← Сира

Сира · id 38114

اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون

موسى بن راشد العازمي

Полный текст (2 595 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

٦١ - وَفِيهِ الحَثُّ عَلَى الإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ الخَيْرِ خُصوصًا فِي صِلَةِ الرَّحِمِ. ٦٢ - وَفِيهِ وُقُوعُ المَغْفِرَةِ لِمَنْ أَحْسَنَ إِلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْهِ أَوْ صَفَحَ عَنْهُ. ٦٣ - وَفِيهِ أَنَّ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَ شَيْئًا مِنَ الخَيْرِ اسْتُحِبَّ لَهُ الحَنْثُ (١). ٦٤ - وَفِيهِ جَوَازُ الِاسْتِشْهَادِ بِآيِ القُرْآنِ فِي النَّوَازِلِ. ٦٥ - وَفِيهِ التَّأَسِّي بِمَا وَقَعَ لِلْأَكَابِرِ مِنَ الأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ. ٦٦ - وَفِيهِ التَّسْبِيحُ عِنْدَ التَّعَجُّبِ وَاسْتِعْظَامِ الأَمْرِ. ٦٧ - وَفِيهِ ذَمُّ الغِيبَةِ، وَذَمُّ سَمَاعِهَا، وَزَجْرُ مَنْ يَتَعَاطَاهَا لَا سِيَّمَا إِنْ تَضَمَّنَتْ تُهْمَةَ المُؤْمِنِ بِمَا لَمْ يَقَعْ مِنْهُ. ٦٨ - وَفِيهِ ذَمُّ إِشَاعَةِ الفَاحِشَةِ. ٦٩ - وَفِيهِ تَحْرِيمُ الشَّكِّ فِي بَرَاءَةِ عَائِشَةَ. ٧٠ - وَفِيهِ تَأْخِيرُ الحَدِّ عَمَّنْ يُخْشَى مِنْ إِيقَاعِهِ بِهِ الفِتْنَةَ، نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ ابنُ بَطَّالٍ مُسْتَنِدًا إِلَى أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بنَ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ، كَانَ مِمَّنْ قَذَفَ عَائِشَةَ، وَلَمْ يَقَعْ فِي الحَدِيثِ أنَّهُ مِمَّنْ حُدَّ، وَتَعَقَّبَهُ عِيَاضٌ بِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ قَذَفَ، بَلِ الذِي ثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَخْرِجُهُ، وَيَسْتَوْشِيهِ (٢).

стр. 1437

* انْتِهَاءُ المِحْنَةِ: وَهَكَذَا، وَبَعْدَ شَهْرٍ تَقَشَّعَتْ (١) سَحَابَةُ الشَّكِّ وَالِارْتِيَابِ (٢)، وَالقَلَقِ وَالِاضْطِرَابِ عَنْ جَوِّ المَدِينَةِ، وَافْتُضِحَ رَأْسُ المُنَافِقِينَ افْتِضَاحًا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ بَعْدَ ذَلِكَ (٣). قَالَ ابنُ إِسْحَاقَ: وَجَعَلَ بَعْدَ ذَلِكَ -أَي ابْنُ سَلُولٍ- إِذَا أَحْدَثَ الحَدَثَ كَانَ قَوْمُهُ هُمُ الذِينَ يُعَاتِبُونَهُ، وَيَأْخُذُونَهُ، وَيُعَنِّفُونَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَيْفَ تَرَى يَا عُمَرُ؟ أَمَا وَاللَّهِ لَوْ قتَلْتَهُ يَوْمَ قُلْتَ لِي: أَقْتُلُهُ، لَأُرْعِدَتْ (٤) لَهُ أُنُفٌ، وَلَوْ أَمَرْتُهَا اليَوْمَ بِقَتْلِهِ لَقَتَلَتْهُ". فَقَالَ عُمَرُ ﵁: قَدْ وَاللَّهِ عَلِمْتُ لَأَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَعْظَمُ بَرَكَةً مِنْ أَمْرِي (٥).

стр. 1438

مِنْ بِدَايَةِ غَزْوَةِ الخَنْدَقِ إِلَى نِهَايَتِهَا غَزْوَةُ الخَنْدَقِ (١) وَتُسَمَّى غَزْوَةَ الأَحْزَابِ (٢)، وَكَانَتْ فِي شَوَّالَ مِنْ السَّنَةِ الخَامِسَةِ لِلْهِجْرَةِ (٣). قَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ الْغَزَالِيُّ: إِنَّ مَعْرَكَةَ الأَحْزَابِ لَمْ تَكُنْ مَعْرَكَةَ خَسَائِرٍ، بَلْ مَعْرَكَةَ أَعْصَابٍ (٤). * سَبَبُهَا: وَكَانَ سَبَبُ قُدُومِ الأَحْزَابِ أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَشْرَافِ يَهُودِ بَنِي النَّضِيرِ، الذِينَ

стр. 1439

كَانُوا قَدْ أَجْلَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ المَدِينَةِ إِلَى خَيْبَرَ، مِنْهُمْ سَلَّامُ بنُ مِشْكَمٍ، وَسَلَّامُ بنُ أَبِي الْحُقَيقِ، وَحُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ، وَكِنَانَةُ بنُ الرَّبِيعِ، وَغَيْرُهُمْ، خَرَجُوا إِلَى مَكَّةَ، وَاجْتَمَعُوا بِأَشْرَافِ قُرَيْشٍ، وَحَرَّضُوهُمْ عَلَى حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَلَّبُوهُمْ (١) عَلَيْهِ، وَوَعَدُوهُمْ مِنْ أَنْفُسِهِم النَّصْرَ وَالإِعَانَةَ، فَقَالُوا: إِنَّا سَنَكُونُ مَعَكُمْ عَلَيْهِ، حَتَّى نَسْتَأْصِلَهُ. فَأَجَابَتْهُمْ قُرَيْشٌ إِلَى ذَلِكَ، وَقَالَتْ لَهُمْ قُرَيْشٌ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، إِنَّكُمْ أَهْلُ الكِتَابِ الأَوَّلِ وَالعِلْمِ بِمَا أَصْبَحْنَا نَخْتَلِفُ فِيهِ نَحْنُ وَمُحَمَّدٌ، أَفَدِينُنَا خَيْرٌ أَمْ دِينُهُ؟ قَالُوا: بَلْ دِينُكُمْ خَيْرٌ مِنْ دِينِهِ، وَأَنْتُمْ أَوْلَى بِالحَقِّ مِنْهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ (٢). قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: وَهَذَا لَعْنٌ لَهُمْ، وَإِخْبَارٌ بِأَنَّهُمْ لَا نَاصِرَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الآخِرَةِ؛ لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا ذَهَبُوا يَسْتَنْصِرُونَ بِالْمُشْرِكِينَ، وَإِنَّمَا قَالُوا لَهُمْ ذَلِكَ لِيَسْتَمِيلُوهُمْ إِلَى نَصْرِهِمْ، وَقَدْ أَجَابُوهُمْ، وَجَاؤُوا مَعَهُمْ يَوْمَ الأَحْزَابِ، حَتَّى حَفَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ حَوْلَ الْمَدِينَةِ

стр. 1440

الخَنْدَقَ، فكَفَى اللَّهُ شَرَّهُمْ: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ (١). فَلَمَّا قَالُوا ذَلِكَ لِقُرَيْشٍ سَرَّهُمْ وَنَشَّطَهُمْ لِمَا دَعَوْهُمْ إِلَيْهِ مِنْ حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَاجْتَمَعُوا لِذَلِكَ وَتَعَاهَدُوا عَلَى قِتَالِهِ، وَوَعَدُوهُمْ لِذَلِكَ. ثُمَّ خَرَجَ أُولَئِكَ اليَهُودُ إِلَى غَطَفَانَ فَدَعَوْهُمْ فَاسْتَجَابُوا لَهُمْ أَيْضًا. * خُرُوجُ الْأَحْزَابِ وَعِدَّتُهُمْ: خَرَجَتْ قُرَيْشٌ فِي أَحَابِيشِهَا، وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنَ العَرَبِ مِنْ كِنَانَةَ وَأَهْلِ تِهَامَةَ، فَكَانُوا أَرْبَعَةَ آلَافٍ، وَعَقَدُوا اللِّوَاءَ فِي دَارِ النَّدْوَةِ، وَحَمَلَهُ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، وَقَادُوا مَعَهُمْ ثَلَاثَمِائَةِ فَرَسٍ، وَكَانَ مَعَهُمْ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةِ بَعِيرٍ، وَخَرَجُوا يَقُودُهُمْ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَوَافَقَهُمْ بَنُو سُلَيْمٍ بَمَرِّ الظَّهْرَانِ (٢) وَهُمْ سَبْعُمِائَةٍ يَقُودُهُمْ سُفْيَانُ بْنُ عَبْدِ شَمْسٍ حَلِيفُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَخَرَجَتْ مَعَهُمْ بَنُو أَسَدٍ يَقُودُهُمْ طُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ، وَخَرَجَتْ قَبَائِلُ غَطفانَ: بَنُو فزَارَةَ وَهُمْ أَلْفٌ يَقُودُهُمْ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، وَبَنُو مُرَّةَ وَهُمْ أَرْبَعُمِائَةٍ يَقُودُهُمْ الحَارِثُ بْنُ عَوْفٍ، وَبَنُو أَشْجَعَ وَهُمْ أَرْبَعُمِائَةٍ يَقُودُهُمْ مِسْعَرُ بْنُ زُخَيْلَةٍ، وَخَرَجَ مَعَهُمْ قَوْمٌ آخَرُونَ، فَكَانَ جَمِيعُ الذِينَ وَافَوُا الخَنْدَقَ عَشَرَةَ آلَافٍ، وَهُمُ الْأَحْزَابُ الذِينَ

стр. 1441

سَمَّاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، وَعِنَاجُ (١) الْأَمْرِ إِلَى أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، فَاتَّجَهُوا نَحْوَ الْمَدِينَةِ عَلَى مِيعَادٍ كَانُوا قَدْ تَعَاهَدُوا عَلَيْهِ (٢). * مُشَاوَرَةُ الرَّسُولِ ﷺ أَصْحَابَهُ وَحَفْرُ الخَنْدَقِ: وَقَبْلَ خُرُوجِ الْأَحْزَابِ وَتَوَجُّهِهِمْ إِلَى الْمَدِينَةِ، قَدِمَ رَكْبٌ مِنْ خُزَاعَةَ الْمَدِينَةَ وَأَخْبَرُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمْرَ الْأَحْزَابِ، فَلَمَّا سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْأَحْزَابُ مِنَ الْأَمْرِ، دَعَا النَّاسَ وَأَخْبَرَهُمْ خَبَرَهُمْ، وَشَاوَرَهُمْ فِي أَمْرِهِمْ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ سَلْمَانُ الفَارِسِيُّ ﵁ بِحَفْرِ الخَنْدَقِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ حُرٌّ (٣)، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا كُنَّا بِفَارِسَ إِذَا حُوصِرْنَا خَنْدَقْنَا عَلَيْنَا، فَأَعْجَبَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . وَكَانَتْ خُطَّةً حَكِيمَةً لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُهَا الْعَرَبُ قَبْلَ ذَلِكَ. وَبَادَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى تَنْفِيذِ هَذِهِ الخُطَّةِ، فَأَمَرَ بِحَفْرِ الخَنْدَقِ مِنْ جِهَةِ الشَّمَالِ -وَهِيَ عَوْرَةُ الْمَدِينَةِ لَا يَسْتَطِيعُ الْمُهَاجِمُونَ نَفَاذًا إِلَى الْمَدِينَةِ إِلَّا مِنْهَا- بَيْنَ حَرَّتَيِّ (٤) وَاقِمٍ وَالْوَبْرَةِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَدِينَةَ كَانَتْ مُشَبَّكَةً بِالْبُنْيَانِ وَمُحَاطَةً

стр. 1442

بِالْحَرَّاتِ وَبَسَاتِينِ النَّخِيلِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ سِوَى الشَّمَالِ، فَاتُّخِذَ الخَنْدَقُ فِي هَذِهِ النَّاحِيَةِ. وَقَطَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لكُلِّ عَشَرَةِ رِجَالٍ أَرْبَعِينَ ذِرَاعًا. * حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: وَلَمَّا قَطَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لكُلِّ عَشَرَةِ رِجَالٍ أَرْبَعِينَ ذِرَاعًا، قَالَتِ الْمُهَاجِرُونَ: سَلْمَانُ مِنَّا، وَقَالَتِ الْأَنْصَارُ: سَلْمَانُ مِنَّا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "سَلْمَانُ مِنَّا أَهْلَ البَيْتِ" (١). * الْبَدْءُ فِي حَفْرِ الخَنْدَقِ: وَشَرَعَ الْمُسْلِمُونَ فِي حَفْرِ الخَنْدَقِ فِي جَوٍّ بَارِدٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَحْفِرُ مَعَهُمْ بِنَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ، وَيَحْمِلُ التُّرَابَ بِنَفْسِهِ تَرْغِيبًا لِلْمُسْلِمِينَ فِي الْأَجْرِ وَتَنْشِيطًا لَهُمْ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَنسٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الخَنْدَقِ فَإِذَا الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ يَحْفِرُونَ فِي غَدَاةٍ بَارِدَةٍ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَبِيدٌ يَعْمَلُونَ ذَلِكَ لَهُمْ، فَلَمَّا رَأَى مَا بِهِمْ مِنَ النَّصَبِ (٢) وَالْجُوعِ، قَالَ: "اللَّهُمَّ إِنَّ العَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَةِ".

стр. 1443

فَقَالُوا ﵃ مُجِيبِينَ لَهُ: نَحْنُ الذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدًا ... عَلَى الجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدًا (١) وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْأَحْزَابِ، وَخَنْدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، رَأَيْتُهُ يَنْقُلُ مِنْ تُرَابِ الْخَنْدَقِ حَتَّى وَارَى (٢) عَنِّي التُّرَابُ جِلْدَةَ بَطْنِهِ (٣) وَكَانَ كَثِيرَ الشَّعْرِ (٤)، فَسَمِعْتُهُ يَرْتَجِزُ بِكَلِمَاتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ، وَهُوَ يَنْقُلُ مِنَ التُّرَابِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ لَوَلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا ... وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا فَأَنْزِلَنْ سكِينَةً عَلَيْنَا ... وَثَبِّتِ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا إِنَّ الْأُلَى (٥) قَدْ بَغَوْا عَليْنَا ... وَإِنْ أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا ثُمَّ يَمُدُّ صَوْتَهُ بِآخِرِهَا (٦).

стр. 1444

وَلَا تَسَلْ عَمَّا كَانَتْ تَصْنَعُهُ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ الْمُؤْمِنَةُ العِذَابُ فِي نُفُوسِهِمْ مِنْ مُضَاعَفَةِ الجُهْدِ، وَالِاسْتِهَانَةِ بِالنَّصَبِ وَالتَّعَبِ (١). وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا نَسِيتُ قَوْلَهُ ﷺ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَهُوَ يُعَاطِيهِمُ اللَّبِنَ (٢)، وَقَدِ اغْبَرَّ شَعْرُ صَدْرِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنَّ الْخَيْرَ خَيْرُ الْآخْرَةِ ... فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَةِ" قَالَتْ: فَرَأَى عَمَّارًا، فَقَالَ لَهُ: "وَيْحَهُ ابْنُ سُمَيَّةَ تَقْتُلُهُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ" (٣). * وَهْمٌ فِي الرِّوَايَةِ: قُلْتُ: الْمَشْهُورُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِعَمَّارٍ ﵁: "تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ" عِنْدَمَا بَنَى الْمَسْجِدَ النَّبَوِيَّ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ فِي الدَّلَائِلِ: يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ ذِكْرُ الْخَنْدَقِ وَهْمًا، أَوْ

стр. 1445

كَانَ قَدْ قَالَ لَهُ ذَلِكَ عِنْدَ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ، وَقَالَهَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (١). وَقَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: حَمْلُ اللَّبِنِ فِي حَفْرِ الْخَنْدَقِ لَا مَعْنَى لَهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ اشْتَبَهَ عَلَى النَّاقِلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (٢). وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْخَنْدَقِ وَهُمْ يَحْفِرُونَ، وَنَحْنُ نَنْقُلُ التُّرَابَ عَلَى أَكْتَافِنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَةِ ... فَاغْفِرْ لِلْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ" (٣) قَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ الغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَا تَحْسَبَنَّ عَمَلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْخَنْدَقِ وَقَذْفَ أَتْرِبَتِهِ مِنْ قَبِيلِ التَّمْثِيلِ الذِي يُحْسِنُهُ بَعْضُ الزُّعَمَاءَ، كَلَّا، كَلَّا. إِنَّ الرُّجُولَةَ الْكَادِحَةَ الْجَادَّةَ فِي أَنْبَلِ صُوَرِهَا كَانَتْ تُقْتَبَسُ فِي مَسْلَكِ الرَّسُولِ ﷺ فِي هَذِهِ الْمَعْرَكَةِ، يَقُولُ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ ﵁: لَقَدْ وَارَى عَنِّي التُّرَابُ جِلْدَةَ بَطْنِهِ ﷺ ، وَكَانَ كَثِيرَ الشَّعْرِ. أَجَلْ إِنَّهُ اسْتَغْرَقَ فِي الْعَمَلِ مَعَ أَصْحَابِهِ، فَالرُّجُولَةُ الصَّادِقَةُ لَا تَعْرِفُ التَّمْثِيلَ. . . (٤).

стр. 1446

* شِدَّةُ الْجُوعِ الذِي أَصَابَهُمْ: وَاصَلَ الْمُسْلِمُونَ عَمَلَهُمْ فِي حَفْرِ الْخَنْدَقِ بِجِدٍّ وَنَشَاطٍ مُسْتَعْجِلِينَ يُبادِرُونَ قُدُومَ الْعَدُوِّ، فَكَانُوا يَعْمَلُونَ فِيهِ طَوَالَ النَّهَارِ وَيَرْجِعُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ فِي الْمَسَاءَ، وَقَدْ كَانُوا يُقَاسُونَ وَهُمْ يَحْفِرُونَ الْخَنْدَقَ مِنْ شِدَّةِ الْجُوعِ، وَأَصَابَهُمْ جَهْدٌ شَدِيدٌ، حَتَّى رَبَطُوا عَلَى بُطُونِهِمُ الْحِجَارَةَ مِنَ الْجُوعِ. رَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قال: إِنَّا يَوْمَ الخَنْدَقِ نَحْفِرُ فعرَضتْ كُدْيَةٌ (١) شدِيدةٌ فجَاءُوا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالُوا: هَذِهِ كُدْيَةٌ عَرَضَتْ فِي الْخَنْدَقِ، فَقَالَ: "أَنَا نَازِلٌ"، ثُمَّ قَامَ وَبَطْنُهُ مَعْصُوبٌ بِحَجَرٍ (٢)، وَلبِثْنَا ثَلاثَةَ أَيَّامٍ لا نَذُوقُ ذَوَاقًا، فَأَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ الْمِعْوَل، فَضَرَبَ فِي الْكُدْيَةِ، فَعَادَ كَثِيبًا (٣) أَهْيَلَ (٤) أَوْ أَهْيَمَ (٥).

стр. 1447

وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: جَعَلَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ يَحْفِرُونَ الْخَنْدَقَ حَوْلَ المَدِينَةِ، ثُمَّ قَالَ ﵁: . . . يُؤْتَوْنَ بِمِلْءِ كَفَّيْ مِنَ الشَّعِيرِ فيصْنَعُ (١) لَهُمْ بِإِهَالَةٍ (٢) سَنِخَةٍ (٣) تُوضَعُ بَيْنَ يَدَيِ الْقوْمِ، وَالْقَوْمُ جِيَاعٌ، وَهِيَ بَشِعَةٌ (٤) فِي الْخَلْقِ، وَلَهَا رِيحٌ مُنْتِنٌ (٥). وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الرُّغْمِ مِنَ الْهَوْلِ الْمُرْعِبِ وَالضِّيقِ الْمُجْهِدِ، مَثَابَةَ الْأَمَانِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَمَصْدَرَ الثِّقَةِ وَالرَّجَاءِ وَالِاطْمِئْنَانِ، وَإِنَّ دِرَاسَةَ مَوْقِفِهِ ﷺ فِي هَذَا الْحَادِثِ الضَّخْمِ لَمِمَّا يَرْسَمُ لِقَادَةِ الْجَمَاعَاتِ وَالْحَرَكَاتِ طَرِيقَهُمْ، وَفِيهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ، وَتَطْلُبُ نَفْسُهُ الْقُدْوَةَ الطَّيِّبَةَ، وَيَذْكُرُ اللَّهَ وَلَا يَنْسَاهُ (٦). * تَخَاذُلُ الْمُنَافِقِينَ: أَمَّا الْمُنَافِقُونَ فَقَدْ كَانُوا يَتَأَخَّرُونَ فِي الْعَمَلِ، وَيُثَبِّطُونَ عَزَائِمَ الْمُسْلِمِينَ

стр. 1448

وَيَتَخَاذَلُونَ، وَيَتَسَلَّلُونَ مِنَ الْعَمَلِ وَيَذْهَبُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ بِغَيْرِ عِلْمِ الرَّسُولِ ﷺ وَلَا إِذْنٍ (١). * ظُهُورُ الْمُعْجِزَاتِ: وَقَدْ ظَهَرَتْ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ الْعَظِيمَةِ مُعْجِزَاتٌ لِلرَّسُولِ ﷺ ، مِنْهَا: * تَكْثِيرُ الطَّعَامِ الْقَلِيلِ: أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صحِيحَيْهِمَا عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا حُفِرَ الْخَنْدَقُ رَأَيْتُ بِالنَّبِيِّ ﷺ خَمَصًا (٢) شَدِيدًا، فَانْكَفَأْتُ (٣) إِلَى امْرَأَتِي (٤) فَقُلْتُ: هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ؟ فَإِنِّي رَأَيْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَمْصًا شَدِيدًا، فَأَخْرَجَتْ إِلَيَّ جِرَابًا (٥) فِيهِ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ، وَلَنَا بُهَيْمَةٌ دَاجِنٌ (٦) فَذَبَحْتُهَا

стр. 1449

وَطَحَنْتِ الشَّعِيرَ، فَفَرَغَتْ (١) إِلَى فَرَاغِي (٢)، وَقَطَّعْتُهَا فِي بُرْمَتِهَا، ثُمَّ وَلَّيْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: لَا تَفْضَحْنِي بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِمَنْ مَعَهُ، فَجِئْتُهُ فَسَارَرْتُهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَبَحْنَا (٣) بُهَيْمَةً (٤) لَنَا، وَطَحَنَّا صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ كَانَ عِنْدَنَا فتَعَالَ أَنْتَ، وَنَفَرٌ مَعَكَ (٥) فَصَاحَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "يَا أَهْلَ الْخَنْدَقِ إِنَّ جَابِرًا قَدْ صَنَعَ سُؤْرًا (٦) فَحَيَّ هَلًا بِكُمْ". زَادَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ قَالَ جَابِرٌ ﵁: إِنَّا للَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لجَابِرٍ: "لَا تُنْزِلَنَّ بُرْمَتَكُمْ وَلَا تَخْبِزَنَّ عَجِينَكُمْ حَتَّى أَجِيءَ". قَالَ جَابِرٌ: فَجِئْتُ (٧) وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْدُمُ النَّاسَ حَتَّى جِئْتُ امْرَأَتِي فَقَالَتْ: بِكَ وَبِكَ (٨) فَقُلْتُ: قَدْ فَعَلْتُ الذِي قُلْتِ، فَأَخْرَجَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ

стр. 1450

عَجِينًا فَبَصَقَ فِيهِ وَبَارَكَ ثُمَّ عَمَدَ إِلَى بُرْمَتِنَا، فَبَصَقَ وَبَارَكَ ثُمَّ قَالَ: "ادْعُ خَابِزَةً فَلْتَخْبِزْ معِي (١) وَاقدحِي (٢) مِنْ برْمَتِكُمْ وَلَا تُنْزِلوهَا"، وَهُمْ ألْفٌ. قَالَ جَابِرٌ: فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ لَقَدْ أَكَلُوا حَتَّى تَرَكُوهُ، وَانْحَرَفُوا (٣)، وَإِنَّ بُرْمَتَنَا لَتَغِطُّ (٤) كَمَا هِيَ، وَإِنَّ عَجِينَنَا لَيُخْبَزُ كَمَا هُوَ (٥). * مُعْجِزَةٌ أُخْرَى: وَمِنَ الْمُعْجِزَاتِ التِي ظَهَرَتْ فِي الْخَنْدَقِ مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: مَكَثَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَاُبهُ وَهُمْ يَحْفِرُونَ الْخَنْدَقَ ثَلَاثًا، لَمْ يَذُوقُوا طَعَامًا، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَاهُنَا كُدْيَةً مِنَ الْجَبَلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : رُشُّوهَا بِالْمَاءَ، فَرَشُّوهَا، ثُمَّ جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ (٦) أَوِ الْمِسْحَاةَ (٧)، ثُمَّ قَالَ: "بِسْمِ اللَّهِ" فَضَرَبَ ثَلَاثًا، فَصَارَتْ كَثِيبًا يُهَالُ (٨)، قَالَ جَابِرٌ: فَكَانَتْ مِنِّي الْتِفَاتَةٌ، فَإِذَا

стр. 1451

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ شَدَّ عَلَى بَطْنِهِ حَجَرًا (١). * مُعْجِزَةٌ أُخْرَى: وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَالنَّسَائِيُّ فِي السُّنَنِ الكُبْرَى بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ الْبَرَاءَ بْنِ عَازِبٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَحْفِرَ الْخَنْدَقَ، عَرَضَ لَنَا فِيهِ حَجَرٌ لَا يَأْخُذُ فِيهِ الْمِعْوَلَ (٢)، فَاشْتَكَيْنَا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَلْقى ثَوْبَهُ، وَأَخَذَ الْمِعْوَلَ، وَقَالَ: "بِسْمِ اللَّهِ" فَضَرَبَ ضَرْبَةً فكَسَرَ ثُلُثَ الصَّخْرَةِ، قَالَ: "اللَّهُ أَكْبَرُ، أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الشَّامِ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ قُصُورَهَا الْحُمْرَ الْآنَ مِنْ مَكَانِي هَذَا"، ثُمَّ ضَرَبَ أُخْرَى، وَقَالَ: "بِسْمِ اللَّهِ" وَكَسَرَ ثُلُثًا آخَرَ، وَقَالَ: "اللَّهُ أَكْبَرُ، أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ فَارِسَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ قَصْرَ الْمَدَائِنِ الْأَبْيَضَ الْآنَ"، ثُمَّ ضَرَبَ الثَّالِثَةَ، وَقَالَ: "بِسْمِ اللَّهِ" فَقَطَعَ الْحَجَرَ، وَقَالَ: "اللَّهُ أَكْبَرُ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الْيَمَنِ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ بَابَ صَنْعَاءَ" (٣). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي السُّنَنِ الكُبْرَى لِلنَّسَائِيِّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَمَّا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِحَفْرِ الْخَنْدَقِ، عَرَضَتْ لَهُمْ صَخْرَةٌ

стр. 1452

حَالَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الحَفْرِ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَخَذَ الْمِعْوَلَ، وَوَضَعَ رِدَاءَهُ نَاحِيَةَ الْخَنْدَقِ، وَضَرَبَ وَقَالَ: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (١) فنَدَرَ (٢) ثُلُثُ الْحَجَرِ، وَسَلْمَانُ الفَارِسِيُّ قَائِمٌ يَنْظُرُ، فَبَرَقَ مَعَ ضَرْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَرْقَةٌ (٣)، ثُمَّ ضَرَبَ الثَّانِيَةَ، وَقَالَ: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ فنَدَرَ الثُّلُثُ الْآخَرُ، فَبرَقَتْ بَرْقَةٌ يَرَاهَا سَلْمَانُ، ثُمَّ ضَرَبَ الثَّالِثَةَ، وَقَالَ: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، فنَدَرَ الثُّلُثُ البَاقِي، وَبَرَقَتْ بَرْقَةٌ، وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَأَخَذَ رِدَاءَهُ وَجَلَسَ، فَقَالَ سَلْمَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْتُكَ حِينَ ضَرَبْتَ، لَا تَضْرِبُ ضَرْبَةً إِلَّا كَانَتْ مَعَهَا بَرْقَةٌ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا سَلْمَانُ، رَأَيْتَ ذَلِكَ؟ " قَالَ: إِي وَالذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ ﷺ : "فَإِنِّي حِينَ ضَرَبْتُ الضَّرْبَةَ الْأُولَى، رُفِعَتْ لِي مَدَائِنُ كسْرَى وَمَا حَوْلَهَا وَمَدَائِنُ كَثِيرةٌ، حَتَّى رَأَيْتُهَا بِعَيْنِي"، فَقَالَ لَهُ مَنْ حَضَرَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اُدْعُ اللَّهَ أَنْ يَفْتَحَهَا عَلَيْنَا، وَيُغَنِّمَنَا ذَرَارِيَهُمْ، وَيُخَربَ بِأَيْدِينَا بِلَادَهُمْ، قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ. قَالَ ﷺ : "ثُمَّ ضَرَبْتُ الضَّرْبَةَ الثَّانِيَةَ، فَرُفِعَتْ لِي مَدَائِنُ قَيْصَرَ وَمَا

стр. 1453

حَوْلَهَا، حَتَّى رَأَيْتُهَا بِعَيْنِي"، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَفْتَحَهَا عَلَيْنَا، وَيُغَنِّمَنَا ذَرَارِيَهُمْ، وَيُخَرِّبَ بِأَيْدِينَا بِلَادَهُمْ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . قَالَ ﷺ : "ثُمَّ ضَرَبْتُ الثَّالِثَةَ، فرفِعَتْ لِي مَدَائِنُ الْحَبَشَةِ وَمَا حَوْلَهَا مِنَ الْقُرَى، حَتَّى رَأَيْتُهَا بِعَيْنِي" فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: "دَعُوا الْحَبَشَةَ مَا وَدَعُوكُمْ، وَاتْرُكُوا التُّرْكَ مَا تَرَكُوكُمْ" (١). * تَحَقُّقُ الْمُعْجِزَاتِ: وَقَدْ صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيمَا قَالَ، وَلَمْ يَمْضِ عَلَى هَذهِ الْحَادِثَةِ إِلَّا نَحْوُ رُبْعِ قَرْنٍ حَتَّى فُتِحَتْ هَذِهِ الْبِلَادُ كُلُّهَا، فَفِي السَّنَةِ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ مِنَ الْهِجْرَةِ بَعْدَ هَذَا الْحَادِثِ بِتِسْعِ سِنِينٍ وَقَعَتْ مَعْرَكَةُ الْيَرْمُوكِ الْعَظِيمَةُ وَالتِي قَادَهَا خَالِدُ بْنُ الْوَليدِ ﵁ وَهُزِمَ فِيهَا الرُّومُ، وَفُتِحَتْ الشَّامُ. وَفِي السَّنَةِ الخَامِسَةَ عَشْرَةَ مِنَ الْهِجْرَةِ بَعْدَ هَذَا الْحَادِثِ بِعَشْرِ سِنِينٍ، وَقَعَتْ مَعْرَكَةُ القادِسِيَّةِ الْعَظِيمَةُ بِقِيَادَةِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁، وَهُزِمَ فِيهَا الْفُرْسُ هَزِيمَةً نَكْرَاءَ، وَفُتِحَتْ فِيهَا بِلَادُ الْعِرَاقِ. * مَوْقِفُ الْمُنَافِقِينَ مِنْ بِشَارةِ الرَّسُولِ ﷺ -: أَمَّا الْمُنَافِقُونَ فَإِنَّهُ لَمَّا بَشَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصْحَابَهُ بِالْفتْحِ، قَالُوا: أَلَا

стр. 1454

تَعْجَبُونَ يُحَدِّثُكُمْ وَيُمَنِّيكُمْ وَيَعِدُكُمْ بِالبَاطِلِ، يُخْبِرُكُمْ أَنَّهُ بَصُرَ مِنْ يَثْرِبَ قُصُورَ الْحِيرَةِ، وَمَدَائِنَ كِسْرَى، وَأَنَّهَا تُفْتَحُ لَكُمْ، وَأَنْتُمْ تَحْفِرُونَ الْخَنْدَقِ، وَلَا تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَبْرُزُوا (١). * الانْتِهَاءُ مِنْ حَفْرِ الْخَنْدَقِ: وَاصَلَ الْمُسْلِمُونَ عَمَلَهُمْ فِي حَفْرِ الْخَنْدَقِ، حَتَّى تَكَامَلَ الْخَنْدَقُ حَسَبَ الْخُطَّةِ الْمَنْشُودَةِ، وَقَبْلَ أَنْ يَصِلَ جَيْشُ الْكُفَّارِ الْعَرَمْرَمُ إِلَى أَسْوَارِ الْمَدِينَةِ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي قَدْرِ الْمُدَّةِ التِي اسْتُغْرِقَ فِيهَا حَفْرُ الْخَنْدَقِ: فَعِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ فِي طَبَقَاتِهِ: أَنَّهُمْ فَرَغُوا مِنْ حَفْرِهِ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ (٢). وَعِنْدَ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ فِي مَغَازِيهِ: أَنَّهُمْ أَقَامُوا فِي عَمَلِهِ قَرِيبًا مِنْ عِشْرِينَ لَيْلَةً. وَعِنْدَ الْوَاقِدِي: أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ. وَفِي الرَّوْضَةِ لِلنَّوَوِيِّ: خَمْسَةَ عَشَرَةَ يَوْمًا (٣). وَعِنْدَ ابْنِ القيِّمِ فِي زَادِ الْمَعَادِ قَالَ: أَقَامُوا شَهْرًا. قُلْتُ: وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِأَنْ تَكُونَ أَوَّلُ مَجْمُوعَةٍ مِنَ

стр. 1455

الْمَجْمُوعَاتِ التِي وَزَّعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَغَتْ مِنْ حَفْرِ الْخَنْدَقِ اسْتَغْرَقَ مَعَهُمْ سِتَّةَ أَيَّامٍ، وَآخِرُ مَجْمُوعَةٍ فَرَغَتْ مِنْ حَفْرِ الْخَنْدَقِ أَخَذَ مَعَهَا شَهْرًا كَامِلًا، وَبِذَلِكَ تُجْمَعُ الْأَقْوَالُ. * لَا هِجْرَةَ لِلْأَنْصَارِ ﵃: فِي هَذِهِ الْفتْرَةِ جَاءَ الْحَارِثُ بْنُ زِيَادٍ السَّاعِدِيُّ الْأَنْصَارِيُّ ﵁ بِابْنِ عَمٍّ لَهُ لِيُبَايعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْهِجْرَةِ، فَامْتَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعَتِهِ، لأنَّهُ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَالطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ زِيَادٍ السَّاعِدِيِّ الْأَنْصَارِيِّ ﵁: أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَهُوَ يُبَايعُ النَّاسَ عَلَى الْهِجَرَةِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَايِعْ هَذَا. قَالَ ﷺ : "وَمَنْ هَذَا؟ "، قَالَ: ابْنُ عمِّي حَوْطُ بْنُ يَزِيدَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا أُبايِعُكَ، إِنَّ النَّاسَ يُهَاجِرُونَ إِلَيْكُمْ، وَلَا تُهَاجِرُونَ إِلَيْهِمْ، وَالذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يُحِبُّ رَجُلٌ الْأَنْصَارَ حَتَّى يَلقى اللَّهَ ﵎، إِلَّا لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ يُحِبُّهُ، وَلَا يُبْغِضُ رَجُلٌ الْأَنْصَارَ حَتَّى يَلقى اللَّهَ، إِلَّا لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ يُبْغِضُهُ" (١). * وُصُولُ جَيْشِ الْمُشْرِكِينَ: وَمَا إِنْ فَرَغَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ حَفْرِ الْخَنْدَقِ حَتَّى أَقْبَلَتْ قُرَيْشٌ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ فنَزَلَتْ أَعَالِي أَرْضِ الْمَدِينَةِ بِمُجْتَمَعِ الْأَسْيَالِ مِنْ رُومَةٍ بَيْنَ الْجَرْفِ

стр. 1456

وَزَغَابَةَ، وَأَقْبَلَتْ غَطفانُ وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ فِي سِتَّةِ آلَافٍ حَتَّى نَزَلُوا بِذَنَبِ نَقْمَى إِلَى جَانِبِ جَبَلِ أُحُدٍ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ (١). * خُرُوجُ الْمُسْلِمِينَ وَعَدَدُهُمْ: وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى جَعَلُوا ظُهُورَهُمْ إِلَى جَبَلِ سَلْعٍ، وَوَجُوهَهُمْ إِلَى نَحْوِ الْعَدُوِّ، فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُنَالِكَ عَسْكَرَهُ، وَالْخَنْدَقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَدُوِّ، وَكَانَ عَدَدُهُمْ ثَلَاثَةَ آلَافِ رَجُلٍ، وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالذَّرَارِي وَالنِّسَاءِ فَجُعِلُوا فِي الْآطَامِ (٢). وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ (٣)، وَأَعْطَى لِوَاءَ الْمُهَاجِرِينَ لِزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَلِوَاءَ الْأَنْصَارِ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ﵁، وَأَوْصَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا بَيَّتَهُمُ الْعَدُوُّ (٤) أَنْ يَكُونَ شِعَارُهُمْ: "حَم لَا يُنْصَرُونَ" (٥).

стр. 1457

* مَنْزِلُ الرَّسُولِ ﷺ وَقُدُومُ الأَحْزَابِ: وَضُرِبَتْ لِلرَّسُولِ ﷺ قُبَّةٌ مِنْ أَدَمٍ (١)، وَجُعِلَ عَلَى حِرَاسَتِهَا طَائِفَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فِيهِمْ: عَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ ﵁، فَكَانُوا يَحْرُسُونَهُ كُلَّ لَيْلَيةٍ، وَفِي هَذِهِ الْفَتْرَةِ قَدِمَ الْأَحْزَابُ بِجَيْشٍ ضَخْمٍ جِدًّا قِوَامُهُ كَمَا ذَكَرْنَا عَشَرَةُ آلَافِ مُقَاتِلٍ، ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ (٢). قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي تَفْسِيرِ هَذهِ الْآيَةِ: أَيْ: هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنَ الابْتِلَاءَ وَالاخْتِبَارِ وَالامْتِحَانِ الذِي يَعْقُبُهُ النَّصْرُ الْقَرِيبُ، وَلهَذَا قَالَ: ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ ﷺ (٣). * دَهْشَةُ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الْخَنْدَقِ وَمُنَاوَشَاتُهُمْ: وَلَمَّا أَرَادَ الْمُشْرِكُونَ مُهَاجَمَةَ الْمُسْلِمِينَ وَاقْتِحَامَ الْمَدِينَةِ، وَجَدُوا خَنْدَقًا عَرِيضًا يَحُولُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهَا، فَدُهِشُوا وَعَجِبُوا فَقَالُوا: وَاللَّهِ إِنَّ هَذِهِ لَمَكِيدَةٌ، مَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَكِيدُهَا فَلَجَؤُوا إِلَى فَرْضِ الْحِصَارِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.

стр. 1458

وَأَخَذَ الْمُشْرِكُونَ يَدُورُونَ حَوْلَ الْخَنْدَقِ، يَتَحَسَّسُونَ نُقْطَةً ضَعِيفَةً، لِيَنْحَدِرُوا مِنْهَا، لَكِنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا، فَأَخَذُوا يُنَاوِشُونَ (١) الْمُسْلِمِينَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ وِجَاهَهُمْ يَحْرُسُونَ خَنْدَقَهُمْ وَيَتَطَلَّعُونَ إِلَى جَوْلَاتِ الْمُشْرِكِينَ، وَيَرْشُقُونَهُمْ (٢) بِالنَّبْلِ، حَتَّى لَا يَجْتَرِئُوا عَلَى الاقْتِرَابِ مِنْهُ. وَأَقَامُوا عَلَى ذَلِكَ بِضْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً قَرِيبًا مِنْ شَهْرٍ، لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ حَرْب إِلَّا الرَّمْيُ بِالنَّبْلِ، وَالحِصَارُ (٣). * نَقْضُ بَنِي قُرَيْظَةَ الْعَهْدَ: ثُمَّ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْب كَلَّمَ حُيَيَّ بْنَ أَخْطَبَ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ يَسْأَلُهُمْ أَنْ يَنْقُضُوا الْعَهْدَ الذِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَيَكُوُنوا مَعَهُمْ عَلَيْهِ، فَخَرَجَ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ حَتَّى أَتَى كَعْبَ بْنَ أَسَدٍ الْقُرَظِيَّ -سَيِّدَ بَنِي قُرَيْظَةَ- فَأَغْلَقَ كَعْبٌ عَلَى نَفْسِهِ بَابَ حِصْنِهِ، وَأَبَى أَنْ يُقَابِلَ حُيَيَّ بْنَ أَخْطَبَ، لَكِنَّ حُيَيَّ بْنَ أَخْطَبَ أَلَحَّ عَلى كَعْبِ بْنِ أَسَد وَأَخَذَ يَضْربُ عَلَى بَابِه وَيُنَاديه: وَيْحَكَ يَا كَعْبُ! افتحْ لِي، فَقَالَ كَعْبٌ: وَيْحَكَ يَا حُيَيُّ إِنَّكَ امْرُؤٌ مَشْؤُومٌ، وَإِنِّي قَدْ عَاهَدْتُ مُحَمَّدًا فَلَسْتُ بِنَاقِضٍ مَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَلَمْ أَرَ مِنْهُ إِلَّا وَفَاءً وَصِدْقًا. فَقَالَ حُيَيٌّ: وَيْحَكَ يَا كَعْبُ! افتحْ لِي أُكَلِّمْكَ، قَالَ: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ، فَقَالَ

стр. 1459

حُيَيٌّ: وَاللَّهِ مَا أَغْلَقْتَ الْحِصْنَ دُونِي إِلَّا تَخَوُّفَكَ مِنْ أَنْ آكُلَ مِنْ جَشِيشَتِكَ (١)، فَفَتَحَ لَهُ البَابَ، وَدَخَلَ حُيَيٌّ، فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا كُعْبُ! جِئْتُكَ بِعِزِّ الدَّهْرِ وَبِبَحْرٍ طَامٍ (٢)، جِئْتُكَ بِقُرَيْشٍ عَلَى قَادَتِهَا وَسَادَتِهَا، وَبِغَطَفَانَ عَلَى قَادَتِهَا وَسَادَتِهَا، وَقَدْ عَاهَدُونِي عَلَى أَنْ لَا يَبْرَحُوا (٣) حَتَّى نَسْتَأْصِلَ مُحَمَّدًا وَمَنْ مَعَهُ، فَقَالَ لَهُ كَعْبٌ: جِئتُنِي وَاللَّهِ بِذُلِّ الدَّهْرِ وَبِجَهَامٍ (٤) قَدْ هَرَاقَ مَاءَهُ فَهُوْ يَرْعُدُ وَيَبْرُقُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ، وَيْحَكَ يَا حُيَيُّ فَدَعْنِي وَمَا أَنَا عَلَيْهِ، فَإِنِّي لَمْ أَرَ مِنْ مُحَمَّدٍ إِلَّا صِدْقًا وَوَفَاءً، وَاللَّهِ مَا أَكْرَهَنَا عَلَى دِينٍ، وَلَا غَصَبَنَا مَالًا، وَلَا نَنْقِمُ (٥) مِنْ مُحَمَّدٍ وَعَمَلِهِ شَيْئًا، وَأَنْتَ تَدْعُو إِلَى الْهَلَكَةِ، فَنُذَكِّرُكَ اللَّهَ إِلَّا مَا أَعْفَيْتَنَا مِنْ نَفْسِكَ. وَتَكَلَّمَ عَمْرُو بْنُ سَعْدِي الْقُرَظِيُّ فَذَكَرَ وَفَاءَ الرَّسُولِ ﷺ وَمُعَاهَدَتَهُمْ إِيَّاهُ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ! إِنَّكُمْ قَدْ حَالفتُمْ مُحَمَّدًا عَلَى مَا قَدْ عَلِمْتُمْ أَنْ لَا تَخُونُوهُ وَلَا تَنْصُرُوا عَلَيْهِ عَدُوًّا، وَأَنْ تَنْصُرُوهُ عَلَى مَنْ دَهَمَ يَثْرِبَ، فَأَوْفُوا عَلَى مَا عَاهَدْتُمُوهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَخَلُّوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدُوِّهِ وَاعْتَزِلُوهُمْ. وَلَكِنَّ حُيَيًّا مَا زَالَ بِكَعْبٍ يَفْتِلُهُ فِي الذُّرْوَةِ وَالغَارِبِ (٦)، حَتَّى سَمَحَ لَهُ

стр. 1460

عَلَى أَنْ أَعْطَاهُ عَهْدًا وَمِيثَاقًا، لَئِنْ رَجَعَتْ قُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ وَلَمْ يُصِيبُوا مُحَمَّدًا أَنْ يَدْخُلَ مَعَهُ فِي حِصنِهِ يُصِيبُهُ مَا يُصِيبُ بَنِي قُرَيْظَةَ، فنَقَضَ كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ عَهْدَهُ وَبَرِئَ مِمَّا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ثُمَّ قَامَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ وَمَزَّقَتِ الصَّحِيفَةَ التِي كَانَ فِيهَا العَقْدُ، وَدَخَلَتْ بَنُو قُريْظَةَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ فِي مُحَارَبَةِ الْمُسْلِمِينَ (١). وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ حِرْصَ بَنِي قُرِيْظَةَ الْأَوَّلَ عَلَى الْتِزَامِ الْعَهْدِ كَانَ خَوْفًا مِنْ عَوَاقِبِ الْغَدْرِ فَقَطْ، فَلَمَّا ظَنَّتْ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ أُحِيطَ بِهِمْ مِنْ كُلِّ جَانِب وَأَنَّهَا لَنْ تُؤَاخَذَ عَلَى خِيَانَةٍ، أَسْفَرَتْ عَلَى خِيَانَتِهَا وَانْضَمَّتْ إِلَى الْمُشْرِكِينَ الْمُهَاجِمِينَ (٢). * الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ ﵁ يَتَأَكَّدُ مِنْ خَبَرِ نَقْضِ بَنِي قُرَيْظَةَ: فَلَمَّا انْتَهَى خَبَرُ نَقْضِ بَنِي قُرَيْظَةَ الْعَهْدَ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ ﵁ لِيَتَأَكَّدَ مِنْ صِحَةِ هَذَا الْخَبَرِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵄ قَالَ: كُنْتُ يَوْمَ الْأَحْزَابِ جُعِلْتُ أنَّا وَعَمْرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ فِي النِّسَاءِ، فنَظَرْتُ (٣) فَإِذَا أَنَا بِالزُّبَيْرِ عَلَى فَرَسِهِ

стр. 1461

تَخْتَلِفُ (١) إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَلَمَّا رَجَعْتُ، قُلْتُ: يَا أَبَتِ رَأَيْتُكَ تَخْتَلِفُ، قَالَ: وَهَلْ رَأَيْتَنِي يَا بُنَيَّ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ يَأْتِ بَنِي قُرَيْظَةَ فَيَأْتِنِي بِخَبَرِهِمْ؟ ". فَانْطَلَقْتُ، فَلَمَّا رَجَعْتُ جَمَعَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَوَيْهِ، فَقَالَ: "فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي" (٢). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْأَحْزَابِ: "مَنْ يَأْتِينَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ؟ "، فَقَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا، ثُمَّ قَالَ ﷺ : "مَنْ يَأْتِينَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ؟ "، فَقَالَ الزُّبَيْرُ: أنَا، ثُمَّ قَالَ ﷺ : "مَنْ يَأْتِينَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ؟ "، فَقَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا، ثُمَّ قَالَ ﷺ : "إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيَّ (٣) وَإِنَّ حَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ" (٤). * فَوَائِدُ الحَدِيثِ: قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: ١ - وَفِي الْحَدِيثِ مَنْقَبَةٌ لِلزُّبَيْرِ وَقُوَّةُ قَلْبِهِ وَصِحَّةُ يَقِينِهِ.

стр. 1462

٢ - وَفِيهِ جَوَازُ سَفَرِ الرَّجُلِ وَحْدَهُ، وَأَنَّ النَّهْيَ عَنِ السَّفَرِ وَحْدَهُ إِنَّمَا هُوَ حَيْثُ لَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَى ذَلِكَ (١). * السَّعْدَانِ ﵄ يَتَأَكَّدَانِ أَكثَرَ مِنْ خَبَرِ بَنِي قُرَيْظَةَ: ثُمَّ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ السَّعْدَانِ: سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ، سَيِّدَ الْأَوْسِ، وَسَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ، سَيِّدَ الْخَزْرَجِ ﵄، وَمَعَهُمَا: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، وَخَوَّاتُ بْنُ جُبَيْرٍ ﵄، وَقَالَ لَهُمْ: "انْطَلِقُوا حَتَّى تَنْظُرُوا أَحَقّ مَا بَلَغَنَا عَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ أَمْ لَا؟ فَإِنْ كَانَ حَقًّا فَالْحِنُوا لِي لَحْنًا (٢) أَعْرِفُهُ، وَلَا تَفُتُّوا (٣) فِي أَعْضَاءِ النَّاسِ، وَإِنْ كَانُوا عَلَى الْوَفَاءِ فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فَاجْهَرُوا بِهِ لِلنَّاسِ". فَخَرَجُوا حَتَّى أَتَوْهُمْ، فَوَجَدُوهُمْ عَلَى أَخْبَثِ مَا بَلَغَهُمْ عَنْهُمْ، وَنَالُوا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالُوا: لَا عَهْدَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ وَلَا عَقْدَ، فَدَعَوْهُمْ إِلَى الْمُوَادَعَةِ وَتَجْدِيدِ الْحِلْفِ، فَقَالُوا: الْآنَ وَقَدْ كُسِرَ جَنَاحُنَا -يُرِيدُونَ بِجَنَاحِهِمْ الْمَكْسُورَةِ بَنِي النَّضِيرِ- فَشَاتَمَهُمْ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ﵁، فَقَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: دَعْ عَنْكَ مُشَاتَمَتَهُمْ فَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ أَرْبَى (٤) مِنَ الْمُشَاتَمَةِ، ثُمَّ أَقْبَلَ

стр. 1463

السَّعْدَانِ وَمَنْ مَعَهُمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ ثُمَّ قَالُوا: عَضْلٌ وَالْقَارَةُ -أَيْ كَغَدْرِ قَبِيلَةِ عَضْلٍ، وَقَبِيلَةِ القارَةِ بِأَصْحَابِ الرَّجِيعِ خُبَيْبِ بْنِ عَدِيٍّ وَأَصْحَابِهِ- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اللَّهُ أَكبَرُ، أَبْشِرُوا يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ"، ثُمَّ تَقَنَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِثَوْبِهِ فَاضْطَجَعَ وَمَكَثَ طَوِيلًا، فَاشْتَدَّ عَلَى النَّاسِ الْبَلَاءُ وَالْخَوْفُ حِينَ رَأَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اضْطَجَعَ، وَعَرَفُوا أَنَّهُ لَمْ يَأتِ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ خَيْرٌ، ثُمَّ إِنَّهُ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: "أَبْشِرُوا بِفَتْحِ اللَّهِ وَنَصْرِهِ" (١). * اشْتِدَادُ الْخَوْفِ وَظُهُورُ النِّفاقِ: وَعَظُمَ عِنْدَ ذَلِكَ الْبَلَاءُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَاشْتَدَّ الْخَوْفُ، وَضَاقَ الْأَمْرُ وَخِيفَ عَلَى الذَّرَارِي وَالنِّسَاءِ، وَأَتَاهُمْ الْأَحْزَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ، وَزَاغَتِ الْأَبْصَارُ، وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ، حَتَّى ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ كُلَّ ظَنٍّ، وَكَانُوا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ (٢). وَهَذَا الْمَقْطُعُ مِنْ سُورَةِ الْأَحْزَابِ يَتَوَلَّى تَشْرِيحَ حَدَثٍ مِنَ الْأَحْدَاثِ الضَّخْمَةِ فِي تَارِيخِ الدَّعْوَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَفِي تَارِيخِ الْجَمَاعَةِ الْمسْلِمَةِ، وَيَصِفُ مَوْقِفًا مِنْ مَوَاقِفِ الامْتِحَانِ الْعَسِيرَةِ، وَهُوَ غَزْوَةُ الْأَحْزَابِ. . . وَمَنْ تَدَبَّرَ هَذَا النَّصَ

стр. 1464

الْقُرْآنِيَّ، وَطَرِيقَةَ عَرْضِهِ لِلْحَادِثِ، وَأُسْلُوبَهُ فِي الْوَصْفِ وَالتَّعْقِيبِ وَوُقُوفَهُ أَمَامَ بَعْضِ الْمَشَاهِدِ وَالْحَوَادِثِ، وَالْحَرَكَاتِ وَالْخَوَالِجِ، وَإِبْرَازَهُ لِلْقِيَمِ وَالسُّنَنِ. . . مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ نُدْرِكُ كَيْفَ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى يُرَبِّي هَذِهِ الْأُمَّةَ بِالْأَحْدَاثِ وَالْقُرْآنِ فِي آنٍ وَاحِدٍ (١). أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ قَالَ: قَالَ فَتًى مِنَّا مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ لِحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ ﵁: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ رَأَيْتُمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَصَحِبْتُمُوهُ؟ قَالَ: نَعَمْ يَا ابْنَ أَخِي. قَالَ: فكَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ؟ قَالَ حُذَيْفَةُ: وَاللَّهِ لَقَدْ كُنَّا نَجْهَدُ، قَالَ: وَاللَّهِ لَوْ أَدْرَكْنَاهُ مَا تَرَكْنَاهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ، وَلَجَعَلْنَاهُ عَلَى أَعْنَاقِنَا، فَقَالَ حُذَيْفَةُ ﵁: يَا ابْنَ أَخِي، وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْخَنْدَقِ. . .، فَقَالَ: "مَنْ رَجُلٌ يَقُومُ فَيَنْظُرُ لَنَا مَا فَعَلَ الْقَوْمُ ثُمَّ يَرْجعُ -يَشْرِطُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّجْعَةَ- أَسْأل اللَّهَ أَنْ يَكُونَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ"، فَمَا قَامَ رَجُلٌ مِنَ القوْمِ، مِنْ شِدَّةِ الْخَوْفِ، وَشِدَّةِ الْجُوعِ، وَشِدَّةِ الْبَرْدِ (٢). وَنَجَمَ (٣) النِّفَاقُ، وتَكَلَّمَ الذِينَ فِي قلوبِهِمْ مَرضٌ بِمَا فِي نُفُوسِهِم حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ مُحَمَّدٌ يَعِدُنَا أَنْ نَأْكُلَ كُنُوزَ كِسْرَى وَقَيْصَرَ، وَأَحَدُنَا الْيَوْمَ لَا

стр. 1465

يَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى قَضَاءَ حَاجَتِهِ. * مَقُوَلةُ أَوْسِ بْنِ قَيْظِيٍّ: وَقَالَ أَوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ أَحَدُ بَنِي حَارِثَةَ بْنِ الْحَارِثِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ مِنَ الْعَدُوِّ، فَأْذَنْ لَنَا أَنْ نَخْرُجَ فنَرْجعُ إِلَى دَارِنَا فَإِنَّهَا خَارجَ الْمَدِينَةِ، نَخْشَى عَلَيْهَا السَّرِقَةَ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَسْتَأْذِنُهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَّا أَذِنَ لَهُ، وَفِي هَؤُلَاءِ نزلَ قَوْلُه تَعَالَى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢) وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ (١). وَجَدَ هَؤُلَاءَ الْمُنَافِقُونَ فِي الْكَرْبِ الْمُزَلْزِلِ، وَالشِّدَّةِ الْآخِذَةِ بِالْخِنَاقِ فُرْصَةً لِلْكَشْفِ عَنْ خَبِيئَةِ نُفُوسِهِمْ وَهُمْ آمِنُونَ مِنْ أَنْ يَلُومَهُمْ أَحَدٌ، وَفُرْصَةً لِلتَّوْهِينِ وَالتَّخْذِيلِ وَبَثِّ الشَّكِّ وَالرِّيبَةِ فِي وَعْدِ اللَّهِ وَوَعْدِ رَسُولِهِ ﷺ ، وَهُمْ مُطْمَئِنُّونَ أَنْ يَأْخُذَهُمْ أَحَدٌ بِمَا يَقُولُونَ. فَالْوَاقِعُ بِظَاهِرِهِ يُصَدِّقُهُمْ فِي التَّوْهِينِ وَالتَّشْكِيكِ، وَهُمْ مَعَ هَذَا مَنْطِقِيُّونَ مَعَ أَنْفُسِهِمْ وَمَشَاعِرِهِمْ، فَالْهَوْلُ قَدْ أَزَاحَ عَنْهُمْ ذَلِكَ السِّتَارَ الرَّقِيقَ مِنَ التَّجَمُّلِ، وَرَوَّعَ نُفُوسَهُمْ تَرْوِيعًا لَا يَثْبُتُ لَهُ إِيمَانُهُمْ الْمُهَلْهَلُ! فَجَهَرُوا بِحَقِيقَةِ مَا يَشْعُرُونَ غَيْرَ مُبْقِينَ وَلَا مُتَجَمِّلِينَ! وَمِثْلُ هَؤُلَاءَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُرْجِفِينَ قَائِمُونَ فِي كُلِّ جَمَاعَةٍ، وَمَوْقِفُهُمْ فِي

стр. 1466

الشِّدَّةِ هُوَ مَوْقِفُ إِخْوَانِهِمْ هَؤُلَاءِ، فَهُمْ نَمُوذَجٌ مُكَرَّرٌ فِي الْأَجْيَالِ وَالْجَمَاعَاتِ عَلَى مَدَارِ الزَّمَانِ (١). * حَالُ الرَّسُولِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ الصَّادِقِينَ: أَمَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّهُ لَمَّا رَأَى مَا فِيهِ النَّاسُ مِنَ الْبَلَاءِ وَالْكَرْبِ جَعَلَ يُبَشِّرُهُمْ وَيَقُولُ لَهُمْ: "وَالذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَيُفَرَّجَنَّ عَنْكُمْ مَا تَرَوْنَ مِنَ الشِّدَّةِ، وِإنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَطُوفَ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ آمِنًا، وَأَنْ يَدْفَعَ اللَّهُ إِلَيَّ مَفَاتِيحَ الْكَعْبَةِ، وَلَيُهْلِكَنَّ اللَّهُ كسْرَى وَقَيْصَرُ، وَلَتُنْفَقَنَّ كنُوزُهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ " (٢). * حِرَاسةُ الْمَدِينَةِ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَبْعَثُ سَلَمَةَ بْنَ أَسْلَمَ ﵁ فِي مِائتَيْ رَجُلٍ، وَزَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ ﵁ فِي ثَلَاثَمِائَةِ رَجُلٍ يَحْرُسُونَ الْمَدِينَةَ، وَيُظْهِرُونَ التَّكْبِيرَ، تَخَوُّفًا عَلَى الذَّرَارِي وَالنِّسَاءِ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَكَانَ أَهْلُ الْآطَامِ (٣) مَا كَانُوا يَنَامُونَ إِلَّا عُقَبًا (٤) خَوْفًا مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ أَنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِمْ (٥).

стр. 1467

* بُطُولَةُ صَفِيَّةَ عَمَّةِ الرَّسُولِ ﷺ -: وَفِعْلًا قَامَتْ يَهُودُ بَنِي قُرَيْظَةَ بِمُهَاجَمَةِ أُطُمٍ مِنْ تِلْكَ الْآطَامِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ لِانْقِطَاعِهِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْخَنْدَقِ جَعَلَ النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ فِي أُطُمٍ، وَكَانَ مَعَهُمْ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ ﵁، فَمَرَّ بِنَا رَجُلٌ مِنْ يَهُودَ، فَجَعَلَ يُطِيفُ بِالْحِصْنِ، وَقَدْ حَارَبَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ، وَقَطَعَتْ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَيْسَ بَيْنَنَا أَحَدٌ يَدْفَعُ عَنَّا، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ فِي نُحُورِ عَدُوِّهِمْ، لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَنْصَرِفُوا عَنْهُمْ إِلَيْنَا إِنْ أتَانَا آتٍ، فَقُلْتُ: يَا حَسَّانُ! إِنَّ هَذَا الْيَهُودِيَّ كَمَا تَرَى يَطِيفُ بِالْحِصْنِ، وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا آمَنُهُ أَنْ يَدُلَّ عَلَى عَوْرَتِنَا مَنْ وَرَاءَنَا مِنْ يَهُودَ، وَقَدْ شُغِلَ عَنَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، فَانْزِلْ إِلَيْهِ فَاقْتُلْهُ، قَالَ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكِ يَا ابْنَةَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَاللَّهِ لَقَدْ عَرَفْتِ مَا أَنَا بِصَاحِبِ هَذَا (١).

стр. 1468

قَالَتْ: فَلَمَّا لَمْ أَرَ عِنْدَهُ شَيْئًا احْتَجَزْتُ (١)، ثُمَّ أَخَذْتُ عَمُودًا، ثُمَّ نَزَلْتُ مِنَ الْحِصْنِ إِلَيْهِ، فَضَرَبْتُهُ بِالْعَمُودِ حَتَّى قتَلْتُهُ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى الْحِصْنِ، فَقُلْتُ: يَا حسَّانُ انْزِلْ إِلَيْهِ فَاسْلُبْهُ (٢) فَإِنَّهُ لَمْ يَمْنَعُنِي مِنْ سَلْبِهِ إِلَّا أَنَّهُ رَجُلٌ، قَالَ: مَا لِي بِسَلْبِهِ مِنْ حَاجَةٍ (٣). * اشْتِدَادُ الْحِصَارِ وَسَعْيُ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى مُصَالَحَةِ غَطفانَ: وَلَمَّا اشْتَدَّ عَلَى النَّاسِ الْبَلَاءُ وَالْحِصَارُ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى عُيَيْنَةَ بْنِ

стр. 1469

حِصْنٍ الفزَارِيِّ وَإِلَى الْحَارِثِ بْنِ عَوْفٍ الْمُرِيِّ -وَهُمَا قَائِدَا غَطفانَ- لِيُصَالِحَهُمَا عَلَى إِعْطَائِهِمَا ثُلُثَ ثِمَارِ الْمَدِينَةِ عَلَى أَنْ يَرْجِعَا بِمَنْ مَعَهُمَا عَنْهُ وَعَنْ أَصْحَابِهِ، فَقَبِلَا وَجَرَتِ الْمُرَاوَضَةُ (١) عَلَى ذَلِكَ. فَلَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ بَعَثَ إِلَى السَّعْدَيْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ﵄، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُمَا وَاسْتَشَارَهُمَا فِيهِ، فَقَالَا لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَمْرًا تُحِبُّهُ فنَصْنَعُهُ؟ أَمْ شَيْئًا أَمَرَكَ اللَّهُ بِهِ لابُدَّ مِنَ الْعَمَلِ بِهِ؟ أَمْ شَيْئًا تَصْنَعُهُ لَنَا؟ فَقَالَ ﷺ : "بَلْ شَيْءٌ أَصْنَعُهُ لَكُمْ، وَاللَّهِ مَا أَصْنَعُ ذَلِكَ إِلَّا لِأنَّنِي رَأَيْتُ الْعَرَبَ رَمَتْكُمْ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ، وَكَالَبُوكُمْ (٢) مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَكْسِرَ عَنْكُمْ مِنْ شَوْكَتِهِمْ (٣) إِلَى أَمْرٍ مَا". فَقَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ ﵁: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ كُنَّا نَحْنُ وَهَؤُلَاءَ الْقوْمِ عَلَى الشِّرْكِ بِاللَّهِ وَعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ لَا نَعْبُدُ اللَّهَ وَلَا نَعْرِفُهُ وَهُمْ لَا يَطْمَعُونَ أَنْ يَأَكُلُوا مِنْهَا ثمَرَةَ إِلَّا قِرًى (٤) أَوْ بَيْعًا، أَفَحِينَ أَكْرَمَنَا اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ، وَهَدَانَا لَهُ وَأَعَزَّنَا بِكَ وَبِهِ

стр. 1470

نُعْطِيهِمْ أَمْوَالَنَا؟ وَاللَّهِ مَا لَنَا بِهَذَا مِنْ حَاجَةٍ، وَاللَّهِ لَا نُعْطِيهِمْ إِلَّا السَّيْفَ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَأَنْتَ وَذَاكَ" (١). * اقتِحَامُ نَفَرٍ مِنَ الْمُشرِكِينَ الْخَنْدَقَ: لَا يَزَالُ الرَّسُولُ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ عَلَى الْخَنْدَقِ، وَعَدُوُّهُمْ يُحَاصِرُهُمْ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ إِلَّا الرَّمْيُ بِالنِّبَالِ، حَتَّى خَرَجَتْ فَوَارِسٌ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى خَيْلهِمْ بَعْدَ أَنْ تَلَبَّسُوا لِلْقِتَالِ، مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ وُدٍّ، وَعِكْرَمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، وَهُبَيْرَةُ بْنُ أَبِي وَهْبٍ، وَنَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَضِرَارُ بْنُ الْخَطَّابِ، ثُمَّ أَقْبَلُوا تَعْنِقُ (٢) بِهِمْ خَيْلُهُمْ، حَتَّى وَقَفُوا عَلَى الْخَنْدَقِ، ثُمَّ تيَمَّمُوا (٣) مَكَانًا ضَيِّقًا فَاقْتَحَمُوا مِنْهُ، وَجَالَتْ (٤) بِهِمْ خَيْلُهُمْ فِي أَرْضٍ سَبْخَةٍ (٥) بَيْنَ الْخَنْدَقِ وَسَلْعٍ (٦)، فَأَسْرَعَ إِلَيْهِمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فِي نَفَرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى أَخَذُوا عَلَيْهِمْ الثَّغْرَةَ التِي اقْتَحَمُوا مِنْهَا خَيْلَهُمْ.

стр. 1471

* قَتْلُ عَمْرِو بْنِ وُدٍّ: وَجَعَلَ عَمْرُو بْنُ وُدٍّ يَدْعُو إِلَى البِرَازِ (١)، وَهُوَ ابْنُ تِسْعِينَ سَنَةً، وَكَانَ مِنْ أَشْجَعِ فُرْسَانِ الْعَرَبِ. وَكَانَ قَدْ قَاتَلَ يَوْمَ بَدْرٍ حَتَّى أَثْبَتَتْهُ الْجِرَاحَةُ، فَلَمْ يَشْهَدْ أُحُدًا، فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ خَرَجَ مُعْلَمًا (٢) لِيُرَى مَكَاُنهُ، فَلَمَّا نَادَى مَنْ يُبَارِزُ؟ ، قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِب ﵁: أنَا لَهُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "اجْلِسْ، فَإِنَّهُ عَمْرُو بْنُ وُدٍّ"، فنَادَى مَرَّةً ثَانِيَةً عَمْرُو بْنُ وُدٍّ: مَنْ يُبَارِزُ؟ فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁: أَنَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ الرَّسُولُ ﷺ : "اجْلِسْ فَإِنَّهُ عَمْرُو بْنُ وُدٍّ"، فنَادَى عَمْرُو بْنُ وُدٍّ ثَالِثَة: مَنْ يُبَارِزُ؟ فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أنَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَعْطَاهُ سَيْفَهُ وَعَمَّمَهُ وَقَالَ: "اللَّهُمَّ أَعِنْهُ عَلَيْهِ" فَمَشَى إِلَيْهِ عَلِيٌّ ﵁ وَهُوَ يَقُولُ: لَا تَعْجَلَنَّ فَقَدْ أَتَا ... كَ مُجِيبُ صَوْتِكَ غَيْرَ عَاجِزْ دُو نُبْهَةٍ (٣) وَبَصِيرَةٍ ... وَالصِّدْقُ مَنْجَا كُلِّ فَائِزْ فَقَالَ لَهُ عَمْرُو بْنُ وُدٍّ: وَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ.

стр. 1472

فَقَالَ عَمْرُو بْنُ وُدٍّ: عِنْدَكَ مِنْ أَعْمَامِكَ مَنْ هُوَ أَسَنُّ مِنْكَ، وَإِنَّ أَبَاكَ كَانَ نَدِيمًا (١) لِي، فَلَا أُحِبُّ قِتَالَكَ فَانْصَرِفْ. فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: يَا عَمْرُو! إِنَّكَ قَدْ كُنْتَ عَاهَدْتَ اللَّهَ أَلَّا يَدْعُوكَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَى إِحْدَى خُلَّتَيْنِ إِلَّا أَخَذْتَهَا مِنْهُ، قَالَ لَهُ: أَجَل. قَالَ عَلِيٌّ ﵁: فَإِنِّي أَدْعُوكَ إِلَى اللَّهِ، وَإِلَى رَسُولهِ، وَإلى الْإِسْلَامِ، قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي بِذَلِكَ، قَالَ عَلِيٌّ ﵁: فَإِنِّي أَدْعُوكَ إِلَى النِّزالِ (٢)، فَقَالَ لَهُ: لِمَ يَا ابْنَ أَخِي؟ فَوَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَكَ. فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: وَلَكِنْ وَاللَّهِ أُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَكَ، فَحَمِيَ عَمْرُو بْنُ وُدٍّ عِنْدَ ذَلِكَ فَاقْتَحَمَ (٣) عَنْ فَرَسِهِ وَسَلَّ سَيْفَهُ، فَعَقَرَ (٤) فَرَسَهُ وَضَرَبَ وَجْهَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ نَحْوَ عَلِيٍّ ﵁ مُغْضَبًا، وَاسْتَقْبَلَهُ عَلِيٌّ ﵁ بِدُرْقَتِهِ (٥) فَضَرَبَهُ عَمْرٌو فِي الدُّرْقَةِ فَقَدَّهَا (٦) وَأَثْبَتَ فِيهَا السَّيْفَ، وَأَصَابَ رَأْسَهُ فَشَجَّهُ، فَضَرَبَهُ عَلِيٌّ ﵁ عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ (٧) فَسَقَطَ وَثَارَ العَجَاجُ (٨) وَكَبَّرَ، فَعَرَفَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُ قَدْ قتَلَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ

стр. 1473

عَلِيٌّ ﵁ نَحْوَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَوَجْهُهُ يَتَهَلَّلُ. وَوَلَّى الْبَاقُونَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مُنْهَزِمِينَ فَاقْتَحَمُوا بِخَيْلِهِمْ الْخَنْدَقِ هَارِبِينَ، وَقَدْ بَلَغَ بِهِمُ الرُّعْبُ إِلَى أَنْ أَلْقَى عِكْرَمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ رُمْحَهُ وَهُوَ مُنْهَزِمٌ (١). قَالَ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ يَعْقُوبَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ الْعَطَارِدِيَّ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ آدَمَ يَقُولُ: مَا شَبَّهْتُ قتلَ عَلِيٍّ عَمْرًا إِلَّا بِقَوْلِ اللَّهِ : ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾ (٢). * مَقْتَلُ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: وَأَقْبَلَ نَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ يُرِيدُ أَنْ يَجْتَازَ الْخَنْدَقَ، فَوَقَعَ فِيهِ فَصُرعَ، وَقِيلَ حَمَلَ عَلَيْهِ (٣) الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ ﵁ بِالسَّيْفِ فَضَرَبَهُ فَشَقَّهُ نِصْفَيْنِ، وَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فَأَرْسَلُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنِ ابْعَثْ إِلَيْنَا بِجَسَدِهِ -أَيْ بِجَسَدِ عَمْرِو بْنِ وُدٍّ قبَّحَهُ اللَّهُ- وَنُعْطِيكَ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ أَوْ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا حَاجَةَ لَنَا فِي جَسَدِهِ وَلَا بِثَمَنِهِ"، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: "ادْفَعُوا إِلَيْهِمْ جِيفَتَهُمْ، فَإِنَّهُ خَبِيثُ الْجِيفَةِ، خَبِيثُ الدِّيَةِ، وَلَا نَأْكُلُ

стр. 1474

ثَمَنَ الْمَوْتَى" فَخَلَّى بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ (١). * الصَّحَابِيُّ الذِي قَتَلَتْهُ حَيَّةٌ: لَا تَزَالُ الْمُنَاوَشَاتُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ قَائِمَةً، وَكَانَ بعَضْ الصَّحَابَةِ يَسْتَأْذِنُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الذَّهَابِ إِلَى بَيْتِهِ لِيَرَى أَحْوَالَ أَهْلِهِ وَيَرْجعُ، فَاسْتَأْذَنَ فَتى مِنْ فِتْيَانِ الْأَنْصَارِ إِلَى بَيْتِهِ فَوَجَدَ حَيَّةً فِي بَيْتِهِ فَرَمَاهَا بِالرُّمْحِ، فَاضْطَرَبَتْ عَلَيْهِ فَقتَلَتْهُ وَمَاتَتْ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ مُسْلِم فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ لِأَبِي السَّائِبِ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ: كَانَ فِي هَذَا الْبَيْتِ فَتى شَابٌّ حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ، فَخَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْخَنْدَقِ، فَكَانَ ذَلَكَ الْفَتَى يَسْتَأْذِنُ رَسُولَ اللَّه ﷺ فِي أَنْصَافِ النَّهَارِ فَيَرْجعُ إِلَى أَهْلِهِ، فَاسْتَأْذَنهُ يَوْمًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خُذْ عَلَيْكَ سِلَاحَكَ، فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْكَ قُرَيْظَةَ"، فَأَخَذَ سِلَاحَهُ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ، فَإِذَا امْرَأَتُهُ بَيْنَ الْبَابَيْنِ قَائِمَةٌ، فَأَهْوَى (٢) إِلَيْهَا بِالرُّمْحِ لِيَطْعَنَهَا بِهِ، وَأَصَابَتْهُ غَيْرَةٌ، فَقَالَتْ لَهُ: اُكْفُفْ عَلَيْكَ رُمْحَكَ (٣)، وَادْخُلْ

стр. 1475

الْبَيْتَ حَتَّى تَنْظُرَ مَا الذِي أَخْرَجَنِي، فَدَخَلَ فَإِذَا حَيَّةٌ عَظِيمَةٌ مُنْطَوَيةٌ عَلَى الْفِرَاشِ، فَأَهْوَى إِلَيْهَا بِالرُّمْحِ، فَانتظَمَهَا بِهِ (١)، ثُمَّ خَرَجَ، فَرَكَزَهُ فِي الدَّارِ فَاضْطَرَبَتْ عَلَيْهِ، فَمَا أَدْرِي أَيُّهُمَا كَانَ أَسْرَعَ مَوْتًا الْحَيَّةُ أَوِ الْفَتَى، فَجِئْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ، وَقُلْنَا: ادْعُ اللَّهَ يُحْيِيهِ لَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اسْتَغْفِرُوا لِصَاحِبِكُمْ"، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ بِالْمَدِينهِ جِنًّا قَدْ أَسْلَمُوا، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهُمْ شَيْئًا فآذِنُوهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ بَدَا لَكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ، فَاقْتُلُوهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ" (٢). * إِصَابَةُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ﵁ -: اسْتَمَرَّتِ الْمُنَاوَشَاتُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ، فَرَمَى حِبَّانُ بْنُ العَرِقَةِ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ ﵁ بِسَهْمٍ، فَأَصَابَهُ بِأَكْحَلِهِ (٣). فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجْتُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ أَقْفُو (٤) آثَارَ النَّاسَ، فَإِذَا أَنَا بِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ﵁، وَمَعَهُ ابْنُ أَخِيهِ الْحَارِثُ بْنُ أَوْسٍ، يَحْمِلُ مِجَنَّةً (٥)، فَجَلَسْتُ
следующие страницы →