← Сира

Сира · id 38114

اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون

موسى بن راشد العازمي

Полный текст (2 595 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

* جَمْعُ الشُّهَدَاءِ: ثُمَّ أَشْرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الشُّهَدَاءِ، فَقَالَ: "أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ" (١). وَأَخْرَجَ الإِمَامِ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ ثَعْلَبَةَ بنِ صُعَيْرٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا أَشْرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى قتلَى أُحُدٍ، قَالَ: "أَشْهَدُ عَلَى هَؤُلَاءِ، مَا مِنْ مَجْرُوحٍ جُرِحَ فِي اللَّهِ، إِلَّا بَعَثَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وجُرْحُهُ يَدْمَى، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالرِّيحُ رِيحُ المِسْكِ" (٢). ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلَى أُحُدٍ أَنْ يُنْزَعَ عَنْهُمُ الحَدِيدُ، وَالجُلُودُ، وَأَنْ يَدْفِنُوهُمْ حَيْثُ صُرِعُوا بِدِمَائِهِمْ وَثِيَابِهِمْ، وَلَا يُغَسَّلُوا. فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ ثَعْلَبَةَ بنِ صُعَيْرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ: "زَمِّلُوهُمْ (٣) فِي ثِيَابِهِمْ" (٤). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي المُسْنَدِ، وَالطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ

стр. 1262

صَحِيحٍ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ أَشْرَفَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الشُّهَدَاءِ الذِينَ قُتِلُوا يَوْمَئِذٍ، فَقَالَ: "زَمِّلُوهُمْ بِدِمَائِهِمْ، فَإِنِّي قَدْ شَهِدتُ عَلَيْهِمْ" (١). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "ادْفِنُوهُمْ فِي دِمَائِهِمْ"، يَعْنِي يَوْمَ أُحُدٍ، وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ (٢). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي قَتْلَى أُحُدٍ: "لَا تُغَسِّلُوهُمْ، فَإِنَّ كُلَّ جُرْحٍ أَوْ كُلَّ دَمٍ، يَفُوحُ مِسْكًا يَوْمَ القِيَامَةِ" (٣). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ، وَأَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: أَنَّ شُهَدَاءَ أُحُدٍ لَمْ يُغَسَّلُوا، ودُفِنُوا بِدِمَائِهِمْ (٤).

стр. 1263

قَالَ الإِمَامُ البَغَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: اتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الشَّهِيدَ المَقْتُولَ فِي مَعْرَكَةِ الكُفَّارِ لَا يُغَسَّلُ (١). * هَلْ صَلَّى الرَّسُولُ ﷺ عَلَى شُهَدَاءِ أُحُدٍ أَمْ لَا ؟ : اخْتُلِفَ فِي صَلَاةِ الرَّسُولِ ﷺ عَلَى شُهَدَاءِ أُحُدٍ: * مَنْ قَالَ إِنَّهُ ﷺ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ: رَوَى البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ"، وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُغَسَّلُوا (٢). وَأَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ، وَأَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: أَنَّ شُهَدَاءَ أُحُدٍ لَمْ يُغَسَّلُوا، وَدُفِنُوا بِدِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ (٣). * مَنْ قَالَ إِنَّهُ ﷺ صَلَّى عَلَيْهِمْ: أَخْرَجَ الحَاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: . . . ثُمَّ أُمِرَ بِالقَتْلَى

стр. 1264

فَجَعَلَ يُصَلِّي عَلَيْهِمْ، فَيَضَعُ تِسْعَةً وَحَمْزَةَ ﵃، فَيُكَبِّرُ عَلَيْهِمْ سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ، ثُمَّ يُرْفَعُونَ، ويُتْرَكُ حَمْزَةُ، ثُمَّ يُؤْتَوْا بِتِسْعَةٍ فَيُكَبِّرُ عَلَيْهِمْ بِسَبْعِ تَكْبِيرَاتٍ، ثُمَّ يُرْفَعُونَ، وَيُتْرَكُ حَمْزَةُ، ثُمَّ يُؤْتَوْا بِتِسْعَةٍ فَيُكَبَّرُ عَلَيْهِمْ سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ حَتَّى فَرَعَ مِنْهُمْ (١). * القَوْلُ بِأَنَّهُ صَلَّى فَقَطَ عَلَى حَمْزَةَ ﵁ -: أَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ، وَأَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ ﷺ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُصَلِّ إِلَّا عَلَى حَمْزَةَ، فَعَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الشُّهَدَاءِ -يَعْنِي شُهَدَاءَ أُحُدٍ- غَيْرَهُ (٢). * الجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ: قَالَ الإِمَامُ البَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: اتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الشَّهِيدَ المَقْتُولَ فِي مَعْرَكَةِ الكُفَّارِ لَا يُغَسَّلُ، وَاخْتَلَفُوا فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ، فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى أَنَّهُ

стр. 1265

لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ المَدِينَةِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ (١)، وَأَحْمَدُ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى حَمْزَةَ ﵁، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْي، وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ (٢). وَقَالَ ابنُ القَيِّمِ فِي تَهْذِيبِ السُّنَنِ: وَالصَّوَابُ فِي المَسْأَلةِ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ، وَتَرْكِهَا لِمَجِيءِ الآثَارِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الأَمْرَيْنِ، وَهَذَا إِحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنِ الإِمَامِ أَحْمَدَ، وَهِيَ الأَلْيَقُ بِأُصُولهِ وَمَذْهَبِهِ (٣). وَأَمَّا قَوْلُ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الشُّهَدَاءِ يَعْنِي شُهَدَاءَ أُحُدٍ غَيْرَ حَمْزَةَ ﵁. فَقَدْ قَالَ الإِمَامُ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ المُشْكِلِ: وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَعَلَ ذَلِكَ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى حَمْزَةَ، وَمِنْ تَرْكِ الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِهِ لِمَا أَشْغَلَهُ يَوْمَئِذٍ مِمَّا كَانَ نَزَلَ بِهِ فِي وَجْهِهِ الشَّرِيفِ ﷺ ، وَمِنْ هَشْمِ البَيْضَةِ عَلَى رَأْسِهِ ﷺ (٤).

стр. 1266

* دَفْنُ الشُّهَدَاءِ: ثُمَّ أَمَرَ الرَّسُولُ ﷺ بِدَفْنِ القَتْلَى، فَكَانَ يُوضَعُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ وَالثَّلَاثَةُ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ، بَلْ كَانَ يُكَفَّنُ الرَّجُلَانِ وَالثَّلَاثَةُ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ، وَإِنَّمَا أَرْخَصَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ لِمَا بِالمُسْلِمِينَ مِنَ الجِرَاحِ التِي يَشُقُّ مَعَهَا أَنْ يَحْفِرُوا لِكُلِّ وَاحِدٍ وَاحِدًا، وَقِلَّةِ الثِّيَابِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ هِشَامِ بنِ عَامِرٍ الأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ أَصَابَ النَّاسَ قَرْحٌ (١) وَجَهْدٌ شَدِيدٌ، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: شَكَوْا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ القَرْحَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَالُوا: كَيْفَ تَأْمُرُ بِقَتْلَانَا؟ فَقَالَ ﷺ : "احْفِرُوا، وَأَوْسِعُوا، وَأَحْسِنُوا وَادْفِنُوا فِي القَبْرِ الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَنْ نُقَدِّمُ؟ قَالَ: "أكْثَرُهُمْ جَمْعًا وَأَخْذًا لِلْقُرْآنِ" (٢). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ يَقُولُ: "أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرآنِ؟ ". فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدٍ قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ (٣).

стр. 1267

* فَوَائِدُ الحَدِيثِ: قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ مِنَ الفَوَائِدِ: ١ - جَوَازُ تَكْفِينِ الرَّجُلَيْنِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ إِمَّا بِجَمْعِهِمَا فِيهِ، وَإِمَّا بِقَطْعِهِ بَيْنَهُمَا. ٢ - وَجَوَازُ دَفْنِ اثْنَيْنِ فِي لَحْدٍ، وَعَلَى اسْتِحْبَابِ تَقْدِيمِ أَفْضَلِهِمَا لِدَاخِلِ اللَّحْدِ (١). * دَفْنُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ حَرَامٍ، وَعَمْرِو بنِ الجَمُوحِ ﵄ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ: وَدُفِنَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ عَبْدُ اللَّهُ بنُ عَمْرِو بنِ حَرَامٍ وَالِدُ جَابِرٍ، وَعَمْرُو بنُ الجَمُوحِ ﵄، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا حَضَرَ أُحُدٌ دَعَانِي أَبِي مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ: مَا أُرَانِي إِلَّا مَقْتُولًا فِي أَوَّلِ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﵃، قَالَ جَابِرٌ: . . . فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ، وَدُفِنَ مَعَهُ آخَرُ (٢) فِي قَبْرٍ (٣).

стр. 1268

وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ قَالَ جَابِرٌ: فَكُفِّنَ أَبِي وَعَمِّي (١) فِي نَمِرَةٍ (٢) وَاحِدَةٍ (٣). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي قتَادَةَ ﵁ قَالَ: أَتَى عَمْرُو بنُ الجَمُوحِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى أُقْتَلَ أَمْشِي بِرِجْلِي هَذِهِ صَحِيحَةً فِي الجَنَّةِ -وَكَانَتْ رِجْلُهُ عَرْجَاءَ- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَعَمْ"، فَقتَلُوهُ يَوْمَ أُحُدٍ هُوَ وَابْنُ أخِيهِ (٤) ,. . . فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهِمَا فَجُعِلُوا فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ (٥). وَرَوَى ابنُ سَعْدٍ فِي طَبَقَاتِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ جَابِرٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ادْفِنُوا عَبْدَ اللَّهِ بنَ عَمْرٍو، وَعَمْرَو بنَ الجَمُوحِ فِي قَبْرٍ

стр. 1269

وَاحِدٍ لِمَا كَانَ بَيْنَهُمَا مِنَ الصَّفَاءِ"، وَقَالَ: "ادْفِنُوا هَذَيْنِ المُتَحَابَّيْنِ فِي الدُّنْيَا فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ" (١) * دَفْنُ حَمْزَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بنِ جَحْشٍ ﵄ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ: وَدُفِنَ حَمْزَةُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ ﵁ مَعَ ابْنِ أُخْتِهِ أُمَيْمَةَ بِنْتِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، عَبْدِ اللَّهِ بنِ جَحْشٍ ﵄ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ (٢). وَكَانَ الثَّوْبُ الذِي كُفِّنَ فِيهِ حَمْزَةُ ﵁ إِذَا غُطِّيَ بِهِ رَأْسُهُ ﵁ ظَهَرَتْ رِجْلَاهُ، وَإِذَا غُطِّى رِجْلَاهُ ظَهَرَ رَأْسُهُ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ خَبَّابِ بنِ الأَرَتِّ ﵁ قَالَ: . . . لَكِنَّ حَمْزَةَ لَمْ يُوجَدْ لَهُ كَفَنٌ إِلَّا بُرْدَةٌ مَلْحَاءُ، إِذَا جُعِلَتْ عَلَى رَأْسِهِ قَلَصَتْ (٣) عَنْ قَدَمَيْهِ، وَإِذَا جُعِلَتْ عَلَى قَدَمَيْهِ قَلَصَتْ عَنْ رَأْسِهِ، حَتَّى مُدَّتْ عَلَى رَأْسِهِ، وَجُعِلَ عَلَى قَدَمَيْهِ الإِذْخِرُ (٤). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَد، وَالطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كُفِّنَ حَمْزَةُ ﵁ فِي نَمِرَةٍ، كَانُوا إِذَا مَدُّوهَا عَلَى رَأْسِهِ، خَرَجَتْ رِجْلَاهُ، وَإِذَا مَدُّوهَا عَلَى رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُهُ، فَأَمَرَهُمْ

стр. 1270

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُقَدِّمُوا عَلَى رَأْسِهِ، وَيَجْعَلُوهُ عَلَى رِجْلَيْهِ مِنَ الإِذْخِرِ (١). * تَكْفِينُ مُصْعَبِ بنِ عُمَيْرٍ ﵁ -: وَكُفِّنَ مُصْعَبُ بنُ عُمَيْرٍ ﵁، فِي بُرْدَةٍ إِذَا غَطُّوا رَأْسَهُ ظَهَرَتْ قَدَمَاهُ، وَإِذَا غَطَّوْا قَدَمَيْهِ ظَهَر رَأْسُهُ. فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ خَبَّابِ بنِ الأَرَتِّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: هَاجَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ نُرِيدُ وَجْهَ اللَّهِ، فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ، فَمِنَّا مَنْ مَضَى لَمْ يَأْخُذْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا (٢)، مِنْهُمْ مُصْعَبُ بنُ عُمَيْرٍ، قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَترَكَ نَمِرَةً، فَكُنَّا إِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ بَدَتْ (٣) رِجْلَاهُ، وَإِذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ بَدَا رَأْسُهُ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نُغَطِّيَ رَأْسَهُ، وَنَجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ شَيْئًا مِنْ إِذْخِرٍ (٤).

стр. 1271

وَرَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ سَعْدِ بنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بنَ عَوْفٍ ﵁ أُتِيَ بِطَعَامٍ، وَكَانَ صَائِمًا فَقَالَ: قُتِلَ مُصْعَبُ بنُ عُمَيْرٍ وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي كُفِّنَ فِي برْدَةٍ إِنْ غُطِّيَ رَأْسُهُ بَدَتْ رِجْلَاهُ، وَإِنْ غُطِّيَ رِجْلَاهُ بَدَا رَأْسُهُ، . . . ثُمَّ بُسِطَ لَنَا مِنَ الدُّنْيَا مَا بُسِطَ (١)، وَقَدْ خَشِينَا أَنْ تَكُونَ حَسَنَاتُنَا عُجِّلَتْ لَنَا، ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِي حَتَّى تَرَكَ الطَّعَامَ (٢). * فَوَائِدُ الحَدِيثِ: قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَفِي هَذَا الحَدِيثِ: ١ - فَضْلُ الزُّهْدِ. ٢ - وَأَنَّ الفَاضِلَ فِي الدِّينِ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنَ التَّوَسُّعِ فِي الدُّنْيَا لِئَلَّا تَنْقُصَ حَسَنَاتُهُ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ﵁ بِقَوْلِهِ: خَشِينَا أَنْ تَكُونَ حَسَنَاتُنَا قَدْ عُجِّلَتْ (٣). وَكَانَ مُصْعَبٌ ﵁ فتَى مَكَّةَ شَبَابًا وَجَمَالًا، وَكَانَتْ أُمُّهُ تَكْسُوهُ أَحْسَنَ مَا يَكُونُ مِنَ الثِّيَابِ، وَكَانَ أَعْطَرَ أَهْلِ مَكَّةَ ﵁، ثُمَّ إِنَّهُ أَسْلَمَ وَتَرَكَ كُلَّ هَذَا النَّعِيمِ، وَاسْتُشْهِدَ، وَلَمْ يَجِدُوا لِكَفَنِهِ إِلَّا برْدَةً إِذَا غَطَّوْا رَأْسَهُ ظَهَرَتْ رِجْلَاهُ،

стр. 1272

وَإِذَا غَطَّوْا رِجْلَيْهِ ظَهَرَ رَأْسُهُ (١). * دَفْنُ شُهَدَاءِ أُحُدٍ بِمَصَارِعِهِمْ: وَكَانَ أُنَاسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ قَدِ احْتَمَلُوا قَتْلَاهُمْ إِلَى المَدِينَةِ لِيَدْفِنُوهُمْ بِهَا، فَأَتَاهُمْ مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، يَأْمُرُهُمْ بِأَنْ يُدْفَنُوا حَيْثُ صُرِعُوا. رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: أَنَّ قَتْلَى أُحُدٍ حُمِلُوا مِنْ مَكَانِهِمْ، فنَادَى مَنَادِي رَسُول اللَّهِ ﷺ : "أَنْ رُدُّوا القَتْلَى إِلَى مَصَارِعِهِمْ" (٢). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: . . . جَاءَتْ عَمَّتِي بِأَبِي وَخَالِي، عَادِلَتَهُمَا (٣) عَلَى نَاضِحٍ (٤)، فَدَخَلَتْ بِهِمَا المَدِينَةَ لِتَدْفِنَهُمَا فِي مَقَابِرِنَا، إِذْ لَحِقَ رَجُلٌ منَادِي، أَلَا إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَرْجِعُوا بِالقَتْلَى، فتَدْفِنُوهَا فِي مَصَارِعِهَا حَيْثُ قُتِلَتْ، فَرَجَعْنَا بِهِمَا، فَدَفَنَّاهُمَا حَيْثُ قُتِلَا (٥).

стр. 1273

* كَرَامَةُ اللَّهِ لِلشَّهِيدِ: أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: . . . كَانَ أَبِي أَوَّلَ قَتِيلٍ، وَدُفِنَ مَعَهُ آخَرُ فِي قَبْرٍ، ثُمَّ لَمْ تَطِبْ نَفْسِي أَنْ أَتْرُكَهُ مَعَ الآخَرِ، فَاسْتَخْرَجْتُهُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَإِذَا هُوَ كَيَوْمِ وَضَعْتُهُ هُنَيَّةً (١)، غَيْرَ أُذُنِهِ (٢). وَأَخْرَجَ ابنُ سَعْدٍ فِي طَبَقَاتِهِ، وَالإِمَامُ مَالِكٌ فِي المُوَطَّأِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: . . . فَدَخَلَ السَّيْلُ قَبْرَهُمَا -أَيْ قَبْرَ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَمْرِو بنِ حَرَامٍ وَالِدِ جَابِرٍ، وَعَمْرِو بنِ الجَمُوحِ لِأَنَّهُمَا دُفِنَا فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ- فَحُفِرَ عَنْهُمَا، وَعَبْدُ اللَّهِ قَدْ أَصَابَهُ جُرْحٌ فِي وَجْهِهِ، فَيَدُهُ عَلَى جُرْحِهِ، فَأُمِيطَتْ (٣) يَدُهُ عَنْ جِرَاحِهِ، فَانْبَعَثَ (٤) الدَّمُ، فَرُدَّتْ يَدُهُ إِلَى مَكَانِهَا فَسَكَنَ (٥) الدَّمُ. قَالَ جَابِر: فَرَأَيْتُ أَبِي فِي حُفْرَتِهِ كَأَنَّهُ نَائِمٌ، وَمَا تَغَيَّرَ مَنْ حَالِهِ قَلِيلٌ وَلَا

стр. 1274

كَثِيرٌ، فَقِيلَ لَهُ: فَرَأَيْتَ أَكْفَانَهُ؟ قَالَ: إِنَّمَا كُفِّنَ فِي نَمِرَةٍ خُمِّرَ (١) بِهَا وَجْهُهُ، وَجُعِلَ عَلَى رِجْلَيْهِ الحَرْمَلُ (٢)، فَوَجَدْنَا النَّمِرَةَ كَمَا هِيَ، وَالحَرْمَلُ عَلَى رِجْلَيْهِ عَلَى هَيْئَتِهِ، وَبَيْنَ ذَلِكَ سِتٌّ وأَرْبَعُونَ سَنَةً (٣). قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَهَذَا الحَدِيثُ الذِي رَوَاهُ البُخَارِيُّ عَنْ جَابِرٍ ﵁ يُخَالِفُ فِي الظَّاهِرِ رِوَايَةَ ابْنِ سَعْدٍ وَالإِمَامَ مَالِكًا مِنْ أَنَّه حُفِرَ عَنْهَا بَعْد سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ سَنَةٍ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ المُرَادُ بِكَوْنِهِمَا فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ قُرْبَ المُجَاوَرَةِ، أَوْ أَنَّ السَّيْلَ خَرَقَ أَحَدَ القَبْرَيْنِ فَصَارَا كَقَبْرٍ وَاحِدٍ (٤). وَأَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: لَمَّا أَرَادَ مُعَاوِيَةُ ﵁ يُجْرِي العَيْنَ التِي عِنْدَ قُبُورِ الشُّهَدَاءَ بِالمَدِينَةِ أَمَرَ مُنَادِيًا، فنَادَى: مَنْ كَانَ لَهُ مَيِّتٌ، فَلْيَأْتِهِ، قَالَ جَابِرٌ: فَذَهَبْتُ إِلَى أَبِي، فَأَخْرَجْنَاهُمْ رِطَابًا يَتَثَنَّوْنَ (٥)، فَأَصَابَتِ المِسْحَاةُ (٦)

стр. 1275

أُصْبُعَ رَجِلٍ مِنْهُمْ، فَانْفَطَرَتْ (١) دَمًا (٢). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: . . . فَبَيْنَمَا أَنَا فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ بنِ أَبِي سُفْيَانَ ﵁، إِذْ جَاءَنِي رَجُلٌ فَقَالَ: يَا جَابِرَ بنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَاللَّهِ لَقَدْ أَثَارَ (٣) أَبَاكَ عُمَّالُ مُعَاوِيَةَ، فَبَدَا (٤)، فَخَرَجَ طَائِفَةٌ مِنْهُ، فَأَتَيْتُهُ، فَوَجَدْتُهُ عَلَى النَّحْوِ الذِي دَفَنْتُهُ، لَمْ يَتَغَيَّرْ إِلَّا مَا لَمْ يَدَعِ القَتْلُ أَوِ القَتِيلَ، فَوَارَيْتُهُ (٥). * فَضْلُ شُهَدَاءِ أُحُدٍ: وَأَمَّا مَا جَاءَ فِي فَضلِ شُهَدَاءِ أُحُدٍ، فَأَذْكُرُ مِنْهَا مَا رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إِذَا ذُكِرَ أَصْحَابُ أُحُدٍ: "أَمَا وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي غُودِرْتُ (٦) مَعَ أَصْحَابِ نُحْصِ (٧) الجَبَلِ"، يَعْنِي سَفْحِ الجَبَلِ (٨).

стр. 1276

وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَأَبُو دَاوُودَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَمَّا أُصِيبَ إِخْوَانكُمْ بِأُحُدٍ، جَعَلَ اللَّهُ أَرْوَاحَهُمْ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَرِدُ أَنْهَارَ الجَنَّةِ، تَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا، وَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ فِي ظِلِّ العَرْشِ، فَلَمَّا وَجَدُوا طِيبَ مَشْرَبِهِمْ وَمَأْكَلِهِمْ، وَحُسْنَ مَقِيلِهِمْ، قَالُوا: يَا لَيْتَ إِخْوَانَنَا يَعْلَمُونَ بِمَا صَنَعَ اللَّهُ لَنَا، لِئَلَّا يَزْهَدُوا فِي الجِهَادِ، وَلَا يَنْكُلُوا (١) عَنِ الحَرْبِ، فَقَالَ اللَّهُ : أَنَا أُبَلِّغُهُمْ عَنْكُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَؤُلَاءِ الآيَاتِ عَلَى رَسُولِهِ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (٢). قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: أَمَّا أَرْوَاحُ الشُّهَدَاء، فَهِيَ فِي حَوَاصِلِ طَيْرٍ خُضْرٍ، فَهِيَ كَالكَوَاكِبِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَرْوَاحِ عُمُومِ المُؤْمِنِينَ، فَإِنَّهَا تَطِيرُ بِأَنْفُسِهَا، فنَسْأَلُ اللَّهَ الكَرِيمَ المَنَّانَ أَنْ يُثَبِّتَنَا عَلَى الإِيمَانِ (٣).

стр. 1277

* زِيَارَةُ شُهَدَاءِ أُحُدٍ: أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَأَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ طَلْحَةَ بنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، يُرِيدُ قُبُورَ الشُّهَدَاءِ، حَتَّى إِذَا أَشْرَفْنَا عَلَى حَرَّةِ وَاقِمٍ (١)، فَلَمَّا تَدَلَّيْنَا (٢) مِنْهَا، وَإِذَا قُبُور بِمَحْنِيَةٍ (٣)، فَقُلْنَا: يَا رَسُول اللَّهِ، أَقُبُورُ إِخْوَانِنَا هَذِهِ؟ قَالَ: "قُبُورُ أَصْحَابِنَا"، فَلَمَّا جِئْنَا قُبُورَ الشُّهَدَاءِ قَالَ ﷺ : "هَذِهِ قُبُورُ إِخْوَانِنَا" (٤) وَأَخْرَجَ البَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ بِالشَّوَاهِدِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْتِي الشُّهَدَاءَ، فَإِذَا أَتَى فُرْضَةَ الشِّعْبِ (٥)، يَقُولُ: "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ، ﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ " (٦)، ثُمَّ كَانَ أَبُو بَكْرٍ

стр. 1278

-﵁ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ يَفْعَله، وَكَانَ عُمَرُ ﵁ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ ﵁ يَفْعَلُهُ، وَكَانَ عُثْمَانُ ﵁ بَعْدَ عُمَرَ ﵁ يَفْعَلُ ذَلِكَ (١). * عَدَدُ شُهَدَاءِ المُسْلِمِينَ فِي أُحُدٍ: بَلَغَ عَدَدُ مَنِ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ سَبْعِينَ رَجُلًا، سِتَّةً مِنَ المُهَاجِرِينَ، وَهُمْ حَمْزَةُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَمُصْعَبُ بنُ عُمَيْرٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بنُ جَحْشٍ، وَشَمَّاسُ بنُ عُثْمَانَ، وَسَعْدُ بن خَوْلي مَوْلَى حَاطِبِ بنِ أَبِي بَلْتَعَةَ، وَعَمْرٌو الأَسْلَمِيُّ، وَأَرْبَعٌ وَسِتُّونَ مِنَ الأَنْصَارِ (٢). أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ قتَادَةَ قَالَ: مَا نَعْلَمُ حَيًّا مِنْ أَحْيَاءَ العَرَبِ أَكْثَرَ شَهِيدًا أَغَرَّ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنَ الأَنْصَارِ، قَالَ قتَادَةُ، وَحَدَّثنَا أَنَسُ بنُ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهُ قُتِلَ مِنْهُمْ يَوْمَ أُحُدٍ سَبْعُونَ (٣). قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: ظَاهِرُ كَلَامِ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ الجَمِيعَ مِنَ الأَنْصَارِ، وَهُوَ كَذَلِكَ إِلَّا الْقَلِيلُ (٤). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ ﵁ قَالَ:

стр. 1279

جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الرُّمَاةِ يَوْمَ أُحُدٍ عَبْدَ اللَّهِ بنَ جُبَيْرٍ ﵁ فَأَصَابُوا مِنَّا سَبْعِينَ (١). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁ قَالَ: فَذَكَرَ حَدِيثَ غَزْوَةِ بَدْرٍ ثُمَّ قَالَ ﵁: فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ مِنَ العَامِ المُقْبِلِ عُوقِبُوا بِمَا صَنَعُوا يَوْمَ بَدْرٍ مِنْ أَخْذِهِمُ الفِدَاءَ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ. . .، وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَالنَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ قُتِلَ مِنَ الأَنْصَارِ أَرْبَعَةٌ وَسِتُّونَ رَجُلًا، وَمِنَ المُهَاجِرِينَ سِتَّةٌ (٣). * قَتْلَى المُشْرِكِينَ: أَمَّا قَتْلَى المُشْرِكِينَ فَبَلَغَ عَدَدُهُمْ ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ رَجُلًا (٤).

стр. 1280

* دَعَاءٌ وَتَضَرُّعٌ للَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ: وَلَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرُّجُوعَ إِلَى المَدِينَةِ، وَمَعَهُ أَصْحَابُهُ، وَقَفَ عَلَى جَبَلِ أُحُدٍ، فَأَثْنَى عَلَى رَبِّهِ، وَتَضَرَّعَ إِلَيْهِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالحَاكِمُ وَالبُخَارِيُّ فِي الأَدَبِ المُفْرَدِ، بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عُبَيْدِ بنِ رِفَاعَةَ الزُّرَقِيِّ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ، وَانْكَفَأَ المُشْرِكُونَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اسْتَوُوا حَتَّى أُثْنِيَ عَلَى رَبِّي"، فَصَاروا خَلْفَهُ صُفُوفًا، فَقَالَ ﷺ : "اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ كلُّهُ، اللَّهُمَّ لَا قَابِضَ لِمَا بَسَطْتَ، وَلَا بَاسِطَ لِمَا قَبَضْتَ، وَلَا هَادِيَ لِمَا أَضْلَلْتَ، وَلَا مُضِلَّ لِمَنْ هَدَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُقَرِّبَ لِمَا بَاعَدْتَ، وَلَا مُبَاعِدَ لِمَا قَرَّبْتَ، اللَّهُمَّ ابْسُطْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِكَ وَرَحْمَتِكَ وَفَضْلِكَ وَرِزْقِكَ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ النَّعِيمَ المُقِيمَ الذِي لَا يَحُولُ ولَا يَزُولُ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْألكَ النَّعِيمَ يَوْمَ العَيْلَةِ (١)، وَالأَمْنَ يَوْمَ الخَوْفِ، اللَّهُمَّ إِنِّي عَائِذٌ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا أَعْطَيْتَنَا، وَشَرِّ مَا مَنَعْتَ، اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الإِيمَانَ، وَزَيِّنْهُ فِي قُلُوبِنَا، وَكَرِّهْ إِلَيْنَا الكُفْرَ وَالفُسُوقَ وَالعِصْيَانَ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الرَّاشِدِينَ، اللَّهُمَّ تَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ، وَأَحْيِنَا مُسْلِمِينَ، وَأَلْحِقْنَا بِالصَّالِحِينَ غَيْرَ خَزَايَا وَلَا مَفْتُونِينَ، اللَّهُمَّ قَاتِلِ الكَفَرَةَ الذِينَ يُكَذِّبُونَ رُسُلَكَ، وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِكَ، وَاجْعَلْ عَلَيْهِمْ رِجْزَكَ وعَذَابَكَ،

стр. 1281

اللَّهُمَّ قَاتِلِ الكَفَرَةَ، الذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ، إِلَهَ الحَقِّ" (١). * رُجُوعُ الرَّسُولِ ﷺ إِلَى المَدِينَةِ وَشِدَّةُ المَحَبَّةِ لَهُ: ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَسَاءَ السَّبْتِ رَاجِعًا إِلَى المَدِينَةِ، فَصَلَّى بِهَا المَغْرِبَ، وَكَانَتِ النِّسَاءُ قَدْ خَرَجْنَ يَتَلَقَّيْنَ النَّاسَ، فَلَقِيَتْهُمْ حَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ ﵂، فنعِي لَهَا أَخُوهَا عَبْدُ اللَّهِ بنُ جَحْشٍ ﵁، فَاسْتَرْجَعَتْ وَاسْتَغْفَرَتْ لَهُ، ثُمَّ نُعِيَ لَهَا خَالُهَا حَمْزَةُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ ﵁، فَاسْتَرْجَعَتْ وَاسْتَغْفَرَتْ لَهُ، ثُمَّ نُعِيَ لَهُا زَوْجُهَا مُصْعَبُ بنُ عُمَيْرٍ ﵁، فَصَاحَتْ وَوَلْوَلَتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ زَوْجَ المَرْأَةِ مِنْهَا لَبِمَكَانٍ"، وَفِي لَفْظٍ "إِنَّ لِلزَّوْج مِنَ المَرْأَةِ لَشُعْبَةً" (٢). * قِصَّةُ الْمَرْأَةِ الدِّينَارِيَّةِ: وَخَرَجَتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي دِينَارٍ، وَقَدْ أُصِيبَ زَوْجُهَا وَأَخُوهَا وَأَبُوهَا بِأُحُدٍ، فَلَمَّا نُعُوا لَهَا قَالَتْ: فَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ ، قَالُوا: خَيْرًا يَا أُمَّ فُلَانٍ، هُوَ

стр. 1282

بِحَمْدِ اللَّهِ كَمَا تُحِبِّينَ، قَالَتْ: أَرُونِيهِ حَتَّى أَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَأُشِيرَ لَهَا، حَتَّى إِذَا رَأَتْهُ قَالَتْ: كُلُّ مُصِيبَةٍ بَعْدَكَ جَلَلٌ (١). * دُخُولُ الرَّسُولِ ﷺ الْمَدِينَةَ: فَلَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ، وَإِذَا بِهِ يَسْمَعُ البُكَاءَ، وَالنُّوَاحَ فِي البُيُوتِ، فَقَالَ: "مَا هَذَا؟ ". قَالُوا: هَذِهِ نِسَاءُ الأَنْصَارِ يَبْكِينَ قَتْلَاهُمْ، فَذَرَفَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبَكَى، ثُمَّ قَالَ: "لَكِنَّ حَمْزَةَ لَا بَوَاكِيَ عَلَيْهِ". فَبَلَغَ ذَلِكَ نِسَاءَ الأَنْصَارِ، فَجِئْنَ يَبْكِينَ عَلَى حَمْزَةَ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَابْنُ مَاجَه بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمَّا رَجَعَ مِنْ أُحُدٍ، سَمِعَ نِسَاءَ الأَنْصَارِ يَبْكِينَ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ، فَقَالَ: "لَكِنَّ حَمْزَةَ لَا بَوَاكِيَ لَهُ"، فَبَلَغَ ذَلِكَ نِسَاءَ الأَنْصَارِ، فَجِئْنَ يَبْكِينَ عَلَى حَمْزَةَ، قَالَ: فَانتبَهَ رَسُولُ اللَّهِ مِنَ اللَّيْلِ، فَسَمِعَهُنَّ وَهُنَّ يَبْكِينَ، فَقَالَ: "وَيْحَهُنَّ! لَمْ يَزَلْنَ يَبْكِينَ بَعْدُ مُنْذُ اللَّيْلةَ؟ مُرُوهُنَّ فَلْيَرْجِعْنَ، وَلَا يَبْكِينَ عَلَى هَالِكٍ بَعْدَ اليَوْمِ" (٢).

стр. 1283

* نَهْيُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنِ النِّيَاحَةِ: ثُمَّ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّيَاحَةِ (١)، وَتَوَعَّدَ عَلَيْهَا، وَقَالَ ﷺ : "اثْنتانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ (٢): الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى المَيِّتِ" (٣). وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ثَلَاثٌ مِنْ عَمَلِ الجَاهِلِيَّةِ لَا يَتْرُكُهُنَّ أَهْلُ الإِسْلَامِ: النِّيَاحَةُ، وَالِاْسِتْسَقاُء بِالأَنْوَاءِ (٤)، وَالتَّعَايُرُ" (٥).

стр. 1284

* مَنْ أَجَادَ القِتَالَ يَوْمَ أُحُدٍ: فَلَمَّا انْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى بَيْتِهِ، وَمَعَهُ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁، أَعْطَى سَيْفَهُ فَاطِمَةَ لِتَغْسِلَهُ، فَقَدْ أَخْرَجَ الحَاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَعْطَى فَاطِمَةَ ابْنَتَهُ سَيْفَهُ، فَقَالَ: "يَا بُنيَةُ اغْسِلِي عَنْ هَذَا الدَّمَ"، فَأَعْطَاهَا عَلِيٌّ ﵁ سَيْفَهُ، وَقَالَ: وَهَذَا فَاغْسِلِي عَنْهُ دَمَهُ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ صَدَقَنِي اليَوْمَ القِتَالَ. وَفِي لفظٍ: فَإِنَّهَا قَدْ شَفَتْنِي، فَقَالَ ﷺ : "لَئِنْ كُنْتَ أَجَدْتَ الضَّرْبَ بِسَيْفِكَ لَقَدْ أَجَادَهُ سَهْلُ بنُ حُنَيْفٍ، وَأَبُو دُجَانَةَ، وَعَاصِمُ بنُ ثَابِتٍ، وَالحَارِثُ بنُ الصِّمَّةِ" (١). * حِرَاسَةُ المَدِينَةِ: وَبَاتَ المُسْلِمُونَ فِي المَدِينَةِ لَيْلَةَ الأَحَدِ، بَعْدَ رُجُوعِهِمْ مِنْ مَعْرَكَةِ أُحُدٍ يَحْرُسُونَ أَنْقَابَ المَدِينَةِ وَمَدَاخِلَهَا، وَقَدْ أَنْهَكَهُمُ (٢) التَّعَبُ، وَبَاتَ الأَنْصَارُ عَلَى بَابِ الرَّسُولِ ﷺ بِالمَسْجِدِ يَحْرُسُونَهُ خَوْفًا مِنْ هُجُومِ العَدُوِّ عَلَى المَدِينَةِ (٣).

стр. 1285

غَزْوَةُ حَمْرَاءَ الأَسَدِ (١) كَانَتْ يَوْمَ الأَحَدِ بَعْدَ أُحُدٍ بِيَوْمٍ وَاحِدٍ فَقَطْ؛ لِأَنَّ أُحُدًا كَانَتْ يَوْمَ السَّبْتِ، لِسِتَّ عَشَرَ لَيْلَةٍ مَضَتْ مِنْ شَوَّالٍ (٢)، وَقِيلَ: لِثَمَانِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْهُ (٣). * سَبَبُهَا: وَكَانَ سَبَبُهَا مَا بَلَغَ الرَّسُولَ ﷺ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ بنِ حَرْبٍ أَنَّهُ يُرِيدُ الرُّجُوعَ بِقُرَيْشٍ إِلَى المَدِينَةِ لِيَسْتَأْصِلُوا مَنْ بَقِيَ مِنْ أَصْحَابِ الرَّسُولِ ﷺ . فَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ فِي السُّنَنِ الكُبْرَى بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا انْصَرَفَ المُشْرِكُونَ عَنْ أُحُدٍ، وَبَلَغُوا الرَّوْحَاءَ (٤)، قَالُوا: لَا مُحَمَّدًا قتَلْتُمُوهُ، وَلَا الكَوَاعِبَ (٥) أَرْدَفْتُمْ، وَبِئْسَ مَا صَنَعْتُمْ،

стр. 1286

ارْجِعُوا، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فنَدَبَ (١) النَّاسَ، فَانتدَبُوا حَتَّى بَلَغُوا حَمْرَاءَ الْأَسَدِ (٢). فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصُّبْحَ أَمَرَ بِلَالًا ﵁ أَنْ يُنَادِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُكُمْ بِطَلَبِ العَدُوِّ، وَلَا يَخْرُجُ مِعَنَا إِلَّا مَنْ شَهِدَ القِتَالَ بِالأَمْسِ. * اسْتِئْذَانُ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ فِي الخُرُوجِ: فكَلَّمَ جَابِرٌ ﵁ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِنَّ أَبِي كَانَ خَلَّفَنِي عَلَى أَخَوَاتٍ لِي سَبْعٍ أَوْ قَالَ تِسْعٍ، وَقَالَ: يَا بُنَيَّ! إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِي وَلَا لَكَ أَنْ نَتْرُكَ هَؤُلَاءِ النِّسْوَةَ لَا رَجُلَ فِيهِنَّ، وَلَسْتُ بِالذِي أُؤْثِرُكَ بِالجِهَادِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى نَفْسِي، فتَخَلَّفْ عَلَى أَخَوَاتِكَ، فتَخَلَّفْتُ عَلَيْهِنَّ، وَلَا أُحِبُّ أَنْ تتوَجَّهَ وَجْهًا إِلَّا كُنْتُ مَعَكَ، فَأْذَنْ لِي أَخْرُجْ مَعَكَ، فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمْ يَخْرُجْ مَعَهُ أَحَدٌ لَمْ يَشْهَدِ القِتَالَ يَوْمَ أُحُدٍ غَيْرَهُ. وَاسْتَأْذَنَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِأَنْ يَذْهَبَ مَعَهُ، فَأَبَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ وَرَدَّهُ (٣).

стр. 1287

* خُرُوجُ الرَّسُولِ ﷺ إِلَى حَمْرَاءَ الأَسَدِ: حَمَلَ لِوَاءَ المُسْلِمِينَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁، وَاسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى المَدِينَةِ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ مَجْرُوحٌ فِي وَجْهِهِ، وَمَشْجُوجٌ فِي جَبْهَتِهِ، وَقَدْ كُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ، وَهُوَ مُتَوَهِّنٌ (١) مَنْكِبُهُ الأَيْمَنُ مِنْ ضَرْبَةِ ابْنِ قَمِئَةَ، وَرُكْبَتَاهُ مَجْحُوشَتَانِ (٢)، وَخَرَجَ مَعَهُ جَمِيعُ مَنْ حَضَرَ القِتَالَ بِأُحُدٍ عَلَى مَا بِهِمْ مِنَ الجِرَاحِ وَالقَرْحِ (٣). أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ (٤): ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (٥). قَالَتْ لِعُرْوَةَ: يَا ابْنَ أُخْتِي كَانَ أَبُوكَ مِنْهُمُ الزُّبَيْرُ، وَأَبُو بَكْرٍ لَمَّا أَصَابَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا أَصَابَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَانْصَرَفَ المُشْرِكُونَ خَافَ أَنْ يَرْجِعُوا. قَالَ: "مَنْ يَذْهَبُ فِي أَثَرِهِمْ"، فَانتدَبَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ (٦) رَجُلًا قَالَ: كَانَ

стр. 1288

فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَالزُّبَيْرُ ﵄ (١). وَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَدَلِيلُهُ فِي السَّيْرِ ثَابِتُ بنُ الضَّحَّاكِ الخَزْرَجِيُّ، حَتَّى عَسْكَرَ بِحَمْرَاءَ الأَسَدِ، وَأَقَامَ المُسْلِمُونَ بِذَلِكَ المَكَانِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، وَكَانُوا يُوقِدُونَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنَ اللَّيَالِي النِّيرَانَ حَتَّى كَانَتْ تُرَى مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ. وَلَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحَمْرَاءَ الأَسَدِ مَعْبَدَ بنَ أَبِي مَعْبَدٍ الخُزَاعِيَّ، وَكَانَتْ خُزَاعَةُ مُسْلِمُهُمْ وَمُشْرِكُهُمْ هَوَاهُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانُوا لَا يُخْفُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا كَانَ بِهَا، وَمَعْبَدٌ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكٌ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ: أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ عَزّ (٢) عَلَيْنَا مَا أَصَابَكَ فِي أَصْحَابِكَ، وَلَوَدِدْنَا أَنَّ اللَّهَ عَافَاكَ فِيهِمْ، ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى لَقِيَ أبَا سُفْيَانَ بنَ حَرْبٍ وَمَنْ مَعَهُ بِالرَّوْحَاءَ، وَقَدْ أَجْمَعُوا الرَّجْعَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ، فَلَمَّا رَأَى أَبُو سُفْيَانَ مَعْبَدًا قَالَ: مَا وَرَاءَكَ يَا مَعْبَدُ؟

стр. 1289

قَالَ: مُحَمَّدٌ خَرَجَ فِي أَصْحَابِهِ يَطْلُبُكُمْ فِي جَمْعٍ لَمْ أَرَ مِثْلَهُ قَطُّ، يَتَحَرَّقُونَ (١) عَلَيْكُمْ تَحَرُّقًا، قَدِ اجْتَمَعَ مَعَهُ مَنْ كَانَ تَخَلَّفَ عَنْهُ فِي يَوْمِكُمْ، فِيهِمْ مِنَ الحَنَقِ (٢) عَلَيْكُمْ لَمْ أَرَ مِثْلَهُ قَطُّ، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: وَيْحَكَ مَا تَقُولُ؟ . قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَرَى أَنْ تَرْتَحِلَ حَتَّى ترَى نَوَاصِيَ الخَيْلِ، قَالَ: فَوَاللَّهِ لَقَدْ أَجْمَعْنَا الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ لِنَسْتَأْصِلَ بَقِيَّتَهُمْ، قَالَ: فَإِنِّي أَنْهَاكَ عَنْ ذَلِكَ. * رُجُوعُ أَبِي سُفْيَانَ بِجَيْشِهِ إِلَى مَكَّةَ: فَخَافَ أَبُو سُفْيَانَ وَمَنْ مَعَهُ فَأَسْرَعُوا إِلَى مَكَّةَ، وَعِنْدَ انْصِرَافِهِمْ مَرَّ بِأَبِي سُفْيَانَ رَكْبٌ مِنْ عَبْدِ القَيْسِ، فَقَالَ لَهُمْ: أَيْنَ تُرِيدُونَ؟ قَالُوا: نُرِيدُ المَدِينَةَ، قَالَ: وَلِمَ؟ قَالُوا: نُرِيدُ المِيرَةَ (٣)، قَالَ: فَهَلْ أَنْتُمْ مُبلِّغُونَ عَنِّي مُحَمَّدا رِسَالَةً أُرْسِلُكُمْ بِهَا إِلَيْهِ، وَأُحَمِّلُ لَكُمْ إِبِلَكُمْ غَدًا زَبِيبًا (٤) بِعُكَاظَ (٥)، إِذَا وَافَيْتُمُوهَا؟ قَالُو: نَعَمْ، قَالَ: فَإِذَا وَافَيْتُمُوهُ، فَأَخْبِرُوهُ أَنَّا قَدْ أَجْمَعْنَا السَّيْرَ إِلَيْهِ، وَإِلَى أَصْحَابِهِ لِنَسْتَأْصِلَ بَقِيَّتَهُمْ.

стр. 1290

فَمَرَّ الرَّكْبُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ بِحَمْرَاءَ الأَسَدِ، فَأَخْبَرُوهُ بِالذِي قَالَهُ أَبُو سُفْيَانَ، فَقَالَ ﷺ : "حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكيلُ". وَفِي هَذَا المَوْقِفِ نَزَلَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ (١). أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: حَسْبُنَا اللَّهُ وَيعْمَ الوَكِيلُ قَالَهَا: إِبْرَاهِيمُ ﵇ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ ﷺ حِينَ قَالُوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (٢). وَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحَمْرَاءَ الأَسَدِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ كَمَا ذَكَرْنَا، وَفِي يَوْمِ الأَرْبِعَاءَ عَادَ إِلَى المَدِينَةِ، وَقَدِ اسْتَرَدَّ المُسْلِمُونَ الكَثِيرَ مِنْ هَيْبَتِهِمْ، بَعْدَ أَنْ كَادَتْ تَتَزَعْزَعُ بِسَبَبِ غَزْوَةِ أُحُدٍ (٣).

стр. 1291

* مَقْتَلُ أَبِي عَزَّةَ الجُمَحِيِّ: وَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ رُجُوعِهِ إِلَى المَدِينَةِ أَبَا عَزَّةَ الجُمَحِيَّ (١)، وَهُوَ الذِي كَانَ قَدْ مَنَّ (٢) عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ أُسَارَى بَدْرٍ، لِفَقْرِهِ وَكَثْرَةِ بَنَاتِهِ، وَعَلَى أَنْ لَا يُقَاتِلَهُ وَلَا يُظَاهِرَ عَلَيْهِ أَحَدًا، فنَقَضَ العَهْدَ، وَخَرَجَ مَعَ قُرَيْشٍ، وَصَارَ يَسْتَنْفِرُ النَّاسَ وَيُحَرِّضُهُمْ بِأَشْعَارِهِ عَلَى قِتالِ الرَّسُولِ ﷺ ، فَلَمَّا أُسِرَ جِيءَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَقِلْنِي (٣)، وَامْنُنْ عَلَيَّ، فَإِنَّ لِي بَنَاتٍ، وَأُعْطِيكَ عَهْدًا أَنْ لَا أَعُودَ لِمِثْلِ مَا فَعَلْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَاللَّهِ، لَا تَمْسَحُ عَارِضَيْكَ (٤) بِمَكَّةَ بَعْدَهَا، وَتَقُولُ: خَدَعْتُ مُحَمَّدًا مَرَّتَيْنِ". وَفِي لَفْظٍ: "سَخِرْتُ بِمُحَمَّدٍ مَرَّتَيْنِ، اضْرِبْ عُنُقَهُ يَا زُبَيْرُ". وَفِي رِوَايَةٍ ثَالِثَةٍ: قَالَ ﷺ : "لَا يُلْدَغُ المُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ" (٥)،

стр. 1292

فَضُرِبَ عُنُقَهُ (١). * مَا نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ يَوْمَ أُحُدٍ: أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ سِتِّينَ آيَةً مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، فِيهَا تَفْصِيلٌ لِأَحْدَاثِ هَذِهِ المَعْرَكَةِ العَظِيمَةِ، وَقَدِ اتَّجَهَتِ الآيَاتُ إِلَى مَزْجِ العِتَابِ الرَّقِيقِ بِالدَّرْسِ النَّافِعِ وَتَطْهِيرِ المُؤْمِنِينَ، حَتَّى لَا يَتَحَوَّلَ انْكِسَارُهُمْ فِي المَيْدَانِ إِلَى قُنُوطٍ يَفُلُّ قُوَاهُمْ، وَحَسْرَةً تَشُلُّ إِنْتَاجَهُمْ، وتَبْدَأُ الآيَاتُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢). فَمِنَ الآيَاتِ التِي نَزَلَتْ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (٣). ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٤). ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا

стр. 1293

بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (١). ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ (٢). ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ (٣). ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ (٤). ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (٥). ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ (٦). إِلَى غَيْرِهَا مِنَ الآيَاتِ التِي نَزَلَتْ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ.

стр. 1294

* بَعْضُ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ غَزْوَةُ أُحُدٍ مِنَ الأَحْكَامِ وَالفِقْهِ: ذَكَرَ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ القَيِّمِ "زَادِ المَعَادِ"، بَعْضَ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الغَزْوَةُ العَظِيمَةُ مِنَ الأَحْكَامِ وَالفِقْهِ فَمِنْهَا: ١ - أَنَّ الجِهَادَ يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ، حَتَّى إِنَّ مَنْ لَبِسَ لَأَمَتَهُ وَشَرَعَ فِي أَسْبَابِهِ، وَتَأَهَّبَ لِلْخُرُوجِ، لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجعَ عَنِ الخُرُوجِ حَتَّى يُقَاتِلَ عَدُوَّهُ. ٢ - وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى المُسْلِمِينَ إِذَا طَرَقَهُمْ عَدُوُّهُمْ فِي دِيَارِهِمُ الخُرُوجَ إِلَيْهِ، بَلْ يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَلْزَمُوا دِيَارَهُمْ، وَيُقَاتِلُوهُمْ فِيهَا إِذَا كَانَ ذَلِكَ أَنْصَرَ لَهُمْ عَلَى عَدُوِّهِمْ، كَمَا أَشَارَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِمْ يَوْمَ أُحُدٍ. ٣ - وَمِنْهَا جَوَازُ سُلُوكِ الإِمَامِ بِالعَسْكَرِ فِي بَعْضِ أَمْلَاكِ رَعِيَّتِهِ إِذَا صَادَفَ ذَلِكَ طَرِيقَهُ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ المَالِكُ. ٤ - وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا يَأْذَنُ لِمَنْ لَا يُطِيقُ القِتَالَ مِنَ الصِّبْيَانِ غَيْرِ البَالِغِينَ، بَلْ يَرُدُّهُمْ إِذَا خَرَجُوا، كَمَا رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ابنَ عَمْرَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الصِّبْيَانِ. ٥ - وَمِنْهَا جَوَازُ الغَزْوِ بِالنِّسَاءَ، وَالِاسْتِعَانَةُ بِهِنَّ فِي الجِهَادِ. ٦ - وَمِنْهَا جَوَازُ الِانْغِمَاسِ فِي العَدُوِّ، كَمَا انْغَمَسَ أَنَسُ بنُ النَّضْرِ ﵁ وَغَيْرُهُ. ٧ - وَمِنْهَا جَوَازُ دُعَاءَ الرَّجُلِ أَنْ يُقْتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَتَمَنِّيهِ ذَلِكَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ تَمَنِّي المَوْتِ المَنْهِيِّ عَنْهُ، كَمَا فَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ جَحْشٍ ﵁.

стр. 1295

٨ - وَمِنْهَا أَنَّ المُسْلِمَ إِذَا قتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، لِقَوْلهِ ﷺ فِي قُزْمَانَ الذِي أَبْلَى يَوْمَ أُحُدٍ بَلَاءً شَدِيدًا، فَلَمَّا اشْتَدَّتْ بِهِ الجِرَاحُ، نَحَرَ نَفْسَهُ، فَقَالَ ﷺ : "هُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ". ٩ - وَمِنْهَا أَنَّ السُّنَّةَ فِي الشَّهِيدِ أَنَّهُ لَا يُغَسَّلُ، وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ (١)، وَلَا يُكَفَّنُ فِي غَيْرِ ثِيَابِهِ، بَلْ يُدْفَنُ فِيهَا بِدَمِهِ وَكُلُومِهِ (٢)، إِلَّا أَنْ يُسْلَبَهَا، فَيَكَفَّنُ فِي غَيْرِهَا. ١٠ - وَمِنْهَا أَنَّ السُّنَّةَ فِي الشُّهَدَاءِ أَنْ يُدْفَنُوا فِي مَصَارِعِهِمْ، وَلَا يُنْقَلُوا إِلَى مَكَانٍ آخَرَ، فَإِنَّ قَوْمًا مِنَ الصَّحَابَةِ نَقَلُوا قَتْلَاهُمْ إِلَى المَدِينَةِ، فنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالأَمْرِ بَرَدِّ القَتْلَى إِلَى مَصَارِعِهِمْ. ١١ - وَمِنْهَا جَوَازُ دَفْنِ الرَّجُلَيْنِ أَوِ الثَّلَاثَةِ فِي القَبْرِ الوَاحِدِ، عِنْدَ الحَاجَةِ وَالضَّرُورَةِ. ١٢ - وَمِنْهَا أَنَّ مَنْ عَذَرَهُ اللَّهُ فِي التَّخَلُّفِ عَنِ الجِهَادِ لِمَرَضٍ أَوْ عَرَجٍ، يَجُوزُ لَهُ الخُرُوجُ إِلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ، كَمَا خَرَجَ عَمْرُو بنُ الجَمُوحِ ﵁، وَهُوَ أَعْرَجٌ. ١٣ - وَمِنْهَا أَنَّ المُسْلِمِينَ إِذَا قتَلُوا وَاحِدًا مِنْهُمْ فِي الجِهَادِ يَظُنُّونَهُ كَافِرًا،

стр. 1296

فَعَلَى الإِمَامِ دِيَتُهُ مِنْ بَيْتِ المَالِ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَرَادَ أَنْ يَدِيَ اليَمَانَ أَبَا حُذَيْفَةَ، فَامْتَنَعَ حُذَيْفَةُ مِنْ أَخْذِ الدِّيَةِ، وَتَصَدَّقَ بِهَا عَلَى المُسْلِمِينَ (١). * ذِكْرُ بَعْضِ الحِكَمِ وَالغَايَاتِ المَحْمُودَةِ التِي كَانَتْ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ: لَقَدْ بَسَطَ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الفَذِّ "زَادِ المَعَادِ" الدُّرُوسَ وَالعِبَرَ التِي كَانَتْ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ، فَقَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: ١ - فَمِنْهَا تَعْرِيفُهُمْ سُوءَ عَافِتةِ المَعْصِيَةِ، وَالفَشَلِ، وَالتَّنَازُعِ، وَأَنَّ الذِي أَصَابَهُمْ إِنَّمَا هُوَ بِشُؤْمِ ذَلِكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢). فَلَمَّا ذَاقُوا عَاقِبَةَ مَعْصِيَتَهِمْ لِلرَّسُولِ ﷺ ، وَتَنَازُعِهِمْ، وَفَشَلِهِمْ، كَانُوا بَعْدَ ذَلِكَ أَشَدَّ حَذَرًا وَيَقْظَةً، وَتَحَرُّزًا مِنْ أَسْبَابِ الخُذْلَانِ. ٢ - وَمِنْهَا أَنَّ حِكْمَةَ اللَّهِ وَسُنَّتَهُ فِي رُسُلِهِ، وَأَتْبَاعِهِمْ، جَرَتْ بِأَنْ يُدَالُوا مَرَّةً، وَيُدَالَ عَلَيْهِمْ أُخْرَى، لَكِنْ تَكُونُ لَهُمُ العَاقِبَةُ، فَإِنَّهُمْ لَوِ انتصَرُوا دَائِمًا، دَخَلَ مَعَهُمُ المُؤْمِنُونَ وَغَيْرُهُمْ، وَلَمْ يَتَمَيَّزِ الصَّادِقُ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَوِ انْتُصِرَ عَلَيْهِمْ

стр. 1297

دَائِمًا، لَمْ يَحْصُلِ المَقْصُودُ مِنَ البِعْثَةِ وَالرِّسَالَةِ، فَاقْتَضَتْ حِكْمَةُ اللَّهِ أَنْ جَمَعَ لَهُمْ بَيْنَ الأَمْرَيْنِ لِيَتَمَيّز مَنْ يتْبَعُهُمْ وَيُطِيعُهُمْ لِلْحَقِّ، وَمَا جَاؤُوا بِهِ مِمَّنْ يَتْبَعُهُمْ عَلَى الظُّهُورِ وَالغَلَبَةِ خَاصَّةً. ٣ - وَمِنْهَا أَنَّ هَذَا مِنْ أَعْلَامِ الرُّسُلِ، كَمَا قَالَ هِرَقْل لِأَبِي سُفْيَانَ: هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: كَيْفَ الحَرْبُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ؟ ، قَالَ: سِجَالٌ, يدَالُ عَلَيْنَا المَرَّةَ، وَنُدَالُ عَلَيْهِ الأُخْرَى. قَالَ: كَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى، ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ العَاقبَةُ (١). ٤ - وَمِنْهَا أَنْ يتَمَيَّزَ المُؤْمِنُ الصَّادِقُ مِنَ المُنَافِقِ الكَاذِبِ، فَإِنَّ المُسْلِمِينَ لَمَّا أَظْهَرَهُمُ اللَّهُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، وَطَارَ لَهُمُ الصِّيتُ (٢)، دَخَلَ مَعَهُمْ في الإِسْلَامِ ظَاهِرًا مَنْ لَيْسَ مَعَهُمْ فِيهِ بَاطِنًا، فَاقْتَضَتْ حِكْمَةُ اللَّهِ أَنْ سَبَّبَ لِعِبَادِهِ مِحْنَةً مَيَّزَتْ بَيْنَ المُؤْمِنِ وَالمُنَافِقِ، فَأَطْلَعَ المُنَافِقُونَ رُؤُوسَهُمْ في هَذِهِ الغَزْوَةِ، وَتَكَلَّمُوا بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَهُ، وَظَهَرَتْ مُخَبَّاتُهُمْ، وَعَادَ تَلْوِيحُهُمْ تَصْرِيحًا، وَانْقَسَمَ النَّاسُ إلى كَافِرٍ، وَمُؤْمِنٍ، وَمُنَافِقٍ، انْقِسَامًا ظَاهِرًا، وَعَرَفَ المُؤْمِنُونَ أَنَّ لَهُمْ عَدُوًّا في نَفْسِ دُورِهِمْ، وَهُمْ مَعَهُمْ لَا يُفَارِقُونَهُمْ، فَاسْتَعَدُّوا لَهُمْ، وَتَحَرَّزُوا مِنْهُمْ.

стр. 1298

٥ - وَمِنْهَا أَنَّ اللَّه لَوْ نَصَرَهُمْ دَائِمًا، وَأَظْفَرَهُمْ بِعَدُوِّهِمْ في كُلِّ مَوْطِنٍ، وَجَعَلَ لَهُمُ التَّمْكِينَ وَالقَهْرَ لِأَعْدَائِهِمْ أَبَدًا؛ لَطَغَتْ نُفُوسُهُمْ، وَشَمَخَتْ (١) وَارْتَفَعَتْ، فَلَوْ بَسَطَ لَهُمْ النَّصْرَ وَالظَّفَرَ، لَكَانُوا في الحَالِ التِي يَكُونُونَ فِيهَا لَوْ بَسَطَ لَهُمُ الرِّزْقَ، فَلَا يُصْلحُ عِبَادَهُ إِلَّا السَّرَّاءُ وَالضَّرَّاءُ، وَالشِّدَّةُ وَالرَّخَاءُ، وَالقَبْضُ وَالبَسْطُ، فَهُوَ المُدَبِّرُ لِأَمْرِ عِبَادِهِ كَمَا يَلِيقُ بِحِكْمَتِهِ، إِنَّهُ بِهِمْ خَبِيرٌ بَصِيرٌ. ٦ - وَمِنْهَا أَنَّهُ إِذَا امْتَحَنَهُمْ بِالغَلَبَةِ، وَالكَسْرَةِ، وَالهَزِيمَةِ، ذَلُّوا وَانْكَسَرُوا، وَخَضَعُوا، فَاسْتَوْجَبُوا مِنْهُ العِزَّ وَالنَّصْرَ، فَإِنَّ خِلْعَةَ النَّصْرِ إِنَّمَا تَكُونُ مَعَ وِلَايَةِ الذُّلِّ وَالِانْكِسَارِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ (٢)، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾ (٣). فَهُوَ سُبْحَانَهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُعِزَّ عَبْدَهُ، وَيَجْبُرَهُ، وَيَنْصُرَهُ، كَسَرَهُ أَوَّلًا، وَيَكُونُ جَبْرُهُ لَهُ، ونَصْرُهُ عَلَى مِقْدَارِ ذُلِّهِ وَانْكِسَارِهِ. ٧ - وَمِنْهَا أَنَّهُ هَيَّأَ لِعِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ مَنَازِلَ في دَارِ كَرَامَتِهِ، لَمْ تَبْلُغْهَا أَعْمَالُهُمْ، وَلَمْ يَكُوُنوا بَالِغِيهَا إِلَّا بِالبَلَاءِ وَالمِحْنَةِ، فَيُقَيِّضُ (٤) لَهُمُ

стр. 1299

الأَسْبَابَ التِي تُوصِلُهُمْ إِلَيْهَا مِنِ ابْتِلَائِهِ وَامْتِحَانِهِ، كَمَا وَفَّقَهُمْ لِلْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ التِي هِيَ مِنْ جُمْلَةِ أَسْبَابِ وُصُولهِمْ إِلَيْهَا. ٨ - وَمِنْهَا أَنَّ النُّفُوسَ تَكْتَسِبُ مِنَ العَافِيَةِ الدَّائِمَةِ وَالنَّصْرِ وَالغِنَى طُغْيَانًا وَرُكُونًا إلى العَاجِلَةِ، وَذَلِكَ مَرَضٌ يَعُوقُهَا عَنْ جِدِّهَا في سَيْرِهَا إلى اللَّهِ وَالدَّارِ الآخِرَةِ، فَإِذَا أَرَادَ بِهَا رَبّها وَمَالِكُهَا وَرَاحِمُهَا كَرَامَتَهُ، قَيَّضَ لَهَا مِنَ الِابْتِلَاءِ وَالِامْتِحَانِ مَا يَكُونُ دَوَاءً لِذَلِكَ المَرَضِ العَائِقِ عَنِ السَّيْرِ الحَثِيثِ إِلَيْهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ البَلَاءُ وَالمِحْنَةُ بِمَنْزِلَةِ الطَّبِيبِ يَسْقِي العَلِيلَ الدَّوَاءَ الكَرِيهَ، وَيَقْطَعُ مِنْهُ العُرُوقَ المُؤْلمَةَ لِاسْتِخْرَاجِ الأَدْوَاءِ (١) مِنْهُ، وَلَوْ تَرَكَهُ لَغَلَبَتْهُ الأَدْوَاءُ، حَتَّى يَكُونَ فِيهَا هَلَاكُهُ. ٩ - وَمِنْهَا أَنَّ الشَّهَادَةَ عِنْدَهُ مِنْ أَعْلَى مَرَاتِبِ أَوْليَائِهِ، وَالشُّهَدَاءُ هُمْ خَوَاصُّهُ وَالمُقَرَّبُونَ مِنْ عِبَادِهِ، وَلَيْسَ بَعْدَ دَرَجَةِ الصِّدِّيقِيَّةِ إِلَّا الشَّهَادَةُ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ يُحِبُّ أَنْ يتَّخِذَ مِنْ عِبَادِهِ شُهَدَاءَ، تُرَاقُ دِمَاؤُهُمْ في مَحَبَّتِهِ وَمَرْضَاتِهِ، وَيُؤْثرُونَ رِضَاهُ وَمَحَابّه عَلَى نُفُوسِهِمْ، وَلَا سَبِيلَ إلى نَيْلِ هَذِهِ الدَّرَجَةِ إِلَّا بِتَقْدِيرِ الأَسْبَابِ المُفْضِيَةِ إِلَيْهَا مِنْ تَسْلِيطِ العَدُوِّ. ١٠ - وَمِنْهَا أَنَّ اللَّه سُبْحَانَهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ أَعْدَاءَهُ ويَمْحَقَهُمْ، قَيَّضَ لَهُمُ الأَسْبَابَ التِي يَسْتَوْجِبُونَ بِهَا هَلَاكَهُمْ وَمَحْقَهُمْ، وَمِنْ أَعْظَمِهَا بَعْدَ كُفْرِهِمْ

стр. 1300

بَغْيُهُمْ، وَطُغْيَانُهُمْ، ومُبَالَغَتُهُمْ في أَذَى أَوْليَائِهِ، وَمُحَارَبَتِهِمْ، وَقِتَالِهِمْ، والتَّسَلُّطِ عَلَيْهِمْ، فَيَتَمَحَّصُ بِذَلِكَ أَوْليَاؤُهُ مِنْ ذُنُوبِهِمْ وَعُيُوبِهِمْ، ويَزْدَادُ بِذَلِكَ أَعْدَاؤُهُ مِنْ أَسْبَابِ مَحْقِهِمْ وَهَلَاكِهِمْ. وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ (١). فَجَمَعَ لَهُمْ في هَذَا الخِطَابِ بَيْنَ تَشْجِيعِهِمْ وَتَقْوِيَةِ نُفُوسِهِمْ، وَإِحْيَاءِ عَزَائِمِهِمْ وَهِمَمِهِمْ، وبَيْنَ حُسْنِ التَّسْلِيَةِ. ١١ - وَمِنْهَا أَنَّ وَقْعَةَ أُحُدٍ كَانَتْ مُقَدِّمَةً وَإِرْهَاصًا بَيْنَ يَدَيْ مَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَثَبَّتَهُمْ، وَوَبَّخَهُمْ عَلَى انْقِلَابِهِمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ أَنْ مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَوْ قُتِلَ، بَلِ الوَاجِبُ لَهُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَثْبُتُوا عَلَى دينِهِ وتَوْحِيدِهِ، ويَمُوتُوا عَلَيْهِ، أَوْ يُقْتَلُوا، فَإِنَّهُمْ إِنَّمَا يَعْبُدُونَ رَبَّ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، فَلَوْ مَاتَ مُحَمَّدٌ ﷺ أَوْ قُتِلَ، لَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَصْرِفَهُمْ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَمَا جَاءَ بِهِ، فكُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ، وَمَا بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ لِيُخَلَّدَ لَا هُوَ وَلَا هُمْ، بَلْ لِيَمُوتُوا عَلَى الإِسْلَامِ وَالتَّوْحِيدِ، فَإِنَّ المَوْتَ لابُدَّ مِنْهُ، سَوَاءً مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوْ بَقِيَ (٢).
следующие страницы →