← Сира

Сира · id 38114

اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون

موسى بن راشد العازمي

Полный текст (2 595 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

الرَّسُولِ ﷺ ، بِالرُّغْمِ مِمَّا أَشَارَ إِلَيْهِمْ أَبُو لُبَابَةَ ﵁ أنَّهُ الذَّبْحُ، فَقَدْ قَذَفَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ، وَأَخَذَتْ مَعْنَوِيَّاتُهُمْ تَنْهَارُ، وَبَلَغَ هَذَا الْانْهِيَارُ غَايَتَهُ عِنْدَمَا اقْتَرَبَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁، مِنْ حِصْنِهِمْ وَصَاحَ: يَا كَتِيبَةَ الْإِيمَانِ! ثُمَّ تَقَدَّمَ هُوَ وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ ﵁، وَقَالَ: وَاللَّهِ لَأَذُوقَنَّ مَا ذَاقَ حَمْزَةُ أَوْ لَأَفْتَحَنَّ حِصْنَهُمْ، فَأَذْعَنُوا حِينَئِذٍ وَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَأَمَرَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَكُتِفُوا وَجُعِلُوا نَاحِيَةً، وَكَانُوا أَرْبَعَمِائَةٍ، وَهُوَ الرَّاجِحُ، وَقِيلَ سَبْعَمِائَةٍ، وَجُعِلَتِ النِّسَاءُ وَالذَّرَارِي بِمَعْزِلٍ عَنِ الرِّجَالِ فِي نَاحِيَةٍ. فَتَوَاثَبَتِ الْأَوْسُ وَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّهُمْ كَانُوا مَوَالِينَا وَحُلَفَاءَنَا، وَقَدْ فَعَلْتَ فِي مَوَالِي إِخْوَانِنَا الْخَزْرَجِ مَا قَدْ عَلِمْتَ، يَعْنُونَ بَنِي قَيْنقَاعَ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا حُلَفَاءَ الْخَزْرَجِ فَحَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ، فَسَأَلَهُ إِيَّاهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ فَوَهَبَهُمْ لَهُ عَلَى أَنْ يُجْلَوْا مِنَ الْمَدِينَةِ، فَظَنَّتِ الْأَوْسُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَهَبَ لَهُمْ بَنِي قُرَيْظَةَ كَمَا وَهَبَ بَنِي قَيْنُقَاعَ لِلْخَزْرَجِ، فَلَمَّا كَلَّمَتْهُ الْأَوْسُ أَبَى ﷺ أَنْ يَفْعَلَ بِبَنِي قُرَيْظَةَ مَا فَعَلَ بِبَنِي قَيْنُقَاعَ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَلَا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الْأَوْسِ أَنْ يَحْكُمَ فِيهِمْ رَجُلٌ مِنْكُمْ؟ ". قَالُوا: بَلَى، فَقَالَ ﷺ : "فَذَاكَ إِلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ". وَكَانَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ ﵁، يَوْمَئِذٍ فِي الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، يُطَبَّبُ مِنْ جُرْحِهِ الذِي أُصِيبَ بِهِ فِي الْخَنْدَقِ.

стр. 1507

فَأَرْسَلَ الرَّسُولُ ﷺ إِلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ﵁ فَأُتِيَ بِسَعْدٍ ﵁ عَلَى حِمَارٍ عَلَيْهِ إِكَافٌ (١) مِنْ لِيفٍ، قَدْ حُمِلَ عَلَيْهِ، وَحَفَّ (٢) بِهِ قَوْمُهُ، فَقَالُوا: يَا أَبَا عَمْرٍو! حُلَفَاؤُكَ وَمَوَالِيكَ وَأَهْلُ النِّكَايَةِ (٣) وَمَنْ قَدْ عَلِمْتَ، فَلَمَّا أَكْثَرُوا عَلَيْهِ قَالَ: لَقَدْ آنَ لِسَعْدٍ أَنْ لَا تَأْخُذُهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ، فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْهُ رَجَعَ بَعْضُ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ إِلَى دَارِ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ فَنُعِيَ إِلَيْهِمْ رِجَالُ بَنِي قُرَيْظَةَ (٤). * وُصُولُ سَعْدٍ ﵁ إِلَى الرَّسُولِ ﷺ وَحُكْمُهُ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ: فَلَمَّا انْتَهَى سَعْدٌ ﵁ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْأَنْصَارِ: "قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ أَوْ خَيْرِكُمْ، فَأَنْزِلُوهُ"، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: السَّيِّدُ هُوَ اللَّهُ، فَقَامُوا إِلَيْهِ، فَأَنْزَلُوهُ (٥)، ثُمَّ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ هَؤُلَاءِ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِكَ".

стр. 1508

فَقَالَ سَعْدٌ ﵁: فَإِنِّي أَحْكُمُ فِيهِمْ أَنْ تُقْتَلَ مُقَاتِلَتُهُمْ، وَتُسْبَى ذَرَارِيهِمْ، وَتُقَسَّمُ أَمْوَالُهُمْ. فَقَال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ". وَفِي رِوَايَةٍ "أَرْقِعَةٍ" (١). * تَنْفِيذُ الْحُكْمِ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ: ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بالْأُسَارَى فَجُمِعُوا فِي دَارِ رَمْلَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ (٢) امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي النَّجَارِ، وَقِيلَ: دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ (٣). قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُمْ جُعِلُوا فِي بَيْتَيْنِ (٤). ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُحْفَرَ لَهُمُ الْخَنَادِقُ فِي سُوقِ الْمَدِينَةِ، ثُمَّ بَعَثَ

стр. 1509

إِلَيْهِمْ، فَجِيءَ بِهِمْ أَرْسَالًا (١) تُضْرَبُ أَعْنَاقُهُمْ فِي تِلْكَ الْخَنَادِقِ وَيُلْقَوْنَ فِيهَا، وَكَانُوا أَرْبَعَمِائَةِ رَجُلٍ عَلَى الْأَرْجَحِ (٢)، وَفِي رِوَايِةِ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا سِتَّمِائَةِ أَوْ سَبْعَمِائَةِ رَجُلٍ (٣). فَلَمَّا أُخِذُوا لِلْقَتْلِ فِرَقًا يَتْبَعُ بَعْضُهُمْ بَعَضًا، قَالَ بَعْضُهُمْ لِسَيِّدِهِمْ كَعْبِ بْنِ أَسَدٍ: يَا كَعْبُ! مَا ترَاهُ يُصْنَعُ بِنَا؟ قَالَ كَعْبٌ: أَفِي كُلِّ مَوْطِنٍ لَا تَعْقِلُونَ؟ أَلَا تَرَوْنَ الدَّاعِيَ لَا يَنْزعُ، وَأَنَّهُ مَنْ ذُهِبَ بِهِ مِنْكُمْ لَا يَرْجعُ، هُوَ وَاللَّهِ الْقَتْلُ، فَلَمْ يَزَلْ يُؤْتَى بِهِمْ جَمَاعَاتٍ حَتَّى فَرغَ رَسُولُ اللَّهِ مِنْهُمْ (٤). * مَقْتَلُ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ: وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ قُتِلَ مَعَ بَنِي قُرَيْظَةَ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ، فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ

стр. 1510

دَخَلَ مَعَ بَنِي قُرَيْظَةَ فِي حِصْنِهِمْ حَيْثُ رَجَعَتْ عَنْهُمْ قُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ وَفَاءً لِكَعْبِ بْنِ أَسَدٍ بِمَا كَانَ عَاهَدَهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا أُتِيَ بِهِ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هَلْ أَخْزَاكَ اللَّهُ؟ ". قَالَ حُيَيٌّ: لَقَدْ ظَهَرْتَ عَلَيَّ، أَمَا وَاللَّهِ مَا لُمْتُ نَفْسِي فِي عَدَاوَتِكَ، وَلَكِنَّهُ مَنْ يَخْذُلِ اللَّهُ يُخْذَلُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: أَيّها النَّاسُ! إِنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَمْرِ اللَّهِ، كِتَابٌ وَقَدَرٌ وَمَلْحَمَةٌ كتَبَهَا اللَّهُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، ثُمَّ ضُرِبَ عُنُقُهُ لَعَنَهُ اللَّهُ (١). * لَمْ يُقْتَلْ مِنْ نِسَاءِ بَنِي قُرَيْظَةَ إِلَّا وَاحِدَةٌ: وَلَمْ يُقْتَلْ مِنْ نِسَاءِ بَنِي قُرَيْظَةَ إِلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ، وَأَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا قَتَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ امْرَأَةً قَطُّ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ إِلَّا امْرَأَةً وَاحِدَةً، وَاللَّهِ إِنَّها لَعِنْدِي تَضْحَكُ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَيَقْتُلُ رِجَالَهُمْ بِالسُّيُوفِ إِذْ يَقُولُ هَاتِفٌ بِاسْمِهَا: أَيْنَ فُلَانَةٌ؟ فَقَالَتْ: أَنَا وَاللَّهِ، قُلْتُ: وَمَا شَأْنُكِ؟ ، قَالَتْ: أُقْتَلُ وَاللَّهِ، قُلْتُ: وَلِمَ؟ ، قَالَتْ: لِحَدَثٍ أَحْدَثْتُهُ (٢)، فَانْطُلِقَ بِهَا فَضُرِبَ عُنُقُهَا (٣).

стр. 1511

* نَجَاةُ عَطِيَّةَ الْقُرَظِيِّ: وَكَانَ الرَّسُولُ ﷺ قَدْ أَمَرَ بِقَتْلِ كُلِّ مَنْ أَنْبَتَ (١) مِنْهُمْ، وَتَرْكِ مَنْ لَمْ يَنْبُتْ، فَكَانَ عَطِيَّةُ الْقُرَظِيُّ مِمَّنْ لَمْ يَنْبُتْ، فَخُلِّيَ سَبِيلُهُ وَأُلْحِقَ بِالسَّبْي، فَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَالتَّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيح عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ عَطِيَّةَ الْقُرَظِيِّ قَالَ: كُنْتُ فِيمَنْ حَكَمَ فِيهِمْ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، فَشَكُّوا فِيَّ: أَمِنَ الذُّرِّيَّةِ أَمْ مِنَ الْمَقَاتِلَةِ؟ . فَقَالَ الرَّسُولُ ﷺ : "انْظُرُوا، فَإِنْ كَانَ أَنْبَتَ الشَّعْرُ فَاقْتُلُوهُ، وَإِلَّا فَلَا تَقْتُلُوهُ". فَفَتَّشُونِي، فَوَجَدُونِي لَمْ أُنْبِتْ، فَخُلِّيَ سَبِيلِي (٢). * قِصَّةُ عَمْرِو بْنِ سَعْدِي الْقُرَظِيِّ: وَخَرَجَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ عَمْرُو بْنُ سَعْدِي الْقُرَظِيُّ، فَمَرَّ بِحَرَسِ الرَّسُولِ ﷺ ، وَعَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: أَنَا عَمْرُو بْنُ سَعْدِي، وَكَانَ عَمْرٌو قَدْ أَبَى أَنْ يَدْخُلَ مَعَ بَنِي قُرَيْظَةَ فِي غَدْرِهِمْ بِالرَّسُولِ ﷺ كَمَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ- وَقَالَ لَهُمْ: لَا أَغْدِرُ بِمُحَمَّدٍ

стр. 1512

أَبَدًا، فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ حِينَ عَرَفَهُ: اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنِي إِقَالَةَ عَثَرَاتِ الْكِرَامِ، ثُمَّ خَلَّى سَبِيلَهُ، فَخَرَجَ عَمْرُو بْنُ سَعْدِي عَلَى وَجْهِهِ، حَتَّى بَاتَ فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ بالْمَدِينَةِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ ذَهَبَ فَلَمْ يُدْرَ أَيْنَ تَوَجَّهَ مِنَ الْأَرْضِ إِلَى يَوْمِهِ هَذَا، فَذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَأْنُهُ، فَقَالَ ﷺ : "ذَاكَ رَجُلٌ نَجَّاهُ اللَّهُ بِوَفَائِهِ" (١). * تَقْسِيمُ غَنَائِمِ بَنِي قُرَيْظَةَ: ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَوْزِيعِ غَنَائِمِ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَقَدْ أَمَرَ أَنْ يُجْمَعَ مَا وُجِدَ فِي حُصُونِهِمْ مِنَ السِّلَاحِ وَالثِّيَابِ وَغَيْرِهَا، فَوُجْدَ فِي حُصُونِهِمْ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةِ سَيْفٍ وَثَلَاثُمِائَةِ دِرْعٍ، وَأَلْفُ رُمْحٍ، وَأَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةِ تُرْسٍ، وَوَجَدُوا جِمَالًا نوَاضِحَ وَمَاشِيَةً كَثِيرَةً، فَأُخْرِجَ الْخُمُسُ، ثُمَّ قُسِمَ الْبَاقِي عَلَى الْغَانِمِينَ، فَجُعْلَ لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ: لِلْفَرَسِ سَهْمَانِ، وَلفَارِسِهِ سَهْمٌ، وَأُسْهِمَ لِلرَّاجِلِ سَهْمٌ وَاحِدٌ (٢). رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أَنَّ يَهُودَ بَنِي النَّضِيرِ وَقُرَيْظَةَ حَارَبُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَأَجْلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَنِي النَّضيرِ، وَأَقَرَّ قُرَيْظَةَ وَمَنَّ عَلَيْهِمْ، حَتَّى حَارَبَتْ قُرَيْظَةُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقتَلَ رِجَالَهُمْ، وَقَسَمَ نِسَاءَهُمْ، وَأَوْلَادَهُمْ، وَأَمْوَالَهُمْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ (٣).

стр. 1513

وَصَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ إِذْ يَقُولُ: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ (١) وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ (٢) وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا (٣) وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ (٤) * اصْطِفَاءُ رَيْحَانَةَ: وَاصْطَفَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِنَفْسِهِ مِنْ نِسَائِهِمْ رَيْحَانَةَ بِنْتَ زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو إِحْدَى نِسَاءِ بَنِي عَمْرِو بْنِ قُرَيْظَةَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ عَرَضَ عَلَيْهَا الْإِسْلَامَ فَأَبَتْ إِلَّا الْيَهُودِيَّةَ، فَوَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي نَفْسِهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ مَعَ أَصْحَابِهِ إِذْ سَمِعَ وَقْعَ نَعْلَيْنِ خَلْفَهُ، فَقَالَ: "هَذَا ثَعْلَبَةُ بْنُ سَعْيَةَ (٥) يُبَشِّرُني بِإِسْلَامِ رَيْحَانَةَ"،

стр. 1514

فَبَشَّرَهُ وَعَرَضَ عَلَيْهَا أَنْ يُعْتِقَهَا وَيَتَزَوَّجَهَا وَيَضْرِبَ عَلَيْهَا الْحِجَابَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَلْ تَتْرُكُنِي فِي مُلْكِكَ، فَهُوَ أَخَفُّ عَلَيَّ وَعَلَيْكَ، فَتَرَكَهَا (١). وَذَكَر ابْنُ سَعْدٍ فِي طَبَقَاتِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: كَانَتْ رَيْحَانَةُ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ ، وَكَانَتْ جَمِيلَةً وَسِيمَةً، فَلَمَّا قُتِلَ زَوْجُهَا وَقَعَتْ فِي السَّبْي، فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاخْتَارَتِ الْإِسْلَامَ، فَأَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا وَضَرَبَ عَلَيْهَا الْحِجَابَ، فَغَاَرَتْ عَلَيْهِ غَيْرَةً شَدِيدَةً فَطَلَّقَهَا، فَشُقَّ عَلَيْهَا وَأَكْثَرَتِ الْبُكَاءَ، فَرَاجَعَهَا، فَكَانَتْ عِنْدَهُ حَتَّى مَاتَتْ قَبْلَ وَفَاتِهِ (٢). * شُهَدَاءُ غَزْوَةِ بَنِي قُرَيْظَةَ: اسْتَشْهَدَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ رَجُلَانِ، وَهُمْ: خَلَّادُ بْنُ سُوَيْدٍ الذِي طُرِحَتْ عَلَيْهِ رَحًى، فَشَدَخَتْ رَأْسَهُ شَدْخًا شَدِيدًا، فَمَاتَ، فَقَالَ الرَّسُولُ ﷺ : "إِنَّ لَهُ لَأَجْرَ شَهِيدَيْنِ"، وَقَدْ أَمَرَ الرَّسُولُ ﷺ بِقَتْلِ تِلْكَ الْمَرْأَةِ التِي طَرَحَتْ عَلَى خَلَّادِ بْنِ سُوَيْدٍ الرَّحَى، كَمَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ قَبْلَ قَلِيلٍ. وَالشَّهِيدُ الْآخَرُ هُوَ: أَبُو سِنَانِ بْنُ مِحْصنٍ أَخُو عُكَّاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ، مَاتَ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُحَاصِرٌ بَنِي قُرَيْظَةَ (٣). * ذِلَّةٌ لَا نِهَايَةَ لَهَا: وَمُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ ذَلَّتْ يَهُودُ، وَضَعُفَتْ حَرَكَةُ النِّفَاقِ فِي الْمَدِينَةِ، وَطَأْطَأَ

стр. 1515

الْمُنَافِقُونَ رُؤُوسَهُمْ، وَجَبُنُوا عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا كَانُوا يَأْتُونَ، وَتَبعَ هَذَا وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَمْ يَعُودُوا يُفَكِّرُونَ فِي غَزْوِ الْمُسْلِمِينَ، بَلْ أَصْبَحَ الْمُسْلِمُونَ هُمُ الذِينَ يَغْزُونَهُمْ، حَتَّى كَانَ فتحُ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ كَانَ هُنَاكَ تَلَازُمٌ بَيْنَ حَرَكَاتِ الْيَهُودِ وَحَرَكَاتِ الْمُنَافِقِينَ وَحَرَكَاتِ الْمُشْرِكِينَ، وَإِنَّ طَرْدَ الْيَهُودِ مِنَ الْمَدِينَةِ قَدْ أَنْهَى هَذَا التَّلَازُمَ، وَإِنَّهُ كَانَ فَارِقًا وَاضِحًا بَيْنَ عَهْدَيْنِ فِي نَشْأَةِ الدَّوْلَةِ الْإسَلَامِيَّةِ وَاسْتِقْرَارِهَا (١). وَبِالْقَضَاءِ عَلَى بَنِي قُرَيْظَةَ تَخَلَّصَ الْمُسْلِمُونَ بِالْمَدِينَةِ مِنْ آخِرِ شَوْكَةٍ فِي ظُهُورِهِمْ، وَأَصْبَحَتْ كُلُّهَا -مَا عَدَا الْمُنَافِقِينَ- عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، مَوْئِلَ الْإِسْلَامِ، وَحِصْنَهُ الْحَصِينَ (٢). * وَفَاةُ السَّيِّدِ الْكَبِيرِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ﵁ -: فَلَمَّا حَكَمَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ ﵁ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ بِالْقَتْلِ وَالسَّبْي، وَأَقَرَّ اللَّهُ عَيْنَهُ، وَشَفَى صَدْرَهُ مِنْهُمْ، انْفَجَرَ جُرْحُهُ ﵁ فَمَاتَ. وَكَانَ سَعْدٌ ﵁ قَدْ دَعَا اللَّهَ أَنْ لَا يُمِيتَهُ حَتَّى يُقِرَّ عَيْنَهُ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَذَلِكَ حِينَ نَقَضُوا مَا كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْعُهُودِ، وَالْمَوَاثِيقِ، وَالذِّمَامِ، وَمَالُوا عَلَيْهِ مَعَ الْأَحْزَابِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: . . . وَرَمَى

стр. 1516

سَعْدًا رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ العَرِقَةِ، بِسَهْمٍ، فَأَصَابَهُ فِي أَكْحَلِهِ فَقَطَعَهَا، فَدَعَا سَعْدٌ اللَّهَ ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَا تُمِتْنِي حَتَّى تُقِرَّ عَيْنِي مِنْ قُرَيْظَةَ (١). وَفِي رِوَايَةِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ بِسَنَدٍ صَحِيح عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ قَالَ جَابِرٌ ﵁: رُمِيَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، فَقَطَعُوا أَبْجَلَهُ (٢)، فَحَسَمَهُ (٣) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّارِ، فَانْتَفَخَتْ يَدُهُ، فَتَرَكَهُ، فَنَزَفَهُ الدَّمُ، فَحَسَمَهُ أُخْرَى، فَانْتَفَخَتْ يَدُهُ، فَلَمَّا رَأَى سَعْدٌ ذَلِكَ، قَالَ: اللَّهُمَّ لَا تُخْرِجْ نَفْسِي حَتَّى تُقِرَّ عَيْنِي مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ، فَاسْتَمْسَكَ عِرْقُهُ، فَمَا قَطَرَ قَطْرَةً حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ. . . فَلَمَا فَرَغَ مِنْ قتلِهِمُ انْفَتَقَ (٤) عِرْقُهُ فَمَاتَ (٥) * إِخْبَارُ جِبْرِيلَ ﵇ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِوَفَاةِ سَعْدٍ ﵁ -: فَلَمَّا مَاتَ ﵁ نَزَلَ جِبْرِيلُ ﵇ فَأَخْبَرَ الرَّسُولَ ﷺ بوَفَاتِهِ، فَقَدْ

стр. 1517

أَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى رسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ الذِي مَاتَ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءَ، وَتَحَرَّكَ لَهُ الْعَرْشُ؟ قَالَ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَإِذَا سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ ﵁ (١). وَلَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى سَعْدٍ ﵁ خَرَجَ مُسْرِعًا خَشْيَةَ أَنْ تُغَسِّلَهُ الْمَلَائِكَةُ، فَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ فِي طَبَقَاتِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا أُصِيبَ أَكْحَلُ سَعْدٍ ﵁ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَثَقُلَ، حَوَّلُوهُ عِنْدَ امْرَأَةٍ يُقَالُ لَهَا: رُفَيْدَةُ، وَكَانَتْ تُدَاوِي الْجَرْحَى، فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا مَرَّ بِهِ يَقُولُ: "كَيْفَ أَمْسَيْتَ؟ "، وَإِذَا أَصْبَحَ قَالَ: "كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ "، فَيُخْبِرُهُ، حَتَّى كَانَتِ اللَّيْلَةُ التِي نَقَلَهُ قَوْمُهُ فِيهَا فَثَقُلَ، فَاحْتَمَلُوهُ إِلَى بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ إِلَى مَنَازِلهِمْ، وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَمَا كَانَ يَسْأَلُهُ عَنْهُ، فَقَالُوا: قَدِ انْطَلَقُوا بِهِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَخَرَجْنَا مَعَهُ، فَأَسْرَعَ الْمَشْيَ حَتَّى تَقَطَّعَتْ شُسُوعُ (٢) نِعَالِنَا، وَسَقَطَتْ أَرْدِيَتُنَا عَنْ أَعْنَاقِنَا، فَشَكَا ذَلِكَ إِلَيْهِ أَصْحَابُهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتْعَبْتَنَا فِي الْمَشْي، فَقَالَ ﷺ : "إِنِّي أَخَافُ أَنْ تَسْبِقَنَا الْمَلَائِكَةُ إِلَيْهِ فتغَسِّلَهُ كَمَا غَسَّلَتْ حَنْظَلَة". فَانْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْبَيْتِ، وَسَعْدٌ يُغَسَّلُ وَأُمُّهُ تَبْكِي، وَهِيَ تَقُولُ:

стр. 1518

وَيْلَ أُمِّ سَعْدٍ سَعْدًا ... حَزَامَةً (١) وَجِدًّا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كُلُّ نَائِحَةٍ تَكْذِبُ إِلَّا أُمُّ سَعْدٍ" (٢). ثُمَّ جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَأْسَ سَعْدٍ ﵁ فِي حِجْرِهِ، وَقَالَ: "اللَّهُمَّ إِنَّ سَعْدًا قَدْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِكِ، وَصَدَّقَ رُسُلَكَ، وَقَضَى الذِي عَلَيْهِ، فَاقْبَلْ رُوحَهُ بِخَيْرِ مَا تَقَبَّلْتَ بِهِ الْأَرْوَاحَ" (٣). وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَقَدْ هَبَطَ يَوْمَ مَاتَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ إِلَى الْأَرْضِ، لَمْ يَهْبِطُوا قَبْلَ ذَلِكَ" (٤). * اهْتِزَازُ الْعَرْشِ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ﵁ -: رَوَى النَّسَائيُّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى وَابْنُ سَعْدٍ فِي طَبَقَاتِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هَذَا الذِي تَحَرَّكَ لَهُ الْعَرْشُ، وَفُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَشَهِدَهُ سَبْعُونَ ألفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ، لقَدْ ضُمَّ ضَمَّةً (٥)،

стр. 1519

ثُمَّ فرَجَ عَنْهُ"، يَعْنِي سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ (١) وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَالطَّحَاوِيُّ فِي شرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ الْأَنْصَارِيَّةِ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا مَاتَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ ﵁ صَاحَتْ أُمُّهُ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَلَا يَرْقَأُ (٢) دَمْعُكِ وَيَذْهَبُ حُزْنُكِ، فَإِنَّ ابْنَكِ أَوَّلُ مَنْ ضَحِكَ اللَّهُ إِلَيْهِ، وَاهْتَزَّ لَهُ الْعَرْشُ" (٣).

стр. 1520

قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: جَاءَ حَدِيثُ اهْتِزَازِ الْعَرْشِ لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ﵁ عَنْ عَشَرَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَوْ أَكْثَرَ، وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ (١)، فَلَا مَعْنى لِإِنْكَارِهِ (٢). وَقَالَ الْإِمَامُ الذَّهَبِيُّ: وَالْعَرْشُ خَلْقٌ للَّهِ مُسَخَّرٌ إِذَا شَاءَ أَنْ يَهْتَزَّ اهْتَزَّ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، وَجَعَلَ فِيهِ شُعُورًا لِحُبِّ سَعْدٍ ﵁، كَمَا جَعَلَ تَعَالَى شُعُورًا فِي جَبَلِ أُحُدٍ، ، بِحُبِّهِ النَّبِيَّ ﷺ (٣)، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ (٤)، وَقَالَ : ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ﴾ (٥)، ثُمَّ عَمَّمَ فَقَالَ: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ (٦)، وَهَذَا حَق، وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁: كُنَّا نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ وَهُوَ يُؤْكَلُ (٧)، وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ سَبِيلُهُ الْإِيمَانُ (٨).

стр. 1521

* جَهَازُ سَعْدٍ ﵁ وَدَفْنُهُ: وَلَمَّا فُرغَ مِنْ جَهَازِ سَعْدٍ ﵁، احْتَمَلَهُ النَّاسُ، وَكَانَ رَجُلًا طَوِيلًا ضَخْمًا، فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ: مَا أَخَفَّهَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "إِنَّمَا كَانَتْ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ مَعَهُمْ" (١). * حُزْنٌ شَدِيدٌ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ﵁ -: وَقَدْ حَزِنَ الْمُسْلِمُونَ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ﵁ حُزْنًا شَدِيدًا، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا كَانَ أَحَدٌ أَشَدَّ فَقْدًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ بَعْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَصَاحِبَيْهِ (٢) أَوْ أَحَدِهِمَا مِنْ سَعْدٍ (٣). وَأَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ، وَابْنُ حِبَّانَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا مَاتَ سَعْدٌ بَكَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄، حَتَّى عَرَفْتُ بُكَاءَ أَبِي بَكْرٍ مِنْ بُكَاءَ عُمَرَ، وَبُكَاءَ عُمَرَ مِنْ بُكَاءِ أَبِي بَكْرٍ (٤).

стр. 1522

* حَدِيثٌ فِي فَضْلِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ﵁ -: رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ قَالَ: أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُلَّةُ حَرِيرٍ، فَجَعَلَ أَصْحَابُهُ يَلْمَسُونَهَا، وَيَعْجَبُونَ مِنْ لِينِهَا، فَقَالَ ﷺ : "أَتَعْجَبُونَ مِنْ لينِ هَذِهِ؟ لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْهَا وَأَلْيَنُ" (١). وَكَانَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ ﵁ أَبْيَضَ، طِوَالًا، جَمِيلًا، حَسَنَ الْوَجْهِ، أَعْيَنَ (٢) حَسَنَ اللِّحْيَةِ، عَاشَ سَبْعًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً (٣). أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَى سَعْدٍ كَانَ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ وَأَطْوَلهِمْ (٤). قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: وَكَانَتْ وَفَاةُ سَعْدٍ ﵁ بَعْدَ انْصِرَافِ الْأَحْزَابِ بِنَحْوٍ مِنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً (٥).

стр. 1523

* مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ فِي قِصَّةِ الْخَنْدَقِ وَبَنِي قُرَيْظَةَ: آخِرُ مَا نَتَكَلَّمُ عَنْهُ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ وَبَنِي قُرَيْظَةَ، هُوَ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرآنِ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ الْعَظِيمَةِ، فَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ سُورَةَ الْأَحْزَابِ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ: وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَمْرِ الْخَنْدَقِ، وَأَمْرِ بَنِي قُرَيْظَةَ مِنَ الْقُرْآنِ سُورَةَ الْأَحْزَابِ، ذَكَرَ فِيهَا مَا نَزَلَ مِنَ الْبَلَاءِ وَنِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ، وَكِفَايَتَهُ إِيَّاهُمْ حِينَ فرَجَ ذَلِكَ عَنْهُمْ، بَعْدَ مَقَالَةِ مَنْ قَالَ مِنْ أَهْلِ النَفاقِ، فَقَالَ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢) وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (١٣) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا (١٤) وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا (١٥) قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٦) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ

стр. 1524

دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٧) قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (١٨) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٩) يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا (٢٠) لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١) وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢) مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣) لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٤) وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥) وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ (١). * * *

стр. 1525

قُدُومُ وَفْدِ أَشْجَعَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ الْخَامِسَةِ لِلْهِجْرَةِ: قَدِمَ عَلَى الرَّسُولِ ﷺ وَفْدٌ مِنْ أَشْجَعَ، وَكَانُوا مِائَةً عَلَى رَأْسِهِمْ: مَسْعُودُ بْنُ رُخَيْلَةَ (١)، فنَزَلُوا شِعْبَ (٢) سَلْعٍ (٣)، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَأَمَرَ لَهُمْ بِأَحْمَالِ التَّمْرِ، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ! لَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ قَوْمِنَا أَقْرَبَ دَارًا مِنْكَ مِنَّا، وَلَا أَقَلَّ عَدَدًا، وَقَدْ ضِقْنَا بِحَرْبِكَ وَحَرْبِ قَوْمِكَ، فَجِئْنَا نُوَادِعُكَ، فَوَادَعَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَكتَبَ لَهُمْ بِذَلِكَ كِتَابًا (٤). ثُمَّ إِنَّهُمْ أَسْلَمُوا بَعْدَ ذَلِكَ وَبَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ ﵁ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تِسْعَةً أَوْ ثَمَانِيَةً أَوْ سَبْعَةً، فَقَالَ ﷺ : "أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ؟ ". وَكُنَّا حَدِيثَ عَهْدٍ بِبَيْعَةٍ، فَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! . فَقَالَ ﷺ : "أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ؟ ". قَالَ: فَبَسَطْنَا أَيْدِينَا وَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَعَلَامَ نُبَايْعُكَ؟ .

стр. 1526

قَالَ ﷺ : "عَلَى أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَتُطْيعُوا، وَأَسَرَّ كلِمَةً خَفِيَّةً، وَلَا تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا". قَالَ عَوْفٌ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ أُولَئِكَ النَّفَرِ يَسْقُطُ سَوْطُ أَحَدِهِمْ، فَمَا يَسْأَلُ أَحَدًا يُنَاوِلُهُ إِيَّاهُ (١). * * *

стр. 1527

السَّنَةُ السَّادِسَةُ لِلْهِجْرَةِ الأَحْدَاثُ بَيْنَ غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ وَغَزْوَةِ خَيْبَرَ لَمَّا فَرَغَ رَسُول اللَّهِ ﷺ مِنَ الْأَحْزَابِ وَقُرَيْظَةَ، وَكُسِرَتْ شَوْكَةُ قُرَيْشٍ، وَهَدَأَ وَضْعُ الْمَدِينَةِ، أَخذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُوَجِّهُ حَمَلَاتٍ تَأْدِيبِيَّةٍ إِلَى الْقَبَائِلِ وَالْأَعْرَابِ الذِينَ كَانَ يَبْلُغُهُ عَنْهُمْ عَزْمُهُمْ عَلَى الِإْغَارَةِ عَلَى الْمَدِينَةِ. * * *

стр. 1528

سَريَّةُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ ﵁ (١) إِلَى القُرَطَاءِ (٢) فَفِي الْمُحَرَّمِ مِنَ السَّنَةِ السَّادِسَةِ لِلْهِجْرَةِ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ ﵁ فِي ثَلَاثِينَ رَاكِبًا إِلَى الْقُرَطَاءَ، وَهُمْ بَطْنٌ مِنْ بَنِي بَكْرٍ، وَاسْمُهُ: عُبَيْدُ بْنُ كِلَابٍ. فَخَرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ ﵁ وَأَصْحَابُهُ لِعَشْرِ لَيَالٍ خلَوْن مِنَ الْمُحَرَّمِ، فَسَارَ اللَّيْلَ وَكَمَنَ (٣) النَّهَارَ، فَلَمَّا أَغَارَ عَلَيْهِمْ هَرَبَ سَائِرُهُمْ بَعْدَ أَنْ قَتَلَ نَفَرًا

стр. 1529

مِنْهُمْ، وَاسْتَاقَ نَعَمًا (١) وَشَاءً، وَلَمْ يَعْرِضْ لِلظُّعُنِ (٢)، وَانْحَدَرَ (٣) إِلَى الْمَدِينَةِ فَقَدِمَهَا لِلَيْلَةٍ بَقِيَتْ مِنْ مُحَرَّمٍ، فَخَمَّسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا جَاءَ بِهِ، وَقَسَمَ مَا بَقِيَ عَلَى أَصْحَابِ السَّرِيَّةِ، فَعَدَلُوا الْجَزُورَ (٤) بِعَشْرٍ مِنَ الْغَنَمِ، وَكَانَتِ الْإِبِلُ مِائَةً وَخَمْسِينَ بَعِيرًا، وَالْغَنَمُ ثَلَاثَةُ آلَافِ شَاةً (٥). * هَلْ أُسِرَ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ ﵁ فِي هَذِهِ السَّرِيَّةِ ؟ : قِيلَ: أُسِرَ فِي هَذِهِ السَّرِيَّةِ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ سَيِّدُ بَنِي حَنِيفَةَ، وَفِيهِ نَظَرٌ. قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: فِي سِيَاقِ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ (٦) عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبَرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ شَهِدَ ذَلِكَ -أَيْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، وَهُوَ إِنَّمَا هَاجَرَ بَعْدَ خَيْبَرَ (٧). قُلْتُ: سَتَأْتِي قِصَّةُ أَسْرِ ثُمَامَةَ بْنِ أُثَالٍ ﵁ بَعْدَ خَيْبَرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. * * *

стр. 1530

غَزْوَةُ بَنِي لِحْيَانَ بَنُو لِحْيَانَ هَؤُلَاءِ هُمُ الذِينَ غَدَرُوا بِخُبَيْبِ بْنِ عَدِيٍّ ﵁ وَأَصْحَابِهِ يَوْمَ الرَّجِيعِ، وَلَمَّا كَانَتْ دِيَارُهُمْ مُتَوَغِّلَةً (١) فِي بِلَادِ الْحِجَازِ إِلَى حُدُودِ مَكَّةَ، وَلِوُجُودِ ثَارَاتٍ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ جِهَةٍ، وَقُرَيْشٍ وَالْأَعْرَابِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَلَّا يَتَوَغَّلَ فِي الْبِلَادِ الْقَرِيبَةِ مِنَ الْعَدُوِّ الْأَكْبَرِ وَالْرَئِيسِيِّ قُرَيْشٍ، فَلَمَّا تَخَاذَلَتِ الْأَحْزَابُ، وَانْكَسَرَتْ عَزَائِمُهُمْ، رَأَى أَنَّ الْوَقْتَ قَدْ حَانَ لِغَزْوِ بَنِي لِحْيَانَ وَأَخْذِ الثَّأْرِ لِأَصْحَابِ الرَّجِيعِ. فَخَرَجَ إِلَيْهِمُ الرَّسُولُ ﷺ طَالِبًا بِدِمَاءِ أَصْحَابِهِ فِي مِائَتَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَمَعَهُمْ عِشْرُونَ فَرَسًا، وَذَلِكَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ (٢)، أَوْ جُمَادَى الْأُولَى (٣) سَنَةَ سِتٍّ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ ﵁، وَأَظْهَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ يُرِيدُ الشَّامَ لِيُصِيبَ بَنِي لِحْيَانَ غِرَّةً (٤)، ثُمَّ أَسْرَعَ السَّيْرَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى وَادِي غُرَانَ (٥)

стр. 1531

بَيْنَ أَمَجٍ (١) وَعُسْفَانَ (٢)، وَهِيَ مَنَازِلُ بَنِي لِحْيَانَ، وَفِيهَا كَانَ مُصَابُ أَصْحَابِهِ، فَتَرَحَّمَ عَلَيْهِمْ وَدَعَا لَهُمْ. وَسَمِعَتْ بِهِ بَنُو لِحْيَانَ، فَهَرَبُوا وَاحْتَمَوا فِي رُؤُوسِ الْجِبَالِ، فَلَمْ يَقْدِرْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ، فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَرْضِهِمْ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ، وَبَعَثَ السَّرَايَا فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى أَحَدٍ. ثُمَّ سَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَصْحَابِهِ إِلَى عُسْفَانَ لِتَسْمَعَ بِهِ قُرَيْشٌ فَيُدَاخِلَهُمُ الرُّعْبُ، وَليُرِيَهُمْ مِنْ نَفْسِهِ قُوَّةً، فَبَعَثَ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ فِي عَشَرَةِ فَوَارِسَ إِلَى كُرَاعِ الْغَمِيمِ (٣)، ثُمَّ رَجَعَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ وَلَمْ يَلْقَ أَحَدًا. * ذِكْرُ صَلَاةِ الْخَوْفِ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ: قُلْتُ: رَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِهِ (٤) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ أَوَّلَ صَلَاةِ خَوْفٍ فِي الْإِسْلَامِ، وَالْمَشهُورُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي الْحُدَيْبِيَةِ كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ (٥). * * *

стр. 1532

سَرِيَّةُ عُكَّاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ ﵁ إِلَىَ الغَمْرِ وَفِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنَ السَّنَةِ السَّادِسَةِ لِلْهِجْرَةِ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُكَّاشَةَ بْنَ مِحْصَنٍ الْأَسَدِيِّ ﵁ إِلَى الْغَمْرِ -وَهُوَ مَاءٌ لِبَنِي أَسَدٍ عَلَى لَيْلَتَيْنِ مِنْ فَيْدِ (١) - وَمَعَهُ أَرْبَعُونَ رَجُلًا، فَخَرَجَ سَرِيعًا يُغِذُّ (٢) السَّيْرَ، وَنَذَرَ بِهِ (٣) الْقَوْمُ فَهَرَبُوا، فنَزَلَ عَلَى بِلَادِهِمْ فَوَجَدَهَا خُلُوفًا (٤)، فَبَعَثَ شُجَاعَ بْنَ وَهْبٍ الْأَسَدِيَّ طَلِيعَةً، فَرَأَى أَثَرَ النَّعَمِ، فَقَصَدَهَا الْمُسْلِمُونَ، فَأَصَابُوا رَبِيئَةً (٥) لَهُمْ فَأَمَّنُوهُ فَدَلَّهُمْ عَلَى نَعَمٍ لِبَنِي عَمٍّ لَهُ، فَأَغَارُوا عَلَيْهَا، فَاسْتَاقُوا مِائَتَيْ بَعِيرٍ وَأَطْلَقُوا الرَّجُلَ، وَرَجَعُوا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَلَمْ يَلْقَوْا كَيْدًا (٦). * * *

стр. 1533

سَرِيَّةُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ ﵁ إِلَى ذِي الْقَصَّةِ (١) وَفِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخِرِ مِنَ السَّنَةِ السَّادِسَةِ لِلْهِجْرَةِ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ ﵁، وَمَعَهُ عَشَرَةُ نَفَرٍ، إِلَى بَنِي ثَعْلَبَةَ مِنْ غَطَفَانَ وَبَنِي عَوَالٍ مِنْ ثَعْلَبَةَ، وَهُمْ بِذِي الْقَصَّةِ، فَوَرَدُوا عَلَيْهِمْ لَيْلًا، فَأَحْدَقَ (٢) بِهِ الْقَوْمُ، وَهُمْ مِائَةُ رَجُلٍ، فَتَرَامَوْا سَاعَةً مِنَ اللَّيْلِ، ثُمَّ حَمَلَتِ الْأَعْرَابُ عَلَيْهِمْ بِالرِّمَاحِ فَقَتَلُوهُمْ جَمِيعًا، وَوَقَعَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ جَرِيحًا، فَضُرِبَ كَعْبُهُ فَلَمْ يَتَحَرَّكْ، وَجَرَّدُوهُمْ (٣) مِنَ الثِّيَابِ، وَمَرَّ بِمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَحَمَلَهُ حَتَّى رَجَعَ بِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ (٤). * * *

стр. 1534

سَرِيَّةُ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرَّاحِ ﵁ إِلَى ذِي الْقَصَّةِ وَفِي نَفْسِ الشَّهْرِ رِبِيعٍ الْآخِرِ سَنَةَ سِتٍّ مِنَ الْهِجْرَةِ أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ ﵁، إِلَى ذِي الْقَصَّةِ عَلَى إِثْرِ مَقْتَلِ أَصْحَابِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ ﵁، فِي أَرْبَعِينَ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ حِينَ صَلُّوا الْمَغْرِبَ فَسَارَ إلَيْهِمْ مُشَاةً حَتَّى وَافَوا (١) ذِي الْقَصَّةِ مَعَ عَمَايَةِ الصُّبْحِ (٢)، فَأَغَارُوا عَلَيْهِمْ، فَأَعْجَزُوهُمْ هَرَبًا فِي الْجِبَالِ، وَأَصَابُوا رَجُلًا فَأَسْلَمَ فَتَرَكُوهُ، وَغَنِمُوا نَعَمًا مِنْ نَعَمِهِمْ فَاسْتَاقُوهُ، وَرِثَّةً (٣) مِنْ مَتَاعِهِمْ، وَقَدِمُوا بِذَلِكَ الْمَدِينَةَ، فَخَمَّسَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَسَمَ مَا بَقِيَ عَلَيْهِمْ (٤). وَعِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ فِي طَبَقَاتِهِ: أَنَّ سَبَبَ بَعْثِهِ ﷺ أَبَا عُبَيْدَةَ ﵁ إِلَى ذِي الْقَصَّةِ هُوَ مَا بَلَغَهُ مِنْ أَنَّ بَنِي مُحَارِبِ بْنِ خَصْفَةَ، وَثَعْلَبَةَ وَأَنْمَارٍ -وَهُمَا مِنْ غَطَفَانَ- أَجْمَعُوا أَنْ يُغِيرُوا عَلَى سَرْحِ (٥). . . . .

стр. 1535

الْمَدِينَةِ، وَهُوَ يَرْعَى بِهَيْفَا (١). قُلْتُ: فَلَعَلَّ الرَّسُولَ ﷺ بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ ﵁ مَرَّتَيْنِ إِلَى ذِي الْقَصَّةِ، أَوْ أَنْ يَكُونَ الْبَعْثُ مَرَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لَهُ سَبَبَانِ: الْأَخْذُ بِثَأْرِ أَصْحَابِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ ﵁ الْمَقْتُولينَ، وَدَفْعُ مَنْ أَرَادَ الْإِغَارَةَ عَلَى سَرْحِ الْمَدِينَةِ. * * *

стр. 1536

سَرِيَّةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ ﵁ إِلَى بَنِي سُلَيْمٍ بالْجَمُومِ (١) وَفِي الشَّهْرِ نَفْسِهِ مِنَ السَّنَةِ السَّادِسَةِ لِلْهِجْرَةِ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ ﵁ إِلَى بَنِي سُلَيْمٍ، فَسَارَ حَتَّى وَرَدَ الْجَمُومَ نَاحِيَةَ بَطْنِ نَخْلٍ (٢) عَنْ يَسَارِهَا، فَأَصَابُوا عَلَيْهِ امْرَأَةً مِنْ مُزَيْنَةَ يُقَالُ لَهَا: حَلِيمَةُ، فَدَلَّتْهُمْ عَلَى مَحَلَّةٍ (٣) مِنْ مَحَالِّ بَنِي سُلَيْمٍ، فَأَصَابُوا فِي تِلْكَ الْمَحَلَّةِ نَعَمًا وَشَاءً وَأَسْرَى، فَكَانَ فِيهِمْ زَوْجُ حَلِيمَةَ الْمُزَنِيَّةِ، فَلَمَّا قَفَلَ (٤) زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ ﵁ إِلَى الْمَدِينَةَ بِمَا أَصَابَ، وَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْمُزَنِيَّةِ نَفْسَهَا وَزَوَجَهَا (٥). * * *

стр. 1537

سَرِيَّةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ ﵁ إِلَى الْعِيصِ وَفِي جُمَادَى الْأُولَى مِنَ السَّنَةِ السَّادِسَةِ لِلْهِجْرَةِ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ ﵁، فِي سَبْعِينَ وَمِائَةِ رَاكِبٍ، وَالْهَدَفُ اعْتِرَاضُ عِيرٍ لِقُرَيْشٍ أَقْبَلَتْ مِنَ الشَّامِ بِقِيَادَةِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ، فَأَدْرَكُوهَا، فَأَخَذُوهَا وَمَا فِيهَا، وَأَخَذُوا يَوْمَئِذٍ فِضَّةً كَثِيرَةً لِصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، وَأَسَرُوا نَاسًا مِمَّنْ كَانَ فِي الْعِيرِ، مِنْهُمْ: أَبُو الْعَاصِ بْنُ الرَّبِيعِ، وَقَدِمُوا بِهِمْ إِلَى الْمَدِينَةِ. وَكَانَ أَبُو الْعَاصِ مِنْ رِجَالِ مَكَّةَ الْمَعْدُودِينَ تِجَارَةً وَمَالًا وَأَمَانَةً، وَهُوَ زَوْجُ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأُمُّهُ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ أُخْتُ خَدِيجَةَ ﵂. فَأَتَى أَبُو الْعَاصِ زَيْنَبَ ﵂ فِي اللَّيْلِ، وَكَانَتْ زَيْنَبُ هَاجَرَتْ قَبْلَهُ وَتَرَكَتْهُ عَلَى شِرْكِهِ -كَمَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ- فَاسْتَجَارَ بِهَا (١)، فَأَجَارَتْهُ، وَسَأَلَهَا أَنْ تَطْلُبَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَدَّ أَمْوَالِ الْعِيرِ عَلَيْهِ، فَلَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ فَكَبَّرَ وَكَبَّرَ النَّاسُ صَرَخَتْ زَيْنَبُ ﵂ مِنْ صُفَّةِ (٢) النِّسَاءِ: أَيُّهَا النَّاسُ! إِنِّي قَدْ أَجَرْتُ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ، فَلَمَّا سَلَّمَ

стр. 1538

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الصَّلَاةِ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ؟ "أَيُّهَا النَّاسُ هَلْ سَمِعْتُمْ مَا سَمِعْتُ؟ " قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: "أَمَا وَالذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا عَلِمْتُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى سَمِعْتُ مَا سَمِعْتُمْ، إِنَّهُ يُجِيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ". ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدَخَلَ عَلَى ابْنَتِهِ، فَقَالَتْ لَهُ: إِنَّ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ إِنْ قَرُبَ فَابْنُ عَمٍّ، وَإِنْ بَعُدَ فَأَبُو وَلَدٍ، وإِنِّي قَدْ أَجَرتُهُ، فَأَجَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جِوَارَهَا، وَسَأَلَتْهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ مَا أُخِذَ مِنْهُ، فَقَبِلَ. ثُمَّ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى السَّرِيَّةِ الذِينَ أَصَابُوا مَالَ أَبِي الْعَاصِ، فَقَالَ لَهُمْ: "إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ مِنَّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتُمْ، وَقَدْ أَصَبْتُمْ لَهُ مَالًا، فَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَرُدُّوا عَلَيْهِ الذِي لَهُ فَإِنَّا نُحِبُّ ذَلِكَ، وَإِنْ أَبَيْتُمْ فَهُوَ فَيْءُ اللَّهِ الذِي أَفَاءَ عَلَيْكُمْ فَأَنْتُمْ أَحَقُ بِهِ". فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! بَلْ نَرُدُّهُ عَلَيْهِ. فَرَدُّوهُ عَلَيْهِ حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَأْتِي بِالدَّلْوِ وَيَأْتِي بِالشَّنَّةِ (١) وَالْإِدَاوَةِ (٢)، حَتَّى الْعِقَالِ (٣)، حَتَّى رَدُّوا عَلَيْهِ مَالَهُ كُلَّهُ لَا يَفْقِدُ مِنْهُ شَيْئًا. * * *

стр. 1539

عَوْدَةُ أَبِي الْعَاصِ ﵁ إِلَى مَكَّةَ وَإِسْلامُهُ ثُمَّ رَجَعَ أَبُو الْعَاصِ ﵁ إِلَى مَكَّةَ فَأَدَّى إِلَى كُلِّ ذِي مَالٍ مِنْ قُرَيْشٍ مَالَهُ، وَمَنْ كَانَ أَبْضَعَ مَعَهُ، ثُمَّ قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! هَلْ بَقِيَ لِأَحَدٍ مِنْكُمْ عِنْدِي مَالٌ لَمْ يَأْخُذْهُ؟ . قَالُوا: لَا، فَجَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا، فَقَدْ وَجَدْنَاكَ وَفِيًّا كَرِيمًا، قَالَ: فَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَاللَّهِ مَا مَنَعَنِي مِنَ الْإِسْلَامِ عِنْدَهُ -أَيْ عِنْدَ الرَّسُولِ ﷺ إِلَّا تَخَوُّفُ أَنْ تَظُنُّوا أَنِّي إِنَّمَا أَرَدْتُ أَنْ آكُلَ أَمْوَالَكُمْ، فَلَمَّا أَدَّاهَا اللَّهُ إِلَيْكُمْ، وَفَرَغْتُ مِنْهَا أَسْلَمْتُ. ثُمَّ خَرَجَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مُهَاجِرًا فِي الْمُحَّرِم سَنَةَ سَبْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ (١). * رَدُّ زَيْنَبَ عَلَى زَوْجِهَا بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ: وَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ ﵁ ابْنَتَهُ زَيْنَبَ ﵂، عَلَى النِّكَاحِ الْأَوَّلِ، وَلَمْ يُحْدِثْ شَهَادَةً وَلَا صَدَاقًا، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ؛

стр. 1540

لِأَنَّ آيَةَ تَحْرِيمِ الْمُسْلِمَاتِ عَلَى الْكُفَّارِ لَمْ تَكُنْ نَزَلَتْ إِذْ ذَاكَ. فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وِالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَدَّ ابْنَتَهُ زَيْنَبَ عَلَى أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ، وَكَانَ إِسْلَامُهَا قَبْلَ إِسْلَامِهِ بِسِتِّ (١) سِنِينَ عَلَى النِّكَاحِ الْأَوَّلِ، وَلَمْ يُحْدِثْ شَهَادَةً وَلَا صَدَاقًا (٢). وَأَمَّا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَدَّ ابْنَتَهُ إِلَى أَبِي الْعَاصِ بِمَهْرٍ جَدِيدٍ، وَنِكَاحٍ جَدِيدٍ. فَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالتِّرْمِذِيُّ (٣).

стр. 1541

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بَعْدَ أَنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ فِي مُسْنَدِهِ: هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ ، أَوْ قَالَ: وَاهٍ، وَلَمْ يَسْمَعْهُ الْحَجَّاجُ مِنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، إِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْعَرْزَمِي، وَالْعَرْزَمِي: لَا يُسَاوِي حَدِيثُهُ شَيْئًا، وَالْحَدِيثُ الصَّحِيحُ الذِي رُوِيَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقَرَّهُمَا عَلَى النِّكَاحِ الْأَوَّلِ -وَهُوَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ- (١). وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ أَنْ رَوَى حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ: هَذَا حَدِيثٌ فِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ (٢). وَقَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَالْمُعْتَمَدُ تَرْجِيحُ إِسْنَادِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ (٣). * حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رَوَى الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: أَسْلَمَتْ زَيْنَبُ بْنَتُ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ زَوْجِهَا أَبِي الْعَاصِ بِسَنَةٍ، ثُمَّ أَسْلَمَ أَبُو الْعَاصِ، فَرَدَّهَا النَّبِيُّ ﷺ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ (٤). قَالَ الْإِمَامُ الذَّهَبِيُّ: هَذَا بَاطِلٌ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ هَاجَرَتْ قَبْلَهُ بِسَنَةٍ، وَإِلَّا فَهِيَ أَسْلَمَتْ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِمُدَّةٍ.

стр. 1542

* شَيْءٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ ﵁ -: ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُثْنِي عَلَى أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ ﵁ فِي مُصَاهَرَتِهِ (١) خَيْرًا، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا مِنْ حَدِيثِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ﵁ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَسَمِعْتُهُ حِينَ تَشَهَّدَ يَقُولُ: "أَمَّا بَعْدُ، أَنْكَحْتُ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ فَحَدَّثَنِي وَصَدَقَنِي". وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ ﵁: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صِهْرًا لَهُ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، فَأَثْنَى عَلَيْهِ فِي مُصَاهَرَتِهِ إِيَّاهُ، فَقَالَ: "حَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي، وَوَعَدَنِي فَوَفَّى لِي" (٢). قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: هَذَا الْمُشَارُ إِلَيْهِ بِالْوَعْدِ وَالْوَفَاءِ: هُوَ أَبُو الْعَاصِ بْنُ الرَّبِيعِ زَوْجُ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، كَانَ أُسِرَ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، فَأَرْسَلَتْ زَيْنَبُ فِدَاءَهُ مِنْ مَكَّةَ، وَهِيَ قِلَادَةُ أُمِّهَا خَدِيجَةَ ﵂، فَرَقَّ لَهَا رَسُولُ ﷺ رِقَّةً شَدِيدَةً، وَاسْتَطْلَقَ أَسِيرَهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَشَرَطَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَبِي الْعَاصِ أَنْ يُنْفِذَ زَيْنَبَ إِلَيْهِ إِذَا وَصَلَ إِلَى مَكَّةَ، فَفَعَلَ (٣).

стр. 1543

* أَوْلَادُ أَبِي الْعَاصِ ﵁ مِنْ زَيْنَبَ ﵂: قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالنَّسَبِ أَنَّ زَيْنَبَ لَمْ تَلِدْ لِأَبِي الْعَاصِ إِلَّا: عَلِيًّا، وَأُمَامَةَ فَقَط (١). فَأَمَّا عَلِيٌّ فَقَدْ مَاتَ عِنْدَمَا نَاهَزَ الِاحْتِلَامَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرْدَفَهُ عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَمَاتَ فِي حَيَاتِهِ ﷺ (٢). وَأَمَّا أُمَامَةُ ﵂ فَهِيَ التِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَحْمِلُهَا أَثْنَاءَ الصَّلَاةِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّهَا حُبًّا شّدِيدًا، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلِأَبِي الْعَاصِ بنِ الرَّبِيعِ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا، وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا (٣). * فَوَائِدُ الحَدِيثِ: قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَفِي الْحَدِيثِ: ١ - تَوَاضُعُهُ ﷺ . ٢ - شَفَقَتُهُ ﷺ عَلَى الْأَطْفَالِ.

стр. 1544

٣ - إِكْرَامُهُ ﷺ لَهُمْ جَبْرًا لَهُمْ وَلِوَالِدِيهِمْ (١). وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَأَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَدِمَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ حِلْيَةٌ مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ، أَهْدَاهَا لَهُ، فِيهَا خَاتَمٌ مِنْ ذَهَبٍ، فِيهِ فَصٌّ حَبَشِيٌّ، فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِعُودٍ بِبَعْضِ أَصَابِعِهِ، مُعْرِضًا عَنْهُ، ثُمَّ دَعَا أُمَامَةَ بِنْتَ أَبِي الْعَاصِ ابْنَةَ ابْنَتِهِ، فَقَالَ: "تَحَلَّيْ بِهَذَا يَا بُنَيَّةُ" (٢). * كَادَتْ أُمَامَةُ ﵂ أَنْ تَمُوتَ: وَعَاشَتْ أُمَامَةُ ﵂ فِي حَيَاتِهِ ﷺ حَتَّى كَادَتْ أَنْ تَمُوتَ لَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَافَاهَا، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ قَالَ: أَرْسَلَتْ ابْنَةُ (٣) النَّبِيِّ ﷺ إِلَيْهِ: إِنَّ ابْنًا (٤) لِي قُبِضَ (٥)، فَأْتِنَا،

стр. 1545

فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا يُقْرِئُ السَّلَامَ، وَيَقُولُ: "إِنَّ للَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلُّ شيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمَّى، فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ". فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ تُقْسِمُ عَلَيْهِ لَيَأْتِيَنَّهَا، فَقَامَ وَمَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَرِجَالٌ، فَرُفِعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الصَّبِيُّ وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ (١)، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ ﷺ ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذَا؟ قَالَ ﷺ : "هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ" (٢). وفي رواية أخرى في الصحيح قال ﷺ : "هَذِهِ رَحْمَةٌ يَضَعُهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ" (٣). قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَقَدِ اسْتُشْكِلَ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ بِالْأَخْبَارِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ أُمَامَةَ بِنْتَ أَبِي الْعَاصِ مِنْ زَيْنَبَ بِنْتِ النَّبِيِّ ﷺ عَاشَتْ
следующие страницы →