فَافْتَرَقَ النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ (٤).

стр. 1257

* التَّأَكُّدُ مِنْ مَوْقِفِ المُشْرِكِينَ: فَلَمَّا ذَهَبَ المُشْرِكُونَ، بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ (١) وَقَالَ لَهُ: "اخْرُجْ فِي آثَارِ القَوْمِ، فَانْظُرْ مَاذَا يَصْنَعُونَ وَمَاذَا يُرِيدُونَ؟ فَإِنْ كَانُوا قَدْ جَنَبُوا الخَيْلَ (٢)، وَامْتَطَوْا (٣) الإِبِلَ، فَإِنَّهُمْ يُرِيدُونَ مَكَّةَ، وَإِنْ رَكبُوا الخَيْلَ وَسَاقُوا الإِبِلَ، فَإِنَّهُمْ يُرِيدُونَ المَدِينَةَ، وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ أَرَادُوهَا لَأَسِيرَنَّ إِلَيْهِمْ فِيهَا، ثُمَّ لَأُنَاجِزَنَّهُمْ" (٤). قَالَ عِلِيٌّ ﵁: فَخَرَجْتُ فِي آثَارِهِمْ أَنْظُرُ مَاذَا يَصْنَعُونَ، فَجَنَّبُوا الخَيْلَ، وَامْتَطَوُا الإِبِلَ، وَوَجَّهُوا إِلَى مَكَّةَ. فَجَاءَ عَلِيٌّ ﵁، فَأَخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِانْصِرَافِهِمْ إِلَى مَكَّةَ (٥). * تَفَقُّدُ المُسْلِمِينَ قَتْلَاهُمْ وَجَرْحَاهُمْ: وَلَمَّا انْصَرَفَتْ قُرَيْشٌ إِلَى مَكَّةَ طَابَتْ أَنْفُسُ المُسْلِمِينَ لِذَهَابِهِمْ، وَانتشَرُوا

стр. 1258

يَتَفَقَّدُونَ قَتْلَاهُمْ وَجَرْحَاهُمْ، فَكَانَ مِنْ بَيْنِ الجَرْحَى: سَعْدُ بنُ الرَّبِيعِ ﵁، وَمَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ، وَوُجِدَ مِنْ بَيْنِ الجَرْحَى الأُصَيْرِمُ ﵁، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ مَاتَ، وَمِنْ بَيْنِ القَتْلَى عَبْدُ اللَّهِ بنُ جَحْشٍ ﵁، وَعَبْدُ اللَّهِ بنُ عَمْرِو بنِ حَرَامٍ، وَالِدُ جَابِرٍ ﵄، وَعَمْرُو بنُ الجَمُوحِ ﵁، وَمُصْعَبُ بنُ عُمَيْرٍ ﵁، وَمُخَيْرِيقٌ اليَهُودِيُّ ﵁ وَغَيْرُهُمْ. * الرَّسُولُ ﷺ يَبْحَثُ عَنْ عَمِّهِ حَمْزَةَ ﵁ -: وَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَلْتَمِسُ عَمَّهُ حَمْزَةَ رمنه، فَرَآهُ وَقَدْ مُثِّلَ بِهِ، فَجُدِعَ أَنْفُهُ وَأُذُناهُ، فَقَالَ ﷺ : "لَوْلَا أَنْ تَجْزَعَ (١) صَفِيَّةُ، لَتَرَكْتُهُ حَتَّى يَحْشُرَهُ اللَّهُ مِنْ بُطُونِ الطَّيْرِ وَالسِّبَاعِ" (٢). وَجَاءَتْ صَفِيَّةُ ﵂ تُرِيدُ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى أَخِيهَا حَمْزَةَ ﵁، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ابْنَهَا الزُّبَيْرَ ﵁ أَنْ يَصْرِفَهَا، فَقَدْ أَخْرَجَ الحَاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا قُتِلَ حَمْزَةُ ﵁ أَقْبَلَتْ صَفِيَّةُ تَطْلُبُهُ لَا تَدْرِي مَا صَنَعَ، فَلَقِيَتْ عَلِيًّا وَالزُّبَيْرَ ﵄، فَقَالَ عَلِيٌّ لِلزُّبَيْرِ: اذْكُرْ لِأُمِّكَ، وَقَالَ الزُّبَيْرُ لِعَلِيٍّ: لَا اذْكُرْ أَنْتَ لِعَمَّتِكَ، قَالَتْ: مَا فَعَلَ حَمْزَةُ، فَأَرَيَاهَا أنَّهُمَا لَا

стр. 1259

يَدْرِيَانِ فَجَاءَتِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ ﷺ : "إِنِّي أخَافُ عَلَى عَقْلِهَا"، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِهَا وَدَعَا فَاسْتَرْجَعَتْ وَبَكَتْ (١). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ ﵁ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي الزُّبَيْرُ: أَنَّهُ لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ أَقْبَلَتِ امْرَأَةٌ تَسْعَى، حَتَّى إِذَا كَادَتْ أَنْ تُشْرِفَ عَلَى القَتْلَى، قَالَ: فكَرِهَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ ترَاهُمْ، فَقَالَ ﷺ : "المَرْأَةَ المَرْأَةَ". قَالَ الزُّبَيْرُ: فتَوَسَّمْتُ (٢) أَنَّهَا أُمِّي صَفِيَّةُ، قَالَ: فَخَرَجْتُ أَسْعَى إِلَيْهَا، فَأَدْرَكْتُهَا قَبْلَ أَنْ تَنْتَهِي إِلَى القَتْلَى، قَالَ: فَلَدَمَتْ (٣) فِي صَدْرِي، وَكَانَتِ امْرَأَةً جَلْدَةً (٤)، قَالَتْ: إِلَيْكَ، لَا أَرْضَ لَكَ (٥)، قُلْتُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَزَمَ عَلَيْكِ. قَالَ: فَوَقَفَتْ، وَأَخْرَجَتْ ثَوْبَيْنِ مَعَهَا، فَقَالَتْ: هَذَانِ ثَوْبَانِ جِئْتُ بِهِمَا

стр. 1260

لِأَخِي حَمْزَةَ، فَقَدْ بَلَغَنِي مَقْتَلُهُ، فكَفِّنُوهُ فِيهِمَا (١). * غَضَبُ الصَّحَابَةِ ﵃ بِسَبَبِ التَّمْثِيلِ بِإِخْوَانِهِمْ: وَلَمَّا رَأَى المُسْلِمُونَ تَمْثِيلَ المُشْرِكِينَ بِقَتْلَاهُمْ، قَالُوا: وَاللَّهِ لَئِنْ أَظْفَرَنَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ لَنُمَثِّلَنَّ بِهِمْ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالنَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ قُتِلَ مِنَ الأَنْصَارِ أَرْبَعَةٌ وَسِتُّونَ رَجُلًا، وَمِنَ المُهَاجِرِينَ سِتَّةٌ، مِنْهُمْ حَمْزَةُ، فَمَثَّلُوا بِهِ، فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : لَئِنْ كَانَ لَنَا يَوْمٌ مِثْلُ هَذَا مِنَ المُشْرِكِينَ، لَنُرْبِيَنَّ (٢) عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الفَتْحِ -أَيْ فتحُ مَكَّةَ- قَالَ رَجُلٌ لَا يُعْرَفُ: لَا قُرَيْشَ بَعْدَ اليَوْمِ، فنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَمِنَ الأَسْوَدُ وَالأَبْيَضُ إِلَّا فُلَانًا وَفُلَانًا، نَاسًا سَمَّاهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﵎: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ (٣). فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَصْبِرُ وَلَا نُعَاقِبُ". وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: "كفُّوا عَنِ القَوْمِ" (٤).

стр. 1261

* جَمْعُ الشُّهَدَاءِ: ثُمَّ أَشْرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الشُّهَدَاءِ، فَقَالَ: "أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ" (١). وَأَخْرَجَ الإِمَامِ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ ثَعْلَبَةَ بنِ صُعَيْرٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا أَشْرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى قتلَى أُحُدٍ، قَالَ: "أَشْهَدُ عَلَى هَؤُلَاءِ، مَا مِنْ مَجْرُوحٍ جُرِحَ فِي اللَّهِ، إِلَّا بَعَثَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وجُرْحُهُ يَدْمَى، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالرِّيحُ رِيحُ المِسْكِ" (٢). ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلَى أُحُدٍ أَنْ يُنْزَعَ عَنْهُمُ الحَدِيدُ، وَالجُلُودُ، وَأَنْ يَدْفِنُوهُمْ حَيْثُ صُرِعُوا بِدِمَائِهِمْ وَثِيَابِهِمْ، وَلَا يُغَسَّلُوا. فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ ثَعْلَبَةَ بنِ صُعَيْرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ: "زَمِّلُوهُمْ (٣) فِي ثِيَابِهِمْ" (٤). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي المُسْنَدِ، وَالطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ

стр. 1262

صَحِيحٍ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ أَشْرَفَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الشُّهَدَاءِ الذِينَ قُتِلُوا يَوْمَئِذٍ، فَقَالَ: "زَمِّلُوهُمْ بِدِمَائِهِمْ، فَإِنِّي قَدْ شَهِدتُ عَلَيْهِمْ" (١). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "ادْفِنُوهُمْ فِي دِمَائِهِمْ"، يَعْنِي يَوْمَ أُحُدٍ، وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ (٢). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي قَتْلَى أُحُدٍ: "لَا تُغَسِّلُوهُمْ، فَإِنَّ كُلَّ جُرْحٍ أَوْ كُلَّ دَمٍ، يَفُوحُ مِسْكًا يَوْمَ القِيَامَةِ" (٣). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ، وَأَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: أَنَّ شُهَدَاءَ أُحُدٍ لَمْ يُغَسَّلُوا، ودُفِنُوا بِدِمَائِهِمْ (٤).

стр. 1263

قَالَ الإِمَامُ البَغَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: اتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الشَّهِيدَ المَقْتُولَ فِي مَعْرَكَةِ الكُفَّارِ لَا يُغَسَّلُ (١). * هَلْ صَلَّى الرَّسُولُ ﷺ عَلَى شُهَدَاءِ أُحُدٍ أَمْ لَا ؟ : اخْتُلِفَ فِي صَلَاةِ الرَّسُولِ ﷺ عَلَى شُهَدَاءِ أُحُدٍ: * مَنْ قَالَ إِنَّهُ ﷺ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ: رَوَى البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ"، وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُغَسَّلُوا (٢). وَأَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ، وَأَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: أَنَّ شُهَدَاءَ أُحُدٍ لَمْ يُغَسَّلُوا، وَدُفِنُوا بِدِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ (٣). * مَنْ قَالَ إِنَّهُ ﷺ صَلَّى عَلَيْهِمْ: أَخْرَجَ الحَاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: . . . ثُمَّ أُمِرَ بِالقَتْلَى

стр. 1264

فَجَعَلَ يُصَلِّي عَلَيْهِمْ، فَيَضَعُ تِسْعَةً وَحَمْزَةَ ﵃، فَيُكَبِّرُ عَلَيْهِمْ سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ، ثُمَّ يُرْفَعُونَ، ويُتْرَكُ حَمْزَةُ، ثُمَّ يُؤْتَوْا بِتِسْعَةٍ فَيُكَبِّرُ عَلَيْهِمْ بِسَبْعِ تَكْبِيرَاتٍ، ثُمَّ يُرْفَعُونَ، وَيُتْرَكُ حَمْزَةُ، ثُمَّ يُؤْتَوْا بِتِسْعَةٍ فَيُكَبَّرُ عَلَيْهِمْ سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ حَتَّى فَرَعَ مِنْهُمْ (١). * القَوْلُ بِأَنَّهُ صَلَّى فَقَطَ عَلَى حَمْزَةَ ﵁ -: أَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ، وَأَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ ﷺ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُصَلِّ إِلَّا عَلَى حَمْزَةَ، فَعَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الشُّهَدَاءِ -يَعْنِي شُهَدَاءَ أُحُدٍ- غَيْرَهُ (٢). * الجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ: قَالَ الإِمَامُ البَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: اتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الشَّهِيدَ المَقْتُولَ فِي مَعْرَكَةِ الكُفَّارِ لَا يُغَسَّلُ، وَاخْتَلَفُوا فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ، فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى أَنَّهُ

стр. 1265

لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ المَدِينَةِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ (١)، وَأَحْمَدُ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى حَمْزَةَ ﵁، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْي، وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ (٢). وَقَالَ ابنُ القَيِّمِ فِي تَهْذِيبِ السُّنَنِ: وَالصَّوَابُ فِي المَسْأَلةِ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ، وَتَرْكِهَا لِمَجِيءِ الآثَارِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الأَمْرَيْنِ، وَهَذَا إِحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنِ الإِمَامِ أَحْمَدَ، وَهِيَ الأَلْيَقُ بِأُصُولهِ وَمَذْهَبِهِ (٣). وَأَمَّا قَوْلُ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الشُّهَدَاءِ يَعْنِي شُهَدَاءَ أُحُدٍ غَيْرَ حَمْزَةَ ﵁. فَقَدْ قَالَ الإِمَامُ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ المُشْكِلِ: وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَعَلَ ذَلِكَ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى حَمْزَةَ، وَمِنْ تَرْكِ الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِهِ لِمَا أَشْغَلَهُ يَوْمَئِذٍ مِمَّا كَانَ نَزَلَ بِهِ فِي وَجْهِهِ الشَّرِيفِ ﷺ ، وَمِنْ هَشْمِ البَيْضَةِ عَلَى رَأْسِهِ ﷺ (٤).
следующие страницы →