← Сира

Сира · id 38114

اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون

موسى بن راشد العازمي

Полный текст (2 595 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

يَدْعُوَ فِيهَا إلى الإِسْلَامِ، وَكَانَ حَسَنَ الإِسْلَامِ ﵁، وَكَانَ يَرْعَى الغَنَمَ في الهِجْرَةِ، ثُمَّ يَرُوحُ بِهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ ﵁ في الغَارِ، وَكَانَ رَفِيقَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ في هِجْرَتِهِمَا إلى المَدِينَةِ -كَمَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ- وَشَهِدَ بَدْرًا، وَأُحُدًا، ثُمَّ قُتِلَ يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ، وَهُوَ ابنُ أَرْبَعِينَ سَنَةً ﵁ (١). * حُزْنُ الرَّسُولِ ﷺ عَلَى مَقْتَلِ أَصْحَابِهِ ﵃: وَجَاءَ خَبَرُ فَاجِعَةِ بِئْرِ مَعُونَةَ، وَخَبَرُ مَقْتَلِ عَاصِمِ بنِ ثَابِتٍ، وَخُبَيْبِ بنِ عَدِيٍّ وَأَصْحَابِهِمَا ﵃ أَجْمَعِينَ يَوْمَ الرَّجِيعِ إلى رَسُول اللَّهِ ﷺ في يَوْمٍ وَاحِدٍ، فَحَزِنَ النَّبِيُّ ﷺ وَالمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ حُزْنًا شَدِيدًا، وَلَقَدْ بَلَغَ حُزْنُ الرَّسُولِ ﷺ أَنَّهُ مَكَثَ شَهْرًا يَدْعُو في كُلِّ صَلَاةٍ عَلَى رِعْلٍ، وَذَكْوَانَ، وَعُصَيَّةَ الذِينَ غَدَرُوا بِالقُرَّاءِ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ قُرْآنًا يُتْلَى، ثُمَّ نُسِخَ بَعْدُ. أَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِم في صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: "إِنَّ إِخْوَانَكُمْ قَدْ قُتِلُوا، وإِنَّهُمْ قَالُوا: اللَّهُمَّ بَلَغ عَنَّا نَبِيَّكَ، أَنَّا قَدْ لَقِينَاكَ فَرَضِينَا عَنْكَ، وَرَضِيتَ عَنَّا" (٢). وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: . . . أنْزَلَ اللَّهُ فِي

стр. 1332

الذِينَ قُتِلُوا بِبِئْرِ مَعُونَةَ قُرآنًا قَرَأْنَاهُ ثُمَّ نُسِخَ بَعْدُ: بَلِّغُوا قَوْمَنَا أَنْ قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا، وَرَضِينَا عَنْهُ (١). وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا، وَالإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَجَدَ (٢) عَلَى شَيْءٍ قَطُّ، مَا وَجَدَ عَلَى أَصْحَابِ بِئْرِ مَعُونَةَ، أَصْحَابِ سَرِيَّةِ المُنْذِرِ بنِ عَمْرٍو (٣). وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَنّسٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الذِينَ قتَلُوا أصْحَابَ بِئْرِ مَعُونَةَ ثَلَاثِينَ صَبَاحًا يَدْعُو عَلَى رِعْلٍ، وذَكْوَانَ، ولِحْيَانَ، وَعُصَيَّةَ عَصَتِ اللَّه وَرَسُولَهُ (٤).

стр. 1333

وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وَأَبُو دَاوُدَ في سُنَنِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قنتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَهْرًا مُتَتَابِعًا في الظُّهْرِ، وَالعَصْرِ، وَالمَغْرِبِ، وَالعِشَاءَ، وَالصُّبْحِ، في دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ، إِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، مِنَ الرَّكْعَةِ الأَخِيرَةِ، يَدْعُو عَلَيْهِمْ، عَلَى حَيٍّ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، عَلَى رِعْلٍ، وَذَكْوَانَ، وعُصَيَّةَ، وَيُؤَمِّنُ مَنْ خَلْفَهُ، أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ يَدْعُوهُمْ إلى الإِسْلَامِ، فَقَتَلُوهُمْ (١). * حِكْمَةٌ ظَهَرَتْ لِلْحَافِظِ: قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وَظَهَرَ لِي أَنَّ الحِكْمَةَ في جَعْلِ قنوتِ النَّازِلَةِ في الِاعْتِدَالِ دُونَ السُّجُودِ مَعَ أَنَّ السُّجُودَ مَظِنَّةُ الإِجَابَةِ، كَمَا ثَبَتَ "أَقْرَبُ مَا يَكُونُ العَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ" (٢)، وثُبُوتُ الأَمْرِ بِالدُّعَاءَ فِيهِ أَنَّ المَطْلُوبَ مِنْ قُنُوتِ النَّازِلَةِ أَنْ يُشَارِكَ المَأْمُومُ الإِمَامَ في الدُّعَاءِ وَلَوْ بِالتَّأْمِينِ، وَمِنْ ثَمَّ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَجْهَرُ بِهِ، بِخِلَافِ القُنُوتِ في الصُّبْحِ، فَاخْتُلِفَ في مَحَلِّهِ وَفِي الجَهْرِ بِهِ (٣).

стр. 1334

* مَوْقِفُ مُلَاعِبِ الأَسِنَّةِ مِنْ هَذَا الغَدْرِ: أَمَّا أَبُو بَرَاءٍ عَامِرُ بنُ مَالِكٍ المَعْرَوفُ بِمُلَاعِبِ الأَسِنَّةِ سَيِّدُ بَنِي عَامِرِ بنِ صَعْصَعَةَ الذِي أَعْطَى رَسُولَ اللَّهِ الجِوَارَ لِهَؤُلَاءِ القُرَّاءِ، فَإِنَّهُ لَمَّا بَلَغَهُ مَقْتَلُ هَؤُلَاءِ القُرَّاءِ شَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَمَاتَ عَقِبَ ذَلِكَ مِنْ شِدَّةِ الهَمِّ (١). * عَمْرُو بنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ ﵁ يَقْتُلُ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَامِرٍ: وَلَمَّا أَقْبَلَ عَمْرُو بنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ ﵁ إلى المَدِينَةِ لَقِيَ في طَرِيقِهِ رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي عَامِرٍ، فنَزَلَا مَعَهُ في ظِلٍّ كَانَ هُوَ فِيهِ، وَكَانَ مَعَهُمَا عَقْدٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وجِوَارٌ، لَمْ يَعْلَمْ بِهِ عَمْرُو بنُ أُمَيَّةَ، وَقَدْ سَأَلهُمَا حِينَ نَزَلَا: مِمَّنْ أَنْتُمَا؟ فَقَالَا: مِنْ بَنِي عَامِرٍ، فَأَمْهَلَهُمَا، حَتَّى إِذَا نَامَا عَدَا عَلَيْهِمَا فَقتَلَهُمَا، وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ قَدْ أصَابَ بِهِمَا ثَأْرَ أَصْحَابِهِ، ثُمَّ قَدِمَ عَمْرُو بنُ أُمَيَّةَ ﵁ المَدِينَةَ، فَأَخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَقْتَلِ أَصْحَابِهِ بِبِئْرِ مَعُونَةَ، ثُمَّ أخْبَرَهُ بِمَقْتَلِهِ لِلْعَامِرِيَّيْنِ، فَقَالَ لَهُ ﷺ : بِئْسَ مَا صَنَعْتَ! لَقَدْ كَانَ لَهُمَا مِنِّي أَمَانٌ وَجِوَارٌ؛ لَأَدِيَنَّهُمَا، فَبَعَثَ بِدِيَتِهِمَا إلى قَوْمِهِمَا (٢). * * *

стр. 1335

غَزْوَةُ بَنِي النَّضِيرِ كَانَتْ في شَهْرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ مِنَ السَّنَةِ الرَّابِعَةِ لِلْهِجْرَةِ (١) وَقَالَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ: جَعَلَهُ ابنُ إِسْحَاقَ -أَيْ جَعَلَ حَدِيثَ بَنِي النَّضِيرِ- بَعْدَ بِئْرِ مَعُونَةَ وَأُحُدٍ (٢). وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: كَانَتْ عَلَى رَأْسِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْعَةِ بَدْرٍ قَبْلَ وَقْعَةِ أُحُدٍ (٣). قُلْتُ: رَجَّحَ الحَافِظُ في الفَتْحِ قَوْلَ ابنِ إِسْحَاقَ (٤). * سَبَبُ هَذِهِ الغَزْوةِ: اخْتُلِفَ في سَبَبِ هَذِهِ الغَزْوَةِ: * السَّبَبُ الأَوَّل: ذَكَرَ جُلُّ أَهْلِ المَغَازِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ إلى بَنِي النَّضِيرِ يَسْتَعِينُهُمْ

стр. 1336

في دِيَةِ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ قتَلَهُمَا عَمْرُو بنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ ﵁؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ قَدْ أَخَذَ العَهْدَ عَلَى اليَهُودِ أَنْ يُعَاوِنُوهُ في الدِّيَاتِ -كَمَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ عِنْدَ كِتَابَةِ الصَّحِيفَةِ لِأَهْلِ المَدِينَةِ- فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ مَسْجِدَ قُبَاءَ، فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، ثُمَّ أَتَى بَنِي النَّضِيرِ فكَلَّمَهُمْ، فَقَالُوا لَهُ: نَعَمْ يَا أبَا القَاسِمِ نُعِينُكَ عَلَى مَا أَحْبَبْتَ، مِمَّا اسْتَعَنْتَ بِنَا عَلَيْهِ، فَجَلَسَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إلى جَنْبِ جِدَارٍ مِنْ بُيُويهِمْ يَنْتَظِرُ وَفَاءَهُمْ بِمَا وَعَدُوا، وَجَلَسَ مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعَلِيٌّ ﵃ أجْمَعِينَ، وَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا خَلَا اليَهُودُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ هَمُّوا بِالغَدْرِ بِهِ، وَائْتَمَرُوا بِقَتْلِهِ، فَقَالُوا: إِنَّكُمْ لَنْ تَجِدُوا الرَّجُلَ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ هَذِهِ، فَمَنْ رَجُلٌ يَعْلُو عَلَى هَذَا البَيْتِ، فَيُلْقِي عَلَيْهِ صَخْرَةً فَيَقْتُلَهُ بِهَا ويُرِيحُنَا مِنْهُ؟ فَانْتَدَبَ لِذَلِكَ رَجُلٌ مِنْهُمْ هُوَ: عَمْرُو بنُ جَحَّاشِ بنِ كَعْبٍ، فَقَالَ: أنَا لِذَلِكَ، فَصَعِدَ لِيُلْقِيَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَخْرَةً، كَمَا قَالَ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جِبْرِيلُ ﵇، وَأَخْبَرَهُ بِمَا أَرَادَ القَوْمُ، فَقَامَ ﷺ مُظْهِرًا أنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَقْضِيَ حَاجَةً، وَتركَ أصْحَابَهُ في مَجْلِسِهِمْ، وَرَجَعَ سَرِيعًا إلى المَدِينَةِ. فَلَمَّا اسْتَبْطَأَ النَّبِيَّ ﷺ -أَصْحَاُبهُ، قَامُوا في طَلَبِهِ، فَلَقَوْا رَجُلًا مُقْبِلًا مِنَ المَدِينَةِ، فَسَأَلُوهُ عَنْهُ فَقَالَ: رَأَيْتُهُ دَاخِلًا المَدِينَةَ، فَأَقْبَلَ أصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَيْهِ فَأَخْبَرَهُمْ ﷺ الخَبَرَ بِمَا أَرَادَتْ يَهُودُ مِنَ الغَدْرِ، وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحَرْبِهِمْ وَالسَّيْرِ إِلَيْهِمْ (١).

стр. 1337

وَنَزَلَ في ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١). * السَّبَبُ الثَّانِي: أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ الصَّنْعَانِي في مُصَنَّفِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ كَعْبِ بنِ مَالِكٍ عَنْ رَجُل مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: . . . فكَتَبَتْ كُفَّارُ قُرْيْشٍ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ إِلَى الْيَهُودِ: أَنكُمْ أَهْلُ الْحَلْقَةِ (٢)، وَالْحُصُونِ، وَأَنَّكُمْ لَتُقَاتِلُنَّ صَاحِبَنَا أَوْ لَنَفْعَلَنَّ كَذَا وَكَذَا، وَلَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَدَمِ (٣) نِسَائِكُمْ شَيْءٌ، فَلَمَّا بَلَغَ كِتَابُهُمُ الْيَهُودَ أَجْمَعَتْ بَنُو النَّضِيرِ عَلَى الْغَدْرِ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ : أُخْرُجْ إِلَيْنَا في ثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِكَ، وَلْنَخْرُجْ في ثَلَاثِينَ حَبْرًا (٤)، حَتَّى نَلْتَقِيَ في مَكَانِ كَذَا، فَيَسْمَعُوا مِنْكَ، فَإِنْ صَدَّقُوكَ، وَآمَنُوا بِكَ، آمَنَّا كُلُّنَا، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَخَرَجَ إِلَيْهِ ثَلَاثُونَ حَبْرًا مِنْ يَهُودٍ، حَتَّى إِذَا بَرَزُوا في برازٍ مِنَ الْأَرْضِ، قَالَ بَعْضُ الْيَهُودِ لِبَعْضٍ: كَيْفَ تَخْلُصُونَ (٥) إِلَيْهِ،

стр. 1338

وَمَعَهُ ثَلَاثوُنَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ، كُلُّهُمْ يُحِبُّ أَنْ يَمُوتَ قَبْلَهُ، فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ: كَيْفَ تَفْهَمُ وَنَفْهَمُ، وَنَحْنُ سِتُّونَ رَجُلًا؟ اخْرُجْ في ثَلَاثَةٍ مِنْ أَصْحَابِكَ، وَيَخْرُجُ إِلَيْكَ ثَلَاثَةٌ مِنْ عُلَمَائِنَا، فَلْيَسْمَعُوا مِنْكَ، فَإِنْ آمَنُوا بِكَ آمَنَّا كُلُّنَا، وَصَدَّقْنَاكَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فِي ثَلَاثَةِ نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَاشْتَمَلُوا عَلَى الْخَنَاجِرِ (١)، وَأَرَادُوا الْفَتْكَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَرْسَلَتِ امْرَأَةٌ نَاصِحَةٌ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ إِلَى بَنِي أَخِيهَا، وَهُوَ رَجُلٌ مُسْلِمٌ مِنَ الْأَنْصَارِ (٢)، فَأَخْبَرَتْهُ خَبَرَ مَا أَرَادَتْ بَنُو النَّضِيرِ مِنَ الْغَدْرِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَقْبَلَ أَخُوهَا مُسْرِعًا، حَتَّى أَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَسَارَّهُ بِخَبَرِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْهِمْ، فَرَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ، غَدَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْكَتَائِبِ، فَحَاصَرَهُمْ (٣). * بَعْثُ مُحَمَّدِ بنِ مَسْلَمَةَ ﵁ -: وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِمْ مُحَمَّدَ بنَ مَسْلَمَةَ ﵁ أَنِ اخْرُجُوا مِنَ المَدِينَةِ، فَلَا تُسَاكِنُونِي بِهَا، وَقَدْ هَمَمْتُمْ بِمَا هَمَمْتُمْ بِهِ مِنَ الْغَدْرِ، فَمَنْ رُئِيَ بَعْدَ ذَلِكَ ضَرَبْتُ عُنُقَهُ"، فَمَكَثُوا عَلَى ذَلِكَ أَيَّامًا يَتَجَهَّزُونَ، وَأَرْسَلُوا إلى

стр. 1339

ظَهْرٍ (١) لَهُمْ بِذِي الجَدْرِ (٢)، وَاسْتَأْجَرُوا مِنْ نَاسٍ مِنْ أَشْجَعَ إِبِلًا. فَلَمَّا سَمِعَ المُنَافِقُونَ بِهِمْ أَرْسَلَ لَهُمُ ابنُ سَلُولٍ: لَا تَخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ، إِنَّا مَعَكُمْ، لَئِنْ قُويلْتُمْ قَاتَلْنَا مَعَكُمْ، وَإِنْ أُخْرِجْتُمْ خَرَجْنَا مَعَكُمْ، فَقَوِيَتْ عِنْدَ ذَلِكَ نُفُوسُ بَنِي النَّضِيرِ، فَأَرْسَلَ حُيَيُّ بنُ أَخْطَبٍ سَيِّدُ بَنِي النَّضِيرِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : إِنَّا لَا نَخْرُجُ مِنْ دِيَارِنَا، وَلَئِنْ قَاتَلْتَنَا قَاتَلْنَاكَ، وَنَابَذُوهُ بِنَقْضِ العُهُودِ، وَفِيهِمْ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١١) لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١٢) لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ (٣). * حِصَارُ بَنِي النَّضِيرِ: فَسَارَ إِلَيْهِمُ الرَّسُولُ ﷺ في أَصْحَابِهِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى المَدِينَةِ: ابنَ أُمِّ مَكْتُومٍ ﵁، فَلَمَّا رَأَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الْتَجَؤُوا إلى حُصُونِهِمْ، فَقَامُوا عَلَيْهَا يَرْمُونَ بِالنَّبْلِ وَالحِجَارَةِ، فَحَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ

стр. 1340

بِقَطْعِ نَخِيلِهِمْ وَتَحْرِيقِهَا. فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁، قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَطَعَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَحَرَّقَ، وَلَهَا يَقُولُ حَسَّانٌ ﵁: وَهَانَ عَلَى سَرَاةِ (١) بَنِي لُؤَيٍّ (٢) ... حَرِيقٌ بِالبُوَيْرَةِ (٣) مُسْتَطِيرُ (٤) فَأَجَابَهُ أَبُو سُفْيَانَ بنُ الحَارِثِ ﵁: أَدَامَ اللَّهُ ذَلِكَ مِنْ صَنِيعٍ ... وَحَرَّقَ في نَوَاحِيهَا السَّعِيرُ وَفِي ذَلِكَ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ (٥). وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ في جَامِعِهِ وَالطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ

стр. 1341

صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ البُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ في قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا﴾ قَالَ: اللِّينَةُ: النَّخْلُ، ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾، قَالَ: اسْتَنْزَلُوهُمْ مِنْ حُصُونِهِمْ وَأُمِرُوا بِقَطْعِ النَّخْلِ (١). قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَطْعِ نَخِيلِهِمْ إِهَانَةً لَهُمْ، وَإِرْهَابًا وَإِرْعَابًا لِقُلُوُبهِمْ (٢). فَلَمَّا ظَهَرَ لِبَنِي النَّضِيرِ تَخَلِّي المُنَافِقِينَ عَنْهُمْ، وَكَانَ مَثَلُهُمْ وَمَثَلُ المُنَافِقِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (١٦) فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ (٣). * قَذْفُ اللَّهِ تَعَالَى في قُلُوبِ اليَهُودِ الرُّعْبَ وَجَلَاؤُهُمْ: وَقَذَفَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، وَاشْتَدَّ الحِصَارُ عَلَيْهِمْ، وَأَيْقَنُوا أَنَّ حُصُونَهُمْ لَنْ تَمْنَعَهُمْ مِنَ اللَّهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ صَالَحُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى الجَلَاءِ (٤)، وَعَلَى أَنَّ

стр. 1342

لَهُمْ مَا أَقَلَّتْ (١) الإِبِلُ مِنَ الأَمْتِعَةِ، وَالأَمْوَالِ إِلَّا الحَلْقَةَ، يَعْنِي السِّلَاحَ. رَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أَنَّ يَهُودَ بَنِي النَّضِيرِ وَقُرَيْظَةَ حَارَبُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَأَجْلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَنِي النَّضِيرِ، وَأَقَرَّ قُرَيْظَةَ وَمَنَّ عَلَيْهِمْ، حَتَّى حَارَبْت قُرْيْظَةُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقتَلَ رِجَالَهُمْ، وَقَسَمَ نِسَاءَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بَيْنَ المُسْلِمِينَ (٢). وَأَخْرَجَ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: . . . فَحَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى نَزَلُوا عَلَى الجَلَاءِ، وَعَلَى أَنَّ لَهُمْ مَا أَقَلَّتِ الإِبِلُ مِنَ الأَمْتِعَةِ وَالأَمْوَالِ إِلَّا الحَلْقَةَ، يَعْنِي السِّلَاحَ (٣). فَاحْتَمَلُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ مَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ الإِبِلُ، وَكَانَتْ سِتُّمِائَةِ بَعِيرٍ، فَكَانُوا يَهْدِمُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ؛ لِيَحْمِلُوا مَا اسْتَحْسَنُوهُ مِنَ الأَبْوَابِ وَالنَّوَافِذِ، بَلْ حَتَّى حَمَلَ بَعْضُهُمُ الأَوْتَادَ وَجُذُوعَ السُّقُفِ حَتَّى لَا يَنتفِعَ المُسْلِمُونَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِمْ. ثُمَّ حَمَلُوا النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ عَلَى الهَوَادِجِ، فَخَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ مُظْهِرِينَ

стр. 1343

التَّجَلُّدَ (١)، مَعَهُمُ الدُّفُوفُ وَالمَزَامِيرُ، وَالقِيَانُ (٢) يَعْزِفْنَ خَلْفَهْمُ. فَسَارَ أَكْثَرُهُمْ وَأَشْرَافُهُمْ كَسَلَّامِ بنِ أَبِي الحُقَيْقِ، وَكِنَانَةُ بنُ الرَّبِيعِ، وَحُيَيُّ بنُ أَخْطَبٍ، إلى خَيْبَرَ، فَلَمَّا نَزَلُوهَا دَانَ (٣) لَهُمْ أَهْلُهَا، وَسَارَتْ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ إلى الشَّامِ (٤). * أُخُوّةُ الأَنْصَارِ وَاليَهُودِ قَبْلَ الإِسْلَامِ: وَكَانَ في بَنِي النَّضِيرِ مِنْ أَبْنَاءِ الأَنْصَارِ؛ لِأَنَّ المَرْأَةَ مِنْهُمْ كَانَتْ إِذَا لَمْ يَعِشْ لَهَا وَلَدٌ تَجْعَلُ عَلَى نَفْسِهَا إِنَّ عَاشَ لَهَا وَلَدٌ أَنْ تُهَوِّدَهُ. فَقَدْ أَخْرَجَ ابنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ، وَالطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ في قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (٥)، قَالَ: كَانَتِ المَرْأَةُ مِنَ الأَنْصَارِ لَا يَكَادُ يَعِيشُ لَهَا وَلَدٌ، فتَحْلِفُ: لَئِنْ عَاشَ لَهَا وَلَدٌ لَتُهَوِّدَنَّهُ، فَلَمَّا أُجْلِيَتْ بَنُو النَّضِيرِ إِذَا فِيهِمْ نَاسٌ مِنْ أَبْنَاءَ الأَنْصَارِ، فَقَالَتِ الأَنْصَارُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَبْنَاؤُنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيةَ ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾.

стр. 1344

قَالَ سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ: فَمَنْ شَاءَ لَحِقَ بِهِمْ، وَمَنْ شَاءَ دَخَلَ في الإِسْلَامِ (١). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ في شَرْحِ المُشْكِلِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَتِ الأَنْصَارُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَبْنَاؤُنَا وَإِخْوَانُنَا مَعَهُمْ، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خَيِّرُوا أَصْحَابَكُمْ، فَإِنِ اخْتَارُوكُمْ، فَهُمْ مِنْكُمْ، وَإِنِ اخْتَارُوهُمْ، فَهُمْ مِنْهُمْ"، قَالَ: فَأَجْلَوْهُمْ مَعَهُمْ (٢). * أَوَّلُ فَيْءٍ (٣) في الإِسْلَامِ: وَقَبَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا ترَكُوهُ مِنَ الأَمْوَالِ وَالسِّلَاحِ، فَوَجَدَ خَمْسِينَ دِرْعًا وَخَمْسِينَ بَيْضَةً (٤)، وَثَلَاثَمِائَةٍ وَأَرْبَعِينَ سَيْفًا، وَكَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ وَأَرْضُهُمْ وَدِيَارُهُمْ خَالِصَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، يَضَعُهَا حَيْثُ يَشَاءُ، وَلَمْ يُخَمِّسْهَا؛ لِأَنَّ اللَّه أَفَاءَهَا عَلَيْهِ، وَلَمْ يُوجِفِ (٥) المُسْلِمُونَ عَلَيْهَا بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ (٦).

стр. 1345

قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ (١). فَأَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أكْثَرَهَا لِلْمُهَاجِرِينَ، وَقَسَمَهَا بَيْنَهُمْ خَاصَّةً لِفَقْرِهِمْ، وَبِذَلِكَ أَغْنَى اللَّهُ تَعَالَى المُهَاجِرِينَ، وَأَزَالَ فَاقتهُمْ (٢)، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُنْفِقُ مِمَّا بَقِيَ مِنْهَا عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَةٍ، ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِيَ في السِّلَاحِ وَالكُرَاعِ (٣) عُدَّةً في سَبِيلِ اللَّهِ (٤). أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولهِ ﷺ مِمَّا لَمْ يُوجِفِ المُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ، فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَاصَّةً، وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِ، ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِيَ في السِّلَاحِ وَالكُرَاعِ عُدَّةً في سَبِيلِ اللَّهِ (٥).

стр. 1346

قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ: قَوْلُهُ ﵁: وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَةٍ: أَيْ يَعْزِلُ لَهُمْ نَفَقَةَ سَنَةٍ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يُنْفِقُهُ قَبْلَ انْقِضَاءِ السَّنَةِ في وُجُوهِ الخَيْرِ، فَلَا تَتِمُّ عَلَيْهِ السَّنَةُ، وَلِهَذَا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عَلَى شَعِيرٍ اسْتَدَانَهُ لِأَهْلِهِ (١)، وَلَمْ يَشْبَعْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ تِبَاعًا (٢)، وَقَدْ تَظَاهَرَتِ الأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِكَثْرَةِ جُوعِهِ ﷺ وَجُوعِ عِيَالِهِ (٣). وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يَجْعَلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ النَّخْلَاتِ، حَتَّى افْتَتَحَ قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ، فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ يَرُدّ عَلَيهِم (٤).

стр. 1347

* نُزُولُ سُورَةِ الحَشْرِ بِكَامِلِهَا: وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى في أَمْرِ بَنِي النَّضِيرِ سُورَةَ الحَشْرِ بِأَسْرِهَا، يَذْكُرُ فِيهَا مَا أَصَابَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنْ نِقْمَتِهِ، وَمَا سَلَّطَ عَلَيْهِمْ بِهِ رَسُوله ﷺ ، وَمَا عَمِلَ بِهِ فِيهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ حُكْمَ الفَيْءِ، وَأَّنَّهُ حَكَمَ بِأَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَمَلَّكَهَا لَهُ، فَوَضَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَيْثُ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى حُكْمَ الفَيْءَ، وَأَنَّهُ لِلْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ عَلَى مِنْوَالِهِمْ وَطَرِيقَتِهِمْ، وَلذِي القُرْبَى، وَاليَتَامَى، وَالمَسَاكِينِ، وَابْنِ السَّبِيلِ، كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءَ مِنْكُمْ، ثُمَّ ذَكَرَ المُنَافِقِينَ ذَامًّا لَهُمْ، الذِينَ مَالُوا إِلَى بَنِي النَّضِيرِ في البَاطِنِ، وَوَعَدُوهُمْ النَّصْرَ، فَلَمْ يَكُنْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، بَلْ خَذَلُوهُمْ أَحْوَجَ مَا كَانُوا إِلَيْهِمْ، وَغَرُّوهُمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ ذَمَّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى جُبْنِهِمْ، وَقِلَّةِ عَمَلِهِمْ، وَخِفَّةِ عَقْلِهِمْ، ثُمَّ ضَرَبَ لَهُمْ مَثَلًا قَبِيحًا شَنِيعًا بِالشَّيْطَانِ ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (١٦) فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ (١). أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لِابنِ عَبَّاسٍ ﵄: سُورَةُ الحَشْرِ، قَالَ: نَزَلَتْ في بَنِي النَّضِيرِ (٢).

стр. 1348

وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى في صَحِيحِ البُخَارِيِّ قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ ﵄: قُلْ: سُورَةَ النَّضِيرِ (١). قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: كَأَنَّهُ كَرِهَ تَسْمِيَتَهَا بِالحَشْرِ لِئَلَّا يُظَنَّ أَنَّ المُرَادَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وإِنَّمَا المُرَادُ هُنَا إِخْرَاجُ بَنِي النَّضِيرِ (٢). وَبِإِجْلَاءَ بَنِي النَّضِيرِ أَرَاحَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ مِنْ شَوْكَةٍ ثَانِيَةٍ كَانَتْ تَقُضُّ مَضَاجِعَهُمْ، وَلَوْ أَنَّ هَؤُلَاءَ الأَشْرَارَ نَجَحُوا في مَكِيدَتِهِمْ؛ لَقَضَوْا عَلَى الإِسْلَامِ في مَهْدهِ، وَأَيَّةُ خَسَارَةٍ كَانَ سَيُمْنَى بِهَا العَالَمُ لَوْ لَمْ يَسْتَضِئْ بِنُورِ الإِسْلَامِ وَتَعَالِيمِهِ؟ وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَالِغُ أَمْرِهِ لَا مَحَالَةَ (٣). * * *

стр. 1349

غَزْوَةُ بَدْرٍ الآخِرَةُ (١) وَفِي شَعْبَانَ (٢) مِنَ السَّنَةِ الرَّابِعَةِ لِلْهِجْرَةِ، خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَعَهُ أَلْفٌ وَخُمْسُمِائَةِ رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَى بَدْرٍ لِمَوْعِدِهِ الذِي وَاعَدَ بِهِ أَبَا سُفْيَانَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى المَدِينَةِ: عَبْدَ اللَّهِ بنَ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ ﵁ (٣)، وَكَانَتْ بَدْرٌ مُجْتَمَعًا يَجْتَمعُ فِيهِ العَرَبُ، وَسُوقًا مِنْ أَسْوَاقِهِمْ، فَخَرَجَ الصَّحَابَةُ بِبَضَائِعَ لَهُمْ وَتجَارَاتٍ. * خُرُوجُ أَبِي سُفْيَانَ بِجَيْشِهِ: أَمَّا أَبُو سُفْيَانَ فَقَدْ خَرَجَ في أَلْفَيْ رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَمَعَهُمْ خَمْسِينَ

стр. 1350

فَرَسًا، وَكَانَ كَارِهًا لِلْخُرُوجِ، حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى مَرِّ الظَّهْرَانِ (١)، وَقِيلَ: عُسْفَانَ (٢)، ثُمَّ أَلقى اللَّهُ تَعَالَى في قَلْبِهِ الرُّعْبَ، فَرَأَى أَنْ يَرْجعَ، فَقَالَ لِمَنْ مَعَهُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إِنَّ هَذَا العَامَ عَامُ جَدْبٍ (٣)، وَلَا يُصْلِحُكُمْ إِلَّا عَامٌ خِصْبٌ (٤)، تَرْعَوْنَ فِيهِ الشَّجَرَ، وَتَشْرَبُونَ فِيهِ اللَّبَنَ، وَإِنِّي رَاجعٌ فَارْجِعُوا، فَرَجَعَ النَّاسُ. ثُمَّ أَرْسَلَ أَبُو سُفْيَانَ نُعَيْمَ بنَ مَسْعُودٍ الأَشْجَعِيَّ، فَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَانَ: إِنِّي قَدْ وَاعَدْتُ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ أَنْ نَلْتَقِي بِبَدْرٍ، وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ الوَقْتُ، وَهَذَا عَامُ جَدْبٍ، وَإِنَّمَا يُصْلِحُنَا عَامٌ خَصْبٌ، وَأَكْرَهُ أَنْ يَخْرُجَ مُحَمَّدٌ وَلَا أَخْرُجَ فَيَجْتَرِئَ عَلَيْنَا، وَقَدْ جَعَلْتُ لَكَ عِشْرِينَ بَعِيرًا عَلَى أَنْ تَقْدُمَ المَدِينَةَ فتخَذِّلَ (٥) أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ عَنِ الخُرُوجِ لِبَدْرٍ، فَوَافَقَ نُعَيْمُ بنُ مَسْعُودٍ عَلَى ذَلِكَ، فَأَسْرَعَ السَّيْرَ حَتَّى قَدِمَ المَدِينَةَ، فَوَجَدَ النَّاسَ يَتَجَهَّزُونَ، فَقَالَ لَهُمْ: لَيْسَ هَذَا بِرَأْيٍ، أَلَمْ يَخْرُجْ مُحَمَّدٌ في نَفْسِهِ، أَلَمْ يَقْتُلْ أَصْحَابَهُ، وَأَخْبَرَهُمْ بِجَمْعِ أَبِي سُفْيَانَ لَهُمْ، وَمَا مَعَهُ مِنَ العُدَّةِ وَالسِّلَاحِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَخْرُجَنَّ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مَعِيَ أَحَدٌ".

стр. 1351

فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابهُ إِلَى بَدْرٍ، فَأَقَامَ بِهَا ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ يَنْتَظِرُ أَبَا سُفْيَانَ لِمِيعَادِهِ، فَأَتَاهُ مَخْشِيُّ بنُ عَمْرٍو الضَّمْرِيُّ -وَهُوَ الذِي كَانَ وَادَعَ الرَّسُولَ ﷺ عَلَى بَنِي ضَمْرَةَ في غَزْوَةِ وَدَّانٍ- فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! وَاللَّهِ إِنَّ كُنَّا قَدْ أُخْبِرْنَا أنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْكُمْ أَحَدٌ، فَمَا الذِي جَاءَ بِكَ إِلَى هَذَا المَوْسِمِ؟ أَجِئْتَ لِلِقَاءِ قُرَيْشٍ عَلَى هَذَا المَاءَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَعَمْ، يَا أَخَا بَنِي ضَمْرَةَ، وَإِنْ شِئْتَ مَعَ ذَلِكَ رَدَدْنَا إِلَيْكَ مَا كَانَ بَيْنَنَا وبَيْنَكَ، ثُمَّ جَالَدْنَاكَ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وبَيْنَكَ". فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا مُحَمَّدُ، مَا لَنَا بِذَلِكَ مِنْكَ مِنْ حَاجَةٍ. وبَاعَ المُسْلِمُونَ في تِلْكَ المُدَّةِ مَا كَانَ مَعَهُمْ مِنَ التِّجَارَاتِ، فَرَبِحُوا، فَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ في السُّنَنِ الكُبْرَى بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄ قَالَ: . . . كَانَ أَبُو سُفْيَانَ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : مَوْعِدُكُمْ مَوْسِمُ بَدْرٍ حَيْثُ قَتَلْتُمْ أَصْحَابَنَا، فَأَمَّا الجَبَانُ، فَرَجَعَ، وَأَمَّا الشُّجَاعُ، فَأَخَذَ أُهْبَةَ القِتَالِ وَالتِّجَارَةِ، فَلَمْ يَجِدُوا بِهِ أَحَدًا، وَتَسَوَّقُوا، فَاَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ (١) * التَّحْقِيقُ في نُزُولِ آيَةٍ: قُلْتُ: ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في الذِينَ خَرَجُوا مَعَ رَسُول

стр. 1352

اللَّهِ ﷺ وإِلَى حَمْرَاءَ الأَسَدِ وَهُوَ الصَّحِيحُ. قَالَ الإِمَامُ ابنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: وَأَوْلَى القَوْلَيْنِ في ذَلِكَ بِالصَّوَابِ، قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ الذِي قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ مِنْ أَنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ، كَانَ في حَالِ خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وخُرُوجِ مَنْ خَرَجَ مَعَهُ فِي أَثَرِ أَبِي سُفْيَانَ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، مُنْصَرَفَهُمْ عَنْ أُحُدٍ إِلَى حَمْرَاءَ الأَسَدِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا مَدَحَ الذِينَ وَصَفَهُمْ بِقَوْلهمْ: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾، لَمَّا قِيلَ لَهُمْ: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ بَعْدَ الذِي قَدْ كَانَ نَالَهُمْ مِنَ القُرُوحِ وَالكُلُومِ (١) بِقَوْلهِ: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾، وَلَمْ تَكُنْ هَذِهِ الصِّفَةُ إِلَّا صِفَةَ مَنْ تَبعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ جَرْحَى أَصْحَابِهِ بِأُحُدٍ إِلَى حَمْرَاءَ الأَسَدِ. وَأَمَّا الذِينَ خَرَجُوا مَعَهُ إِلَى غَزْوَةِ بَدْرٍ الصُّغْرَى، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ جَرِيحٌ إِلَّا جَرِيح قَدْ تَقَادَمَ انْدِمَالُ جُرْحِهِ، وَبَرِئَ كُلْمُهُ (٢). وَقَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في غَزْوَةِ حَمْرَاءَ الأَسَدِ (٣).

стр. 1353

* رُجُوعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى المَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ: ثُمَّ رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى المَدِينَةِ، وَقَدْ سَمِعَ النَّاسُ بِمَسِيرِهِ، وَبَلَغَ قُرَيْشًا أَمْرُهُ، وَكَانَ الذِىِ أَخْبَرَ قُرَيْشًا مَعْبَدُ بنُ أَبِي مَعْبَدٍ الخُزَاعِيُّ، فَإِنَّهُ مَرَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِبَدْرٍ، ثُمَّ خَرَجَ سَرِيعًا إِلَى مَكَّةَ، فَأَخْبَرَهُمْ بِخَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَمُوَافَاتِهِ بَدْرًا في أَصْحَابِهِ (١). * * *

стр. 1354

زَوَاجُ الرَّسُولِ ﷺ مِنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ وَفِي شَوَّالَ مِنَ السَّنَةِ الرَّابِعَةِ لِلْهِجْرَةِ (١) تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُمَّ سَلَمَةَ ﵂، وَهِيَ هِنْدُ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ بنِ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيَّةُ، وَذَلِكَ بَعْدَ أَنِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا مِنْ زَوْجِهَا وَابْنِ عَمِّهَا أَبِي سَلَمَةَ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبْدِ الأَسَدِ ﵁، وَكَانَتْ وَلَدَتْ مِنْهُ: سَلَمَةَ، وَعُمَرَ، وَزَيْنَبَ، وَدُرَّةَ. وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ ﵂، سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ، فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ: إِنَّا للَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ أجُرْنِي في مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرا مِنْهَا، إِلَّا أَخْلَفَ اللَّهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا". قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ ﵂: فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ قُلْتُ: أَيُّ المُسْلِمِينَ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ؟ أَوَّلُ بَيْتٍ هَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ إِنِّي قُلْتُهَا، فَأَخْلَفَ اللَّهُ لِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (٢). أَخْرَجَ الإِمَامُ الطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ

стр. 1355

البُخَارِيِّ عَنْ عُمَرَ بنِ أَبِي سَلَمَةَ ﵁ قَالَ: أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ لَمَّا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، أَرْسَلَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَخَطَبَهَا، فَقَالَتْ: مَرْحبًا بِرَسُولِ اللَّهِ، إِنَّ فِيَّ خِلَالًا (١) ثَلَاثًا: أَنَا امْرَأَةٌ شَدِيدَةُ الغَيْرَةِ، وَأَنَا امْرَأَةٌ مُصْبِيَةٌ (٢)، وَأَنَا امْرَأَةٌ لَيْسَ مِنْ أَوْليَائِي أَحَدٌ شَاهِدًا يُزَوِّجُنِي. فَأَتَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: "أَمَّا مَا ذَكَرْتِ مِنْ غَيْرَتِكِ، فَإِنِّي أَدْعُو اللَّهَ أَنْ يُذْهِبَهَا عَنْكِ، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتِ مِنْ صِبيتِكِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَيَكْفِيهِمْ، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتِ مِنْ أنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَوْلِيَائِكِ شَاهِدًا فَيُزَوِّجُكَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدُ أَوْلِيَائِكِ شَاهِدًا وَلَا غَائِبًا يَكْرَهُنِي". فَقَالَتْ لِابْنِهَا (٣):

стр. 1356

زَوِّجْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فزَوَّجَهُ (١). وَفِي رِوَايَةِ ابنِ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ ﵂: جَاءَنِي النَّبِيُّ ﷺ يَخْطِبُنِي، فَقُلْتُ: مِثْلِي لَا يُنْكَحُ، أَمَّا أَنَّا، فَلَا وَلَدَ فِيَّ، وَأَنَا غَيُورٌ ذَاتُ عِيَالٍ، فَقَالَ ﷺ : "أَنَا أَكبَرُ مِنْكِ، وَأَمَّا الغَيْرَةُ فيذْهِبُهَا اللَّهُ، وَأَمَّا العِيَالُ، فَإِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولهِ"، فتَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (٢). وَكَانَ الرَّسُولُ ﷺ يأْتِيهَا لِيَدْخُلَ بِهَا، فَإِذَا رَأَتْهُ أَخَذَتْ بِنْتَهَا زَيْنَبَ فَجَعَلَتْهَا في حِجْرِهَا (٣) لِتُرْضِعَهَا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَيِيًّا كَرِيمًا يَسْتَحْيِي، فَيَنْصِرَفُ، فَجَاءَ عَمَّارُ بنُ يَاسِرٍ ﵁ وَأَخَذَ زَيْنَبَ، فَدَخَلَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وَالنَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عُمَرَ بنِ أَبِي

стр. 1357

سَلَمَةَ ﵁ قَالَ: . . . وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْتِيهَا، فَإِذَا جَاءَ أَخَذَتْ زَيْنَبُ، فَوَضَعَتْهَا في حِجْرِهَا لِتُرْضِعَهَا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَيِيًّا كَرِيمًا، يَسْتَحْيِي، فَيَرْجِعُ، فَفَعَلَ ذَلِكَ مِرَارًا، فَفَطِنَ عَمَّارُ بنُ يَاسِرٍ ﵁ لِمَا تَصْنَعُ، فَأَقْبَلَ ذَاتَ يَوْمٍ وَجَاءَ عَمَّارُ، وَكَانَ أَخَاهَا لِأُمِّهَا (١)، فَدَخَلَ عَلَيْهَا، فَانْتَشَطَهَا (٢) مِنْ حِجْرِهَا، وَقَالَ: دَعِي هَذِهِ المَقْبُوحَةَ (٣) المَشْقُوقَةَ التِي آذَيْتِ بِهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدَخَلَ، فَجَعَلَ يُقَلِّبُ بَصَرَهُ في البَيْتِ، وَيَقُولُ: "أَيْنَ زُنَابُ؟ مَا فَعَلَتْ زُنَابُ"؟ قَالَتْ: جَاءَ عَمَّارٌ، فَذَهَبَ بِهَا، قَالَ: فَبَنَى بِأَهْلِهِ (٤). وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، وَابْنِ سَعْدٍ في طَبَقَاتِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ الحَارِثِ بنِ هِشَامٍ قَالَ: . . . فتَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: "إِنِّي آتِيكُمْ اللَّيْلَة"، قَالَتْ: فَأَخْرَجْتُ حَبَّاتٍ مِنْ شَعِيرٍ كَانَتْ في جَرَّتِيْ (٥)، وَأَخْرَجْتُ شَحْمًا، فَعَصَدْتُ (٦) لَهُ، قَالَ: فَبَاتَ، ثُمَّ أَصْبَحَ، فَقَالَ

стр. 1358

رَسُول اللَّهِ ﷺ حِينَ أَصْبَحَ: "إِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ لَكِ (١)، وَإِنْ أُسَبِّعْ لَكِ أُسَبِّعْ لِنسَائِي" (٢). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا تَزَوَّجَهَا، أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا، وَقَالَ: "إِنَّهُ لَيْسَ بِكِ عَلَى أَهْلِكِ هَوَانٌ (٣)، إِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ لَكِ، وَإِنْ سَبَّعْتُ لَكِ سَبَّعْتُ لِنِسَائِي" (٤). * نُبْذَةٌ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂: وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ ﵂ مَوْصُوفَةً بِالجَمَالِ البَارعِ، وَالعَقْلِ البَالِغِ، وَالرَّأْيِ الصَّائِبِ، وَإِشَارَتُهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ تَدُلُّ عَلَى وُفُورِ عَقْلِهَا

стр. 1359

وَصَوَابِ رَأْيِهَا، وَكَانَتْ مِنْ أَجْمَلِ النِّسَاءِ، وَأَشْرَفِهِنَّ نَسَبًا (١). * غَيْرَةُ أَزْوَاجِ الرَّسُولِ ﷺ مِنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: لَمَّا تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُمَّ سَلَمَةَ حَزِنْتُ حُزْنًا شَدِيدًا لِمَا ذَكَرُوا لَنَا مِنْ جَمَالِهَا، قَالَتْ: فَتَلَطَّفْتُ لَهَا حَتَّى رَأَيْتُهَا، فَرَأَيْتُهَا وَاللَّهِ أَضْعَافَ مَا وُصِفَتْ لِي مِنَ الحُسْنِ وَالجَمَالِ (٢). وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂: أَنَّهَا جَاءَتْ بِطَعَامٍ في صَحْفَةٍ لَهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ، فَجَاءَتْ عَائِشَةُ ﵂ مُلْتَفَّةً بِكِسَاءٍ، وَمَعَهَا فِهْرٌ (٣)، فَفَلَقَتِ الصَّحْفَةَ، فَجَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ فِلْقَي الصَّحْفَةِ، وَقَالَ: "غَارَتْ أُمُّكُمْ"، مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَحْفَةَ عَائِشَةَ ﵂، فَبَعَثَ بِهَا إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، وَأَعْطَى صَحْفَةَ أُمِّ سَلَمَةَ لِعَائِشَةَ ﵄ (٤). * وَفَاةُ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂: وَقَدْ عُمِّرَتْ أُمُّ سَلَمَةَ ﵂ حَتَّى بَلَغَهَا مَقْتَلُ الحُسَيْنِ ﵁، الشَّهِيدِ، فَوَجَمَتْ (٥) لِذَلِكَ، وَغُشِيَ عَلَيْهَا، وحَزِنَتْ عَلَيْهِ كَثِيرًا، وَلَمْ تَلْبَثْ بَعْدَهُ

стр. 1360

إِلَّا يَسِيرًا، حَتَّى مَاتَتْ عَنْ تِسْعِينَ سَنَةً، وَكَانَتْ وَفَاتُهَا ﵂ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ، وَقِيلَ: اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ لِلْهِجْرَةِ في خِلَافَةِ يَزِيدَ بنِ مُعَاوِيَةَ، وَكَانَتْ آخِرَ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ ﵂ وَفَاةً (١). * * *

стр. 1361

السَّنَةُ الخَامِسَةُ لِلْهِجْرَةِ غَزْوَةُ دُومَةِ الجَنْدَلِ (١) كَانَتْ في رَبِيعٍ الأَوَّلِ مِنَ السَّنَةِ الخَامِسَةِ لِلْهِجْرَةِ، وَسَبَبُهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَلَغَهُ أَنَّ بِدُومَةِ الجَنْدَلِ جَمْعًا كَثِيرًا مِنَ القَبَائِلِ، وَأَنَّهُمْ يَظْلِمُونَ مَنْ مَرَّ بِهِمْ، وَيَنْهَبُونَ مَا مَعَهُمْ، وَأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَدْنُوا مِنَ المَدِينَةِ لِمُهَاجَمَتِهَا. فَنَدَبَ (٢) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى المَدِينَةِ سِبَاعَ بنَ عُرْفُطَةَ الغِفَارِيَّ، وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في أَلْفٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَكَانُوا يَسِيرُونَ اللَّيْلَ، وَيَكْمُنُونَ (٣) النَّهَارَ، وَمَعَهُ ﷺ دَلِيلٌ لَهُ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ يُقَالُ لَهُ: (مَذْكُورٌ)، فَلَمَّا دَنَوْا مِنْ دُومَةِ الجَنْدَلِ، هَجَمُوا عَلَى مَاشِيَتِهِمْ وَرُعَاتِهِمْ، فَأَصَابُوا مَا أَصَابُوا مِنْهُمْ، وَهَرَبَ مَنْ هَرَبَ في كُلِّ وَجْهٍ، فَلَمَّا عَلِمَ أَهْلُ دُومَةِ الجَنْدَلِ تَفَرَّقُوا، وَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَاحَتِهِمْ فَلَمْ يَجِدْ بِهَا أَحَدًا، فَأَقَامَ بِهَا أَيَّامًا وَبَثَّ السَّرَايَا وَفَرَقَهَا، فَرَجَعَتْ وَلَمْ تُصِبْ مِنْهُمْ أَحَدًا، وَأُخِذَ مِنْهُمْ رَجُلٌ، فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ

стр. 1362

عَنْهُمْ، فَقَالَ: هَرَبُوا حِينَ سَمِعُوا أَنَّكَ أَخَذْتَ نَعَمَهُمْ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ الإِسْلَامَ فَأَسْلَمَ، ثُمَّ رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى المَدِينَةِ، وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا (١). * مُمَيِّزَاتُ هَذِهِ الغَزْوَةِ: وَقَدِ امْتَازَتْ هَذِهِ الغَزْوَةُ بِأَمْرَيْنِ: ١ - أَنَّهَا أَوَّلُ غَزْوَةٍ بَعِيدَةٍ عَنِ المَدِينَةِ مِنْ جِهَةِ الشَّامِ، إِذْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ دِمَشْقَ مَسِيرَةُ خَمْسِ لَيَالٍ، وَقَدْ كَانَتْ بِمَثَابَةِ إِعْلَانٍ عَنْ دَعْوَةِ الإِسْلَامِ بَيْنَ سُكَّانِ البَوَادِي الشَّمَالِيَّةِ وَأَطْرَافِ الشَّامِ الجَنُوبِيَّةِ، وَأَحَسُّوا بِقُوَّةِ الإِسْلَامِ، كَمَا كَانَ إِرْهَابًا لِقَيْصَرَ وَجُنْدِهِ. ٢ - أَنَّ سَيْرَ الجَيْشِ الإِسْلَامِيِّ هَذِهِ المَسَافَاتِ الطَّوِيلَةِ قَدْ كَانَ فِيهِ تَدْرِيبٌ لَهُ عَلَى السَّيْرِ إِلَى الجِهَاتِ النَّائِيَةِ، وَفِي أَرْضٍ لَمْ يَعْهَدُوهَا مِنْ قَبْلُ، وَلذَلِكَ تُعْتَبَرُ هَذِهِ الغَزْوَةُ فَاتِحَةَ سَيْرِ الجُيُوشِ الإِسْلَامِيَّةِ لِلْفُتُوحَاتِ العَظِيمَةِ في بِلَادِ آسِيَا وَإِفْرِيقِيَا فِيمَا بَعْدُ (٢). * * *

стр. 1363

قُدُومُ وَفْدِ مُزَيْنَةَ وَفِي رَجَبٍ مِنَ السَّنَةِ الخَامِسَةِ لِلْهِجْرَةِ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعُمِائَةِ رَجُلٍ مِنْ مُزَيْنَةَ، فِيهِمُ: النُّعْمَانُ بنُ مُقَرِّنٍ، وَقُرَّةُ بنُ إِيَاسٍ، وَبِلَالُ بنُ الحَارِثِ، فَبَايَعَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الإِسْلَامِ، وَجَعَلَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الهِجْرَةَ في دَارِهِمْ، وَقَالَ: "أَنْتُمْ مُهَاجِرُونَ حَيْثُ كُنْتُمْ، فَارْجِعُوا إِلَى أَمْوَالِكُمْ"، فَرَجَعُوا إِلَى بِلَادِهِمْ (١). أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ لِغَيْرِهِ عَنِ النُّعْمَانِ بنِ مُقَرِّنٍ ﵁ قَالَ: قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في أَرْبَعِ مِئَةٍ مِنْ مُزَيْنَةَ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَمْرِهِ، فَقَالَ بَعْضُ القَوْمِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا لَنَا طَعَامٌ نتزَوَّدُهُ! فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعُمَرَ ﵁: "زَوِّدْهُمْ". فَقَالَ عُمَرُ ﵁: مَا عِنْدِي إِلَّا فَاضِلَةٌ مِنْ تَمْرٍ، وَمَا أُرَاهَا تُغْنِي عَنْهُمْ شَيْئًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "انْطَلِقْ فَزَوِّدْهُمْ"، فَانْطَلَقَ بِنَا إِلَى عِلِّيَّةٍ (٢) لَهُ، فَإِذَا فِيهَا تَمْرٌ مِثْلَ البَكْرِ (٣) الأَوْرَقِ (٤)، فَقَالَ: خُذُوا، فَأَخَذَ القَوْمُ حَاجَتَهُمْ، قَالَ:

стр. 1364

وَكُنْتُ أَنَا في آخِرِ القَوْمِ، قَالَ: فَالْتَفَتُّ، وَمَا أَفْقِدُ مَوْضِعَ تَمْرَةٍ، وَقَدِ احْتَمَلَ مِنْهُ أَرْبَعُ مِئَةِ رَجُلٍ (١). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وَأَبُو دَاوُدَ في سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ قُرَّةَ بنِ إيَاسٍ ﵁ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في رَهْطٍ مِنْ مُزَيْنَةَ، فَبَايَعْنَاهُ (٢). وَأَقْطَعَ (٣) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِلَالَ بنَ الحَارِثِ أَرْضًا فِيهَا جَبَلٌ وَمَعْدِنٌ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وَأَبُو دَاودَ في سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ لِغَيْرِهِ عَنْ كَثِيرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَمْرِو بنِ عَوْفٍ المُزَنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَقْطَعَ بِلَالَ بنَ الحَارِثِ المُزَنِيِّ مَعَادِنَ (٤) القَبَلِيَّةِ (٥): جَلْسِيَّهَا (٦) وَغَوْرِيَّهَا (٧)، وَحَيْثُ يَصْلُحُ لِلزَّرْعِ مِنْ قُدْسٍ (٨)، وَلَمْ يُعْطِهِ حَقَّ مُسْلِمٍ، وَكتَبَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا مَا أَعْطَى مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِلَالَ بنَ الحَارِثِ المُزَنيَّ،

стр. 1365

أَعْطَاهُ مَعَادِنَ القَبَلِيَّةِ: جَلْسِيَّهَا وَغَوْرِيَّهَا، وَحَيْثُ يَصْلُحُ لِلزَّرْع مِنْ قُدْسٍ، وَلَمْ يُعْطِهِ حَقَّ مُسْلِمٍ" (١). * حَدِيثٌ في فَضْلِ مُزَيْنَةَ: جَاءَ في فَضْلِ مُزَيْنَةَ مَا رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ، وَالإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَالذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَغِفَارٌ وَأَسْلَمُ ومُزَيْنَةُ، وَمَنْ كَانَ مِنْ جُهَيْنَةَ، أَوْ قَالَ: جُهَيْنَةُ، وَمَنْ كَانَ مِنْ مُزَيْنةَ، خَيْرٌ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ أَسَدٍ وَطَيءٍ وَغَطفَانَ" (٢). * * *

стр. 1366

زَوَاجُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ﵂، وَنُزُولُ الحِجَابِ (١) هِيَ السَّيِّدَةُ الجَلِيلَةُ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشِ بنِ رِئَابٍ الأَسَدِيَّةُ أُخْتُ الشَّهِيدِ المُجْدَّعِ في اللَّهِ يَوْمَ أُحُدٍ عَبْدِ اللَّهِ بنِ جَحْشٍ ﵁، وَأُمُّهَا السَّيِّدَةُ أُمَيْمَةُ بِنْتُ عَبْدِ المُطَّلِبِ عَمَّةُ النَّبِيِّ ﷺ ، وَكَانَتْ زَيْنَبُ ﵂ قَدِيمَةَ الإِسْلَامِ، وَمِمَّنْ هَاجَرَ إِلَى المَدِينَةِ، وَتَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بعْدَ أَنْ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا زَيْدُ بنُ حَارِثَةَ ﵁ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . * الحِكْمَةُ مِنْ هَذَا الزَّوَاجِ: وَكَانَ المُرَادُ مِنْ هَذَا الزَّوَاجِ: إِبْطَالُ حُرْمَةِ زَوْجَةِ الِابْنِ المُتَبَنَّى، وَالقَضَاءُ عَلَى عَنْجَهِيَّةِ الجَاهِلِيَّةِ بِالِاعْتِزَازِ بِالأَحْسَابِ وَالأَنْسَابِ (٢). وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ زَوَّجَهَا مِنْ حِبِّهِ وَمَوْلَاهُ زَيْدِ بنِ حَارِثَةَ ﵁، الذِي كَانَ يُدْعَى قَبْلَ إِبْطَالِ التَّبَنِّي بِزَيْدِ بنِ مُحَمَّدٍ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: مَا كُنَّا نَدْعُو زَيْدَ بنَ حَارِثَةَ إِلَّا زَيْدَ

стр. 1367

بنَ مُحَمَّدٍ، حَتَّى نزلَ في القُرْآنُ: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (١). فَلَمَّا خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ ﵂ لِزَيْدِ بنِ حَارِثَةَ ﵁ ظَنَّتْ أَنَّهُ يُرِيدُهَا لِنَفْسِهِ ﵁، فَلَمَّا عَلِمَتْ أَنَّهُ يُرِيدُهَا لِزَيْدٍ أَبَتْ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ لِزَيْدِ بنِ حَارِثَةَ ﵁، فَاسْتَنْكَفَتْ (٢) مِنْهُ، وَقَالَتْ: أَنِا خَيْرٌ مِنْهُ حَسَبًا، وَكَانَتِ امْرَأَةً فِيهَا حِدَّةٌ (٣)، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (٤). فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَالَتْ ﵂: قَدْ رَضِيتَهُ لِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْكَحًا (٥)؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قَالَتْ: إِذَنْ لَا أَعْصِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَدْ أَنْكَحْتُهُ نَفْسِي (٦).

стр. 1368

* مَكَثَتْ زَيْنَبُ ﵁ عِنْدَ زَيْدٍ ﵁ سَنَةً: فَمَكَثَتْ زَيْنَبُ عِنْدَ زَيْدٍ ﵄، قَرِيبًا مِنْ سَنَةٍ، ثُمَّ جَاءَ زَيْدٌ يَشْكُوهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ تُؤْذِيهِ بِلِسَانِهَا، وتَتَعَاظَمُ عَلَيْهِ بِشَرَفِهَا. فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: جَاءَ زَيْدُ بنُ حَارِثَةَ يَشْكُو، فَهَمَّ بَطَلَاقِهَا، فَاسْتَأْمَرَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اتَّقِ اللَّهَ وَأَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ" (١). فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُوصِي زَيْدًا بِإِمْسَاكِهَا، ثُمَّ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُحَمِّلَ نَبِيَّهُ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ -فِيمَا يَحْمِلُ مِنْ أَعْبَاءِ الرِّسَالَةِ- مُؤْنَةَ إِزَالَةِ آثَارِ نِظَامِ التَّبَنِّي، فَيَتَزَوَّجَ مِنْ مُطَلَّقَةِ مُتَبَنَّاهُ زَيْدِ بنِ حَارِثَةَ ﵁، ويُوَاجِهَ المُجْتَمَعَ بِهَذَا العَمَلِ، الذِي لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يُوَاجِهَ المُجْتَمَعَ بِهِ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ إِبْطَالِ عَادَةِ التَّبَنِّي في ذَاتِهَا (٢). فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَحْيِي أَنْ يَأْمُرَ زَيْدًا بِطَلَاقِهَا، وَكَانَ يَخْشَى النَّاسَ أَنْ يَعِيبُوا عَلَيْهِ، وَيَقُولُوا: تَزَوَّجَ امْرَأَةَ ابْنِهِ بِالتَّبَنِّي (٣).

стр. 1369

فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ (١) وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ (٢) أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ (٣) مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ (٤) وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ (٥). أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَاتِمًا شَيْئًا لَكتَمَ هَذِهِ الآيَةَ (٦). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ، وَالتِّرْمِذِيُّ في جَامِعِهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَوْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَاتِمًا شَيْئًا مِنَ الوَحْي، لَكَتَمَ

стр. 1370

هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ (١). * زَوَاجُ الرَّسُولِ ﷺ مِنْ زَيْنَبَ ﵂: فَلَمَّا انْقَضَتْ عِدَّةُ زَيْنَبَ ﵂، تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِم في صَحِيحِهِ، وَالإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا انْقَضَتْ عِدَّةُ زَيْنَبَ ﵂، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِزَيْدٍ: "اذْهَبْ فَاذْكُرْهَا عَلَيَّ" (٢)، قَالَ: فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَاهَا، وَهِيَ تُخَمِّرُ عَجِينَهَا (٣)، فَلَمَّا رَأَيْتُهَا عَظُمَتْ في صَدْرِي حَتَّى مَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَنْظُرَ إِلَيْهَا أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَهَا، فَوَلَّيْتُهَا ظَهْرِي (٤)، وَنَكَصْتُ (٥) عَلَى عَقِبِي، فَقُلْتُ: يَا زَيْنَبُ! أَبْشِرِي، أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُكِ، قَالَتْ: مَا أَنَا بِصَانِعَةٍ شَيْئًا حَتَّى أُؤَامِرَ رَبِّي ، فَقَامَتْ إِلَى مَسْجِدِهَا (٦)، وَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا
следующие страницы →