← Сира

Сира · id 38114

اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون

موسى بن راشد العازمي

Полный текст (2 595 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

زَوَاجُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ﵂، وَنُزُولُ الحِجَابِ (١) هِيَ السَّيِّدَةُ الجَلِيلَةُ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشِ بنِ رِئَابٍ الأَسَدِيَّةُ أُخْتُ الشَّهِيدِ المُجْدَّعِ في اللَّهِ يَوْمَ أُحُدٍ عَبْدِ اللَّهِ بنِ جَحْشٍ ﵁، وَأُمُّهَا السَّيِّدَةُ أُمَيْمَةُ بِنْتُ عَبْدِ المُطَّلِبِ عَمَّةُ النَّبِيِّ ﷺ ، وَكَانَتْ زَيْنَبُ ﵂ قَدِيمَةَ الإِسْلَامِ، وَمِمَّنْ هَاجَرَ إِلَى المَدِينَةِ، وَتَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بعْدَ أَنْ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا زَيْدُ بنُ حَارِثَةَ ﵁ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . * الحِكْمَةُ مِنْ هَذَا الزَّوَاجِ: وَكَانَ المُرَادُ مِنْ هَذَا الزَّوَاجِ: إِبْطَالُ حُرْمَةِ زَوْجَةِ الِابْنِ المُتَبَنَّى، وَالقَضَاءُ عَلَى عَنْجَهِيَّةِ الجَاهِلِيَّةِ بِالِاعْتِزَازِ بِالأَحْسَابِ وَالأَنْسَابِ (٢). وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ زَوَّجَهَا مِنْ حِبِّهِ وَمَوْلَاهُ زَيْدِ بنِ حَارِثَةَ ﵁، الذِي كَانَ يُدْعَى قَبْلَ إِبْطَالِ التَّبَنِّي بِزَيْدِ بنِ مُحَمَّدٍ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: مَا كُنَّا نَدْعُو زَيْدَ بنَ حَارِثَةَ إِلَّا زَيْدَ

стр. 1367

بنَ مُحَمَّدٍ، حَتَّى نزلَ في القُرْآنُ: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (١). فَلَمَّا خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ ﵂ لِزَيْدِ بنِ حَارِثَةَ ﵁ ظَنَّتْ أَنَّهُ يُرِيدُهَا لِنَفْسِهِ ﵁، فَلَمَّا عَلِمَتْ أَنَّهُ يُرِيدُهَا لِزَيْدٍ أَبَتْ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ لِزَيْدِ بنِ حَارِثَةَ ﵁، فَاسْتَنْكَفَتْ (٢) مِنْهُ، وَقَالَتْ: أَنِا خَيْرٌ مِنْهُ حَسَبًا، وَكَانَتِ امْرَأَةً فِيهَا حِدَّةٌ (٣)، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (٤). فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَالَتْ ﵂: قَدْ رَضِيتَهُ لِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْكَحًا (٥)؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قَالَتْ: إِذَنْ لَا أَعْصِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَدْ أَنْكَحْتُهُ نَفْسِي (٦).

стр. 1368

* مَكَثَتْ زَيْنَبُ ﵁ عِنْدَ زَيْدٍ ﵁ سَنَةً: فَمَكَثَتْ زَيْنَبُ عِنْدَ زَيْدٍ ﵄، قَرِيبًا مِنْ سَنَةٍ، ثُمَّ جَاءَ زَيْدٌ يَشْكُوهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ تُؤْذِيهِ بِلِسَانِهَا، وتَتَعَاظَمُ عَلَيْهِ بِشَرَفِهَا. فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: جَاءَ زَيْدُ بنُ حَارِثَةَ يَشْكُو، فَهَمَّ بَطَلَاقِهَا، فَاسْتَأْمَرَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اتَّقِ اللَّهَ وَأَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ" (١). فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُوصِي زَيْدًا بِإِمْسَاكِهَا، ثُمَّ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُحَمِّلَ نَبِيَّهُ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ -فِيمَا يَحْمِلُ مِنْ أَعْبَاءِ الرِّسَالَةِ- مُؤْنَةَ إِزَالَةِ آثَارِ نِظَامِ التَّبَنِّي، فَيَتَزَوَّجَ مِنْ مُطَلَّقَةِ مُتَبَنَّاهُ زَيْدِ بنِ حَارِثَةَ ﵁، ويُوَاجِهَ المُجْتَمَعَ بِهَذَا العَمَلِ، الذِي لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يُوَاجِهَ المُجْتَمَعَ بِهِ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ إِبْطَالِ عَادَةِ التَّبَنِّي في ذَاتِهَا (٢). فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَحْيِي أَنْ يَأْمُرَ زَيْدًا بِطَلَاقِهَا، وَكَانَ يَخْشَى النَّاسَ أَنْ يَعِيبُوا عَلَيْهِ، وَيَقُولُوا: تَزَوَّجَ امْرَأَةَ ابْنِهِ بِالتَّبَنِّي (٣).

стр. 1369

فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ (١) وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ (٢) أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ (٣) مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ (٤) وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ (٥). أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَاتِمًا شَيْئًا لَكتَمَ هَذِهِ الآيَةَ (٦). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ، وَالتِّرْمِذِيُّ في جَامِعِهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَوْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَاتِمًا شَيْئًا مِنَ الوَحْي، لَكَتَمَ

стр. 1370

هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ (١). * زَوَاجُ الرَّسُولِ ﷺ مِنْ زَيْنَبَ ﵂: فَلَمَّا انْقَضَتْ عِدَّةُ زَيْنَبَ ﵂، تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِم في صَحِيحِهِ، وَالإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا انْقَضَتْ عِدَّةُ زَيْنَبَ ﵂، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِزَيْدٍ: "اذْهَبْ فَاذْكُرْهَا عَلَيَّ" (٢)، قَالَ: فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَاهَا، وَهِيَ تُخَمِّرُ عَجِينَهَا (٣)، فَلَمَّا رَأَيْتُهَا عَظُمَتْ في صَدْرِي حَتَّى مَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَنْظُرَ إِلَيْهَا أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَهَا، فَوَلَّيْتُهَا ظَهْرِي (٤)، وَنَكَصْتُ (٥) عَلَى عَقِبِي، فَقُلْتُ: يَا زَيْنَبُ! أَبْشِرِي، أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُكِ، قَالَتْ: مَا أَنَا بِصَانِعَةٍ شَيْئًا حَتَّى أُؤَامِرَ رَبِّي ، فَقَامَتْ إِلَى مَسْجِدِهَا (٦)، وَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا

стр. 1371

وَطَرًا (١) زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ (٢). وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدَخَلَ عَلَيْهَا بِغَيْرِ إِذْنٍ (٣). فَكَانَتْ زَيْنَبُ ﵂ تَفْخَرُ عَلَى أَزْوَاجِ الرَّسُولِ ﷺ تَقُولُ: زَوَّجَكُنَّ أَهَالِيكُنَّ، وَزَوَّجَنِي اللَّهُ تَعَالَى مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ (٤). * رِوَايَاتٌ وَاهِيَةٌ: قُلْتُ: وَأَمَّا مَا نَقَلَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ في قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ مِنْ أَقَاوِيلَ مُعْتَمِدِينَ عَلَى مَا أَوْرَدَهُ الْإِمَامُ الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ (٥) مِنْ طَرِيقِ بِشْرٍ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قتَادَةَ. . .، وَمِنْ طَرِيقِ: يُونُسَ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنِ ابْنِ يَزِيدَ. . .، وَابْنِ سَعْيدٍ في طَبَقَاتِهِ (٦)، وَالحَاكِمُ في

стр. 1372

المُسْتَدْرَكِ (١)، كِلَاهُمَا مِنْ طَرِيقِ الوَاقِدِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَامِرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ يَحْيى بنِ حِبَّانَ. . . فَقَالُوا: إِنَّ مَا أَخْفَاهُ النَّبِيُّ ﷺ ، وَأَبْدَاهُ اللَّهُ تَعَالَى هُوَ وُقُوعُ زَيْنَبَ في قَلْبِهِ ﷺ وَمَحَبَّتِهِ لَهَا، وَهِيَ تَحْتَ زَيْدٍ، وَأَنَّهَا سَمِعَتْهُ يَقُولُ: "سُبْحَانَ اللَّهِ مُصَرِّفِ القُلُوبِ"، وَهِيَ أَسَانيدٌ مُنْقَطِعَة، وَالثَّالِثُ مِنْهَا ضَعِيف جِدًّا، فَالوَاقِدِيُّ مَتْرُوكٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ بنُ عَامِرٍ الأَسْلَمِيُّ ضَعِيفٌ، وَقَدْ نَصَّ عَلَى ضَعْفِهَا جَهَابِذَةُ النُّقَّادِ مِنْ أَئِمَّةِ الحَدِيثِ وَالفِقْهِ، كَالحَافِظِ ابْنِ حَجَرَ في فَتْحِ البَارِي (٢)، وَابْنُ العَرَبِيِّ في أَحْكَامِ القُرْآنِ، وَابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ (٣)، وَالآلُوسِيُّ في تَفْسِيرِهِ (٤). * الوَلِيِمَةُ (٥): وَأَوْلَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ بَنَى (٦) بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ﵂،

стр. 1373

بِخُبْزٍ وَلَحْمٍ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ، وَالإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أنَّهُ قَالَ: مَا أَوْلَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهِ أَكْثَرَ أَوْ أَفْضَلَ مِمَّا أَوْلَمَ عَلَى زَيْنَبَ (١). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى في صَحِيحِ البُخَارِيِّ قَالَ أَنَسٌ ﵁: أَوْلَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ بَنَى بِزَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ، فَأَشْبَعَ النَّاسَ خُبْزًا وَلَحْمًا (٢). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: بُنِي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ بِخُبْزٍ وَلَحْمٍ، فَأُرْسِلْتُ عَلَى الطَّعَامِ دَاعِيًا، فَيَجِيءُ قَوْمٌ، فَيَأْكُلُونَ وَيَخْرُجُونَ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ، فَيَأْكُلُونَ وَيَخْرُجُونَ، فَدَعَوْتُ حَتَّى مَا أَجِدُ أَحَدًا أَدْعُو (٣). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدَخَلَ بِأَهْلِهِ، قَالَ: فَصَنَعَتْ أُمِّي أُمُّ سُلَيْمٍ حَيْسًا (٤) فَجَعَلَتْهُ في تَوْرٍ (٥)، فَقَالَتْ: يَا أَنَسُ! اذْهَبْ بِهَذَا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْ: بَعَثَتْ بِهَذَا إِلَيْكَ أُمِّي، وَهِيَ

стр. 1374

تُقْرئُكَ السَّلَامَ، وَتَقُولُ: إِنَّ هَذَا لَكَ مِنَّا قَلِيل يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَذَهَبْتُ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: إِنَّ أُمِّي تُقْرِئُكَ السَّلَامَ، وَتَقُولُ: إِنَّ هَذَا لَكَ مِنَّا قَلِيل يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ ﷺ : "ضَعْهُ"، ثُمَّ قَالَ: "اذْهَبْ فَادْعُ لِي فُلَانًا وَفُلانًا وَفُلَانًا، وَمَنْ لَقِيتَ"، وَسَمَّى رِجَالًا، قَالَ: فَدَعَوْتُ مَنْ سَمَّى وَمَنْ لَقِيتُ، قَالَ أَنَسٌ: فَكَانُوا زُهَاءَ (١) ثَلَاثمائَة، وَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا أَنسُ! هَات التَّوْرَ"، قَالَ: فَدَخَلُوا حَتَّى امْتَلَأَتِ الصُّفَّةُ وَالحُجْرَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لِيَتَحَلَّقْ عَشَرَةٌ عَشَرَةٌ، وَلْيَأْكُلْ كُلُّ إِنْسَانٍ مِمَّا يَلِيهِ"، قَالَ: فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، قَالَ: فَخَرَجَتْ طَائِفَةٌ وَدَخَلَتْ طَائِفَةٌ حَتَّى أَكَلُوا كُلُّهُمْ، فَقَالَ لِي: "يَا أَنَسُ! ارْفَعْ"، قَالَ: فَرَفَعْتُ، فَمَا أَدْرِي حِينَ وَضَعْتُ كَانَ أَكْثَرَ أَمْ حِينَ رَفَعْتُ (٢). * نُزُولُ الحِجَابِ: فَلَمَّا طَعِمَ النَّاسُ جَلَسَ طَوَائِفُ مِنْهُمْ يَتَحَدَّثُونَ في بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ، وَزَوْجَتُهُ مُوَلِّيَةٌ وَجْهَهَا إِلَى الحَائِطِ، فَثَقُلُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْرُجُ، ثُمَّ يَرْجعُ، وَهُمْ قُعُودٌ يَتَحَدَّثُونَ (٣).

стр. 1375

وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ أَنَسٌ ﵁: . . . فَطَعِمُوا ثُمَّ جَلَسُوا يَتَحَدَّثُونَ، وَإِذَا هُوَ ﷺ كَأَنَّهُ يَتَهَيَّأُ لِلْقِيَامِ، فَلَمْ يَقُومُوا، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَامَ، فَلَمَّا قَامَ، قَامَ مَنْ قَامَ وَقَعَدَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ (١). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ أَنَسٌ ﵁: . . . فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَانْطَلَقَ إِلَى حُجْرَةِ عَائِشَةَ ﵂ فَقَالَ: "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، أَهْلَ البَيْتِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ"، فَقَالَتْ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، كَيْفَ وَجَدْتَ أَهْلَكَ، بَارَكَ اللَّهُ لَكَ، فَتَقَرَّى (٢) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حُجَرَ نِسَائِهِ كُلَّهُنَّ، يَقُولُ لَهُنَّ كَمَا قَالَ لِعَائِشَةَ، وَيَقُلْنَ لَهُ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ، ثُمَّ رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى بَيْتِهِ فَرَأَى رَجُلَيْنِ جَرَى بِهِمَا الحَدِيثُ، فَلَمَّا رَآهُمَا رَجَعَ عَنْ بَيْتِهِ، -وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ شَدِيدَ الحَيَاءِ-، فَلَمَّا رَأَى الرَّجُلَانِ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ رَجَعَ عَنْ بَيْتِهِ وَثَبَا مُسْرِعَيْنِ، فَمَا أَدْرِي أَنَا أَخْبَرتُهُ بِخُرُوجِهِمَا أَمْ أُخْبِرَ، فَرَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى دَخَلَ البَيْتَ، فَذَهَبْتُ أَدْخُلُ مَعَهُ (٣)

стр. 1376

فَأَلْقَى السِّتْرَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَأُنْزِلَتْ آيَةُ الحِجَابِ، وَهِيَ قَوْلُه تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ (١) إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (٢). * تَمَنِّي عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁ نُزُولَ الحِجَابِ: وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ ﵁ بِحَسَاسِيَّتِهِ المُرْهَفَةِ كَانَ يَقْتَرِحُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ الحِجَابَ، وَكَانَ يَتَمَنَّاهُ عَلَى رَبِّهِ، حَتَّى نَزَلَ القُرْآنُ الكَرِيمُ مُصَدِّقًا لِاقْتِرَاحِهِ مُجِيبًا لِحَسَاسِيَّتِهِ (٣). فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْهُ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! يَدْخُلُ عَلَيْكَ البَرُّ وَالفَاجِرُ، فَلَوْ أَمَرْتَ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ بِالحِجَابِ؟

стр. 1377

فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى آيَةَ الحِجَابِ (١). وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ إِذَا تَبَرَّزْنَ إِلَى المَنَاصِعِ (٢) -وَهُوَ صَعِيدٌ (٣) أفيحُ (٤) - فَكَانَ عُمرُ ﵁ يقُولُ للنَّبيِّ ﷺ : احْجِبْ (٥) نِسَاءَكَ، فَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُ. فَخَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ ﵂ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي، عِشَاءً (٦)،

стр. 1378

وَكَانَتْ امْرَأَةً طَوِيلَةً، فنَادَاهَا عُمَرُ ﵁: أَلَا قَدْ عَرَفْنَاكِ يَا سَوْدَةُ، حِرْصًا عَلَى أَنْ يَنْزِلَ الحِجَابُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الحِجَابِ (١). وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ في السُّنَنِ الكُبْرَى، وَالبُخَارِيُّ في الأَدَبِ المُفْرَدِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كُنْتُ آكُلُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَيْسًا (٢) في قَعْبٍ (٣)، فَمَرَّ عُمَرُ ﵁، فَدَعَاهُ ﷺ ، فَأَكَلَ، فَأَصَابَتْ إِصْبَعُهُ إِصْبَعِي، فَقَالَ: حَسِّ (٤)، لَوْ أُطَاعَ فِيكُنَّ مَا رَأَتْكُنَّ عَيْنٌ، فنَزَلَ الحِجَابُ (٥). قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وَيُمْكِنُ الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ بِأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ قَبْلَ قِصَّةِ زَيْنَبَ، فَلِقُرْبِهِ مِنْهَا أُطْلِقَتْ نُزُولُ الحِجَابِ بِهَذَا السَّبَبِ، وَلَا مَانِعَ مِنْ تَعَدُّدِ الأَسْبَابِ (٦).

стр. 1379

* فَضَائِلُ زَينْبَ بِنْتِ جَحْشٍ ﵂: قَالَ الإِمَامُ الذَّهَبِيُّ: زَيْنَبُ أُمُّ المُؤْمِنِينَ بِنْتُ جَحْشٍ ابْنَةُ عَمَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . . .، وَكَانَتْ مِنْ سَادَةِ النِّسَاءِ، دِينًا وَوَرَعًا وَجُودًا وَمَعْرُوفًا ﵂ (١). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَسْرَعُكُنَّ لَحَاقًا بِي، أَطْوَلُكُنَّ يَدًا". قَالَتْ: فكُنَّ يَتَطَاوَلْنَ أَيَّتُهُنَّ أَطْوَلُ يَدًا. قَالَتْ: فَكَانَ أَطْوَلَنَا يَدًا زَيْنَبُ (٢)؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ تَعْمَلُ بِيَدِهَا وَتَصَدَّقُ (٣). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عِنْدَ الحَاكِمِ، وَالطَّحَاوِيِّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثارِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: . . . فَكُنَّا إِذَا اجْتَمَعْنَا فِي بَيْتِ إِحْدَانَا بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، نَمُدُّ أَيْدِيَنَا فِي الجِدَارِ نَتَطَاوَلُ، فَلَمْ نَزَلْ نَفْعَلُ ذَلِكَ حَتَّى تُوُفِّيَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ، وَكَانَتْ امْرَأَةً قَصِيرَةً، يَرْحَمُهَا اللَّهُ، وَلَمْ تَكُنْ أَطْوَلَنَا

стр. 1380

يَدًا، فَعَرَفْنَا حِينَئِذٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِنَّمَا أَرَادَ بِطُولِ اليَدِ الصَّدَقَةَ، قَالَتْ: وَكَانَتْ زَيْنَبُ امْرَأَةً صَنَّاعَةَ اليَدِ، تَدْبَغُ وَتَخْرِزُ (١)، وَتَصَدَّقُ بِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ (٢). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ، وَالإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: . . . أَرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَهِيَ التِي كَانَتْ تُسَامِينِي (٣) مِنْهُنَّ في المَنْزِلَةِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَمْ أَرَ امْرَأَةً قَطُّ خَيْرًا في الدِّينِ مِنْ زَيْنَبَ، وَأَتْقَى للَّهِ، وَأَصْدَقَ حَدِيثًا، وَأَوْصَلَ لِلرَّحِمِ، وَأَعْظَمَ صَدَقَةً، وَأَشَدَّ ابْتِذَالًا (٤) لِنَفْسِهَا في العَمَلِ الذِي تَصَدَّقُ بِهِ، وَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، مَا عَدَا سَوْرَةٍ (٥) مِنْ حَدٍّ (٦) كَانَتْ فِيهَا، تُسْرِعُ مِنْهَا الفَيْئَةُ (٧).

стр. 1381

* وَفَاةُ زَيْنَبَ ﵂: وَتُوُفِّيَتْ زَيْنَبُ ﵂ سَنَةَ عِشْرِينَ لِلْهِجْرَةِ، في خِلَافَةِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁ وَهِيَ ابْنَةُ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَكَانَتْ أَوَّلَ نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ مَوْتًا بَعْدَهُ، وَصَلَّى عَلَيْهَا عُمَرُ ﵁، وَدُفِنَتْ بِالبَقِيعِ. أَخْرَجَ الإِمَامُ مَالِكٌ في المُوَطَّأِ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ عَنْ رَبِيعَةَ بنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ الهُدَيْرِ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ ﵁ يَقْدُمُ النَّاسَ أَمَامَ الجَنَازَةِ في جَنَازَةِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ﵂ (١). وَأَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثارِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ أَبْزَى (٢) قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁ عَلَى زَيْنَبَ ﵂ بِالمَدِينَةِ، فَكَبَّرَ عَلَيْهَا أَرْبعًا، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ مَنْ تَأْمُرْنَ أَنْ يُدْخِلَهَا القَبْرَ؟

стр. 1382

قَالَ: وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الذِي يَلِي ذَلِكَ، قَالَ: فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ: انْظُرْ مَنْ كَانَ يَرَاهَا في حَيَاتِهَا، فَلْيَكُنْ هُوَ الذِي يُدْخِلُهَا القَبْرَ، فَقَالَ عُمَرُ ﵁: صَدَقْتُنَّ (١). وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ في طَبَقَاتِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: لَمَّا مَاتَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ أَمَرَ عُمَرُ مُنَادِيًا: أَلَّا لَا يَخْرُجْ عَلَى زَيْنَبَ إِلَّا ذُو رَحِمٍ مِنْ أَهْلِهَا، فَقَالَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ! أَلَا أُرِيَكَ شَيْئًا رَأَيْتُ الحَبَشَةَ تَصْنَعُهُ بِنِسَائِهِمْ؟ فَجَعَلَتْ نَعْشًا (٢) وَغَشِيَتْهُ ثَوْبًا. فَقَالَ عُمَرُ: مَا أَحْسَنَ هَذَا! وَأَسْتَرَهُ، فَأَمَرَ مُنَادِيًا، فنَادَى: أَنِ اخْرُجُوا عَلَى أُمِّكُمْ (٣). * * *

стр. 1383

غَزْوَةُ بَنِي المُصْطَلِقِ (١) أَوِ المُرَيْسِيعِ (٢) وَكَانَتْ في شَعْبَانَ مِنَ السَّنَةِ الخَامِسَةِ لِلْهِجْرَةِ (٣).

стр. 1384

* سَبَبُهَا: بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنَّ الحَارِثَ بنَ أَبِي ضِرَارٍ سَيِّدَ بَنِي المُصْطَلِقِ، وَرَئِيسَهُمْ جَمَعَ قَوْمَهُ لِحَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَنْ قَدِرَ عَلَيْهِ مِنَ العَرَبِ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بُرَيْدةَ بنَ الحُصَيْبِ ﵁؛ لِيَعْلَمَ عِلْمَ ذَلِكَ، فَأَتَاهُمْ وَلَقِيَ الحَارِثَ بنَ ضِرَارٍ، وَكَلَّمَهُ، فَوَجَدَهُمْ قَدْ جَمَعُوا الجُمُوعَ، قَالُوا: مَنِ الرَّجُلُ؟ قَالَ: مِنْكُمْ، قَدِمْتُ لَمَّا بَلَغَنِي مِنْ جَمْعِكُمْ لِهَذَا الرَّجُلِ فَأَسِيرُ فِي قَوْمِي وَمَنْ أَطَاعَنِي فنَكُونُ يَدًا وَاحِدًا حَتَّى نَسْتَأْصِلَهُ. فَقَالَ الحَارِثُ: فَنَحْنُ عَلَى ذَلِكَ فَعَجِّلْ عَلَيْنَا، فَقَالَ بُرَيْدَةُ ﵁: أَرْكَبُ الآنَ وَآتيكُمْ بِجَمْعٍ كَثِيرٍ مِنْ قَوْمِي، فَسُرُّوا بِذَلِكَ مِنْهُ، وَرَجَعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ خَبَرَهُمْ (١). * خُرُوجُ الرَّسُولِ ﷺ -: فَنَدَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ إِلَيْهِمْ، فَأَسْرَعُوا الخُرُوجَ، وَكَانُوا سَبْعَمِائَةِ

стр. 1385

مُقَاتِلٍ، وَثَلَاثِينَ فَرَسًا، وَكَانَ خُرُوجُهُمْ فِي شَعْبَانَ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْهُ سَنَةَ خَمْسٍ لِلْهِجْرَةِ، وَخَرَجَ مَعَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُنَافِقِينَ عَلَى رَأْسِهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بنُ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ. وَاسْتَخْلَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى المَدِينَةِ زَيْدَ بنَ حَارِثَةَ (١)، وَقِيلَ: أَبَا ذَرٍّ الغِفَارِيَّ (٢) ﵄. وَكَانَ الحَارِثُ بنُ ضِرَارٍ سَيِّدُ بَنِي المُصْطَلِقِ قَدْ وَجَّهَ عَيْنًا لَهُ لِيَأْتِيَهُ بِخَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَصَابَهُ النَّبِيُّ ﷺ في طَرِيقِهِ، فَسَأَلَهُ عَنْهُمْ فَلَمْ يَذْكُرْ مِنْ شَأْنِهِمْ شَيْئًا، فَعَرَضَ عَلَيْهِ الإِسْلَامَ فَأَبَى، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ ﵁ فَضَرَبَ عُنُقَهُ. فَلَمَّا بَلَغَ الحَارِثَ مَسِيرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَنَّهُ قَتَلَ عَيْنَهُ سِيءَ بِذَلِكَ، وَمَنْ مَعَهُ، وَخَافُوا خَوْفًا شَدِيدًا، وَتَفَرَّقَ عَنْهُمْ مَنْ كَانَ مَعَهُمْ مِنَ العَرَبِ مِنْ غَيْرِ قَوْمِهِ. * وُصُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى المُرَيْسِيعِ: وَانْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى المُرَيْسِيعِ، فَأَغَارَ عَلَيْهِمْ وَهُمْ غَارُّونَ (٣)،

стр. 1386

وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى عَلَى المَاءِ، فَقتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ، وَسَبَى ذَرَارِيهِمْ، وَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ جُوَيْرِيَّةَ ﵂ (١). * رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ: رَوَى الْبَيْهَقِيُّ في دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، عَنِ الْوَاقِدِيِّ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ ﵁ فنَادَى في النَّاسِ: قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تَمْنَعُوا بِهَا أَنْفُسَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، فَأَبَوْا، فترَامَوْا بِالنَّبْلِ سَاعَةً، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصْحَابَهُ، فَحَمَلُوا حَمْلَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَانْهَزَمَ المُشْرِكُونَ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ عَشَرَةٌ، مِنْهُمْ حَامِلُ لِوَائِهِمْ (٢). قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: هَكَذَا قَالَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بْنُ خَلَفٍ الدِّمْيَاطِيِّ فِي سِيرَتِهِ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ وَهْمٌ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ، وَإِنَّمَا أَغَارَ عَلَيْهِمْ عَلَى الْمَاءَ، فَسَبَى ذَرَارِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ، كَمَا فِي الصَّحِيحِ (٣). * وَهْمُ ابنِ سَعْدٍ فِي طَبَقَاتِهِ: قُلْتُ: ذَكَرَ ابنُ سَعْدٍ فِي طَبَقَاتِهِ (٤) رِوَايَةَ أَهْلِ المَغَازِي، وَرِوَايَةَ ابْنِ عُمَرَ

стр. 1387

التِي أَخْرَجَهَا الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا، ثُمَّ قَالَ: وَالأَوَّلُ -أَيْ رِوَايَةُ أَهْلِ المَغَازِي- أَثْبَتُ. وَتَعَقَّبَهُ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (١) بِقَوْلهِ: وَالحُكْمُ بِكَوْنِ الذِي فِي السِّيَرِ أَثْبَتُ مِمَّا فِي الصَّحِيحِ مَرْدُودٌ، وَلَاسِيَّمَا مَعَ إِمْكَانِ الجَمْعِ، وَاللَّه أَعْلَمُ. * جَمْعُ الغَنَائِمِ وَتَوْثِيقُ الأَسْرَى: ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بالأُسَارَى فَكُتِفُوا، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ بُرَيْدَةَ بنَ الحُصَيْبِ ﵁، وَأَمَرَ بِالغَنَائِمِ فَجُمِعَتْ مِنْ مَتَاعٍ وَسِلَاحٍ وَنَعَمٍ (٢) وَشَاءٍ (٣)، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا شُقْرَانَ مَوْلَاهُ، وَجَمَعَ الذُّرِّيَةَ في نَاحِيَةٍ، فكَانَتِ الإِبِلُ أَلْفَيْ بَعِيرٍ، وَالشَّاءُ خَمْسَةَ آلَافِ شَاةٍ، وَكَانَ السَّبْيُ مِائتَيْ أَهْلِ بَيْتٍ. ثُمَّ قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ كُلَّهُ في المَوْضِعِ الذِي غَنِمَهَا فِيهِ، فَأَخْرَجَ الخُمُسَ، ثُمَّ قَسَمَ البَاقِي بَيْنَ النَّاسِ، فَأَعْطَى الفَرَسَ سَهْمَيْنِ، وَلِصَاحِبِهِ سَهْمًا، وَلِلرَّاجِلِ سَهْمًّا، وفَرَّقَ السَّبْيَ فَصَارَ فِي أَيْدِي الرِّجَالِ، وَقَسَمَ النَّعَمَ وَالشَّاءَ (٤).

стр. 1388

* زَوَاجُ الرَّسُولِ ﷺ مِنْ جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الحَارِثِ ﵂: وَكَانَ فِيمَنْ أُصِيبَ يَوْمَئِذٍ مِنَ السَّبَايَا جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الحَارِثِ بنِ أَبِي ضِرَارٍ رَئِيسِ بَنِي المُصْطَلِقِ، فَلَمَّا قَسَمَ السَّبْيَ وَقَعَتْ جُوَيْرِيَةُ فِي سَهْمِ ثَابِتِ بنِ قَيْسٍ ﵁، أَوْ لِابْنِ عَمٍّ لَهُ، فَكَاتَبَتْ (١) عَلَى نَفْسِهَا، عَلَى تِسْعِ أَوَاقِي (٢) ذَهَبٍ، وَكَانَتِ امْرَأَةً حُلْوَةً مُلَّاحَةً (٣)، لَا يَكَادُ يَرَاهَا أَحَدٌ إِلَّا أَخَذَتْ بِنَفْسِهِ، فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَسْتَعِينُهُ فِي كِتَابَتِهَا، قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُهَا عَلَى بَابِ الحُجْرَةِ فَكَرِهْتُهَا، وَعَرَفْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَيَرَى مِنْهَا مِثْلَ الذِي رَأَيْتُ، فَقَالَتْ جُوَيْرِيَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَنَا جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الحَارِثِ بنِ أَبِي ضِرَارٍ سَيِّدِ قَوْمِهِ، وَقَدْ أَصَابَنِي مِنَ البَلَاءِ مَا لَمْ يَخْفَ عَنْكَ، فَوَقَعْتُ فِي السَّهْمِ لِثَابِتِ بنِ قَيْسِ بنِ شَمَّاسٍ -أَوْ لِابْنِ عَمٍّ لَهُ- فكَاتَبْتُهُ عَلَى نَفْسِي، فَجِئْتُكَ أَسْتَعِينُكَ عَلى كِتَابَتِي. فَقَال لَهَا ﷺ : "فَهَلْ لَكِ فِي خَيْرٍ مِنْ ذَلِكَ؟ ". قَالَتْ: وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟

стр. 1389

قَالَ ﷺ : "أَقْضِي كِتَابَتَكِ وَأَتَزَوَّجُكِ". قَالَتْ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ ﷺ : "قَدْ فَعَلْتُ". قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: وَخَرَجَ الخَبَرُ إِلَى النَّاسِ أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ تَزَوَّجَ جُوَيْرِيَةَ بِنْتَ الحَارِثِ، فَقَالَ النَّاسُ: أَصْهَارُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَرْسَلُوا مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنَ السَّبْي، فَأَعْتَقُوهُمْ. قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَلَقَدْ أُعْتِقَ بِتَزْوِيجِهِ ﷺ إِيَّاهَا مِئَةُ أَهْلِ بَيْتٍ مِنْ بَنِي المُصطَلِقِ، فَمَا أَعْلَمُ امْرَأَةً كَانَتْ أَعْظَمَ بَرَكَةً عَلَى قَوْمِهَا مِنْهَا (١). * نُبْذَةٌ عَنْ جُوَيْرِيَةَ ﵂: وَكَانَتْ جُوَيْرِيَةُ ﵂ حِينَ تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِنْتَ عِشْرِينَ سَنَةً. وَكَانَتْ ﵂ مِنَ الذَّاكِرَاتِ اللَّهَ كَثِيرًا، وَالْقَانِتَاتِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْهَا ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا

стр. 1390

بُكْرَةً حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ، وَهِيَ فِي مَسْجِدِهَا (١)، ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ أَضْحَى، وَهِيَ جَالِسَةٌ، فَقَالَ ﷺ : "مَا زِلْتِ عَلَى الْحَالِ التِي فَارَقْتُكِ عَلَيْهَا؟ " قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ ﷺ : "لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ الْيَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، عَدَدَ خَلْقِهِ، وَرِضَا نَفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ، وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ" (٢). وَتُوُفِّيَتْ سَنَةَ خَمْسِينَ مِنَ الهِجْرَةِ، وَقِيلَ: سَنَةَ سِتٍّ وخَمْسِينَ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ بنِ أَبِي سُفْيَانَ ﵁، وَصَلَّى عَلَيْهَا مَرْوَانُ بنُ الحَكَمِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ وَالِي المَدِينَةِ، وَكَانَ عُمُرُهَا حِينَ تُوُفِّيَتْ ﵂ خَمْسًا وَسِتِّينَ سَنَةً (٣). وَبِسَبَبِ زَوَاجِ الرَّسُولِ ﷺ منْ جُوَيْرِيَةِ ﵂، هَدَى اللَّهُ أَكْثَرَ بَنِي المُصْطَلِقِ إِلَى الإِسْلَامِ، فَقَدْ أَسْلَمَ أَبُوهَا الحَارِثُ، فَخَرَجَ دَاعِيًا لِقَوْمِهِ إِلَى الإِسْلَامِ، فَأَسْلَمُوا (٤).

стр. 1391

* سُؤَالُ الصَّحَابَةِ عَنِ العَزْلِ (١): وَفِي هَذِهِ الغَزْوةِ سَأَلَ الصَّحَابَةُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ العَزْلِ، فكَأَنَّهُ كَرِهَهُ ﷺ ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ فَأَصَبْنَا سَبْيًا مِنْ سَبْي العَرَبِ فَاشْتَهَيْنَا النِّسَاءَ، وَاشْتَدَّتْ عَلَيْنَا العُزْبَةُ، وَأَحْبَبْنَا العَزْلَ (٢)، فَأَرَدْنَا أَنْ نَعْزِلَ، وَقُلْنَا نَعْزِلُ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِنَا قَبْلَ أَنْ نَسْأَلهُ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: "مَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا (٣)، مَا مِنْ نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ إِلَّا وَهِيَ كَائِنةٌ" (٤). * سَبَبُ كَرَاهِيَةِ الْعَزْلِ: قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَسَبَبُ كَرَاهِيَةِ العَزْلِ شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا: كَرَاهَةُ مَجِيءِ الوَلَدِ مِنَ الْأَمَةِ، وَهُوَ إِمَّا أَنَفَةً مِنْ ذَلِكَ، وَإِمَّا لِئَلَّا

стр. 1392

يَتَعَذَّرَ بَيْعُ الْأَمَةِ إِذَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ، وَإمَّا لإِدْخَال ضَرَرٍ عَلَى المَرْأَة لمَا فِيهِ مِنْ تَفْوِيتِ لَذَّتِهَا. وَالثَّانِي: كَرَاهِيَةُ أَنْ تَحْمِلَ المَوْطُوءَةُ، وَهِيَ تُرْضِعُ فَيُضِرُّ ذَلِكَ بِالوَلَدِ المُرْضَعِ (١). * شُهَدَاءُ المُسْلِمِينَ فِي غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ: وَلَمْ يُقْتَلْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي هَذِهِ الغَزْوَةِ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ، هُوَ هِشَامُ بنُ صُبَابَةَ مِنْ بَنِي كَلْبِ بنِ عَوْفٍ، أَصَابَهُ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ مِنْ رَهْطِ عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ ﵁، وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ مِنَ الْعَدُوِّ، فَقتَلَهُ خَطَأً. ثُمَّ قَدِمَ أَخُوهُ مِقْيسُ بنُ صُبَابَةَ مِنْ مَكَّةَ مُسْلِمًا، فِيمَا يَظْهَرُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! جِئْتُ مُسْلِمًا، وَجِئْتُكَ أَطْلُبُ دِيَةَ أَخِي، قُتِلَ خَطَأً، فأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِدِيَةِ أَخِيهِ، فَأَخَذَ الدِّيَةَ، فَأَقَامَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَيْرَ كَثِيرٍ، ثُمَّ عَدَا عَلَى قَاتِلِ أَخِيهِ فَقتَلَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ، مُرْتَدًّا، فَأَهْدَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَمَهُ، حَتَّى وَإِنْ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ، فَقُتِلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، كَمَا سَنَذْكُرُهُ فِي فَتْحِ مَكَّةَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ (٢). * دَوْرُ المُنَافِقِينَ القَذِرُ فِي غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ: ذَكَرْنَا أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي هَذِهِ الغَزْوَةِ عَدَدٌ كَبِيرٌ مِنَ المُنَافِقِينَ

стр. 1393

لَمْ يَخْرُجُوا فِي غَزْوَةٍ قَطُّ مِثْلِهَا، فِيهِمْ: عَبْدُ اللَّهِ بنُ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ رَأْسُ المُنَافِقِينَ، وَلَمْ يَكُنْ خُرُوجُهُمْ رَغْبَةً فِي الجِهَادِ، وَإِنَّمَا خَرَجُوا لِإِثَارَةِ الفِتْنَةِ وَالِارْتِبَاكِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ. وَقَدْ حَدَثَ حَادِثَانِ عَظِيمَانِ فِي هَذِهِ الغَزْوَةِ بِسَبَبِ المُنَافِقِينَ: * الحَادِثُ الأَوَّلُ: إِثَارَةُ الفِتْنَةِ بَيْنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ: فَبَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى ذَلِكَ المَاءَ، إِذِ ازْدَحَمَ رَجُلَانِ عَلَى المَاءَ، الأَوَّلُ مِنَ المُهَاجِرِينَ (١)، وَالثَّاني مِنَ الأَنْصَارِ (٢)، فَكَسَعَ (٣) المُهَاجِرِيُّ الأَنْصَارِيَّ، فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: يَالَلْأَنْصَارِ، وَقَالَ المُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ، فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: "مَا بَالُ دَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ؟ ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ (٤)، لِيَنْصُرِ الرَّجُلُ أَخَاهُ ظَالِمًا أَوْ

стр. 1394

مَظْلُومًّا، فَإِنْ كَانَ ظَالِمًا فَلْيَنْهَهُ، فَإِنَّهُ لَهُ نُصْرَةٌ، وَإِنْ كَانَ مَظْلُومًا فَلْيَنْصُرْهُ" (١). * رَدَّةُ فِعْلِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ المُنَافِقُ: فَبَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ اللَّهِ بنَ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ رَأْسَ المُنَافِقِينَ فَغَضِبَ، وَعِنْدَهُ رَهْطٌ مِنْ قَوْمِهِ، فِيهِمْ زَيْدُ بنُ أَرْقَمٍ ﵁، فَقَالَ: أَوَقَدْ فَعَلُوهَا؟ قَدْ نَافَرُونَا (٢) وَكَاثَرُونَا فِي بِلَادِنَا، وَاللَّهِ مَا أَعَدَّنَا وَجَلَابِيبُ قُرَيْشٍ إِلَّا كَمَا قَالَ الأَوَّلُ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ، أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ لِيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ (٣). ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى مَنْ حَضَرَهُ مِنْ قَوْمِهِ، فَقَالَ لَهُمْ: هَذَا مَا فَعَلْتُمْ بِأَنْفُسِكُمْ أَحْلَلْتُمُوهُمْ بِلَادَكُمْ، وَقَاسَمْتُمُوهُمْ أَمْوَالَكُمْ، أَمَا وَاللَّهِ لَوْ أَمْسَكْتُمْ عَنْهُمْ مَا

стр. 1395

بِأَيْدِيكُمْ لَتَحَوَّلُوا إِلَى غَيْرِ دَارِكُمْ، فَلَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِهِ (١). * إِخْبَارُ زَيْدِ بنِ أَرْقَمٍ (٢) ﵁ بِمَا قَالَ ابنُ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ: فَسَمعَ ذَلِكَ زَيْدُ بنُ أَرْقَمٍ ﵁، قَالَ زَيْدٌ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَمِّي (٣)، فَذَكَرَهُ عَمِّي لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁: يَا رَسُولَ اللَّهِ! دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا المُنَافِقِ، فَقَالَ ﷺ : "دَعْهُ، لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ

стр. 1396

أَصْحَابَهُ" (١)، ثُمَّ أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى عَبْدِ اللَّهِ بنِ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ وَأَصْحَابِهِ يَسْأَلُهُمْ، فَحَلَفُوا مَا قَالُوا، وَكَذَّبَنِي النَّبِيُّ ﷺ (٢). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ زَيْدٌ: فَاجْتَهَدَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ يَمِينَهُ مَا فَعَلَ، وَقَالَ أَصْحَاُبهُ: كَذَبَ زَيْدٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ (٣). فنَظَرَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إلى سَعْدِ بنِ عُبَادَةَ ﵁، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُول اللَّهِ! إِنَّمَا أَخْبَرَنِيهِ الغُلَامُ، لِزَيْدِ بنِ أَرْقَمٍ (٤).

стр. 1397

قَالَ زَيْدٌ ﵁: فَجَاءَ سَعْدٌ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَانْطَلَقَ بِي، فَقَالَ: هَذَا حَدَّثَنِي، فَانْتَهَرَنِي (١) عَبْدُ اللَّهِ بنُ أُبَيِّ بنِ سَلولٍ، فَأَجْهَشْتُ (٢) إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبَكَيْتُ، فَقُلْتُ: وَالذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ النُّبُوَّةَ، لَقَدْ قَالَ. قَالَ زَيْدٌ ﵁: فَلَامَنِي قَوْمِي، وَقَالُوا: مَا أَرَدْتَ إِلَى هَذَا؟ قَالَ: فَأَصَابَنِي هَمٌّ لَمْ يُصِبْنِي مِثْلُهُ قَطٌّ، وَجَلَسْتُ في بَيْتِي (٣)، وَقَالَ عَمِّي: مَا أَرَدْتَ إلى أَنْ كَذَّبَكَ النَّبِيُّ ﷺ وَمَقَتَكَ (٤). * تَصَرُّفُ الرَّسُولِ ﷺ -: ثُمَّ تَصَرَّفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في هَذَا الحَادِثِ تَصَرُّفَ القَائِدِ المُلْهَمِ الحَكِيمِ. . وَأَمَرَ بِالسَّيْرِ في غَيْرِ أَوَانٍ، وَمُتَابَعَةَ السَّيْرِ حَتَّى الإِعْيَاءِ، لِيَصْرِفَ

стр. 1398

النَّاسَ عَنِ العَصَبِيَّةِ المُنْتِنَةِ التِي أَثَارَهَا صِيَاحُ الرَّجُلَيْنِ المُتَقَاتِلَيْنِ: يِالَلْأَنْصَارِ! يَا لَلْمُهَاجِرِينَ! وَليَصْرِفَهُمْ كَذَلِكَ عَنِ الفِتْنَةِ التِي أَطْلَقَهَا المُنَافِقُ عَبْدُ اللَّهِ بنُ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ، وَأَرَادَهَا أَنْ تَحْرِقَ مَا بَيْنَ الأَنْصَارِ والمُهَاجِرِينَ مِنْ مَوَدَّةٍ وَإِخَاءٍ فَرِيدٍ فِي تَارِيخِ العَقَائِدِ، وَفِي تَارِيخِ الإِنْسَانِيَّةِ (١). فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالرَّحِيلِ فَوْرًا، وَذَلِكَ فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَرْتَحِلُ فِيهَا، فَلَقِيَهُ أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ ﵁، فَحَيَّاهُ بِتَحِيَّةِ الإِسْلَامِ، وَسَلَّمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! وَاللَّهِ لَقَدْ رُحْتَ فِي سَاعَةٍ مُنْكَرَةٍ مَا كُنْتَ تَرُوحُ فِي مِثْلِهَا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَوَمَا بَلَغَكَ مَا قَالَ صَاحِبُكُمْ؟ ". قَالَ: وَأَيُّ صَاحِبٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "عَبْدُ اللَّهِ بنُ أُبَيٍّ". قَالَ: وَمَا قَالَ؟ قَالَ ﷺ : "زَعَمَ أَنَّهُ إِنْ رَجَعَ إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ". قَالَ أُسَيْدٌ ﵁: فَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ تُخْرِجُهُ مِنْهَا إِنْ شِئْتَ، هُوَ وَاللَّهِ الذَّلِيلُ، وَأَنْتَ العَزِيزُ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ارْفُقْ بِهِ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ جَاءَنَا اللَّهُ بِكَ، وَإِنَّ قَوْمَهُ لَيَنْظُمُونَ لَهُ الخَرَزَ لِيُتَوِّجُوهُ، فَإِنَّهُ يَرَى أَنَّكَ قَدِ اسْتَلَبْتَهُ مُلْكًا (٢).

стр. 1399

ثُمَّ مَشَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاسِ يَوْمَهُمْ ذَلِكَ حَتَّى أَمْسَى، وَلَيْلَتَهُمْ حَتَّى أَصْبَحَ، وَصَدْرَ (١) يَوْمَهُمْ ذَلِكَ حَتَّى آذَتْهُمُ الشَّمْسُ، ثُمَّ نَزَلَ بِالنَّاسِ، فَلَمْ يَلْبَثُوا أَنْ وَجَدُوا مَسَّ الأَرْضِ، فَوَقَعُوا نِيَامًا. وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؛ لِيَشْغَلَ النَّاسَ عَنِ الحَدِيثِ الذِي كَانَ بِالأَمْسِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أُبَيٍّ (٢). وَبِهَذَا التَّصَرُّفِ البَالِغِ الغَايَةَ فِي السِّيَاسَةِ الرَّشيدَةِ قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الفِتْنَةِ قَضَاءً مُبْرَمًا، وَلَمْ يَدَعْ مَجَالًا لِلْحَدِيثِ فِيمَا قَالَ ابْنُ أُبَيٍّ (٣). * نُزُولُ سُورَةِ المُنَافِقُونَ: قَالَ زَيْدُ بنُ أَرْقَمٍ ﵁: فَبَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدْ خَفَقْتُ (٤) بِرَأْسِي مِنَ الهَمِّ، إِذْ أَتَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَعَرَكَ (٥) أُذُنِي وَضَحِكَ فِي وَجْهِي، فَمَا كَانَ يَسُرُّنِي أَنَّ لِيَ بِهَا الخُلْدَ فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ لَحِقَنِي، فَقَالَ: مَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قُلْتُ: مَا قَالَ لِيَ شَيْئًا، إِلَّا أَنَّهُ عَرَكَ أُذُنِي، وَضَحِكَ فِي وَجْهِي. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: أَبْشِرْ، ثُمَّ لَحِقَنِي عُمَرُ ﵁، فَقُلْتُ لَهُ مِثْلَ قَوْلي لِأَبِي

стр. 1400

بَكْرٍ ﵁، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا، قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُورَةَ المُنَافِقِينَ (١). يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ. . .﴾، ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (٧) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢). قَالَ زَيْدٌ ﵁: فَأَرْسَلَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَرَأَهَا عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ اللَّه قَدْ صَدَّقَكَ" (٣). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي الصَّحِيحِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هَذَا الذِي أَوْفَى اللَّهُ لَهُ بِأُذُنِهِ" (٤). قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: أَيْ أَظْهَرَ صِدْقَهُ فِيمَا أَعْلَمَ بِهِ، وَالمَعْنَى أَوْفَى صِدْقَهُ (٥).

стр. 1401

* فَوَائِدُ الحَدِيثِ: وَفِي الحَدِيثِ مِنَ الفَوَائِدِ: ١ - تَرْكُ مُؤَاخَذَةِ كُبَرَاءِ القَوْمِ بِالهَفَوَاتِ لِئَلَّا يَنْفِرَ أَتْبَاعُهُمْ. ٢ - وَفِيهِ الِاقْتِصَارُ عَلَى مُعَاتَبَاتِهِمْ، وَقَبُولِ أَعْذَارِهِمْ، وَتَصْدِيقِ أَيْمَانِهِمْ، وَإِنْ كَانَتِ القَرَائِنُ تُرْشِدُ إلى خِلَافِ ذَلِكَ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّأْنِيسِ وَالتَّأْلِيفِ. ٣ - وَفِيهِ جَوَازُ تَبْلِيغِ مَا لَا يَجُوزُ لِلْمَقُولِ فِيهِ، وَلَا يُعَدُّ نَمِيمَةً مَذْمُومَةً إِلَّا إِنْ قَصَدَ بِذَلِكَ الإِفْسَادَ المُطْلَقَ، وَأَمَّا إِذَا كَانَتْ فِيهِ مَصْلَحَةٌ تُرَجَّحُ عَلَى المَفْسَدَةِ فَلَا (١). * مَوْتُ عَظِيمٍ مِنْ عُظَمَاءِ المُنَافِقِينَ: أَكْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَرِيقَهُ إلى المَدِينَةِ، وَسَلَكَ طَرِيقَ الحِجَازِ حَتَّى نَزَلَ عَلَى مَاءٍ بِالحِجَازِ يُقَالُ لَهُ: بُقْعَاءُ، فَلَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَبَّتْ عَلَى النَّاسِ رِيحٌ شَدِيدَةٌ آذَتْهُمْ حَتَّى وَقَعَتِ الرِّحَالُ، وَتَخَوَّفُوهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَخَافُوهَا، هَذِهِ الرِّيحُ لِمَوْتِ مُنَافِقٍ". قَالَ جَابِرُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ ﵄: فَلَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ، فَإِذَا رِفَاعَةُ بنُ زَيْدِ بنِ التَّابُوتِ، أَحَدُ بَنِي قَيْنُقَاعَ، وَكَانَ عَظِيمًا مِنْ عُظَمَاءِ يَهُودَ، وَكَهْفًا لِلْمُنَافِقِينَ، مَاتَ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ (٢).

стр. 1402

* عَبْدُ اللَّهِ يَسْتَأْذِنُ فِي قَتْلِ أَبِيهِ المُنَافِقِ: وَعِنْدَمَا بَلَغَ عَبْدَ اللَّهِ بنَ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ ﵁ مَا قَالَهُ وَالِدُهُ، أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُرِيدُ قَتْلَ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ أَبِي فِيمَا بَلَغَكَ عَنْهُ، فَإِنْ كُنْتَ لَابُدَّ فَاعِلًا فَمُرْنِي بِهِ، فَأَنَا أَحْمِلُ إِلَيْكَ رَأْسَهُ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمَتِ الخَزْرَجُ مَا كَانَ لَهَا مِنْ رَجُلٍ أَبَرَّ بِوَالِدِهِ مِنِّي، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ تَأْمُرَ بِهِ غَيْرِي فَيَقْتُلَهُ، فَلَا تَدَعُنِي نَفْسِي أَنْ أَنْظُرَ إِلَى قَاتِلِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أُبَيٍّ يَمْشِي فِي النَّاسِ، فَأَقْتُلَهُ، فَأَقْتُلَ رَجُلًا مُؤْمِنًا بِكَافِرٍ فَأَدْخُلَ النَّارَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "بَلْ نتَرَفَّقُ بِهِ، وَنُحْسِنُ صُحْبَتَهُ مَا بَقِيَ مَعَنَا" (١). فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ غَزْوَةِ المُرَيْسِيعِ تَقَدَّمَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ عَبْدِ اللَّهِ بنُ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ ﵁ حَتَّى وَقَفَ لِأَبِيهِ عَلَى بَابِ المَدِينَةِ، فَلَمَّا رَآهُ أَنَاخَ بِهِ، وَقَالَ لَهُ: وَاللَّهِ لَا تَجُوزُ مِنْ هَهُنَا حَتَّى يَأْذَنَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَإِنَّهُ العَزِيزُ وَأَنْتَ الذَّلِيلُ، فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ أَذِنَ لَهُ، وَقَالَ: "دَعْهُ، فَلَعَمْرِي لَنُحْسِنَنَّ صُحْبَتَهُ مَا دَامَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا"، فَخَلَّى سَبِيلَهُ (٢).

стр. 1403

وَكَانَتْ غَيْبَتُهُ ﷺ فِي هَذِهِ الغَزْوَةِ ثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَدَخَلَ المَدِينَةَ لِهِلَالِ شَهْرِ رَمَضَانَ (١). * الحَادِثُ الثَّانِي: حَادِثُ الإِفْكِ: وَفِي هَذِهِ الغَزْوَةِ وَقَعَ حَادِثُ الإِفْكِ الذِي كَانَ أَعْظَمَ فِتْنَةٍ حَاكَهَا المُنَافِقُونَ، وَاسْتَبَاحَ ابْنُ سَلُولٍ لِنَفْسِهِ أَنْ يَرْمِيَ بِالفَحْشَاءَ سَيِّدَةً مِنْ خِيرَةِ النِّسَاءِ، وَهِيَ أُمُّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ ﵂ (٢). وَلنَتْرُكِ الصِّدِّيقَةَ بِنْتَ الصِّدِّيقِ عَائِشَةَ ﵂، تَرْوِي لَنَا حَدِيثَ الإِفْكِ كَامِلًا، كَمَا رَوَاهُ أَئِمَّةُ الحَدِيثِ وَأَصْحَابُ السِّيَرِ وَالمَغَازِي، قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ أَقْرَعَ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَهُ. فَلَمَّا كَانَ غَزْوَةُ بَنِي المُصْطَلِقِ أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ، فَخَرَجَ سَهْمِي عَلَيْهِنَّ مَعَهُ، فَخَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَمَا نَزَلَ الحِجَابُ (٣)، فَكُنْتُ أُحْمَلُ فِي هَوْدَجِي (٤) وَأَنْزِلُ فِيهِ، فَسِرْنَا حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ غَزْوَتِهِ

стр. 1404

تِلْكَ، وَقَفَلَ (١) رَاجِعًا إِلَى المَدِينَةِ (٢) نَزَلَ فِي بَعْضِ المَنَازِلِ فَبَاتَ بِهِ بَعْضَ اللَّيْلِ، ثُمَّ أَذَّنَ فِي النَّاسِ بِالرَّحِيلِ، فَقُمْتُ حِينَ أَذِنُوا بِالرَّحِيلِ، فَمَشَيْتُ (٣) حَتَّى جَاوَزْتُ الجَيْشَ، فَلَمَّا قَضَيْتُ شَأْنِي أَقْبَلْتُ إِلَى رَحْلِي، فَلَمَسْتُ صَدْرِي، فَإِذَا عِقْدٌ (٤) لِي مِنْ جَزْعِ (٥) ظفَارٍ (٦) قَدِ انْقَطَعَ، فَرَجَعْتُ أَلْتَمِسُ عِقْدِي وَحبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ، وَأَقْبَلَ الرَّهْطُ الذِينَ كَانُوا يَرْحَلُونَ (٧) لِي، فَاحْتَمَلُوا هَوْدَجِي، فَرَحَلُوهُ (٨) عَلَى بَعِيرِي الذِي كُنْتُ أَرْكَبُ عَلَيْهِ، وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنِّي فِيهِ، وَكَانَ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ خِفَافًا لَمْ يَثْقِلْهُنَّ اللَّحْمُ، إِنَّمَا تَأْكُلُ العُلْقَةَ (٩) مِنَ الطَّعَامِ، فَلَمْ يَسْتَنْكِرِ القَوْمُ خِفَّةَ الهَوْدَجِ حِينَ رَفَعُوهُ، وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ (١٠)

стр. 1405

فَبَعَثُوا (١) الجَمَلَ وَسَارُوا، فَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَمَا اسْتَمَرَّ الجَيْشُ، فَجِئْتُ مَنَازِلَهُمْ وَلَيْسَ بِهَا دَاعٍ وَلَا مُجِيبٌ (٢)، فَأَمَّمْتُ (٣) مَنْزِلِي الذِي كُنْتُ بِهِ، وَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ سَيَفْقِدُونِي فَيَرْجِعُونَ إِلَيَّ، فَبَيْنَا أَنَا جَالِسَةٌ فِي مَنْزِلِي، وَقَدْ تَلَفَّفْتُ بِجِلْبَابِي غَلَبَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ (٤)
следующие страницы →