← Сира

Сира · id 38114

اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون

موسى بن راشد العازمي

Полный текст (2 595 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

فَعَلَى الإِمَامِ دِيَتُهُ مِنْ بَيْتِ المَالِ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَرَادَ أَنْ يَدِيَ اليَمَانَ أَبَا حُذَيْفَةَ، فَامْتَنَعَ حُذَيْفَةُ مِنْ أَخْذِ الدِّيَةِ، وَتَصَدَّقَ بِهَا عَلَى المُسْلِمِينَ (١). * ذِكْرُ بَعْضِ الحِكَمِ وَالغَايَاتِ المَحْمُودَةِ التِي كَانَتْ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ: لَقَدْ بَسَطَ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الفَذِّ "زَادِ المَعَادِ" الدُّرُوسَ وَالعِبَرَ التِي كَانَتْ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ، فَقَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: ١ - فَمِنْهَا تَعْرِيفُهُمْ سُوءَ عَافِتةِ المَعْصِيَةِ، وَالفَشَلِ، وَالتَّنَازُعِ، وَأَنَّ الذِي أَصَابَهُمْ إِنَّمَا هُوَ بِشُؤْمِ ذَلِكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢). فَلَمَّا ذَاقُوا عَاقِبَةَ مَعْصِيَتَهِمْ لِلرَّسُولِ ﷺ ، وَتَنَازُعِهِمْ، وَفَشَلِهِمْ، كَانُوا بَعْدَ ذَلِكَ أَشَدَّ حَذَرًا وَيَقْظَةً، وَتَحَرُّزًا مِنْ أَسْبَابِ الخُذْلَانِ. ٢ - وَمِنْهَا أَنَّ حِكْمَةَ اللَّهِ وَسُنَّتَهُ فِي رُسُلِهِ، وَأَتْبَاعِهِمْ، جَرَتْ بِأَنْ يُدَالُوا مَرَّةً، وَيُدَالَ عَلَيْهِمْ أُخْرَى، لَكِنْ تَكُونُ لَهُمُ العَاقِبَةُ، فَإِنَّهُمْ لَوِ انتصَرُوا دَائِمًا، دَخَلَ مَعَهُمُ المُؤْمِنُونَ وَغَيْرُهُمْ، وَلَمْ يَتَمَيَّزِ الصَّادِقُ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَوِ انْتُصِرَ عَلَيْهِمْ

стр. 1297

دَائِمًا، لَمْ يَحْصُلِ المَقْصُودُ مِنَ البِعْثَةِ وَالرِّسَالَةِ، فَاقْتَضَتْ حِكْمَةُ اللَّهِ أَنْ جَمَعَ لَهُمْ بَيْنَ الأَمْرَيْنِ لِيَتَمَيّز مَنْ يتْبَعُهُمْ وَيُطِيعُهُمْ لِلْحَقِّ، وَمَا جَاؤُوا بِهِ مِمَّنْ يَتْبَعُهُمْ عَلَى الظُّهُورِ وَالغَلَبَةِ خَاصَّةً. ٣ - وَمِنْهَا أَنَّ هَذَا مِنْ أَعْلَامِ الرُّسُلِ، كَمَا قَالَ هِرَقْل لِأَبِي سُفْيَانَ: هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: كَيْفَ الحَرْبُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ؟ ، قَالَ: سِجَالٌ, يدَالُ عَلَيْنَا المَرَّةَ، وَنُدَالُ عَلَيْهِ الأُخْرَى. قَالَ: كَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى، ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ العَاقبَةُ (١). ٤ - وَمِنْهَا أَنْ يتَمَيَّزَ المُؤْمِنُ الصَّادِقُ مِنَ المُنَافِقِ الكَاذِبِ، فَإِنَّ المُسْلِمِينَ لَمَّا أَظْهَرَهُمُ اللَّهُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، وَطَارَ لَهُمُ الصِّيتُ (٢)، دَخَلَ مَعَهُمْ في الإِسْلَامِ ظَاهِرًا مَنْ لَيْسَ مَعَهُمْ فِيهِ بَاطِنًا، فَاقْتَضَتْ حِكْمَةُ اللَّهِ أَنْ سَبَّبَ لِعِبَادِهِ مِحْنَةً مَيَّزَتْ بَيْنَ المُؤْمِنِ وَالمُنَافِقِ، فَأَطْلَعَ المُنَافِقُونَ رُؤُوسَهُمْ في هَذِهِ الغَزْوَةِ، وَتَكَلَّمُوا بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَهُ، وَظَهَرَتْ مُخَبَّاتُهُمْ، وَعَادَ تَلْوِيحُهُمْ تَصْرِيحًا، وَانْقَسَمَ النَّاسُ إلى كَافِرٍ، وَمُؤْمِنٍ، وَمُنَافِقٍ، انْقِسَامًا ظَاهِرًا، وَعَرَفَ المُؤْمِنُونَ أَنَّ لَهُمْ عَدُوًّا في نَفْسِ دُورِهِمْ، وَهُمْ مَعَهُمْ لَا يُفَارِقُونَهُمْ، فَاسْتَعَدُّوا لَهُمْ، وَتَحَرَّزُوا مِنْهُمْ.

стр. 1298

٥ - وَمِنْهَا أَنَّ اللَّه لَوْ نَصَرَهُمْ دَائِمًا، وَأَظْفَرَهُمْ بِعَدُوِّهِمْ في كُلِّ مَوْطِنٍ، وَجَعَلَ لَهُمُ التَّمْكِينَ وَالقَهْرَ لِأَعْدَائِهِمْ أَبَدًا؛ لَطَغَتْ نُفُوسُهُمْ، وَشَمَخَتْ (١) وَارْتَفَعَتْ، فَلَوْ بَسَطَ لَهُمْ النَّصْرَ وَالظَّفَرَ، لَكَانُوا في الحَالِ التِي يَكُونُونَ فِيهَا لَوْ بَسَطَ لَهُمُ الرِّزْقَ، فَلَا يُصْلحُ عِبَادَهُ إِلَّا السَّرَّاءُ وَالضَّرَّاءُ، وَالشِّدَّةُ وَالرَّخَاءُ، وَالقَبْضُ وَالبَسْطُ، فَهُوَ المُدَبِّرُ لِأَمْرِ عِبَادِهِ كَمَا يَلِيقُ بِحِكْمَتِهِ، إِنَّهُ بِهِمْ خَبِيرٌ بَصِيرٌ. ٦ - وَمِنْهَا أَنَّهُ إِذَا امْتَحَنَهُمْ بِالغَلَبَةِ، وَالكَسْرَةِ، وَالهَزِيمَةِ، ذَلُّوا وَانْكَسَرُوا، وَخَضَعُوا، فَاسْتَوْجَبُوا مِنْهُ العِزَّ وَالنَّصْرَ، فَإِنَّ خِلْعَةَ النَّصْرِ إِنَّمَا تَكُونُ مَعَ وِلَايَةِ الذُّلِّ وَالِانْكِسَارِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ (٢)، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾ (٣). فَهُوَ سُبْحَانَهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُعِزَّ عَبْدَهُ، وَيَجْبُرَهُ، وَيَنْصُرَهُ، كَسَرَهُ أَوَّلًا، وَيَكُونُ جَبْرُهُ لَهُ، ونَصْرُهُ عَلَى مِقْدَارِ ذُلِّهِ وَانْكِسَارِهِ. ٧ - وَمِنْهَا أَنَّهُ هَيَّأَ لِعِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ مَنَازِلَ في دَارِ كَرَامَتِهِ، لَمْ تَبْلُغْهَا أَعْمَالُهُمْ، وَلَمْ يَكُوُنوا بَالِغِيهَا إِلَّا بِالبَلَاءِ وَالمِحْنَةِ، فَيُقَيِّضُ (٤) لَهُمُ

стр. 1299

الأَسْبَابَ التِي تُوصِلُهُمْ إِلَيْهَا مِنِ ابْتِلَائِهِ وَامْتِحَانِهِ، كَمَا وَفَّقَهُمْ لِلْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ التِي هِيَ مِنْ جُمْلَةِ أَسْبَابِ وُصُولهِمْ إِلَيْهَا. ٨ - وَمِنْهَا أَنَّ النُّفُوسَ تَكْتَسِبُ مِنَ العَافِيَةِ الدَّائِمَةِ وَالنَّصْرِ وَالغِنَى طُغْيَانًا وَرُكُونًا إلى العَاجِلَةِ، وَذَلِكَ مَرَضٌ يَعُوقُهَا عَنْ جِدِّهَا في سَيْرِهَا إلى اللَّهِ وَالدَّارِ الآخِرَةِ، فَإِذَا أَرَادَ بِهَا رَبّها وَمَالِكُهَا وَرَاحِمُهَا كَرَامَتَهُ، قَيَّضَ لَهَا مِنَ الِابْتِلَاءِ وَالِامْتِحَانِ مَا يَكُونُ دَوَاءً لِذَلِكَ المَرَضِ العَائِقِ عَنِ السَّيْرِ الحَثِيثِ إِلَيْهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ البَلَاءُ وَالمِحْنَةُ بِمَنْزِلَةِ الطَّبِيبِ يَسْقِي العَلِيلَ الدَّوَاءَ الكَرِيهَ، وَيَقْطَعُ مِنْهُ العُرُوقَ المُؤْلمَةَ لِاسْتِخْرَاجِ الأَدْوَاءِ (١) مِنْهُ، وَلَوْ تَرَكَهُ لَغَلَبَتْهُ الأَدْوَاءُ، حَتَّى يَكُونَ فِيهَا هَلَاكُهُ. ٩ - وَمِنْهَا أَنَّ الشَّهَادَةَ عِنْدَهُ مِنْ أَعْلَى مَرَاتِبِ أَوْليَائِهِ، وَالشُّهَدَاءُ هُمْ خَوَاصُّهُ وَالمُقَرَّبُونَ مِنْ عِبَادِهِ، وَلَيْسَ بَعْدَ دَرَجَةِ الصِّدِّيقِيَّةِ إِلَّا الشَّهَادَةُ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ يُحِبُّ أَنْ يتَّخِذَ مِنْ عِبَادِهِ شُهَدَاءَ، تُرَاقُ دِمَاؤُهُمْ في مَحَبَّتِهِ وَمَرْضَاتِهِ، وَيُؤْثرُونَ رِضَاهُ وَمَحَابّه عَلَى نُفُوسِهِمْ، وَلَا سَبِيلَ إلى نَيْلِ هَذِهِ الدَّرَجَةِ إِلَّا بِتَقْدِيرِ الأَسْبَابِ المُفْضِيَةِ إِلَيْهَا مِنْ تَسْلِيطِ العَدُوِّ. ١٠ - وَمِنْهَا أَنَّ اللَّه سُبْحَانَهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ أَعْدَاءَهُ ويَمْحَقَهُمْ، قَيَّضَ لَهُمُ الأَسْبَابَ التِي يَسْتَوْجِبُونَ بِهَا هَلَاكَهُمْ وَمَحْقَهُمْ، وَمِنْ أَعْظَمِهَا بَعْدَ كُفْرِهِمْ

стр. 1300

بَغْيُهُمْ، وَطُغْيَانُهُمْ، ومُبَالَغَتُهُمْ في أَذَى أَوْليَائِهِ، وَمُحَارَبَتِهِمْ، وَقِتَالِهِمْ، والتَّسَلُّطِ عَلَيْهِمْ، فَيَتَمَحَّصُ بِذَلِكَ أَوْليَاؤُهُ مِنْ ذُنُوبِهِمْ وَعُيُوبِهِمْ، ويَزْدَادُ بِذَلِكَ أَعْدَاؤُهُ مِنْ أَسْبَابِ مَحْقِهِمْ وَهَلَاكِهِمْ. وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ (١). فَجَمَعَ لَهُمْ في هَذَا الخِطَابِ بَيْنَ تَشْجِيعِهِمْ وَتَقْوِيَةِ نُفُوسِهِمْ، وَإِحْيَاءِ عَزَائِمِهِمْ وَهِمَمِهِمْ، وبَيْنَ حُسْنِ التَّسْلِيَةِ. ١١ - وَمِنْهَا أَنَّ وَقْعَةَ أُحُدٍ كَانَتْ مُقَدِّمَةً وَإِرْهَاصًا بَيْنَ يَدَيْ مَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَثَبَّتَهُمْ، وَوَبَّخَهُمْ عَلَى انْقِلَابِهِمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ أَنْ مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَوْ قُتِلَ، بَلِ الوَاجِبُ لَهُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَثْبُتُوا عَلَى دينِهِ وتَوْحِيدِهِ، ويَمُوتُوا عَلَيْهِ، أَوْ يُقْتَلُوا، فَإِنَّهُمْ إِنَّمَا يَعْبُدُونَ رَبَّ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، فَلَوْ مَاتَ مُحَمَّدٌ ﷺ أَوْ قُتِلَ، لَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَصْرِفَهُمْ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَمَا جَاءَ بِهِ، فكُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ، وَمَا بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ لِيُخَلَّدَ لَا هُوَ وَلَا هُمْ، بَلْ لِيَمُوتُوا عَلَى الإِسْلَامِ وَالتَّوْحِيدِ، فَإِنَّ المَوْتَ لابُدَّ مِنْهُ، سَوَاءً مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوْ بَقِيَ (٢).

стр. 1301

اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون «دراسة محققة للسيرة النبوية» تأليف موسى بن راشد العازمي تقريظ الدكتور محمد رواس قلعه جي الشيخ عثمان الخميس [الجزء الثالث]

стр. 1302

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 1303

اللُّؤْلُؤ الْمكنُون فِي سِيْرَة النَّبِيّ الْمَأْمُون [٣]

стр. 1304

حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة للمؤلف فهرسة مكتبة الكويت الوطنية أثْنَاء النشر ٢٣٩ العازمي، مُوسَى بن رَاشد. اللُّؤْلُؤ الْمكنُون فِي سِيْرَة النَّبِيّ الْمَأْمُون: دراسة مُحَققَة للسيرة النَّبَوِيَّة (الْجُزْء الثالث) تأليف مُوسَى بن رَاشد العازمي - ط ١ - الكويت: مُوسَى بن رَاشد العازمي، ٢٠١١ ج ٣ (٦٤٦ ص)؛ ٢٤ سم. ردمك: ٠ - ٠٣ - ٤٤ - ٩٩٩٦٦ - ٩٧٨ ١. السِّيرَة النَّبَوِيَّة ... أ. العنوان ردمك: ٠ - ٠٣ - ٤٤ - ٩٩٩٦٦ - ٩٧٨ رقم الْإِيدَاع: ٢٤٢/ ٢٠١١ الطبعة الأولى ١٤٣٢ هـ - ٢٠١١ م تمّ طباعة الْكتاب على نَفَقَة عبد اللَّه الْعلي المطوع ﵀ الناشر المكتبة العامرية إعلان وطباعة وَنشر وتوزيع الكويت - حَولي - شَارِع الْمثنى - مجمع البدري - مَحل رقم ١٣ تلِي فاكس: ٠٠٩٦٥٢٢٦٢٣٨٨٠ - جوال: ٠٠٩٦٥٩٩٨٦٢١٩٧ الْبَرِيد الإلكتروني: al_aamria@hotmail.com manaar ١@yahoo.com موقع المكتبة: www.sites.google.com/site/amriabookstore

стр. 1305

دولة الكويت وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية السيد الفاضل/ مدير إدارة الثقافة الإسلامية المحترم السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته,, وبعد بالإشارة إلى الكتاب رقم (٣١٥) بشأن مراجعة: مادة بحث عدد (١) الوارد بتاريخ: ٣/ ٣/ ٢٠١١ بعنوان: اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون ج ٣ إعداد: موسى بن راشد العازمي نشر: بعد الإطلاع على النسخة المذكورة أعلاه ومراجعتها نحيطكم علمًا بأنه لم تتبين لنا ملاحظات تذكر. وتفضلوا بقبول فائق الاحترام,, رئيس لجنة الكتب والمصنفات الفنية الأصل بتوقيع خليف مثيب الأذينة الوكيل المساعد للشئون الثقافية

стр. 1306

الأَحْدَاثُ بَيْنَ غَزْوَةِ أُحُدٍ وَغَزْوَةِ الخَنْدَقِ كَانَ لِغَزْوَةِ أُحُدٍ أَثَرٌ سَيِّئٌ عَلَى سُمْعَةِ المُسْلِمِينَ، فَقَدْ زَالَتْ هَيْبَتُهُمْ عَنِ النُّفُوسِ، وَطَمِعَتْ بِهِمُ القَبَائِلُ، وَكَاشَفَهُمُ (١) اليَهُودُ وَالمُنَافِقُونَ بِمَا كَانُوا يُضْمِرُونَهُ (٢) مِنَ العَدَاوَةِ والبُغْضِ، فَلَمْ يَمْضِ عَلَى هَذِهِ الغَزْوَةِ شَهْرَانِ حَتَّى تَهَيَّأَت قَبَائِلُ بَنِي أَسَدٍ لِلْإِغَارَةِ (٣) عَلَى المَدِينَةِ، ثُمَّ أَخَذَ خَالِدُ بنُ سُفْيَانَ الهُذَلِيُّ يَجْمَعُ الرِّجَالَ لِنَفْسِ الغَرَضِ، ثُمَّ قَامَتْ قَبَائِلُ عَضْلٍ وَالقَارَّةُ بِمَكِيدَةٍ تَسَبَّبَتْ في قتلِ طَائِفَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَقَامَ عَامِرُ بنُ الطُّفيْلِ في نَفْسِ الوَقْتِ بِمَكِيدَةٍ مِثْلِهَا تَسَبَّبَتْ في قتلِ سَبْعِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ، ثُمَّ نَقَضَ بَنُو النَّضِيرِ العَهْدَ وهَمُّوا بِقَتْلِ الرَّسُولِ ﷺ ، وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَافِلًا عَنْ هَذِهِ التَّحَرّكَاتِ والمَطَامِعِ، بَلْ كَانَ يُوَاجِهُهَا بِحِكْمَتِهِ حَتَّى اسْتَطَاعَ أَنْ يُعِيدَ لِلْمُسْلِمِينَ هَيْبَتَهُمْ وَمَكَانتهُمْ. وَفِيمَا يَلِي تَفْصِيلُ هَذِهِ الأَحْدَاثِ:

стр. 1307

سَرِيَّةُ أَبِي سَلَمَةَ ﵁ إِلَى بَنِي أَسَدٍ وَكَانَ سَبَبُهَا أَنَّ طُلَيْحَةَ وَسَلَمَةَ ابْنَيْ خُوَيْلِدٍ قَدْ سَارَا في قَوْمِهِمَا بَنِي أَسَدٍ، وَمَنْ أَطَاعَهُمَا إلى حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا بَلَغَ الخَبَرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَعَا أبَا سَلَمَةَ عَبْدَ اللَّهِ بنَ عَبْدِ الأَسَدِ المَخْزُومِيِّ ﵁ وَكَانَ قَدْ جُرِحَ بِأُحُدٍ في عَضُدِهِ (١)، فَمَكَثَ شَهْرًا يُدَاوِيهِ حَتَّى رَأَى أَنْ قَدْ بَرِئَ -وَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اخْرُجْ في هَذِهِ السَّرِيَّةِ، فَقَدِ اسْتَعْمَلْتُكَ عَلَيْهَا"، وَعَقَدَ لَهُ لِوَاءً، وَبَعَثَ مَعَهُ مِائَةً وَخَمْسِينَ رَجُلًا مِنَ المُهَاجِرِينَ والأَنْصَارِ، وَقَالَ لَهُ ﷺ : "سِرْ حَتَّى تَرِدَ أَرْضَ بَنِي أَسَدٍ، فَأَغِرْ عَلَيْهِمْ قَبْلَ أَنْ تَلَاقى عَلَيْكَ جُمُوعُهُمْ". وَأَوْصَاهُ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَمَنْ مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ خَيْرًا. خَرَجَ أَبُو سَلَمَةَ ﵁ في أَصْحَابِهِ، وَذَلِكَ في أَوَّلِ مُحَرَّمٍ مِنَ السَّنَةِ الرَّابِعَةِ لِلْهِجْرَةِ، حَتَّى انْتَهَى إلى مَاءٍ لَهُمْ بِجَبَلٍ يُسَمَّى قَطَنٌ، فَأَغَارَ عَلَى سَرْحٍ (٢) لَهُمْ، فَأَخَذَهُ، وَأَخَذَ رِعَاءً لَهُمْ مَمَالِيكَ ثَلَاثَةً، وَأَفْلَتَ سَائِرُهُمْ، فَجَاؤُوا جَمْعَهُمْ

стр. 1308

فَأَخْبَرُوهُمُ الخَبَرَ، وَحَذَّرُوهُمْ، فتَفَرَّقَ جَمْعُهُمْ في كُلِّ وَجْهٍ، فَلَمَّا وَرَدَ (١) أَبُو سَلَمَةَ ﵁ مَاءَهُمْ وَجَدَ جَمْعَهُمْ قَدْ تَفَرَّقَ، فَعَسْكَرَ وَفرَقَ أَصْحَابَهُ ثَلَاثَ فِرَقٍ: فِرْقَةٌ قَامَتْ مَعَهُ، وَفِرْقَتَانِ أَغَارَتَا في نَاحِيَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ، فَرَجَعَتَا إِلَيْهِ سَالِمَتَيْنِ، وَقَدْ أَصَابَتَا نَعَمًا كَثِيرَة، ثُمَّ عَادُوا إِلَى المَدِينَةِ ظَافِرِينَ غَانِمِينَ. * وَفَاةُ أَبِي سَلَمَةَ ﵁ -: فَلَمَّا دَخَلَ أَبُو سَلَمَةَ ﵁ المَدِينَةَ انْتَفَضَ بِهِ جُرْحُهُ، فَلَمْ يَلْبَثْ حَتَّى مَاتَ لِثَلَاثِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ جُمَادَى الآخِرَةِ، أَوْ لِثَمَانٍ خَلَوْنَ مِنْهُ (٢). رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صحِيحِهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ وَقَدْ شَقَّ (٣) بَصَرُهُ، فَأَغْمَضَهُ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ البَصَرُ"، فَضَجَّ (٤) نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ، فَقَالَ ﷺ : "لَا تَدْعُوا عَلَى أنْفُسِكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ، فَإِنَّ المَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُوُلونَ"، ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ

стр. 1309

لِأَبِي سَلَمَةَ، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ في المَهْدِيِّينَ وَاخْلُفْهُ في عَقِبِهِ في الغَابِرِينَ (١)، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، وَافْسَحْ لَهُ في قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ" (٢). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ، قُلْتُ: غَرِيبٌ وَفِي أَرْضِ غُرْبَةٍ (٣)، لَأَبْكِيَنَّهُ بُكَاءً يُتَحَدَّثُ عَنْهُ، فكُنْتُ قَدْ تَهَيَّاْتُ لِلْبُكَاءِ عَلَيْهِ، إِذْ أَقْبْلَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الصَّعِيدِ (٤) تُرِيدُ أَنْ تُسْعِدَنِي (٥)، فَاسْتَقْبَلَهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ وَقَال: "أَتُرِيدِينَ أَنْ تُدْخِلِي الشَّيْطَانَ بَيْتًا أَخْرَجَهُ اللَّهُ مِنْهُ؟ " مَرَّتَيْنِ، فكَفَفْتُ (٦) عَنِ البُكَاءِ، فَلَمْ أَبْكِ (٧). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَة، فَيَقُولُ: إنَّا للَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ! أجُرْنِي في مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أخْلَفَ اللَّهُ

стр. 1310

لَهُ خَيْرًا مِنْهَا"، قَالَتْ ﵂: فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ قُلْتُ: أَيُّ المُسْلِمِينَ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ؟ أَوَّلُ بَيْتٍ هَاجَرَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ إِنِّي قُلْتُهَا، فَأَخْلَفَ اللَّهُ لِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (١). * * *

стр. 1311

سَرِيَّةُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أُنَيْسٍ ﵁ لِقَتْلِ خَالِدٍ بنِ سُفْيَانَ الهُذَلِيِّ وَفِي الخَامِسِ مِنْ مُحَرَّمٍ مِنَ السَّنَةِ الرَّابِعَةِ لِلْهِجْرَةِ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ أُنَيْسًا ﵁ لِقَتْلِ خَالِدٍ بنِ سُفْيَانَ الهُذَلِيِّ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وَابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أُنَيْسٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: دَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "إِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ خَالِدَ بنَ سُفْيَانَ بنَ نُبَيْحٍ الهُذَلِيَّ، يَجْمَعُ لِيَ النَّاسَ لِيَغْزُونِي وَهُوَ بِعُرَنَه (١)، فَأْتِهِ فَاقْتُلْهُ"، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، انْعَتْهُ (٢) لِي حَتَّى أَعْرِفَهُ، قَالَ ﷺ : "إِذَا رَأَيْتَهُ وَجَدْتَ لَهُ إِقْشَعْرِيرَةً" (٣). وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ في طَبَقَاتِهِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا رَأَيْتَهُ هِبْتَهُ وَفَرَقْتَ (٤) مِنْهُ، وَذَكرْتَ الشَّيْطَانَ". قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ أُنَيْسٍ ﵁: فَخَرَجْتُ مُتَوَشِّحًا بِسَيْفِي (٥) حَتَّى وَقَعْتُ عَلَيْهِ، وَهُوَ بِعُرَنَه مَعَ ظُعُنٍ (٦) يَرْتَادُ (٧) لَهُنَّ مَنْزِلًا، حِينَ كَانَ وَقْتُ العَصْرِ، فَلَمَّا

стр. 1312

رَأَيْتُهُ وَجَدْتُ مَا وَصَفَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الإِقْشَعْرِيرَةِ، فَأَقْبَلْتُ نَحْوَهُ وَخَشِيتُ أَنْ يَكُونَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ مُحَاوَلَةٌ تَشْغَلُنِي عَنِ الصَّلَاةِ، فَصَلَّيْتُ وَأَنَا أَمْشِي نَحْوَهُ أُومِئُ بِرَأْسِيَ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، فَلَمَّا انْتهَيْتُ إِلَيْهِ، قَالَ: مَنِ الرَّجُلُ؟ ، قُلْتُ رَجُلٌ مِنَ العَرَبِ سَمِعَ بِكَ وبِجَمْعِكَ لِهَذَا الرَّجُلِ، فَجَاءَكَ لِهَذَا، قَالَ: أَجَلْ أَنَا في ذَلِكَ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ أُنيْسٍ ﵁: فَمَشَيْتُ مَعَهُ شَيْئًا، حَتَّى إِذَا أمْكَنَنِي حَمَلْتُ عَلَيْهِ السَّيْفَ حَتَّى قتَلْتُهُ، ثُمَّ خَرَجْتُ، وَترَكْتُ ظَعَائِنَهُ مُكِبَّاتٍ (١) عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَآنِي، قَالَ: "أفْلَحَ الوَجْهُ"، قُلْتُ: قتَلْتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "صَدَقْتَ"، قَالَ: ثُمَّ قَامَ مَعِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَدَخَلَ بِي بَيْتَهُ، فَأَعْطَانِي عَصًا، فَقَالَ: "أَمْسِكْ هَذِهِ عِنْدَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بنَ أُنَيْسٍ"، قَالَ: فَخَرَجْتُ بِهَا عَلَى النَّاسِ، فَقَالُوا: مَا هَذِهِ العَصَا؟ . قُلْتُ: أَعْطَانِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَأَمَرَنِي أَنْ أُمْسِكَهَا. قَالُوا: أَوَلَا تَرْجعُ إلى رَسُولِ اللَّهِ فتَسْأَلهُ عَنْ ذَلِكَ؟ . قَالَ: فَرَجَعْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لِمَ أَعْطَيْتَنِي هَذِهِ العَصَا؟ . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "آيَةٌ (٢) بَيْنِي وَبَيْنَكَ يَوْمَ القِيَامَةِ، إِنَّ أَقَلَّ النَّاسِ

стр. 1313

المُتَخَصِّرُونَ (١) يَوْمَئِذٍ". فَقَرَنَهَا (٢) عَبْدُ اللَّهِ بِسَيْفِهِ، فَلَمْ تَزلْ مَعَهُ حَتَّى إِذَا مَاتَ أُمِرَ بِهَا فَضمَّتْ مَعَهُ في كَفَنِهِ، ثُمَّ دُفِنَا جَمِيعًا (٣) * * *

стр. 1314

سَرِيَّةُ الرَّجِيعِ (١) وَكَانَتْ هَذِهِ السَّرِيَّةُ في صَفَرَ مِنَ السَّنَةِ الرَّابِعَةِ لِلْهِجْرَةِ. رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: بَعَثَ (٢) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشَرَةَ (٣) رَهْطٍ سَرِيَّةً عَيْنًا، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بنَ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيَّ (٤) -جَدَّ

стр. 1315

عَاصِمِ بنِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ- فَانْطَلَقُوا، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْهَدَأَة (١) -وَهُوَ بَيْنَ عُسْفَانَ وَمَكَّةَ- ذُكِرُوا لِحَيٍّ مِنْ هُذَيْلٍ، يُقَالُ لَهُمْ بَنُو لِحْيَانَ، فنَفَرُوا لَهُمْ قَرِيبًا مِنْ مِائتَيْ رَجُلٍ كُلُّهُمْ رَامٍ، فَاقْتَصُّوا (٢) آثَارَهُمْ حَتَّى وَجَدُوا مَأْكَلَهُمْ تَمْرًا تَزَوَّدُوهُ مِنَ المَدِينَةِ، فَقَالُوا: هَذَا تَمْرُ يَثْرِبَ، فَاقْتَصُّوا آثَارَهُمْ، فَلَمَّا رَآهُمْ عَاصِم وَأَصْحَاُبهُ لَجَؤُوا إلى فَدْفَدٍ (٣)، وَأَحَاطَ بِهِمُ القَوْمُ، فَقَالُوا لَهُمْ: انْزِلُوا وَأَعْطُونَا بِأَيْدِيكُمْ، وَلَكُمُ العَهْدُ وَالمِيثَاقُ، وَلَا نَقْتُلُ مِنْكُمْ أَحَدًا (٤)، فَقَالَ عَاصِمُ بنُ ثَابِتٍ ﵁ أَمِيرُ السَّرِيَّةِ: أَمَّا أَنَا فَوَاللَّهِ لَا أَنْزِلُ اليَوْمَ في ذِمَّةِ كَافِرٍ، اللَّهُمَّ أَخْبِرْ عَنَّا نَبِيَّكَ (٥)، فَرَمَوْهُمْ بِالنَّبْلِ، فَقَتَلُوا عَاصِمًا في سَبْعَةٍ (٦).

стр. 1316

فَبَعَثَتْ قُرَيْشٌ إلى عَاصِمٍ لِيُؤْتَوْا بِشَيْءٍ مِنْ جَسَدِهِ يَعْرِفُونَهُ، وَكَانَ عَاصِمٌ قتلَ عَظِيمًا مِنْ عُظَمَائِهِمْ (١) يَوْمَ بَدْرٍ، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِثْلَ الظُلَّةِ (٢) مِنَ الدَّبْرِ (٣)، فَحَمَتْهُ مِنْ رُسُلِهِمْ فَلَمْ يَقْدِرُوا مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ (٤). وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الدَّبْرَ تَطِيرُ في وُجُوهِهِمْ وَتَلْدَغُهُمْ، فَحَالَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَنْ يَقْطَعُوا (٥). وَفِي رِوَايَةِ ابنِ إِسْحَاقَ في السِّيرَةِ: فَلَمَّا قُتِلَ عَاصِمٌ أَرَادَتْ هُذَيْلٌ أَخْذَ رَأْسِهِ، لِيَبِيعُوهُ مِنْ سُلَافَةَ بِنْتِ سَعْدٍ، وَكَانَتْ قَدْ نَذَرَتْ حِينَ أَصَابَ ابْنَيْهَا يَوْمَ أُحُدٍ: لَئِنْ قَدِرَتْ عَلَى رَأْسِ عَاصِمٍ لَتَشْرَبَنَّ في قِحْفِهِ (٦) الخَمْرَ، فَمَنَعَتْهُ الدَّبْرُ، فَلَمَّا حَالَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمُ الدَّبْرُ، قَالُوا: دَعُوهُ حَتَّى يُمْسِيَ فتَذْهَبَ عَنْهُ، فنَأْخُذَهُ، فَبَعَثَ اللَّهُ مَطَرًا، فَصَارَ سَيْلًا، فَاحَتَمَل عَاصِمًا، فَذَهَبَ بِهِ، وَقَدْ كَانَ عَاصِم قَدْ أَعْطَى اللَّه عَهْدًا أَنْ لَا يَمَسَّهُ مُشْرِكٌ، وَلَا يَمَسَّ مُشْرِكًا أَبَدًا (٧).

стр. 1317

قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا مَا قَالَهُ ابنُ إِسْحَاقٍ: احْتُمِلَ أَنْ تَكُونَ قُرَيْشٌ لَمْ تَشْعُرْ بِمَا جَرَى لِهُذَيْلٍ مِنْ مَنع الدَّبْرِ لَهَا مِنْ أَخْذِ رَأْسِ عَاصِمٍ، فَأَرْسَلَتْ مَنْ يَأْخُذُهُ، أَوْ عَرَفُوا بِذَلِكَ، وَرَجَوْا أَنْ تَكُونَ الدَّبْرُ ترَكَتْهُ، فَيَتَمَكَّنُوا مِنْ أَخْذِهِ (١). فَكَانَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁ يَقُولُ حِينَ بَلَغَهُ أَنَّ الدَّبْرَ مَنَعَتْهُ: يَحْفَظُ اللَّهُ العَبْدَ المُؤْمِنَ بَعْدَ وَفَاتِهِ كَمَا حَفِظَهُ في حَيَاتِهِ (٢). * شَأْنُ الثَّلَاثَةِ الذِينَ نَزَلُوا عَلَى العَهْدِ: وَأَمَّا الثَّلَاثَةُ الذِينَ نَزَلُوا بِالعَهْدِ وَالمِيثَاقِ وَهُمْ: خُبَيْبُ بنُ عَدِيٍّ الأَنْصَارِيُّ، وزَيْدُ بنُ الدَّثِنَّةِ، وعَبْدُ اللَّهِ بنُ طَارِقٍ ﵃، فَإِنَّ بَنِي لَحْيَانَ لَمَّا اسْتَمْكَنُوا مِنْهُمْ حَلُّوا أَوْتَارَ قِسِيِّهِمْ (٣) فَأَوْثَقُوهُمْ (٤)، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ طَارِقٍ ﵁: هَذَا أَوَّلُ الغَدْرِ، وَاللَّهِ لَا أَصْحَبُكُمْ، إِنَّ لِي في هَؤُلَاءِ لَأُسْوَةً -يُرِيدُ أَصْحَابَهُ الذِينَ قُتِلُوا- وَجَرَّرُوهُ وَعَالَجُوهُ (٥) عَلَى أَنْ يَصْحَبَهُمْ فَأَبَى، فَقتَلُوهُ (٦).

стр. 1318

فَانْطَلَقُوا بِخُبَيْبِ بنِ عَدِيٍّ، وَزَيْدِ بنِ الدَّثِنَّةِ ﵄ (١). * مَقْتَلُ زَيْدِ بنِ الدَّثِنَّةِ: فَأَمَّا زَيْدُ بنُ الدَّثِنَّةِ ﵁ فَاشْتَرَاهُ صَفْوَانُ بنُ أُمَيَّةَ لِيَقْتُلَهُ بِأَبِيهِ أُمَيَّةَ بنِ خَلَفٍ، وَبَعَثَ بهِ صَفْوَانُ بنُ أُمَيَّةَ مَعَ مَوْلًى لَهُ، يُقَالُ لَهُ: نِسْطَاسٌ، إِلَى التَّنْعِيمِ (٢)، وَأَخْرَجُوهُ مِنَ الحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ، وَاجْتَمَعَ رَهْطٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فِيهِمْ أَبُو سُفْيَانَ بنُ حَرْبٍ، فَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَانَ حِينَ قُدِّمَ لِيُقْتَلَ: أَنْشُدُكَ اللَّه يَا زَيْدُ، أَتُحِبُّ أَنَّ مُحَمَّدًا عِنْدَنَا الآنَ في مَكَانِكَ نَضْرِبُ عُنُقَهُ، وَأَنَّكَ في أَهْلِكَ؟ قَالَ زَيْدٌ ﵁: وَاللَّهِ مَا أُحبُّ أَنَّ مُحَمَّدًا الآنَ في مَكَانِهِ هُوَ فِيهِ تُصِيبُهُ شَوْكَةٌ تُؤْذِيهِ، وَأَنِّي جَالِسٌ في أَهْلِي. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: مَا رَأَيْتُ مِنَ النَّاسِ أَحَدًا يُحِبُّ أَحَدًا كَحُبِّ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ مُحَمَّدًا، ثُمَّ قُتِلَ زَيْدُ بنُ الدَّثِنَّةِ ﵁ (٣).

стр. 1319

* مَقْتَلُ خُبَيْبِ بنِ عَدِيٍّ ﵁ -: وَأَمَّا خُبَيْبُ بنُ عَدِيٍّ ﵁ فَاشْتراهُ بَنُو الحَارِثِ بنِ عَامِرِ بنِ نَوْفَلٍ، وَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ الذِي قَتَلَ الحَارِثَ بنَ عَامِرٍ يَوْمَ بَدْرٍ، فَلَبِثَ خُبَيْبٌ عِنْدَهُمْ أَسِيرًا. قَالَتْ بِنْتُ الحَارِثِ: فَلَمَّا أَجْمَعُوا عَلَى قتلِهِ اسْتَعَارَ مِنِّي مُوسَى يَسْتَحِدُّ بِهَا فَأَعَارَتْهُ، قَالَتْ: فَغَفُلْتُ عَنْ صَبِيٍّ لِي، فَدَرَجَ (١) إِلَيْهِ حَتَّى أَتَاهُ، فَوَضَعَهُ عَلَى فَخِذِهِ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ فَزِعْتُ فَزْعَةً عَرَفَ ذَاكَ مِنِّي، وَفِي يَدِهِ المُوسَى، فَقَالَ: أَتخْشَيْنَ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَ ذَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ أَسِيرًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ خُبَيْبٍ، لَقَدْ رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ مِنْ قِطْفِ (٢) عِنَبٍ، وَمَا بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ ثَمَرَةٌ، وَإِنَّهُ لَمُوثَقٌ في الحَدِيدِ، وَمَا كَانَ إِلَّا رِزْقًا رَزَقَهُ اللَّهُ إِيَّاهُ. فَخَرَجُوا بِهِ مِنَ الحَرَمِ، وَهُوَ في الحَدِيدِ، حَتَّى انْتَهَوْا بِهِ إلى التَّنْعِيمِ، وَخَرَجَ مَعَهُ الصِّبْيَانُ، وَالنِّسَاءُ، وَالعَبِيدُ، وَجَمَاعَةُ أَهْلِ مَكَّةَ، فَلَمْ يَتَخَلَّفْ أَحَدٌ، فَلَمَّا أَجْمَعُوا عَلَى صَلْبِهِ، قَالَ لَهُمْ خُبَيْبٌ ﵁: دَعُونِي أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، فترَكُوهُ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ أَتَمَّهُمَا وَأَحْسَنَهُمَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُطَوِّلَ فِيهِمَا، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى القَوْمِ، فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا أَنْ تَظُنُّوا أَنِّي إِنَّمَا طَوَّلْتُ جَزَعًا مِنَ المَوْتِ لَزِدْتُ، أَوْ قَالَ: لَطَوَّلْتُهُمَا، فَكَانَ خُبَيْبٌ ﵁ أَوَّلَ مَنْ سَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ عِنْدَ القَتْلِ لِكُلِّ مَسْلِمٍ قُتِلَ صَبْرًا.

стр. 1320

ثُمَّ قَالَ ﵁: اللَّهُمَّ أَحْصِهِمْ عَدَدًا، وَاقْتُلْهُمْ بِدَدًا (١)، وَلَا تُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٢). قَالَ ابنُ إِسْحَاقَ في السِّيرَةِ: فَكَانَ مُعَاوِيَةُ بنُ أَبِي سُفْيَانَ ﵄ يَقُولُ: حَضَرتُهُ يَوْمَئِذٍ فِيمَنْ حَضَرَ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ، فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يُلْقِينِي إلى الأَرْضِ فَرَقًا (٣) مِنْ دَعْوَةِ خُبَيْبٍ، وَكَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا دُعِيَ عَلَيْهِ، فَاضْطَجَعَ لِجَنْبِهِ زَالَتْ عَنْهُ (٤). ثُمَّ أَنْشَدَ خُبَيْبٌ ﵁: فَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا ... عَلَى أَيِّ جَنْبٍ كَانَ في اللَّهِ مَصْرَعِي وَذَلِكَ في ذَاتِ الإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ ... يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ (٥) شِلْوٍ (٦) مُمَزَّعِ (٧)

стр. 1321

ثُمَّ قَامَ إِلَيْهِ عُقْبَةُ بنُ الحَارِثِ فَقتَلَهُ (١) وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى في صَحِيحِ البُخَارِيِّ: أَنَّ الذِي قتلَ خُبَيْبًا ﵁ هُوَ: أَبُو سَرْوعَةَ (٢). قَال الحَافِظُ في التَّهْذِيبِ: أَطْبَقَ أَهْلُ الحَدِيثِ عَلَى أَنَّ أَبَا سَرْوعَةَ هُوَ عُقْبَةُ بنُ الحَارِثِ (٣)، وَقَوْلُهُمْ أَوْلَى إِنْ شَاءَ اللَّهُ (٤). وَرَوَى ابنُ إِسْحَاقَ في السِّيرَةِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عُقْبَةَ بنِ الحَارِثِ قَالَ: مَا أَنَا وَاللَّهِ قتلْتُ خُبَيْبًا؛ لِأنِّي كُنْتُ أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ أبَا مَيْسَرَةَ العَبْدَرِيِّ أَخَذَ الحَرْبَةَ، فجَعَلَهَا في يَدِي، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي وَبِالحَرْبَةِ، ثُمَّ طَعَنَهُ بِهَا حَتَّى قَتَلَهُ (٥). وَقَدْ رَثَا حَسَّانُ بنُ ثَابِتٍ ﵁ خُبَيبًا ﵁ فَقَالَ:

стр. 1322

مَا بَالُ عَيْنِكَ لَا تَرْقَا (١) مَدَامِعُهَا ... سَحًّا (٢) عَلَى الصَّدْرِ مِثْلَ اللُّؤْلُؤِ الفَلِقِ (٣) عَلَى خُبَيْبٍ وَفِي الرَّحْمَنِ مَصْرَعُهُ ... لَا فَشِلٍ (٤) حِينَ تَلْقَاهُ وَلَا نَزَقِ (٥) وَقَالَ أَيْضًا ﵁: يَا عَيْنُ جُودِي بِدَمْعٍ مِنْكِ مُنْسَكِبٍ (٦) ... وَابْكِي خُبَيْبًا مَعَ الغَادِينَ لَمْ يَؤُبِ (٧) صَقْرًا تَوَسَّطَ في الأَنْصَارِ مَنْصِبُهُ ... حُلْوُ السَّجِيَّةِ (٨) مَحْضًا (٩) غَيْرَ مُؤْتَشِبِ (١٠)

стр. 1323

قَدْ هَاجَ عَيْنِي عَلَى عِلَّاتِ (١) عبْرَتِها ... إِذْ قِيلَ نُصَّ (٢) عَلَى جِذْعٍ مِنَ الخَشَبِ (٣) * فَوَائِدُ الحَدِيثِ: قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وَفِي سَرِيَّةِ الرَّجِيعِ مِنَ الفَوَائِدِ: ١ - أَنَّ لِلْأَسِيرِ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ قَبُولِ الأَمَانِ، وَلَا يُمَكِّنَ مِنْ نَفْسِهِ وَلَوْ قُتِلَ، أَنَفَةً مِنْ أَنْ يَجْرِيَ عَلَيْهِ حُكْمُ كَافِرٍ، وَهَذَا إِذَا أَرَادَ الأَخْذَ بِالشِّدَّةِ، فَإِنْ أَرَادَ الأَخْذَ بِالرُّخْصَةِ لَهُ أَنْ يَسْتَأْمِنَ. ٢ - وَفِيهِ الوَفَاءُ لِلْمُشْرِكِينَ بِالعَهْدِ. ٣ - وَالتَّوَرُّعُ عَنْ قتلِ أَوْلَادِهِمْ. ٤ - وَالتَّلَطُّفُ بِمَنْ أُرِيدَ قَتْلُهُ. ٥ - وَفِيهِ إِثْبَاتُ كَرَامَاتِ الأَوْليَاءِ. ٦ - وَفِيهِ الدُّعَاءُ عَلَى المُشْرِكِينَ بِالتَّعْمِيمِ. ٧ - وَفِيهِ الصَّلَاةُ عِنْدَ القَتْلِ. ٨ - وَفيهِ إِنْشَادُ الشِّعْرِ.

стр. 1324

٩ - وَإِنْشَادُهُ عِنْدَ القَتْلِ. ١٠ - وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى قُوَّةِ يَقِينِ خُبَيْبٍ ﵁ وَشِدَّتِهِ في دِينِهِ. ١١ - وَفِيهِ أَنَّ اللَّه يَبْتَلِي عَبْدَهُ المُسْلِمَ بِمَا شَاءَ كَمَا سَبَقَ في عِلْمِهِ لِيُثِيبَهُ، وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ. ١٢ - وَفِيهِ اسْتِجَابَةُ دُعَاءَ المُسْلِمِ، وَإِكْرَامُهُ حَيًّا وَمَيْتًا (١). قَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّد الغَزَالِي: حَزِنَ المُسْلِمُونَ لِفُقْدَانِهِمْ عَاصِمًا وَصَحْبَهُ ﵃، وَلمَصْرَعِ أَسِيرَيْهِمْ خُبَيْبِ بنِ عَدِيٍّ، وَزَيْدِ بنِ الدَّثِنَّةِ ﵄ عَلَى هَذَا النَّحْوِ الفَاجعِ، فَقَدْ خَسِرُوا فَرِيقًا مِنَ الدُّعَاةِ الأَكْفَاءِ الشُّجْعَانِ يَحْتَاجُ إِلَيْهِمُ الإِسْلَامُ في هَذِهِ الفَتْرَةِ مِنْ تَارِيخِهِ. . .، وَمَعَ أَنَّ هَذِهِ الوَقْعَةَ تُوجِبُ عَلَى المُسْلِمِينَ أَنْ يَتَبَصَّرُوا قَبْلَ بَعْثِ أَيِّ وَفْدٍ لِنَشْرِ الإِسْلَامِ بَيْنَ القَبَائِلِ البَعِيدَةِ وَالمَجَاهِلِ المُرِيبَةِ، إِلَّا أَنَّ ضَرُورَةَ بَثِّ الدَّعْوَةِ -مَهْمَا فَدَحَتِ (٢) الخَسَائِرُ-

стр. 1325

جَعَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ يَنْظُرُ إلى هَذِهِ التَّضْحِيَاتِ عَلَى أَنَّهَا أَمْرٌ لَا بُدَّ مِنْهُ، كَالتَّاجِرِ الذِي يَتَحَمَّلُ المَغَارِمَ (١) الثَّقِيلَةَ حِينًا مِنَ الدَّهْرِ؛ لِأَنَّ الِانْسِحَابَ مِنَ السُّوقِ -بُغْيَةَ تَجَنُّبِهَا- قَضَاءٌ عَلَيْهِ، فَهُوَ يَبْقَى مُتَجَمِّلًا (٢) حَتَّى تَهُبَّ الرِّيحُ مِنْ جَدِيدٍ رُخَاءً تُعَوِّضُ مَا فَقَدَ (٣). * * *

стр. 1326

فَاجِعَةُ بئْرِ مَعُونَةَ (١) أَوْ سَرِيَّةُ القُرَّاءِ وَكَانَتْ في صَفَرَ مِنَ السَّنَةِ الرَّابِعَةِ لِلْهِجْرَةِ، وَسَبَبُهَا عِنْدَ الإِمَامِ البُخَارِيِّ في صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ أنَّهُ قَالَ: أَنَّ رِعْلًا (٢) وذَكْوَانَ (٣) وَعُصَيَّةَ (٤) وَبَنِي لِحْيَانَ (٥)، اسْتَمَدُّوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى عَدُوٍّ، فَأَمَدَّهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِسَبْعِينَ (٦) مِنَ الأَنْصَارِ، كُنَّا نُسَمِّيهِمُ القُرَّاءَ، كَانُوا يَحْتَطِبُونَ بِالنَّهَارِ، وَيُصَلُّونَ بِاللَّيْلِ (٧). وَفِي رِوَايَةِ الإِمَامِ مُسْلِمٍ في صَحِيحِهِ قَالَ أَنَسٌ ﵁: جَاءَ نَاسٌ إلى النَّبِيِّ

стр. 1327

- ﷺ فَقَالُوا: أَنِ ابْعَثْ مَعَنَا رِجَالًا يُعَلِّمُونَا القُرْآنَ وَالسُّنَّةَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ سَبْعِينَ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ، يُقَالُ لَهُمُ القُرَّاءُ (١). وَعِنْدَ ابنِ سَعْدٍ وَابْنِ إِسْحَاقَ: أَنَّ أبَا بَرَاءٍ عَامِرَ بنَ مَالِكٍ المَعْرُوفَ بِمُلَاعِبِ الأَسِنَّةِ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الإِسْلَامَ، وَدَعَاهُ إِلَيْهِ، فَلَمْ يُسْلِمْ وَلَمْ يَبْعُدْ مِنَ الإِسْلَامِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، لَوْ بَعَثْتَ رِجَالًا مِنْ أَصحَابِكَ إلى أَهْلِ نَجْدٍ، فَدَعَوْهُمْ إلى أَمْرِكَ، رَجَوْتُ أَنْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنِّي أَخْشَى عَلَيْهِمْ أَهْلَ نَجْدٍ"، فَقَالَ أَبُو بَرَاءٍ: أَنَا لَهُمْ جَارٌ، فَابْعَثْهُمْ فَلْيَدْعُوا النَّاسَ إلى أمْرِكَ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سبْعِينَ (٢) رَجُلًا مِنْ أصحَابِهِ (٣). * وُصُولُ الصَّحَابَةِ ﵃ إِلَى بِئْرِ مَعُونَةَ: مَضى الصَّحَابَةُ ﵃ حَتَّى وَصَلُوا إلى بِئْرِ مَعُونَةَ، فَنَزَلُوا بِهَا، وبَعَثُوا حَرَامَ بنَ مَلْحَانَ ﵁، خَالَ أنَسِ بنِ مَالِكٍ بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ إلى عَدُوِّ اللَّهِ عَامِرِ بنِ الطُّفَيْلِ، فَلَمْ يَنْظُرْ عَدُوُّ اللَّهِ عَامِرُ بنُ الطُّفَيْلِ في كِتَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، بَلْ أَعْرَضَ عَنْهُ، وَأَوْمَأَ (٤) إلى رَجُلٍ فَأَتَاهُ مِنْ خَلْفِهِ فَطَعَنَهُ حَتَّى أنْفَذَهُ بِالرُّمْحِ،

стр. 1328

فَقَالَ حَرَامٌ: اللَّهُ أَكْبَرُ، فُزْتُ وَرَبِّ الكَعْبَةِ (١). وَعِنْدَمَا خَرَجَ الدَّمُ مِنْ حَرَامٍ ﵁ نَضَحَهُ (٢) عَلَى وَجْهِهِ وَرَأْسِهِ، ثُمَّ سَقَطَ مَيْتًا ﵁ (٣) * مَقْتَلُ أصْحَابِ سرِيَّةِ القُرَّاءِ ﵃: ثُمَّ اسْتَنْفَرَ عَامِرُ بنُ الطُّفَيْلِ قبَّحَهُ اللَّهُ بَنِي عَامِرٍ إلى قِتَالِ البَاقِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَأَبَوْا أَنْ يُجِيبُوهُ، وَقَالُوا: لَنْ نَخْفِرَ (٤) جِوَارَ أَبِي بَرَاءٍ، فَاسْتَنْفَرَ عَلَيْهِمْ. قَبَائِلَ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، رِعْلًا وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ، فَأَجَابُوهُ إلى ذَلِكَ، فَخَرَجُوا حَتَّى غَشَوُا (٥) القَوْمَ، فَأَحَاطُوا بِهِمْ في رِحَالِهِمْ، فَقَالَ لَهُمُ المُسْلِمُونَ: وَاللَّهِ مَا إيَّاكُمْ أَرَدْنَا، وإِنَّمَا نَحْنُ مُجْتَازُونَ في حَاجَةٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَأَبَوْا عَلَيْهِمْ، فَأَخَذَ الصَّحَابَةُ سُيُوفَهُمْ فَقَاتَلُوهُمْ، فَقُتِلَ كُلُّ هَؤُلَاءِ الصَّحَابَةِ السَّبْعِينَ ﵃ أَجْمَعِينَ إِلَّا كَعْبَ بنَ زَيْدِ بنِ النَّجَّارِ، الذِي تُرِكَ وَبِهِ رَمَقٌ (٦)، فَعَاشَ حَتَّى اسْتُشْهِدَ فِي غَزْوَةِ الخَنْدَقِ.

стр. 1329

وَكَانَ عَمْرُو بنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ، وَالمُنْذِرُ بنُ عُقْبَةَ الأَنْصَارِيُّ فِي سَرْحِ (١) المُسْلِمِينَ، فَلَمْ يُنْبِئْهُمَا بِمُصَابِ أَصْحَابِهِمَا إِلَّا الطَّيْرُ تَحُومُ عَلَى مَوْضِعِ الوَقْعَةِ، فَقَالَا: وَاللَّهِ إِنَّ لِهَذِهِ الطَّيْرِ لَشَأْنٌ، فَأَقْبَلَا لِيَنْظُرَا، فَإِذَا أصْحَابُهُمْ في دِمَائِهِمْ، وَإِذَا الخَيْلُ التِي أَصَابَتْهُمْ وَاقِفَةٌ، فَقَالَ المُنْذِرُ بنُ عُقْبَةَ لِعَمْرِو بنِ أُمَيَّةَ: مَا ترَى؟ قَالَ: أَرَى أَنْ نَلْحَقَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فنخْبِرَهُ الخَبَرَ، فَقَالَ المُنْذِرُ بنُ عُقْبَةَ ﵁: لَكِنِّي مَا كُنْتُ لِأَرْغَبَ بِنَفْسِي عَنْ مَوْطِنٍ قُتِلَ فِيهِ المُنْذِرُ بنُ عَمْرٍو (٢)، وَمَا كُنْتُ لِتُخْبِرَنِي عَنْهُ الرِّجَالُ، ثُمَّ قَاتَلَ القَوْمَ حَتَّى قُتِلَ ﵁، وَأَخَذُوا عَمْرَو بنَ أُمَيَّةَ ﵁ أَسِيرًا، فَلَمَّا أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ مِنْ مُضَرَ، أَخَذَهُ عَامِرُ بنُ الطُّفيْلِ وَجَزَّ (٣) نَاصِيَتَهُ (٤) وَأَعْتَقَهُ عَنْ رَقَبَةٍ زَعَمَ أَنَّهَا كَانَتْ عَلَى أُمِّهِ، وَرَجَعَ عَمْرُو بنُ أُمَيَّةَ ﵁ إلى المَدِينَةِ وَأَخْبَرَ الرَّسُولَ ﷺ (٥). * كَرَامَةٌ لِعَامِرِ بنِ فُهَيْرَةَ ﵁ -: كَانَ مِنْ بَيْنِ القَتْلَى عَامِرُ بنُ فُهَيْرَةَ ﵁ (٦)، وَقَدْ ظَهَرَتْ لَهُ في هَذِهِ المَعْرَكَةِ

стр. 1330

كَرَامَة، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: لَمَّا قُتِلَ الذِينَ ببئْرِ مَعُونَةَ، وَأُسِرَ عَمْرُو بنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ ﵁، قَالَ لَهُ عَامِرُ بنُ الطُّفَيْلِ: مَنْ هَذَا؟ فَأَشَارَ إلى قَتِيلٍ، فَقَالَ لَهُ عَمْرُو بنُ أُمَيَّةَ ﵁: هَذَا عَامِرُ بنُ فُهَيْرَةَ، فَقَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُهُ بَعْدَمَا قُتِلَ رُفِعَ إلى السَّمَاءِ حَتَّى إِنِّي لَأَنْظُرُ إلى السَّمَاءِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الأَرْضِ، ثُمَّ وُضِعَ (١). وَكَانَ الذِي قتَلَهُ جَبَّارُ بنُ سُلْمَى -كَمَا ذَكَرْنَا-. قَالَ ابنُ عَبْدِ البَرِّ في الِاسْتِيعَابِ: عَامِرُ بنُ الطُّفَيْلِ هُوَ الذِي قتَلَ عَامِرَ بنَ فُهَيْرَةَ (٢). قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: كَأَنَّ نِسْبَتَهُ إلى عَامِرِ بنِ الطُّفَيْلِ عَلَى سَبِيلِ التَّجَوُّزِ؛ لِكَوْنِهِ كَانَ رَأْسَ القَوْمِ (٣). * نُبْذَةٌ عَنْ عَامِرِ بنِ فُهَيْرَةَ ﵁ -: وَعَامِرُ بنُ فُهَيْرَةَ ﵁ هُوَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁، وَكَانَ مَمْلُوكًا لِلطُّفَيْلِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ سَخْبَرَةَ، فَأَسْلَمَ، وَهُوَ مَمْلُوكٌ، فَاشْتَرَاهُ أَبُو بَكْرٍ مِنَ الطُّفَيْلِ، فَأَعْتَقَهُ، وَأَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَارَ الأَرْقَمِ، وَقَبْلَ أَنْ

стр. 1331

يَدْعُوَ فِيهَا إلى الإِسْلَامِ، وَكَانَ حَسَنَ الإِسْلَامِ ﵁، وَكَانَ يَرْعَى الغَنَمَ في الهِجْرَةِ، ثُمَّ يَرُوحُ بِهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ ﵁ في الغَارِ، وَكَانَ رَفِيقَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ في هِجْرَتِهِمَا إلى المَدِينَةِ -كَمَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ- وَشَهِدَ بَدْرًا، وَأُحُدًا، ثُمَّ قُتِلَ يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ، وَهُوَ ابنُ أَرْبَعِينَ سَنَةً ﵁ (١). * حُزْنُ الرَّسُولِ ﷺ عَلَى مَقْتَلِ أَصْحَابِهِ ﵃: وَجَاءَ خَبَرُ فَاجِعَةِ بِئْرِ مَعُونَةَ، وَخَبَرُ مَقْتَلِ عَاصِمِ بنِ ثَابِتٍ، وَخُبَيْبِ بنِ عَدِيٍّ وَأَصْحَابِهِمَا ﵃ أَجْمَعِينَ يَوْمَ الرَّجِيعِ إلى رَسُول اللَّهِ ﷺ في يَوْمٍ وَاحِدٍ، فَحَزِنَ النَّبِيُّ ﷺ وَالمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ حُزْنًا شَدِيدًا، وَلَقَدْ بَلَغَ حُزْنُ الرَّسُولِ ﷺ أَنَّهُ مَكَثَ شَهْرًا يَدْعُو في كُلِّ صَلَاةٍ عَلَى رِعْلٍ، وَذَكْوَانَ، وَعُصَيَّةَ الذِينَ غَدَرُوا بِالقُرَّاءِ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ قُرْآنًا يُتْلَى، ثُمَّ نُسِخَ بَعْدُ. أَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِم في صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: "إِنَّ إِخْوَانَكُمْ قَدْ قُتِلُوا، وإِنَّهُمْ قَالُوا: اللَّهُمَّ بَلَغ عَنَّا نَبِيَّكَ، أَنَّا قَدْ لَقِينَاكَ فَرَضِينَا عَنْكَ، وَرَضِيتَ عَنَّا" (٢). وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: . . . أنْزَلَ اللَّهُ فِي

стр. 1332

الذِينَ قُتِلُوا بِبِئْرِ مَعُونَةَ قُرآنًا قَرَأْنَاهُ ثُمَّ نُسِخَ بَعْدُ: بَلِّغُوا قَوْمَنَا أَنْ قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا، وَرَضِينَا عَنْهُ (١). وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا، وَالإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَجَدَ (٢) عَلَى شَيْءٍ قَطُّ، مَا وَجَدَ عَلَى أَصْحَابِ بِئْرِ مَعُونَةَ، أَصْحَابِ سَرِيَّةِ المُنْذِرِ بنِ عَمْرٍو (٣). وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَنّسٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الذِينَ قتَلُوا أصْحَابَ بِئْرِ مَعُونَةَ ثَلَاثِينَ صَبَاحًا يَدْعُو عَلَى رِعْلٍ، وذَكْوَانَ، ولِحْيَانَ، وَعُصَيَّةَ عَصَتِ اللَّه وَرَسُولَهُ (٤).

стр. 1333

وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وَأَبُو دَاوُدَ في سُنَنِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قنتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَهْرًا مُتَتَابِعًا في الظُّهْرِ، وَالعَصْرِ، وَالمَغْرِبِ، وَالعِشَاءَ، وَالصُّبْحِ، في دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ، إِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، مِنَ الرَّكْعَةِ الأَخِيرَةِ، يَدْعُو عَلَيْهِمْ، عَلَى حَيٍّ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، عَلَى رِعْلٍ، وَذَكْوَانَ، وعُصَيَّةَ، وَيُؤَمِّنُ مَنْ خَلْفَهُ، أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ يَدْعُوهُمْ إلى الإِسْلَامِ، فَقَتَلُوهُمْ (١). * حِكْمَةٌ ظَهَرَتْ لِلْحَافِظِ: قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وَظَهَرَ لِي أَنَّ الحِكْمَةَ في جَعْلِ قنوتِ النَّازِلَةِ في الِاعْتِدَالِ دُونَ السُّجُودِ مَعَ أَنَّ السُّجُودَ مَظِنَّةُ الإِجَابَةِ، كَمَا ثَبَتَ "أَقْرَبُ مَا يَكُونُ العَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ" (٢)، وثُبُوتُ الأَمْرِ بِالدُّعَاءَ فِيهِ أَنَّ المَطْلُوبَ مِنْ قُنُوتِ النَّازِلَةِ أَنْ يُشَارِكَ المَأْمُومُ الإِمَامَ في الدُّعَاءِ وَلَوْ بِالتَّأْمِينِ، وَمِنْ ثَمَّ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَجْهَرُ بِهِ، بِخِلَافِ القُنُوتِ في الصُّبْحِ، فَاخْتُلِفَ في مَحَلِّهِ وَفِي الجَهْرِ بِهِ (٣).

стр. 1334

* مَوْقِفُ مُلَاعِبِ الأَسِنَّةِ مِنْ هَذَا الغَدْرِ: أَمَّا أَبُو بَرَاءٍ عَامِرُ بنُ مَالِكٍ المَعْرَوفُ بِمُلَاعِبِ الأَسِنَّةِ سَيِّدُ بَنِي عَامِرِ بنِ صَعْصَعَةَ الذِي أَعْطَى رَسُولَ اللَّهِ الجِوَارَ لِهَؤُلَاءِ القُرَّاءِ، فَإِنَّهُ لَمَّا بَلَغَهُ مَقْتَلُ هَؤُلَاءِ القُرَّاءِ شَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَمَاتَ عَقِبَ ذَلِكَ مِنْ شِدَّةِ الهَمِّ (١). * عَمْرُو بنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ ﵁ يَقْتُلُ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَامِرٍ: وَلَمَّا أَقْبَلَ عَمْرُو بنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ ﵁ إلى المَدِينَةِ لَقِيَ في طَرِيقِهِ رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي عَامِرٍ، فنَزَلَا مَعَهُ في ظِلٍّ كَانَ هُوَ فِيهِ، وَكَانَ مَعَهُمَا عَقْدٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وجِوَارٌ، لَمْ يَعْلَمْ بِهِ عَمْرُو بنُ أُمَيَّةَ، وَقَدْ سَأَلهُمَا حِينَ نَزَلَا: مِمَّنْ أَنْتُمَا؟ فَقَالَا: مِنْ بَنِي عَامِرٍ، فَأَمْهَلَهُمَا، حَتَّى إِذَا نَامَا عَدَا عَلَيْهِمَا فَقتَلَهُمَا، وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ قَدْ أصَابَ بِهِمَا ثَأْرَ أَصْحَابِهِ، ثُمَّ قَدِمَ عَمْرُو بنُ أُمَيَّةَ ﵁ المَدِينَةَ، فَأَخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَقْتَلِ أَصْحَابِهِ بِبِئْرِ مَعُونَةَ، ثُمَّ أخْبَرَهُ بِمَقْتَلِهِ لِلْعَامِرِيَّيْنِ، فَقَالَ لَهُ ﷺ : بِئْسَ مَا صَنَعْتَ! لَقَدْ كَانَ لَهُمَا مِنِّي أَمَانٌ وَجِوَارٌ؛ لَأَدِيَنَّهُمَا، فَبَعَثَ بِدِيَتِهِمَا إلى قَوْمِهِمَا (٢). * * *

стр. 1335

غَزْوَةُ بَنِي النَّضِيرِ كَانَتْ في شَهْرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ مِنَ السَّنَةِ الرَّابِعَةِ لِلْهِجْرَةِ (١) وَقَالَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ: جَعَلَهُ ابنُ إِسْحَاقَ -أَيْ جَعَلَ حَدِيثَ بَنِي النَّضِيرِ- بَعْدَ بِئْرِ مَعُونَةَ وَأُحُدٍ (٢). وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: كَانَتْ عَلَى رَأْسِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْعَةِ بَدْرٍ قَبْلَ وَقْعَةِ أُحُدٍ (٣). قُلْتُ: رَجَّحَ الحَافِظُ في الفَتْحِ قَوْلَ ابنِ إِسْحَاقَ (٤). * سَبَبُ هَذِهِ الغَزْوةِ: اخْتُلِفَ في سَبَبِ هَذِهِ الغَزْوَةِ: * السَّبَبُ الأَوَّل: ذَكَرَ جُلُّ أَهْلِ المَغَازِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ إلى بَنِي النَّضِيرِ يَسْتَعِينُهُمْ
следующие страницы →