← Сира

Сира · id 38114

اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون

موسى بن راشد العازمي

Полный текст (2 595 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

* فَوَائِدُ الحَدِيثِ: وَفِي الحَدِيثِ مِنَ الفَوَائِدِ: ١ - تَرْكُ مُؤَاخَذَةِ كُبَرَاءِ القَوْمِ بِالهَفَوَاتِ لِئَلَّا يَنْفِرَ أَتْبَاعُهُمْ. ٢ - وَفِيهِ الِاقْتِصَارُ عَلَى مُعَاتَبَاتِهِمْ، وَقَبُولِ أَعْذَارِهِمْ، وَتَصْدِيقِ أَيْمَانِهِمْ، وَإِنْ كَانَتِ القَرَائِنُ تُرْشِدُ إلى خِلَافِ ذَلِكَ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّأْنِيسِ وَالتَّأْلِيفِ. ٣ - وَفِيهِ جَوَازُ تَبْلِيغِ مَا لَا يَجُوزُ لِلْمَقُولِ فِيهِ، وَلَا يُعَدُّ نَمِيمَةً مَذْمُومَةً إِلَّا إِنْ قَصَدَ بِذَلِكَ الإِفْسَادَ المُطْلَقَ، وَأَمَّا إِذَا كَانَتْ فِيهِ مَصْلَحَةٌ تُرَجَّحُ عَلَى المَفْسَدَةِ فَلَا (١). * مَوْتُ عَظِيمٍ مِنْ عُظَمَاءِ المُنَافِقِينَ: أَكْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَرِيقَهُ إلى المَدِينَةِ، وَسَلَكَ طَرِيقَ الحِجَازِ حَتَّى نَزَلَ عَلَى مَاءٍ بِالحِجَازِ يُقَالُ لَهُ: بُقْعَاءُ، فَلَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَبَّتْ عَلَى النَّاسِ رِيحٌ شَدِيدَةٌ آذَتْهُمْ حَتَّى وَقَعَتِ الرِّحَالُ، وَتَخَوَّفُوهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَخَافُوهَا، هَذِهِ الرِّيحُ لِمَوْتِ مُنَافِقٍ". قَالَ جَابِرُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ ﵄: فَلَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ، فَإِذَا رِفَاعَةُ بنُ زَيْدِ بنِ التَّابُوتِ، أَحَدُ بَنِي قَيْنُقَاعَ، وَكَانَ عَظِيمًا مِنْ عُظَمَاءِ يَهُودَ، وَكَهْفًا لِلْمُنَافِقِينَ، مَاتَ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ (٢).

стр. 1402

* عَبْدُ اللَّهِ يَسْتَأْذِنُ فِي قَتْلِ أَبِيهِ المُنَافِقِ: وَعِنْدَمَا بَلَغَ عَبْدَ اللَّهِ بنَ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ ﵁ مَا قَالَهُ وَالِدُهُ، أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُرِيدُ قَتْلَ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ أَبِي فِيمَا بَلَغَكَ عَنْهُ، فَإِنْ كُنْتَ لَابُدَّ فَاعِلًا فَمُرْنِي بِهِ، فَأَنَا أَحْمِلُ إِلَيْكَ رَأْسَهُ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمَتِ الخَزْرَجُ مَا كَانَ لَهَا مِنْ رَجُلٍ أَبَرَّ بِوَالِدِهِ مِنِّي، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ تَأْمُرَ بِهِ غَيْرِي فَيَقْتُلَهُ، فَلَا تَدَعُنِي نَفْسِي أَنْ أَنْظُرَ إِلَى قَاتِلِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أُبَيٍّ يَمْشِي فِي النَّاسِ، فَأَقْتُلَهُ، فَأَقْتُلَ رَجُلًا مُؤْمِنًا بِكَافِرٍ فَأَدْخُلَ النَّارَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "بَلْ نتَرَفَّقُ بِهِ، وَنُحْسِنُ صُحْبَتَهُ مَا بَقِيَ مَعَنَا" (١). فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ غَزْوَةِ المُرَيْسِيعِ تَقَدَّمَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ عَبْدِ اللَّهِ بنُ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ ﵁ حَتَّى وَقَفَ لِأَبِيهِ عَلَى بَابِ المَدِينَةِ، فَلَمَّا رَآهُ أَنَاخَ بِهِ، وَقَالَ لَهُ: وَاللَّهِ لَا تَجُوزُ مِنْ هَهُنَا حَتَّى يَأْذَنَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَإِنَّهُ العَزِيزُ وَأَنْتَ الذَّلِيلُ، فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ أَذِنَ لَهُ، وَقَالَ: "دَعْهُ، فَلَعَمْرِي لَنُحْسِنَنَّ صُحْبَتَهُ مَا دَامَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا"، فَخَلَّى سَبِيلَهُ (٢).

стр. 1403

وَكَانَتْ غَيْبَتُهُ ﷺ فِي هَذِهِ الغَزْوَةِ ثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَدَخَلَ المَدِينَةَ لِهِلَالِ شَهْرِ رَمَضَانَ (١). * الحَادِثُ الثَّانِي: حَادِثُ الإِفْكِ: وَفِي هَذِهِ الغَزْوَةِ وَقَعَ حَادِثُ الإِفْكِ الذِي كَانَ أَعْظَمَ فِتْنَةٍ حَاكَهَا المُنَافِقُونَ، وَاسْتَبَاحَ ابْنُ سَلُولٍ لِنَفْسِهِ أَنْ يَرْمِيَ بِالفَحْشَاءَ سَيِّدَةً مِنْ خِيرَةِ النِّسَاءِ، وَهِيَ أُمُّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ ﵂ (٢). وَلنَتْرُكِ الصِّدِّيقَةَ بِنْتَ الصِّدِّيقِ عَائِشَةَ ﵂، تَرْوِي لَنَا حَدِيثَ الإِفْكِ كَامِلًا، كَمَا رَوَاهُ أَئِمَّةُ الحَدِيثِ وَأَصْحَابُ السِّيَرِ وَالمَغَازِي، قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ أَقْرَعَ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَهُ. فَلَمَّا كَانَ غَزْوَةُ بَنِي المُصْطَلِقِ أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ، فَخَرَجَ سَهْمِي عَلَيْهِنَّ مَعَهُ، فَخَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَمَا نَزَلَ الحِجَابُ (٣)، فَكُنْتُ أُحْمَلُ فِي هَوْدَجِي (٤) وَأَنْزِلُ فِيهِ، فَسِرْنَا حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ غَزْوَتِهِ

стр. 1404

تِلْكَ، وَقَفَلَ (١) رَاجِعًا إِلَى المَدِينَةِ (٢) نَزَلَ فِي بَعْضِ المَنَازِلِ فَبَاتَ بِهِ بَعْضَ اللَّيْلِ، ثُمَّ أَذَّنَ فِي النَّاسِ بِالرَّحِيلِ، فَقُمْتُ حِينَ أَذِنُوا بِالرَّحِيلِ، فَمَشَيْتُ (٣) حَتَّى جَاوَزْتُ الجَيْشَ، فَلَمَّا قَضَيْتُ شَأْنِي أَقْبَلْتُ إِلَى رَحْلِي، فَلَمَسْتُ صَدْرِي، فَإِذَا عِقْدٌ (٤) لِي مِنْ جَزْعِ (٥) ظفَارٍ (٦) قَدِ انْقَطَعَ، فَرَجَعْتُ أَلْتَمِسُ عِقْدِي وَحبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ، وَأَقْبَلَ الرَّهْطُ الذِينَ كَانُوا يَرْحَلُونَ (٧) لِي، فَاحْتَمَلُوا هَوْدَجِي، فَرَحَلُوهُ (٨) عَلَى بَعِيرِي الذِي كُنْتُ أَرْكَبُ عَلَيْهِ، وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنِّي فِيهِ، وَكَانَ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ خِفَافًا لَمْ يَثْقِلْهُنَّ اللَّحْمُ، إِنَّمَا تَأْكُلُ العُلْقَةَ (٩) مِنَ الطَّعَامِ، فَلَمْ يَسْتَنْكِرِ القَوْمُ خِفَّةَ الهَوْدَجِ حِينَ رَفَعُوهُ، وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ (١٠)

стр. 1405

فَبَعَثُوا (١) الجَمَلَ وَسَارُوا، فَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَمَا اسْتَمَرَّ الجَيْشُ، فَجِئْتُ مَنَازِلَهُمْ وَلَيْسَ بِهَا دَاعٍ وَلَا مُجِيبٌ (٢)، فَأَمَّمْتُ (٣) مَنْزِلِي الذِي كُنْتُ بِهِ، وَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ سَيَفْقِدُونِي فَيَرْجِعُونَ إِلَيَّ، فَبَيْنَا أَنَا جَالِسَةٌ فِي مَنْزِلِي، وَقَدْ تَلَفَّفْتُ بِجِلْبَابِي غَلَبَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ (٤)

стр. 1406

وَكَانَ صَفْوَانُ بنُ المُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ (١) مِنْ وَرَاءِ الجَيْشِ، فَأَدْلَجَ (٢) فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي، فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمٍ فَأَتَانِي، فَعَرَفَنِي حِينَ رَآنِي (٣)، وَكَانَ يَرَانِي قَبْلَ الحِجَابِ، فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ (٤) حِينَ عَرَفَنِي، فَخَمَّرْتُ (٥) وَجْهِي بِجِلْبَابِي، وَاللَّهِ مَا كَلَّمَنِي كَلِمَةً، وَلَا سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً غَيْرَ اسْتِرْجَاعِهِ، حَتَّى أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ، فَوَطِئَ عَلَى يَدَيْهَا، فَرَكِبْتُهَا، فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِيَ الرَّاحِلَةَ حَتَّى أَتَيْنَا الجَيْشَ بَعْدَمَا نَزَلُوا مُوغِرِينَ (٦) فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ النَّاسُ قَالُوا مَا قَالُوا، وَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ، وَكَانَ الذِي تَوَلَّى الإِفْكَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ.

стр. 1407

ثُمَّ قَدِمْنَا المَدِينَةَ، فَاشْتَكَيْتُ حِينَ قَدِمْتُ شَهْرًا، وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ (١) فِي قَوْلِ أَصْحَابِ الإِفْكِ، وَلَا أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، إِلَّا أَنِّي قَدْ أَنْكَرْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اللُّطْفَ (٢) الذِي كُنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَشْتَكِي (٣)، إِنَّمَا يدخلُ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَيُسَلِّمُ، ثُمَّ يَقُولُ: "كَيْفَ تِيكُمْ؟ "، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَذَاكَ الذِي يُرِيبُنِي وَلَا أَشْعُرُ بِالشَّرِّ، حَتَّى خَرَجْتُ بَعْدَمَا نَقَهْتُ (٤)، فَخَرَجَتْ مَعِيَ أُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ المَنَاصِعِ (٥)، وَهُوَ مُتَبَرَّزُنَا، وَكُنَّا لَا نَخْرُجُ إِلَّا لَيْلًا إِلَى لَيْلٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ الكُنُفَ (٦) قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِنَا، وَأَمْرُنَا أَمْرُ العَرَبِ الأُوَلِ فِي التَّبَرُّزِ قِبَلَ الغَائِطِ، فَكُنَّا نَتَأَذَّى بِالكُنُفِ أَنْ نَتَّخِذَهَا عِنْدَ بُيُوتِنَا، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ وَهِيَ ابْنَةُ أَبِي رُهْمِ (٧) بنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَأُمُّهَا بِنْتُ صَخْرِ بنِ عَامِرٍ خَالَةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وابْنُهَا مِسْطَحُ بنُ أُثَاثَةَ (٨)، فَأَقْبَلْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ بَيْتِي قَدْ فَرَغْنَا مِنْ شَأْنِنَا،

стр. 1408

فَعَثَرَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ فِي مِرْطِهَا (١)، فَقَالَتْ: تَعِسَ (٢) مِسْطَحٌ، فَقُلْتُ لَهَا: بِئْسَ مَا قُلْتِ! ! أَتَسُبِّينَ رَجُلًا شَهِدَ بَدْرًا؟ فَقَالَتْ: أَيْ هَنْتَاهُ (٣) أَوَلَمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ؟ (٤). قُلْتُ: وَمَا قَالَ؟ قَالَتْ: فَأَخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أَهْلِ الإِفْكِ (٥)، . . . .

стр. 1409

فَازْدَدْتُ مَرَضًا عَلَى مَرَضِي (١). قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي وَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: "كَيْفَ تِيكُمْ؟ ". فَقُلْتُ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ آتِيَ أَبَوَيَّ؟ ، قَالَتْ: وَأَنَا حِينَئِذٍ أُرِيدُ أَنْ أَسْتَيْقِنَ الخَبَرَ مِنْ قِبَلِهِمَا، قَالَتْ: فَأَذِنَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَجِئْتُ أَبَوَيَّ، فَقُلْتُ لِأُمِّي: يَا أُمَّتَاهُ، مَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ؟ قَالَتْ: يَا بُنَيَّةُ هَوِّنِي عَلَيْكِ (٢)، فَوَاللَّهِ لَقَلَّمَا كَانَتِ امْرَأَةٌ قَطٌّ وَضِيئَةٌ (٣) عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا، وَلَهَا ضَرَائِرُ إِلَّا أَكْثَرْنَ عَلَيْهَا (٤).

стр. 1410

قَالَتْ: فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَلقدْ تَحَدَّثَ النَّاسُ بِهَذَا؟ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي الصَّحِيحِ قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ لِأُمِّهَا: وَقَدْ عَلِمَ بِهِ أَبِي؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قُلْتُ: وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَتْ: نَعَمْ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وَاسْتَعْبَرْتُ وَبَكَيْتُ، فَسَمِعَ أَبُو بَكْرٍ صَوْتِي وَهُوَ فِي البَيْتِ يَقْرَأُ، فنَزَلَ فَقَالَ لِأُمِّي: مَا شَأْنُهَا؟ قَالَتْ: بَلَغَهَا الذِي ذُكِرَ مِنْ شَأْنِهَا، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ وَقَالَ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكِ أَيْ بُنَيَّةُ إِلَّا رَجَعْتِ إِلَى بَيْتِكَ فَرَجَعْتُ (١). * لَا تَعَارُضَ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ: وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: أَنَّ الذِي أَخْبَرَ عَائِشَةَ ﵂ بِحَدِيثِ الإِفْكِ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أُمِّ رُومَانَ قَالَتْ: بَيْنَا أَنَا قَاعِدَةٌ أَنَا وَعَائِشَةُ، إِذْ وَلَجَتِ (٢) امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَتْ: فَعَلَ اللَّهُ بِفُلَانٍ وَفَعَلَ بِفُلَانٍ، فَقَالَتْ أُمُّ رُومَانَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَتْ: ابْنِي فِيمَنْ حَدَّثَ الحَدِيثَ؟ قَالَتْ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ كَذَا وَكَذَا.

стр. 1411

قَالَتْ عَائِشَةُ: سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَتْ: وَأَبُو بَكْرٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. فَخَرَّتْ مَغْشِيًّا عَلَيْهَا، فَمَا أَفَاقَتْ إِلَّا وَعَلَيْهَا حُمَّى بِنَافِضٍ، فَطَرَحْتُ عَلَيْهَا ثِيَابَهَا فَغَطَّيْتُهَا (١). قَالَتْ ﵂: فَبَكَيْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ حَتَّى أَصْبَحْتُ لَا يَرْقَأُ (٢) لِي دَمْعٌ، وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ حَتَّى أَصْبَحْتُ أَبْكِي. * مُشَاوَرَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ وَأُسَامَةَ بنَ زَيْدٍ ﵄: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ

стр. 1412

وَأُسَامَةَ بنَ زَيْدٍ ﵄ (١) حِينَ اسْتَلْبَثَ الوَحْيُ (٢)، يَسْتَأْمِرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ. قَالَتْ: فَأَمَّا أُسَامَةُ بنُ زَيْدٍ فَأَشَارَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالذِي يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةِ أَهْلِهِ، وَبِالذِي يَعْلَمُ لَهُمْ فِي نَفْسِهِ مِنَ الوُدِّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَهْلُكَ، وَمَا نَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا. وَأَمَّا عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ يُضَيِّقِ اللَّهُ عَلَيْكَ، وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ (٣)، وَإِنْ تَسْأَلِ الجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ. قَالَتْ: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَرِيرَةَ: فَقَالَ: "أَيْ بَرِيرَةُ، هَلْ رَأَيْتِ مِنْ شَيْءٍ يُرِيبُكِ؟ ".

стр. 1413

قَالَتْ بَرِيرَةُ: لَا وَالذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، مَا رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا أُغْمِصُهُ (١) عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا، فَتَأْتِي الدَّاجِنُ (٢) فَتَأْكُلُهُ (٣). فَانْتَهَرَهَا بَعْضُ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: اصْدُقِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، حَتَّى أَسْقَطُوا لَهَا بِهِ (٤)، فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا إِلَّا مَا يَعْلَمُ الصَّائِغُ عَلَى تِبْرِ الذَّهَبِ الأَحْمَرِ، وَبَلَغَ الأَمْرُ إِلَى صَفْوَانَ بنَ المُعَطَّلِ ﵁ فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا كَشَفْتُ كَنَفَ (٥) أُنْثَى قَطُّ (٦).

стр. 1414

فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى المِنْبَرِ فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، مَنْ يَعْذُرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِ بَيْتِي، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا -يَعْنِي صَفْوَانَ بنَ المُعَطَّلِ ﵁ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا مَعِي". فَقَامَ سَعْدُ بنُ مُعَاذٍ ﵁ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا أَعْذُرُكَ مِنْهُ، إِنْ كَانَ مِنَ الأَوْسِ ضرَبْتُ عُنُقَهُ (١)، وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا مِنَ الخَزْرَجِ، أمَرْتَنَا ففعَلنَا أمْرَكَ.

стр. 1415

قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَقَامَ سَعْدُ بنُ عُبَادَةَ ﵁، سَيِّدُ الخَزْرَجِ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلًا صَالِحًا، وَلَكِنْ احْتَمَلَتْهُ الحَمِيَّةُ (١)، فَقَالَ لِسَعْدِ بنِ مُعَاذٍ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ لَا تَقْتُلُهُ وَلَا تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ. فَقَامَ أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ ﵁، وَهُوَ ابنُ عَمِّ سَعْدِ بنِ مُعَاذٍ ﵁، فَقَالَ لِسَعْدِ بنِ عُبَادَةَ ﵁: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ لَنَقْتُلَنَّهُ، فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنِ المُنَافِقِينَ، فَتَثَاوَرَ الحَيَّانِ الأَوْسُ وَالخَزْرَجُ حَتَّى هَمُّوا أَنْ يَقْتَتِلُوا، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ عَلَى المِنْبَرِ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُخَفِّضُهُمْ حَتَّى سَكَتُوا وَسَكَتَ. قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَمَكَثْتُ يَوْمِي ذَلِكَ كُلَّهُ لَا يَرْقَأُ (٢) لِي دَمْعٌ، وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، قَالَتْ: فَأَصْبَحَ أَبَوَايَ عِنْدِي، وَقَدْ بَكَيْتُ لَيْلَتَيْنِ وَيَوْمًا (٣) لَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، وَلَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ، يَظُنَّانِ أَنَّ البُكَاءَ فَالِقُ كَبِدِي، فَبَيْنَمَا هُمَا جَالِسَانِ عِنْدِي وَأَنَا أَبْكِي، فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَيَّ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَأَذِنْتُ لَهَا، فَجَلَسَتْ تَبْكِي مَعِي، فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ دَخَلَ عَلَيْنَا رَسولُ اللَّهِ ﷺ فَسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ، وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مُنْذُ قِيلَ مَا قِيلَ قَبْلَهَا، وَقَدْ لَبِثَ شَهْرًا لَا يُوحَى إِلَيْهِ

стр. 1416

فِي شَأْنِي. قَالَتْ: فتَشَهَّدَ (١) رَسُولُ اللَّهِ حِينَ جَلَسَ، ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ: يَا عَائِشَةُ، فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا (٢)، فَإِنْ كنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ (٣)، وَإنْ كنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللَّه وَتُوبِي إِلَيْهِ، فَإِنَّ العَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ ثُمَّ تَابَ إِلَى اللَّهِ، تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ". قَالَتْ: فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَقَالَتَهُ قَلَصَ (٤) دَمْعِي حَتَّى مَا أُحِسُّ مِنْهُ قَطْرَةً، فَقُلْتُ لِأَبِي: أَجِبْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيمَا قَالَ. قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَقُلْتُ لِأُمِّي: أَجِيبِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيمَا قَالَ. قَالَتْ أُمِّي: مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَقُلْتُ وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ لَا أَقْرَأُ كَثِيرًا مِنَ القُرْآن (٥): إِنِّي وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ لَقَدْ سَمِعْتُمْ هَذَا الحَدِيثَ حَتَّى اسْتَقَرَّ فِي أَنْفُسِكُمْ وَصَدَّقْتُمْ بِهِ، فَلَئِنْ

стр. 1417

قُلْتُ لَكُمْ إِنِّي بَرِيئَةٌ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي مِنْهُ بَرِيئَةٌ، لَا تُصَدِّقُونِي بِذَلِكَ، وَلَئِنِ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بِأَمْرٍ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي مِنْهُ بَرِيئَةٌ، لَتُصَدِّقُنِّي، وَاللَّهِ مَا أَجِدُ لَكُمْ مَثَلًا -وَالْتَمَسْتُ اسْمَ يَعْقُوبٍ فَلَمْ أَقْدِرْ عَلَيْهِ- إِلَّا قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ حِينَ قَالَ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ (١). قَالَتْ: ثُمَّ تَحَوَّلْتُ، فَاضْطَجَعْتُ عَلَى فِرَاشِي، وَأَنَا حِينَئِذٍ أَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ، وَأَنَّ اللَّه يُبَرِّئُنِي بِبَرَاءَتِي، وَلَكِنْ وَاللَّهِ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ اللَّه مُنْزِلٌ فِي شَأْنِي وَحْيًا يُتْلَى (٢)، وَلَشَأَنْي فِي نَفْسِي كَانَ أَحْقَرَ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ فِيَّ بِأَمْرٍ يُتْلَى، وَلَكِنْ كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللَّهُ بِهَا، فَوَاللَّهِ مَا رَامَ (٣) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا خَرَجَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ البَيْتِ حَتَّى أُنْزِلَ عَلَيْهِ، فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنَ البُرَحَاءِ (٤)، حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِثْلُ الجُمَانِ (٥) مِنَ العَرَقِ، وَهُوَ فِي يَوْمٍ شَاتٍ، مِنْ ثِقَلِ القَوْلِ الذِي يَنْزِلُ عَلَيْهِ (٦).

стр. 1418

قَالَتْ: فَأَمَّا أَنَا حِينَ رَأَيْتُ مِنْ ذَلِكَ مَا رَأَيْتُ، فَوَاللَّهِ مَا فَزِعْتُ وَلَا بَالَيْتُ، قَدْ عَرَفْتُ أَنِّي بَرِيئَةٌ، وَأَنَّ اللَّه غَيْرُ ظَالِمِي، وَأَمَّا أَبَوَايَ، فَوَالذِي نَفْسُ عَائِشَةَ بِيَدِهِ مَا سُرِّيَ (١) عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى ظَنَنْتُ لَتَخْرُجَنَّ أَنْفُسُهُمَا، فَرَقًا مِنْ أَنْ يَأْتِيَ مِنَ اللَّهِ تَحْقِيقُ مَا قَالَ النَّاسُ. فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سُرِّيَ عَنْهُ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَكَانَتْ أَوَّلُ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا أَنْ قَالَ: "يَا عَائِشَةُ! أَمَّا اللَّهُ فَقَدْ بَرَّأَكِ" (٢). فَقَالَتْ أُمِّي: قُومِي إِلَيْهِ. فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَقُومُ إِلَيْهِ، وَلَا أَحْمَدُ إِلَّا اللَّهَ . وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ (٣) عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤) (١١) لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢) لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٣) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ

стр. 1419

عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٤) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (١٦) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٨) إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (١). * إِقَامَةُ الحَدِّ عَلَى مَنْ أَشَاعَ حَدِيثَ الإِفْكِ: فَلَمَّا نَزَلَتْ بَرَاءَةُ عَائِشَةَ ﵂، خرج رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَى المَسْجِدِ، فَخَطَبَ النَّاسَ، وَتَلَا عَلَيْهِمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ القُرْآنِ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ أَمَرَ بِمِسْطَحِ بنِ أُثَاثَةَ، وَحَسَّانِ بنِ ثَابِتٍ، وَحَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَكَانُوا مِمَّنْ أَفْصَحَ بِالفَاحِشَةِ، فَضُرِبُوا حَدَّ القَذْفِ ثَمَانِينَ جَلْدَةً، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَ عُذْرِي، قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى المِنْبَرِ فَذَكَرَ ذَلِكَ، وَتَلَا القُرْآنَ، فَلَمَّا نَزَلَ أَمَرَ بِرَجُلَيْنِ وَامْرَأَةٍ، فَضُرِبُوا حَدَّهُمْ (٢). وَفِي رِوَايَةِ الطَّحَاوِيِّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: . . . فَأَمَرَ رَجُلَيْنِ وَامْرَأَةً، فَضُرِبُوا حَدَّهُمْ ثَمَانِينَ ثَمَانِينَ، وَهُمْ:

стр. 1420

حَسَّانُ، وَمِسْطَحُ، وَحَمْنَةُ (١). * تَرْكُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ: وَتُرِكَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ المُنَافِقُ، وَلمْ يُحَدَّ، مَعَ أَنَّهُ رَأْسُ أَهْلِ الإِفْكِ، فَقِيلَ: لِأَنَّ الحُدُودَ تَخْفِيفٌ عَنْ أَهْلِهَا وَكَفَّارَةٌ، وَالخَبِيثُ لَيْسَ أَهْلًا لِذَلِكَ، وَقَدْ وَعَدَهُ اللَّهُ بِالعَذَابِ العَظِيمِ فِي الآخِرَةِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٢). وَقِيلَ: بَلْ كَانَ يَسْتَوْشِي (٣) الحَدِيثَ، وَيَجْمَعُهُ وَيَحْكِيهِ، وَيُخْرِجُهُ فِي قَوَالِبَ مَنْ لَا يُنْسَبُ إِلَيْهِ (٤). * اعْتِذَارُ حَسَّانِ بنِ ثَابِتٍ ﵁ -: وَقَدِ اعْتَذَرَ حَسَّانُ بنُ ثَابِتٍ ﵁ لِعَائِشَةَ ﵂، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جَاءَ حَسَّانُ بنُ ثَابِتٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا، قُلْتُ -القَائِلُ مَسْرُوقٌ-: أَتَأْذَنِينَ لِهَذَا؟

стр. 1421

قَالَتْ: أَوَلَيْسَ قَدْ أَصَابَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ؟ فَقَالَ حَسَّانٌ ﵁ يَمْدَحُ عَائِشَةَ ﵂: حَصَانٌ (١) رَزَانٌ (٢) مَا تُزَنُّ (٣) بَرِيبَةٍ ... وَتُصْبِحُ غَرْثَى (٤) مِنْ لُحُومِ الْغَوافِلِ (٥) عَقِيلةُ (٦) حَيٍّ مِنْ لُؤَيِّ بنِ غَالِبٍ ... كِرَامِ المَسَاعِي مَجْدُهُمْ غَيْرُ زَائِلِ مُهَذَّبَةٌ قَدْ طَيَّبَ اللَّهُ خِيْمَهَا (٧) ... وَطَهَّرَهَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَبَاطِلِ حَلَيْلَةُ خَيْرِ الخَلْقِ دِينًا وَمَنْصِبًا ... نَبِيِّ الهُدَى وَالمَكْرُمَاتِ الفَوَاضِلِ رَأَيْتُكِ وَلْيَغْفِرْ لَكِ اللَّهِ حُرَّةً ... مِنَ المُحْصَنَاتِ غَيْرَ ذَاتِ الغَوَائِلِ (٨)

стр. 1422

وَأَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: ذَهَبْتُ أَسُبُّ حَسَّانَ عِنْدَ عَائِشَةَ ﵂ فَقَالَتْ: لَا تَسُبَّهُ، فَإِنَّهُ كَانَ يُنَافِحُ (١) عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ: اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ ﷺ فِي هِجَاءِ المُشْرِكِينَ، فَقَالَ ﷺ : "كَيْفَ بِنَسَبِي؟ ". قَالَ حَسَّانُ ﵁: لَأَسُلَّنَّكَ مِنْهُمْ كَمَا تُسَلُّ الشَّعْرَةُ مِنَ العَجِينِ (٢). * شِدَّةُ وَرَعِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ﵂: أَمَّا زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ ﵂ فَقَدْ عَصَمَهَا اللَّهُ (٣) بِلِسَانِهَا، فَلَمْ تَقُلْ إِلَّا خَيْرًا، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ. . . وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَأَلَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ أَمْرِي فَقَالَ: "يَا زَيْنَبُ، مَاذَا عَلِمْتِ أَوْ رَأَيتِ؟ ". فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي، وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِلَّا خَيْرًا. قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: وَهِيَ التِي كَانَتْ تُسَامِينِي (٤) مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَعَصَمَهَا اللَّهُ بِالوَرَعِ، وَطَفِقَتْ (٥) أُخْتُهَا حَمْنَةُ تُحَارِبُ لَهَا (٦)، فَهَلَكَتْ

стр. 1423

فِيمَنْ هَلَكَ مِنْ أَصْحَابِ الإِفْكِ (١) * حِفْظُ أَبِي أَيُّوبٍ الأَنْصَارِيِّ ﵁ لِسَانَهُ: رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ عِنْدَمَا سَمِعَ هَذِهِ الفِرْيَةَ قَالَ: سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا، سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (٢). قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَقَعَ عِنْدَ ابنِ إِسْحَاقَ (٣) أَنَّهُ أَبُو أَيُّوبٍ الأَنْصَارِيُّ، وَأَخْرَجَهُ الحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِهِ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُسْنَدِ الشَّامِيِّينَ، وَأَبُو بَكْرٍ الآجُرِّيُّ فِي طُرُقِ حَدِيثِ الإِفْكِ، مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ الخُرَسَانِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ (٤).

стр. 1424

* أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ يُمْسِكُ النَّفَقَةَ عَنْ مِسْطَحٍ ثُمَّ يُرْجِعُهَا: وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحِ بنِ أُثَاثَةَ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ (١) وَفَقْرِهِ، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عُذْرَ عَائِشَةَ ﵂، قَالَ: وَاللَّهِ لَا أُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ شَيْئًا أَبَدًا، وَلَا أَنْفَعُهُ بِنَفْعٍ أَبَدًا، بَعْدَ الذِي قَالَ لِعَائِشَةَ مَا قَالَ، وَأَدْخَلَ عَلَيْنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ (٢) أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣). فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: بَلَى وَاللَّهِ، إِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي، فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ التِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ، وَقَالَ ﵁: وَاللَّهِ لَا أَنْزِعُهَا مِنْهُ أَبْدًا (٤). وَفِي هَذَا المَوْقِفِ نَطَّلِعُ عَلَى أُفُقٍ عَالٍ مِنْ آفَاقِ النُّفُوسِ الزَّكِيَّةِ، التِي تَطَهَّرَتْ بِنُورِ اللَّهِ. . . أُفُقٌ يُشْرِقُ فِي نَفْسِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁، أَبِي بَكْرٍ الذِي سَمِعَ حَدِيثَ الإِفْكِ فِي أَعْمَاقِ قَلْبِهِ، وَالذِي احْتَمَلَ مَرَارَةَ الِاتِّهَامِ لِبيْتِهِ وَعِرْضِهِ، فَمَا يَكَادُ يَسْمَعُ دَعْوَةَ رَبِّهِ إِلَى العَفْوِ، وَمَا يَكَادُ يَلْمَسُ وُجْدَانَهُ ذَلِكَ السُّؤَالُ

стр. 1425

المُوْحِي: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ﴾؟ حَتَّى يَرْتَفِعَ عَلَى الْآلَامِ، وَيَرْتَفِعُ عَلَى مَشَاعِرِ الإِنْسَانِ، وَيَرْتَفِعُ عَلَى مَنْطِقِ البِيئَةِ، وَحَتَّى تَشُفَّ رُوحُهُ وَتَرُفَّ وَتُشْرِقَ بِنُورِ اللَّهِ، فَإِذَا هُوَ يُلَبِّي دَاعِيَ اللَّهِ فِي طُمَأْنِينَةٍ وَصِدْقٍ يَقُولُ: بَلَى وَاللَّهِ، إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي، وَيُعِيدُ إِلَى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ التِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ، وَيَحْلِفُ: وَاللَّهِ لَا أَنْزِعُهَا مِنْهُ أَبَدًا. ذَلِكَ مُقَابِلَ مَا حَلَفَ: وَاللَّهِ لَا أَنْفَعُهُ بِنَافِعَةٍ أَبَدًا. وَبِذَلِكَ يُزِيلُ اللَّهُ تَعَالَى الآلَامَ عَنْ ذَلِكَ القَلْبِ الكَبِيرِ، وَيَغْسِلُهُ مِنْ أَوْضَارِ (١) المَعْرَكَةِ، لِيَبْقَى أَبَدًا نَظِيفًا طَاهِرًا زَكِيًّا مُشْرِقًا بِالنُّورِ. . . (٢). * هَلْ نَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ فِي المُرَيْسِيعِ ؟ : وَقِيلَ إِنَّ فِي غَزْوَةِ المُرَيْسِيعِ نَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ، فَقَدْ فَقَدَتْ عَائِشَةُ ﵂ عِقْدَهَا مَرَّةً ثَانِيَةً، فَاحْتَبَسَ المُسْلِمُونَ فِي طَلَبِهِ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى آيَةَ التَّيَمُّمِ. رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ (٣) حَتَّى إِذَا كُنَّا

стр. 1426

بِالبَيْدَاءِ (١) -أَوْ بِذَاتِ الجَيْشِ- انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي (٢)، فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْتِمَاسِهِ، وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ فَقَالُوا: أَلَا تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ؟ ، أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ والنَّاسِ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ، فَقَالَ: حبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسَ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ (٣) وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، وَجَعَلَ يَطْعَنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي، فَلَا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى فَخِذِي، فَقَامَ رَسُولُ ﷺ حِينَ أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ

стр. 1427

تَعَالَى آيَةَ التَّيَمُّمِ (١) ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾. فَقَالَ أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ ﵁: مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ (٢)، قَالَتْ: فَبَعَثْنَا البَعِيرَ الذِي كُنْتُ عَلَيْهِ، فَأَصَبْنَا العِقْدَ تَحْتَهُ (٣). قَالَ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قِصَّةَ العِقْدِ التِي نَزَلَ التَّيَمُّمُ لِأَجْلِهَا بَعْدَ هَذِهِ الغَزْوَةِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَلَكِنْ فِيهَا كَانَتْ قِصَّةُ الإِفْكِ بِسَبَبِ فَقْدِ العِقْدِ وَالْتِمَاسِهِ، فَالْتَبَسَ عَلَى بَعْضِهِمْ إِحْدَى القِصَّتَيْنِ بِالأُخْرَى (٤). وَقَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ هَذِهِ القِصَّةَ كَانَتْ بَعْدَ قِصَّةِ الإِفْكِ (٥).

стр. 1428

قُلْتُ: وَالذِي تَمِيلُ إِلَيْهِ النَّفْسُ أَنَّ آيَةَ التَّيَمُّمِ نَزَلَتْ فِي غَيْرِ هَذِهِ الغَزْوَةِ لِمُخَالَفَتِهَا قِصَّةَ الإِفْكِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * الفَوَائِدُ التِي اشْتَمَلَتْ عَلَيْهَا حَادِثَةُ الإِفْكِ: قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَفِي قِصَّةِ الإِفْكِ مِنَ الفَوَائِدِ: ١ - جَوَازُ الحَدِيثِ عَنْ جَمَاعَةٍ مُلَفَّقًا مُجْمَلًا. ٢ - وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةِ القُرْعَةِ حَتَّى بَيْنَ النِّسَاءِ وَفِي المُسَافَرَةَ بِهِنَّ، وَالسَّفَرُ بِالنِّسَاءِ حَتَّى فِي الغَزْوِ. ٣ - وَفِيهِ اسْتِعْمَالُ التَّوْطِئَةِ فِيمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الكَلَامِ. ٤ - وَأَنَّ الهَوْدَجَ يَقُومُ مَقَامَ البَيْتِ فِي حَجْبِ المَرْأَةِ. ٥ - وَفِيهِ جَوَازُ رُكُوبِ المَرْأَةِ الهَوْدَجَ عَلَى ظَهْرِ البَعِيرِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَشُقُّ عَلَيْهِ حَيْثُ يَكُونُ مُطِيقًا لِذَلِكَ. ٦ - وَفِيهِ خِدْمَةُ الأَجَانِبِ لِلْمَرْأَةِ مِنْ وَرَاءِ الحِجَابِ. ٧ - وَجَوَازُ تَسَتُّرِ المَرْأَةِ بِالشَّيْءَ المُنْفَصِلِ عَنِ البَدَنِ. ٨ - وَفِيهِ تَوَجُّهُ المَرْأَةِ لِقَضَاءِ حَاجَتِهَا وَبِغَيْرِ إِذْنٍ خَاصٍّ مِنْ زَوْجِهَا، بَلِ اعْتِمَادًا عَلَى الإِذْنِ العَامِّ المُسْتَنِدِ إِلَى العُرْفِ العَامِّ. ٩ - وَفِيهِ جَوَازُ تَحَلِّي المَرْأَةِ فِي السَّفَرِ بِالقِلَادَةِ وَنَحْوِهَا.

стр. 1429

١٠ - وَفِيهِ صِيَانَةُ المَالِ، وَلَوْ قَلَّ؛ لِلنَّهْي عَنْ إِضَاعَةِ المَالِ (١)، فَإِنَّ عِقْدَ عَائِشَةَ لَمْ يَكُنْ مِنْ ذَهَبٍ وَلَا جَوْهَرٍ. ١١ - وَفِيهِ شُؤْمُ الحِرْصِ عَلَى المَالِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تُطِلْ فِي التَّفْتِيشِ لَرَجَعَتْ بِسُرْعَةٍ، فَلَمَّا زَادَ عَلَى قَدْرِ الحَاجَةِ أَثَّرَ مَا جَرَى. ١٢ - وَفِيهِ تَوَقُّفُ رَحِيلِ العَسْكَرِ عَلَى إِذْنِ الأَمِيرِ. ١٣ - وَاسْتِعْمَالُ بَعْضِ الجَيْشِ سَاقَةً (٢) يَكُونُ أَمِينًا؛ لِيَحْمِلَ الضَّعِيفَ، وَيَحْفَظَ مَا يَسْقُطُ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ المَصَالِحِ. ١٤ - وَفِيهِ الِاسْتِرْجَاعُ عِنْدَ المُصِيبَةِ. ١٥ - وَفِيهِ تَغْطِيَةُ المَرْأَةِ وَجْهَهَا عَنْ نَظَرِ الأَجْنَبِيِّ، وَإِطْلَاقُ الظَّنِّ عَلَى العِلْمِ، كَذَا قِيلَ وَفِيهِ نَظَرٌ. ١٦ - وَفِيهِ إِغَاثَةُ المَلْهُوفِ، وَعَوْنُ المُنْقَطِعِ، وَإِنْقَاذُ الضَّائِعِ. ١٧ - وَفِيهِ إِكْرَامُ ذَوِي القَدْرِ، وَإِيثَارُهُمْ بِالرُّكُوبِ وَتَجَشُّمُ (٣) المَشَقَّةِ لِأَجْلِ ذَلِكَ.

стр. 1430

١٨ - وَفِيهِ حُسْنُ الأَدَبِ مَعَ الأَجَانِبِ خُصُوصًا النِّسَاءِ، لَاسِيَّمَا فِي الخَلْوَةِ. ١٩ - وَفِيهِ المَشْيُ أَمَامَ المَرْأَةِ؛ لِيَسْتَقِرَّ خَاطِرُهَا، وَتَأْمَنَ مِمَّا يَتَوَهَّمُ مِنْ نَظَرِهِ لِمَا عَسَاهُ يَنْكَشِفُ مِنْهَا فِي حَرَكَةِ المَشْي. ٢٠ - وَفِيهِ مُلَاطفَةُ الزَّوْجَةِ، وَحُسْنُ مُعَاشَرَتِهَا، وَالتَّقْصِيرُ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ إِشَاعَةِ مَا يَقْتَضِي النَّقْصَ، وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ، وَفَائِدَةُ ذَلِكَ أَنْ تَتَفَطَّنَ لِتَغْيِيرِ الحَالِ فَتَعْتَذِرَ أَوْ تَعْتَرِفَ. ٢١ - وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِأَهْلِ المَرِيضِ أَنْ يُعْلِمُوهُ بِمَا يُؤْذِي بَاطِنَهُ؛ لِئَلَّا يَزِيدَ ذَلِكَ فِي مَرَضِهِ. ٢٢ - وَفِيهِ السُّؤَالُ عَنِ المَرِيضِ، وَإِشَارَةٌ إِلَى مَرَاتِبِ الهُجْرَانِ بِالكَلَامِ وَالمُلَاطَفَةِ، فَإِذَا كَانَ السَّبَبُ مُحَقَّقًا فَيُتْرَكُ أَصْلًا، وَإِنْ كَانَ مَظْنُونًا فَيُخَفَّفُ، وَإِنْ كَانَ مَشْكُوكًا فِيهِ، أَوْ مُحْتَمَلًا فَيَحْسُنُ التَّقْلِيلُ مِنْهُ لَا لِلْعَمَلِ بِمَا قِيلَ، بَلْ لِئَلَّا يُظَنَّ بِصَاحِبِهِ عَدَمُ المُبَالَاةِ بِمَا قِيلَ فِي حَقِّهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَوَارِمِ المُرُوءَةِ. ٢٣ - وَفِيهِ أَنَّ المَرْأَةَ إِذَا خَرَجَتْ لِحَاجَةٍ تَسْتَصْحِبُ مَنْ يُؤْنِسُهَا أَوْ يَخْدِمُهَا مِمَّنْ يُؤَمَنُ عَلَيْهَا. ٢٤ - وَفِيهِ ذَبُّ المُسْلِمِ عَنِ المُسْلِمِ خُصُوصًا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الفَضْلِ،

стр. 1431

وَرَدْعِ مَنْ يُؤْذِيهِمْ، وَلَوْ كَانَ مِنْهُمْ بِسَبِيلٍ. ٢٥ - وَفِيهِ بَيَانُ مَزِيدِ فَضِيلَةِ أَهْلِ بَدْرٍ، وَإِطْلَاقُ السَّبِّ عَلَى لَفْظِ الدُّعَاءَ بِالسُّوءِ عَلَى الشَّخْصِ. ٢٦ - وَفِيهِ البَحْثُ عَنِ الأَمْرِ القَبِيحِ إِذَا أُشِيعَ وَتَعَرُّفُ صِحَّتِهِ وَفَسَادِهِ بِالتَّنْقِيبِ عَلَى مَنْ قِيلَ فِيهِ هَلْ وَقَعَ مِنْهُ قَبْلَ ذَلِكَ مَا يُشْبِهُهُ أَوْ يَقْرُبُ مِنْهُ، وَاسْتِصْحَابُ حَالِ مَنِ اتُّهِمَ بِسُوءٍ إِذَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ مَعْرُوفًا بِالخَيْرِ إِذَا لَمْ يَظْهَرْ عَنْهُ بِالبَحْثِ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ. ٢٧ - وَفِيهِ فَضِيلَةٌ قَوِيَّةٌ لِأُمِّ مِسْطَحٍ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُحَابِ وَلَدَهَا فِي وُقُوعِهِ فِي حَقِّ عَائِشَةَ ﵂، بَلْ تَعَمَّدَتْ سَبَّهُ عَلَى ذَلِكَ. ٢٨ - وَفِيهِ تَقْوِيَةٌ لِأَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ فِي قَوْلِهِ ﷺ عَنْ أَهْلِ بَدْرٍ: "إِنَّ اللَّهَ قَالَ لَهُمْ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ" (١)، وَأَنَّ الرَّاجِحَ أَنَّ المُرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ الذُّنُوبَ تَقَعُ مِنْهُمْ لَكِنَّهَا مُقْرُونَةٌ بِالمَغْفِرَةِ تَفْضيلًا لَهُمْ عَلَى غَيْرِهِمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ المَشْهَدِ العَظِيمِ. ٢٩ - وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ التَّسْبِيحِ عِنْدَ سَمَاعِ مَا يَعْتَقِدُ السَّامِعُ أَنَّهُ كَذِبٌ، وَتَوْجِيهُهُ هُنَا أَنَّهُ يُنَزَّهُ أَنْ يَحْصُلَ لِقَرَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَدْنِيسٌ،

стр. 1432

فَيُشْرَعُ شُكْرُهُ بِالتَّنْزِيهِ فِي مِثْلِ هَذَا. ٣٠ - وَفِيهِ تَوَقُّفُ خُرُوجِ المَرْأَةِ مِنْ بَيْتِهَا عَلَى إِذْنِ زَوْجِهَا، وَلَوْ كَانَتْ إِلَى بَيْتِ أَبَوَيْهَا. ٣١ - وَفِيهِ البَحْثُ عَنِ الأَمْرِ المَقُولِ مِمَّنْ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَقُولُ فِيهِ، وَالتَّوَقُّفُ فِي خَبَرِ الوَاحِدِ، وَلَوْ كَانَ صَادِقًا، وَطَلَبُ الِارْتِقَاءِ مِنْ مَرْتَبَةِ الظَّنِّ إِلَى مَرْتَبَةِ اليَقِينِ، وَأَنَّ خَبَرَ الوَاحِدِ إِذَا جَاءَ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ أَفَادَ القَطْعَ؛ لِقَوْلِ عَائِشَةَ ﵂: "لَأَسْتَيْقِنَ الخَبَرَ مِنْ قِبَلِهِمَا"، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى عَدَدٍ مُعَيَّنٍ. ٣٢ - وَفِيهِ اسْتِشَارَةُ الْمَرْءِ أَهْلِ بِطَانَتِهِ مِمَّنْ يَلُوذُ بِهِ بِقَرَابَةٍ وَغَيْرِهَا، وَتَخْصِيصُ مَنْ جُرِّبَتْ صِحَّةُ رَأْيِهِ مِنْهُمْ بِذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ غَيْرُهُ أَقْرَبَ، وَالبَحْثُ عَنْ حَالِ مَنِ اتُّهِمَ بِشَيْءٍ، وَحِكَايَةُ ذَلِكَ لِلْكَشْفِ عَنْ أَمْرِهِ، وَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ غِيبَةً. ٣٣ - وَفِيهِ اسْتِعْمَالُ "لَا نَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا" فِي التَّزْكِيَةِ، وَأَنَّ ذَلِكَ كَافٍ فِي حَقِّ مَنْ سَبَقَتْ عَدَالَتُهُ مِمَّنْ يَطَّلِعُ عَلَى خَفِيِّ أَمْرِهِ. ٣٤ - وَفِيهِ التَّثَبُّتُ فِي الشَّهَادَةِ، وَفِطْنَةُ الإِمَامِ عِنْدَ الحَادِثِ المُهِمِّ، وَالِاسْتِنْصَارُ بِالأَخِصَّاءِ عَلَى الأَجَانِبِ، وَتَوْطِئَةُ العُذْرِ لِمَنْ يُرَادُ إِيقَاعَ العِقَابِ بِهِ أَوِ العِتَابِ لَهُ، وَاسْتِشَارَةُ الأَعْلَى لِمَنْ هُوَ دُونَهُ، وَاسْتِخْدَامُ مَنْ لَيْسَ فِي الرِّقِّ، وَأَنَّ مَنِ اسْتَفْسَرَ عَنْ حَالِ شَخْصٍ، فَأَرَادَ بَيَانَ مَا فِيهِ مِنْ عَيْبٍ، فَلْيُقَدِّمْ ذِكْرَ عُذْرِهِ فِي ذَلِكَ إِنْ كَانَ يَعْلَمُهُ، كَمَا قَالَتْ بَرِيرَةُ فِي عَائِشَةَ، حَيْثُ عَابَتْهَا بِالنَّوْمِ

стр. 1433

عَنِ العَجِينِ، فَقَدَّمَتْ قَبْلَ ذَلِكَ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ. ٣٥ - وَفِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ -كَانَ لَا يَحْكُمُ لِنَفْسِهِ إِلَّا بَعْدَ نُزُولِ الوَحْي؛ لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَجْزِمْ فِي القِصَّةِ بِشَيْءٍ قَبْلَ نُزُولِ الوَحْي. ٣٦ - وَفِيهِ أَنَّ الحَمِيَّةَ للَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ لَا تُذَمُّ. ٣٧ - وَفِيهِ فَضَائِلُ جَمَّةٌ لِعَائِشَةَ، وَلِأَبَوَيْهَا، وَلصَفْوَانَ، وَلعَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ، وَأُسَامَةَ، وَسَعْدِ بنِ مُعَاذٍ، وأُسَيْدِ بنِ حُضَيْرٍ ﵃ أَجْمَعِينَ. ٣٨ - وَفِيهِ أَنَّ التَّعَصُّبَ لِأَهْلِ البَاطِلِ يُخْرِجُ عَنِ اسْمِ الصَّلَاحِ. ٣٩ - وَفِيهِ جَوَازُ سَبِّ مَنْ يَتَعَرَّضَ لِلْبَاطِلِ وَنِسْبَتُهُ إِلَى مَا يَسُوءُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي الحَقِيقَةِ فِيهِ، لَكِنْ إِذَا وَقَعَ مِنْهُ مَا يُشْبِهُ ذَلِكَ جَازَ إِطْلَاقُ ذَلِكَ عَلَيْهِ تَغْلِيظًا لَهُ. ٤٠ - وَفِيهِ إِطْلَاقُ الكَذِبِ عَلَى الخَطَأِ، وَالقَسَمِ بِلَفْظِ لَعَمْرُ اللَّهِ. ٤١ - وَفِيهِ النَّدْبُ إِلَى قَطْعِ الخُصُومَةِ. ٤٢ - وَفِيهِ تَسْكِينُ ثَائِرَةِ الفِتْنَةِ، وَسَدِّ ذَرِيعَةِ ذَلِكَ، وَاحْتِمَالِ أَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ بِزَوَالِ أَغْلَظِهِمَا. ٤٣ - وَفِيهِ فَضْلُ احْتِمَالِ الأَذَى. ٤٤ - وَفِيهِ مُبَاعَدَةُ مَنْ خَالَفَ الرَّسُولَ ﷺ ، وَلَوْ كَانَ قَرِيبًا حَمِيمًا.

стр. 1434

٤٥ - وَفِيهِ أَنَّ مَنْ آذَى النَّبِيَّ ﷺ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ يُقْتَلُ؛ لِأَنَّ سَعْدَ بنَ مُعَاذٍ ﵁ أَطْلَقَ ذَلِكَ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ النَّبِيُّ ﷺ . ٤٦ - وَفِيهِ مُسَاعَدَةُ مَنْ نَزَلَتْ فِيهِ بَلِيَّةٌ بِالتَّوَجُّعِ وَالبُكَاءِ وَالحُزْنِ. ٤٧ - وَفِيهِ تَثَبُّتُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ فِي الأُمُورِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ فِي هَذِهِ القِصَّةِ مَعَ تَمَادِي الحَالِ فِيهَا شَهْرًا كَلِمَةً فَمَا فَوْقَهَا، إِلَّا مَا وَرَدَ عَنْهُ فِي بَعْضِ طُرُقِ الحَدِيثِ أَنَّهُ قَالَ: وَاللَّهِ مَا قِيلَ لَنَا هَذَا فِي الجَاهِلِيَّةِ، فكَيْفَ بَعْدَ أَنْ أَعَزَّنَا اللَّهُ بِالإِسْلَامِ، وَقَعَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ الطَّبَرانِّي. ٤٨ - وَفِيهِ ابْتِدَاءُ الكَلَامِ فِي الأَمْرِ المُهِمِّ بِالتَّشَهُّدِ وَالحَمْدِ وَالثَّنَاءِ، وَقَوْلِ: أَمَّا بَعْدُ. ٤٩ - وَفِيهِ تَوْقِيفُ مَنْ نُقِلَ عَنْهُ ذَنْبٌ عَلَى مَا قِيلَ فِيهِ بَعْدَ البَحْثِ عَنْهُ، وَأَنَّ قَوْلَ كَذَا وَكَذَا يُكْنَى بِهَا عَنِ الأَحْوَالِ كَمَا يُكْنَى بِهَا عَنِ الأَعْدَادِ وَلَا تَخْتَصُّ بِالأَعْدَادِ. ٥٠ - وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ التَّوْبَةِ، وَأَنَّهَا تُقْبَلُ مِنَ المُعْتَرِفِ المُقْلِعِ المُخْلِصِ، وَأَنَّ مُجَرَّدَ الِاعْتِرَافِ لَا يُجْزِئُ فِيهَا. ٥١ - وَفِيهِ أَنَّ الِاعْتِرَافَ بِمَا لَمْ يَقَعْ لَا يَجُوزُ، وَلَوْ عَرَفَ أَنَّهُ يُصَدَّقُ فِي ذَلِكَ، وَلَا يُؤَاخَذُ عَلَى مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى اعْتِرَافِهِ، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ الحَقَّ أَوْ يَسْكُتَ.

стр. 1435

٥٢ - وَفِيهِ أَنَّ الصَّبْرَ تُحْمَدُ عَاقِبَتُهُ وَيُغْبَطُ صَاحِبُهُ. ٥٣ - وَفِيهِ تَقْدِيمُ الكَبِيرِ فِي الكَلَامِ، وَتَوَقُّفُ مَنِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ الأَمْرُ فِي الكَلَامِ. ٥٤ - وَفِيهِ تَبْشِيرُ مَنْ تَجَدَّدَتْ لَهُ نِعْمَةٌ أَوِ انْدَفَعَتْ عَنْهُ نِقْمَةٌ. ٥٥ - وَفِيهِ الضَّحِكُ وَالفَرَحَ وَالِاسْتِبْشَارُ عِنْدَ ذَلِكَ. ٥٦ - وَفِيهِ مَعْذِرَةُ مَنِ انْزَعَجَ عِنْدَ وُقُوعِ الشِّدَّةِ لِصِغَرِ سِنٍّ وَنَحْوِهِ. ٥٧ - وَفِيهِ إِدْلَالُ المَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا وَأَبَوَيْهَا. ٥٨ - وَفِيهِ تَدْرِيجُ مَنْ وَقَعَ فِي مُصِيبَةٍ فزَالَتْ عَنْهُ لِئَلَّا يَهْجُمَ عَلَى قَلْبِهِ الفَرَحُ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ فَيُهْلِكَهُ، يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنِ ابْتِدَاءِ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ نُزُولِ الوَحْي بِبَرَاءَةِ عَائِشَةَ بِالضَّحِكِ، ثُمَّ تَبْشِيرِهَا، ثُمَّ إِعْلَامِهَا بِبَرَاءَتِهَا مُجْمَلَةً، ثُمَّ تِلَاوَتِهِ الآيَاتِ عَلَى وَجْهِهَا، وَقَدْ نَصَّ الحُكَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَنِ اشْتَدَّ عَلَيْهِ العَطَشُ لَا يُمَكَّنُ مِنَ المُبَالَغَةِ فِي الرَّيِّ فِي المَاءِ لِئَلَّا يُفْضِي بِهِ ذَلِكَ إِلَى الهَلَكَةِ، بَلْ يُجَرَّعُ قَلِيلًا قَلِيلًا. ٥٩ - وَفِيهِ أَنَّ الشِّدَّةَ إِذَا اشْتَدَّتْ أَعْقَبَهَا الفَرَجُ. ٦٠ - وَفِيهِ فَضْلُ مَنْ يُفَوِّضُ الأَمْرَ لِرَبِّهِ، وَأَنَّ مَنْ قَوِيَ عَلَى ذَلِكَ خَفَّ عَنْهُ الهَمُّ وَالغَمُّ، كَمَا وَقَعَ فِي حَالَتَيْ عَائِشَةَ قَبْلَ اسْتِفْسَارِهَا عَنْ حَالِهَا وَبَعْدَ جَوَابِهَا بِقَوْلهَا: "وَاللَّهُ المُسْتَعَانُ".

стр. 1436

٦١ - وَفِيهِ الحَثُّ عَلَى الإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ الخَيْرِ خُصوصًا فِي صِلَةِ الرَّحِمِ. ٦٢ - وَفِيهِ وُقُوعُ المَغْفِرَةِ لِمَنْ أَحْسَنَ إِلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْهِ أَوْ صَفَحَ عَنْهُ. ٦٣ - وَفِيهِ أَنَّ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَ شَيْئًا مِنَ الخَيْرِ اسْتُحِبَّ لَهُ الحَنْثُ (١). ٦٤ - وَفِيهِ جَوَازُ الِاسْتِشْهَادِ بِآيِ القُرْآنِ فِي النَّوَازِلِ. ٦٥ - وَفِيهِ التَّأَسِّي بِمَا وَقَعَ لِلْأَكَابِرِ مِنَ الأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ. ٦٦ - وَفِيهِ التَّسْبِيحُ عِنْدَ التَّعَجُّبِ وَاسْتِعْظَامِ الأَمْرِ. ٦٧ - وَفِيهِ ذَمُّ الغِيبَةِ، وَذَمُّ سَمَاعِهَا، وَزَجْرُ مَنْ يَتَعَاطَاهَا لَا سِيَّمَا إِنْ تَضَمَّنَتْ تُهْمَةَ المُؤْمِنِ بِمَا لَمْ يَقَعْ مِنْهُ. ٦٨ - وَفِيهِ ذَمُّ إِشَاعَةِ الفَاحِشَةِ. ٦٩ - وَفِيهِ تَحْرِيمُ الشَّكِّ فِي بَرَاءَةِ عَائِشَةَ. ٧٠ - وَفِيهِ تَأْخِيرُ الحَدِّ عَمَّنْ يُخْشَى مِنْ إِيقَاعِهِ بِهِ الفِتْنَةَ، نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ ابنُ بَطَّالٍ مُسْتَنِدًا إِلَى أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بنَ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ، كَانَ مِمَّنْ قَذَفَ عَائِشَةَ، وَلَمْ يَقَعْ فِي الحَدِيثِ أنَّهُ مِمَّنْ حُدَّ، وَتَعَقَّبَهُ عِيَاضٌ بِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ قَذَفَ، بَلِ الذِي ثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَخْرِجُهُ، وَيَسْتَوْشِيهِ (٢).

стр. 1437

* انْتِهَاءُ المِحْنَةِ: وَهَكَذَا، وَبَعْدَ شَهْرٍ تَقَشَّعَتْ (١) سَحَابَةُ الشَّكِّ وَالِارْتِيَابِ (٢)، وَالقَلَقِ وَالِاضْطِرَابِ عَنْ جَوِّ المَدِينَةِ، وَافْتُضِحَ رَأْسُ المُنَافِقِينَ افْتِضَاحًا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ بَعْدَ ذَلِكَ (٣). قَالَ ابنُ إِسْحَاقَ: وَجَعَلَ بَعْدَ ذَلِكَ -أَي ابْنُ سَلُولٍ- إِذَا أَحْدَثَ الحَدَثَ كَانَ قَوْمُهُ هُمُ الذِينَ يُعَاتِبُونَهُ، وَيَأْخُذُونَهُ، وَيُعَنِّفُونَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَيْفَ تَرَى يَا عُمَرُ؟ أَمَا وَاللَّهِ لَوْ قتَلْتَهُ يَوْمَ قُلْتَ لِي: أَقْتُلُهُ، لَأُرْعِدَتْ (٤) لَهُ أُنُفٌ، وَلَوْ أَمَرْتُهَا اليَوْمَ بِقَتْلِهِ لَقَتَلَتْهُ". فَقَالَ عُمَرُ ﵁: قَدْ وَاللَّهِ عَلِمْتُ لَأَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَعْظَمُ بَرَكَةً مِنْ أَمْرِي (٥).

стр. 1438

مِنْ بِدَايَةِ غَزْوَةِ الخَنْدَقِ إِلَى نِهَايَتِهَا غَزْوَةُ الخَنْدَقِ (١) وَتُسَمَّى غَزْوَةَ الأَحْزَابِ (٢)، وَكَانَتْ فِي شَوَّالَ مِنْ السَّنَةِ الخَامِسَةِ لِلْهِجْرَةِ (٣). قَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ الْغَزَالِيُّ: إِنَّ مَعْرَكَةَ الأَحْزَابِ لَمْ تَكُنْ مَعْرَكَةَ خَسَائِرٍ، بَلْ مَعْرَكَةَ أَعْصَابٍ (٤). * سَبَبُهَا: وَكَانَ سَبَبُ قُدُومِ الأَحْزَابِ أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَشْرَافِ يَهُودِ بَنِي النَّضِيرِ، الذِينَ

стр. 1439

كَانُوا قَدْ أَجْلَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ المَدِينَةِ إِلَى خَيْبَرَ، مِنْهُمْ سَلَّامُ بنُ مِشْكَمٍ، وَسَلَّامُ بنُ أَبِي الْحُقَيقِ، وَحُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ، وَكِنَانَةُ بنُ الرَّبِيعِ، وَغَيْرُهُمْ، خَرَجُوا إِلَى مَكَّةَ، وَاجْتَمَعُوا بِأَشْرَافِ قُرَيْشٍ، وَحَرَّضُوهُمْ عَلَى حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَلَّبُوهُمْ (١) عَلَيْهِ، وَوَعَدُوهُمْ مِنْ أَنْفُسِهِم النَّصْرَ وَالإِعَانَةَ، فَقَالُوا: إِنَّا سَنَكُونُ مَعَكُمْ عَلَيْهِ، حَتَّى نَسْتَأْصِلَهُ. فَأَجَابَتْهُمْ قُرَيْشٌ إِلَى ذَلِكَ، وَقَالَتْ لَهُمْ قُرَيْشٌ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، إِنَّكُمْ أَهْلُ الكِتَابِ الأَوَّلِ وَالعِلْمِ بِمَا أَصْبَحْنَا نَخْتَلِفُ فِيهِ نَحْنُ وَمُحَمَّدٌ، أَفَدِينُنَا خَيْرٌ أَمْ دِينُهُ؟ قَالُوا: بَلْ دِينُكُمْ خَيْرٌ مِنْ دِينِهِ، وَأَنْتُمْ أَوْلَى بِالحَقِّ مِنْهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ (٢). قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: وَهَذَا لَعْنٌ لَهُمْ، وَإِخْبَارٌ بِأَنَّهُمْ لَا نَاصِرَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الآخِرَةِ؛ لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا ذَهَبُوا يَسْتَنْصِرُونَ بِالْمُشْرِكِينَ، وَإِنَّمَا قَالُوا لَهُمْ ذَلِكَ لِيَسْتَمِيلُوهُمْ إِلَى نَصْرِهِمْ، وَقَدْ أَجَابُوهُمْ، وَجَاؤُوا مَعَهُمْ يَوْمَ الأَحْزَابِ، حَتَّى حَفَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ حَوْلَ الْمَدِينَةِ

стр. 1440

الخَنْدَقَ، فكَفَى اللَّهُ شَرَّهُمْ: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ (١). فَلَمَّا قَالُوا ذَلِكَ لِقُرَيْشٍ سَرَّهُمْ وَنَشَّطَهُمْ لِمَا دَعَوْهُمْ إِلَيْهِ مِنْ حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَاجْتَمَعُوا لِذَلِكَ وَتَعَاهَدُوا عَلَى قِتَالِهِ، وَوَعَدُوهُمْ لِذَلِكَ. ثُمَّ خَرَجَ أُولَئِكَ اليَهُودُ إِلَى غَطَفَانَ فَدَعَوْهُمْ فَاسْتَجَابُوا لَهُمْ أَيْضًا. * خُرُوجُ الْأَحْزَابِ وَعِدَّتُهُمْ: خَرَجَتْ قُرَيْشٌ فِي أَحَابِيشِهَا، وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنَ العَرَبِ مِنْ كِنَانَةَ وَأَهْلِ تِهَامَةَ، فَكَانُوا أَرْبَعَةَ آلَافٍ، وَعَقَدُوا اللِّوَاءَ فِي دَارِ النَّدْوَةِ، وَحَمَلَهُ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، وَقَادُوا مَعَهُمْ ثَلَاثَمِائَةِ فَرَسٍ، وَكَانَ مَعَهُمْ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةِ بَعِيرٍ، وَخَرَجُوا يَقُودُهُمْ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَوَافَقَهُمْ بَنُو سُلَيْمٍ بَمَرِّ الظَّهْرَانِ (٢) وَهُمْ سَبْعُمِائَةٍ يَقُودُهُمْ سُفْيَانُ بْنُ عَبْدِ شَمْسٍ حَلِيفُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَخَرَجَتْ مَعَهُمْ بَنُو أَسَدٍ يَقُودُهُمْ طُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ، وَخَرَجَتْ قَبَائِلُ غَطفانَ: بَنُو فزَارَةَ وَهُمْ أَلْفٌ يَقُودُهُمْ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، وَبَنُو مُرَّةَ وَهُمْ أَرْبَعُمِائَةٍ يَقُودُهُمْ الحَارِثُ بْنُ عَوْفٍ، وَبَنُو أَشْجَعَ وَهُمْ أَرْبَعُمِائَةٍ يَقُودُهُمْ مِسْعَرُ بْنُ زُخَيْلَةٍ، وَخَرَجَ مَعَهُمْ قَوْمٌ آخَرُونَ، فَكَانَ جَمِيعُ الذِينَ وَافَوُا الخَنْدَقَ عَشَرَةَ آلَافٍ، وَهُمُ الْأَحْزَابُ الذِينَ
следующие страницы →