← Сира

Сира · id 38114

اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون

موسى بن راشد العازمي

Полный текст (2 595 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

* قَتْلُ عَمْرِو بْنِ وُدٍّ: وَجَعَلَ عَمْرُو بْنُ وُدٍّ يَدْعُو إِلَى البِرَازِ (١)، وَهُوَ ابْنُ تِسْعِينَ سَنَةً، وَكَانَ مِنْ أَشْجَعِ فُرْسَانِ الْعَرَبِ. وَكَانَ قَدْ قَاتَلَ يَوْمَ بَدْرٍ حَتَّى أَثْبَتَتْهُ الْجِرَاحَةُ، فَلَمْ يَشْهَدْ أُحُدًا، فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ خَرَجَ مُعْلَمًا (٢) لِيُرَى مَكَاُنهُ، فَلَمَّا نَادَى مَنْ يُبَارِزُ؟ ، قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِب ﵁: أنَا لَهُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "اجْلِسْ، فَإِنَّهُ عَمْرُو بْنُ وُدٍّ"، فنَادَى مَرَّةً ثَانِيَةً عَمْرُو بْنُ وُدٍّ: مَنْ يُبَارِزُ؟ فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁: أَنَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ الرَّسُولُ ﷺ : "اجْلِسْ فَإِنَّهُ عَمْرُو بْنُ وُدٍّ"، فنَادَى عَمْرُو بْنُ وُدٍّ ثَالِثَة: مَنْ يُبَارِزُ؟ فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أنَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَعْطَاهُ سَيْفَهُ وَعَمَّمَهُ وَقَالَ: "اللَّهُمَّ أَعِنْهُ عَلَيْهِ" فَمَشَى إِلَيْهِ عَلِيٌّ ﵁ وَهُوَ يَقُولُ: لَا تَعْجَلَنَّ فَقَدْ أَتَا ... كَ مُجِيبُ صَوْتِكَ غَيْرَ عَاجِزْ دُو نُبْهَةٍ (٣) وَبَصِيرَةٍ ... وَالصِّدْقُ مَنْجَا كُلِّ فَائِزْ فَقَالَ لَهُ عَمْرُو بْنُ وُدٍّ: وَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ.

стр. 1472

فَقَالَ عَمْرُو بْنُ وُدٍّ: عِنْدَكَ مِنْ أَعْمَامِكَ مَنْ هُوَ أَسَنُّ مِنْكَ، وَإِنَّ أَبَاكَ كَانَ نَدِيمًا (١) لِي، فَلَا أُحِبُّ قِتَالَكَ فَانْصَرِفْ. فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: يَا عَمْرُو! إِنَّكَ قَدْ كُنْتَ عَاهَدْتَ اللَّهَ أَلَّا يَدْعُوكَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَى إِحْدَى خُلَّتَيْنِ إِلَّا أَخَذْتَهَا مِنْهُ، قَالَ لَهُ: أَجَل. قَالَ عَلِيٌّ ﵁: فَإِنِّي أَدْعُوكَ إِلَى اللَّهِ، وَإِلَى رَسُولهِ، وَإلى الْإِسْلَامِ، قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي بِذَلِكَ، قَالَ عَلِيٌّ ﵁: فَإِنِّي أَدْعُوكَ إِلَى النِّزالِ (٢)، فَقَالَ لَهُ: لِمَ يَا ابْنَ أَخِي؟ فَوَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَكَ. فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: وَلَكِنْ وَاللَّهِ أُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَكَ، فَحَمِيَ عَمْرُو بْنُ وُدٍّ عِنْدَ ذَلِكَ فَاقْتَحَمَ (٣) عَنْ فَرَسِهِ وَسَلَّ سَيْفَهُ، فَعَقَرَ (٤) فَرَسَهُ وَضَرَبَ وَجْهَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ نَحْوَ عَلِيٍّ ﵁ مُغْضَبًا، وَاسْتَقْبَلَهُ عَلِيٌّ ﵁ بِدُرْقَتِهِ (٥) فَضَرَبَهُ عَمْرٌو فِي الدُّرْقَةِ فَقَدَّهَا (٦) وَأَثْبَتَ فِيهَا السَّيْفَ، وَأَصَابَ رَأْسَهُ فَشَجَّهُ، فَضَرَبَهُ عَلِيٌّ ﵁ عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ (٧) فَسَقَطَ وَثَارَ العَجَاجُ (٨) وَكَبَّرَ، فَعَرَفَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُ قَدْ قتَلَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ

стр. 1473

عَلِيٌّ ﵁ نَحْوَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَوَجْهُهُ يَتَهَلَّلُ. وَوَلَّى الْبَاقُونَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مُنْهَزِمِينَ فَاقْتَحَمُوا بِخَيْلِهِمْ الْخَنْدَقِ هَارِبِينَ، وَقَدْ بَلَغَ بِهِمُ الرُّعْبُ إِلَى أَنْ أَلْقَى عِكْرَمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ رُمْحَهُ وَهُوَ مُنْهَزِمٌ (١). قَالَ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ يَعْقُوبَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ الْعَطَارِدِيَّ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ آدَمَ يَقُولُ: مَا شَبَّهْتُ قتلَ عَلِيٍّ عَمْرًا إِلَّا بِقَوْلِ اللَّهِ : ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾ (٢). * مَقْتَلُ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: وَأَقْبَلَ نَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ يُرِيدُ أَنْ يَجْتَازَ الْخَنْدَقَ، فَوَقَعَ فِيهِ فَصُرعَ، وَقِيلَ حَمَلَ عَلَيْهِ (٣) الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ ﵁ بِالسَّيْفِ فَضَرَبَهُ فَشَقَّهُ نِصْفَيْنِ، وَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فَأَرْسَلُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنِ ابْعَثْ إِلَيْنَا بِجَسَدِهِ -أَيْ بِجَسَدِ عَمْرِو بْنِ وُدٍّ قبَّحَهُ اللَّهُ- وَنُعْطِيكَ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ أَوْ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا حَاجَةَ لَنَا فِي جَسَدِهِ وَلَا بِثَمَنِهِ"، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: "ادْفَعُوا إِلَيْهِمْ جِيفَتَهُمْ، فَإِنَّهُ خَبِيثُ الْجِيفَةِ، خَبِيثُ الدِّيَةِ، وَلَا نَأْكُلُ

стр. 1474

ثَمَنَ الْمَوْتَى" فَخَلَّى بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ (١). * الصَّحَابِيُّ الذِي قَتَلَتْهُ حَيَّةٌ: لَا تَزَالُ الْمُنَاوَشَاتُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ قَائِمَةً، وَكَانَ بعَضْ الصَّحَابَةِ يَسْتَأْذِنُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الذَّهَابِ إِلَى بَيْتِهِ لِيَرَى أَحْوَالَ أَهْلِهِ وَيَرْجعُ، فَاسْتَأْذَنَ فَتى مِنْ فِتْيَانِ الْأَنْصَارِ إِلَى بَيْتِهِ فَوَجَدَ حَيَّةً فِي بَيْتِهِ فَرَمَاهَا بِالرُّمْحِ، فَاضْطَرَبَتْ عَلَيْهِ فَقتَلَتْهُ وَمَاتَتْ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ مُسْلِم فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ لِأَبِي السَّائِبِ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ: كَانَ فِي هَذَا الْبَيْتِ فَتى شَابٌّ حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ، فَخَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْخَنْدَقِ، فَكَانَ ذَلَكَ الْفَتَى يَسْتَأْذِنُ رَسُولَ اللَّه ﷺ فِي أَنْصَافِ النَّهَارِ فَيَرْجعُ إِلَى أَهْلِهِ، فَاسْتَأْذَنهُ يَوْمًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خُذْ عَلَيْكَ سِلَاحَكَ، فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْكَ قُرَيْظَةَ"، فَأَخَذَ سِلَاحَهُ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ، فَإِذَا امْرَأَتُهُ بَيْنَ الْبَابَيْنِ قَائِمَةٌ، فَأَهْوَى (٢) إِلَيْهَا بِالرُّمْحِ لِيَطْعَنَهَا بِهِ، وَأَصَابَتْهُ غَيْرَةٌ، فَقَالَتْ لَهُ: اُكْفُفْ عَلَيْكَ رُمْحَكَ (٣)، وَادْخُلْ

стр. 1475

الْبَيْتَ حَتَّى تَنْظُرَ مَا الذِي أَخْرَجَنِي، فَدَخَلَ فَإِذَا حَيَّةٌ عَظِيمَةٌ مُنْطَوَيةٌ عَلَى الْفِرَاشِ، فَأَهْوَى إِلَيْهَا بِالرُّمْحِ، فَانتظَمَهَا بِهِ (١)، ثُمَّ خَرَجَ، فَرَكَزَهُ فِي الدَّارِ فَاضْطَرَبَتْ عَلَيْهِ، فَمَا أَدْرِي أَيُّهُمَا كَانَ أَسْرَعَ مَوْتًا الْحَيَّةُ أَوِ الْفَتَى، فَجِئْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ، وَقُلْنَا: ادْعُ اللَّهَ يُحْيِيهِ لَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اسْتَغْفِرُوا لِصَاحِبِكُمْ"، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ بِالْمَدِينهِ جِنًّا قَدْ أَسْلَمُوا، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهُمْ شَيْئًا فآذِنُوهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ بَدَا لَكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ، فَاقْتُلُوهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ" (٢). * إِصَابَةُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ﵁ -: اسْتَمَرَّتِ الْمُنَاوَشَاتُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ، فَرَمَى حِبَّانُ بْنُ العَرِقَةِ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ ﵁ بِسَهْمٍ، فَأَصَابَهُ بِأَكْحَلِهِ (٣). فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجْتُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ أَقْفُو (٤) آثَارَ النَّاسَ، فَإِذَا أَنَا بِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ﵁، وَمَعَهُ ابْنُ أَخِيهِ الْحَارِثُ بْنُ أَوْسٍ، يَحْمِلُ مِجَنَّةً (٥)، فَجَلَسْتُ

стр. 1476

فَجَلَسْتُ إِلَى الْأَرْضِ، فَمَرَّ سَعْدٌ وَعَلَيْهِ دِرْعٌ مِنْ حَدِيدٍ، قَدْ خَرَجَتْ مِنْهَا أَطْرَافُهُ، فَأنَا أَتَخَوَّفُ عَلَى أَطْرَافِ سَعْدٍ، قَالَتْ: وَكَانَ سَعْدٌ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ وَأَطْوَلهِمْ، فَمَرَّ وَهُوَ يَرْتَجِزُ يَقُولُ: لَبِّثْ قَلِيلًا يُدْرِكُ الْهَيْجَا (١) حَمَلْ ... مَا أَحْسَنَ الْمَوْتَ إِذَا حَانَ الْأَجَلْ قَالَتْ ﵂: . . . وَرَمَى سَعْدًا رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قُرَيْشٍ يُقَالُ لَهُ حِبَّانُ بْنُ الْعَرِقَةِ بِسَهْمٍ لَهُ، فَقَالَ لَهُ: خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ الْعَرِقَةِ، فَأَصَابَ أَكْحَلَهُ، فَقَطَعَهَا (٢). وَفِي رِوَايَةِ جَابِرٍ ﵁ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي الصَّحِيحِ، وَالطَّحَاوِيِّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ -وَاللَّفْظُ لَهُ- قَالَ جَابِرٌ ﵁: . . . فَحَسَمَهُ (٣) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّارِ، فَانْتَفَخَتْ يَدُهُ، فتَرَكَهُ، فنَزَفَهُ الدَّمُ، فَحَسَمَهُ أُخْرَى، فَانْتفَخَتْ يَدُهُ، فَلَمَّا رَأَى سَعْدٌ ذَلِكَ، قَالَ: اللَّهُمَّ لَا تُخْرِجْ نَفْسِي (٤) حَتَّى تُقِرَّ عَيْنِي (٥) مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ،

стр. 1477

وَكَانُوا حُلَفَاءَهُ وَمَوَالِيهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَاسْتَمْسَكَ عِرْقُهُ (١)، فَمَا قَطَرَ قَطْرَةً حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدٍ ﵁ (٢). قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَقَدْ اسْتَجَابَ اللَّهُ دَعْوَةَ وَليِّهِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ﵁ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، وَأَقرَّ اللَّهُ عَيْنَهُ، فَحَكَمَ فِيهِمْ بِقُدْرَتِهِ وَتَيْسِيرِهِ، وَجَعَلَهُمْ هُمُ الذِينَ يَطْلُبُونَ ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ، فَحَكَمَ بِقَتْلِ مُقَاتِلَتِهِمْ وَسَبْيِ ذَرَارِيهِمْ حَتَّى قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ فَوْقَ سَبْعِ أَرْقِعَةٍ" (٣). ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَنْ يُحْمَلَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ ﵁ إِلَى الْمَسْجِدِ لِيُطَبَّبَ فِيهِ، وَليَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أُصِيبَ سَعْدٌ يَوْمَ الْخَنْدَقِ رَمَاهُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ يُقَالُ لَهُ حِبَّانُ بْنُ الْعَرِقَةِ: رَمَاهُ فِي الْأَكْحَلِ فَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْمَةً فِي الْمَسْجِدِ لِيَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ (٤).

стр. 1478

وَفِي رِوَايَةِ الطَّحَاوِيِّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ قَالَتْ ﵂: لِتَقْرُبَ عَلَيْهِ عِيَادَتُهُ (١). * رُفَيْدَةُ الْأَسْلَمِيَّةُ ﵂ تُدَاوِي الْجَرْحَى: وَكَانَتِ التِي تُدَاوِي الْجَرْحَى رُفَيْدَةَ الْأَسْلَمِيَّةَ ﵂، فَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا أُصِيبَ أَكْحَل سَعْدٍ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، فَثقُلَ، حَوَّلُوهُ عِنْدَ امْرَأَةٍ، يُقَالُ لَهَا: رُفَيْدَةُ، وَكَانَتْ تُدَاوِي الْجَرْحَى (٢). * اسْتِمْرَارُ الْقِتَالِ وَفَوَاتُ الصَّلَاةِ: وَلَمَّا طَالَ الْمُقَامُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ اتَّعَدُوا (٣) أَنْ يَغْدُوا (٤) جَمِيعًا وَلَا يَتَخَلَّفَ مِنْهُمْ أَحَدٌ، فَبَاتُوا يُعَبِّؤُونَ (٥) أَصْحَابَهُمْ، ثُمَّ وَافَوا (٦) الْخَنْدَقَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَأَخَذُوا يُفَرِّقُونَ كَتَائِبَهُمْ حَوْلَهُ، فَعَبَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصْحَابَهُ لِلْقِتَالِ، وَوَعَدَهُمُ النَّصْرَ إِنْ صَبَرُوا، فَأَحْدَقَ (٧) الْمُشْرِكُونَ بِكُلِّ وَجْهٍ مِنَ الْخَنْدَقِ،

стр. 1479

وَوَجَّهُوا عَلَى قُبَّةِ النَّبِيِّ ﷺ كَتِيبَةً غَلِيظَةً فِيهَا خَالِدُ بْنُ الْوَليدِ ﵁، فَقَاتَلُوهُمْ يَوْمَهُمْ ذَلِكَ إِلَى قَرِيبٍ مِنَ اللَّيْلِ، مَا يَقْدِرُ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَزُولُوا مَوَاضِعَهُمْ، وَلَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَا أَصْحَابُهُ الْعَصْرَ إِلَّا بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، ثُمَّ رَجَعَ الْمُشْرِكُونَ مُتَفَرِّقِينَ إِلَى مَنَازِلهِمْ وَعَسْكَرِهِمْ، وَانْصَرَفَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى قُبَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ ﵁ عَلَى الْخَنْدَقِ فِي مِائتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَكَرَّ (١) خَالِدُ بْنُ الْوَليدِ ﵁ فِي خَيْلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَطْلُبُونَ غِرَّةَ (٢) الْمُسْلِمِينَ، فَنَاوَشُوهُمْ (٣) سَاعَةً، فزَرَقَ (٤) وَحْشِيُ بْنُ حَرْبٍ الطُّفيْلَ بْنَ النُّعْمَانِ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ بِمِزْرَاقَةٍ (٥) فَقتَلَهُ، وَانْكَشَفُوا، وَلَمْ يَكُنْ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ قِتَالٌ حَتَّى انْصَرَفَ الْمُشْرِكُونَ، لَكِنَّهُمْ لَا يَدَعُونَ الطَّلَائِعَ (٦) بِاللَّيْلِ يَطْمَعُونَ فِي الْغَارَةِ (٧). فَلَمَّا صَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي قُبَّتِهِ جَمَعَ أَصْحَابَهُ فَصَلَّى بِهِمُ الْعَصْرَ، ثُمَّ الْمَغْرِبَ (٨).

стр. 1480

رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ جَاءَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا"، فَقُمْنَا إِلَى بُطْحَانَ (١) فتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ وَتَوَضَّأنَا لَهَا، فَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ (٢). وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: حَبَسَ الْمُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتَّى احْمَرَّتِ الشَّمْسُ، أَوْ اصْفَرَّتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى (٣) صَلَاةِ الْعَصْرِ، مَلَأَ اللَّهُ أَجْوَافَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا"، أَوْ قَالَ: "حَشَا اللَّهُ أَجْوَافَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا" (٤).

стр. 1481

وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ قَالَ عَلِيٌّ ﵁: ثُمَّ صَلَّاهَا -أَيْ صَلَاةَ الْعَصْرِ- بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ، بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءَ (١). وَجَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: أَنَّ الذِي فَاتَهُمْ الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ وَالْمَغْرِبُ، وَأَنَّهُمْ صَلُّوهَا بَعْدَ هَوِيٍّ (٢) مِنَ اللَّيْلِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: حُبِسْنَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى كَانَ بَعْدَ الْمَغْرِبِ بِهَوِيٍّ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى كُفِينَا، وَذَلِكَ قَوْلُهُ : ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ (٣)، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ بِلَالًا، فَأَقَامَ صَلَاةَ الظُّهْرِ، فَصَلَّاهَا، وَأَحْسَنَ صَلَاتَهَا، كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعَصْرَ، فَصَلَّاهَا، وَأَحْسَنَ صَلَاتَهَا، كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْمَغْرِبَ، فَصَلَّاهَا كَذَلِكَ، قَالَ: وَذَلِكُمْ قَبْلَ أَنْ يُنْزِلَ اللَّهُ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (٤). وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدْ ضَعِيفٍ لِانْقِطَاعِهِ لَكِنَّهُ يَرْتَقِي إِلَى

стр. 1482

دَرَجَةِ الْحَسَنِ لِغَيْرِهِ لِشَوَاهِدِهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: أَنَّ الْمُشْرِكِينَ شَغَلُوا النَّبِيَّ ﷺ يوْمَ الْخَنْدَقِ عِنْ أَرْبَعِ (١) صَلَوَاتٍ، حَتَّى ذَهَبَ مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ، قَالَ: فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعِشَاءَ، ثُمَّ طَافَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "مَا عَلَى الْأَرْضِ عِصَابَةٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ غَيْرُكُمْ" (٢). * إِسْلَامُ نُعَيمِ بْنِ مَسْعُودٍ وَخِدَاعُهُ الْمُشْرِكِينَ: وَبَيْنَمَا الْمُسْلِمُونَ فِي هَذِهِ الشِّدَّةِ، وَهَذَا الْخَوْفِ الذِي وَصَفَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي

стр. 1483

كِتَابِهِ، مِنْ كَثْرَةِ عَدُوِّهِمْ، وَرَمْيِهِمْ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ، إِذْ يُحْدِثُ اللَّهُ أَمْرًا وَهُوَ: إِسْلَامُ نُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ الْأَشْجَعِيِّ ﵁. وَدَعُونَا نَتْرُكُ نُعَيْمَ بْنَ مَسْعُودٍ ﵁ يُحَدِّثُنَا بِنَفْسِهِ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ، قَالَ ﵁: لَمَّا سَارَتِ الْأَحْزَابُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، سِرْتُ مَعَ قَوْمِي وَأَنَا عَلَى دِينِي ذَلِكَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِي عَارِفًا، فَقَذَفَ اللَّهُ فِي قَلْبِي الْإِسْلَامَ فكَتَمْتُ ذَلِكَ قَوْمِي، وَخَرَجْتُ حَتَّى أتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ، بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي، فَلَمَّا رَآنِي جَلَسَ ثُمَّ قَالَ: "مَا جَاءَ بِكَ يَا نُعَيْمُ؟ ". قُلْتُ: إِنِّي جِئْتُ أُصَدِّقُكَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مَا جِئْتَ بِهِ حَقٌّ، فَمُرْنِي بِمَا شِئْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِي فِي الدَّلَائِلِ: قَالَ نُعَيْمٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِي أَحَدٌ مِنْ قَوْمِي فَمُرْنِي أَمْرَكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّمَا أَنْتَ فِينَا رَجُلٌ وَاحِدٌ، فَخَذِّلْ (١) عَنَّا مَا اسْتَطَعْتَ: فَإِنَّ الْحَرْبَ خُدْعَةٌ" (٢).

стр. 1484

قَالَ نُعَيْمٌ: وَلَكِنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ائْذَنْ لِي فَأَقُولُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قُلْ مَا بَدَا لَكَ فَأَنْتَ فِي حِلٍّ"، فَخَرَجَ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁ حَتَّى أَتَى بَنِي قُرَيْظَةَ، وَكَانَ لَهُمْ نَدِيمًا (١) فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ: يَا بَنِي قُرَيْظَةَ! قَدْ عَرَفْتُمْ وُدِّي إِيَّاكُمْ، وَخَاصَّةً مَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، قَالُوا: صَدَقْتَ، لَسْتَ عِنْدَنَا بِمُتَّهَمٍ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ قُرَيْشًا وَغَطَفَانَ لَيْسُوا كَأَنْتُمْ، الْبَلَدُ بَلَدُكُمْ، فِيهِ أَمْوَالُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَنِسَاؤُكُمْ، لَا تَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ تُحَوِّلُوا مِنْهُ إِلَى غَيْرِهِ، وِإِنَّ قُرَيْشًا وَغَطَفَانَ قَدْ جَاؤُوا لِحَرْبِ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ، وَقَدْ ظَاهَرتُمُوهُمْ (٢) عَلَيْهِ، وَبَلَدُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ بِغَيْرِهِ، فَلَيْسُوا كَأَنْتُمْ، فَإِنْ رَأَوْا نُهْزَةً (٣) أَصَابُوهَا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ لَحِقُوا ببلَادِهِمْ وَخَلُّوا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الرَّجُلِ بِبَلَدِكُمْ، وَلَا طَاقَةَ لَكُمْ بِهِ إِنْ خَلَا بِكُمْ، فَلَا تُقَاتِلُوا مَعَ الْقَوْمِ حَتَّى تَأْخُذُوا مِنْهُمْ رَهْنًا (٤) مِنْ أَشْرَافِهِمْ، يَكُونُونَ بِأَيْدِيكُمْ ثِقَةً لَكُمْ عَلَى أَنْ تُقَاتِلُوا مَعَهُمْ مُحَمَّدًا، حَتَّى تُنَاجِزُوهُ (٥)، فقالوا له: لقد أَشَرْتَ بِالرَّأي. ثُمَّ خَرَجَ نُعَيْمٌ ﵁، حَتَّى أَتَى قُرَيْشًا، فَقَالَ لِأَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ وَمَنْ

стр. 1485

مَعَهُ مِنْ رِجَالِ قُرَيْشٍ: قَدْ عَرَفْتُمْ وُدِّي لَكُمْ وَفِرَاقِي مُحَمَّدًا، وَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَمْرٌ قَدْ رَأَيْتُ عَلَيَّ حَقًّا أَنْ أَبِلِّغَكُمُوهُ، نُصْحًا لَكُمْ، فَاكْتُمُوا عَنِّي، فَقَالُوا: نَفْعَلُ، قَالَ: تَعْلَمُوا أَنَّ مَعْشَرَ يَهُودَ قَدْ نَدِمُوا عَلَى مَا صَنَعُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ، وَقَدْ أَرْسَلُوا إِلَيْهِ: إِنَّا قَدْ نَدِمْنَا عَلَى مَا فَعَلْنَا، فَهَلْ يُرْضِيكَ أَنْ نَأْخُذَ لَكَ مِنَ الْقَبِيلَتَيْنِ، مِنْ قُرَيْشٍ وَغَطفانَ، رِجَالًا مِنْ أَشْرَافِهِمْ فنعْطِيكَهُمْ، فتَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ، ثُمَّ نَكُونُ مَعَكَ عَلَى مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ حَتَّى نَسْتَأْصِلَهُمْ؛ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ مُحَمَّدٌ: أَنْ نَعَمْ. فَإِنْ بَعَثَتْ إِلَيْكُمْ يَهُودُ يَلْتَمِسُونَ مِنْكُمْ رَهْنًا مِنْ رِجَالِكُمْ فَلَا تَدْفَعُوا إِلَيْهِمْ مِنْكُمْ رَجُلًا وَاحِدًا. ثُمَّ خَرَجَ نُعَيْمٌ ﵁ حَتَّى أَتَى غَطَفَانَ، فَقَالَ لَهُمْ: يَا مَعْشَرَ غَطَفَانَ، إِنَّكُمْ أَهْلِي وَعَشِيرَتِي، وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَلَا أَرَاكُمْ تَتَّهِمُونِي، قَالُوا: صَدَقْتَ، مَا أَنْتَ عِنْدَنَا بِمُتَّهَمٍ، قَالَ: فَاكْتُمُوا عَنِّي، قَالُوا: نَفْعَلُ فَمَا أَمْرُكَ؟ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ مِثْلَ مَا قَالَ لِقُرَيْشٍ، وَحَذَّرَهُمْ مَا حَذَّرَهُمْ. * وُقُوعُ الْخِلَافِ وَالْفُرْقَةِ بَيْنَ الْأَحْزَابِ: وَفِي لَيْلَةٍ مِنَ اللَّيَالِي أَرْسَلَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ وَرُؤُوسُ غَطَفَانَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ: عِكْرَمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ، فِي نَفَرَيْ قُرَيْشٍ وَغَطَفَانَ، فَقَالُوا لَهُمْ: إِنَّا لَسْنَا

стр. 1486

بِدَارِ مُقَامٍ، قَدْ هَلَكَ الْخُفُّ (١) وَالْحَافِرُ (٢)، فَاغْدُوا (٣) لِلْقِتَالِ حَتَّى نُنَاجِزَ مُحَمَّدًا، وَنَفْرَغَ مِمَّا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ بَنُو قُرَيْظَةَ: إِنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ السَّبْتِ وَهُوَ يَوْمٌ لَا نَعْمَلُ فِيهِ شَيْئًا، وَقَدْ كَانَ أَحْدَثَ فِيهِ بَعْضُنَا حَدَثًا، فَأَصَابَهُ مَا لَمْ يَخْفَ عَلَيْكُمْ (٤)، وَلَسْنَا مَعَ ذَلِكَ بِالذِينَ نُقَاتِلُ مَعَكُمْ مُحَمَّدًا حَتَّى تُعْطُونَا رَهْنًا مِنْ رِجَالِكُمْ، يَكُوُنونَ بِأَيْدِينَا ثِقَةً لَنَا، حَتَّى نُنَاجِزَ مُحَمَّدًا، فَإِنَّا نَخْشَى إِنْ ضَرَّسَتْكُم (٥) الحَرْبُ، وَاشْتَدَّ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَنْ تَنْشَمِرُوا (٦) إِلَى بِلَادِكُمْ وَتَتْرُكُونَا وَالرَّجُلُ فِي بَلَدِنَا، وَلَا طَاقَةَ لَنَا بِذَلِكَ مِنْهُ. فَلَمَّا رَجَعَتْ إِلَيْهِمُ الرُّسُلُ بِمَا قَالَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ، قَالَتْ قُرَيْشٌ وَغَطفانُ: وَاللَّهِ إِنَّ الذِي حَدَّثَكُمْ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ لَحَقٌّ، فَأَرْسَلُوا إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، إِنَّا وَاللَّهِ لَا نَدْفَعُ إِلَيْكُمْ رَجُلًا وَاحِدًا مِنْ رِجَالِنَا، فَإِنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ الْقِتَالَ فَاخْرُجُوا فَقَاتِلُوا، فَقَالَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ، حِينَ انْتَهَتِ الرُّسُلُ إِلَيْهِمْ بِهَذَا: إِنَّ الذِي ذَكَرَ لَكُمْ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ لَحَقٌّ، مَا يُرِيدُ القوْمُ إِلَّا أَنْ تُقَاتِلُوا فَإِنْ رَأَوْا فُرْصَةً انْتهَزُوهَا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ انْشَمَرُوا إِلَى بِلَادِهِمْ، وَخَلَّوْا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الرَّجُلِ فِي بَلَدِكُمْ،

стр. 1487

فَأَرْسَلُوا إِلَى قُرَيْشٍ وَغَطَفَانَ: إِنَّا وَاللَّهِ لَا نُقَاتِلُ مَعَكُمْ مُحَمَّدًا حَتَّى تُعْطُونَا رَهْنًا، فَأَبَوْا عَلَيْهِمْ، وَخَذَّلَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ، وَيَئِسَ هَؤُلَاءِ مِنْ نَصْرِ هَؤُلَاءَ، وَهَؤُلَاءَ مِنْ نَصْرِ هَؤُلَاءِ، وَاخْتَلَفَ أَمْرُهُمْ وَتَفَرَّقُوا، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ (١). قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: أَيْ: لَمْ يَحْتَاجُوا إِلَى مُنَازَلَتِهِمْ وَمُبَارَزَتِهِمْ حَتَّى يُجْلُوهُمْ عَنْ بِلَادِهِمْ، بَلْ كَفَى اللَّهُ وَحْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَأَعَزَّ جُنْدَهُ، وَلهَذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَأَعَزَّ جُنْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، فَلَا شَيْءَ بَعْدَهُ" (٢). * دُعَاءُ الرَّسُولِ ﷺ عَلَى الأَحْزَابِ: وَفِي هَذِهِ الْغَمْرَةِ مِنَ الشَّدَائِدِ وَالْمَخَاوِفِ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ لَا يَنْفَكُّونَ عَنِ الدُّعَاءِ للَّهِ رَبِّ الَعَالَمِينَ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵄ قَالَ: دَعَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى

стр. 1488

الْأَحْزَابِ: "اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ، سَرِيعَ الْحِسَابِ، اهْزِمِ الْأَحْزَابَ، اللَّهُمَّ اهْزِمْهُمْ وَزَلْزِلْهُمْ" (١). وَرَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ لَكِنْ لَهُ شَوَاهِدُ كَثِيرَةٌ يَتَقَوَّى بِهَا، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قُلْنَا يَوْمَ الخَنْدَقِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ مِنْ شَيْءٍ نَقُولُهُ، فَقَدْ بَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ (٢)؛ فَقَالَ ﷺ : "نَعَمْ، اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِنَا، وَآمِنْ رَوْعَاتِنَا". قَالَ: فَضَرَبَ اللَّهُ وُجُوهَ أَعْدَائِهِ بِالرِّيحِ، فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ بِالرِّيحِ (٣). قَالَ الدُّكْتُورُ مُحَمَّد سَعِيدُ رَمَضانَ الْبُوطِيُّ: كَيْفَ وَبِأَيِّ وَسِيلَةٍ انْتَصَرَ الْمُسْلِمُونَ وَانْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ؟ لَقَدْ رَأَيْنَا أَنَّ الْوَسِيلَةَ التِي الْتَجَأَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَاُبهُ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، هِيَ نَفْسُهَا التِي الْتَجَأَ إِلَيْهَا فِي الْخَنْدَقِ. . إِنَّهَا وَسِيلَةُ التَّضَرُّعِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالْإِكْثَارِ مِنَ الْإِقْبَالِ عَلَيْهِ بِالدُّعَاءِ

стр. 1489

وَالِاسْتِغَاثَةِ، بَلْ لَقَدْ كَانَ هُوَ الْعَمَلُ المْتُكَرِّرُ الدَّائِمُ الذِي ظَلَّ يَفْزَعُ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، كُلَّمَا لَقِيَ عَدُوًّا أَوْ سَارَ إِلَى جِهَادٍ، وِهَي الْوَسِيلَةُ التِي تَعْلُو فِي تَأْثِيرِهَا عَلَى كُلِّ الْأَسْبَابِ وَالْوَسَائِلِ الْمَادِّيَّةِ الْأُخْرَى، وَهِيَ الْوَسِيلَةُ التِي لَا تَصْلُحُ حَالُ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا إِذَا قَامَتْ عَلَى أَسَاسِهَا بِعِنَايَةٍ كَامِلَةٍ (١). * هَزِيمَةُ الْأَحْزَابِ: وَقَدِ اسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَ رَسُولهِ ﷺ وَالْمُؤْمِنِينَ، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْأَحْزَابِ رِيحًا شَدِيدَةً فِي لَيْلَةٍ شَاتيَةٍ بَارِدَةٍ، فَجَعَلَتْ تَكْفَأُ قُدُورَهُمْ، وَتُطْفِئُ نِيرَانَهُمْ، وَتَهْدِمُ خِيَامَهُمْ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ لَمْ يَكَدْ يَهْتَدِي إِلَى رَحْلِهِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صحِيحَيْهِمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نُصِرْتُ بِالصَّبَا (٢)، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ" (٣). وَأَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ مَعَ الرِّيحِ جُنْدًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ تزلْزِلُهُمْ، وَتُلْقِي الرُّعْبَ فِي قُلُوبِهِمْ، فَامْتَلَأَتْ قُلُوبُ الْأَحْزَابِ رُعْبًا وَخَوْفًا وَهَلَعًا، وَفِي ذَلِكَ

стр. 1490

يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا (١) وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ (٢). قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: وَلَوْلَا أَنْ جَعَلَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، لَكَانَتْ هَذِهِ الرِّيحُ عَلَيْهِمْ أَشَدَّ مِنَ الرِّيحِ الْعَقِيمِ عَلَى عَادٍ، وَلَكِنْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ (٣) فَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ هَوَاءً فَرَّقَ شَمْلَهُمْ، كَمَا كَانَ سَبَبُ اجْتِمَاعِهِمْ مِنَ الْهَوَى، وَهُمْ أَخْلَاطٌ مِنْ قَبَائِلَ شَتَّى، أَحْزَابٌ وَآرَاءٌ، فنَاسَبَ أَنْ يُرْسَلَ عَلَيْهِمُ الْهَوَاءُ الذِي فَرَّقَ جَمَاعَتَهُمْ، وَرَدَّهُمْ خَائِبِينَ خَاسِرِينَ بِغَيْظِهِمْ وَخَنَقَهُمْ (٤)، لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا لَا فِي الدُّنْيَا، مِمَّا كَانَ فِي أَنْفُسِهِمْ مِنَ الظَّفَرِ (٥) وَالْمَغْنَمِ، وَلَا فِي الْآخِرَةِ بِمَا تَحَمَّلُوهُ مِنَ الْآثَامِ فِي مُبارَزَةِ الرَّسُولِ ﷺ ، بِالْعَدَاوَةِ، وَهَمِّهِمْ بِقَتْلِهِ، وَاسْتِئْصَالِ جَيْشِهِ، وَمَنْ هَمَّ بِشَيْء، وَصَدَّقَ هَمَّهُ بِفِعْلِهِ، فَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ كَفَاعِلِهِ (٦).

стр. 1491

* بَعْثُ الرَّسُولِ ﷺ حُذَيْفَةَ ﵁ لِيَأْتِيَهُ بِخَبَرِ الْأَحْزَابِ: فَلَمَّا أَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْأَحَزاب الرِّيحَ، أَرَادَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَبْعَثَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ لَيْلًا؛ لِيَأْتِيَهُ بِخَبَرِ الْأَحْزَابِ، فَأَرْسَلَ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ ﵁ فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قَالَ: قَالَ فَتًى مِنَّا مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ لِحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ ﵁: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ رَأَيْتُمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَصَحِبْتُمُوهُ؟ قَالَ: نَعَمْ يَا ابْنَ أَخِي، قَالَ: فَكَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ؟ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ كُنَّا نَجْهَدُ، قَالَ: وَاللَّهِ لَوْ أَدْرَكْنَاهُ مَا تَرَكْنَاهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ، وَلَجَعَلْنَاهُ عَلَى أَعْنَاقِنَا، فَقَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: يَا ابْنَ أَخِي، وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْخَنْدَقِ، وَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ اللَّيْلِ هَويًّا (١)، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْنَا، فَقَالَ: "مَنْ رَجُلٌ يَقُومُ فَيَنْظُرُ لَنَا مَا فَعَلَ الْقَوْمُ -يَشْرِطُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ يَرْجعُ- أَدْخَلهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ (٢) "، فَمَا قَامَ رَجُلٌ، ثُمَّ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَوِيًّا مِنَ اللَّيْلِ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْنَا، فَقَالَ: "مَنْ رَجُلٌ يَقُومُ فَيَنْظُرُ لَنَا مَا فَعَلَ الْقَوْمُ ثُمَّ يَرْجعُ -يَشْرِطُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّجْعَةَ- أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ رِفِيقِي فِي الْجَنَّةِ"، فَمَا قَامَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ مَعَ شِدَّةِ الْخَوْفِ وَشِدَّةِ الْجُوعِ وَشِدَّةِ الْبَرْدِ، فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ أَحَدٌ دَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمْ يَكُنْ لِيُ بدٌّ مِنَ الْقِيَامِ حِينَ دَعَانِي، فَقَالَ: "يَا حُذَيْفَةُ! فَاذْهَبْ فَادْخُلْ فِي الْقَوْمِ، فَانْظُرْ مَا يَفْعَلُونَ، وَلَا تُحْدِثَنَّ شَيْئًا حَتَّى تَأْتِيَنَا".

стр. 1492

قَالَ حُذَيْفَةُ: فَذَهَبْتُ فَدَخَلْتُ فِي الْقَوْمِ (١)، وَالرِّيحُ وَجُنُودُ اللَّهِ تَفْعَلُ مَا تَفْعَلُ، لَا تُقِرُّ لَهُمْ قِدْرًا وَلَا نَارًا وَلَا بِنَاءً، فَقَامَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ لِيَنْظُرِ امْرُؤٌ مَنْ جَلِيسُهُ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ: فَأَخَذْتُ بِيَدِ الرَّجُلِ الذِي إِلَى جَنْبِي، فَقُلْتُ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ. ثُمَّ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إِنَّكُمْ وَاللَّهِ مَا أَصْبَحْتُمْ بِدَارِ مُقَامٍ، لَقَدْ هَلَكَ الْكُرَاعُ (٢)، وَأَخْلفتْنَا بَنُو قُرَيْظَةَ، وَبَلَغَنَا عَنْهُمُ الذِي نَكْرَهُ، وَلَقِينَا مِنْ هَذِهِ الرِّيحِ مَا تَرَوْنَ، وَاللَّهِ مَا تَطْمَئِنُّ لَنَا قِدْرٌ، وَلَا تَقُومُ لَنَا نَارٌ، وَلَا يَسْتَمْسِكُ لَنَا بِنَاءٌ، فَارْتَحِلُوا فَإِنِّي مُرْتَحِلٌ، ثُمَّ قَامَ إِلَى جَمَلهِ وَهُوَ مَعْقُولٌ (٣) فَجَلَسَ عَلَيْهِ، ثُمَّ ضَرَبَهُ فَوَثَبَ عَلَى ثَلَاثٍ، فَمَا أَطْلَقَ عِقَالَهُ إِلَّا وَهُوَ قَائِمٌ، وَلَوْلَا عَهْدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : "لَا تُحْدِثْ شَيْئًا حَتَّى تَأْتِيَنِي"، ثُمَّ شِئْتُ لقتلْتُهُ بِسَهْمٍ (٤).

стр. 1493

قَالَ حُذَيْفَةُ: ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي مِرْطٍ (١) لِبَعْضِ نِسَائِهِ مُرَحَّلٍ، فَلَمَّا رَآنِي أَدْخَلَنِي إِلَى رَحْلِهِ، وَطَرَحَ عَلَيَّ طَرَفَ الْمِرْطِ، ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ وَإِنَّهُ لَفِيهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ أَخْبَرتُهُ الْخَبَرَ (٢)، وَسَمِعَتْ غَطفانُ بِمَا فَعَلَتْ قُرَيْشٌ، فَانْشَمَرُوا إِلَى بِلَادِهِمْ (٣). * الرُّجُوعُ مِنَ الْخَنْدَقِ إِلَى إِلَى الْمَدِينَةِ: فَلَمَّا أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ، وَقَدْ فتَحَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ، وَأَقَرَّ أَعْيُنَهُمْ بِجَلَاءِ الْأَحْزَابِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْآنَ نَغْزُوهُمْ وَلَا يَغْزُونَنَا نَحْنُ نَسِيرُ إِلَيْهِمْ" (٤). قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ النُّبوَّةِ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ اعْتَمَرَ فِي السَّنَةِ الْمُقْبِلَةِ فَصَدَّتْهُ قُرَيْشٌ عَنِ الْبَيْتِ، وَوَقَعَتِ الْهُدْنَةُ بَيْنَهُمْ إِلَى أَنْ نَقَضُوهَا فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ فَتْحِ مَكَّةَ، فَوَقَعَ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ ﷺ .

стр. 1494

وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ، وَقَدْ جَمَعُوا لَهُ جُمُوعًا كَثِيرَةً: "لَا يَغْزُوَنَّكُمْ بَعْدَ هَذَا أبَدًا، وَلَكِنْ أَنْتُمْ تَغْزُونَهُمْ" (١). ثُمَّ أَذِنَ الرَّسُولُ ﷺ لِلْمُسْلِمِينَ فِي الِانْصِرَافِ إِلَى مَنَازِلهِمْ، وَهُمْ يَقُولُونَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَأَعَزَّ جُنْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، لَا شَيْءَ قَبْلَهُ وَلَا شَيْءَ بَعْدَهُ. وَكَانُوا قَدْ أَقَامُوا بِالْخَنْدَقِ مُحَاصَرِينَ فِي شِتَاءٍ بَارِدٍ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً فَرَجَعُوا مَجْهُودِينَ، وَوَضَعُوا السِّلَاحَ، وَكَانَ انْصِرَافُهُمْ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءَ لِسَبْعِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ (٢). * * *

стр. 1495

غَزْوَةُ بَنِي قُرَيْظَةَ قَالَ ابْنُ الْقيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَأَمَّا قُرَيْظَةُ، فَكَانَتْ أَشَدَّ الْيَهُودِ عَدَاوَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَغْلَظَهُمْ كُفْرًا، وَلِذَلِكَ جَرَى عَلَيْهِمْ مَا لَمْ يَجْرِ عَلَى إِخْوَانِهِمْ مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ وَالنَّضِيرِ (١). وَقَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ فِي الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ: فَصْلٌ فِي غَزْوَةِ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَمَا أَحَلَّ اللَّهُ تَعَالَى بِهِمْ مِنَ الْبَأْسِ الشَّدِيدِ، مَعَ مَا أَعَدَّهُ اللَّهُ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ، وَذَلِكَ لِكُفْرِهِمْ وَنَقْضِهِمُ الْعُهُودَ التِي كَانَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَمُمَالَأَتِهِمُ الْأَحْزَابَ عَلَيْهِ، فَمَا أَجْدَى (٢) ذَلِكَ عَنْهُمْ شَيْئًا، وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولهِ، وَالصَّفَقَةِ الْخَاسِرَةِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ (٣). ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ يَهُودَ بَنِي قُرَيْظَةَ نَقَضُوا الْعَهْدَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ وَتَآمَرُوا مَعَ الْأَحْزَابِ عَلَى حَرْبِ الْمُسْلِمِينَ، فَكَانَ لَا بُدَّ مِنْ تَأْدِيبِهِمْ عَلَى هَذَا الْغَدْرِ. فَفِي الْيَوْمِ الذِي رَجَعَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْخَنْدَقِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ

стр. 1496

وَوَضَعُوا السِّلَاحَ، أَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇ بِصُورَةِ دِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ ﵁ يَأْمُرُهُ بِقِتَالِ بَنِي قُرَيْظَةَ. فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْخَنْدَقِ، وَوَضَعَ السِّلَاحَ، وَاغْتَسَلَ أَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇، فَقَالَ: قَدْ وَضَعْتَ السِّلَاحَ؟ وَاللَّهِ مَا وَضَعْنَاهُ فَاخْرُجْ إِلَيْهِمْ. فَقَالَ ﷺ : "فَإِلَى أَيْنَ؟ " قَالَ: هَهُنَا وَأَشَارَ إِلَى قُرَيْظَةَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْهِمْ (١). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: كَأَنَّي أَنْظُرُ إِلَى جِبْرِيلَ ﵇ مِنْ خَلَلِ (٢) الْبَابِ قَدْ عَصَبَ (٣) رَأْسَهُ مِنَ الْغُبَارِ (٤). وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ عِنْدَهَا فَسَلَّمَ عَلَيْنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ وَنَحْنُ فِي الْبَيْتِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَزِعًا فَقُمْتُ فِي أَثَرِهِ فَإِذَا دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ (٥)، فَقَالَ ﷺ : "هَذَا جِبْرِيلُ

стр. 1497

يَأْمُرُنِي أَنْ أَذْهَبَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ" (١). ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُنَادِيًا يُنَادِي فِي النَّاسِ: "أَلَا لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ". وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِمَامِ مُسْلِمٍ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ "الظُّهْرَ"، بَدَلَ "الْعَصْرَ" مَعَ اتِّفَاقِ الْبَخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ عَلَى رِوَايَتِهِ عَنْ شَيْخٍ وَاحِدٍ بِإِسْنَادٍ وَاحِدٍ (٢). * اخْتِلَافُ الصَّحَابَةِ ﵃ فِي أَمْرِ الرَّسُولِ ﷺ -: فَأَخَذَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ بِظَاهِرِ الْأَمْرِ، فَلَمْ يُصَلُّوا الْعَصْرَ حَتَّى جَاؤُوا بَنِي

стр. 1498

قُرَيْظَةَ، وَقَدْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَقَالَ الْبَعْضُ الْآخَرُ: إِنَّمَا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْإِسْرَاعَ، وَصَلُّوا الْعَصْرَ فِي وَقْتِهَا وَهُمْ فِي الطَّرِيقِ، فَلَمَّا ذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ لَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ (١). * أَيُّ الطَّائِفَتَيْنِ أَصْوَبُ ؟ : قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ أَيُّهُمَا كَانَ أَصْوَبَ؟ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ: الذِينَ أَخَّرُوهَا هُمُ الْمُصِيبُونَ وَلَوْ كُنَّا مَعَهُمْ، لَأَخَّرْنَاهَا كَمَا أَخَّرُوهَا، وَلَمَا صَلَّيْنَاهَا إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، وَتَرْكًا لْلتَّأْوِيلِ الْمُخَالِفِ لِلظَّاهِرِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى مِنَ الْفُقَهَاءِ: بَلِ الذِينَ صَلُّوهَا فِي الطَّرِيقِ فِي وَقْتِهَا حَازُوا قَصَبَ السَّبْقِ (٢)، وَكَانُوا أَسْعَدَ بِالْفَضِيلَتَيْنِ، فَإِنَّهُمْ بَادَرُوا إِلَى امْتِثَالِ أَمْرِهِ ﷺ فِي الْخُرُوجِ، وَبَادَرُوا إِلَى مَرْضَاتِهِ فِي الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا، ثُمَّ بَادَرُوا إِلَى اللَّحَاقِ بِالْقَوْمِ، فَحَازُوا فَضِيلَةَ الْجِهَادِ، وَفَضِيلَةَ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا، وَفَهِمُوا مَا يُرادُ مِنْهُمْ، وَكَانُوا أَفْقَهَ مِنَ الْآخِرِينَ، وَلَاسِيَّمَا تِلْكَ الصَّلَاةُ، فَإِنَّهَا كَانَتْ صَلَاةَ الْعَصْرِ، وَهِيَ الصَّلَاةُ الْوُسْطَى بِنَصِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الصَّحِيحِ الصَّرِيحِ الذِي لَا مَدْفَعَ لَهُ وَلَا مَطْعَنَ فِيهِ (٣)، وَمَجِيءُ السُّنَّةِ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا، وَالْمُبَادَرَةِ إِلَيْهَا،

стр. 1499

وَالتَّبْكِيرِ بِهَا (١)، وَأَنَّ مَنْ فَاتَتْهُ، فَقَدْ وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ (٢)، أَوْ قَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ (٣)، فَالذِي جَاءَ فِيهَا أَمْرٌ لَمْ يَجِئْ مِثْلُهُ فِي غَيْرِهَا، وَأَمَّا الْمُؤَخِّرُونَ لَهَا، فَغَايَتُهُمْ أَنَّهُمْ مَعْذُورُونَ، بَلْ مَأْجُورُونَ أَجْرًا وَاحِدًا لِتَمَسُّكِهمْ بِظَاهِرِ النَّصِّ، وَقَصْدِهِمْ امْتِثَالَ الْأَمْرِ، وَالذِينَ صَلُّوا فِي الطَّرِيقِ، جَمَعُوا بَيْنَ الْأَدِلِّةِ، وَحَصَّلُوا الْفَضِيلَتَيْنِ فَلَهُمْ أَجْرَانِ (٤). * خُرُوجُ الرَّسُولِ ﷺ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ ﵁، وَأَعْطَى الرَّايَةَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، فَمَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَجَالِسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قُرَيْظَةَ، فَقَالَ لَهُمْ: "هَلْ مَرَّ بِكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟ "، قَالُوا: مَرَّ عَلَيْنَا دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ عَلَى بَغْلَةٍ شَهْبَاءَ تَحْتَهُ قَطِيفَةُ دِيبَاجٍ، فَقَالَ ﷺ : "لَيْسَ ذَلِكَ بِدِحْيَةَ وَلَكِنَّهُ جِبْرِيلُ أُرْسِلَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ لِيُزَلْزِلَهُمْ، وَيَقْذِفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ" (٥).

стр. 1500

وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى الْغُبَارِ سَاطِعًا (١) فِي زُقَاقِ (٢) بَنِي غَنْمٍ (٣) مَوْكِبِ جِبْرِيلَ حِينَ سَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ (٤). * وُصُولُ الرَّسُولِ ﷺ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ: فَلَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحِصْنِهِمْ، وَكَانُوا فِي أَعْلَاهُ نَادَى بِأعَلَى صَوْتِهِ نَفَرًا مِنْ أَشْرَفِهَا حَتَّى أَسْمَعَهُمْ: "يَا إِخْوَةَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ"! ، قَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ! مَا كُنْتَ جَهُولًا وَلَا فَحَّاشًا (٥).

стр. 1501

فَحَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَمْسًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً (١) حَتَّى اشْتَدَّتْ بِهِمُ الْحَالُ، وَأَيْقَنُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ عَنْهُمْ حَتَّى يُنَاجِزَهُمْ (٢)، فَقَالَ لَهُمْ كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ: يَا قَوْمُ! قَدْ نَزَلَ بِكُمْ مِنَ الْأَمْرِ مَا تَرَوْنَ، وَإِنِّي عَارِضٌ عَلَيْكُمْ خِلَالًا (٣) ثَلَاثًا، فَخُذُوا أَيَّهَا شِئْتُمْ، قَالُوا: مَا هِيَ؟ قَالَ: نُتَابعُ هَذَا الرَّجُلَ وَنُصَدِّقُهُ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ إِنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَإِنَّهُ لَلَّذِي تَجِدُونَهُ فِي كِتَابِكُمْ، وَإِنَّهُ الذِي بَشَّرَ بِهِ عِيسَى، وَإِنَّكُمْ لَتَعْرِفُونَ صِفَتَهُ، فتَأْمَنُونَ عَلَى دِمَائِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَأَبْنَائِكُمْ وَنِسَائِكُمْ، فَأَبَوْا ذَلِكَ، وَقَالُوا: لَا نُفَارِقُ حُكْمَ التَّوْرَاةِ أَبَدًا، وَلَا نَسْتَبْدِلُ بِهِ غَيْرَهُ، قَالَ: فَإِذَا أَبَيْتُمْ عَلَيَّ هَذِهِ فَهَلُمَّ فَلْنَقْتُلْ أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا ثُمَّ نَخْرُجْ إِلَى مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ مُسْتَمِيتِينَ فِي الْقِتَالِ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ، فَإِنْ نَهْلِكْ لَمْ نَتْرُكْ وَرَاءَنَا شَيْئًا نَخْشَى عَلَيْهِ، وَإِنْ نَغْلِبْ فَلَنْ نُعْدَمَ النِّسَاءَ وَالْأَبْنَاءَ، فَأَبَوْا ذَلِكَ، وَقَالُوا: نَقْتُلُ هَؤُلَاءِ الْمَسَاكِينَ؟ فَمَا خَيْرُ الْعَيْشِ بَعْدَهُمْ؟ . قَالَ: فَإِنْ أَبَيْتُمْ عَلَيَّ هَذِهِ، فَإِنَّ اللَّيْلَةَ لَيْلَةُ السَّبْتِ وَإِنَّهُ عَسَى أَنْ يَكُون

стр. 1502

مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ قَدْ أَمَّنُونَا فِيهَا فَانْزِلُوا لَعَلَّنَا نُصِيبُ مِنْ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ غِرَّةً (١)، فَأَبَوْا ذَلِكَ، وَقَالُوا: نُفْسِدُ سَبْتَنَا عَلَيْنَا، وَقَدْ عَلِمْتَ مَا فَعَلَ اللَّهُ فِي الذِينَ اعْتَدَوْا فِي السَّبْتِ مِنَ الْمَسْخِ (٢)، فَقَالَ كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ: مَا بَاتَ رَجُلٌ مِنْكُمْ مُنْذُ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ لَيْلَةً وَاحِدَةً مِنَ الدَّهْرِ حَازِمًا (٣). * مَوْقِفُ عَمْرِو بْنِ سَعْدِي القُرَظِي: وَقَالَ لَهُمْ عَمْرُو بْنُ سَعْدِي: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ إِنَّكُمْ قَدْ حَالَفْتُمْ مُحَمَّدًا عَلَى مَا حَالَفْتُمُوهُ عَلَيْهِ، أَلَّا تَنْصُرُوا عَلَيْهِ أَحَدًا مِنْ عَدُوِّهِ، وَأَنْ تَنْصُرُوهُ مِمَّنْ دَهَمَهُ (٤)، فَنَقَضْتُمْ ذَلِكَ الْعَهْدَ الذِي كَانَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ، فَلَمْ أَدْخُلْ فِيهِ، وَلَمْ أُشْرِكْكُمْ فِي غَدْرِكُمْ، فَإِنْ أَبَيْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا مَعَهُ فَاثْبُتُوا عَلَى الْيَهُودِيَّةِ وَأَعْطُوا الْجِزيةَ، فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي يَقْبَلُهَا أَمْ لَا، قَالُوا: نَحْنُ لَا نُقِرُّ لِلْعَرَبِ بِخَرَاجٍ (٥) فِي رِقَابِنَا يَأْخُذُونَهَا بِهِ، القتْلُ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ! قَالَ: فَإِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ، وَخَرَجَ (٦).

стр. 1503

ثُمَّ إِنَّهُمْ أَرْسَلُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَنْزِلُوا عَلَى مَا نَزَلَتْ عَلَيْهِ بَنُو النَّضِيرِ مِنْ أَنَّ لَهُمْ مَا حَمَلَتِ الْإِبِلُ إِلَّا الْحَلْقَةَ (١)، فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ إِنَّهُمْ أَرْسَلُوا إِلَيْهِ ثَانِيَةً بِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ لَهُمْ بِشَيءٍ مِنَ الْأَمْوَالِ لَا مِنَ الْحَلْقَةِ وَلَا مِنْ غَيْرِهَا، فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَّا أَنْ يَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِهِ. فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ أَرَادُوا أَنْ يَتَّصِلُوا بِبَعْضِ حُلفائِهِمْ مِنَ الْأَوْسِ لَعَلَّهُمْ يَتَعَرَّفُونَ مَاذَا سَيَحِلُّ بِهِمْ إِذَا نَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ ﷺ . * اسْتِشَارَتُهُمْ أَبَا لُبَابَةَ ﵁ - (٢): فَأَرْسَلُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنِ ابْعَثْ إِلَيْنَا أَبَا لُبَابَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُنْذِرِ لِنَسْتَشِيرَهُ فِي أَمْرِنَا، وَكَانَ حَلِيفًا لَهُمْ، فَبَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَامَ إِلَيْهِ الرِّجَالُ، وَجَهَشَ (٣) إِلَيْهِ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ يَبْكُونَ فِي وَجْهِهِ، فَرَقَّ لَهُمْ، وَقَالُوا لَهُ: يَا أَبَا لُبَابَةَ! أَتَرَى أَنْ نَنْزِلَ عَلَى حُكْمِ مُحَمَّدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى حَلْقِهِ، يَعْنِي الذَّبْحَ، قَالَ أَبُو لُبَابَةَ: فَوَاللَّهِ مَا

стр. 1504

زَالَتْ قَدَمَايَ مِنْ مَكَانِهِمَا حَتَّى عَرَفْتُ أَنِّي قَدْ خُنْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﷺ . فقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَنْظُرُ فِي وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أُحْدِثَ للَّهِ ، تَوْبَةً نَصُوحًا يَعْلَمُهَا اللَّهُ مِنْ نَفْسِي، ثُمَّ انْطَلَقَ أَبُو لُبَابَةَ إِلَى الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، فَرَبَطَ نَفْسَهُ إِلَى سَارِيَةٍ (١) مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ -وَكَانَتْ مِنْ جُذُوعِ النَّخْلِ-، وَلَمْ يَأْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَ: لَا أَبْرَحُ (٢) مَكَاني هَذَا حَتَّى يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيَّ مِمَّا صَنَعْتُ، فنَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٣)، فَلَمَّا عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَبَرَهُ، وَكَانَ قَدِ اسْتَبْطَأَهُ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُ لَوْ جَاءَني لَاسْتَغْفَرْتُ لَهُ، فَأَمَّا إِذْ فَعَلَ مَا فَعَلَ فَمَا أَنَا بِالذِي أُطْلِقُهُ مِنْ مَكَانِهِ حَتَّى يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ. وَأَقَامَ أَبُو لُبَابَةَ ﵁، مَرْبُوطًا بِالْجِذْع سِتَّ لَيَالٍ أَوْ أَكْثَرَ، تَأْتِيهِ امْرَأَتُهُ فِي وَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ فتحِلُّهُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ يَعُودُ فَيُرْبَطُ بِالْجِذْعِ، حَتَّى نَزَلَتْ تَوْبَتُهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤).

стр. 1505

قَالَ الدُّكْتُورُ مُحَمَّدٌ أَبُو شَهْبَةَ: وَإِنَّ لَنَا هُنَا لَوَقْفَةً تُرِينَا مَبْلَغَ قُوَّةِ الْإِيمَانِ، وَتَذَكُّرِ الْقَلْبَ، وَيَقْظَةَ الضَّمِيرِ مِنْ صَحَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، الذِينَ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ، وَسُرْعَانَ مَا يَتُوبُونَ، وَمَبْلَغَ مَا وَصَلَ إِلَيْهِ الْمُجْتَمَعُ الْإِسْلَامِيُّ حِينَئِذٍ مِنْ حَيَاءٍ مِنَ الْمَعَاصِي وَالرَّذَائِلِ، وَتَقْدِيرٍ لِلْقِيَمِ الْخُلُقِيَّةِ، وَالْمَعَانِي الرُّوحِيَّةِ، وَاسْتِهَانَةٍ بِالنَّفْسِ وَالْوَلَدِ وَالْمَالِ فِي سَبِيلِ رِضَاءِ اللَّهِ وَرَسُولهِ ﷺ ، وَأَنَّ هَذَا الْمُجْتَمَعَ لَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ أَيُّ مُجْتَمَع مُتَحَضِّرٍ إِلَى وَقْتِنَا هَذَا (١). * نُزُولُ بَنِي قُرَيْظَةَ عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -: وَلَمَّا اشْتَدَّ الْحِصَارُ عَلَى بَنِي قُرَيْظَةَ أَذْعَنُوا (٢) وَرَضُوا أَنْ يَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِ

стр. 1506

الرَّسُولِ ﷺ ، بِالرُّغْمِ مِمَّا أَشَارَ إِلَيْهِمْ أَبُو لُبَابَةَ ﵁ أنَّهُ الذَّبْحُ، فَقَدْ قَذَفَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ، وَأَخَذَتْ مَعْنَوِيَّاتُهُمْ تَنْهَارُ، وَبَلَغَ هَذَا الْانْهِيَارُ غَايَتَهُ عِنْدَمَا اقْتَرَبَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁، مِنْ حِصْنِهِمْ وَصَاحَ: يَا كَتِيبَةَ الْإِيمَانِ! ثُمَّ تَقَدَّمَ هُوَ وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ ﵁، وَقَالَ: وَاللَّهِ لَأَذُوقَنَّ مَا ذَاقَ حَمْزَةُ أَوْ لَأَفْتَحَنَّ حِصْنَهُمْ، فَأَذْعَنُوا حِينَئِذٍ وَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَأَمَرَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَكُتِفُوا وَجُعِلُوا نَاحِيَةً، وَكَانُوا أَرْبَعَمِائَةٍ، وَهُوَ الرَّاجِحُ، وَقِيلَ سَبْعَمِائَةٍ، وَجُعِلَتِ النِّسَاءُ وَالذَّرَارِي بِمَعْزِلٍ عَنِ الرِّجَالِ فِي نَاحِيَةٍ. فَتَوَاثَبَتِ الْأَوْسُ وَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّهُمْ كَانُوا مَوَالِينَا وَحُلَفَاءَنَا، وَقَدْ فَعَلْتَ فِي مَوَالِي إِخْوَانِنَا الْخَزْرَجِ مَا قَدْ عَلِمْتَ، يَعْنُونَ بَنِي قَيْنقَاعَ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا حُلَفَاءَ الْخَزْرَجِ فَحَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ، فَسَأَلَهُ إِيَّاهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ فَوَهَبَهُمْ لَهُ عَلَى أَنْ يُجْلَوْا مِنَ الْمَدِينَةِ، فَظَنَّتِ الْأَوْسُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَهَبَ لَهُمْ بَنِي قُرَيْظَةَ كَمَا وَهَبَ بَنِي قَيْنُقَاعَ لِلْخَزْرَجِ، فَلَمَّا كَلَّمَتْهُ الْأَوْسُ أَبَى ﷺ أَنْ يَفْعَلَ بِبَنِي قُرَيْظَةَ مَا فَعَلَ بِبَنِي قَيْنُقَاعَ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَلَا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الْأَوْسِ أَنْ يَحْكُمَ فِيهِمْ رَجُلٌ مِنْكُمْ؟ ". قَالُوا: بَلَى، فَقَالَ ﷺ : "فَذَاكَ إِلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ". وَكَانَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ ﵁، يَوْمَئِذٍ فِي الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، يُطَبَّبُ مِنْ جُرْحِهِ الذِي أُصِيبَ بِهِ فِي الْخَنْدَقِ.

стр. 1507

فَأَرْسَلَ الرَّسُولُ ﷺ إِلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ﵁ فَأُتِيَ بِسَعْدٍ ﵁ عَلَى حِمَارٍ عَلَيْهِ إِكَافٌ (١) مِنْ لِيفٍ، قَدْ حُمِلَ عَلَيْهِ، وَحَفَّ (٢) بِهِ قَوْمُهُ، فَقَالُوا: يَا أَبَا عَمْرٍو! حُلَفَاؤُكَ وَمَوَالِيكَ وَأَهْلُ النِّكَايَةِ (٣) وَمَنْ قَدْ عَلِمْتَ، فَلَمَّا أَكْثَرُوا عَلَيْهِ قَالَ: لَقَدْ آنَ لِسَعْدٍ أَنْ لَا تَأْخُذُهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ، فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْهُ رَجَعَ بَعْضُ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ إِلَى دَارِ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ فَنُعِيَ إِلَيْهِمْ رِجَالُ بَنِي قُرَيْظَةَ (٤). * وُصُولُ سَعْدٍ ﵁ إِلَى الرَّسُولِ ﷺ وَحُكْمُهُ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ: فَلَمَّا انْتَهَى سَعْدٌ ﵁ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْأَنْصَارِ: "قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ أَوْ خَيْرِكُمْ، فَأَنْزِلُوهُ"، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: السَّيِّدُ هُوَ اللَّهُ، فَقَامُوا إِلَيْهِ، فَأَنْزَلُوهُ (٥)، ثُمَّ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ هَؤُلَاءِ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِكَ".

стр. 1508

فَقَالَ سَعْدٌ ﵁: فَإِنِّي أَحْكُمُ فِيهِمْ أَنْ تُقْتَلَ مُقَاتِلَتُهُمْ، وَتُسْبَى ذَرَارِيهِمْ، وَتُقَسَّمُ أَمْوَالُهُمْ. فَقَال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ". وَفِي رِوَايَةٍ "أَرْقِعَةٍ" (١). * تَنْفِيذُ الْحُكْمِ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ: ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بالْأُسَارَى فَجُمِعُوا فِي دَارِ رَمْلَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ (٢) امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي النَّجَارِ، وَقِيلَ: دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ (٣). قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُمْ جُعِلُوا فِي بَيْتَيْنِ (٤). ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُحْفَرَ لَهُمُ الْخَنَادِقُ فِي سُوقِ الْمَدِينَةِ، ثُمَّ بَعَثَ

стр. 1509

إِلَيْهِمْ، فَجِيءَ بِهِمْ أَرْسَالًا (١) تُضْرَبُ أَعْنَاقُهُمْ فِي تِلْكَ الْخَنَادِقِ وَيُلْقَوْنَ فِيهَا، وَكَانُوا أَرْبَعَمِائَةِ رَجُلٍ عَلَى الْأَرْجَحِ (٢)، وَفِي رِوَايِةِ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا سِتَّمِائَةِ أَوْ سَبْعَمِائَةِ رَجُلٍ (٣). فَلَمَّا أُخِذُوا لِلْقَتْلِ فِرَقًا يَتْبَعُ بَعْضُهُمْ بَعَضًا، قَالَ بَعْضُهُمْ لِسَيِّدِهِمْ كَعْبِ بْنِ أَسَدٍ: يَا كَعْبُ! مَا ترَاهُ يُصْنَعُ بِنَا؟ قَالَ كَعْبٌ: أَفِي كُلِّ مَوْطِنٍ لَا تَعْقِلُونَ؟ أَلَا تَرَوْنَ الدَّاعِيَ لَا يَنْزعُ، وَأَنَّهُ مَنْ ذُهِبَ بِهِ مِنْكُمْ لَا يَرْجعُ، هُوَ وَاللَّهِ الْقَتْلُ، فَلَمْ يَزَلْ يُؤْتَى بِهِمْ جَمَاعَاتٍ حَتَّى فَرغَ رَسُولُ اللَّهِ مِنْهُمْ (٤). * مَقْتَلُ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ: وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ قُتِلَ مَعَ بَنِي قُرَيْظَةَ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ، فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ

стр. 1510

دَخَلَ مَعَ بَنِي قُرَيْظَةَ فِي حِصْنِهِمْ حَيْثُ رَجَعَتْ عَنْهُمْ قُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ وَفَاءً لِكَعْبِ بْنِ أَسَدٍ بِمَا كَانَ عَاهَدَهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا أُتِيَ بِهِ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هَلْ أَخْزَاكَ اللَّهُ؟ ". قَالَ حُيَيٌّ: لَقَدْ ظَهَرْتَ عَلَيَّ، أَمَا وَاللَّهِ مَا لُمْتُ نَفْسِي فِي عَدَاوَتِكَ، وَلَكِنَّهُ مَنْ يَخْذُلِ اللَّهُ يُخْذَلُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: أَيّها النَّاسُ! إِنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَمْرِ اللَّهِ، كِتَابٌ وَقَدَرٌ وَمَلْحَمَةٌ كتَبَهَا اللَّهُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، ثُمَّ ضُرِبَ عُنُقُهُ لَعَنَهُ اللَّهُ (١). * لَمْ يُقْتَلْ مِنْ نِسَاءِ بَنِي قُرَيْظَةَ إِلَّا وَاحِدَةٌ: وَلَمْ يُقْتَلْ مِنْ نِسَاءِ بَنِي قُرَيْظَةَ إِلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ، وَأَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا قَتَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ امْرَأَةً قَطُّ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ إِلَّا امْرَأَةً وَاحِدَةً، وَاللَّهِ إِنَّها لَعِنْدِي تَضْحَكُ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَيَقْتُلُ رِجَالَهُمْ بِالسُّيُوفِ إِذْ يَقُولُ هَاتِفٌ بِاسْمِهَا: أَيْنَ فُلَانَةٌ؟ فَقَالَتْ: أَنَا وَاللَّهِ، قُلْتُ: وَمَا شَأْنُكِ؟ ، قَالَتْ: أُقْتَلُ وَاللَّهِ، قُلْتُ: وَلِمَ؟ ، قَالَتْ: لِحَدَثٍ أَحْدَثْتُهُ (٢)، فَانْطُلِقَ بِهَا فَضُرِبَ عُنُقُهَا (٣).
следующие страницы →